يظنون أن هذه البدع قد قام العمل عليها بين المسلمين في القديم والحديث، وفي جميع الأمصار والأقطار، وهذا الأثر تلمسه بوضوح في تشنيعهم على المخالفين لهم في ذلك، والمنكرين عليهم، فتجدهم يصمونهم بأنهم خالفوا ما عليه المسلمون؛ لأنهم ينقلون ويحكون الاتفاق أو الإجماع أو القول بأنه مشهور عن الصحابة أو التابعين أو أهل الحديث أو الأئمة وفي الحقيقة أن الأمر ليس كذلك، مما كان سبباً في التلبيس وعموم الفتنة، وذلك إما لجهلهم، أو تساهلهم، أو توهمهم، أو الكذب من بعضهم. ومما يزيد الأمر خطورةً والأثر عمقاً أن يتُوصل إلى تقرير بعض هذه البدع بالأدلة الشرعية، مما يؤدي -بحد ذاته- إلى تلبيس الحق بالباطل والهدى بالضلال.
ومن الأمثلة على هذه البدع دعوى الإجماع في بدعة شد الرحال لزيارة قبر النبي ﷺ ، وبدعة التوسل بذات النبي ﷺ وغيره من ذوات الأنبياء والصالحين، في حياتهم وبعد مماتهم، وبدعة الإرجاء، وبدعة إنكار الصفات الاختيارية لله تعالى، وغير ذلك (١).
ومن أساليبهم ما ذكره عمر بن عبد العزيز ﵀ بقوله: " إذا رأيت قوماً يتناجون بأمر في أمر دينهم دون عامتهم، فهم على تأسيس الضلالة" (٢)؛ والتاريخ شاهد بذلك، فإن البدع إنما ابتدأت همساً وأحياناً بقصد الغيرة على الدين، والنصح للإسلام، ثم يؤول الأمر إلى العزلة عن الجماعة وتنافر القلوب وغرس الغل على المخالفين.
فكل صاحب بدعة من البدع المتقابلة قد يجد من شاذ الآراء، أو مشتبهها ما يُفتن به ويُلبس على الناس فيه (٣)؛ ومن هنا تنشأ البدع المتقابلة ويعظم ضررها -والله المستعان-.
стр. 72
٧ - اتباع المتشابه:
لأن المبتدع تفسد طبيعته، ويترك طريق الصواب إلى طريق الضلال، فأول أثر لذلك: اتباع المتشابه، وقد نبه الله على ذلك بقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ آل عمران: ٧.
ومن أمثلة ذلك: استشهاد الخوارج على إبطال التحكيم بقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ الأنعام: ٥٧.
قد يعتضد الرأي الباطل بدليل صحيح، ويستنبط منه ما يوهم به صحته، وهنا يقرر شيخ الإسلام أن كل دليل نقلي صحيح، وعقلي صريح، إنما يدل على الحق لا على الباطل؛ يقول ﵀: "عامة ما يحتج به أهل البدع من كتاب الله ، ففي تلك النصوص ما يتبين أنه لا حجة لهم فيها، بل هي بعينها حجة عليهم" (١)؛ لأن "الدليل الصحيح لا يدل إلا على حق، لا على باطل" (٢).
وقد قال ﷺ : ((إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم)) (٣)، قال الإمام النووي ﵀ في شرح الحديث: " وفي هذا الحديث التحذير من مخالطة أهل الزيغ وأهل البدع، ومن يتبع المشكلات للفتنة، فأما من سأل عما أشكل عليه منها للاسترشاد وتلطف في ذلك فلا بأس عليه، وجوابه واجب، وأما الأول فلا يجاب بل يزجر ويعزر كما عزر عمر بن الخطاب ﵁ صبيغ بن عسل حين كان يتبع المتشابه" (٤).
ويقول أيوب السختياني: " لا أعلم أحداً من أهل الأهواء يخاصم إلا بالمتشابه" (٥).
стр. 73
٨ - تبديل الشريعة:
ومما يحسن التنبيه عليه من آثار البدع المتقابلة الضارة: أن ظهورها وانتشارها يعد ضرباً من تبديل الشريعة بسبب طول الزمان واندراس الحق، ويعرف هذا في أصناف ثلاثة: الصغار حينما ينشأون على البدعة ويكبرون عليها، والكفار إذا أسلموا عليها، والأعراب وأهل البادية إذا تعلَّموها وحملوها معهم (١).
لأن اعتقاد الأمر على خلاف ما هو عليه، والعمل به على هذا الحد نحوٌ من تبديل الشريعة، والخروج على أحكامها، فاعتقاد العوام ومن لا علم عنده ما ليس بفريضة فريضة، أو ما ليس بسنة سنة، أو ما ليس بمشروع أنه مشروع، فساد عظيم أورثته البدع بشكل عام والبدع المتقابلة بشكل خاص.
فإن كل فرقة من الفرق - لاعتقادها أنها على الحق، وغيرها على الباطل- تنكر السنن التي تقول بها الفرق الأخرى وتحاربها، ولا تنفك هي - في الوقت نفسه- عن الإغراق في الابتداع والتفرق، حتى يؤول الأمر ببعض الفرق إلى الانسلاخ من الدين -والعياذ بالله- (٢).
وهنا حقيقة مهمة كان لها أثرها البالغ في تبديل الشرائع العملية للدين، ومن أظهر الأدلة على ذلك أن الإرجاء لم يكن -في الأصل-دعوة واعية مقصودة لترك العمل والتفلت من الطاعات، وإنما كان تفسيراً ضالاً لحقيقة الإيمان أنتجته البدع المتقابلة، ولكن مع طول الزمان أصبح شعاراً لترك العمل والتفلت من الطاعات.
٩ - التناقض:
تجد أهل البدع المتقابلة حيارى متناقضين، وهذه هي طبيعة الباطل، فإنه مختلف متناقض (٣)؛ لأن أصحابه لما خرجوا عن صريح المعقول، وصحيح المنقول، صار في أقوالهم من التناقض والفساد ما لا يعلمه إلا رب العباد، مع دعواهم أنهم أصحاب البراهين العقلية، والمعارف الحكمية، وأن العلوم الحقيقية فيما يقولونه، لا فيما جاءت به رسل الله الذين هم أفضل الخليقة، وأعلمهم بالحقيقة (٤).
стр. 74
وهذا الاضطراب والتناقض سِمَةٌ عامة في أغلب أهل البدع المتقابلة أفراداً وفرقاً، فالفرقة الواحدة لا تستقر على رأي أو عقيدة أو موقف وإن جمعتها أحياناً بعض الأصول العامة، مثل الخوارج والرافضة وسائر الفرق (١)؛ لأن كل أصولهم التي خرجوا بها عن السنة مُحدثة مبتدعة ليس لهم فيها سند شرعي، ولا قدوة من الأئمة الصالحين لذلك نجدهم عرضة للتقلب والتغير وعدم الثبات.
ومن أكثر الفرق تقلباً أهل الكلام (٢)، قال الإمام أحمد ﵀: " هم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويلبسون على جهال الناس بما يتكلمون به من المتشابه" (٣).
قال ابن القيم ﵀: " وكل من له مسكة عقل يعلم أن فساد العالم وخرابه إنما ينشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل، وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استحكم هلاكه، وفي أمة إلا فسد أمرها أتم فساد ... وأكثر أصحاب الجحيم هم أهل هذه الآراء الذين لا سمع لهم ولا عقل، بل هم شر من الحمير، وهم الذين يقولون يوم القيامة: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾ الملك: ١٠" (٤).
١٠ - التفريط أو الإفراط في شرائع الدين:
الله تعالى حكيم في حكمه وأحكامه حيث وضع الموازين التي توزن بها الأعمال بدقة متناهية فهي صنع الله كما قال تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ النمل: ٨٨، وكل بدعة هي خروج عن الدين إما إلى إفراط وإما إلى تفريط؛ فما من بدعة ظهرت في الإسلام، إلا وظهرت بدعة أخرى تناقضها، وهذا الأمر إذا تأمله العارف عرف أن الحق لا يُعرف بالمقابلة، ولا يكون طرفاً مناقضاً من كل وجه.
стр. 75
والتفريط هو التساهل في الدين، والإفراط هو التشدد في الدين، وكلاهما منهي عنه شرعاً وموقع في الأهواء والبدع، فالتساهل إعراض، والتشدد ابتداع.
قال شيخ الإسلام ﵀: " وإنما جماع الشرِّ تفريط في حق أو تعدٍّ إلى باطل، وهو تقصير في السنة أو دخول في البدعة، كترك بعض المأمور وفعل بعض المحظور، أو تكذيب بحق وتصديق بباطل؛ ولهذا عامة ما يؤتى الناس من هذين الوجهين، فالمنتسبون إلى أهل الحديث والسنة والجماعة يحصل من بعضهم، كما ذكرت، تفريط في معرفة النصوص أو فهم معناها أو القيام بما تستحقه من الجهة ودفع معارض، فهذا عجز وتفريط في الحق، وقد يحصل منهم دخول في باطل: إما في بدعة ابتدعها أهل البدع وافقوهم عليها واحتاجوا إلى إثبات لوازمها، وإما في بدعة ابتدعوها هم لظنهم أنها من تمام السنة كما أصاب الناس في مسألة كلام الله وغير ذلك من صفاته" (١).
وقال ابن الوزير ﵀: " اعلم أن منشأ معظم البدع يرجع إلى أمرين واضح بطلانهما ... الزيادة في الدين بإثبات مالم يذكره الله تعالى ورسوله ﵇ من مهمات الدين ... والنقص منه بنفي بعض ما ذكره الله تعالى ورسوله ﷺ من ذلك بالتأويل الباطل ... ولهذين الأمرين الباطلين أصلان: عقلي وسمعي.
أما العقلي: أنه عرض للمبتدعة بسبب الخوض فيما لا تدركه العقول مما أعرض عنه السلف، نحو ما عرض للبراهمة الذين حكموا برد النبوات ... فلزمهم ما التزموا من أن رسل الله ﵈ قصروا في البيان عمداً امتحاناً للمكلفين، وتعريضاً للعلماء الراسخين في تأويل كلام رب العالمين.
وأما الأصل الثاني وهو السمعي: فهو اختلافهم في أمرين أحدهما: في معرفة المحكم والمتشابه أنفسهما والتمييز بينهما حتى يرد المتشابه إلى المحكم، وثانيهما: اختلافهم هل يعلمون تأويل المتشابه ثم اختلافهم في تأويله على تسليم أنهم قد عرفوا المتشابه ... فطلبوا العلم من غير مظانه بل طلبوا علم ما لا يعلم فتعارضت أنظارهم العقلية وعارض بعضهم بعضا في الأدلة السمعية" (٢).
стр. 76
فمن سمات أهل البدع أنهم لا يوفقون إلى الوسطية، فهم بين الغلو والتقصير، فمنهم غلاة، ومنهم مقصرون، ومنهم من يجمع بين الغلو من جهة، والتقصير من جهة أخرى.
وبالنظر إلى ما سبق ذكره من الآثار المترتبة على البدع المتقابلة يدلنا ذلك دلالة واضحة على أنها هي الفتنة التي أفسدت عليهم تصوراتهم العقلية للمنهج الحق.
стр. 77
المطلب الثاني: الإفساد في الأرض .
إن من نتائج وآثار البدع المتقابلة انتشار الفساد في الأرض، والفساد المقصود به هنا: ما يمس دين الإنسان ودنياه على حد سواء. ومن ذلك:
١ - امتحان الناس، وإلحاق الأذى بهم:
من المفاسد التي حُفظت في القديم والحديث، امتحان الناس، وإلحاق الأذى بهم، فتجد أن كل فرقة وطائفة من البدع المتقابلة، إذا تسلطت على الفرق الأخرى، أذاقتها ألوانًا من الظلم والبطش والاضطهاد ولم ترقب فيها إلا ولا ذمة؛ ومن الأمثلة التاريخية الدالة على ذلك ما عرف في التاريخ الإسلامي بـ"فتنة القول بخلق القرآن" فلقد تسلط الجهمية على مقاليد السلطة، والتعليم، والقضاء، وجميع مظاهر الحياة في القرن الثالث الهجري؛ بدءاً من ولاية الخلفاء العباسيين الثلاثة: المأمون، والمعتصم بالله، والواثق بالله؛ فشملت هذه الفترة الزمنية من سنة (٢١٨ - ٢٣٢ هـ)، وكانت أشد الفترات نشراً لهذه البدعة هي فترة خلافة الواثق.
ويلخص شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ما حل بالأمة الإسلامية في هذه الفترة من الإفساد في الأرض، وصور ذلك الإفساد في الدين والدنيا فيقول: " اجترؤا على دعاء الناس إلى القول بخلق القرآن، وامتحانهم على ذلك، وعقوبة من لم يجبهم بالحبس، والضرب، والقتل، وقطع الأرزاق، والعزل عن الولايات، ومنع قبول الشهادة وترك افتدائهم من أسر العدو، إلى غير ذلك من العقوبات التي إنما تصلح لمن خرج عن الإسلام، وبدلوا بذلك الدين نحو تبديل كثير من المرتدين" (١).
وشمل امتحان أولئك المبتدعة الضلال على البدعة وإلزامهم القول بها الفقهاء والمحدثين، والقضاة، والأئمة، والمؤذنين، وقواد الجيش، وأسارى المسلمين، وسائر عمال الدولة فأجاب عامتهم مكرهين، كما منع من التدريس والإفتاء من لم يقل بخلق القرآن (٢). فكان هناك إصرار قوي من أولئك الضلال؛ لإفساد عقائد الناس، وإلزامهم بالقوة بالبدعة، ومنع نشر السنة النبوية المبطلة لبدعهم.
стр. 78
٢ - السجن والتعذيب وإراقة الدماء:
إن الغلو مذموم أياً كان مصدره، عواقبه وخيمة، لا ينتج عنه إلا تجاوز النصوص الشرعية، وإراقة الدماء البريئة؛ ومن صور تلك المأساة: سجن وتعذيب الإمام أحمد بن حنبل ﵀، فبقي في السجن نحوا من ثمانية وعشرين شهراً، وضرب بالسياط ضرباً شديداً مبرحاً (١)، ومات خلق في السجون والقيود والأغلال في أيديهم، لرفضهم القول بخلق القرآن؛ ومنهم: الإمام أبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي (٢)، صاحب الإمام الشافعي، وأحمد بن نصر الخزاعي (٣)(٤).
وإن من أبرز صفات أهل البدع المتقابلة استحلال السيف، أي الخروج على الجماعة، أو الأئمة بالسيف، واستحلال ذلك يكون بالفعل والاعتقاد كما عند الخوارج، أو بالاعتقاد كما عند المعتزلة والرافضة وغيرهم، حيث يعتقدون استباحة الخروج، لكنهم قد لا يتمكنون، إما لعدم القدرة، أو لانتظار رجل موهوم كما يعتقد الرافضة. أخرج اللالكائي بسنده عن أبي قلابة قال: " ما ابتدع قوم بدعة إلاً استحلوا السيف" (٥).
لذلك كان بعض السلف يسمي كل أصحاب الأهواء خوارج، أي أن سمتهم الخروج؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة لزوم الجماعة، وترك قتال الأئمة، وترك القتال في الفتنة، وأما أهل الأهواء، كالمعتزلة فيرون القتال للأئمة من أصول دينهم، ويجعل المعتزلة أصول دينهم خمسة: التوحيد ... والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي منه قتال الأئمة" (٦).
стр. 79
فيتضح أن من نتائج وآثار البدع المتقابلة السجن والتعذيب وإراقة الدماء سواء مكنوا من مقاليد السلطة، والتعليم، والقضاء، أم لم يمكنوا.
٣ - تسلط الأعداء عليهم في القديم والحديث:
إن قوة الأمة لا تكون إلا في وحدتها واجتماعها، ولهذا لما تفرقت الأمة وظهرت البدع المتقابلة، تسلط عليها أعداؤها وساموها سوء العذاب (١)، فإذا أرادت الأمة العودة لمجدها وعزتها وقوتها فعليها بالاجتماع على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وعليها أن تنبذ التفرق والاختلاف، فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
يقول الإمام ابن تيمية ﵀ بعد ذكر الخلافات العقدية: " .. وهذا التفريق الذي حصل من الأمة علمائها ومشايخها، وأمرائها وكبرائها، هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليها .. وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا، وإذا اجتمعوا أصلحوا وملكوا؛ فإن الجماعة رحمة والفرقة عذاب" (٢).
إخبار النبي ﷺ بأن هذه الأمة إذا افترقت وتقاتلت يتسلّط عليها العدّو (٣).
وقد وقع ما أخبر به ﷺ . وقد دعا النبي ﷺ لأمته بأن لا يسلط عليهم عدَوّاً من سوى أنفسهم، فاستجاب الله له الدعوة الثانية استجابة معلّقة، يعني: ما دامت أمتك مجتمعة على الحق، فإن الله لا يسلّط عليهم عدوًّا من الكفار، أما إذا حصل في الأمة افتراق كلمة، وحصل بينهم قتال فيما بينهم، وسبى بعضهم بعضاً، فحينئذ يعاقبهم الله ويسلط عليهم الكفّار، ولا يزال الخلاف وتسلط الكفار على
стр. 80
المسلمين إلى وقتنا هذا، بل في وقتنا هذا اشتدّ فيه الأمر، والسبب في هذا هو اختلاف المسلمين فيما بينهم (١).
وقد أشار شيخ الإسلام ﵀ إلى تسلط الأعداء على أهل البدع: " صالت الدهرية على أهل الكلام الذين سلكوا هذه السبيل؛ فإنهم لما رأوا فساد هذا القول في صريح المعقول، وظنوا أن هذا قول الرسل وأتباعهم، اعتقدوا أن الرسل -صلوات الله عليهم-، أخبرت بما يخالف صريح المعقول، ثم من أحسن الظن بهم قال: فعلوا ذلك لمصلحة الجمهور؛ إذ لم يمكن مخاطبتهم بالحق المحض، فكذبوا لمصلحة الجمهور! فساء ظن هؤلاء بما جاءت به الأنبياء، وامتنع أن يستدلوا به على علم، وأولئك المتكلمون بجهلهم قصدوا إقامة الدليل على تصديق الأنبياء، ونصر ما جاءوا به، فلما نقص علمهم بالسمعيات والعقليات، أدى ما فعلوه إلى تكذيب الرسل والطعن فيما جاءوا به! " (٢).
٤ - الانتقال من شر إلى ما هو أشر منه (٣):
كثيراً ما يتحول أهل البدع من مذهب إلى نقيضه؛ إلا أنهم لا يوفقون للسنة، ولا يهتدون لها، ولا يتحولون إليها -عدا أفراد قليلين (٤) -، فلا يعرف في التاريخ أن فرقة تركت بدعها إلى السنة، بل تتحول إلى ما هو أسوأ كما أخبر النبي ﷺ عنهم: ((تتجارى بهم الأهواء،
стр. 81
كما يتجارى الكلب بصاحبه)) (١).
فقد تطورت الخوارج إلى أن زادت على أصولها الباطلة، حتى قالت بأقوال الجهمية والمعتزلة؛ وتطورت الشيعة إلى القول بالتشبيه ثم الاعتزال والتجهم، ثم الباطنية، والخروج من أصول الإسلام أصلاً أصلاً، وتجريم السلف الصالح بما فيهم الصحابة والقول بردتهم؛ وتطورت الصوفية من مجرد مخالفات وشطحات في العبادة والسلوك إلى مناهج ومذاهب إلحادية وباطنية وفلسفية وبدعية ضالة؛ وتحولت القدرية إلى معتزلة وجهمية وانصهرت فيها؛ أما أصول المعتزلة ومناهجهم فقد انصهرت بقوالب أخرى في أصول أهل الكلام ومناهجهم، وتوزعتها فرق الرافضة والخوارج ومتكلمة الأشاعرة ونحوهم؛ وكذلك الجبر كان في الجهمية، وهي الجبرية الخالصة الغالية، ثم صار الجبر في الصوفية وأهل الكلام، أما الأشاعرة والماتريدية (أهل الكلام) فقد تحولت من فرق كلامية خالصة إلى مناهج خصومها من الجهمية والمعتزلة وانتهى بها المطاف إلى أن أصبحت -في الغالب- فرقاً كلامية، وفلسفية، وصوفية، مقابرية ... ثم ظهرت الشعارات الحديثة كالقوميات، والحزبيات، والطائفية، والشعوبية، والعلمنة، والحداثة، والاتجاهات الفكرية، والأدبية والثقافية والسياسية، والفنية .. وكلها تدور في فلك أصول الأهواء القديمة، وتزيد عليها ضلالات المناهج الغربية الحديثة وانحرافاتها وكفرياتها -كفى الله المسلمين شرورهم، وشر كل كائد- (٢).
ولا ريب أن كل انحراف وذل وهزيمة وفرقة في حياتنا، لا يزيد عن شيء واحد هو البعد عن منهج أهل السنة والجماعة في العقيدة والسلوك وسبيل الإصلاح.
وتبين مما سبق ذكره من الآثار المترتبة على البدع المتقابلة، ما يدل دلالة واضحة على الفساد الذي أعقبته البدع المتقابلة على دين المرء ودنياه، ولا زلنا نشاهد آثارها المدمرة إلى وقتنا الحاضر - والله المستعان-.
стр. 82
المبحث الرابع مكانة القرآن الكريم، والاحتجاج به عند أهل السنة ومخالفيهم .
وفيه مسألتان:
- القرآن الكريم عند أهل السنة والجماعة:
القرآن عند أهل السنة، حجة في جميع قضايا الدين، العلمية، والعملية، والإنشائية، والخبرية. فهو الفرقان بين الحق والباطل، وقد سماه الله تعالى، فرقانا كما في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ الفرقان: ١.
وقد أقام الله به الحجة، ووضح به المحجة، قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ الأنعام: ١٩، قال ابن القيم ﵀: " فكل من بلغه هذا القرآن، فقد أنذر به، وقامت عليه حجة الله" (١).
قال ابن تيمية ﵀ مبينا تعامل سلف الأمة مع هذا الكتاب العظيم: " ... من أعظم ما أنعم الله به عليهم، اعتصامهم بالكتاب والسنة، فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان، أنه لا يقبل من أحد أن يعارض القرآن لا برأيه، ولا ذوقه، ولا معقوله، ولا قياسه، ولا وجده، فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيات، والآيات البينات: أن الرسول جاء بالهدى، ودين الحق، وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم ... فكان القرآن هو الإمام الذي يقتدى به؛ ولهذا لا يوجد في كلام أحد من السلف، أنه عارض القرآن بعقل، ورأي، وقياس، ولا بذوق، ووجد، ومكاشفة ... " (٢).
стр. 83
- القرآن الكريم عند المخالفين:
القرآن الكريم عند المخالفين، خضع للتحريف، والتأويل، فهم يقولون على الله، وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام (١)، يصدق عليهم قوله تعالى: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١)﴾ الحجر: ٩٠ - ٩١، قيل: المقتسمون هم الذين تفرقوا في كتبهم، إذ آمنوا ببعض، وكفروا ببعض (٢)، لهذا اختلف تعامل المخالفين مع كتاب الله. - فالخوارج معظمون للقرآن، طالبون لاتباعه، قائلون بحجبته، قال ابن تيمية ﵀: "وأصل مذهبهم، تعظيم القرآن، وطلب اتباعه ... " (٣)، لكن الإقرار بحجية القرآن أمر، وفهمه على وجهه، وفقه ما فهمه السلف، أمر آخر؛ وهذا مما ضلت فيه الخوارج، لما ... صاروا يتبعون المتشابه من القرآن، فيتأولونه على غير معرفة بمعناه، ولا رسوخ في العلم، ولا اتباع للسنة، ولا مراجعة لجماعة المسلمين الذين يفهمون القرآن" (٤).
- وعرف عن الشيعة القول: بتحريف القرآن، بالزيادة فيه، والنقصان منه؛ ولذلك لم يعتبروه حجة، قال البغدادي: " ... زعم الرافضة أن لا حجة اليوم في القرآن والسنة، لدعواهم أن الصحابة غيروا بعض القرآن، وحرفوا بعضه .. " (٥) .. أما من نفى من الرافضة، وقوع التحريف في القرآن، فمن مبدأ عقيدة التقية التي عرفوا بها، وهي من أصول الإيمان الكبار عندهم، فلا يغتر بأقوالهم إلا جاهل بحالهم. والله المستعان.
стр. 84
- القرآن عند المعتزلة: القرآن عندهم من جملة الدلائل، قال القاضي عبد الجبار (١): " .. الدلالة أربعة: حجة العقل، والكتاب، والسنة، والإجماع ... " (٢)، ومع ذلك فقد نصبوا العقل حاكما على النقل، وقاضيا عليه، فعزلوه عن أن يستدل به في باب معرفة الله، قال القاضي عبد الجبار: " ... ومعرفة الله لا تنال إلا بحجة العقل" (٣)، ويقول مبينا اعتقاده في القرآن -حاكيا له على لسان أهل الاعتزال-: "وأما مذهبنا في ذلك، فهو أن القرآن كلام الله تعالى، ووحيه، وهو مخلوق، محدث، أنزله الله علي نبيه، ليكون علما ودالا على نبوته، وجعله دلالة لنا على الأحكام لنرجع إليه في الحلال والحرام، ... " (٤).
- القرآن عند الأشاعرة: لا شك أن الأشاعرة يقولون بحجة القرآن الكريم، لكن جمهورهم وافقوا المعتزلة في اعتقادهم بأن الدليل النقلي لا يفيد اليقين، وقد قرر أئمة الأشعرية أن البراهين العقلية إذا صارت معارضة بالظواهر النقلية، فإنها تقدم البراهين العقلية على الظواهر النقلية؛ لأن حجية النقل -الكتاب والسنة- متوقفة على النظر العقلي، عندهم. ولا تفيد اليقين إلا إذا سلمت من عشر عوارض منها: النقل، والاشتراك، والتخصيص، والمجاز، والإضمار، والتقديم، والتأخير. وينتج من تقديم النقل على العقل، إبطال للأصل "العقل" بالفرع "النقل"، وإذا أدى إثبات الشيء إلى إبطاله، كان مناقضا لنفسه، فكان باطلا (٥).
стр. 85
أبرز انحرافات أهل البدع في القرآن الكريم بشكل عام:
* ومن أبرز انحرافات أهل البدع أنهم يفسرون القرآن برأيهم ومعقولهم، وما تأولوا من اللغة، ولهذا لا تجدهم يعتمدون على أحاديث المصطفى ﷺ ، ولا على آثار الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، ولا على إجماع السلف وآثارهم، وإنما يعتمدون على العقل واللغة، وعلى كتب الأدب وكتب علم الكلام التي وضعها رؤوسهم (١). بل إنهم يعادون النصوص المخالفة لعقولهم وآرائهم، ويودون أنها لم تكن جاءت، وإذا سمعها الواحد منهم وجد لها على قلبه من الثقل والكراهة بحسب حاله، واشمأز منها قلبه (٢).
* ومن شأنهم دائما الجدل والخصومة، ورفضهم الاحتكام للكتاب والسنة، "وإذا رأيت الرجل يخاصم في دين الله، ويجادل في كتاب الله، فإذا قيل له، قال رسول الله. قال: حسبنا كتاب الله. فاعلم أنه صاحب بدعة". (٣)
* ومن أبرز ضلال المبتدعة: ما أشار إليه ابن تيمية ﵀ إذ يقول: ((وإن عامة ضلال أهل البدع كان بسبب: أنهم يحملون كلام الله ورسوله على ما يدعون أنه دال عليه، ولا يكون الأمر كذلك)) (٤).
* ومن طرائق المبتدعة أنهم يزعمون، أن ما جاء به الرسول هو الحق، وأنهم يلتزمون شريعته، ولكنهم ربما ضلوا الطريق ... "وكل فريق من المبتدعة إنما يدعي أن الذي يعتقده هو ما كان عليه رسول الله ﷺ ؛ لأنهم ملتزمون في الظاهر بشعائر الإسلام ... إلا أنهم طلبوا الدين، لا بطريقة من الكتاب والسنة، بل رجعوا إلى عقولهم وخواطرهم وآرائهم، فطلبوا الدين من قبلها، فإذا سمعوا شيئا من الكتاب والسنة عرض على معيار عقولهم، فإن
стр. 86
استقام قبلوه، وإن لم يستقم ردوه، فإن اضطروا إلى قبوله حرفوه بالتأويلات البعيدة، والمعاني المستكرهة، فحادوا عن الحق، وزاغوا عنه، ونبذوا الدين وراء ظهورهم" (١).
* وهؤلاء المبتدعة لم يبلغوا في علوم الشريعة ما يمكنهم من الاجتهاد فيها بإطلاق إما لعدم الرسوخ في معرفة كلام العرب والعلم بمقاصد الشريعة، وإما لعدم الرسوخ في العلم بقواعد الأصول التي من جهتها تستنبط الأحكام الشرعية، وإما لعدم الأمرين جميعا (٢).
* وإن جميع هذه الطوائف من المبتدعة تنزل القرآن على مذاهبها وبدعها وآرائها.
فالقرآن عند الجهمية جهمي، وعند المعتزلة معتزلي، وعند القدرية قدري، وعند الرافضة رافضي، وكذلك هو عند جميع أهل الباطل، وما كانوا أولياءه ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ الأنفال: ٣٤ (٣).
*وإن وافق أهل البدع أهل السنة والجماعة في قطعية ثبوت القرآن، فإن عامتهم لا يرون قطعية شيء من دلالة الكتاب والسنة (٤)، بل دلالتها كلها عندهم ظنية (٥).
стр. 87
الباب الأول: دلالة الآيات -الرادة على البدع المتقابلة- على معنى الوسطية .
وفيه فصلان:
الفصل الأول: الآيات الدالة على الوسطية، ومعالمها.
الفصل الثاني: الآيات الدالة على التحذير من الغلو والجفاء.
стр. 88
الفصل ١ الآيات الدالة على الوسطية، ومعالمها.
وفيه تمهيد ومبحثان:
تمهيد: في تعريف الوسطية.
المبحث الأول: دراسة تحليلية للآيات
الدالة على الوسطية.
المبحث الثاني: معالم الوسطية.
стр. 89
التمهيد: تعريف الوسطية (١):
حقيقة الوسطية في اللغة:
الوسطية مأخوذة من الوسط، ووسط الشيء: اسم لما بين طرفيه، والوسط في كل شيء: أعدله وأفضله وخياره، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ البقرة: ١٤٣، أي: عدولاً خياراً، وحينئذ فهو صفة يمدح بها (٢)، وجاءت: كلمة (وسط) في اللغة لعدة معان، وهي متقاربة في مدلولها عند التأمل في حقيقتها ومآلها.
قال ابن فارس ﵀: (وسط): الواو والسين والطاء: بناء صحيح يدل على العدل والنَّصَف.
وأعدل الشيء: أوسطه، ووسطه (٣).
وكلمة (وسط) تأتي بفتح السين تارة وسكونها تارة أخرى، وفتحها هو الأكثر استعمالاً.
وقد أشارت بعض المعاجم اللغوية إلى التفريق بين كلمة وسَط - بالتحريك - ووسْط -بالسكون-، فقالوا: إن كل موضع يصلح فيه (بين الظرفية) فهو بالسكون، مثل: وسْط القوم، أي بينهم؛ وما لا يصلح فيه (بين الظرفية) فهو بالفتح، مثل: ضربت وسَط رأسه، وقيل: كل منهما يقع موضع الآخر (٤)، رجح هذا ابن الأثير.
"وكيفما تصرفت هذه اللفظة نجدها لا تخرج في معناها عن معاني: العدل والفضل والخيرية، والنَّصَف، والبينية، والتوسط بين الطرفين" (٥).
والذي يهمنا هنا هو الوسط بمعنى المتوسط بين الغالي والجافي.
стр. 90
قال العجلوني (١): "عن الأوزاعي (٢) أنه قال: ما من أمرٍ أمرَ الله به إلا عارض الشيطان فيه بخصلتين لا يبالي أيهما أصاب: الغلو أو التقصير. ولأبي يعلى (٣) بسند جيد عن وهب بن منبه (٤)، قال: إن لكل شيء طرفين ووسطاً، فإذا أمسك بأحد الطرفين مال الآخر، وإذا أمسك بالوسط اعتدل الطرفان، فعليكم بالأوساط من الأشياء .. " (٥).
حقيقة الوسطية في الشرع:
ويراد بالوسطية شرعاً: أن يكون المكلف غير واقع في التساهل ولا الغلو.
قال الراغب (٦): التوسط: القصد المصون عن الإفراط والتفريط (٧).
وفي الجملة فالاستعمال الشرعي للوسطية لا يخرج عن معناها اللغوي؛ إذ بينهما ارتباط وثيق.
والأخذ بالوسط معناه: الأخذ بما شرع الله من غير إفراط ولا تفريط، فورد تفسير الوسط في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ البقرة: ١٤٣، بالعدل الخيار؛ وهذا هو الصراط المستقيم الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه (٨).
стр. 91
معيار (١) تحديد الوسطية:
المعيار الذي يحقق الوسطية هو الشرع (٢)
وليس الهوى والذوق (٣)؛ فالخروج عن الوسطية يكون بركوب سبيل الانحراف والتقصير، أو الغلو والإفراط، وهذا الانحراف تارة يكون يسيراً، وتارة يكون شديداً، وبين ذلك مراتب متفاوتة لا يحصيها إلا الله تعالى (٤).
وقد قرر العلماء أن الحق واسطة (٥) بين التفريط والإفراط، وهو معنى قول مطرف ابن عبدالله (٦): "الحسنة بين السيئتين" (٧).
стр. 92
وبه يُعلم أن من جانب التفريط والإفراط فقد اهتدى (١).
فهذه الأمة قد أراد لها الله أن تكون وسطاً، تقف موقف الشاهد العدل بين طرفي الظلم، والحق بين طرفي الباطل، والاعتدال بين طرفي الغلو (٢).
إذاً فالوسطية (٣) هي ما سبقت كلا الطرفين إلى خير ما فيهما، وتركت ما سوى ذلك، فجمعت الخيرين، ونفت الشرين؛ وبالتالي لم يبق معنى الوسطية مجرد التجاور بين الشيئين فقط؛ بل أصبح ذا مدلول أعظم، ألا وهو البحث عن الحقيقة، التي تقف على معنى (الخيرية والعدل) (٤)، والسعي في تحصيلها والاستفادة منها، فيجتمع عندها أسمى الصفات، وهو معنى يتسع ليشمل كل خصلة محمودة (٥).
стр. 93
بهذا الاستعراض الموجز لهذه المصطلح يتضح أنه لا يصح إطلاقه إلا إذا توافرت فيه صفتا الخيرية (١) ومجانبة الإفراط والتفريط. والله تعالى أعلم.
стр. 94
المبحث الأول دراسة تحليلية للآيات (١) الدالة على الوسطية.
وفيه مطالبان:
المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الدالة على الوسطية، (الرادة على البدع المتقابلة) .
كانت البشرية (٢) قبل نزول القرآن تعج بركام العقائد والتصورات المنحرفة في ذات الله وفي الكون وفي الحياة وفي الإنسان وفي الموت وفي الجزاء وفي الحساب وفي الكتب السماوية وفي رسل الله وفي أقدار الله وقضائه، وأصبحت البشرية بين إفراط وتفريط بعيدة عن الصراط المستقيم، فحادت عن الوسطية والاعتدال والاستقامة، ثم كانت عناية الإسلام (٣) الكبرى موجهة إلى تحرير أمر العقيدة، وتحديد الصورة الصحيحة (٤)؛ فجاء القرآن الكريم مقرراً لمنهج الوسطية في أبواب الاعتقاد، وغيرها من الأبواب والمجالات.
فأخبرنا الله -سبحانه تعالى- عن ذلك التحول وذلك الارتقاء في كتابه، فقال سبحانه: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ الأنعام: ١٢٢، "حقاً إنه تصوير رائع عجيب .. ! تقف الأقلام حائرة في وصفه، وكذلك الأسلوب القرآني في كل حين؛ تنهل منه الألباب، وتصدر عنه الأساليب وتعجز عن إيفائه حقه من التعبير، من الموت إلى الحياة، ومن الظلمات إلى
стр. 95
النور، هل يستويان مثلاً! ! مسافة هائلة! ونقلة عظمية لا يعرف عظمتها، ويدرك مقدارها إلا من تفرَّس في حالهم في ضوء هذا البيان القرآني المعجز" (١).
المتأمل يجد أن النصوص الشرعية تضافرت على الأمر بالاعتصام بالكتاب والسنة واتباع السلف الصالح (٢) وذم من حاد عن منهج الوسطية، من أهل البدع المتقابلة.
فاجتمع لنا من الأدلة ما ينهض بحقيقة الوسطية واطراح ما عداها؛ والآيات التالية سيقت على سبيل المثال لا الحصر:
الآية الأولى: قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشورى: ١١ .
لا تكاد تجد آية من الآيات المشتملة على ما يتوهم منه صفة المخلوقين إلا وهي مقرونة بما يشعر بالتنزيه أو تفسير المراد به إما متقدماً أو متأخراً (٣)، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشورى: ١١. فنفى المثل وأثبت الوصف (٤)،
وهذه الآية أساس واضح في إثبات الصفات لله، ففي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ (٥) شَيْءٌ﴾ رد
стр. 96
على المشبهة (١) الذين يعتقدون أن الله مثل خلقه، ولا يفرقون بين الخالق والمخلوق، وهو مذهب باطل، وفي قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ رد على مذهب المعطلة (٢)؛
الذين غلوا في التنزيه حتى نفوا عن الله ما أثبته من الأسماء والصفات، فراراً من التشبيه بزعمهم (٣)، فكل طائفة عملت بشطر من هذه الآية وضيعت الشطر الآخر.
وقد أتت هذه الآية الكريمة للدلالة على أن المذهب الحق ليس هو ما ذهب إليه أصحاب البدع المتقابلة، إما بنفي الصفات مطلقاً، كما هو شأن المعطلة، أو إثباتها مطلقاً، كما هو شأن الممثلة؛ بل إثباتها بلا تمثيل، كما هي "طريقة سلف الأمة، وأئمتها أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف (٤)، ولا تمثيل؛ إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل" (٥).
ومما ينبه عليه في هذا المقام أن كل من وقع في التعطيل فقد وقع في التمثيل، وكل من وقع في التمثيل فقد وقع في التعطيل، ولهذا يقول العلماء: كل معطل ممثل، وكل ممثل معطل (٦).
стр. 97
ولم يسلم من هذه الأدواء والشرور إلا صاحب السنة، السائر على الصراط المستقيم، فهو بريء -كما يعبر ابن القيم - من فرث التعطيل ومن دم التمثيل.
قال ابن القيم ﵀: " فكان مذهبهم مذهباً بين مذهبين، وهدى بين ضلالتين، خرج من بين مذاهب المعطلين والمخيلين والمجهلين والمشبهين كما خرج اللبن من بين فرث ودم لبنا خالصاً سائغاً للشاربين" (١).
وهذا القسم من التوحيد ضلت فيه بعض الأمة الإسلامية، وانقسموا فيه إلى فرق كثيرة: فمنهم من سلك مسلك التعطيل، فعطل ونفى الصفات زاعماً أنه منزه لله، وقد ضل؛ لأن المنزه حقيقة هو الذي ينفي عنه صفات النقص والعيب، وينزه كلامه من أن يكون تعمية وتضليلاً، ومنهم من سلك مسلك التمثيل، زاعماً بأنه محقق لما وصف الله به نفسه، وقد ضلوا؛ لأنهم لم يقدروا الله حق قدره، إذ وصموه بالعيب والنقص; لأنهم جعلوا الكامل من كل وجه كالناقص من كل وجه (٢).
قال نعيم بن حماد الخزاعي (٣): من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه، ولا ما وصفه به رسوله تشبيها (٤).
وكلام الأئمة في هذا الباب أطول وأكثر من أن يسعه هذا المطلب؛ فإن مدار التوحيد على التوسط بين التشبيه والتنزيه.
стр. 98
الآية الثانية: قال الله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ الفاتحة: ٧ .
أوضحت هذه الآية منهج المغضوب عليهم الذي يمثل جانب التفريط، بينما يمثل منهج الضالين جانب الإفراط، فهما منهجان دائران بين الغلو والجفاء، والمسلمون هم الوسط (١).
وبدون فهم معنى (الصراط المستقيم)، وتحديد مدلوله، لا نستطيع فهم الوسطية على معناها الصحيح، وقد ورد لفظ الصراط المستقيم، في القرآن الكريم عشرات المرات، منها قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢)﴾ الفتح: ٢، و ﴿صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦)﴾ الأعراف: ١٦، و ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ الأنعام: ١٥٣، ونحو ذلك (٢).
فنجد أنه لما قال الله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ الفاتحة: ٦، عرفه بقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ الفاتحة: ٧، ثم حدده فقال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ الفاتحة: ٧، فجعل الصراط المستقيم دالاً على الوسطية في مفهومها الشرعي الاصطلاحي، وبخاصة: أن مفهوم الوسطية وإطلاقها قد تحقق في معنى الصراط المستقيم، فالخيرية، والبينية ظاهرتان في هذا الأمر؛ فطريق الأخيار، وهم الذين أنعم الله عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين؛ هو بين طريقي: المغضوب عليهم، والضالين (٣).
قال الإمام الطبري ﵀: في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾: أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعاً على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، وذلك في لغة جميع العرب (٤).
стр. 99
وبين ابن القيم ﵀: إن الناس قد تنوعت عباراتهم في معنى الصراط المستقيم، وأن حقيقته شيء واحد وهو طريق الله الذي نصبه لعباده موصلاً لهم إليه، ولا طريق إليه سواه، وهو إفراده بالعبودية وإفراد رسوله بالطاعة، فلا يشرك به أحد في عبوديته. ولا يشرك برسوله أحد في طاعته، فيجرد التوحيد، ويجرد متابعة الرسول ﷺ (١).
يقول ابن تيمية ﵀: "ومن تدبر حال اليهود والنصارى مع المسلمين، وجد اليهود والنصارى متقابلين، هؤلاء في طرف الضلال، وهؤلاء في طرف يقابله، والمسلمون هم الوسط، وذلك في التوحيد والأنبياء والشرائع، والحلال والحرام والأخلاق وغير ذلك" (٢).
الآية الثالثة: قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ الأنعام: ١٥٣ .
أفادت الآية أن طريق الحق واحدة (٣)، وأن للباطل طرقاً متعددة، وتعددها لم ينحصر بعدد مخصوص. وهكذا الحديث المفسر للآية، وهو قول جابر بن عبد الله ﵁ قال: "كنا عند النبي ﷺ ، فخط خطاً وخط خطين عن يمينه، وخط خطين عن يساره، ثم وضع يده على الخط الأوسط، فقال: هذا سبيل الله، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ الأنعام: ١٥٣" (٤)؛ لذا فالوسطية صراط خطه النبي ﷺ ثم أمر الناس بالسير عليه لا بالبحث عنه، وكذلك فتفسيره ﷺ يدل على شمول الآية لجميع طرق البدع، فلا تختص ببدعة دون أخرى (٥)؛ فالصراط المستقيم هو سبيل الله الذي دعا إليه.
стр. 100
والسبل الجائرة عن الحق، العادلة عنه، هي طرق أهل البدع والضلالات، الحائدين عن الصراط المستقيم (١)؛ وكفى بالجائر أن يحذر منه، بدليل سياق الآية الدلالة على التحذير والنهي (٢).
وقد أوضحت هذه الآية الأمر بالتوسط في باب الأمر والاتباع؛ فأتت بالنهي عن الغلو والجفاء والإفراط والتفريط، والأمر باتباع الطريق المستقيم.
ومذهب أهل السنة والجماعة وسط في كل مسائل الدين؛ فهم كما قال شيخ الإسلام ﵀: "وسط في النحل، كما أن ملة الإسلام وسط في الملل" (٣).
وبمزيد من التدبر والتأمل في آيات الوسطية نجد أنها عندما سَلطتْ الضوء على معنى الوسطية، لم تقف عند هذا القدر، فليس هذا هو كل ما ترمي إليه الآيات الكريمات، بل إنها كما أرادت أن تعطينا هذا الحكم فهي تريد في الوقت نفسه أن تلفتنا إلى وجه حجتها وطرق برهنتها على معانيها، وهذا ما سنجده في المطلب التالي، بإذن الله تعالى.
стр. 101
المطلب الثاني: المعاني المستنبطة من الآيات الدالة على الوسطية .
لما كان دين الإسلام هو خاتم الأديان السماوية وأفضلها وخيرها، فإن الوسطية هي أبرز خصائصه، وأهم ما يميزه عن سائر الأديان الجانحة إلى الإفراط أو التفريط؛ ولذا كان منهج الإسلام وسطاً معتدلاً في الأمور كلها، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الأنعام: ١٥٣ (١).
قال الإمام الطحاوي (٢)
﵀: "ودين الله في الأرض والسماء واحد ... وهو بين الغلو والتقصير" (٣).
ويقول ابن القيم ﵀: "ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له، فالغالي فيه مضيع له، هذا بتقصيره عن الحد، وهذا بتجاوزه الحد" (٤).
والحق أن من تدبر القرآن الكريم فلن يعجز عن استخراج جملة وافرة من الملامح الدالة على وسطية أهل الحق والإيمان؛ فقد جاءت الآيات مستفيضة لترسم لنا منهج الوسطية، وتدلنا عليها بأساليب عدة، تصريحاً وإيماءً، مفصلاً ومجملاً، خبراً وإنشاءً، أمراً ونهياً (٥).
فنجد عند التدبر في آيات القرآن الدالة على الوسطية، أنها تشمل معان متعددة، منها:
أولاً: بيان صحة معتقد أهل الحق ووصفه وإيضاحه والأمر باتباعه .
الوسطية مرتبة عزيزة المنال، غالية الثمن، وهي محور تميز هذه الأمة؛ ولأن الله لا يدع عباده حيارى من غير بيان، فقد كان لآيات كتابه العزيز اهتمام بهذا المعنى؛ فالشارع الحكيم
стр. 102
أراد من عباده أن يتصفوا بهذا الوصف ويكون لهم منهجاً ومسلكاً، فأتت الآيات بشكل لا يحصى كثرة شاهدة لأهل الحق دالة على منهجهم.
لذا نجد أن القرآن الكريم اعتمد في أسلوبه على إبراز منهج أهل الحق والأمر به، إما من خلال آيات العقيدة أو آيات الأحكام والمعاملات؛ واعتمد في خطابه أسلوب المقابلات (١)؛
وهذا الأسلوب فيه الدلالة الواضحة على رسم الصراط المستقيم وتحديد معالمه (٢).
وكما أن آيات الوسطية تدل على وسطية أهل الحق بين أطراف الباطل، فهي تدل كذلك على إبراز منهج الحق وتجليته والأمر بلزومه والاستقامة عليه.
لذا نجد أن الاستقامة من أبرز مزايا وخصائص الوسطية في الإسلام، والاستقامة التي أمر الله بها في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا﴾ هود: ١١٢، وفي قوله: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ الشورى: ١٥، أكبر شاهد على ذلك.
وقد عرفها القرطبي ﵀ (٣) بقوله: "الاستقامة: الاستمرار في جهة واحدة من غير أخذ في جهة اليمين أو الشمال" (٤).
ونقل ابن القيم ﵀ تعريف عمر بن الخطاب ﵁ حيث قال: " قال عمر ﵁: ((الاستقامة أن يستقيم على الأمر والنهي، لا يروغ روغان الثعالب)) " (٥)، ثم عرفها ابن القيم بقوله: "فالاستقامة كلمة جامعة، أخذت بجماع الدين، وهي القيام بين يدي الله على حقيقة
стр. 103
الصدق والوفاء بالعهد" (١)، وقال أيضاً: الاستقامة ضد الطغيان، وهو مجاوزة الحدود في كل شيء.
ثانياً: بيان فساد معتقد أهل الباطل ووصفه والتحذير منه .
لا تجد فرقة من فرق أهل الأهواء والبدع إلا وقد خالفت أهل السنة والجماعة في أصل الوسطية العظيم، فإما أن تغلو في جانب، أو تفرط في جانب، وهذا الخلل في التوازن مطرد عند جميع أهل البدع في أبواب الاعتقاد، قل أو كثر -وسيأتي بيان جملة منه في ثنايا هذا البحث بعون الله-، فالوسطية فيها رد على من فارقها.
لذلك كله أطال القرآن الكريم في نقاش العقائد الباطلة، وبرهن على بطلانها وفسادها، وحذر منها، ليوقفنا على الدين الصحيح الذي هو الصراط المستقيم، وهذا ما نلحظه جلياً عند التأمل في آيات الكتاب من خلال القسمة الثنائية بين الحق -الذي هو الوسطية- وبين الباطل-الذي يشمل البدع المتقابلة-.
قال تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾ الأنفال: ٨، وقال -جلا وعلا- أيضاً: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢)﴾ يونس: ٨٢، وقال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨)﴾ الأنبياء: ١٨، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ الإسراء: ٨١، وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ الرعد: ١٧، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٥٢)﴾ العنكبوت: ٥٢.
ولا أريد أن أنقل أكثر الكتاب العزيز هنا ليرى كل منصف الآيات الكثيرة المصرحة والمشيرة إلى ذمهم والنهي عن ملابسة أحوالهم (٢).
стр. 104
ثالثاً: بيان أن المعرض عن الصراط المستقيم مع علمه بالحق؛ واقع في النفاق:
تنطق آيات الكتاب العزيز بصفات الجانحين عن الصراط المستقيم، من الذين عرفوا الحق وكتموه لأي سبب كان (١)؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ البقرة: ٩١، وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ البقرة: ١٠٩، وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾ البقرة: ١٤٤، وقال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾ البقرة: ١٤٦، وقال: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)﴾ آل عمران: ٦٠، وقال: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)﴾ آل عمران: ٧١.وغيرها.
قال شيخ الإسلام ﵀: " وبالجملة فقد ذكر الله تعالى من أمور المنافقين في السور المدنية ... ما يطول ذكره، وعامة ما يوجد النفاق في أهل البدع، فإن الذي ابتدع الرفض كان منافقاً زنديقاً، وكذلك يقال عن الذي ابتدع التجهم، وكذلك رءوس القرامطة وأمثالهم لا ريب أنهم من أعظم المنافقين، وهؤلاء لا يتنازع المسلمون في كفرهم" (٢).
رابعاً: بيان أن المعرض عن الصراط المستقيم لا يوفق للهداية:
إن الله لا يوفق للهداية (٣) من هو مصاحب للباطل، مفتر على الله، كافر بآياته، ومن الأدلة على هذا المعنى؛ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ
стр. 105
الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾ النساء: ٦١.وقال تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ النحل: ٣٧، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)﴾ الزمر: ٣، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (١)(٧٤)﴾ المؤمنون: ٧٤.
قال النبي ﷺ : ((إن الله قد حجز التوبة عن كل صاحب بدعة)) (٢)؛ أنكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ القول بعدم قبول توبته مطلقاً فقال: "قال طائفة من السلف منهم الثوري (٣): "البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها". وهذا معنى ما روي عن طائفة أنهم قالوا: "إن الله حجر التوبة على كل صاحب بدعة" بمعنى أنه لا يتوب منها؛ لأنه يحسب أنه على هدى (٤)، ولو تاب لتاب عليه، كما يتوب على الكافر، ومن قال: إنه لا يقبل توبة مبتدع مطلقاً، فقد غلط غلطاً منكراً، ومن قال: ما أذن الله لصاحب بدعة في توبة، فمعناه ما دام مبتدعاً يراها حسنة لا يتوب منها، كما يرى الكافر أنه على ضلال، وإلا فمعلوم أن كثيراً ممن كان على بدعة تبين له ضلالها، وتاب الله عليه منها، وهؤلاء لا يحصيهم إلا الله" (٥).
стр. 106
خامساً: الحض على الوقوف عند حدود الله:
تعاضدت نصوص الشريعة الغراء في الحض على الوقوف عند حدود الشرع دون إفراط أو تفريط، والحث على التمسك بها من غير غلو أو جفاء، والأمر بلزوم غرزها بلا وكس ولا شطط (١).
ومن نظر إلى طرق أهل البدع في الاستدلال بالشرع عرف أنها لا تنضبط؛ لأنها سيالة لا تقف عند حد، فأهل البدعة والفرقة، عمدتهم في الباطن ليست على القرآن والسنة -لذا فهم لا يقفون عند حدودهما-، ولكن اعتمادهم على أصولٍ ابتدعها شيوخهم في التوحيد والصفات والقدر والإيمان وغير ذلك، ثم ما ظنوا أنه يوافقها من القرآن احتجوا به، وما خالفها تأولوه، فحملوا الآيات مالا تحتمله عند السلف الصالح؛ فلهذا تجدهم إذا احتجوا بالقرآن والحديث لم يعتنوا بتحرير دلالتهما، ولم يستقصوا ما في القرآن من ذلك المعنى، والآيات والأحاديث التي تخالفهم يشرعون في تأويلها شروع من قصد ردها كيف أمكن، فليس مقصودهم أن يفهموا مراد الله ومراد رسوله، بل أن يدفع منازعه عن الاحتجاج بها (٢).
وكما تعددت النصوص الشرعية في النهي عن الزيادة عن الحد المشروع، فقد تكاثرت في مقابل ذلك النصوص الشرعية المحذرة من التهاون في الأوامر والنواهي، والتقصير في الشعائر والشرائع، فالأخذ بالنصوص جميعاً هو طوق النجاة من تعمق المتنطعة، ورخاوة المترخصة، وصمام الأمان من تفريط هؤلاء، وإفراط أولئك.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾ الأعراف: ١٧٠، وقال سبحانه: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣)﴾ الزخرف: ٤٣، وقال جل وعلا: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ الجاثية: ١٨، وقال : ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦)﴾ الأنعام: ١٠٦، وقال ﵎: ﴿وَاتْلُ (٣) مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ الكهف: ٢٧.
стр. 107
سادساً: تحقيق العبودية لله تعالى:
ومن أهم معاني الوسطية، تحقيق العبودية لله التي خلق لها الثقلان، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ الذاريات: ٥٦، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)﴾ الأنبياء: ٩٢، وقال سبحانه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ الأعراف: ٥٩، ولا تتحقق العبودية إلا بعبادة الله بما شرع دون إفراط ولا تفريط.
فالوسطية قائمة على الاعتدال والتوسط ليتمكن العباد من عبادة ربهم على الوجه الأكمل، بحسب قدراتهم وإمكاناتهم في كل زمان ومكان.
وهذا هو أعظم الغايات وأزكى المقاصد، وعليه قوام الدين، وبه ينال العبد ما عند الله من النعيم، ويظفر بجنة رب العالمين.
وقد ذكر الله في كتابه عن خَوَاصِ عباده ما يوجب العلم بأن أفضل الرتب وأجلّ الكرامات تحقيق العبودية، وإخلاص العبادة، فوصف الله إبراهيم ﵇ في قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠)﴾ النحل: ١٢٠، بهذه الصفات الجليلة التي هي أعلى درجات تحقيق التوحيد، ترغيباً في اتباعه في التوحيد، وتحقيق العبودية، فمن اتبعه في ذلك، فإنه يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب كما يدخلها إبراهيم ﵇؛ ووصف الله رسوله ﷺ بذلك في مقام الإسراء وفي مقام التحدّي، وفي مقام الدعوة، ومن توهَّم أن فوق العبادة وتحقيقها وإخلاصها رتبةً وفضلاً لأحد من العباد فهو من أضل الخلق وأجهلهم بالله وبحقه وما يجب له (١).
وتحقيق العبودية الصادقة والتي هي من أعظم معاني الوسطية، تجعل من القلة المؤمنة في غزوة بدر قوة رهيبة قهرت عظائم الأحداث، وأصبحت قانوناً خالداً ينظم حياة المسلمين على أصول الرسالة الخاتمة، ويضيء أرواح وعقول الرجال المسلمين على مر العصور بالعبر المنهجية، فالصدق والإخلاص في العمل لله وحده لا شريك له يفتح بصيرة من وفقه الله
стр. 108
لسلوك الصراط المستقيم حتى يروا ما أعد الله تعالى لهم، وهم بعد أحياء يمشون على الأرض (١).
سابعاً: الأمر بالدعوة إلى الصراط المستقيم:
لم تأتِ آيات الوسطية للعلم فقط بل أتت للعلم والعمل، ومن العمل أن تدعو إلى الصراط المستقيم، قال الله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ النحل: ١٢٥.
لذلك كانت حياة النبي ﷺ جهاداً في سبيل الدعوة الإسلامية بالحجة والبرهان في مجادلة الكفار على اختلاف الملل والأديان، ثم بالسيف والسنان بعد ظهور الحجة والبرهان، وكذلك كان أصحابه ﵃ من بعده ﷺ ، فقد كان بعض الصحابة على اطلاع واسع وعميق على الأديان، وبخاصة اليهودية والنصرانية، كعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومسلمة أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام وتميم الداري وسلمان الفارسي وغيرهم ﵃ (٢).
إن دين الإسلام رسالة سماوية بعث الله بها جميع أنبيائه ورسله إلى الناس كافة بمختلف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم وقبائلهم؛ ولهذا فرسالة الإسلام رسالة عالمية، امتدت طولاً حتى شملت كل الأزمان، وامتدت عرضاً حتى انتظمت آفاق الأمم، وامتدت عمقاً حتى استوعبت شئون الأولى والآخرة (٣). قال جل ثناؤه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ سبأ: ٢٨.
وبيان الوسطية والاعتدال الذي يوافق العقل الصريح والنقل الصحيح يرغب المدعوين للإسلام، فيؤثروه على غيره؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ الأنبياء: ١٠٧.
стр. 109
وإذا كان أهل الباطل يصبرون على باطلهم والدعوة إليه، بل الموت في سبيله، فأهل الوسطية الحقة ودعاتها أجدر وأحق بهذا الأمر، قال تعالى: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤)﴾ النساء: ١٠٤.
ثامناً: الأمر بمدافعة الباطل وأهله:
الصراع بين الحق والباطل (١) قديم قدم وجود البشر على وجه الأرض، ولن ينطفئ لهيبه ولن تخمد جذوته، فهو سنة من سنن الله في الكون (٢)، فهو صراع دائم حتى يرث الله الأرض ومن عليها؛ ولذا فنحن نشاهد النزاع يثور بين الحق والباطل، ويشتد بين الإيمان والكفر، ولكل اتجاه أعوانه وأنصاره، وسادته وكبراؤه؛ قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾ الفرقان: ٣١.
وبقاء الباطل ليس علامة ولا دليلاً على صحته؛ وإنما هذا الإنظار رمز إلهي على أن ناموس الشر لا ينقضي من عالم الحياة الدنيا وأن نظامها قائم على التصارع بين الأخيار والأشرار (٣).
فنزلت آيات الوسطية لتقرر لنا هذه الحقيقة (٤) وسَمَّت المتصارعين بألقابهم، ونطقت
стр. 110
بحقيقة انتصار الحق (١)، قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ الأنبياء: ١٨، وقال: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (١٧)﴾ الرعد: ١٧. قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ التوبة: ٤٠.
فآيات الوسطية فيها دعوة صريحة إلى القيام بتطبيق تعاليم الصراط المستقيم ونشرها والذود عنها.
تاسعاً: أن أصحاب الصراط المستقيم أصحاب منهج واضح، بينما أهل البدع المتقابلة أصحاب مناهج مضطربة:
أهل الإيمان إذا تنازعوا في شيء من مسائل الدين، سواءً دقه أوجله، خفيه أو جليه، ردوا ذلك كله إلى الله ورسوله، فلو لم يكن في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ بيان ما تنازعوا فيه، لم يأمر الله بالرد إليه؛ إذ من الممتنع أن يأمر الله تعالى بالرد عند النزاع إلى من لا يوجد عنده
فصل النزاع، وقد أجمع الناس على أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول ﷺ هو الرد إليه نفسه في حياته، وإلى سنته ﷺ بعد وفاته، وقد جعل الله هذا الرد من موجبات الإيمان ولوازمه، فإذا انتفى انتفى الإيمان ضرورة انتفاء الملزوم لانتفاء لازمه، ولا سيما التلازم بين هذين الأمرين، فإنه من الطرفين، فكل منهما ينتفي بانتفاء الآخر (٢).
والواقع أن أهل الأهواء والبدع وقعوا في متناقضات عقلية تصرخ بشدة الغباء، أو شدة الجحود (٣)، فقد جعلوا القرآن عضين، فأقروا ببعض آيات القرآن، وأنكروا بعضها من غير فرقان مبين، مع أن اللازم لهم فيما أنكروه كاللازم لهم فيما أقروا به وأثبتوه، فخالفوا منهج