← Акыда

Акыда · id 147315

الآيات القرآنية الواردة في الرد على البدع المتقابلة دراسة عقدية

أحمد بن علي الزاملي

Полный текст (593 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

المطلب الثاني: الانحراف المؤدي إلى الإفراط (١) في توحيد الربوبية. إن المتأمل للطوائف والفرق والملل التي أفرطت في حقيقة الربوبية (٢)، يجد أنها على أقوال شتى متفرقة، إلا أنه يجمعها بعض الأصول (٣) وإن كانوا يتفرقون كثيراً عند التفريعات، وهي: الأصل الأول: بالنظر إلى ذات الرب -: ويكون إما بإرادة تعظيم الله بغير ما أخبر عن نفسه العلية أو أخبر عنه رسوله ﷺ ، أو بالتأثر باعتقادات الديانات السابقة المنحرفة في الذات الإلهية، ويشمل هذا إثبات الوجود الذهني لله ، واعتقاد إله مماثل لله أو أكثر. الأصل الثاني: بالنظر إلى المخلوقين: باعتقاد أن أحداً يسعه الوصول إلى الصفات الإلهية ومشاركة الرب. ويرجع ضلالهم في هذا الباب إلى ما يلي: ١ - الكفر والبعد عن نور الشرع، كما حصل لفرعون والنمرود والشيوعية والمجوس والملاحدة بشكل عام. ٢ - تأثر بعض المسلمين بالفلاسفة وآرائهم الكلامية (٤)؛ وذلك بصرفهم لظواهر النصوص إما بتعطيلها وإما بتأويلها؛ لأنهم لا يرونها تفيد اليقين، وإنما الذي يفيد اليقين هو قواعد المنطق وعلم الكلام.

стр. 212

٣ - جعل ظواهر النصوص دالة على تشبيه الخالق بالمخلوق، ووجه ذلك أنهم يشاهدون المخلوقات الحادث متصفةً بالصفات المضافة إلى الله تعالى في النصوص، فتكون ظواهر النصوص دالة على التشبيه عندهم. وبناء على الأصلين السابقين، والتي بسببهما يحدث الإفراط في توحيد الربوبية، نستطيع أن نحدد الأُطر التي أوقعت أهل البدع في هذا الانحراف، وهي تنحصر في ثلاثة أجناس لا يزال أهل البدع يجددون في صورها وهي: - أولاً: (مشاركة الرب في بعض خصائص ربوبيته): وهو اعتقاد متصرف مع الله في أي شيء، من تدبير الكون - من إيجاد، أو إعدام، أو إحياء، أو إماتة، أو جلب خير، أو دفع شر، أو غير ذلك من معاني الربوبية-، أو اعتقاد منازع له في شيء من مقتضيات أسمائه وصفاته، كعلم الغيب (١)، أو كالعظمة، والكبرياء، ونحو ذلك (٢). والناظر لأهل البدع يجد أنهم واقعون في هذا الملحظ الخطر، فنجد أن الرافضة الاثني عشرية وغلاة الصوفية يزعمون أن الأئمة والأقطاب يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل، وأنهم يعلمون علم ما كان وما يكون، وأنهم لا يخفى عليهم شيء، وأنهم لا يحجب عنهم علم السماء والأرض، والجنة والنار (٣).

стр. 213

كما نجد أن المتصوفة القائلين بالغوث (١) والقطب (٢) والأوتاد (٣)، والأبدال أنها تصرفهم كما يدعون. ويلتحق بهم من يعتقدون تأثير النجوم والكواكب والأسماء والهياكل والجن (٤). كذلك شرك القدرية (مجوس هذه الأمة) القائلين بأن كل إنسان يخلق فعل نفسه، هم في الحقيقة مشركون في الربوبية، وهذا لازم لمذهبهم؛ لأنهم يرون أن الإنسان خالقٌ لفعله، فهم أثبتوا لكل أحد من الناس خَلْقَ فعله. والخلق إنما هو مما اختص الله به، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ الصافات: ٩٦، وأفعال العباد لا يخرجها شيء من عموم خلقه (٥). كذلك فإننا نجد أن النصارى غلوا في المسيح فقالوا: إنه رب العالمين، وخالق السموات والأرض، وإنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير (٦). ما وقع من هذه الطوائف من تعظيم الأنبياء والصالحين تعظيم ربوبية، ومن يظن أنه من الصالحين لا شك أنه من الكفر الصريح ومن قوادح الربوبية؛ لأنه تمثيل للمخلوق بالخالق فيما هو من الكمال الذي لا يستحقه إلا الله تعالى، ووصف المخلوق به منازعة للربوبية، ومضاهاة لها، وتسوية بين الله وبين الخلق (٧). وقد قرر شيخ الإسلام ﵀ أن تنزيه الرب تعالى يرجع إلى أصلين (٨): ١ - تنزيهه عن النقص المناقض لكماله.

стр. 214

٢ - وتنزيهه عن أن يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفاته. - ثانياً: (إثبات الوجود الذهني لله -): يثبت البعض وجود الرب ، كما تتوهمه عقولهم وليس كما أخبرنا سبحانه عن نفسه، فالأصل الصحيح في باب الإيمان بالله أن يكون كما أخبرنا سبحانه عن نفسه، وليس كما تتوهم عقول البشر (١). ومن هذه الإثباتات الخيالية: - أن يُجعل وجوده وجوداً مطلقاً بشرط الإطلاق، وهو قول الجهمية ومن وافقهم من القرامطة، وغيرهم، فقد نفوا عن الله الوجود الخارجي ولوازمه، إذ الوجود المطلق لا يكون إلا في الأذهان دون ما خرج عنها، ولازم هذا القول نفي وجود الباري تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيراً-؛ لأن معنى كلامهم هذا أنه شيء خيالي لا وجود له في الخارج (٢). ومنشأ ضلالهم: هو عدم تفريقهم بين الوجود المجرد في الذهن ووجوده في الخارج، فإن الوجود المجرد ليس بشيء في الخارج (٣). - منهم من جعل وجود الخالق هو عين وجود المخلوقات، ولم يفرقوا بين الوجودين، وهو أبعدها، "إذ لا شيء أبعد عن مماثلة شيء، أو أن يكون إياه، أو متحداً به، أو حالاً فيه، من الخالق مع المخلوق" (٤). وعلى هذا كثير من أرباب التصوف، والزهد، والعبادة. فعطلوا الله عن أن يكون رب العالمين، ولم يفرقوا بين رب، وعبد (٥). والقول بالحلول يلزم منه القول بافتقار الله إلى العالم، وهو باطل (٦)،

стр. 215

وهذا المذهب من جنس سابقه في عدم إثبات وجود الله وجوداً متميزاً عن سائر مخلوقاته. قال شيخ الإسلام ﵀: إن تصور مذهب هؤلاء كاف في بيان فساده، لا يحتاج مع حسن التصور إلى دليل آخر. واتفق سلف الأمة وأئمتها: أن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وقال من قال من الأئمة: من شبه الله بخلقه فقد كفر، فكيف من جعله عين المخلوقات، وجعله نفس الأجسام المصنوعات؟ فتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً (١). - ثالثاً: (اعتقاد إلهين متماثلين أو أكثر): ليس في الأمم من أثبت لله قديماً مماثلاً له في ذاته سواء قال: إنه يشاركه، أو قال: إنه لا فعل له، بل من شبه به شيئاً من مخلوقاته فإنما يشبهه في بعض الأمور، وقد علم بالعقل امتناع أن يكون له مثل في المخلوقات يشاركه فيما يجب أو يجوز أو يمتنع عليه؛ لأن ذلك يستلزم الجمع بين النقيضين ... وعلم أيضاً بالعقل أن كل موجودين قائمين بأنفسهما فلا بد أن يكون بينهما قدر مشترك كاتفاقهم في مسمى الوجود، والقيام بالنفس، والذات، ونحو ذلك فإن نفي ذلك يقتضي التعطيل المحض (٢). إلا أن هناك من اعتقد بوجود إلهين قادرين أو أكثر، كشرك النصارى الذين اتخذوا معه أربابا، فجعلوه ثالث ثلاثة؛ وشرك المجوس القائلين بأن للعالم ربين فأسندوا حوادث الخير إلى النور، وحوادث الشر إلى الظلمة، ومن قالوا بقدم العالم: يعني أن الله تعالى لم يخلق هذا العالم، بل لم يزل ولا يزال معه. التعطيل والإشراك لازمان لكل من أثبت فاعلاً مستقلاً غير الله، فالقدرية أثبتوا فاعلاً مستقلاً غير الله فقالوا: إن العبد يخلق فعله، فلزمهم بهذا القول التعطيل والشرك؛ أما التعطيل فبإخراج أفعال العباد عن خلق الله، وأما الشرك فبإثباتهم شركاء لله يفعلونها، وهم العباد أنفسهم. كذلك الفلاسفة أثبتوا فاعلاً مستقلاً غير الله فقالوا: إن الفلك هو المحدث للحوادث التي في

стр. 216

الأرض كلّها، فلزمهم بهذا القول التعطيل والشرك؛ أما التعطيل فلأنهم لم يجعلوا لله شيئاً أحدثه، وأما الشرك فإنهم قالوا: إن الفلك هو المحدث للحوادث التي في الأرض كلِّها (١).

стр. 217

المبحث الثاني الآيات الرادة على البدع المتقابلة في توحيد الربوبية . تمهيد: ليس من المستغرب أن يكون القرآن الكريم من أعظم أسباب الهداية والثبات، وأن تكون الهداية والتثبيت من أجل الحِكَم الربانية في تنزيل هذا الكتاب العظيم، قال تعالى مبيناً وجه الحكمة في تنزيل القرآن صراحة: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)﴾ النحل: ١٠٢. من هذا المنطلق كان منهج أهل السنة والجماعة هو منهج الهداية والنجاة؛ لأنه تمسك بالكتاب والسنة، ومن تمسك بهما كان وسطا بين البدع المتقابلة. وقضية إثبات الربوبية لله قضية بدهية لا تنفك الفطر السليمة، والعقول المستقيمة عنها، إلا أنه لما وجد في تاريخ البشر من قد يجادل في هذه المسلَّمةِ البدهية، فإن القرآن العظيم لم يُغْفِل هذه المحاجة، بل ناقشها، وأثبت زيفها. وللقرآن الكريم منهج مستقل في تناول مقولات المنحرفين في توحيد الربوبية التي كرَّ عليها بالإبطال، وهذه الطرق المنهجية (١) يمكن استقراؤها من خلال النظر في الآيات: الطريقة الأولى: إثارةُ فطرية المعرفة في نفوس المكذبين ؛ لأن الفطرة السالمة من المؤثرات مطبوعة على الاعتراف بالخالق، والإيمان به، وإثارة فطرية المعرفة تظهر في قول الرسل لأقوامهم: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إبراهيم: ١٠، وألزم من انحرفت فطرته على طريقة السبر والتقسيم (٢)، فقال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ الطور: ٣٥، فإن المخلوق لا يخلو وجوده من ثلاثة أمور: إما أن يكون خُلِقَ صدفة، بلا خالق؛ ولا عاقل يقول بهذا، وإما أن يكون هو من خلق نفسه؛ وهذا أبعد من سابقه، فبقي الاحتمال الثالث وهو الصحيح أن له خالقا خلقه، وهو الله تعالى.

стр. 218

الطريقة الثانية: التعريف بالله تعالى عن طريقِ إرسال الرسل ؛ والمتأمل يجد أن أهم طريق للتعريف بالله تعالى كان عن طريق إرسال الرسل، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٤)﴾ الأعراف: ١٠٤. الطريقة الثالثة: لفت الانتباه لمخلوقات الله تعالى ؛ وهذا واضح جلي في قول إبراهيم ﵇: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)﴾ البقرة: ٢٥٨. الطريقة الرابعة: ذكر صفات الخالق سبحانه ؛ ومنها قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤)﴾ غافر: ٦٤، كما بين -سبحانه- أن الخالق يتصف بصفات الكمال، فقال تعالى رداً على قوم موسى لما عبدوا العجل من بعده: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩)﴾ طه: ٨٨ - ٨٩، فأخبر -سبحانه- أن من لا يتكلم، ولا يجيب سائله وداعيه؛ ليس بإله، وختم هذه القصة بقوله: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨)﴾ طه: ٩٨. الطريقة الخامسة: التذكير بنعم الله تعالى على خلقه ؛ لذا اعتنى القرآن بتقرير هذا الأمر، وقد ختم الله تَعْدادَ نعمِه في سورة النحل بقوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ النحل: ١٧ - ١٨، ثم قال بعد أن أقام البراهين على بطلان ربوبيتهم: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: فاعبدوه. الطريقة السادسة: الاستدلال بالمعجزات على وجود الخالق -جل ذكره -، وهذا يؤخذ من جواب موسى ﵇ على فرعون عندما قال له: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣)﴾

стр. 219

الشعراء: ٣٠ - ٣٣، فإنه لا يستطيع سوى الخالق أن يخرق العادة بهذه المعجزة الباهرة، فلعظمة هذه المعجزات استدل بها موسى على وجود الصانع، وحياته، وقدرته، وتمامِ علمه (١). ولما كان أهل البدع في توحيد الربوبية على طرفي نقيض -كما سبق-، فإننا نجد أن آيات القرآن الكريم اهتمت بالرد عليهم وبيان ضلال منهجهم.

стр. 220

المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بتوحيد الربوبية . المتأمل يجد أن النصوص الشرعية تضافرت على الأمر بالاعتصام بالكتاب والسنة واتباع السلف الصالح، وذم من حاد عن منهج الوسطية، من أهل البدع المتقابلة. فاجتمع لنا من الأدلة ما ينهض بحقيقة عقيدة أهل السنة والجماعة في توحيد الربوبية واطراح ما عداها من البدع المتقابلة؛ ولا شك أن المنحرفين في توحيد الربوبية كانوا على طرائق مختلفة في الكفر (١). وقد آثرت الاقتصار على دراسة ثلاث آيات مختارة دراسةً تفصيلية، ثم اتبعت ذلك بالإشارة إلى باقي الآيات؛ بهدف عدم إثقال كاهل الرسالة؛ لأن المراد هو بيان رد الآيات، وليس المقصود تقصي كل ذلك، وفيما يلي بعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة في توحيد الربوبية: الآية الأولى: قال تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ مريم: ٦٥ ، نجد أن هذه الآية تردُ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي: - أولاً: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط . في هذه الآية رد على الملاحدة -من الدهرية والفلاسفة- المنكرين لوجود الخالق بقوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾؛ فخلقه للسماوات والأرض، وتفرده بذلك، وكونهما على أحسن نظام وأكمله، ليس فيه غفلة ولا إهمال، ولا يمكن أن يحدث بنفسه، دليلٌ وبرهان قاطع على وجود الخالق وهو: الله الذي لا إله إلا هو رب العالمين، ولا يملك أحد أن يهرب من الاعتراف لخالقه بالقدرة المطلقة والربوبية الحقة.

стр. 221

وقد فرع الله على ذلك وجوب عبادته بقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾؛ لأن كل من أقر بالربوبية، لزمه الإقرار بالعبودية -الألوهية-، والتوجه له في السراء والضراء، وإخلاص العبادة، وإلا صار متناقضاً (١). - ثانياً: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط . في هذه الآية (٢) رد على من جعلوا الله رباً، ولكن جعلوا معه شريكاً في الربوبية، وهم طوائف من الملل المختلفة، فرد عليهم بقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ لينفي عن نفسه سبحانه السمي: وهو النظير والمثيل. والمعنى: لا أحد يساميه في العلو والعظمة والكمال على التحقيق؛ أي: يشابهه، كما أثر عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وابن جريج وغيرهم (٣). وفي هذا تنزيه لله تعالى، ودليل على عظمته سبحانه وجلاله؛ فإن نفي الكفء والند والسمي وما في معناها يستلزم ثبوت توحيد الربوبية مع جميع صفات الكمال المطلق على وجه التفرد، وفي هذا رد لمن جعل لله شريكاً في ربوبيته. يقول ابن القيم ﵀: "نفي الكفء والسمي والمثل عنه كمال؛ لأنه يستلزم ثبوت جميع صفات الكمال له على أكمل الوجوه، واستحالة وجود مشارك له فيها" (٤)، فلا ربوبية لغيره، ولا شريك معه في هذا الكون الكبير، فلا أحد يدعي أنه يملك خلقه وتدبيره، ومن لا يصلح أن يكون ربا، لا يستحق أن يكون إلها! ، ومنهج القرآن مطرد، في تقرير توحيد الإلهية بعد تقرير توحيد الربوبية، لذا نجد أن جملة ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ واقعة موقع التعليل للأمر بعبادته والاصطبار عليها (٥). - ثالثاً: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان . المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان كان مأخذاً عقلياً استولد لوازم متناقضة التزمت كل فرقة هذه اللوازم، واستدل لها أصحابها بشبهات مركبة من دلائل عقلية ونقلية،

стр. 222

وليس الغَرضُ في هذا المقام استقصاء هذه الشبهات واللوازم على وجه التفصيل وإبطالها، بل بيان المستند الذي ارتكز عليه المخالفون في هذا الباب، والذي كان سبباً لانحرافهم في توحيد الربوبية، وجماع شبهتهم تعود إلى: إنكارهم للغيب وإيمانهم بالمحسوسات المجردة. لأجل ذلك فمن لم ير الله جحد وجوده وآمن بالمحسوسات المادية وهؤلاء هم الملاحدة، فهم ينكرون وجود الله بحجة أن العقل أو العلم ينكره؛ لأنهم يريدون أن يؤمنوا بشيءٍ يمكن لعقولهم أن تصل إليه، أو أن تستدل عليه، قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ يونس: ٣٩. بينما نجد الذين اعترفوا بوجود الله، وأشركوا معه غيره، ضلوا في علم الغيب كذلك، فآمنوا بالمحسوسات ونزعوا إلى الوثنية في اتّخاذهم الوسائط إلى الله تعالى والتوجّه إليها بالعبادة ولو عن طريق مجاوزة الحدّ في تعظيمها وإضفاء الصفات الإلهية عليها. والله إنما أرسل الرسل للبلاغ عن عالم الغيب ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ الجن: ٢٦ - ٢٧، وهو عالم لا يمكن أن تحيط العقول البشرية به علماً؛ وإنما غاية الأمر أن تستدل عليه وأن تؤمن به وتثبته في الجملة. والانحراف الذي وقع فيه الناس في هذه المسألة هو أكبر انحراف وأعظم ضلال؛ فكل من ضل في معرفة الله ﵎، وكل من أشرك مع الله ﵎ غيره، وكل من أنكر الرسل وجحدهم وكذب ما جاءوا به؛ كل ذلك إنما هو لأنه لم يؤمن بالغيب. - رابعاً: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد . أتت هذه الآية للرد على من نفى وجود الله وللرد كذلك على من أشرك مع الله، فدلت بمفهومها على منهج أهل السنة والجماعة وهو: الإيمان والتصديق بكل ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ من الأقوال والأفعال والصفات، من دون أن يكون لله فيها شريك. لذلك كانت هذه الآية الكريمة دالةً على أن المذهب الحق ليس هو ما ذهب إليه أصحاب البدع المتقابلة، بل هو ما سعد به أهل السنة والجماعة، من إثبات توحيد الربوبية. ولا تثبت ربوبية الله إلا بالإيمان بالغيب، الذي يعد علامة من علامات المؤمنين، وأول صفة من صفاتهم ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ البقرة: ٣، وهذا مفرق الطريق بينهم وبين الكافرين والملحدين

стр. 223

والمنحرفين؛ لأن الإيمان يقتضي ويتضمن القول والعمل وكذلك الاعتقاد والتطبيق والتنفيذ، وكل ذلك يدخل تحت مُسمى الإيمان بالغيب. وحسبُ الإنسان أن يخرج عن الطريق المستقيم، وعن الجادة؛ لتتشعب به الطرق، ويذهب كل مذهب، وهذا ما حدث لمن لم يؤمن بالله . الآية الثانية: قال تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إبراهيم: ١٠ ، نجد أن هذه الآية تردُ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي: - أولاً: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط . في هذه الآية رد على الملاحدة المنكرين لوجود الله في قوله: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾، وفي هذا إثارة فطرية المعرفة في نفوس المكذبين؛ لأن الفطرة السالمة من المؤثرات مطبوعة على الاعتراف بالخالق، والإيمان به. ولا شك أن من رحمة الله ولطفه بعباده أن جعل أدلة وبراهين ربوبيته فطرية ظاهرة، يؤمن بها ويدركها أقل الناس حظاً من العلم والنظر، بل إن الأدلة لوضوحها وظهورها تضطر الإنسان اضطراراً إلى الإيمان بخالقها وموجدها رباً وخالقاً، فظهر بهذا بطلان عقيدة الملاحدة وتهالكها. والاستفهام في هذه الآية: تقريري أتى على وجه الإنكار والتوبيخ لنفي ما اعتقدوه، أي: ليس فيه شك، فهو الخالق المستحق للربوبية وحده؛ لأنَّ وجوده ووحدانيته أمر لا يحتمل الشك، لظهور الأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة على ذلك (١).

стр. 224

قال ابن كثير ﵀: "هذا يحتمل معنيين: أحدهما: أفي وجوده شك؟ فإن الفطر شاهدة بوجوده ومجبولة على الإقرار به. فإن الاعتراف به ضروري في الفطر السليمة، ولكن قد يعرض لبعض الفطر شك واضطراب فيحتاج إلى النظر في الدليل الموصل إلى وجوده، ولهذا قالت لهم الرسل ترشدهم إلى طريق معرفته بأنه فاطر السموات والأرض- أي: الذي خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق- فإن شواهد الحدوث والخلق والتسخير ظاهر عليهما. فلا بد لهما من صانع وهو الله لا إله إلا هو خالق كل شيء وإلهه ومليكه. والمعنى الثاني: أفي إلهيته وتفرده بوجوب العبادة له، شك؟ وهو الخالق لجميع الموجودات ولا يستحق العبادة إلا هو وحده لا شريك له، فإن غالب الأمم كانت مقرة بالصانع، ولكن تعبد معه غيره من الوسائط التي يظنونها تنفعهم أو تقربهم من الله زلفى" (١). - ثانياً: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط . في هذه الآية ردٌ على من أشرك مع الله في ربوبيته، ممن اعتقد خالقاً أو مدبراً غير الله، كمثل ما اعتقد الفلاسفة القائلون بأنه: "العقل الفعال"، والصابئة القائلون إنه: المدبر الأقرب، والطبائعيون المعتقدون: "بأن الطبيعة هي من خلقت نفسها"، والمانوية المعتقدون ذلك في الأرواح الطيبة بزعمهم، والنصارى واعتقادهم في المسيح ﵇، وغيرهم ممن ضل في هذا الباب، سواء جعلوا ما اعتقدوه مشاركاً لله أو منفرداً بالخلق دون الله ، كما أن فيها رداً على من نفى صفة الخلق عن الله كالجهمية وغيرهم -من باب تنزيه الله عن مشابهة الحوادث (٢) -، أو القدرية القائلين بأن كل إنسان يخلق فعل نفسه - من باب تنزيه الله عن الظلم-. فرد الله عليهم إفراطهم في ربوبيته بقوله: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وفي هذا لفت انتباه لمخلوقات الله تعالى وعظيم خلقه، وأنه لا شريك له في ربوبيته؛ وهل يخفى على ذي بصيرة أن هذا إبداع المبدع الحكيم وتقدير العزيز العليم، بل وجوده سبحانه وربوبيته وقدرته أظهر من كل شيء على الإطلاق.

стр. 225

وبيان أنه فاطر السموات والأرض؛ فلأن ما سوى الواحد ممكن لذاته، والممكن لذاته لا يقع موجوداً إلا بإيجاد غيره، فنتج أن ما سوى الله فهو حاصل بإيجاده وتكوينه. فثبت أنه سبحانه هو الفاطر وحده لكل ما سواه من الموجودات (١). - ثالثاً: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان . المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو: محاولة الوصول إلى فهم الذات الإلهية وتصورها بعقولهم البشرية المحدودة، متجاوزين قوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ طه: ١١٠، وجماع شبهتهم التي كانت الأصل والمستند في مخالفتهم انبنت على أحد أصلين: ١ - دعوى استنادهم لضرورة إثبات وجود الله بالقضايا التركيبية (٢)، واعتبارهم التجربة الأساس الوحيد للحكم الصحيح؛ ولأن الله لم يثبت عندهم بهذه القضايا التركيبية، انبنى قولهم بامتناع إثبات وجود الله ، لذلك لم يستطع الفكر الإلحادي أن يقدم للإنسان شيئا عن الله وعن علاقته به على ضوء ما التزموه من قواعد. وإنكارهم لوجود الله ظاهراً فقط، مع إيمانه بخلاف ذلك في قرارة قلوبهم ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾؛ لأن وجود الله أمر بديهي لا يحتاج إلى إثبات، ولهذا لا نرى القرآن يكثر من إقامة البراهين الجدلية في هذا الموضوع، ولكنه يشير إلى ذلك بأدلة كافية مقنعة ملزمة. وليس مؤداهم استحالة خلق الله للعالم، بل استحالة وصول النفس البشرية -بما قعدته من علوم أولية

стр. 226

مشوبة بالشبهات والمؤثرات الخارجية-إلى معرفة الله ﵎. مما يدل على انحرافهم في هذا الباب. ٢ - استنادهم إلى الأقيسة الكلامية والمقدمات المنطقية والأدلة الجدلية، فأرادوا تنزيه الذات الإلهية عن مماثلة الحوادث والمخلوقات، فوصفوا المخلوقات بما سلبوه من الذات الإلهية، فأفرطوا في الربوبية بزعمهم تنزيه الله وجعلهم المخلوقات مشاركة لله في صفات ربوبية أو منفردةً بها. - رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد: أتت هذه الآية الكريمة للدلالة على أن المذهب الحق ليس ما ذهب إليه أصحاب البدع المتقابلة، في معرفة الله ، بل هو ما ذهب إليه سلف الأمة، وأئمتها من الصحابة، والتابعين ﵃ ومن سار على طريقهم، في أن معرفة الله تعالى وصفاته تعرف بالسمع لا بالعقل فقط؛ لأنه لا أحد أعلم بالله من الله (١). الآية الثالثة: قال الله تعالى: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ الممتحنة: ٤ ، نجد أن هذه الآية تردُ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي: - أولاً: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط . في هذه الآية ردٌ قاطع على من أنكر ربوبية الله من الملاحدة وغيرهم فلم يحقق الدعاء له سبحانه، كما أن فيها رداً على الجبرية والقدرية وغيرهم الذين أنكروا وعطلوا فائدة دعاء الله ، ففي قوله تعالى: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾، دليل واضح على أن دعاء الله من مقتضى ربوبيته الشاملة للخلق كلهم، ولهذا كانت إجابة الدعاء غير خاصة بالمؤمنين بل الله يسأله كل الخلائق فيجيبهم ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ الإسراء: ٦٧، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ

стр. 227

الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ النمل: ٦٢، ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ الأنعام: ٦٣، وإجابة الدعاء فعل من أفعال الله تعالى والإقرار بتفرده بها إقرار بتفرده بأفعاله، وكل هذا يستلزم الاعتقاد بعلم الغيب والتصرف المطلق والقدرة المطلقة والنفع والضر للمدعو. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: " ومن براهين وحدانية الباري وربوبيته، إجابته للدعوات في جميع الأوقات فلا يحصي الخلق ما يعطيه للسائلين وما يجيب به أدعية الداعين من بر وفاجر ومسلم وكافر، تحصل المطالب الكثيرة، ولا يعرفون لها شيئاً من الأسباب سوى الدعاء والطمع في فضل الله والرجاء لرحمته، وهذا برهان مشاهد محسوس لا ينكره إلا مباهت مكابر" (١). - ثانياً: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط . في هذه الآية رد على من عظم المخلوقين، وجعلهم وسائط بينه وبين الله ، واعتقد أن دعاءهم له مستجاب ولا محالة، فدعاهم من دون الله، فأتى الرد في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾، للدلالة على أن من لوازم الدعاء أن يكون المدعو متصرفاً التصرف المطلق وقادراً القدرة المطلقة، وهاتان الصفتان - التصرف والقدرة المطلقتان- من خصائص الربوبية فلا يتصف بهما غير الله تعالى، فمن صرف الدعاء لغير الله تعالى فقد صرف له ما هو من خصائص الربوبية، فلذا وجب إخلاص الدعاء لله تعالى، والإخلاص في الدعاء يستلزم الإخلاص في توحيد الربوبية، وأن الشرك في الدعاء يستلزم الشرك في الربوبية، وكذلك فإن من لوازم الدعاء الاعتراف بأن الله هو النافع الضار إذ من شأن الدعاء أن يكون المدعو يستطيع أن ينفع داعيه أو يضره. ودعاء غير الله تعالى فيه إضاعة لمعنى العبودية، ولمقتضيات الربوبية، وفيه إساءة الظن بالله ، وفيه تشبيه الخالق بالمخلوق إذ اعتقد الداعي أن من يدعوه يتوسط له لدى الله تعالى كما يتوسط لدى الرؤساء والزعماء، وهذا التشبيه صرح به بعضهم ظنا منهم أن الخالق مثل المخلوق (٢).

стр. 228

- ثالثاً: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان . المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان كان مأخذا عقلياً استولد لوازم متناقضة التزمت كل فرقة هذه اللوازم، واستدل لها أصحابها بشبهات مركبة من دلائل عقلية ونقلية. وجماع شبهتهم التي كانت الأصل والمستند في مخالفتهم تعود إلى انحرافهم في تصور الذات الإلية وما يلزمها من صفات فعليه، لينتج عن ذلك، اتجاهان باطلان في مسألة دعاء الله : الاتجاه الأول: إنكار الدعاء: فقول الملاحدة كان لازماً من لوازم إنكارهم لوجود الله ، أما الجبرية والقدرية فقولهم كان لازماً لانحرافهم في مسألة خلق الله لأفعال العباد، فالمجبور قال: الدعاء تحصيل حاصل ولا فائدة منه، والقدري قال: إن الله يكتب الأجور والسيئات ثم جنة ونار، فلا فائدة من دعائه، بزعمهم أنهم ينزهون الله عن ظلم العباد. الاتجاه الثاني: الشرك في الدعاء: نجد أن من أشرك في الدعاء قد بنى اعتقاده على مشابهة الخالق بالمخلوق، لاعتقاده أن من يدعوه يتوسط له لدى الله تعالى كما يتوسط لدى الرؤساء والزعماء، والشرك في الدعاء وطلب الحوائج من الأحياء والميتين، هو أصل شرك العالم، لذا كانت عناية الله تعالى بالشرك في الدعاء أكثر من غيره، قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)﴾ الأنعام: ٤٠ - ٤١. - رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد: أتت هذه الآية الكريمة للدلالة على أن المذهب الحق ليس ما ذهب إليه أصحاب البدع المتقابلة، بل هو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، وصرح به علماؤها باشتمال الدعاء على التوحيد؛ لأن توحيد الربوبية هو إفراد الله تعالى بأفعاله، ومن جملة أفعال الله تعالى إجابة الداعي وإغاثة المستغيث.

стр. 229

ومن هؤلاء الذين صرحوا القاضي عياض ﵀ (١) فإنه قال: " أذن الله في دعائه، وعلم الدعاء في كتابه لخليقته، وعلم النبي ﷺ الدعاء لأمته، واجتمعت فيه ثلاثة أشياء: العلم بالتوحيد، والعلم باللغة، والنصيحة للأمة" (٢). وقال الزركشي (٣) في معنى كون الدعاء مخ العبادة: " إنما كان مخاً لتضمنه التوحيد إذ الداعي لا يدعو الله إلا وهو يوحده، ويعتقد أنه لا معطي غيره" (٤)، وذكر ابن عقيل الحنبلي (٥) أن في الدعاء معنى الوجود والغنى والسمع والكرم والرحمة والقدرة فإن من ليس كذلك لا يدعى (٦).

стр. 230

المطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في توحيد الربوبية . أختم هذا الفصل بذكر إجمالي للآيات الرادة على الانحراف العقدي في توحيد الربوبية؛ والآيات التالية سيقت على سبيل المثال لا الحصر (١): ١ - قال تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤)﴾ الأنعام: ١٤، في هذه الآية رد على المعطلة في قوله: (فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) مُبْتَدِعَهُمَا وَمُبْتَدِئَهُمَا وَخَالِقَهُمَا؛ ذلك أن المنطلق العقلي يقتضي أن تصرف العبادة إلى الخالق الرازق، الذي بيده مقاليد الأمور، أما صرفها إلى من لا يملك لنفسه ضراً، ولا نفعاً -فضلا عن غيره- فهذا مما لا تقر به العقول السليمة، ولا تؤيده الفطر المستقيمة. وفيها رد على المشبهة بقوله: (يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ) فلا شبيه له سبحانه في أفعاله. ٢ - قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ الملك: ٢، فيه رد على الملاحدة المنكرين لذات الله في قوله: (الَّذِي خَلَقَ)، وفيه رد على الجهمية المثبتين للذات المنكرين للصفات من باب تنزيه الله عن مشابهة خلقه وذلك في قوله: (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ). ٣ - قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ الأنعام: ١، في هذه الآية رد على المعطلة بقوله: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ)، وفيها كذلك رد على المشبهة، بقوله: (بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) أي يعدلون ويساوون به غيره فيجعلونه لغيره عدلاً مساوياً. ٤ - قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ الكهف: ١١٠، ترد هذه الآية على الملحدين في قوله تعالى: (لقاء ربه)، وفيها رد على المغالين في الربوبية في قوله: (ولا يشرك بعبادة ربه). ٥ - قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ يونس: ٣١، فيها رد على من أنكر

стр. 231

الخالق بقوله: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) (فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ)، كما أن فيها رداً على من أشرك مع الله غيره في ربوبيته (وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) (أَفَلَا تَتَّقُونَ). ٦ - قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾ العنكبوت: ٦٥، في هذه الآية رد على من أنكر ربوبية الله (دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)، كما أن فيها رداً على من أشرك مع الله غيره (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ). ٧ - قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)﴾ التوبة: ٣٠، في هذه الآية ردٌ على اليهود والنصارى ومشركي العرب الذين نسبوا لله الولد (ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ)؛ وهذا الرد يستلزم كمال غناه سبحانه. وكمال قدرته التي تغنيه عن اتخاذ الولد؛ كما أن فيها رداً على من أنكر وجود الله وأنكر تفرده بصفات الربوبية في قوله (قَاتَلَهُمُ اللَّهُ) لإثبات أفعال الله الدالة على وجوده وقدرته. كما أن في هذه الآية إشارة إلى قاعدة في التعامل مع أهل البدع، في أن البدع بين أهل الباطل يتأثر الجديد منها بالقديم (يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ)، وفيها رد كذلك على دعوى تقارب الأديان بقوله: (قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) فكيف يكون هناك تقارب بينهم وبين الإسلام الذي مبناه على التوحيد لرب العالمين وبين الأديان المحرفة. وغير ذلك من الآيات، التي هي في الحقيقة أدلة مفحمة استعملها القرآن ليدلل على قبح الشرك والإلحاد وعلى فظاعة ما وقعوا فيه من المناقضة للعقل والفطرة حين أشركوا مع الله غيره أو أنكروا وجوده، فوقعوا في البدع المتقابلة في توحيد الربوبية؛ كما أن ردود هذه الآيات، يستلزم إثبات المنهج الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة -منهج الوسطية في أبواب الاعتقاد-، من أجل ذلك سعدوا بهذا الوصف ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ الأنعام: ١٢٢.

стр. 232

وقد يتساءل البعض فيقول: إذا كان الخلق كلهم مقرين بربوبية الله عدا من شذ، فلماذا ساق الله في كتابه وكرر ذكر ربوبيته كثيراً؟ والجواب أن يقال: لقد تنوعت الأساليب (١) التي ساق الله فيها ذكر الربوبية في كتابه ومن يتتبعها يدرك أنها تدور حول قضية واحدة، وهي الدعوة إلى عبادة الله وحده سبحانه وترك عبادة من سواه؛ فالله يعبد بمعرفته (٢) كما يعرف بأمره (٣)، وهذا هو الصراط المستقيم الذي ضل عنه كثير من الخلق، وهو موضوع الفصل التالي بإذن الله تعالى.

стр. 233

الباب الثاني: الفصل ٢ الآيات الواردة في توحيد الألوهية. وفيه تمهيد ومبحثان: تمهيد في تعريف توحيد الألوهية. المبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة في توحيد الألوهية. المبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع المتقابلة في توحيد الألوهية.

стр. 234

تمهيد في تعريف توحيد الألوهية (١): إن الطريق الفطري إلى إثبات توحيد الألوهية هو توحيد الربوبية؛ لأن القلب يتعلق أولاً بتوحيد الربوبية، ثم يرتقي إلى توحيد الألوهية (٢)، فمعرفة الله لا تكون بدون عبادته، والعبادة لا تكون بدون معرفته تعالى، فهما متلازمان، كما أن توحيد الألوهية متضمن توحيد الربوبية، بمعنى أن توحيد الربوبية جزء من معنى الألوهية، فيكون توحيد الألوهية خارج عن مدلول توحيد الربوبية، لكن لا يتحقق توحيد الربوبية إلا بتوحيد الألوهية، لذا كان هذا الفصل انتقالاً من الخاص إلى العام. وقد جعلَ الله من مظاهر تفرده بالربوبية في خلق الحاضرين والغابرين وتمهيد الأرض ورفع السماء وإنزال الماء منها وإخراج الرزق من الثمرات، سبيلاً إلى توحيد الألوهية وآية بينة على استحقاقه وحده للعبادة، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ البقرة: ٢١ - ٢٢. ويحسن قبل الشروع في مباحث هذا الفصل التمهيد بتعريفه وبيان أهميته. أولاً: تعريف توحيد الألوهية: الألوهية لغةً: مصدر أَلَه يألَه أُلوهة وألوهية، والتأله هو: التعبد (٣).

стр. 235

يقول ابن فارس: " الألف واللام والهاء أصل واحد، وهو التعبد، فالإله: الله تعالى، وسمي بذلك؛ لأنه معبود، ويقال تأله الرجل إذا تعبد " (١). وقد بين الفيروز آبادي (٢) أن في اشتقاق لفظ الإله ومعناه عشرين قولاً (٣). فالألوهية لفظ منسوب إلى الإله بمعنى مألوه، وكل ما اتخذ معبوداً فهو إلهٌ عند متخذه، وألِه فلان يأله: عَبَدَ، وقيل: تأله، فالإله على هذا هو المعبود (٤). والقرآن ولغة العرب تدلان على هذا المعنى، قال تعالى: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ ص: ٥، فهم يستغربون ويستنكرون دعوة الرسول ﷺ إلى ترك عبادة الأصنام المتعددة والأشجار والأحجار والتوجه بالعبادة إلى الله الواحد الأحد. و معنى الألوهية في الشرع: أي ما تألهه القلوب بالمحبة والتعظيم والرجاء والخوف والإجلال والرضا، ونحو ذلك من معاني العبودية، التي تقتضي فقر العباد إلى إلههم وحاجتهم إلى عبادته (٥). أما توحيد الألوهية فهو: إفراد الله بالعبادة كلها قولاً وفعلاً وقصداً، على وجه التقرب المشروع، ونفي العبادة عن كل ما سواه (٦).

стр. 236

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "توحيد الألوهية هو أن لا تجعل ولا تدعو مع الله غيره" (١)، وقال ابن أبي العز ﵀: " توحيد الإلهية هو استحقاقه سبحانه أن يُعبد وحده لا شريك له" (٢). وقد بين الله هذا التوحيد في آيات كثيرة في القرآن الكريم، منها: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩)﴾ الإسراء: ٣٩. وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ القصص: ٨٨، وقوله : ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣٢)﴾ المؤمنون: ٣٢، وقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ الإسراء: ٢٣. بهذا يتبين أن الألوهية صفة لله تعالى تعني استحقاقه للعبادة، بما له من الأسماء والصفات والمحامد العظيمة؛ ومن هنا ندرك وجوب توحيد الله وإفراده بالإلهية، وأنه لا إله سواه، ولا معبود بحق غيره، وضابط هذا النوع من التوحيد هو تحقيق معنى (لا إله إلا الله) وهي مركبة من نفي وإثبات، فمعنى النفي: خلع جميع أنواع المعبودات غير الله في جميع أنواع العبادات، ومعنى الإثبات: إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادات بإخلاص، على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله -عليهم الصلاة والسلام-، وأكثر آيات القرآن في هذا النوع من التوحيد، وهو الذي فيه المعارك بين الرسل وأممهم، قال تعالى: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ ص: ٥ (٣). ثانياً: بيان أهمية توحيد الألوهية: هذا التوحيد هو أعظم أنواع التوحيد وأهمها على الإطلاق، بل لم يخُلق الخلق إلا من أجله (٤)، وهو الذي يتبادر إلى الذهن عند إطلاق كلمة توحيد, وتأتي أهميته من الأسباب التالية:

стр. 237

١/ أنه موضوع دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم، ومن أجله خلقت الجنة والنار، وقام سوق الجهاد بين المؤمنين والكفار، قال الشيخ ابن سعدي (١) ﵀ مبيناً أهمية هذا النوع: " وهذا الأصل أعظم الأصول على الإطلاق، وأكملها، وأفضلها، وأوجبها، وألزمها لصلاح الإنسانية، وهو الذي خلق الله الجنَّ والإنسَ لأجله، وخلق المخلوقات، وشرع الشرائعَ لقيامه، وبوجوده يكون الصلاح، وبفقده يكون الشر والفساد" (٢). ٢/ أن الحكمة من خلق الجن والإنس هي تحقيق توحيد الألوهية، فالله ما خلق الناس في هذه الدنيا إلا ليوحدوه ويفردوه بالعبادة ، وهذا مذكور في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ الذاريات: ٥٦. ٣/ أن توحيد الألوهية هو حقيقة دعوة الرسل جميعاً، فالرسل ﵈ حين جاءوا لدعوة أقوامهم جاءوهم بالدعوة إلى توحيد الألوهية، بدليل قول تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ النحل: ٣٦؛ لأن توحيد الألوهية هو أصل الإسلام (٣). قال شيخ الإسلام ﵀: " وأعظم ما دعا الله الخلق إليه في كتابه ودعت الرسل هو التوحيد، وأعظم ما نهى عنه الشرك، وهو أصل دعوة الرسل وأساسها ورأسها وأكمل ما فيها، وبه بعث الله جميع الرسل، كما قد صح به القرآن في أكثره، فهو مملوء به" إلى أن قال: " فلا نعرف في دين الأنبياء والمرسلين وأتباعهم من الأولين والآخرين ولا كتب رب العالمين أمراً أعظم من التوحيد" (٤).

стр. 238

٤/ أنه الغاية من إنزال الكتاب، فالقرآن الكريم كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائه، قال الشيخ ابن سعدي ﵀ مبيناً أهمية هذا النوع: " ... وجميع الآيات القرآنية إما أمر بحق من حقوقه، أو نهي عن ضده، أو إقامة حجة عليه، أو بيان جزاء أهله في الدنيا والآخرة، أو بيان الفرق بينهم وبين المشركين" (١). ٥/ أنه حق الله على العباد لقوله ﷺ : ((حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا)) (٢). ٦/ أنه لا يصح إسلام شخص إلا بتحقيقه؛ لأنه شعار الإسلام الذي يميزه عما سواه من الديانات. ٧/ كما أن هذا النوع من التوحيد هو أول ما يخاطب به الناس من أمور الدين، وهو معقِد النجاة في الدنيا والآخرة، قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد ابن عبدالوهاب (٣) ﵀: " هو أول الدين وآخره، وباطنه وظاهره، وهو أول دعوة الرسل وآخرها، وهو معنى قول لا إله إلا الله؛ فإن الإله هو المألوه المعبود بالمحبة والخشية والإجلال والتعظيم وجميع أنواع العبادة؛ ولأجل هذا التوحيد خلقت الخليقة، وأرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وبه افترق الناس إلى مؤمن وكافر، وسعداء أهل الجنة، وأشقياء أهل النار" (٤). ٨/ مما يدل على أهميته أن قبول الأعمال متوقف عليه، فمن لم يأت به أو أتى بما يناقض أصله فأعماله مردودة، ولا يثاب عليها في الآخرة، بل هو من الخاسرين الخالدين في العذاب المقيم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ الزمر: ٦٥. ٩/ أنه يتضمن جميع أنواع التوحيد فكلها تدخل فيه؛ فمن اعتقده فهو معتقد لغيره من الربوبية والأسماء والصفات، ومن اكتفى بغيره دونه لم يدخل في دين الإسلام، قال شيخ

стр. 239

الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "وإنما التوحيد الذي أمر الله به العباد هو توحيد الألوهية المتضمن توحيد الربوبية بأن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا ... وهو قطب رحى القرآن الذي يدور عليه القرآن، وهو يتضمن التوحيد في العلم والقول، والتوحيد في الإرادة والعمل" (١). ١٠/ أنه حق الله على عباده؛ فعن معاذ بن جبل ﵁ قال: كُنْتُ رِدف النبي ﷺ على حمار يقال له عفير فقال: ((يا معاذ هل تدري ما حق الله على عبادة وما حق العباد على الله؟ )) قلت: الله ورسوله أعلم. قال: ((فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً)) فقلت: يا رسول الله أفلا أبشر به الناس؟ قال: ((لا تبشرهم فيتكلوا)) (٢). ١١/ أن العباد في أشد الحاجة إليه وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة؛ فلا حياة لقلوبهم في الدنيا ولا نجاة لهم في الآخرة إلا به. يقول ابن القيم ﵀: " فاعلم أن حاجة العبد إلى أن يعبد الله وحده، ولا يشرك به شيئاً في محبته، ولا في خوفه، ولا في رجائه، ولا في التوكل عليه، ولا في العمل له، ولا في الحلف به، ولا في النذر له، ولا في الخضوع له، ولا في التذلل والتعظيم والسجود والتقرب أعظم من حاجة الجسد إلى روحه، والعين إلى نورها، بل ليس لهذه الحاجة نظير تقاس به؛ فإن حقيقة العبد قلبه وروحه، ولا صلاح لها إلا بإلهها الذي لا إله إلا هو، فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره، وهي كادحة إليه كدحاً فملاقيته، ولا بد لها من لقائه، ولا صلاح لها إلا بمحبتها وعبوديتها له، ورضاه وإكرامه لها" (٣). إذاً: يمكن أن نبرز أهمية توحيد الألوهية باعتبار أنه لا يمكن أن يثبت للإنسان اسم الإسلام ووصفه وحقوق الإسلام إلا إذا جاء بتوحيد الألوهية، وأما إذا لم يأت بتوحيد الألوهية فإنه لا يثبت له شيء من أوصاف الإسلام (٤).

стр. 240

ونتيجة توحيد الألوهية: هي البراءة من عبادة كل ما سوى الله، والإقبال بالقلب والعبادة على الله، ولا يكفي في التوحيد دعواه والنطق بكلمة الشهادة من غير مفارقة لدين المشركين وما هم عليه من دعاء غير الله من الأموات ونحوهم والاستشفاع بهم إلى الله في كشف الضر وتحويله وطلب المدد والغوث منهم إلى غير ذلك من الأعمال الشركية التي تنافي التوحيد تماماً. ومما تقدم يتبين أهمية توحيد الألوهية المتضمن لأنواع التوحيد جميعاً والمطلوب من الناس كافة .. وذلك أن لا يُعبد إلا الله، ولا يأله القلب غيره حباً ورجاء وخوفاً وتوكلاً وخضوعاً وإنابة وطلباً، ولا يعبد إلا بما شرع رسوله ﷺ (١).

стр. 241

المبحث الأول ما جاء في البدع المتقابلة في توحيد الألوهية . تمهيد: لما كان توحيد الألوهية هو أحد أنواع التوحيد الثلاثة، وهو الذي افترضه الله على عباده، كان لا بد لهذا التوحيد من مظاهر إيجابية تترتب على الفهم الصحيح له (١)، وأخرى سلبية ترتبت على الخطأ في فهم حدوده وأصوله، لذلك يرجع الانحراف في توحيد الألوهية إلى سببين رئيسين هما: ١ - الخطأ في تصور التوحيد الذي أرسل لأجله الرسل، وأنزلت من أجله الكتب، وطُلبَ من العباد تحقيقه (٢). ٢ - الخطأ في تصور حقيقة الرب وحقيقة الإله ومدلول الكلمتين، ومن ثم جعلهما شيئاً واحداً (٣). ومن أجل هذا فقد انقسم الناس إلى طرفين متقابلين، طرف انتهج الغلو والإفراط والزيادة! ! وطرف سلك طريق التقصير والتفريط والنقصان! وبيان ذلك في المطلبين الآتيين.

стр. 242

المطلب الأول: الانحراف المؤدي إلى التفريط (١) في توحيد الألوهية. الانحراف المؤدي إلى التفريط في توحيد الألوهية ينشأ من خلال أربعة طرق، أو بعضها، وهي: - أولاً: الشرك في العبادة (٢): إن أصل الشرك ومنشأه الكذب على الله، والتكذيب بالحق الذي أرسل به رسله، قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ الزمر: ٣٢، وقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾ العنكبوت: ٦٨، وإذا كان لازم الابتداع الكذب على الله، فإن هذا يقتضي مقاربة البدعة للشرك؛ ومن هنا يعرف وجه المشابهة بين الشرك والبدعة (٣)، وحال المشرك والمبتدع؛ حيث إن المشركين قد تعبدوا بما ليس لهم عليه سلطان؛ قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١)﴾ الحج: ٧١، وهكذا حال أهل البدع (٤). والشرك بمعناه الخاص هو الشرك في الألوهية -أي: الشرك في عبادة الله-، وإن كان صاحبه يعتقد أنه لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وهو أكثر وأوسع انتشاراً ووقوعاً من الشرك في الربوبية؛ لأنه يصدر ممن يعتقد أنه لا إله إلا الله، ولكن لا يخلص لله في معاملته وعبوديته (٥)، قال : ((أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشركه)) (٦)، وأغلب الأخطاء في الشرك إنما هي ناتجة عن عدم تصور حقيقة العبادة (٧)؛ لذا فإن العبادة لها إطلاقان:

стр. 243

الأول: باعتبار المصدر (التعبد، أو فعل العابد): وبهذا الإطلاق يكون معناها: ما يجتمع فيه الخضوع (١) مع الحب (٢). والإطلاق الثاني: باعتبار (المتعبد به): وبهذا الإطلاق هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال الظاهرة والأعمال الباطنة، كما قال شيخ الإسلام (٣). والعبادة بهذين الإطلاقين تشمل كيان الإنسان كله وجميع حياته، فكل ما قد عُمِل من أعمال العباد بالحب والخضوع فهي عبادة، سواء فُعِل لله أو فُعِل لغيره سبحانه (٤)؛ وشرك العبادة أمر يصعب حصره، خاصة وأن المقام هنا ليس مقام بسط للشرك وأنواعه. لذا نخلص إلى أن الشرك بجميع أنواعه الأكبر والأصغر والخفي من أسباب الانحراف المؤدي إلى التفريط في توحيد الألوهية، وأن العبادة متعلقة باللسان والقلب والجوارح، لذلك كان شرك العبادة متعلق بأقوال القلب كما أنه متعلق بأعمال القلب أيضاً (٥)، إذن الشرك في العبادة له جانبان: الأول: الشرك بالأقوال القلبية ، ومن أفراده ما يلي: ١ - الشرك بالدعاء. ٢ - الشرك بالاستغاثة. ٣ - الشرك بالاستعانة.

стр. 244

الثاني: الشرك بالأعمال القلبية ، وهو على نوعين: ١ - الشرك بالأعمال القلبية الخالصة، ومن أفراده: أالشرك في المحبة. ب الشرك في النية والإرادة والقصد. ت الشرك في الطاعة. ث الشرك بالخوف. ج الشرك بالرجاء. ح الشرك بالتوكل. ٢ - الشرك بالأعمال القلبية المتعلقة بالجوارح والأموال، وله أفراد، منها: أالشرك بالنسك، كالقيام والركوع والسجود والحج والصوم والتعظيم وغيرها. ب الشرك بالذبح والنحر لغير الله. ت الشرك بالنذر لغير الله. والناظر لأهل البدع يجد أنهم واقعون في كل هذه الأنواع، ونظراً لكثرة جزئياتها فإني أتجاوزها، وأحيل إلى مواطن الاستزادة والتفصيل لما سبق (١).

стр. 245

- ثانياً: اتباع الهوى: اتباع الهوى هو: انسياق النفس لما تهواه وتريده، دون اعتبار للضوابط الشرعية (١)، وقد ذم الله في كتابه الهوى وبين أنه مصدر كل ضلال، كذلك رسوله ﷺ ، ومضى على هذا سلف الأمة وعلماؤها. فالأصل في الابتداع إذن هو اتباع الهوى، وكل من عمد إلى خلاف الشرع فهو متبع للهوى ولا بد؛ ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ القصص: ٥٠، ويشهد لكون الابتداع اتباعا للهوى قوله ﷺ : ((إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، وهي الجماعة، وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكَلَب (٢) بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله)) (٣). بل إن كل من استحسن عملاً بلا علم ولا برهان، فقد عبد هواه واتبعه، وكلّ من اتّبع هواه فقد اتّخذ هواه معبوده، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الكلام على أولئك الذين يتبعون أهواءهم دون أمر الله وشرعه: " ... فهؤلاء لا يفعلون ولا يأمرون إلا بما يحبونه بهواهم، ولا يتركون وينهون إلا عما يكرهونه بهواهم، وهؤلاء شر الخلق، قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣)﴾ الفرقان: ٤٣" (٤)، كما أن كل من عمل عملاً صالحاً لأجل رياسة أو مال أو شرف أو قربة من شيخ، أو سلطان ونحوه فقد اتبع هواه وعبده (٥). ومن هنا فإن الهوى قد يقود صاحبه إلى التفريط في توحيد الألوهية والعياذ بالله، وقد يكون كبيراً، كما قد يكون صغيراً بحسب اعتقاد الفاعل وفعله (٦)، وكل من خالف الحق -

стр. 246

من أهل البدع المتقابلة-لا يخرج عن اتباعه للهوى (١) أو الاعتماد على الظن (٢) الذي لا يغني من الحق شيئاً (٣). - ثالثاً: طرق الاستدلال المنحرفة (اتباع الظن): إن الطريق الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة تلقي الدين أصولاً وفروعاً من الكتاب والسنة والإجماع المبني عليهما، أما أهل البدع المتقابلة فهم بخلاف ذلك، فإنهم من حيث المصدر لا يرتضون بالكتاب والسنة، وكل منهم له في ذلك طرائق -جعلوها طريقهم لعبادة الله-، فمنهم من يعول على الأوهام والفلسفة ويسميها العقليات كالفرق الكلامية، ومنهم من يعتمد على الأحلام والرؤى والكشف والذوق كالصوفية، ومنهم من يعتمد على الرجال ويزعم لهم القداسة وعلم الغيب كالرافضة والصوفية، ومنهم من يتلقى من مصادر شتى من أهل الكتاب والمجوس والفلاسفة وغيرهم كالباطنية وكثير من فرق أهل الكلام والصوفية والرافضة (٤)؛ لذلك عطلوا الأوامر والنواهي، وكذبوا على الله إجماعاً (٥) وانحرفوا في توحيد الألوهية، ولم يميزوا بين ما يحبه الله ويرضاه وبين ما يبغضه ويسخطه، فعبدوه بما لم يشرع وعظموا ما لم يعظمه.

стр. 247

وبناءً على ما سبق فإن "كل من خالف الرسول ﷺ لا يخرج عن الظن وما تهوى الأنفس، فإن كان ممن يعتقد ما قاله وله فيه حجة يستدل بها كان غايته الظن الذي لا يغني من الحق شيئاً كاحتجاجهم بقياس فاسد أو نقل كاذب، أو خطاب ألقي إليهم اعتقدوا أنه من الله وكان من الشيطان" (١). - رابعاً: تعطيل صفات الله -: لا شك أن تعطيل الله عن صفاته، يؤدي إلى الانحراف في توحيد الألوهية؛ لأن هذا من أعظم القوادح والصوارف التي تصرف صاحبها عن الاجتهاد في معرفة التوحيد والعمل به وتحقيقه، وقد وقع فيه خلق كثير، كالجهمية الذين نفوا الأسماء والصفات لله تعالى، ومثلهم القرامطة والباطنية، ومنهم المعتزلة حيث أثبتوا لله الأسماء، ونفوا عنه الصفات (٢)، ولهذا " كانت القرامطة والباطنية من أعظم الناس شركاً وعبادة لغير الله، إذ كانوا لا يعتقدون في إلههم أنه يسمع أو يبصر أو يغني عنهم شيئاً" (٣). لذلك فإن معرفة الله توجب التقرب إليه بما يحبه، وتعظيمه في النفوس، واللهج بذكره والاطمئنان إليه، وهذا لا يمكن أن يحصل إلا بأن يوصف بما وصف به نفسه من غير تعطيل أو تمثيل أو تكييف (٤) أو تأويل (٥)، وهو الطريق الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة، أما أهل البدع المتقابلة فهم خلاف ذلك فقد عطلوا صفات الله أو بعضها (٦). والرب أحق بكل صفة كمال، كما أنه أحق بتنزيهه عن كل عيب ونقص، وهذا يدل على وجوب إثبات تلك الأسماء والصفات له؛ لأن سلبها عنه يقتضي

стр. 248

سلبه صفات الربوبية والألوهية وتشبيهه بجنس الأصنام الجامدة التي عابها الله تعالى، وعاب عابديها. كما أنه سبحانه لم يذكر نصوص الصفات في كتابه لمجرد أنها صفات الكمال له؛ بل ذكرها لبيان أنه المستحق للعبادة دون ما سواه، فأفاد الأصلين اللذين بهما يتم التوحيد وهما: إثبات صفات الكمال رداً على أهل التعطيل، وبيان أنه المستحق للعبادة لا إله إلا هو رداً على المشركين (١). والمقصود أن تعطيل صفات رب العالمين بالتأويل أو التحريف أو التشبيه، وصرفها من مدلولها الشرعي إلى مدلول بدعي يعد من أهم القوادح التي تمنع من تحقيق التوحيد، فكيف بمن زعم أنه لا حقيقة له، بل هي من قبيل التخييل؟ ! (٢). وبالنظر إلى الأنواع الأربعة المتقدمة نجد أنها سبب الانحراف المؤدي إلى التفريط في توحيد الألوهية، كما أنها ناشئة عن خطأ المنحرفين في تصور التوحيد الذي أرسل لأجله الرسل، وأنزلت من أجله الكتب، وطُلبَ من العباد تحقيقه.

стр. 249

المطلب الثاني: الانحراف المؤدي إلى الإفراط (١) في توحيد الألوهية. الانحراف المؤدي إلى الإفراط في توحيد الألوهية إنما يأتي من أحد طريقين أو هما معاً: - الطريق الأول: البدع: لاشك أن البدع والمحدثات في الدين سبب من أسباب الإفراط في توحيد الألوهية، والخروج به عن حقيقته التي أرادها الله، من أجل ذلك حذرنا فقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ النور: ٦٣، وقال ﷺ : ((من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد)) (٢)، أي: مردود على صاحبه، ومن هذا المنطلق فإن البدع من حيث تعلقها تنقسم إلى نوعين: "نوع في الأقوال والاعتقادات، ونوع في الأفعال والعبادات، وهذا الثاني يتضمن الأول كما أن الأول يدعو إلى الثاني. فالمنتسبون إلى العلم والنظر وما يتبع ذلك يخاف عليهم إذا لم يعتصموا بالكتاب والسنة من القسم الأول، والمنتسبون إلى العبادة والنظر والإرادة وما يتبع ذلك يخاف عليهم إذا لم يعتصموا بالكتاب والسنة من القسم الثاني" (٣). وكما أن البدع تتنوع من حيث متعلقها، فإنها كذلك تنوع من حيث الحكم إلى نوعين: بدع مكفرة، وبدع غير مكفرة، وكل نوع يندرج تحته أنواع تختلف في عظمها وقبح فعلها، وبين صغرها بالنسبة إلى ما هو أكبر منها -والمقام يقصر عن بسطها (٤)؛ لأن الغرض هنا بيان أن البدع سبب من أسباب الإفراط في توحيد الألوهية-، وإلا فكلها بدع محرمة عظيمة؛ لأن فيها تشريع مالم يشرعه الله ورسوله ﷺ قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ الشورى: ٢١، كما أن فيها اتهاماً لله

стр. 250

ولرسوله بعدم إكمال الشريعة (١)، وبهذا يتبين أن البدع من أهم ما يبعد الإنسان عن تحقيق توحيد الألوهية، بل قد تأتي على أصوله فتهدمها بالكلية (٢). - الطريق الثاني: تعظيم غير الله فيما لم يأذن به الله (شرك الطاعة): إن عقيدة أهل السنة والجماعة قائمة على تعظيم الله تعالى، وإثبات الكمال له، وتنزيهه عن النقائص والعيوب، وعلى وجوب إفراده بالعبادة والتألُّه. وبصرف هذا القدر لغير الله، تظهر لنا الانحرافات المؤدية إلى الغلو والإفراط في توحيد الألوهية؛ فالتعظيم للشيء أو عدم تعظيمه من الأمور التعبدية التي لا تخضع لهوى النفوس وأمزجتها، فلا يجوز تعظيم إلا ما أمر الله بتعظيمه، والتعظيم كله لا يكون إلا لله وتعظيم أنبيائه إلى الحد الواجب لهم أمر مشروع. وأي تعَظيم لغير الله إلى حد الغلو فإنه يفضي إلى الانحراف في توحيد الألوهية ولا بد، فإن مبدأ الشرك (٣) إنما وقع بسبب تعظيم غير الله والغلو فيه الذي أدى في النهاية إلى الوقوع في الشرك؛ كما كان شرك قوم نوح حيث عظم أولئك الصالحين من قومهم فصوروا صوراً لهم أدى ذلك بهم إلى عبادتهم (٤). وبناء على ذلك فإن التعظيم ينقسم إلى قسمين: ١ - تعظيم أذن الله به وأمر به، وهو ما كان في حدود المشروع.
следующие страницы →