١ - التعصب للآراء والمعتقدات، وسوء الظن بالآخرين واتهامهم، واعتبار من يخالفهم في الدين مبتدعاً (١).
لذا فمفهوم التقليد الأعمى في باب العقائد من أعظم أسباب افتراق الأمة الإسلامية إلى فرق ضالة، وبدع متقابلة؛ ذلك أن الأتباع يقلدون متبوعيهم، وهذا يؤدي إلى آثار خطيرة متعددة، ومعظمها يمس الجانب العقدي، فكل من يخالف الرسول ﷺ فهو مقلد متبع لمن لا يجوز له اتباعه، كالذي يترك طاعة رسول الله، ويتبع سادته وكبراءه، من أمراء أو مشايخ، أو علماء، أو يتبع غيرهم، أو يتبع الرسول ﷺ ظاهراً من غير إيمان في قلبه، وعلى هذا فإن من أطاعهم في معصية الله فقد أشرك مع الله غيره (٢).
المعلم الثامن: اضطرابهم في مفهوم الولاء والبراء:
تعرضَ مفهوم الولاء والبراء إلى أنواع من الاضطراب في الاستعمال، وضروب من الفوضى في التوظيف ما بين انتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين (٣)؛ فأدى ذلك إلى كثير من البلاء والفتن، حيث جعله الغلاة -بصورته المحرَّفة- مناط الإيمان، وشرط الدخول في جماعة الإسلام. وكَفَّرُوا بمقتضاه كلَّ من لم يحرره في عقيدته وتطبيقه، على ما فهموه وقصَّدوه من معنى.
بينما لم يعتبره الجفاة من أصول الدين عندهم، فحاولوا تذويبه، ومهاجمة مظاهره الشرعية الصحيحة -بإشاعة عادات الكفار وتقاليدهم بين المسلمين-، ولم يقف بهم الأمر عند هذا الحد بل قاموا بالمطالبة بإلغاء عقيدة الولاء والبراء المبنية على الأساس الديني، بحجّة
стр. 177
أنها تؤصّل ثقافة الكراهية للآخرين (١)، وتؤجّج نار التطرُف والغُلُوّ، وجعلوها على أساس الوطنية والقومية.
وهكذا تنتج لنا البدع المتقابلة عقيدة مشوهة المعالم مضطربة المفاهيم غير مقبولة شرعاً ولا عقلاً، مما آلت إليه عقيدة الولاء والبراء بفعل هؤلاء وهؤلاء. ويرجع ذلك إلى الأسباب التالية:
١ - عدم فهم وضبط الأدلة الشرعية (٢).
٢ - ردة الفعل في تطبيق أحكام الولاء والبراء من قبل بعض المنتسبين للإسلام (٣).
٣ - تحسين صورة الإسلام المشوهة لدى الكفار (٤).
стр. 178
٤ - وقوعهم تحت ضغط الهزيمة النفسية أمام الحضارة الغربية (١).
٥ - معالجة الأحداث الطائفية (٢).
стр. 179
المطلب الثاني: مظاهر الغلو والجفاء:
للغلو والجفاء مفاسد كثيرة وآثار سيئة على أصحابها خاصة وعلى الناس بعامة؛ والحديث عن مظاهرها قديماً وحديثاً حديث متشعب، ذو فروع؛ تتعدد أشكاله وصوره إلى: عقدية (١)، ومنهجية، وأخلاقية، وتشريعية وغير ذلك، والمقام لا يتسع للإتيان عليها كلها في هذا المطلب، ولكن لا مناص من إبراز أهم مظاهرها وأشدها خطورة في الجوانب التالية:
- مظاهر الغلو والجفاء في الجانب الفردي (٢) (المسئولية الفردية):
لقد اهتمَّ القرآن الكريم بإرشاد الإنسان إلى ما يحقق له العيش الرغيد في الحياة الدنيا، والفوز برضا ربه في الآخرة، وذلك من خلال ما نبهت إليه كثير من الآيات الواضحات؛ فعندما فقه الرَّعيل الأول نداءات القرآن، وحَمَلها وعَمِل بها، شيَّد بها حضارة يشهد الناس بسموها، لكن عندما أعرض كثير من أبناء المسلمين عن هديها وقعوا في الغلو والجفاء ولا زالوا يتجرعون مرارتهما على مر التاريخ، ومن مظاهرهما على الجانب الفردي ما يلي (٣):
стр. 180
١ - الميل إلى التضييق والتشديد (١)، وتوسيع دائرة التحريم والمحرمات، وتجاهل التيسير ورفع الحرج (٢)، بل ورمي من يأخذ بالرخص الشرعية بالتساهل والتفريط (٣).
وفي المقابل نجد من يدعو إلى التساهل ويوسع دائرة المباح ويتجاهل المحرمات والمنهيات ويرمي كل من يتمسك بالدليل بالغلو والتشدد، فنجد أن القتل والزنا والسرقة وشرب الخمر ونحوها، لا تقدح في الإيمان عند هؤلاء، ولا تنقص منه شيئاً، وأنه يكفي في الإيمان الإقرار، ولا شك أن هذا تطرف بالتساهل، والأول تطرف بالتشدد.
٢ - الغلظة والفظاظة في التعامل مع الناس ودعوتهم (٤)، وربما مفارقتهم وهجرهم، خلافاً لهدي النبي ﷺ وأمره بالرفق والحكمة واللين.
وفي المقابل تظهر الدعوة إلى الانسلاخ عن الدين بدعوى إبعاد الدين عن الحياة وحصره في المسجد، ورفع شعارات التسامح والتيسير والتخفيف (٥)؛ خلافاً لهدي النبي ﷺ وتعطيلاً للشرع.
стр. 181
٣ - تشديد المسلم على نفسه في عمل طاعة (١) من غير ورود الشرع بذلك (٢).
وفي المقابل يوجد التسهيل على النفس إلى حد ترك العمل المأمور به شرعاً؛ وشرور الانحلال من الدين أشد من شرور الغلو فيه ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧)﴾ النساء: ٢٧، وقال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ مريم: ٥٩ - ٦٠.
٤ - الاستبداد بالرأي والتعصب له وتجهيل الآخرين (٣)، وهذا التعصب المقيت قد صدهم عن الاستجابة للحق بعد وضوحه (٤)، والتعصب للرأي وتجهيل الآخرين يتنافى مع مبادئ هامة في الإسلام كالشورى والتناصح؛ وهذا المظهر جلي الوضوح عند الغلاة والجفاة.
стр. 182
- مظاهر الغلو والجفاء في الجانب الاجتماعي والإنساني:
أُتي المسلمون من خللهم في هذا الجانب، والإعراض عن ضوابطه الشرعية بمصائب كثيرة ابتداء من فتنة الدار إلى عصرنا الحاضر، ويتجلى هذا الإعراض في أمور كثيرة نقف على أهم مظاهرها، فيما يلي:
١ - كثرة البدع والعقائد الفاسدة، وما نتج عن ذلك من الافتراق والفرق والأهواء، والتنازع والخصومات في الدين.
٢ - الإعراض عن نهج السلف الصالح وجهله، أو التنكر له من كلا الطرفين.
٣ - العلمنة الصريحة في أكثر بلاد المسلمين -بسبب الجفاء-، والتي أدت إلى الإعراض عن شرع الله، وظهور الزندقة والتيارات الضالة، والتنكر للدين والفضيلة، مما أدى إلى:
أ-شيوع الفساد، وظهور الفواحش والمنكرات، وحمايتها (١).
ب-التعلق بالشعارات والمبادئ الهدامة والأفكار المستوردة.
وحين لا يظهر السعي الجاد لتغيير الحال وإنكار المنكر، يُلجأ إلى التصدي لهذه الانحرافات بلا علم ولا حكمة (٢)، فتظهر البدع المتقابلة.
٤ - مجاوزة الحد في إلحاق الحكم على الناس بالكفر (٣) أو البدعة أو الفسوق (٤)؛ وهو الغلو الفاحش الذي أردى الأمة ونخر في جسمها، فترتب على فعلهم هذا: إراقة دماء طاهرة، وإزهاق أنفس معصومة، وتمزق الجماعة (٥)، وانتشار التباغض والشحناء بين أهل الإسلام.
٥ - إحداث أصول تشريعية جديدة (٦).
المبحث الثالث الاتجاهات المغالية (١).
إن الأمم الكثيرة التي لا تكاد تنتهي حصراً واستقصاءً من الداخلين في هذا الدين قد جروا معهم عن قصد أو عن غير قصد، بحسن نية أو بسوء نية، مجموعة من الأفكار، والانتماءات الحزبية، والمأثورات الشعبية، والأساطير القومية، والاتجاهات السياسية، والاتجاهات العقلانية (٢)، وغيرها من الاتجاهات التي يجمع بينها المغالاة أو المجافاة (٣).
وإذا نظرنا إلى العالم الإسلامي اليوم وجدنا أن الاتجاهات فيه لا تعد ولا تحصى وكفانا عنها تحذيراً وتنفيراً قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ الأنعام: ١٥٩، وقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ آل عمران: ١٠٥، على أن الذي يهمنا هو كشف هذه الاتجاهات؛ لأن في ذلك تفويتاً للفرصة أمام المتربصين والمستغلين لها في تقويض منهج أهل السنة الجماعة ومحاربته.
ويمكن تقسيم الاتجاهات المغالية عند التأمل إلى ثلاثة اتجاهات:
- الاتجاه الأول:
المنتمون للإسلام وهم على شيء من الانحراف والضلال أو على الكفر أو الجهل، وهم كثير ممن يدعي أنه على الإسلام الحق أمثال: الصوفية، والرافضة، والخوارج، والمعتزلة، والمرجئة، والجهمية، والأشاعرة، والباطنية، والنصيرية، والقاديانية وغيرهم.
стр. 185
وأصحاب المبادئ والاتجاهات الهدامة: كالاشتراكية، والبعثية، والقومية، والعلمانية، والديمقراطية، وجماعة التكفير والهجرة، وسواهم من ذوي الانحراف العقدي والعملي (١).
وهؤلاء هم الذين استثنى منهم رسول الله ﷺ تلك الطائفة المنصورة الظاهرة على الحق.
وقد سعى أصحاب هذا الاتجاه، بحكم مرجعيتهم الإسلامية في الجملة إلى إثبات إسلامية أفكارهم ورؤاهم، بردها إلى المبادئ الكلية والنصوص القطعية الثابتة في المصدرين الأساسيين وهما كتاب الله وسنة النبي ﷺ ، مما أدى إلى مزيد من التلبيس (٢)، وكان لذلك آثار خطيرة على حملة هذا الفكر أولاً، وعلى المتأثرين به كلياً أو جزئياً (٣).
لذلك نجد أن طوائف الغلاة أو الجفاة قد توزّعت على المذاهب الإسلامية كافّة (٤)، حتّى لم يبقَ مذهب إلا وظهر الغلو أو الجفاء بين أصحابه أو ممن يُحسب عليهم.
стр. 186
- الاتجاه الثاني:
أتباع الديانات الضالة: وهؤلاء: إما كتابيون، وهم الذين ينتمون إلى الأديان المنزلة من الله في أصلها ولكن دخلها التحريف والشرك ثم نسخت: كاليهودية والنصرانية، وما تولد عنهما أمثال: الماسونية (١)، والصهيونية (٢)، والمارونية (٣)، والاستشراق (٤)، والتغريب (٥) وغير ذلك.
стр. 187
وإما وثنيون، يتبعون ديناً مبتدعاً يقوم في أصله على الشرك والوثنية وتقديس المخلوقات، كالبراهمة (١)، والبوذيين (٢)، والكنفوشسيين (٣)، والجينيين (٤)، والمجوس (٥)، والسيخ (٦)، وأكثر المذاهب الفلسفية (٧) وغير ذلك من صريحي الكفر، المحادون لله ورسوله.
إذاً فالغلو في دائرته الواسعة ظاهرة كبرى في تاريخ الديانات قبلنا، حتى لقد قال النبي ﷺ : ((إنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين)) (٨).
وقد هددت آفة الغلو والجفاء حقائق الأديان، وهذه الآفة تَعْرِضُ لِكُلِّ دينٍ من عدّة جهات ولعدّة أسباب (٩):
١ - الاهتمام الشديد الذي يبديه الأتباع لكل دين، ما يجعل الدين عرضة لهجوم الغلو والجفاء عليه من جهتين:
أ-من ناحية أتباعه: بما يضيفون إليه من أقوالهم وأفكارهم رغبة منهم في تعظيمه، والذي سيؤول إلى عظمتهم ورفعة أنفسهم وَتَفَوُّقِهِم على سائر
стр. 188
الناس والمخالفين، وهذا الغلو في تهذيبها إلى حد التضييق والتعذيب، هو التفريط الذي أعقبه إفراط.
ب من ناحية الأعداء: الذين يسعون في نشر الخرافات والغلو فيه، فيدفعوا سائر الأتباع نحو أعمال وأفعال تخالف ذلك الدِّين وتضرّ به، فيظهر الغلو والجفاء بين الأتباع فمنهم من يسلك الحميَّةَ والجدِّيّة الدينية، ومنهم من يجرُّء على المعصية والفسق والفجور التي تؤدِّي إلى هلاك كلِّ ملّة وفناء كل أمّة.
٢ - الجهل وقصور الفكر: الأكثرية في كل مجتمع هي طبقة الجهلاء والسطحيين، الذين يعجزون عن تلقي حقائق الدين العالية وتوحيد الله الخالص، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ يوسف: ١٠٦، لذلك كلِّه يرى في تاريخ الأديان أن الدِّين الذي نجح في جلب أكثرية الناس هو ذلك الذي طرح معبوداً بصورة محسوسة وملموسة (١).
٣ - الغلو في حب الأنبياء والصالحين: الأنبياء يتميزون عادةً بقدرات فكرية وقِوَى علميّة وشمائل أخلاقية عالية يفوقون فيها سائر أفراد البشر، كما أن الله يمنحهم -لأجل تأييد نبوتهم- تصرفات من خرق العادات وإظهار المعجزات، مما يجعل بعض الأتباع -بدلاً من اتباعهم وتصديقهم- تُدْهِشُهُم تلك القوى والدرجات العالية والمعجزات الباهرة فيُسْحَرُون بها ويستنتجون منها خطأً أن أصحابها ذوو صفات إلهية فيقعون في الغُلُوّ والانحراف وتدخل من هذا السبيل كثير من الخرافات، قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾
стр. 189
النساء: ١٧١، مما يدل على أن الغلو في حب الأنبياء والصالحين سبب كبير في انحراف الناس عن حقيقة التوحيد وعن الدين الصحيح.
والواقع أن وقوع البدع المتقابلة -والتي لم يخل منها دين قط- هي في ذاتها دليل على عدم انفكاك العبودية عن الإنسان؛ فإنه إن لم يتعبد متبعاً تعبد مبتدعاً.
- الاتجاه الثالث:
الملاحدة: وهم الذين لا يدينون بدين، ولا يؤمنون بخالق، أو يتبعون مذاهب تستلزم إنكار وجود الخالق- ، كبعض الفلاسفة (١)، والدهريين والشيوعيين وبعض العلمانيين (٢)، ونحوهم من الكفار الملاحدة (٣).
ومما لا شك فيه أن كثيراً من دول العالم الغربي والشرقي تعاني من نزعة إلحادية عارمة، جسدتها الشيوعية المنهارة والعلمانية المخادعة، كما تسرب للعالم الإسلامي هذا السم الزعاف، بعد سقوط الخلافة الإسلامية تحت شعار الأدب وغيره (٤).
وقد جاء الإلحاد كردة فعل للغلو والتشدد، مما أصابهم بحالة من التفريط تمثلت في الانسلاخ من كل الضوابط التشريعية والأخلاقية؛ ويغتنم أصحاب البدع المتقابلة نشر بدعهم في وحل الإلحاد، وجذب أولئك البشر روحانياً وعقائدياً إليها؛ لأن النفس البشرية مهما ابتعدت بالإلحاد والانصراف، فهي في حاجة إلى الانتماء العقائدي لأي شيء يطرح أمامها.
يقول شيخ الإسلام ﵀: "كل من استكبر عن عبادة الله لابد أن يعبد غيره" (٥).
على أن الذي يهمنا هو معرفة العلة الحقيقية لظهور هذه الاتجاهات المغالية، والتي تكمن في العلة النفسية الجِبِليَة، وهي أن النفوس البشرية لا تنضبط دائماً على المنهج العدل الوسط، بل تجنح عنه ذات اليمين أو ذات الشمال: إما بالإيغال المهلك، وإما بالتفريط المسرف، وقد وقعت بعض هذه الاتجاهات في الأول كما وقع البعض الآخر في الثاني.
стр. 190
ولما كان الغلو بطبيعته لا تطيقه إلا نفوس قلائل تنطلق من تصور فاسد، وكثيراً ما تحظى بالإعجاب والإكبار لما تلزم به أنفسها، فيظن الرائي أنها تمثل حقيقة الدين وسموه، جاءت الأحاديث الصحيحة تبين صفات هذه النفوس وشبهات ذلك التصور.
ولما كان التفريط بطبعه غالباً على أكثر النفوس؛ جاء التحذير منه متمثلاً في الأوامر والنواهي عامة، والتذكير بها والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وضرورة التناصح بين الأمة، والوعيد للمفرطين (١).
стр. 191
الباب الثاني: الآيات الرادة على البدع المتقابلة في باب الإيمان بالله ومسائل الإيمان .
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: الآيات الواردة في توحيد الربوبية.
الفصل الثاني: الآيات الواردة في توحيد الألوهية.
الفصل الثالث: الآيات الواردة في توحيد الأسماء والصفات.
الفصل الرابع: الآيات الواردة في مسائل الإيمان.
стр. 192
الفصل ١ الآيات الواردة في توحيد الربوبية.
وفيه تمهيد ومبحثان:
تمهيد في تعريف توحيد الربوبية وذكر لوازمه.
المبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة
في توحيد الربوبية.
المبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع
المتقابلة في توحيد الربوبية.
стр. 193
تمهيد:
أولاً: تعريف توحيد الربوبية:
الربوبية في اللغة:
الربوبية: مصدر رَبَّ يَرُبُّ رَبَابَةً ورُبُوبية (١).
يقول ابن فارس: " الراء والباء يدل على أصول:
فالأول: إصلاح الشيء والقيام عليه. والآخر: لزوم الشيء والإقامة عليه.
والثالث: ضم الشيء للشيء، ومتى أمعن النظر كان الباب كله قياساً واحداً" (٢).
"والرب يطلق في اللغة على المالك، والسيد، والمدبر، والمربي، والقيّم، والمنعم " (٣).
وجميع هذه المعاني ترجع إلى ثلاثة هي: المالك، والسيد، والمصلح، وقد أشار إلى ذلك
ابن الأنباري (٤) حيث قال: " الرب ينقسم على ثلاثة أقسام:
يكون الرب المالك، ويكون الرب السيد المطاع ... ويكون الرب المصلح" (٥).
ويظهر مما تقدم أن الربوبية مشتقة من "الرب" ومن هنا أضيف التوحيد إلى هذه الكلمة لشموليتها على اختصاص الرب بجميع ما تحمله من صفات ومعان (٦).
ويطلق الرب في الشرع ويراد به عين معناه في اللغة: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " الرب سبحانه: هو المالك، المدبر، المعطي، المانع، الضار، النافع، الخافض، الرافع، المعز، المذل" (٧).
стр. 194
ويقول العلامة ابن القيم ﵀: " الرب هو السيد، والمالك، والمنعم، والمربي، والمصلح، والله هو الرب بهذه الاعتبارات كلها" (١)، وقال: " فاسم الرب له الجمع الجامع لجميع المخلوقات فهو رب كل شيء وخالقه والقادر عليه، ولا يخرج شيء عن ربوبيته" (٢).
ونستطيع القول بأن أشمل تعريف لتوحيد الربوبية هو: إفراد الله بأفعاله.
ويدخل في هذا جميع صفات الربوبية من الخلق والملك والتدبير والتصرف في جميع مخلوقاته، بل يدخل فيه خلق أفعال العباد من الخير والشر (٣).
كما يدخل فيه الإيمان بما قضاه الله وقدره وأنه لا يخرج شيء عن ملكه وخلقه وتدبيره.
قال شيخ الإسلام ابن تيمة ﵀: " وأما توحيد الربوبية فيدخل فيه ما قدره الله وقضاه وإن لم يكن مما أمر به وأوجبه ورضيه، والعبد مأمور بأن يعبد الله ويفعل ما أمر به وهو توحيد الإلهية ويستعين بالله على ذلك وهو توحيد الربوبية فيقول: إياك نعبد وإياك نستعين -والله أعلم-" (٤).
ثانياً: لوازم توحيد الربوبية:
الربوبية حق، ولازم الحق حق (٥)، والله منفرد بربوبيته، ولوازم ربوبيته كثيرة منها: إفراده بالألوهية، فمن آمن بتوحيد الربوبية فاعتقد أن الله هو الخالق، الرازق، المدبر، المحيي المميت فإنه يلزمه أن يعبد هذا الإله الذي خلقه، ورزقه، وأحياه، وأن يفرده بالألوهية، ويصرف جميع أنواع العبادة لله وحده (٦).
стр. 195
كذلك فإن العلم بربوبيته يستلزم العلم بقدمه، فكل ما سوى الله مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن، والله انفرد بالأزلية (١).
ومن لوازم ربوبيته رحمته بعباده وإنعامه عليهم، ومن أعظم نعم الله على عباده ورحمته بهم: أن أرسل إليهم الرسل، وأنزل إليهم الكتب فالربوبية إذاً: تستلزم إرسال الرسل وإنزال الكتب (٢).
وربوبيته تستلزم فعله بمشيئته وقدرته، يقول ابن القيم ﵀: " صفة الربوبية تستلزم جميع صفات الفعل" (٣)، فمن لم يكن له فعل اختياري يقوم به، ولا يقدر على ذلك، لا يكون خالقاً ولا رباً للعالمين، وخلق السماوات والأرض دليل على أن له فعلاً صار به خالقاً (٤). كذلك فإن الربوبية المحضة تستلزم مباينة الرب للعالم وإثبات العلو لله تعالى.
لذا فإن توحيد الربوبية يستلزم إثبات توحيد الأسماء والصفات، وغير ذلك من اللوازم.
стр. 196
المبحث الأول ما جاء في البدع المتقابلة في توحيد الربوبية .
تمهيد:
بالرغم من أن توحيد الربوبية أمر مركوز في الفطر، مجبولة عليه النفوس، متكاثرة على تقريره الأدلة، إلا أنه وجد فئامٌ من الناس قديماً وحديثاً (١) ممن حصل عندهم انحراف فيه، وتغيرت فطرهم، فظهرت البدع المتقابلة في توحيد الربوبية.
لذا نجد أن الوحي اهتم بذلك وناقشه، كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ الطور: ٣٥، وقوله: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إبراهيم: ١٠ وغير ذلك من الآيات.
قال ابن تيمية ﵀: " فأما الإيمان بالله فهو في الجملة قد أقر به جمهور الخلائق، إلا شواذ الفرق من الفلاسفة الدهرية، والإسماعيلية ونحوهم، أو من نافق فيه من المظهرين للتمسك بالملل" (٢).
وبالجملة فإن جحد هذا النوع من التوحيد أو الإعراض عن تحقيقه أو التقصير في فهمه ومعرفته، يؤول إلى الضلال والبعد عن الله والهلاك.
كما أن الغلو فيه وجعله هو التوحيد الواجب، يؤدي إلى شهود الحقيقة الكونية فقط، وعندئذ فلا يكون هناك فرق بين المؤمن والكافر، ولا البر والفاجر، ولا أولياء الله ولا أعدائه (٣). كذلك فإن الغلو في شهود خصائص الربوبية أدى إلى إيجاب الرضا بكل مقضي (٤)، وهذا يفضي إلى جعل القدر حجة في باب المعصية (٥).
والذين وقعوا في البدع المتقابلة في توحيد الربوبية هم ممن صرفوا خصائص الربوبية (٦) كلها، أو بعضها لغير الله ، أو عطلوه عنها بالكلية، أو غلوا في توحيد الربوبية
стр. 197
فوق الحد المشروع، إذا فالبدع المتقابلة نتاج عن الجهل بمعرفة الله وخصائص ربوبيته؛ ومن أجل ذلك فإنها تصل في أكثر صورها إلى الشرك الأكبر (١)، وهو شرك يتعلق بذات الله .
قال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ (٢) ﵀: "فاعلم أن الشرك ينقسم ثلاثة أقسام بالنسبة إلى أنواع التوحيد، وكل منها قد يكون أكبر وأصغر مطلقاً، وقد يكون أكبر بالنسبة إلى ما هو أصغر منه، ويكون أصغر بالنسبة إلى ما هو أكبر منه" (٣).
قال ابن تيمية ﵀: "أما النوع الثاني فالشرك في الربوبية، فإن الرب سبحانه هو المالك المدبر، المعطي المانع، الضار النافع، الخافض الرافع، المعز المذل، فمن شهد أن المعطي أو المانع أو الضار أو النافع أو المعز أو المذل غيره فقد أشرك بربوبيته" (٤).
وبناءً على ما سبق فقد ضلت عدة طوائف في توحيد الربوبية، فمنهم من خرج بمفهومه عن الإسلام، ومنهم من فهمه فهماً خاطئاً، ومنهم من فهم بعض أجزائه، ويمكن تقسيم أولئك إلى طائفتين:
إحداهما: الذين جَفَوا في معنى الربوبية: إما بإنكارهم لربوبية الله مطلقاً وجحدها، أو بتعطيل الله عن خصائص ربوبيته، أو جعلها لغيره مع تعطيلهم لوجوده .
والطائفة الثانية: الذين بالغوا في معنى الربوبية فأثبتوها لله ولغيره فجعلوا معه شركاء في خصائص الربوبية، ولم يعطلوا الله عن وجوده.
لأن أصل الشرك: إمّا التعطيل، وإمّا الإشراك، قال شيخ الإسلام ﵀: " وأصل الشرك: إمّا التعطيل، مثل تعطيل فرعون موسى، والذي حاج إبراهيم في ربه خصم إبراهيم، والدجال مسيح الضلال خصم مسيح الهدى عيسى ابن مريم ﷺ ، وإما الإشراك:
стр. 198
وهو كثير في الأمم أكثر من التعطيل، وأهله خصوم جمهور الأنبياء، وفي خصوم إبراهيم ومحمد ﷺ معطلة ومشركة، لكن التعطيل المحض للذات قليل، وأما الكثير فهو تعطيل صفات الكمال، وهو مستلزم لتعطيل الذات" (١).
والرب تعالى وحده هو الذي يستحق كمال التعظيم والجلال والتألُّه والخضوع والذل، وهذا خالص حقه، فمن أقبح الظلم (٢) أن يعطى حقه لغيره؛ لذلك كثرت تحذيرات القرآن والسنة من الشرك وقطع كل السبل الموصلة إليه، ونلحظ أن كثيراً من البشر نتيجة غلبة الجهل وعدم تعظيم الله ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الأنعام: ٩١، والابتعاد عن منابع الهدى والرشاد تنكبوا الطريق ورجعوا إلى الشرك وإلى التعلق بغير الله تعالى في أقبح صورة وأسوء حال، فجنحوا إلى الإفراط أو التفريط في ربوبية الله وبيان ذلك فيما يلي.
стр. 199
المطلب الأول: الانحراف المؤدي إلى التفريط (١) في توحيد الربوبية.
الانحراف المؤدي إلى التفريط في توحيد الربوبية ينقسم إلى نوعين:
- الأول: التعطيل الكلي (٢) (الإلحاد):
التعطيل الكلي أو المحض: وهو إنكار الخالق، وإنكار صفاته وأفعاله، وإنكار عبادته وشرائعه.
قال ابن القيم ﵀: "وأهل التعطيل المحض عطلوا الشرائع، وعطلوا المصنوع عن الصانع، وعطلوا الصانع عن صفات كماله، وعطلوا العالم عن الحق الذي خلق له وبه، فعطلوه عن مبدئه ومعاده وعن فاعله وغايته" (٣).
وجميع قوادح الربوبية داخلة في الإلحاد (٤)، إلا أنها متفاوتة في ذلك، وأعظم الإلحاد في الربوبية هو:
١ - الإلحاد المحض وهو إنكار الرب .
٢ - القول بالاتحاد العامّ (وحدة الوجود)، وهو مستلزم للنفي والتعطيل.
٣ - القول بقدم العالم، وهو مستلزم لنفي الصانع.
وفيما يلي إيضاح ذلك:
стр. 200
o المنكرون لوجود الخالق ﵎، هم على نوعين:
* النوع الأول: من أنكر أن يكون لهذا الكون إله، وهم على طريقتين: -
أصحاب الطريقة الأولى: الملاحدة - وهم المنكرون لوجود الخالق ﵎. وهم فرقتان:
الأولى: الدهريون: القائلون بالجوهر الفرد (١)، وهم جماعة من الفلاسفة يعتقدون أن الكون تَكَون من جواهر مفردة، أي: ذرات صغيرة كانت موجودة تتحرك في الفراغ، ثم بسبب الحركة الوقتية (٢) تتجمع فتحدث مظاهر الحياة والوجود (٣).
أصحاب الطريقة الثانية: أصحاب وحدة الوجود: وهم الذين يزعمون بأن الله -تعالى عما يقولون- هو هذا الكون كله، وليس له ذات قائمة بنفسه، بل هو حال في كل شيء، وإن كانوا في حقيقة أنفسهم مقرين بوجود الخالق، إلا أن قولهم يقتضي الوصف بالعدم، ولازمه الإنكار، فزعمهم أن هذا الكون هو وجوده وهو ذاته، يجعل الإله الذي أقروا به لا حقيقة له في الخارج أصلاً وإنما هو أمر مطلق في الأذهان (٤)، وسيأتي مزيد بيان لهذا.
стр. 201
* النوع الثاني: من أنكر وجود الله مع إثبات إله غيره، وهم على طريقتين أيضاً:
أصحاب الطريقة الأولى: عباد العالم العلوي: وهم من يعتقد بأن إلههم المزعوم في السماء، مثل: مشركي قوم إبراهيم الصابئة -عباد الكواكب- (١)، والفلاسفة الدهرية كابن سينا وأمثالهم، والمجوس "الأصلية" القائلين بالأصلين: النور والظلمة، والثنوية -أصحاب الاثنين الأزلييّن-: يزعمون أن النور والظلمة أزليان قديمان، بخلاف المجوس الذين قالوا بحدوث الظلام، والمانوية -أصحاب ماني بن فاتك- القائلين: بأن العَالَمَ مصنوع من أصلين قديمين، والنصيرية: لقولهم بألوهية علي بن أبي طالب ﵁ وبأنه المتصرف بالكون، وزعمهم بأنه حل في الشمس أو القمر أو السحاب، ووصفهم إياه بأوصاف لا يجوز أن يوصف بها أحد إلا الله مع اختلاف أقوالهم في هذا.
أصحاب الطريقة الثانية: عباد العالم السفلي: الذين يعتقدون أن الإله في الأرض، مثل: الدروز المألهون للحاكم بأمر الله العبيدي، والشيوعية والاشتراكية والقومية وغيرها من الاتجاهات الهدامة التي تجددت، والباطنية لتأليههم لبعض الأشخاص، فالنصيرية مثلاً يؤلهون علي بن أبي طالب ﵁، والدروز يؤلهون الحاكم بأمره، والرافضة الإمامية تعتقد في أئمتها شيئاً من ذلك (٢)، كذلك بعض المتصوفة يعتقدون في أوليائهم تصريف الكون وشئون الخلق، بل يزعم بعضهم أن من كرامات أوليائهم أنهم يحيون الموتى (٣)، كذلك الملاحدة: فهم يؤمنون (٤) بإله الصدفة ومحبوبات النفس (٥).
ولا يعتقد هذا الاعتقاد -أي: إنكار الرب إلا من بلغ الغاية في الكفر والضلال، للمناقضة الصريحة بين ذلك وبين نصوص الوحي بل والفطرة السليمة والعقل الصريح؛ بل
стр. 202
ويعتقد هؤلاء أن الأديان من صنع البشر، وليست من قبل الله ، ولازم هذا الاعتقاد هو الكفر بالله ورسله وكتبه وبكل المغيبات وكل ما جاءت به الأديان، ويعتبرونها عوائق أمام الإنسان نحو المستقبل، من أجل ذلك اتخذوا الإلحاد مبدأ (١).
والمنكرون للخالق قولهم فاسد بالضرورة، وهذا القول العلم به كافٍ وحده في معرفة بطلانه، ومع ذلك فإن شيخ الإسلام ﵀ ذكر أوجهاً متعددة في بيان فساد قول القائلين بهذا الإلحاد وهي التالي:
١ - أن المنكرين للرب كفرعون وأمثاله وإن أظهروا بألسنتهم إنكار الرب إلا أنهم يقرّون بذلك في نفوسهم، فالفطرة التي في نفوسهم تردّ عليهم ما يظهرونه، وتبين فساد قولهم (٢).
٢ - وكما أنه يعلم فساد قولهم بالضرورة فإنه يعلم أيضاً بالنظر، قال شيخ الإسلام ﵀: " وهؤلاء يعلم فسد قولهم تارة بالضرورة، وتارة بالنظر من وجوه كثيرة، فإن ما في العالم من الحوادث المشهودة التي تدل على أن محدِثها عالم قدير حكيم، وما في العالم من الحاجة والافتقار الذي يدل على أن جميعه وكلّ جزء منه محتاج مفتقر، وأن جميع ما هو فقير محتاج يفتقر إلى ما هو خارج عنه، وأن الوجود إمّا محتاج، وإما مخلوق أو غير مخلوق، ولا بد للممكن من واجب، وللمحدث من قديم، وللفقير من غني، والمخلوق من خالق غير مخلوق، فيلزم وجود الخالق الغني القديم الواجب بنفسه بالضرورة" (٣).
٣ - أن الإقرار بالرب ﵎ معروف عند عامّة الأمم، والكفار أكثرهم لا يجحدون وجود الرب تعالى إلا من شذ من هؤلاء الشرذمة الذين لا يعتدّ بهم، وهم قلّة قليلون لا يذكرون بالنسبة إلى من يقرّ بالرب
стр. 203
تعالى (١) .. والإلحاد المعاصر وإن كان قد أصبح ظاهرة منتشرة، وهناك دول قامت عليه إلا أن المنكرين إذا قورنوا بالمقرين بالرب من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم فهم قلّة قليلة وحتى الدول التي تبنت الإلحاد ليس كل شعوبها ملاحدة، بل فيهم النصارى وغيرهم من المقرين بالرب (٢).
٤ - دلائل الربوبية، كدليل الآيات المشتمل على دليل الحدوث، والافتقار والاشتراك بين المخلوقات، وعدم الاستقلال، والاختلاف بينها، ودليل العناية، كل ذلك رد على هؤلاء الملاحدة (٣).
o القول بالاتحاد العامّ (وحدة الوجود):
هذا المذهب من جنس سابقه في عدم إثبات وجود الله وجوداً متميزاً عن سائر مخلوقاته، إلا أن من يسمون بالملاحدة أنكروا وجوده جملة وتفصيلاً، أما هؤلاء فقد زعموا أن هذا الكون هو وجوده وهو ذاته، ولم يميزوه عن شيء من المخلوقات (٤) - تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيرا -.
ووحدة الوجود: عقيدة كثير من غلاة الصوفية وهي قائمة على أن الله والوجود شيء واحد غير منقسم، وأن وجود هذا العالم هو عين وجود الله وهو حقيقة وجود هذا العالم، فليس عندهم رب وعبد ولا مالك ومملوك ولا راحم ومرحوم ولا عابد ولا معبود، فالعابد هو نفس المعبود والرب هو العبد -تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا- (٥).
стр. 204
وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وأن من شبه الله بخلقه فقد كفر، فكيف من جعله عين المخلوقات، وجعله نفس الأجسام المصنوعات؟ (١) -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً-.
وخلاصة أقوال هؤلاء المعطلة، تدور على أحد أصلين:
١ ـ الأصل الأول: النفي والتعطيل الذي يقتضي الوصف بالعدم، بأن جعلوا الحق لا وجود له، ولا حقيقة له في الخارج أصلاً وإنما هو أمر مطلق في الأذهان.
٢ ـ الأصل الثاني: أن يجعلوا الحق عين وجود المخلوقات، فلا يكون للمخلوقات خالق غيرها أصلاً، ولا يكون رب كل شيء ولا مليكه. وهذا الذي عليه حال أهل وحدة الوجود الاتحادية في أحد حاليهم فهذا حقيقة قول القوم وإن كان بعضهم لا يشعر بذلك (٢).
وانحراف هؤلاء في توحيد الربوبية، تارة يكون في جانب التفريط والجفاء وذلك إذا نظرنا إلى أنهم لا يميزون الخالق بصفات تميزه عن المخلوق، ويقولون: بأن وجود الخالق هو وجود المخلوق (٣)؛ فمن هذا الباب هم معطلون للتوحيد.
وتارة يكون في جانب الإفراط، إذا ما نظرنا إلى غلوهم في إثبات توحيد الربوبية إلى حد ما يسميه الصوفية بالفناء، وسبب قولهم بهذا، نفي الصفات، وهو أولّ أمرهم (٤).
o القول المستلزم لنفي الله وهو القول: بقدم العالم (٥):
اهتم شيخ الإسلام ﵀ اهتماماً بالغاً بالرد على الفلاسفة في قولهم بقدم العالم، وفنَّد حججهم على ذلك، وأكثر ﵀ من عرض أقوالهم في كتبه ومناقشتها، ومناقشة من ردّ
стр. 205
عليهم من المتكلمين (١)، إلاّ أنني هنا أقتصر على إبراز هذا النوع من الانحراف وأنه من جانب التفريط في توحيد الربوبية.
القول بقدم العالم من البدعة المنكرة التي أحدثها الفلاسفة المتأرجحون بين شريعة الرحمن وزندقة اليونان، تناقِض توحيد الربوبية بشكل واضح، إذ حقيقتها إنكار وجود الصانع، الخالق للكون، المتقدم عليه، ومعناه عندهم أن العالم ما زال موجوداً مع الله تعالى، ومعلولاً له، ومساوقاً له مساوقة المعلول للعلة، غير متأخر عنه في الزمان.
ويتضمن هذا القول أن الله تعالى علة تامة مستلزمة للعالم، والعالم متولد عنه تولداً لازماً (٢).
وهذا القول باطل عقلاً وشرعاً، لذلك أجمعت طوائف الملل كلها على بطلانه، كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "القول بقدم العالم قول اتفق جماهير العقلاء على بطلانه، فليس أهل الملة وحدهم تبطله، بل أهل الملل كلهم، وجمهور من سواهم من المجوس وأصناف المشركين: مشركي العرب، ومشركي الهند وغيرهم من الأمم، وجماهير أساطين الفلاسفة كلهم معترفون بأن هذا العالم محدث كائن بعد أن لم يكن، بل وعامتهم معترفون بأن الله خالق كل شيء" (٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ... والمشهور عن القائلين بقدم العالم أنه لا صانع له فينكرون الصانع ﷻ ... " (٤).
وكل قول باطل لا بد له من آثار سيئة، والقول بقدم العالم لما كان من أفسد الأقوال، كانت آثاره السيئة عظيمة السوء، ومن هذه الآثار:
١ - أن الرب ليس خالقاً للمحدثات، وأن المحدثات كلّها حدثت بلا محِدث ولا فاعل -وقد عُلم فساد قولهم هذا-، وهذا حقيقة قولهم بقدم العالم ولازم ذلك إنكار المعاد (٥).
стр. 206
قال شيخ الإسلام ﵀: " إن هؤلاء القائلين بقدم العالم وإن أقرّوا بمبدع العالم فقولهم بالحجة التي يثبتون عليها إثبات مبدع العالم حجة ضعيفة (١)، بل قولهم مستلزم لنفي الصانع" (٢).
٢ - إنكار المعاد، بين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن عمدة الفلاسفة في إنكار المعاد هو اعتقادهم قدم العالم، وأنه لا يجوز أن يتغير، وترتب على هذا قولهم بنفي قدرة الله وعلمه ومشيئته وإنكارهم أن يكون خالقاً للمحدثات (٣).
٣ - إنكار واجبات الإسلام ومحرماته، لاعتقادهم أنه لا يوجد ثواب ولا عقاب في الآخرة.
٤ - القول بقدم العالم يستلزم تسلسل العلل والفاعلين، وهو باطل بصريح العقل واتفاق العقلاء؛ وذلك لأن العلّة التامة لا يتأخر عنها معلولها، والمشاهد أن المخلوقات حادثة متأخرة عن معلولها، فيلزم ألا يكون شيء من الحوادث حادثا عن العلة التامة التي هي واجب الوجود (الله) فإما أن تكون الحوادث حادثة بنفسها، وهذا فاسد، وإما أن تكون من فاعل آخر غير الله وهذا فاسد أيضاً.
والقائلون بقدم العالم هم الفلاسفة من أرسطو ومن بعده، وأمَّا أساطين الفلاسفة قبل أرسطو فلم يكن منهم من قال بقدم العالم، وأما أتباع أرسطو المنتسبون إلى الإسلام كابن سينا وأمثاله فهم يقولون ما يعلم جماهير العقلاء أنه مخالف لضرورة العقل: إذ يثبتون مفعولاً ممكنا يمكن وجوده ويمكن عدمه، وهو مع هذا قديم أزلي لم يزل ولا يزال، وهو مفعول معلول لعلة فاعلة لم يزل مقارناً لها مقارنة المعلول لعلته التامة ... وإثبات ابن سينا لمفعول ممكن يمكن وجوده ويمكن عدمه وهو مع هذا قديم أزلي جمع بين النقيضين، والفطرة ترد ذلك ولا تقبله، وجماهير العقلاء من أهل الملل والفلاسفة حتى أرسطو وأتباعه
стр. 207
القدماء على أن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون إلا محدثاً، وأما القديم فلا يكون عندهم ممكناً يقبل الوجود والعدم (١).
- الثاني: التعطيل الجزئي:
التعطيل الجزئي: هو إثبات وجود الله مع تعطيله عن لوازم ربوبيته، أو عن بعضها. وهو ذريعة إلى التعطيل الكلي، وفيما يلي بيان لبعض الأوجه العامة لهذا التعطيل:
o تعطيل الله عن أسمائه وصفاته أو عن بعضها:
الإيمان بالربوبية لا يتم إلاّ بالإيمان بصفاته تعالى والخلل في إثبات صفات الله يؤدي إلى الخلل في إثبات الربوبية من خلال بيان ما يلي:
١ - أنه لولا ثبوت صفات لله تعالى لم يكن رباً خالقاً.
٢ - أن ما كان منفي الصفات لم يكن إلا معدوماً.
٣ - أن نفي الصفات مستلزم ومتضمن لنفي الذات.
٤ - أن من أسباب الانحراف في الربوبية نفي الصفات.
٥ - أن قول نفاة الصفات مأخوذ من المنحرفين في الربوبية.
٦ - أن حقيقة قول نفاة الصفات هو جحد الخالق (٢).
وما يهمنا هو: أن من أسباب الانحراف في الربوبية نفي الصفات؛ لأنه لما كان الاعتراف بالربوبية لا يتم إلا بالإيمان بصفاته تعالى، كان نفي صفات الله تعالى من أسباب الانحراف في باب الربوبية، وبهذا يتبين سبب انحراف كثير من الفرق.
كما أن قول نفاة الصفات مأخوذ من المنحرفين في الربوبية، قال شيخ الإسلام ابن تيمة ﵀: " والجهمية نفاة الصفات الذين هم رؤوس أهل الكلام المذموم قولهم مأخوذ من
стр. 208
قول خصمائه (أي إبراهيم ﵇ وخصمائه الصابئة) كما هو مأخوذ من قول فرعون خصم موسى ﵇ فإن فرعون أظهر جحد الصانع وعلوه على خلقه، وجحد تكليمه لموسى، وقوم إبراهيم كانوا مشركين كما أخبر الله عنهم بذلك، وكان فيهم من هو معطل، كما ذكر تعالى ذلك. والفلاسفة القائلون بدعوة الكواكب: فيهم المشرك، وفيهم المعطل. ونفي الصفات من أقوالهم، فمنهم من لا يثبت لهذا العالم المشهود رباً أبدعه، كما هو قول الدهرية الطبيعية منهم، ويجعلون العالم نفسه واجب الوجود بذاته، ومنهم من يثبت له مبدعاً واجباً بنفسه أبدعه، كما هو قول الدهرية الإلهية منهم، ويقولون: إن الواجب ليس له صفة ثبوتية، بل صفاته: إما سلب، وإما إضافة، وإما مركبه منهما (١)، وكان الجعد بن درهم من أهل حرَّان. وكان فيهم بقايا من الصابئين (٢)
والفلاسفة، خصوم إبراهيم الخليل ﵇، فلهذا أنكر تكليم موسى وخلة إبراهيم، موافقة لفرعون والنمرود، بناءً على أصل هؤلاء النفاة، وهو أن الرب تعالى لا يقوم به كلام، ولا يقوم به محبة لغيره، فقتله المسلمون، ثم انتشرت مقالته فيمن ضلَّ من هذا الوجه" (٣).
والمدقق النظر في معطلة الأسماء والصفات أو بعضها، يرى أن أقوالهم تفضي إلى إنكار الخالق؛ لأن الذي لا صفات له لا وجود له، ولا يمكن معرفته.
o تعطيل الله عن كماله المقدس:
من التفريط في توحيد الربوبية تعطيل كمال الله ونسبة النواقص إليه؛ لأن الإيمان بالله تعالى مبني على التعظيم والإجلال للرب .
стр. 209
ولا شك أن كل من أثبَت لغير الله أفعالاً وأعمالاً تتعلق بكماله وقدرته التي لا يمكن أن تكون من غيره سبحانه (١)، فقد عطل الله عن كماله وأشرك في صفته "القدرة الكاملة"؛ لأن ملا يكون في مقدور البشر أن يفعلوه فهو من خصائص الربوبية (٢).
وما فِعْلُ كثيرٍ من الطوائف والفرق والديانات والنحل إلا تعطيل لكمال الله المقدس؛ لذلك فإنهم لم يوفوا الربوبية حقها، حيث يعتقد الرافضة- مثلاً- في أئمتهم أنهم يعلمون الغيب، وتخضع لهم ذرات الكون ونحو ذلك، وكذلك يعتقد الباطنية والصوفية في أوليائهم نحو ذلك، كما أن القدرية أخرجوا أفعال المخلوق عن أن تكون مخلوقة لله فعطلوا هذه الحوادث عن خالق لها، وغير ذلك من اعتقاد بعض الفرق في تأثير وتصرف غير الله تعالى، من الأبراج والكواكب ومساراتها ومواقعها على حياة الناس، أو اعتقاد أن المخلوق يمكنه أن يرزق المخلوق، أو يمنع عنه الرزق، أو يمكنه أن يضر، أو ينفع من دون الله تعالى، أو اعتقاد حلول الله تعالى في خلقه، أو أن الله في كل مكان، أو اعتقاد التوفيق في حياة العبد من ذكائه، أو جهده واجتهاده، وغيرها من الاعتقادات التي تناقض الإيمان وتبطله (٣).
كما أن تمثيل الخالق بالمخلوق فيما يختص بالمخلوق من صفات النقص التي يجب تنزيه الرب عنها، أنه تعطيل لكمال الله المقدس. وهذا ما وقع من اليهود حيث قالوا: إن الله فقير، وقالوا: يد الله مغلولة، وقالوا: إنه تعب من الخلق فاستراح يوم السبت وغير ذلك. ووقع أيضاً من الجهمية النفاة فإنهم قالوا: إن الله تعالى لا يتكلم ولا يحب ونحو ذلك من نفيهم (٤).
وهؤلاء الطوائف ضلوا في مباحث التوحيد التي هي أشرف المباحث وأعلاها، فلم يهتدوا إلى معرفة توحيد الله ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ النور: ٤٠، وضلال ما ذهبوا إليه واضح وضوح الشمس.
стр. 210
o تعطيل الله عن إفراده بالألوهية:
يرتبط الانحراف في توحيد الألوهية بالانحراف في الربوبية؛ لأن توحيد الربوبية هو أحد أنواع التوحيد الثلاثة كما تقدم؛ ولذا فإنه لا يصح إيمان أحد ولا يتحقق توحيده إلا إذا وحد الله في ربوبيته، لكن هذا النوع من التوحيد ليس هو الغاية من بعثة الرسل ﵈، ولا ينجي وحده من عذاب الله ما لم يأت العبد بلازمه توحيد الألوهية؛ لأن توحيد الربوبية هو مقام الجمع بين المخلوقات والفرق بينهم لا يتحقق إلا بالأمر والنهي، وهو متعلق الألوهية (١).
ولذا يقول الله تعالى ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ يوسف: ١٠٦، والمعنى أي: ما يقر أكثرهم بالله رباً وخالقاً ورازقاً ومدبراً- وكل ذلك من توحيد الربوبية- إلا وهم مشركون معه في عبادته غيره من الأوثان والأصنام التي لا تضر ولا تنفع، ولا تعطي ولا تمنع.
ومن لم يحقق توحيد الربوبية فقد قصر وتنقص موجب ربوبيته ، ولهذا فإن جمهور القدرية لما أخرجوا مشيئة العبد وفعله عن مشيئة الله وخلقه أرادوا إثبات إلهيته، وأنه معبود محمود حكيم عادل فقصروا في ذلك ونقصوه موجب ربوبيته وقدرته ومشيئته (٢)؛ كذلك فرعون لما أنكر ربوبية الله تعالى لم يوف الألوهية حقها، فإنه لم يعبد الله البته، إذ كيف يعبده وهو ينكره أصلاً، والاتحادية لما قالوا باتحاد الخالق بالمخلوق فضلوا بذلك في توحيد الربوبية لم يوفوا الألوهية حقها، فعبدوا كل شيء؛ لأنهم يرون أن كل موجود هو الله (٣).
وهذا يبين أهمية توحيد الربوبية من جهة، والحذر من الوقوع في قوادح الربوبية من جهة أخرى؛ ولهذا كانت عناية أهل السنة والجماعة بهذا النوع من التوحيد فقد توسطوا أهل البدع المتقابلة، ومن ترك الحق من أهل البدع ابتلي بالباطل، وبعدد لوازم توحيد الربوبية نجد من عطلها أو أشرك فيها.
وسيأتي للحديث بإذن الله تعالى مزيد بيان عن الانحراف في توحيد الألوهية في المبحث القادم.
стр. 211
المطلب الثاني: الانحراف المؤدي إلى الإفراط (١) في توحيد الربوبية.
إن المتأمل للطوائف والفرق والملل التي أفرطت في حقيقة الربوبية (٢)، يجد أنها على أقوال شتى متفرقة، إلا أنه يجمعها بعض الأصول (٣) وإن كانوا يتفرقون كثيراً عند التفريعات، وهي:
الأصل الأول: بالنظر إلى ذات الرب -: ويكون إما بإرادة تعظيم الله بغير ما أخبر عن نفسه العلية أو أخبر عنه رسوله ﷺ ، أو بالتأثر باعتقادات الديانات السابقة المنحرفة في الذات الإلهية، ويشمل هذا إثبات الوجود الذهني لله ، واعتقاد إله مماثل لله أو أكثر.
الأصل الثاني: بالنظر إلى المخلوقين: باعتقاد أن أحداً يسعه الوصول إلى الصفات الإلهية ومشاركة الرب.
ويرجع ضلالهم في هذا الباب إلى ما يلي:
١ - الكفر والبعد عن نور الشرع، كما حصل لفرعون والنمرود والشيوعية والمجوس والملاحدة بشكل عام.
٢ - تأثر بعض المسلمين بالفلاسفة وآرائهم الكلامية (٤)؛ وذلك بصرفهم لظواهر النصوص إما بتعطيلها وإما بتأويلها؛ لأنهم لا يرونها تفيد اليقين، وإنما الذي يفيد اليقين هو قواعد المنطق وعلم الكلام.
стр. 212
٣ - جعل ظواهر النصوص دالة على تشبيه الخالق بالمخلوق، ووجه ذلك أنهم يشاهدون المخلوقات الحادث متصفةً بالصفات المضافة إلى الله تعالى في النصوص، فتكون ظواهر النصوص دالة على التشبيه عندهم.
وبناء على الأصلين السابقين، والتي بسببهما يحدث الإفراط في توحيد الربوبية، نستطيع أن نحدد الأُطر التي أوقعت أهل البدع في هذا الانحراف، وهي تنحصر في ثلاثة أجناس لا يزال أهل البدع يجددون في صورها وهي:
- أولاً: (مشاركة الرب في بعض خصائص ربوبيته):
وهو اعتقاد متصرف مع الله في أي شيء، من تدبير الكون - من إيجاد، أو إعدام، أو إحياء، أو إماتة، أو جلب خير، أو دفع شر، أو غير ذلك من معاني الربوبية-، أو اعتقاد منازع له في شيء من مقتضيات أسمائه وصفاته، كعلم الغيب (١)، أو كالعظمة، والكبرياء، ونحو ذلك (٢).
والناظر لأهل البدع يجد أنهم واقعون في هذا الملحظ الخطر، فنجد أن الرافضة الاثني عشرية وغلاة الصوفية يزعمون أن الأئمة والأقطاب يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل، وأنهم يعلمون علم ما كان وما يكون، وأنهم لا يخفى عليهم شيء، وأنهم لا يحجب عنهم علم السماء والأرض، والجنة والنار (٣).
стр. 213
كما نجد أن المتصوفة القائلين بالغوث (١) والقطب (٢) والأوتاد (٣)، والأبدال أنها تصرفهم كما يدعون. ويلتحق بهم من يعتقدون تأثير النجوم والكواكب والأسماء والهياكل والجن (٤).
كذلك شرك القدرية (مجوس هذه الأمة) القائلين بأن كل إنسان يخلق فعل نفسه، هم في الحقيقة مشركون في الربوبية، وهذا لازم لمذهبهم؛ لأنهم يرون أن الإنسان خالقٌ لفعله، فهم أثبتوا لكل أحد من الناس خَلْقَ فعله. والخلق إنما هو مما اختص الله به، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ الصافات: ٩٦، وأفعال العباد لا يخرجها شيء من عموم خلقه (٥).
كذلك فإننا نجد أن النصارى غلوا في المسيح فقالوا: إنه رب العالمين، وخالق السموات والأرض، وإنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير (٦).
ما وقع من هذه الطوائف من تعظيم الأنبياء والصالحين تعظيم ربوبية، ومن يظن أنه من الصالحين لا شك أنه من الكفر الصريح ومن قوادح الربوبية؛ لأنه تمثيل للمخلوق بالخالق فيما هو من الكمال الذي لا يستحقه إلا الله تعالى، ووصف المخلوق به منازعة للربوبية، ومضاهاة لها، وتسوية بين الله وبين الخلق (٧).
وقد قرر شيخ الإسلام ﵀ أن تنزيه الرب تعالى يرجع إلى أصلين (٨):
١ - تنزيهه عن النقص المناقض لكماله.
стр. 214
٢ - وتنزيهه عن أن يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفاته.
- ثانياً: (إثبات الوجود الذهني لله -):
يثبت البعض وجود الرب ، كما تتوهمه عقولهم وليس كما أخبرنا سبحانه عن نفسه، فالأصل الصحيح في باب الإيمان بالله أن يكون كما أخبرنا سبحانه عن نفسه، وليس كما تتوهم عقول البشر (١). ومن هذه الإثباتات الخيالية:
- أن يُجعل وجوده وجوداً مطلقاً بشرط الإطلاق، وهو قول الجهمية ومن وافقهم من القرامطة، وغيرهم، فقد نفوا عن الله الوجود الخارجي ولوازمه، إذ الوجود المطلق لا يكون إلا في الأذهان دون ما خرج عنها، ولازم هذا القول نفي وجود الباري تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيراً-؛ لأن معنى كلامهم هذا أنه شيء خيالي لا وجود له في الخارج (٢).
ومنشأ ضلالهم: هو عدم تفريقهم بين الوجود المجرد في الذهن ووجوده في الخارج، فإن الوجود المجرد ليس بشيء في الخارج (٣).
- منهم من جعل وجود الخالق هو عين وجود المخلوقات، ولم يفرقوا بين الوجودين، وهو أبعدها، "إذ لا شيء أبعد عن مماثلة شيء، أو أن يكون إياه، أو متحداً به، أو حالاً فيه، من الخالق مع المخلوق" (٤). وعلى هذا كثير من أرباب التصوف، والزهد، والعبادة. فعطلوا الله عن أن يكون رب العالمين، ولم يفرقوا بين رب، وعبد (٥). والقول بالحلول يلزم منه القول بافتقار الله إلى العالم، وهو باطل (٦)،
стр. 215
وهذا المذهب من جنس سابقه في عدم إثبات وجود الله وجوداً متميزاً عن سائر مخلوقاته.
قال شيخ الإسلام ﵀: إن تصور مذهب هؤلاء كاف في بيان فساده، لا يحتاج مع حسن التصور إلى دليل آخر. واتفق سلف الأمة وأئمتها: أن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وقال من قال من الأئمة: من شبه الله بخلقه فقد كفر، فكيف من جعله عين المخلوقات، وجعله نفس الأجسام المصنوعات؟ فتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً (١).
- ثالثاً: (اعتقاد إلهين متماثلين أو أكثر):
ليس في الأمم من أثبت لله قديماً مماثلاً له في ذاته سواء قال: إنه يشاركه، أو قال: إنه لا فعل له، بل من شبه به شيئاً من مخلوقاته فإنما يشبهه في بعض الأمور، وقد علم بالعقل امتناع أن يكون له مثل في المخلوقات يشاركه فيما يجب أو يجوز أو يمتنع عليه؛ لأن ذلك يستلزم الجمع بين النقيضين ... وعلم أيضاً بالعقل أن كل موجودين قائمين بأنفسهما فلا بد أن يكون بينهما قدر مشترك كاتفاقهم في مسمى الوجود، والقيام بالنفس، والذات، ونحو ذلك فإن نفي ذلك يقتضي التعطيل المحض (٢).
إلا أن هناك من اعتقد بوجود إلهين قادرين أو أكثر، كشرك النصارى الذين اتخذوا معه أربابا، فجعلوه ثالث ثلاثة؛ وشرك المجوس القائلين بأن للعالم ربين فأسندوا حوادث الخير إلى النور، وحوادث الشر إلى الظلمة، ومن قالوا بقدم العالم: يعني أن الله تعالى لم يخلق هذا العالم، بل لم يزل ولا يزال معه.
التعطيل والإشراك لازمان لكل من أثبت فاعلاً مستقلاً غير الله، فالقدرية أثبتوا فاعلاً مستقلاً غير الله فقالوا: إن العبد يخلق فعله، فلزمهم بهذا القول التعطيل والشرك؛ أما التعطيل فبإخراج أفعال العباد عن خلق الله، وأما الشرك فبإثباتهم شركاء لله يفعلونها، وهم العباد أنفسهم. كذلك الفلاسفة أثبتوا فاعلاً مستقلاً غير الله فقالوا: إن الفلك هو المحدث للحوادث التي في