من أهل البدع المتقابلة-لا يخرج عن اتباعه للهوى (١) أو الاعتماد على الظن (٢) الذي لا يغني من الحق شيئاً (٣).
- ثالثاً: طرق الاستدلال المنحرفة (اتباع الظن):
إن الطريق الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة تلقي الدين أصولاً وفروعاً من الكتاب والسنة والإجماع المبني عليهما، أما أهل البدع المتقابلة فهم بخلاف ذلك، فإنهم من حيث المصدر لا يرتضون بالكتاب والسنة، وكل منهم له في ذلك طرائق -جعلوها طريقهم لعبادة الله-، فمنهم من يعول على الأوهام والفلسفة ويسميها العقليات كالفرق الكلامية، ومنهم من يعتمد على الأحلام والرؤى والكشف والذوق كالصوفية، ومنهم من يعتمد على الرجال ويزعم لهم القداسة وعلم الغيب كالرافضة والصوفية، ومنهم من يتلقى من مصادر شتى من أهل الكتاب والمجوس والفلاسفة وغيرهم كالباطنية وكثير من فرق أهل الكلام والصوفية والرافضة (٤)؛ لذلك عطلوا الأوامر والنواهي، وكذبوا على الله إجماعاً (٥) وانحرفوا في توحيد الألوهية، ولم يميزوا بين ما يحبه الله ويرضاه وبين ما يبغضه ويسخطه، فعبدوه بما لم يشرع وعظموا ما لم يعظمه.
стр. 247
وبناءً على ما سبق فإن "كل من خالف الرسول ﷺ لا يخرج عن الظن وما تهوى الأنفس، فإن كان ممن يعتقد ما قاله وله فيه حجة يستدل بها كان غايته الظن الذي لا يغني من الحق شيئاً كاحتجاجهم بقياس فاسد أو نقل كاذب، أو خطاب ألقي إليهم اعتقدوا أنه من الله وكان من الشيطان" (١).
- رابعاً: تعطيل صفات الله -:
لا شك أن تعطيل الله عن صفاته، يؤدي إلى الانحراف في توحيد الألوهية؛ لأن هذا من أعظم القوادح والصوارف التي تصرف صاحبها عن الاجتهاد في معرفة التوحيد والعمل به وتحقيقه، وقد وقع فيه خلق كثير، كالجهمية الذين نفوا الأسماء والصفات لله تعالى، ومثلهم القرامطة والباطنية، ومنهم المعتزلة حيث أثبتوا لله الأسماء، ونفوا عنه الصفات (٢)، ولهذا " كانت القرامطة والباطنية من أعظم الناس شركاً وعبادة لغير الله، إذ كانوا لا يعتقدون في إلههم أنه يسمع أو يبصر أو يغني عنهم شيئاً" (٣).
لذلك فإن معرفة الله توجب التقرب إليه بما يحبه، وتعظيمه في النفوس، واللهج بذكره والاطمئنان إليه، وهذا لا يمكن أن يحصل إلا بأن يوصف بما وصف به نفسه من غير تعطيل أو تمثيل أو تكييف (٤) أو تأويل (٥)، وهو الطريق الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة، أما أهل البدع المتقابلة فهم خلاف ذلك فقد عطلوا صفات الله أو بعضها (٦).
والرب أحق بكل صفة كمال، كما أنه أحق بتنزيهه عن كل عيب ونقص، وهذا يدل على وجوب إثبات تلك الأسماء والصفات له؛ لأن سلبها عنه يقتضي
стр. 248
سلبه صفات الربوبية والألوهية وتشبيهه بجنس الأصنام الجامدة التي عابها الله تعالى، وعاب عابديها.
كما أنه سبحانه لم يذكر نصوص الصفات في كتابه لمجرد أنها صفات الكمال له؛ بل ذكرها لبيان أنه المستحق للعبادة دون ما سواه، فأفاد الأصلين اللذين بهما يتم التوحيد وهما: إثبات صفات الكمال رداً على أهل التعطيل، وبيان أنه المستحق للعبادة لا إله إلا هو رداً على المشركين (١).
والمقصود أن تعطيل صفات رب العالمين بالتأويل أو التحريف أو التشبيه، وصرفها من مدلولها الشرعي إلى مدلول بدعي يعد من أهم القوادح التي تمنع من تحقيق التوحيد، فكيف بمن زعم أنه لا حقيقة له، بل هي من قبيل التخييل؟ ! (٢).
وبالنظر إلى الأنواع الأربعة المتقدمة نجد أنها سبب الانحراف المؤدي إلى التفريط في توحيد الألوهية، كما أنها ناشئة عن خطأ المنحرفين في تصور التوحيد الذي أرسل لأجله الرسل، وأنزلت من أجله الكتب، وطُلبَ من العباد تحقيقه.
стр. 249
المطلب الثاني: الانحراف المؤدي إلى الإفراط (١) في توحيد الألوهية.
الانحراف المؤدي إلى الإفراط في توحيد الألوهية إنما يأتي من أحد طريقين أو هما معاً:
- الطريق الأول: البدع:
لاشك أن البدع والمحدثات في الدين سبب من أسباب الإفراط في توحيد الألوهية، والخروج به عن حقيقته التي أرادها الله، من أجل ذلك حذرنا فقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ النور: ٦٣، وقال ﷺ : ((من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد)) (٢)، أي: مردود على صاحبه، ومن هذا المنطلق فإن البدع من حيث تعلقها تنقسم إلى نوعين: "نوع في الأقوال والاعتقادات، ونوع في الأفعال والعبادات، وهذا الثاني يتضمن الأول كما أن الأول يدعو إلى الثاني.
فالمنتسبون إلى العلم والنظر وما يتبع ذلك يخاف عليهم إذا لم يعتصموا بالكتاب والسنة من القسم الأول، والمنتسبون إلى العبادة والنظر والإرادة وما يتبع ذلك يخاف عليهم إذا لم يعتصموا بالكتاب والسنة من القسم الثاني" (٣).
وكما أن البدع تتنوع من حيث متعلقها، فإنها كذلك تنوع من حيث الحكم إلى نوعين: بدع مكفرة، وبدع غير مكفرة، وكل نوع يندرج تحته أنواع تختلف في عظمها وقبح فعلها، وبين صغرها بالنسبة إلى ما هو أكبر منها -والمقام يقصر عن بسطها (٤)؛ لأن الغرض هنا بيان أن البدع سبب من أسباب الإفراط في توحيد الألوهية-، وإلا فكلها بدع محرمة عظيمة؛ لأن فيها تشريع مالم يشرعه الله ورسوله ﷺ قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ الشورى: ٢١، كما أن فيها اتهاماً لله
стр. 250
ولرسوله بعدم إكمال الشريعة (١)، وبهذا يتبين أن البدع من أهم ما يبعد الإنسان عن تحقيق توحيد الألوهية، بل قد تأتي على أصوله فتهدمها بالكلية (٢).
- الطريق الثاني: تعظيم غير الله فيما لم يأذن به الله (شرك الطاعة):
إن عقيدة أهل السنة والجماعة قائمة على تعظيم الله تعالى، وإثبات الكمال له، وتنزيهه عن النقائص والعيوب، وعلى وجوب إفراده بالعبادة والتألُّه.
وبصرف هذا القدر لغير الله، تظهر لنا الانحرافات المؤدية إلى الغلو والإفراط في توحيد الألوهية؛ فالتعظيم للشيء أو عدم تعظيمه من الأمور التعبدية التي لا تخضع لهوى النفوس وأمزجتها، فلا يجوز تعظيم إلا ما أمر الله بتعظيمه، والتعظيم كله لا يكون إلا لله وتعظيم أنبيائه إلى الحد الواجب لهم أمر مشروع.
وأي تعَظيم لغير الله إلى حد الغلو فإنه يفضي إلى الانحراف في توحيد الألوهية ولا بد، فإن مبدأ الشرك (٣) إنما وقع بسبب تعظيم غير الله والغلو فيه الذي أدى في النهاية إلى الوقوع في الشرك؛ كما كان شرك قوم نوح حيث عظم أولئك الصالحين من قومهم فصوروا صوراً لهم أدى ذلك بهم إلى عبادتهم (٤).
وبناء على ذلك فإن التعظيم ينقسم إلى قسمين:
١ - تعظيم أذن الله به وأمر به، وهو ما كان في حدود المشروع.
стр. 251
٢ - تعظيم لم يأذن الله به، وهو ما جاوز المشروع وهو المسمى بالتقديس (١).
والخلاصة أن الطاعة الكاملة التي يرافقها الاستسلام والإذعان والخضوع دون نظر وطلب الدليل إنما تكون لله إذ هو الخالق الذي بيده الأمر والنهي المطلق، ولرسوله ﷺ الذي اختاره الله لتبليغ دينه، وبيان شرعه .. لذا فإن من أطاع غير الله في كل شيء دون طلب للدليل الشرعي الموجب للفعل أو الترك فهو مشابه لحال النصارى في اتخاذهم أحباراً وأرباباً من دون الله، حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحله الله، فكانت تلك عبادتهم (٢)، وعليه فلا تقديس إلا لله وحده، وبذا لا يكون صالحاً لسواه، ولا يوصف به أحد إلا إياه.
والناظر لأهل البدع يجد أنهم واقعون في هذا الملحظ الخطر، فنجد أنهم عظموا غير الله فيما لم يأذن به الله، فغلوا في النبي ﷺ ، وفي الملائكة والأنبياء والصالحين، وغلوا في مرتبة الولاية، وغير ذلك، واعتقدوا فيهم اعتقادات فيها الكثير من الغلو والتجاوز، فلما اعتقدوا ذلك كان من الطبيعي انحرافهم في توحيد الألوهية ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦)﴾ الزمر: ٣٦.
стр. 252
المبحث الثاني الآيات الرادة على البدع المتقابلة في توحيد الألوهية .
المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بتوحيد الألوهية .
المتأمل للقرآن الكريم يجد فيه عناية واضحة حيال مسألة توحيد الألوهية، تزيد على أي مسألة أخرى من المسائل العقدية والمعارف العقلية، بل حتى قضية المعاد والبعث في يوم القيامة -التي تعد من القضايا المهمة جداً في نظر القرآن، بحيث لا يمكن لأي دين أن يتحلى بمنهج إلهي دون الاعتقاد بها-؛ لم يهتم بها القرآن كاهتمامه بتوحيد الألوهية، حتى إن الربوبية تدور حول قضية واحدة، وهي الدعوة إلى عبادة الله وحده سبحانه وترك عبادة من سواه (١).
لذا فقد تعددت طرق القرآن العظيم في بيان فساد سلوك المخالفين لتحقيق توحيد الألوهية والتحذير من ذلك، وفيما يلي بعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة في توحيد الألوهية:
الآية الأولى:
قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ الذاريات: ٥٦ ، هذه الآية تردُ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي:
- أولاً: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط .
في هذه الآية رد على غلاة الجبرية، الذين عارضوا الشرع بالقدر، فعطلوا الأوامر وانتهكوا المناهي، فأبطل الله احتجاجهم بالقدر على ترك الطاعة، بقوله: ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾، ولفظ الآية وظهور العموم فيها يقتضي فعلا يفعلونه هم باختيارهم، والمراد أن الأمر بالعبادة الشرعية أتت على جهة الابتلاء، لينظر الله من يحسن عملاً فيطيع أمر ربه ويمتثل شرعه، ومن يسيء فيعصي ويكفر، وهذا المعنى دلت عليه آيات أخرى في كتاب الله، وجاءت دلالتها له على وجهين: إما مفسرة له، أو شاهدة له.
стр. 253
أما المفسرة: فنحو قوله سبحانه: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ الملك: ٢، وغيرها من الآيات (١) التي تصرح بأن حكمة خلق الله للخلق هي ابتلاؤهم أيهم أحسن عملاً، وهذا يفسر قوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢).
وأما الشاهدة: فنحو قوله سبحانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ المؤمنون: ١١٥، فهذا إنكار من الرب سبحانه على أن يحسب الإنسان أنه يترك سدى بلا أمر ولا نهي يبتليهم به، وهذا الإنكار من الرب شاهد لمعنى قوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾.
وذِكر الجن والإنس وهما المذكوران دون سواهما، يدل على عبودية مرادة منهما خاصة دون سواهما وهي عبودية الطاعة والامتثال للأمر الشرعي والابتلاء فيها (٣).
كما أن فيها رداً على الملاحدة الذين نفوا الحكمة من وجود الإنسان التي هي عبادة الله كما بينت ذلك الآية الكريمة.
- ثانياً: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط .
كما أن فيها رداً على غلاة التشريع الذين استحسنوا الزيادة على ما شرع الله، فرد عليهم بقوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ للتعليل، وهذا التعليل لبيان أن جماع الدين " أصلان" ألا نعبد إلا الله، ولا نعبده إلا بما شرع لا نعبده بالبدع، فالحلال ما حلله والحرام ما حرمه والدين ما شرعه (٤)، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ الحشر: ٧.
стр. 254
- ثالثاً: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان .
المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو: خطؤهم في تصور التوحيد الذي أرسل لأجله الرسل، وأنزلت من أجله الكتب، وطُلبَ من العباد تحقيقه، بجعلهم عقول الناس هي الحاكمة القاضية فيما يؤخذ وما لا يؤخذ من العقائد.
ومنشأ الغلط هذا انبنى عليه عند أهل الأهواء والبدع الحكم بإيجاب (١) أمور سكت الشرع عن بعضها ونهى عن بعضها، واستقبحوا (٢) أموراً ورد الشرع بتحسينها فكان لازم قولهم أن رُسل الله ﵈ قصروا عن البيان عمداً امتحاناً للمكلفين مع أن الحق في خلاف هذا، فقد نص الله على أن الرسل، إنما أرسلت لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وأنزل علينا في كتابه المبين على لسان رسوله الأمين ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ المائدة: ٣ (٣).
وما هذا الانحراف إلا نتيجة الغلو في تعظيم العقل وإقحامه فيما لا يدركه، ولا يحيط به، حتى أصلوا أصولاً عقلية، وكفروا أو فسقوا أو خطئوا من خالفهم (٤)، وخاضوا جميعاً فيما لا تدركه العقول من الخفايا التي أعرض عنها السلف، فانقسموا إلى فرق متباينة متقابلة منحرفة في توحيد الألوهية.
- رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد .
أتت هذه الآية للرد على من نفى أو عطل وظيفة العباد التي من أجلها خلقوا، وللرد كذلك على من اتهم الله ورسوله ﷺ بعدم إكمال الشرع فزادوا وابتدعوا عبادات لا أصل لها، فدلت هذه الآية بمفهومها على منهج أهل السنة والجماعة وهو: امتثال أمر الله ونهيه، إفراده بالعبادة، وألا يعبد إلا بما شرع.
стр. 255
وهذه الآية هي حقيقة الصلة بين الله وبين الثقلين من خلقه، فهي تأتي بعد مرتبتي الفطرة والميثاق، فبعد أن فطر الله الخلق أول الأمر على الإسلام (١)، ثم أخذ عليهم الميثاق على مقتضى الفطرة التي فطرهم عليها (٢)، ها هو يعلن الصلة بينه وبين خلقه وأنها هي الغاية من وجودهم، وهذا هو موضوع جميع رسالات الأنبياء والرسل ﵈ (٣).
وفي هذه الآية سر الأمر كله وعلته وحجته، وعليها مدار الأمر كله، قال ابن تيمية ﵀ بعد أن استعرض ما أورده الله في مجمل سورة الذاريات: " فهذا كله يتضمن أمر الإنس والجن بعبادته وطاعته وطاعة رسله واستحقاق من يفعل العقوبة في الدنيا والآخرة، فإذا قال بعد ذلك: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾ الذاريات: ٥٦ - ٥٧، كان هذا مناسباً لما تقدم مؤتلفاً معه: أي هؤلاء الذين أمرتهم إنما خلقتهم لعبادتي ما أريد منهم غير ذلك، لا رزقاً ولا طعاماً" (٤).
стр. 256
الآية الثانية:
قوله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾ الزمر: ٧، أتت هذه الآية وفيها الردُ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي:
- أولاً: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط .
في هذه الآية رد على من فرطوا في توحيد الألوهية من المرجئة والجبرية نفاة التعليل والحكم والأسباب واقتضائها للثواب والعقاب، الذين لا يستقبحون السيئات ولا يستنكرون المنكرات، في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾.
كما أن هذه الآية ردت على اعتقادهم بأنه يجوز أن يعاقب صاحب الحسنات الراجحة، ويثيب صاحب السيئات الراجحة في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فرد الله عليهم اعتقادهم الباطل أنه لا سبب ولا حكمة، ولا علة، ولا موازنة، ولا إحباط، ولا تدافع بين الحسنات والسيئات (١)، مخالفين بذلك قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)﴾ الجاثية: ٢١، بأن الله يجازي على الحسنات ويعاقب على السيئات.
كما أنها ردت على المرجئة الذين فصلوا بين ارتباط الظاهر بالباطن في قوله تعالى: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾، أي أنه يحاسب الإنسان على ما أظهر من عمل وما أبطن من نية.
стр. 257
- ثانياً: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط .
وفيها رد على القدرية الوعيدية (١) الذين يعظمون شأن الطاعات والمعاصي، إلا أنهم غلوا حتى سلبوا الإيمان بذهاب بعض الواجبات (٢)،
وأضافوا الفضل في فعل الحسنات لأنفسهم، لذا فهم لا يدْعون الله ولا يشكرونه (٣) فأتت الآية للرد عليهم في قوله: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ لإثبات أنه سبحانه المستحق للشكر؛ لأنه هو المتفضل سبحانه على عباده بتوفيقهم إلى طاعته، وتيسيره سلوكهم طريق النجاة والفلاح؛ وعلى هذا المعنى جاء قوله : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ الأنعام: ٩٠، وقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ الأنعام: ١٢٥.
- ثالثاً: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان .
إذا كانت المرجئة والجبرية قد جفوا، فرأوا أنه لا تأثير للسيئات والحسنات على توحيد الألوهية؛ بل يجوز عندهم أن يعاقب صاحب الحسنات الراجحة، ويثيب صاحب السيئات الراجحة؛ لأن الأمر مردود عندهم إلى محض المشيئة.
стр. 258
فإن القدرية والوعيدية قد غلوا حتى جعلوا السيئات مُزيلة للإيمان بالكلية، وجعلوا الحسنات من أفعال العباد؛ لأنهم توصلوا إلى أن المعاصي لا يريدها الله تعالى ولا يحبها، وبالتالي فلم يأمر بها ولا إرادة له في وقوعها، وإلا لكان مريداً للمعاصي، وبالتالي فلا يعاقِب عليها حسب زعمهم.
فكلاهما ضل في توحيد العبادة فمنهم من فرط فيها عما أراده الله، ومنهم من غلا فيها فأقامها على ما لم يأذن به الله.
من أجل هذا كان المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو فهمهم الخاطئ الذي يعود إلى عدم تفريقهم بين الإرادتين الكونية والشرعية -فضلوا بسبب هذا في توحيد الألوهية- فيعتقدون أن كل ما أراده الله فقد أحبه، ذلك أن الإرادة إما أن تكون كونية وهي الإرادة العامة لجميع الموجودات ودليلها قوله : ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)﴾ البقرة: ٢٥٣، وإما أن تكون الإرادة شرعية وهي التي تتعلق بمحبة الله تعالى ورضاه عن الشيء كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ النساء: ٢٧ (١).
وأهل السنة يؤمنون أن الإرادة الكونية هي التي تعلقت بكل شيء حتى معصية العاصي فلا يلزم منها التفرقة بين ما يحبه الله وما لا يحبه. أما الإرادة الشرعية فهي التي تعلقت بمحبته ورضاه فهو وإن كان قدَّر وقوع الشر كوناً لكنه في الإرادة الشرعية لم يرضه ولم يحبه فهو لا يحب الظالمين ولا الفاسقين ولا العاصين (٢).
- رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد:
أتت هذه الآية الكريمة للدلالة على أن المذهب الحق ليس ما ذهب إليه أصحاب البدع المتقابلة، بل هو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، "فعقيدة أهل السنة أصح مباني وأوضح معاني، وحسبك أنها جامعة لمحاسن العقائد" (٣)؛ لذلك فإقامة توحيد الألوهية كما أمر الله به من أعظم الحسنات وأجل القربات، كما أن الشرك من أعظم الذنوب وأقبح السيئات.
стр. 259
ويثبت أهل السنة والجماعة محبة الله للحسنات وأنها أسباب لما هو محبوب له وهي الرحمة والإحسان، وأن السيئات مبغوضة له، وأنها أسباب لما هو محبوب له وهو العدل (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وأعظم ما دعا الله الخلق إليه في كتابه ودعت إليه الرسل هو التوحيد، وأعظم ما نهى عنه الشرك" (٢)، ولا يتحقق أصل التوحيد إلا بالإتيان بحسنة عظيمة، هي أساس الحسنات ولبُّها؛ وهي شهادة التوحيد: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، وهي كلمة التوحيد، المشتملة على أهم المطالب وأعظم المراتب؛ فإن التوحيد أصل الدين وجماعه، وظاهره وباطنه، وأوله وآخره (٣).
فاتضح بهذا أنه لا بد للإقرار بالشهادتين من العمل بمقتضاها؛ وذلك أن لا يُعبد إلا الله، ولا يأله القلب غيره حباً ورجاء وخوفاً وتوكلاً وخضوعاً وإنابة وطلباً -وكل هذا من جملة الحسنات العظيمة-، ولا يُعبد إلا بما شرع رسوله ﷺ والتعبد بخلاف هذا من السيئات (٤).
فتوسط أهل السنة والجماعة بين الوعيدية في هذا الباب - أعني مكانة الحسنات والسيئات وتأثيرها على توحيد الألوهية- الذين هم أحسن حالاً من المرجئة؛ لأنهم في اسم الإيمان أقرب إلى قول أهل السنة، وعندهم من تعظيم شأن الطاعات والمعاصي ما ليس عند أولئك، إلا أنهم غلوا حتى سلبوا الإيمان بذهاب بعض الواجبات.
وبين المرجئة نفاة التعليل والحكم والأسباب واقتضائها للثواب والعقاب، إلا أنهم -أي المرجئة- أقرب إلى أهل السنة في الحكم الأخروي (٥).
стр. 260
فدلت بمفهومها على منهج أهل السنة والجماعة، وهو: اعتبار الحسنات (١) والسيئات (٢) من لوازم توحيد العبادة، فليست الحسنات مثل المعاصي، ولا المعاصي مزيلة للإيمان بالكلية.
стр. 261
الآية الثالثة:
قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾ الق صص: ٧٧، في هذه الآية الكريمة ردٌ على من وقع في بدعتي الإفراط والتفريط:
- أولاً: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط .
في هذه الآية رد على من فرطوا في توحيد الألوهية من المرجئة والملاحدة وغيرهم، الذين توهموا (١) وجود إنسان لا يعبد شيئاً، في قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾.
فمن أعرض عن الطاعة بتركها مطلقاً لم يكن قد حقق أصل التوحيد فلا يكون مسلماً، ويكون بتوليه الكلي عن الطاعة كافراً - عياذاً بالله- كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ النور: ٤٧، قال شيخ الإسلام ﵀: " (التولي) هو التولي عن الطاعة ... فنفى الإيمان عمن تولى عن العمل وإن كان قد أتى بالقول" (٢)؛ لأن "جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب" (٣)، وإيمان القلب لا يُتصور وجوده دون أن تظهر آثاره على الجوارح (٤)، وهذا هو المقرر عند سلف الأمة وأئمتها.
كما أن فيها أيضاً رداً على الذين أغرتهم الماديات عن العمل للآخرة ففرطوا في توحيد الألوهية، نجد هذا في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾، قال ابن عباس ﵁: لا تنس حظك من الدنيا أن تعمل فيها لآخرتك، وقيل: لا تنس ما أنعم الله عليك أن تشكره عليه بالطاعة، ولا تترك أن تعمل في الدنيا للآخرة حتى تنجو من العذاب؛ لأن حقيقة نصيب الإنسان من الدنيا أن يعمل للآخرة (٥)، وقد توعد الله من همه دنياه فقط بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨)﴾ يونس: ٧ - ٨.
стр. 262
- ثانياً: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط .
كما أن في هذه الآية رداً على الذين أفرطوا في توحيد الألوهية من الصوفية وغيرهم، الذين توهموا وجود إنسان يعبد الله مريداً الدار الآخرة وهو لا يريد الله! ! ، في قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾.
وقد ضلوا في هذا الفهم، فإن إرادة الآخرة عبارة عن إرادة الله تعالى وثوابه. فإرادة الثواب لا تنافي إرادة الله؛ لأن الله لم يفرّق بين إرادة الآخرة وإرادته هو سبحانه تعالى حيث قال: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧)﴾ الأنفال: ٦٧، قال ابن القيم ﵀ عند قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ الإسراء: ١٩: أخبر الله أن السعي المشكور: سعي من أراد الآخرة. وأصرح منها قوله: لخواص أوليائه - وهم أصحاب نبيه ﷺ ورضي عنهم - في يوم أحد: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ آل عمران: ١٥٢، فقسمهم إلى هذين القسمين اللذين لا ثالث لهما.
إلا ما اعتقده أهل التصوف وهو وجود: من يريد من الله، ولا يريد الله. فهذا ناقص غاية النقص. وهو حال الجاهل بربه. لذلك كان اعتقادهم: أنهم يريدون الله، ولا يريدون منه. فيزعمون أنه مطلوبهم، وأن من لم يصل إليه ففي سيره علة، وأن العارف ينتهي إلى هذا المقام، وهو أن يكون الله مراده، ولا يريد منه شيئا، وهذا في التحقيق عين المحال الممتنع: عقلا وفطرة، وحسا وشرعا (١).
- ثالثاً: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان .
المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو: خطؤهم في تصور العبادة المأمور بها، التي تقوم على أركان ثلاثة: الحب، والخوف، والرجاء (٢)، حيث افتعلوا بينهما
стр. 263
تناقضاً؛ لذا نجد أن المتصوفة ومن سايرهم احتقروا الرجاء والخوف، واعتبروهما (أضعف مقامات المريدين)، وغلوا في المحبة حتى أسقطوا ما يقابلها من الخوف، وجعلوا همهم -بزعمهم - عبادة الله لذاته لا طمعاً في جنته ولا خوفاً من ناره (١) وجعلوا ذروة المحبة: الفناء في المحبوب، ولهذا قال فيهم السلف ﵏: " من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق" (٢)، وأفضى بهم هذا إلى احتقار الجنة والنار، واحتقار مقام الأنبياء، والأمن من مكر الله (٣)، وعدم التمييز بين ما يحبه الله ويرضاه وبين ما يبغضه ويسخطه، ولا بين أعداء الله وأوليائه، فعبدوه بما لم يشرع وعظموا ما لم يعظمه، فصارت الطاعات والمعاصي عندهم شيئا واحداً وهذه هي غاية التحقيق والولاية لله بزعمهم، بل أفضى اعتقاد ملاحدة (٤)
الصوفية إلى الحلول والوحدة -عياذاً بالله-! ! .
بينما نجد أن المرجئة غلَّبوا جانب الرجاء حتى أسقطوا ما يقابله من الخوف، بسبب الانفكاك بين العمل والاعتقاد وعدم التلازم بينهما! ، فالإيمان عندهم حقيقة واحدة تتعلق بالاعتقاد دون العمل؛ فوقع الخلل عندهم في مفهوم توحيد العبادة وصور وقوع الشرك فيه، فوصلوا إلى درجة أنه لا يضر مع الإيمان ذنب فيؤذيهم، وأنه لا يكون من الأعمال ما هو شرك، فاستهانوا بمحارم الله وواجباته، ولازم هذه الاستهانة إنكار وجود محاسب ومعاقب، وغايتها الخروجُ من الملة (٥)، وكأن الفواحش تفضي إلى كفر الإلحاد تلقائيا -والعياذ بالله-.
стр. 264
- رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد:
أتت هذه الآية الكريمة للدلالة على أن المذهب الحق ليس ما ذهب إليه أصحاب البدع المتقابلة، بل هو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، فتوحيد الألوهية هو التوحيد العملي؛ أي توحيد الله بالعمل الباطن والظاهر، من أجل هذا فإن أركان العبادة لا بد أن تكون مجتمعة، وأن يكون بينها شيء من التوازن، فمن تعلق بواحد منها أو غلا فيه على حساب الآخر لم يكن عابدا لله تمام العبادة.
فعبادة الله بالحب فقط (١) طريقة الصوفية، وعبادته بالرجاء وحده (٢) طريقة المرجئة، وعبادته بالخوف وحده (٣) طريقة الخوارج والمعتزلة والجهمية وأشباههم، وعبادته بالحب والخوف والرجاء طريقة أهل السنة التي يجب أن يكون عليها الناس.
من أجل ذلك فلازم رد الآية على البدع المتقابلة وأنهم مخالفون لمنطوق القرآن وصريح السنة، هو في الحقيقة إبراز لمنهج أهل الحق وهو منهج أهل السنة والجماعة.
ولهذا قال السلف ﵏ كلمة مشهورة وهي: " مَنْ عبدَ الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروريٌ - أي: خارجي - ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف والحب والرجاء فهو مؤمن موحِّد " (٤).
قال ابن القيم ﵀: " القلب في سيره إلى الله بمنزلة الطائر؛ فالمحبة رأسه، والخوف، والرجاء جناحاه؛ فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيِّدُ الطيران، ومتى قطع الرأس مات الطائر، ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائدٍ وكاسر" (٥).
стр. 265
المطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في توحيد الألوهية .
أختم هذا الفصل بذكرٍ إجمالي للآيات الرادة على الانحراف العقدي في توحيد الألوهية؛ والآيات التالية سيقت على سبيل المثال لا الحصر:
١ - قال تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ مريم: ٦٥، في هذه الآية رد على المشركين المتخذين وسائط في عباداتهم لله، فأمرهم الله بفاء المباشرة ﴿فَاعْبُدْهُ﴾ ليدل ذلك على أن عبادته سبحانه لا تحتاج وسائط وشركاء. كما أن فيها رداً على الباطنة المعتقدين في بعض أعيان البشر صفة الربوبية فصرفوا لها توحيد الألوهية، فرد الله عليهم هذا بقوله ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي شبيهاً ومثيلاً ونظيراً؛ فالطائفة الأولى أقرت بالله ولكنها صرفت العبادة لغيره، والثانية أنكرت الله وصرفت العبادة لغيره.
٢ - قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ الإسراء: ٥٧، هذه الآية فيها دعوة إلى أن يكون الإنسان في حال سيره إلى الله ما بين الخوف والرجاء ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾، والسير بهذا المنوال يخرج به الإنسان من طائفتين ضلتا في باب العبادة: فالمرجئة يقولون: لا يضر مع الإيمان شيء، فمن كان راجياً فقط وترك الخوف دخل في طائفة المرجئة؛ ومن أفرط في الخوف دخل في طائفة المعتزلة والخوارج الذين يرون أن مرتكب الكبيرة يكفر ويخلد في النار ما لم يتب قبل أن يموت فضلوا جميعاً في توحيد الألوهية بين إفراط وتفريط، كما أن في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦)﴾ الرعد: ٦، رداً عليهم أيضاً، فجاء الرد على من غلا في عبادة الخوف دون غيرها، بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾؛ وفيها كذلك رد على من عطل الخوف، بقوله : ﴿لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
٣ - قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ طه: ١١٤، في هذه الآية سدٌ لطريق مخالفة الشريعة وردٌ على المتشاغلين بالعبادات مع الجهل وترك حمل العلم، كالصوفية الذين ينكرون على الناس العلم ويذمونه، بينما يحكمون بالذوق والوجد والكشف، فانتكسوا إلى
стр. 266
حضيض الخرافة والوهم، فدلت الآية الشريفة على طلب الاستزادة من العلم المؤدي لمعرفة الله (١)، ومن ثم إخلاص العبادة له على ما يرضيه. كما أن فيها رداً على المعتزلة والجهمية الذين عظموا علم البشر وجعلوه هو المهيمن والحاكم على الشرع، فقدموا العقل على النقل، فضلوا في توحيد الألوهية. فالعلم المطلوب هو ما وفَّق الله له، ودعى له أنبياء الله، وهو العلم الذي يصحح العبادة، ويقرب من الله، وأمر الله رسوله ﷺ بسؤال الزيادة من العلم بقوله: ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ يقتضي أنه كان عالماً وأنه أمر بطلب المزيد من العلم (٢)، والحق أن كل ما خالف الشرع فلا مصلحة فيه مطلقاً، وكل أصل لم يؤخذ من الشرع فهو فاسد الاعتبار.
٤ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ آل عمران: ١٩، في هذه الآية ردٌ على من حادَ عن الإسلام فأصبح مُفْرِطا غالياً في مسألة العبادة دون دليل؛ كما أن فيها رداً على من أصبح منهم مفَرِّطا مضيعاً لما أمره الله به من العبادة، من أصحاب الأديان والمذاهب والتيارات والفرق دون دليل، ولا مخالفة بين هذه الآية التي تثبت دين الحق الذي يريده الله والذي عليه أهل الحق، وبين قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ الأنعام: ٨٨ - ٩٠. ففي هذه الآية رد على جميع أصحاب البدع، بأنهم مخالفين لمنهج أهل الحق الذين لا يعبدون الله إلا بدليل من الكتاب أو السنة.
٥ - قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ الأعراف: ١٨٠، في هذه الآية الرد على من صرف العبادة لغير الله من التوسل بذوات الأموات وغيرهم، فبين الله تعالى أن المشروع هو التوسل بأسمائه الحسنى، فقال: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾؛ كما أن فيها رداً على من حادَ بها عن معناها الصحيح؛ لأن
стр. 267
هذه الأسماء أعظم الأدلة على التوحيد، فمن اعتقد أن الله تعالى لا إله غيره خصه بالإلهية، ومن اعتقد أنه حي لا ينام، قيوم لا يفنى ولا يبيد ولا يكون إلا ما يريد، وأنه الأول والآخر -أزلي لم يسبق بعدم وأنه لا يأتي عليه العدم-، واعتقد أنه موصوف بصفات الكمال ومنزه عن صفات النقص، ساقه ذلك إلى أعلى أنواع العبادة، ودفعه إلى الخوف والرجاء والمحبة، من أجل هذا جاء قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾، ليبين أن من عبد أو أشرك مع الله غيره فقد ألحد في أسمائه.
وغير ذلك من الآيات، التي هي في الحقيقة أدلة تكشف زيغ أهل البدع المتقابلة في توحيد الألوهية؛ كما أن ردود هذه الآيات وغيرها، تستلزم إثبات المنهج الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة -منهج الوسطية في أبواب الاعتقاد-، من أجل ذلك سَعِدوا بهذا الوصف ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ الأنعام: ٩٠.
وتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الأسماء والصفات؛ لأن من أخلص لله في عبادته لا بد أن يثبت لله جميع الأسماء والصفات التي أثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله ﷺ من غير تحريف أو تعطيل ومن غير تكييف أو تمثيل، وقد ضل في هذا المفهوم كثير من الخلق. وهذا هو موضوع الفصل التالي بإذن الله تعالى.
стр. 268
الباب الثاني:
الفصل ٣ الآيات الواردة في توحيد الأسماء والصفات.
وفيه تمهيد ومبحثان:
تمهيد في تعريف توحيد الأسماء والصفات.
المبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة
في توحيد الأسماء والصفات.
المبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع
المتقابلة في توحيد الأسماء والصفات.
стр. 269
تمهيد في تعريف توحيد الأسماء والصفات:
توحيد الأسماء والصفات من أجل العلوم والمعارف (١)؛ لأن من عرف الله بأسمائه وصفاته حق المعرفة، تجلى في سلوكه وتعاملاته: الانصياع والخضوع لصاحب تلك الأسماء الكاملة والصفات العالية، وأورثه ذلك التعبد لله بالعبادات التي تليق بجلاله وكبريائه وعظمته.
ومن لم يعرف الله بأسمائه وصفاته التي تليق به، فكيف يعبده، ويحبه، ويعظمه، ويخضع له؟ ! بل كيف يعبد إلهاً يجهله؟ ! .
لذا فإن توحيد الأسماء والصفات لا ينفك بحال عن توحيد الربوبية والألوهية -السابق ذكرهما-، بل إنه شامل للهما معاً، فالإيمان بالله يتضمَّن الإيمان بصفاته، فلا يستقيم توحيد الله في ربوبيته وألوهيته بدون توحيد الله في أسمائه وصفاته، والخلل والانحراف في أي نوع منها هو خلل في التوحيد كله.
ولهذا سمَّى السَّلف كتُبَهم التي صنَّفوها في السنَّة، وفي إثبات صفات الرَّبِّ وعلوّه على خلقه، وكلامه وتكليمه: توحيدًا؛ لأنَّ نفي ذلك وإنكاره والكفْر به إنكار للصَّانع، وجحد له، وإنَّما توحيده: إثبات صفات كماله، وتنزيهه عن التَّشبيه والنَّقائص (٢).
ويلحظ التالي لآيات القرآن الكريم كثرة ذكر أسماء الله وصفاته، بل لا تكاد تخلو آيةٌ من آياته من صفة لله - سبحانه - أو اسم من أسمائِه الحسنى؛ وما ذلك إلا "لأنَّ القرآن المجيد عُمْدته ومقصوده الإخْبار عن صفات الرَّبِّ - سبحانه - وأسمائه وأفعاله وأنواع حمدِه والثَّناء عليه، والإنباء عن عظمتِه وعزَّته وحكمتِه، وأنواع صنعه والتقدُّم إلى عباده بأمرِه ونَهْيه على ألسِنة رسله" (٣)، "فالقُرآن من أوَّل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ الفاتحة: ١، إلى ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ الناس: ٦، كلّه بيان لصفات الله " (٤).
стр. 270
وبالجملة فإن أقسام التوحيد تشكل بمجموعها جانب الإيمان بالله الذي يسمى التوحيد فلا يكمل لأحد توحيده إلا باجتماع أنواع التوحيد الثلاثة، فهي متكافلة متلازمة يكمل بعضها بعضًا، ولا يمكن الاستغناء ببعضها عن الآخر.
كما يُعدُّ مبحث أسماء الله وصفاته من أهم مباحث العقيدة؛ التي سلكت فيها الفرق الإسلامية مذاهب شتى، نشأ عنها معتقدات باطلة، وتصورات خاطئة في الذات الإلهية، ولهذا اعتنى علماء أهل السنة والجماعة بهذا الجانب من التوحيد كل الاعتناء، وخصوه بمصنفات مفردة، وسموا كتبهم التي صنفوها في السنة، وإثبات صفات الرب، وعلوه على خلقه، وكلامه وتكليمه توحيداً؛ لأن نفي ذلك وإنكاره والكفر به إنكار للصانع وجحد له، وإنما توحيده إثبات صفات كماله، وتنزيهه عن التشبيه والنقائص (١).
ويحسن قبل الشروع في مباحث هذا الفصل التمهيد بتعريفه وبيان أهميته.
أولاً: تعريف توحيد الأسماء والصفات، والفرق بينهما:
أ- التعريف:
الأسماء: جمع اسم، والاسم: " مشتق من السمو أي: العلو ... أو من الوسم أي: العلامة ... " (٢)، وهو اللفظ الدال على المسمى (٣)، وأسماء الله الحسنى: هي كلُ ما دل على ذات الله مع صفات الكمال القائمة به كالعليم والقدير والحكيم والسميع والبصير (٤)، وهي التي يدعى الله بها، وهي التي جاءت في الكتاب والسنة، وهي التي تقتضي المدح والثناء بنفسها (٥).
стр. 271
و الصفات: جمع صفة، والصفة: أصلها "وَصَفَ" حذفت الواو وعوض عنها التاء (١)، "وهي الاسم الدال على أحوال الذات ... وهي الأمارة اللازمة بذات الموصوف الذي يعرف بها" (٢)، وصفات الله : هي نعوت الكمال القائمة بذاته كالعلم والقدرة والحكمة والسمع والبصر، مما يميزها عن غيرها، الواردة في نصوص الكتاب والسنة (٣).
وعليه فتوحيد الأسماء والصفات (٤) هو: اعتقاد انفراد الله بالكمال المطلق، من جميع الوجوه، بنعوت العظمة والجلال والجمال، وذلك بأن يسمى الله ويوصف، بما سمى ووصف به نفسه، أو سمَّاه ووصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف (٥)، ولا تأويل (٦)، ومن غير تكييف (٧)، ولا تمثيل (٨)(٩).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ثم القول الشامل في جميع هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، لا يتجاوز القرآن والحديث. قال الإمام أحمد
стр. 272
- ﵀: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﵉، لا يتجاوز القرآن والحديث (١) " (٢).
لذلك كان مذهب السلف الصالح ﵃ في باب الأسماء والصفات يقوم على ثلاث قواعد هي:
١ - الإيمان بما وصف الله به نفسه في كتابه أو وصفه بها رسوله ﷺ .
٢ - تنزيه الله عن أن يشبه شيء من صفاته شيئاً من صفات الخلق.
٣ - قطع الطمع عن إدراك كيفيتها (٣).
ب- الفرق بين الأسماء والصفات:
ما يميز الاسم عن الصفة، والصفة عن الاسم؛ أمور منها:
أولاً: أن الأسماء يشتق منها صفات ، أما الصفات؛ فلا يشتق منها أسماء، فنشتق من أسماء الله الرحيم والقادر والعظيم، صفات الرحمة والقدرة والعظمة، لكن لا نشتق من صفات الإرادة والمجيء والمكر اسم المريد والجائي والماكر (٤).
ثانياً: أن الاسم لا يشتق من أفعال الله ؛ فلا نشتق من كونه يحب ويكره ويغضب اسم المحب والكاره والغاضب، أما صفاته؛ فتشتق من أفعاله فنثبت له صفة المحبة والكره والغضب ونحوها من تلك الأفعال، لذلك قيل: باب الصفات أوسع من باب الأسماء (٥).
ثالثاً: "أن أسماء الله وصفاته تشترك في الاستعاذة بها والحلف بها " (٦)، لكن تختلف في التعبيد والدعاء، فيتعبد الله بأسمائه، فتقول: عبد الكريم، وعبد الرحمن، وعبد العزيز، كما أنه يُدعى الله بأسمائه، فنقول: يا رحيم! ارحمنا، يا كريم! أكرمنا، ويا لطيف! الطف بنا، لكن
стр. 273
لا ندعو صفاته فنقول: يا رحمة الله! ارحمينا، أو: يا كرم الله! أو: يا لطف الله! ذلك أن الصفة ليست هي الموصوف، فالرحمة ليست هي الله، بل هي صفة لله، وكذلك العزة، وغيرها؛ فهذه صفات لله، وليست هي الله، ولا يجوز التعبد إلا لله، ولا يجوز دعاء إلا الله؛ لقوله تعالى: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ النور: ٥٥، وقوله ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ غافر: ٦٠، وغيرها من الآيات (١).
ثانياً: بيان أهمية توحيد الأسماء والصفات:
مدار الإيمان بالله ، على توحيد الأسماء والصفات؛ لأن الإيمان بالله لا يتحقَّق إلاَّ بالإيمان بأسمائه وصفاته (٢)، الواردة في كتابه العزيز، والثَّابتة عن رسوله الأمين من غير تَحريف ولا تعْطيل ولا تكْييف ولا تَمثيل (٣)، فالإيمان بالرسول ﷺ يتضمَّن الإيمان بكلّ ما أخبر به عن مرْسله، والإيمان بالكتاب الذي نزل على رسوله يتضمَّن الإيمان بكل ما جاء فيه من صفات الله .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وما وصف الرَّسول ﷺ به ربَّه من الأحاديث الصِّحاح التي تلقَّاها أهل المعرفة بالقبول، وجب الإيمان بها كذلك، مثل قولِه ﷺ : ((ينزل ربُّنا إلى السَّماء الدنيا كلَّ ليلة حين يبقى ثلُث الليل الآخر، فيقول: مَن يدعوني فأستجيب له؟ مَن يسألني فأعطيه؟ مَن يستغفرني فأغفر له؟ )) (٤)، وقوله ﷺ : ((لله أشدُّ فرحًا بتوبة عبدِه من أحدِكم براحلته)) (٥)، وقوله ﷺ : ((يضْحك الله إلى رجُلين يقتُل أحدهُما الآخر
стр. 274
كلاهُما يدخل الجنَّة)) (١)، وقوله: ((عجِب ربُّنا من قنوط عبادِه وقرب غيره ينظر إليكم أزلين قنِطِين فيظل يضحك يعلم أنَّ فرجكم قريب)) (٢)، إلى أمثال هذه الأحاديث التي يخبر فيها رسولُ الله ﷺ عن ربِّه بما يخبر به.
فإنَّ الفرقة النَّاجية - أهل السنَّة والجماعة - يُؤْمنون بذلك كما يؤمنون بِما أخبر الله به في كتابِه العزيز، من غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ، ومن غير تكييفٍ ولا تمثيل، بل هم الوسط في فرق الأمَّة كما أنَّ الأمة هي الوسط في الأمم، فهم وسط في باب صفات الله بين أهل التَّعطيل الجهميَّة، وأهل التَّمثيل المشبِّهة" (٣). اهـ.
"فنفي حقائق أسمائه وصفاته متضمّن للتَّعطيل والتَّشبيه، وإثبات حقائقها على وجْه الكمال الَّذي لا يستحقُّه سواه هو حقيقة التَّوحيد والتنزيه، فالمعطّل جاحد لكمال المعبود والممثّل مشبّه له بالعبيد، والموحد مبينٌ لحقائق أسمائه وكمال أوْصافه، وذلك قطب رحى التَّوحيد، فالمعطّل يعبد عدمًا، والممثِّل يعبد صنمًا، والموحّد يعبد ربًّا ليس كمثله شيءٌ، له الأسماء الحسنى والصّفات العلى، وسِع كلَّ شيء رحمةً وعلمًا" (٤).
"لذلك فإنَّ: إثبات صفات الكمال هو أصل التَّوحيد" (٥).
يقول الشَّيخ محمَّد بن عبدالوهَّاب ﵀: "فمَن أنكر الصفات فهو معطّل، والمعطّل شرّ من المشرك؛ ولهذا كان السَّلف يسمّون التَّصانيف في إثبات الصّفات كتب التَّوحيد، وختمَ البخاري صحيحه بذلك؛ قال: كتاب التَّوحيد، ثمَّ ذكر الصفات بابًا بابًا، فنكْتة المسألة أنَّ المتكلمين يقولون: التَّوحيد لا يتم إلاَّ بإنكار الصّفات، فقال أهل السنَّة: لا يتمّ التَّوحيد إلاَّ بإثبات الصفات، وتوحيدكم هو التَّعطيل؛ ولهذا آل هذا القولُ ببعضهم إلى إنكار الرَّبّ -
стр. 275
تبارك وتعالى - كما هو مذهب ابن عربي وابن الفارض وفئام من النَّاس لا يُحصيهم إلاَّ الله" (١).
كما أنه "لا حياةَ للقلوب، ولا نعيم ولا لذَّة، ولا سرور ولا أمان ولا طمأنينة، إلاَّ بأن تعرف ربَّها ومعبودَها وفاطرها، بأسمائه وصفاته وأفعاله، ويكون أحبَّ إليْها ممَّا سواه، ويكون سعيها في ما يقرِّبُها إليه ويدْنيها من مرضاته" (٢).
وتحقيق توحيد الأسماء والصفات يثمر للعبد "من أنواع العبوديَّة الظَّاهرة والباطنة بِحسب معرفته وعلمه، وكذلك معرفته بِجلال الله وعظمته وعزّه تُثْمِر له الخضوع والاستِكانة والمحبَّة، وتثمر له تلك الأحوال الباطنة أنواعًا من العبوديَّة الظاهرة هي موجباتُها، وكذلك علمه بكماله وجَماله وصفاته العلا يوجِب له محبَّة خاصَّة بمنزلة أنواع العبوديَّة، فرجعت العبودية كلها إلى مقتضى الأسماء والصّفات وارتبطتْ بها ارتباط الخلْق بِها، فخلقه -سبحانَه- وأمره هو موجب أسمائه وصفاته في العالم وآثارها ومقتضاها" (٣).
قال ابن القيم ﵀: ومشهد الأسماء والصفات من أجل المشاهد، والمطلع على هذا المشهد يعرف: أن الوجود متعلق خلقاً، وأمراً بالأسماء الحسنى، والصفات العلا، ومرتبط بها، وأن كل ما في العالم بما فيه من بعض آثارها ومقتضياتها، فاسمه الحميد المجيد، يمنع ترك الإنسان سدى مهملاً معطلاً، لا يؤمر، ولا يُنهى، ولا يثاب، ولا يعاقب، وكذلك اسمه (الحكيم) يأبى ذلك، وهكذا فكل اسم من أسمائه له موجبات، وله صفات لا ينبغي تعطيلها عن كمالها، ومقتضياتها، والرب تعالى يحب ذاته، وأوصافه، وأسماءه، فهو عفو يحب العفو (٤).
стр. 276
المبحث الأول ما جاء في البدع المتقابلة في توحيد الأسماء والصفات .
تمهيد:
لما كانت النفوس مجبولة على محبة الله وتعظيمه وعبادته، كانت مفطورة (١) كذلك على أنه أكمل وأجل وأعظم من غيره (٢)، بالإضافة إلى ثبوت معنى الكمال له في نصوص الشرع، وصريح العقل.
وهكذا مضى عصر الصحابة بحمد الله لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال (٣)، بل كلهم على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة، كلمة واحدة من أولهم إلى آخرهم (٤).
ثم اختلف الناس في هذا الباب بعد ائتلاف، وبسقت قرون البدع، ونبتت نوابت فرقة واختلاف، فكانوا طوائف ثلاث:
الأولى: أهل الجفاء ، القائلون: بنفي أسماء الله وصفاته وتعطيلها، وبعضهم أثبت الأسماء ونفى الصفات، وأمثلهم أثبت الأسماء وبعض الصفات، ونفى أو أوّل البعض الآخر، وهم طوائف متفاوتة، نفوا جُلّ أو كلّ ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله ﷺ ، من الصفات بدعوى عدم صحة النصوص، أو بتعطيل المعنى.
الثانية: أهل الغلو ، الذين مالوا إلى ضروب من التمثيل والتشبيه، وهم طوائف ما بين مشبه للمخلوق بالخالق، ومشبِّه للخالق بالمخلوق؛ لأن عقولهم ضلت في فهم نصوص
стр. 277
الصفات، وتوهموا أنها صريحة في التشبيه، فشبهوا ذات الخالق بذات المخلوق، وصفات الخالق بصفات المخلوق.
الثالثة: أهل السنة والجماعة ، الذين سلِموا من ضلالة النفي والتعطيل، ولم يرتكسوا في حمأة التشبيه والتمثيل، وكانوا بين ذلك على هدي قاصد وصراط مستقيم (١).
قال شيخ الإسلام ﵀: " هذه مسألة كبيرة عظيمة القدر، اضطرب فيها خلائق من الأولين والآخرين، من أوائل المائة الثانية من الهجرة النبوية، فأما المائة الأولى فلم يكن بين المسلمين اضطراب في هذا، وإنما نشأ ذلك في أوائل المائة الثانية؛ لمَّا ظهر الجعد بن درهم، وصاحبه الجهم بن صفوان، ومَنِ اتبعهما من المعتزلة وغيرهم على إنكار الصفات، فظهرت مقالة الجهمية النفاة؛ نفاة الصفات ... فلما ظهر هؤلاء الجهمية، أنكر السلف والأئمة مقالتهم وردوها، وقابلوها بما تستحق منَ الإنكار الشرعي، وكانت خفية إلى أن ظهرت وقويت شَوكةُ الجهمية في أواخر المائة الأولى، وأوائل الثانية في دولة أولاد الرشيد، فامتحنوا الناس المحنة المشهورة التي دعوا الناس فيها إلى القول بخلق القرآن، ولوازم ذلك؛ مثل إنكار الرؤية والصفات، بناء على أن القرآن هو من جملة الأعراض، فلو قام بذات الله، لقامت به الأعراض، فيلزم التشبيه والتجسيم.
وحدث مع الجهمية قوم شبهوا الله تعالى بخلقه، فجعلوا صفاته من جنس صفات المخلوقين، فأنكر السلف والأئمة على الجهمية المعطلة، وعلى المشبهة الممثلة" (٢).
وبالجملة فموقف المبتدعة من نصوص الصفات يتسم بالإفراط والتفريط، فكلا الفريقين ضل في باب الصفات، وأعرضوا عن قوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشورى: ١١.
стр. 278
وأسباب انحراف الفرق في توحيد الأسماء والصفات، ترجع إلى سببين رئيسين هما:
١ - خوضهم في تصور كيفية اتصاف الرب بهذه الصفات، مما أوقعهم في التشبيه العقلي بين الخالق والمخلوق، ومن ثم الخوض بالمبالغة في التنزيه أو الإثبات، مما أدى بهم إلى التمثيل والتعطيل.
٢ - الخلل في طريقة الاستدلال، وذلك باعتمادهم على مقدمات وأقيسة عقلية، جعلوها مصدر هداية، وأصلاً يُصار إليه عند الاختلاف، وادَّعوا أن النصوص التي جاءت بها الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- في إثبات الصفات تبعٌ لها (١)؛ لذا فقد صيروا هذه الأصول عمدة لهم في توحيد الله تعالى، فنتج عن التزامهم بها، إنكار صفات الله ، بل تشبيهه بالمعدومات التي تحيلها العقول في التصور الذهني؛ لأن مدار الإثبات والنفي عندهم على ما يزعمونه من العقليات (٢) لا على النقل.
وهؤلاء المبتدعة إنما توهموا هذه اللوازم لما فسدت ألسنتهم وعقولهم، ومن أجل هذا فقد، انقسم الناس إلى طرفين متقابلين، طرف انتهج الغلو والإفراط والزيادة! ! وطرف سلك طريق التقصير والتفريط والنقصان! ؛ لإعراضهم عن هدي المرسلين واتباعهم غير سبيل المؤمنين. وبيان ذلك في المطلبين الآتيين.
стр. 279
المطلب الأول: الانحراف المؤدي إلى التفريط في توحيد الأسماء والصفات .
مذاهب المعطلة النفاة -على اختلاف درجاتهم في التعطيل- في توحيد الأسماء والصفات من حيث العموم، تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: نفي جميع الأسماء والصفات: وهذا قول الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام، سواء كانوا أصحاب فلسفة محضة، أو فلسفة باطنية صوفية، أو فلسفة باطنية رافضية، وهو قول الجهمية.
القسم الثاني: نفي الصفات دون الأسماء: وهذا قول المعتزلة، ومن وافقهم كابن حزم الظاهري، والزيدية، والرافضة، والإباضية.
القسم الثالث: إثبات الأسماء وبعض الصفات ونفي البعض الآخر: وهذا قول الكلابية والأشاعرة والماتريدية (١).
ولم يصلوا إلى هذه المرحلة من التعطيل، إلا بعد أن حرفوا كتاب الله، وألحدوا في دين الله، وقالوا على الله، وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب (٢).
ومن خلال ما سبق يمكننا الوقوف على طرق الانحراف المؤدية إلى التفريط في توحيد الأسماء والصفات ، وهي:
- أولاً: إرادة تنزيه الله عن مماثلة (٣) الخلق:
стр. 280
إن أصل التعطيل ومنشأ التفريط في توحيد الأسماء والصفات، ونفي ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ ؛ هو دعوى نفي التشبيه، "فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات، فجمعوا بين التمثيل والتعطيل، فمثلوا أولاً، وعطلوا آخراً، وهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته، بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم، وتعطيل لما يستحقه هو سبحانه من الأسماء والصفات اللائقة بالله " (١)، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الأنعام: ٩١.
وشبهة أصحاب هذا الاتجاه في نفيهم المحض لأسماء الله وصفاته أو بعضها، قائمة في مجملها على نفي التشبيه (٢)، وقالوا: إننا إذا أثبتنا هذه الأسماء الحسنى، فإننا نكون قد شبهناه بالموجودات، وقال غلاة الغلاة منهم: لا يوصف الله بالنفي ولا الإثبات؛ لأن في كل منهما تشبيها له؛ فرارا -بزعمهم- من تشبيهه بالموجودات إذا أثبتوا، أو تشبيهه بالمعدومات إذا نفوا، فكلا المسلكين قائم على زعم نفي التشبيه (٣)، وهؤلاء كلهم وقعوا من جنس التشبيه فيما هو شرٌّ مما فَرُّوا منه، فإنهم شبهوه بالممتنعاتِ، والمعدومات، والجمادات؛ فراراً من تشبيهه بالأحياء بزعمهم (٤).
وإذا لم يقدروا على النفي أو التعطيل، لجأوا إلى التأويل (٥)،
قال ابن القيم ﵀: " وحقيقة الأمر أن كل طائفة تتأول ما يخالف نحلتها ومذهبها، فالمعيار على ما يُتأول وما لا يُتأول هو المذهب الذي ذهبت إليه والقواعد التي أصلتها، فما وافقها أقروه ولم يتأولوه، وما خالفها فإن أمكنهم دفعه وإلا تأولوه ... ولما أصَّلت الجهمية أن الله لا يتكلم ولا يُكَلِّم أحداً ولا يُرى بالأبصار ولا هو فوق عرشه مبائن لخلقه، ولا له صفة تقوم به؛ أولوا كل ما خالف ما أصلوه ... ولما أصلت الكلابية أن الله سبحانه لا يقوم به ما يتعلق بقدرته ومشيئته، وسموا ذلك حلول الحوادث؛ أولوا كل ما خالف هذا الأصل" (٦).
стр. 281
ومعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا يجوز إطلاقُ النفي على ما أثبته الله تعالى لنفسه من الأسماء الحسنى والصفات العلى؛ بل هذا جحدٌ للخالق وتمثيل له بالمعدومات (١).
قال شيخ الإسلام ﵀: وصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الأموات والجمادات، أو صفات المعدومات، تعطيل لصفات الكمال التي يستحقها الرب تعالى، وتمثيل له بالمنقوصات والمعدومات، وتعطيل للنصوص عما دلت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فيجمع في الله وفي كلام الله بين التعطيل والتمثيل، فيكون ملحداً في أسماء الله وآياته (٢).
وقال ﵀: " فالذي ينفى عنه وينزه عنه: إما أن يكون مناقضاً لما علم من صفاته الكاملة، فهذا ينفى عنه جنسه، كما قال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ البقرة: ٢٥٥، وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ الفرقان: ٥٨، فجنس السنة والنوم والموت ممتنع عليه، لا يجوز أن يقال في شيء من هذا: أنه يجوز عليه كما يليق بشأنه؛ لأن هذا الجنس يوجب نقصاً في كماله. كذلك لا يجوز أن يقال: هو يكون في السفل لا في العلو، وهو سفول يليق بجلاله. فإنه العلي الأعلى لا يكون قط إلا علياً، والسفول نقص هو منزه عنه ...
والنوع الثاني: أنه منزه عن أن يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفاته" (٣).
فغلوهم في التنزيه أوصلهم إلى مشابهة المشركين، ففرطوا في أسمائه وصفاته حتى أدى بهم هذا التفريط إلى سوء الظن بالله وهو من أكبر الذنوب التي يستحق بها العبد غضب الله ولعنته .
стр. 282
- ثانياً: التزامهم لوازم باطلة بنيت على قواعد خاطئة:
منهج المعطلة في الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة النبوية قائم على ردّ النصوص الصحيحة الثابتة، بالطعن في دلالتها أو في ثبوتها (١)،
فما كان من القرآن الكريم أو السنة المتواترة، قالوا: إنه ظني الدلالة، وما كان من السنة الصحيحة قالوا إنه أخبار آحاد، ليس قطعي الثبوت، أما عقلياتهم وأوهامهم، وقواعدهم التي وضعوها فإنها قطعية الدلالة، ولا يقوى القرآن والسنة على معارضتها فوجب تقديمها عليهما -كما زعموا-، وإن وافقت معقولاتهم ذكروها استئناساً بها لا اعتماداً، ولو كانت ضعيفة أو موضوعة باطلة (٢).
ولما اعتمد أهل البدع على كليات عقلية وقواعد منطقية، وقدموها على نصوص الشرع، لزمتهم لوازم باطلة منها:
١ - الاحتكام إلى العقول، وجعلها مقياساً لإثبات صفات الله .
٢ - ردهم لنصوص الشرع؛ لأن من منهج المعطلة ادعاءهم أن نصوص الصفات ونحوها من المتشابه، والمتشابه على زعمهم يجب تأويله، وغرضهم الحقيقي رد النصوص التي لا توافق ما أصلوه من قواعد عقلية، أو تعطيل معانيها، إذا لم يمكنهم ردها بالكلية (٣).
٣ - لما نفى الفلاسفة عموم علم الله تعالى بخلقه وقالوا: إنه يعلم الكليات فحسب، ولا يعلم الجزئيات، لما ظنوا ذلك ارتكبوا محارمه وترك التوكل عليه واستحلوا مخاصمته ومدافعة أمره ونهيه بأهوائهم ومقالاتهم الباطلة .... ومن عجيب أقوال
стр. 283
الشيخ تقي الدين ابن تيمية أنه قال: لا يصح التوكل ولا يتصور من فيلسوف (١)، ولا من القدرية النفاة، القائلين: بأنه يكون في ملكه ما لا يشاء، ولا يستقيم أيضا من الجهمية النفاة لصفات الرب ﷻ ، ولا يستقيم التوكل إلا من أهل الإثبات (٢).
٤ - أنه إذا انتفت صفة الكمال عن الله لزم أن يكون متصفاً بصفات النقص، فإن كل موجود في الخارج لابد له من صفة فإذا انتفت عنه صفات الكمال لزم أن يكون متصفاً بصفات النقص، وبهذا ينعكس الأمر على هؤلاء النفاة ويقعون في شر مما فروا منه (٣).
٥ - القول بأن إثبات العلم والقدرة والإرادة مستلزم لتعدد الصفات، وهذا تركيب ممتنع، وقد انطلقوا من شبهة التركيب (٤)، وعطلوا الله عن صفاته جميعاً.
٦ - أثبتوا لله صفة واحدة وهي القِدم لما كانت أخص وصف لله ، لا يشاركه فيها غيره، من أجل هذا كان العالم بكل ما فيه من أجسام محدثاً (٥)، وذلك أنهم أقاموا دليلهم لإثبات وجود الله على حجة الأعراض وحدوث الأجسام، فقالوا بحدوث الأجسام، لملازمتها للأعراض، أو بعضها، كالحركة والسكون، والاجتماع والافتراق؛ فهي إذاً حادثة، والله ليس بجسم -وقد نقل غير واحد إجماعهم على ذلك- إذاً فهو ليس بحادث، وجوده قديم (٦).
стр. 284
وهم يحاولون إيهام الناس أنهم إنما أرادوا من تعطيل الله عن الاتصاف بصفاته العلا، تنزيهه عن أن يكون جسماً، أو أن تحل به الحوادث (١).
٧ - كما أنهم زعموا أنه إذا أُثبِت لله الأسماء، لزم من ذلك إثبات الصفات، وهي المعاني التي اشتقت منها هذه الأسماء، وهو محال؛ لأن مذهبهم قائم على نفي جميع الصفات الثبوتية، وأن الله لا يوصف إلا بصفة سلبية أو إضافية أو مركبة منهما (٢).
٨ - دعواهم أن وجود الله هو وجودٌ مطلق لا بشرط (٣)، ومرادهم من الشرط هو التقيد باسم أو صفة تجعله متميزاً عن غيره، وإنما حقيقة وجوده هو وجود الأشياء كلها، ووجودها عين وجوده، ما ثمة فرق إلا بالإطلاق والتقييد؛ فيقال: هذا خالق وهذا مخلوق وهذا سماء وهذه أرض، وحقيقة وجود الكل واحدة، فأسماؤه تعطى لك أحد؛ لأن وجوده هو عين وجودها (٤).
٩ - إن الانحراف في مصدر التلقي ومنهج الاستدلال بالنصوص من الكتاب والسنة نتج عنه انحراف عند المعطلة في مفهوم التوحيد الذي جاءت به الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم-، من إفراد الله بالعبادة، إلى الخوض في الجواهر والأعراض وتقرير وجود الله بالأدلة العقلية المعقدة التي لا يفهمها معظم الخواص فضلاً عن العوام، على ما بينهم من اختلاف في تقرير مقدمات الأدلة التي يستدلون بها، وتعطيل الله عن كماله المقدس بنفي أسمائه الحسنى وصفاته العلا.
١٠ - تعطيل الله عن صفاته العلا وأسمائه الحسنى، حتى أدى بهم هذا التفريط، إلى سوء الظن بالله ، وهو من أكبر الذنوب.
стр. 285
١١ - القول بفناء الجنة والنار؛ لأنهم ظنوا أن كل ما تقارنه الحوادث فهو محدث، فمنعوا التسلسل في الماضي والمستقبل حتى لا تتسلسل الحوادث إلى ما لا نهاية (١).
١٢ - الإلحاد والتشكيك في وجود الرب، قال ابن القيم ﵀: " فالجهمية والمعتزلة تزعم أن ذاته لا تُحب ووجهه لا يرى، ولا يلتذ بالنظر إليه ولا تشتاق القلوب إليه فهم في الحقيقة منكرون الإلهية" (٢).
١٣ - أن الجهل بالله والإلحاد في أسمائه وصفاته أصل الكفر والشرك والتعطيل، كما أن الغفلة عن المعرفة بهذا الباب العظيم سبب رئيس في ضعف محبة الله والخوف منه ورجائه في قلوب العباد ومن ثم بعدهم عن سمت العبودية وما يتبع هذا من مظاهر السلوك غير السوي.
١٤ - أن الكتاب والسنة صرحا بالكفر والدعوة إليه؛ لأنهما مملوءان من إثبات صفات الله التي زعم هؤلاء النفاة أن إثباتها تشبيه وكفر.
١٥ - أن الكتاب والسنة لم يبينا الحق؛ لأن الحق عند هؤلاء هو نفي الصفات، وليس في الكتاب ولا في السنة ما يدل على نفي صفات الكمال عن الله لا نصاً ولا ظاهراً.
١٦ - أن السابقين الأولين من المهاجرين، والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان كانوا قائلين بالباطل وكاتمين للحق، أو جاهلين به، فإنه قد تواتر النقل عنهم بإثبات صفات الكمال لله الذي زعم هؤلاء أنه باطل، ولم يتكلموا مرة واحدة بنفي الصفات الذي زعم هؤلاء أنه الحق وهذا اللازم ممتنع على خير القرون وأفضل الأمة.
والذي جلب لهم هذا الخلط والاضطراب: توهمهم أن هناك معارضة بين العقل والنقل ولما كان العقل عندهم مقدساً منزهاً عن الخطأ؛ نفوا وعطلوا وأولوا ما دل عليه النقل