← Акыда

Акыда · id 147315

الآيات القرآنية الواردة في الرد على البدع المتقابلة دراسة عقدية

أحمد بن علي الزاملي

Полный текст (593 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ومعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا يجوز إطلاقُ النفي على ما أثبته الله تعالى لنفسه من الأسماء الحسنى والصفات العلى؛ بل هذا جحدٌ للخالق وتمثيل له بالمعدومات (١). قال شيخ الإسلام ﵀: وصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الأموات والجمادات، أو صفات المعدومات، تعطيل لصفات الكمال التي يستحقها الرب تعالى، وتمثيل له بالمنقوصات والمعدومات، وتعطيل للنصوص عما دلت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فيجمع في الله وفي كلام الله بين التعطيل والتمثيل، فيكون ملحداً في أسماء الله وآياته (٢). وقال ﵀: " فالذي ينفى عنه وينزه عنه: إما أن يكون مناقضاً لما علم من صفاته الكاملة، فهذا ينفى عنه جنسه، كما قال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ البقرة: ٢٥٥، وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ الفرقان: ٥٨، فجنس السنة والنوم والموت ممتنع عليه، لا يجوز أن يقال في شيء من هذا: أنه يجوز عليه كما يليق بشأنه؛ لأن هذا الجنس يوجب نقصاً في كماله. كذلك لا يجوز أن يقال: هو يكون في السفل لا في العلو، وهو سفول يليق بجلاله. فإنه العلي الأعلى لا يكون قط إلا علياً، والسفول نقص هو منزه عنه ... والنوع الثاني: أنه منزه عن أن يماثله شيء من المخلوقات في شيء من صفاته" (٣). فغلوهم في التنزيه أوصلهم إلى مشابهة المشركين، ففرطوا في أسمائه وصفاته حتى أدى بهم هذا التفريط إلى سوء الظن بالله وهو من أكبر الذنوب التي يستحق بها العبد غضب الله ولعنته .

стр. 282

- ثانياً: التزامهم لوازم باطلة بنيت على قواعد خاطئة: منهج المعطلة في الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة النبوية قائم على ردّ النصوص الصحيحة الثابتة، بالطعن في دلالتها أو في ثبوتها (١)، فما كان من القرآن الكريم أو السنة المتواترة، قالوا: إنه ظني الدلالة، وما كان من السنة الصحيحة قالوا إنه أخبار آحاد، ليس قطعي الثبوت، أما عقلياتهم وأوهامهم، وقواعدهم التي وضعوها فإنها قطعية الدلالة، ولا يقوى القرآن والسنة على معارضتها فوجب تقديمها عليهما -كما زعموا-، وإن وافقت معقولاتهم ذكروها استئناساً بها لا اعتماداً، ولو كانت ضعيفة أو موضوعة باطلة (٢). ولما اعتمد أهل البدع على كليات عقلية وقواعد منطقية، وقدموها على نصوص الشرع، لزمتهم لوازم باطلة منها: ١ - الاحتكام إلى العقول، وجعلها مقياساً لإثبات صفات الله . ٢ - ردهم لنصوص الشرع؛ لأن من منهج المعطلة ادعاءهم أن نصوص الصفات ونحوها من المتشابه، والمتشابه على زعمهم يجب تأويله، وغرضهم الحقيقي رد النصوص التي لا توافق ما أصلوه من قواعد عقلية، أو تعطيل معانيها، إذا لم يمكنهم ردها بالكلية (٣). ٣ - لما نفى الفلاسفة عموم علم الله تعالى بخلقه وقالوا: إنه يعلم الكليات فحسب، ولا يعلم الجزئيات، لما ظنوا ذلك ارتكبوا محارمه وترك التوكل عليه واستحلوا مخاصمته ومدافعة أمره ونهيه بأهوائهم ومقالاتهم الباطلة .... ومن عجيب أقوال

стр. 283

الشيخ تقي الدين ابن تيمية أنه قال: لا يصح التوكل ولا يتصور من فيلسوف (١)، ولا من القدرية النفاة، القائلين: بأنه يكون في ملكه ما لا يشاء، ولا يستقيم أيضا من الجهمية النفاة لصفات الرب ﷻ ، ولا يستقيم التوكل إلا من أهل الإثبات (٢). ٤ - أنه إذا انتفت صفة الكمال عن الله لزم أن يكون متصفاً بصفات النقص، فإن كل موجود في الخارج لابد له من صفة فإذا انتفت عنه صفات الكمال لزم أن يكون متصفاً بصفات النقص، وبهذا ينعكس الأمر على هؤلاء النفاة ويقعون في شر مما فروا منه (٣). ٥ - القول بأن إثبات العلم والقدرة والإرادة مستلزم لتعدد الصفات، وهذا تركيب ممتنع، وقد انطلقوا من شبهة التركيب (٤)، وعطلوا الله عن صفاته جميعاً. ٦ - أثبتوا لله صفة واحدة وهي القِدم لما كانت أخص وصف لله ، لا يشاركه فيها غيره، من أجل هذا كان العالم بكل ما فيه من أجسام محدثاً (٥)، وذلك أنهم أقاموا دليلهم لإثبات وجود الله على حجة الأعراض وحدوث الأجسام، فقالوا بحدوث الأجسام، لملازمتها للأعراض، أو بعضها، كالحركة والسكون، والاجتماع والافتراق؛ فهي إذاً حادثة، والله ليس بجسم -وقد نقل غير واحد إجماعهم على ذلك- إذاً فهو ليس بحادث، وجوده قديم (٦).

стр. 284

وهم يحاولون إيهام الناس أنهم إنما أرادوا من تعطيل الله عن الاتصاف بصفاته العلا، تنزيهه عن أن يكون جسماً، أو أن تحل به الحوادث (١). ٧ - كما أنهم زعموا أنه إذا أُثبِت لله الأسماء، لزم من ذلك إثبات الصفات، وهي المعاني التي اشتقت منها هذه الأسماء، وهو محال؛ لأن مذهبهم قائم على نفي جميع الصفات الثبوتية، وأن الله لا يوصف إلا بصفة سلبية أو إضافية أو مركبة منهما (٢). ٨ - دعواهم أن وجود الله هو وجودٌ مطلق لا بشرط (٣)، ومرادهم من الشرط هو التقيد باسم أو صفة تجعله متميزاً عن غيره، وإنما حقيقة وجوده هو وجود الأشياء كلها، ووجودها عين وجوده، ما ثمة فرق إلا بالإطلاق والتقييد؛ فيقال: هذا خالق وهذا مخلوق وهذا سماء وهذه أرض، وحقيقة وجود الكل واحدة، فأسماؤه تعطى لك أحد؛ لأن وجوده هو عين وجودها (٤). ٩ - إن الانحراف في مصدر التلقي ومنهج الاستدلال بالنصوص من الكتاب والسنة نتج عنه انحراف عند المعطلة في مفهوم التوحيد الذي جاءت به الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم-، من إفراد الله بالعبادة، إلى الخوض في الجواهر والأعراض وتقرير وجود الله بالأدلة العقلية المعقدة التي لا يفهمها معظم الخواص فضلاً عن العوام، على ما بينهم من اختلاف في تقرير مقدمات الأدلة التي يستدلون بها، وتعطيل الله عن كماله المقدس بنفي أسمائه الحسنى وصفاته العلا. ١٠ - تعطيل الله عن صفاته العلا وأسمائه الحسنى، حتى أدى بهم هذا التفريط، إلى سوء الظن بالله ، وهو من أكبر الذنوب.

стр. 285

١١ - القول بفناء الجنة والنار؛ لأنهم ظنوا أن كل ما تقارنه الحوادث فهو محدث، فمنعوا التسلسل في الماضي والمستقبل حتى لا تتسلسل الحوادث إلى ما لا نهاية (١). ١٢ - الإلحاد والتشكيك في وجود الرب، قال ابن القيم ﵀: " فالجهمية والمعتزلة تزعم أن ذاته لا تُحب ووجهه لا يرى، ولا يلتذ بالنظر إليه ولا تشتاق القلوب إليه فهم في الحقيقة منكرون الإلهية" (٢). ١٣ - أن الجهل بالله والإلحاد في أسمائه وصفاته أصل الكفر والشرك والتعطيل، كما أن الغفلة عن المعرفة بهذا الباب العظيم سبب رئيس في ضعف محبة الله والخوف منه ورجائه في قلوب العباد ومن ثم بعدهم عن سمت العبودية وما يتبع هذا من مظاهر السلوك غير السوي. ١٤ - أن الكتاب والسنة صرحا بالكفر والدعوة إليه؛ لأنهما مملوءان من إثبات صفات الله التي زعم هؤلاء النفاة أن إثباتها تشبيه وكفر. ١٥ - أن الكتاب والسنة لم يبينا الحق؛ لأن الحق عند هؤلاء هو نفي الصفات، وليس في الكتاب ولا في السنة ما يدل على نفي صفات الكمال عن الله لا نصاً ولا ظاهراً. ١٦ - أن السابقين الأولين من المهاجرين، والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان كانوا قائلين بالباطل وكاتمين للحق، أو جاهلين به، فإنه قد تواتر النقل عنهم بإثبات صفات الكمال لله الذي زعم هؤلاء أنه باطل، ولم يتكلموا مرة واحدة بنفي الصفات الذي زعم هؤلاء أنه الحق وهذا اللازم ممتنع على خير القرون وأفضل الأمة. والذي جلب لهم هذا الخلط والاضطراب: توهمهم أن هناك معارضة بين العقل والنقل ولما كان العقل عندهم مقدساً منزهاً عن الخطأ؛ نفوا وعطلوا وأولوا ما دل عليه النقل

стр. 286

من أسماء الله تعالى وصفاته، وركنوا إلى قواعدهم العقلية وأصولهم الفلسفية، وجعلوها عمدة في ردّ ما ورد به الشرع بدعوى معارضته لها (١). وهكذا نلحظ أن كثيراً من انحراف هؤلاء، إنما هو نتيجة التزامهم بما اعتمدوه من كليات عقلية وقواعد منطقية، أدت بهم إلى التفريط في باب أسماء الله وصفاته، والحقيقة أنهم إنما توهموا هذه اللوازم لمَّا فسدت ألسنتهم وعقولهم، فوقعوا في الفرقة والضلال، والشك والريبة والوبال، وصاروا كالذين وصفهم الله -بعد هذه الآية أيضاً_ بقوله: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤)﴾ الشورى: ١٤، فنعوذ بالله من الخذلان (٢). - ثالثاً: القياس الفاسد (٣) في العقليات، والتأويل الفاسد في السمعيات: القياس الفاسد لا ينضبط كما أن التأويل الفاسد ليس له قانون مستقيم. وذلك أن كلا منهما غير مرتكز على نقل صحيح أو عقل صريح. والتأويل الخطأ يكون في النصوص المتشابهة؟ وذلك كألفاظ نصوص صفات الله وألفاظ نصوص صفات المخلوقين قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ المائدة: ٥٤، وقال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ طه: ٥، وقال: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ المؤمنون: ٢٨، فتأولت المبتدعة مدلول نصوص صفات الله لما بين النصوص من التشابه. والقياس الخطأ يكون في المعاني المتشابهة حيث أن كلا من المقيس والمقيس عليه له نصيب من المعنى الكلي المشترك (٤)، فـ"ما من شيئين إلا ويجتمعان في شيء، ويفترقان في شيء، فبينهما اشتباه من وجه وافتراق من وجه، ولهذا كان ضلال بني آدم من قبل التشابه، كما قال الإمام أحمد ﵀: أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس، فالتأويل في

стр. 287

الأدلة السمعية، والقياس في الأدلة العقلية، وهو كما قال، والتأويل الخطأ إنما يكون في الألفاظ المتشابهة، والقياس الخطأ إنما يكون في المعاني المتشابهة" (١). ووجه خطئهم من جهة التأويل تلاعبهم بالنصوص، وإساءة الظن بها، ونسبة قائلها إلى التكلم بما ظاهره الضلال والإضلال، وليس لهم على ذلك حجة من كتاب ولا سنة، بل العمدة عندهم نحاتة الأفكار، وزبالة الأذهان. ووجه خطئهم من جهة القياس (٢) أنهم أتوا بألفاظ مجملة ليست في الكتاب ولا في السنة مثل متحيز ومحدود، وجسم ومركب، ونحو ذلك وجعلوا منها مقدمات مسلما بها عندهم ومدلولا عليها بنوع قياس، وذلك القياس أوقعهم فيه مسلك سلكوه في إثبات حدوث العالم بحدوث الأعراض؟ أو إثبات إمكان الجسم بالتركيب من الأجزاء، فوجب طرد الدليل بالحدوث والإمكان لكل ما شمله هذا الدليل (٣). وقد ذكر الإمام ابن القيم ﵀ خطر قياس الخالق سبحانه على المخلوق في الشفاعة وغيرها قال: "وبهذا القياس الفاسد عبدت الأصنام، واتخذ المشركون من دون الله الشفيع والوليّ" (٤). وإنما يستجيز القول بالباطل والقياس الفاسد من أعماه التقليد لأهل البدع وأصمه، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ الحج: ٤٦. من أجل هذا بنى الدهريون والمشركون ومعطلة الصفات وسائر أهل الضلال، مذاهبهم على القياس الفاسد (٥)، فضلوا عن سواء السبيل، وما أنكروا ما أنكروه؛ إلا لجهلهم به، وكونه لا تدركه عقولهم؛ لأنهم لا يؤمنون بالغيب.

стр. 288

فمبنى التفكير على قياس الغائب عندهم، هو أن يقاس على الشاهد، وإيجاد العلاقة بين النظير ونظيره، والله ليس له ند ولا مثيل ولا مسام ولا نظير حتى يقاس عليه، أو توجد بينه وبينه علاقة، تؤدي إلى إدراك كنهه وحقيقته، وهذا لا يقدح في الإيمان بمعاني ما أخبرت به النصوص الشرعية في حق الله (١). والحقيقة أن الله ليس له شبيه ولا نظير، فالتفكير الذي مبناه على القياس ممتنع في حقه، وإنما هو معلوم بالفطرة، فيذكره العبد، وبالذكر، وبما أخبر به عن نفسه، يحصل للعبد من العلم به أمور عظيمة؛ لا تنال بمجرد التفكير والتقدير؛ أعني من العلم به نفسه؛ فإنه الذي لا تفكير فيه (٢). وهذا " القياس هو الذي اعترف أهل النار في النار ببطلانه حيث قالوا: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧)﴾ الشعراء: ٩٧، ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ الشعراء: ٩٨، وذم الله أهله بقوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ الأنعام: ١، أي: يقيسونه على غيره ويسوون بينه وبين غيره في الإلهية والعبودية، وكل بدعة ومقالة فاسدة في أديان الرسل فأصلها من القياس الفاسد" (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، في ذكر سبب ضلال أهل البدع في باب الأسماء والصفات: " هؤلاء الجهال يمثلون في ابتداء فهمهم صفات الخالق بصفات المخلوق، ثم ينفون ذلك ويعطلونه، فلا يفهمون من ذلك إلا ما يختص بالمخلوق، وينفون مضمون ذلك، ويكونون قد جحدوا ما يستحقه الرب من خصائصه وصفاته، وألحدوا في أسماء الله وآياته، وخرجوا عن القياس العقلي، والنص الشرعي، فلا يبقى بأيديهم لا معقول صريح، ولا منقول صحيح" (٤). وبالجملة فإن القياس الفاسد أصل كل شر، وهذا باب واسع.

стр. 289

المطلب الثاني: الانحراف المؤدي إلى الإفراط في توحيد الأسماء والصفات . من جملة المخالفين لأهل السنة والجماعة في هذا الباب من غير المعطلة: مبتدعة الصوفية والرافضة وغيرهما، فمخالفتهم لا تتعلق بإثبات الأسماء والصفات أو نفيها كما هو الشأن مع المعطلة، بل مخالفتهم من جهة التسوية بين الله وبين المخلوقين، والكمال المختص بالله ليس لغيره فيه نصيب، فادعاؤه منازعة للربوبية المتضمنة للأسماء والصفات وفرية على الله . ومن أجل هذا فإن الانحراف المؤدي إلى الإفراط في توحيد الأسماء والصفات، يأتي من طريقتين، وهما: - أولاً: إرادة تنزيه الله عن النقص . إن دعوى تنزيه الله عن النقص في ربوبيته أو عبادته قد ادعاها قوم من الكفار ممن جعلوا لله شركاء أو شفعاء ووسطاء، تنزيها له -بزعمهم- عن أن يعبدوه مباشرة، ولكنهم وقعوا في أعظم الشرك والكفران، فكما ادَّعى أولئك المشركون التنزيه في عبادة الله فضلوا، ادعى المتجهمة التنزيه في صفاته فضلوا (١)، كما ادعى المتصوفة تنزيه الله من العدم فبالغوا في الإثبات حتى قالوا بوحدة الوجود، والاتحاد والحلول (٢)، فأضفوا على المخلوق صفات الكمال التي لا تصلح إلا لله (٣)، وجعلوا الله مخالطاً للقاذورات والأوساخ تعالى الله عن جهلهم وغلوهم، وهنا يقعون فيما فروا منه وهو التشبيه، ففرطوا غاية التفريط في الله وأسمائه وصفاته وأفعاله ودينه، وغلوا في رجالهم وشيوخهم فأثبتوا لهم النفع والضر والسعادة والشقاء فيتمسحون

стр. 290

بالقبور والأضرحة فما ذاك إلا للجمع بين المتناقضات والمتضادات، التي وقعوا فيها لابتعادهم عن المنهج السوي والنور القوي قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ مريم: ٧٥ (١). والحقيقة أن الذي وقع فيه أهل الحلول والاتحاد وأصحاب القول بوحدة الوجود، هو الجمع بين، التعطيل المحض، وتشبيه الخالق بالمخلوق. وقد بين شيخ الإسلام ﵀ أن هناك من وقع في نوعي التمثيل (٢)، فقال: "إن الجهمية النفاة يشبهون الخالق تعالى بالمخلوق في صفات النقص، كما ذكر الله تعالى عن اليهود أنهم وصفوه بالنقائص وكذلك الجهمية النفاة إذ قالوا: هو في نفسه لا يتكلم ولا يحب ونحو ذلك من نفيهم. والحلولية يشبهون المخلوق بالخالق، فيصفونه بصفات الكمال التي لا تصلح إلا لله، كما فعلت النصارى في المسيح، ومن جمع بين النفي والحلول، كحلولية الجهمية ... فهم يصفون المخلوق بكل ما يوصف به الخالق، ويصفون الخالق بكل ما يوصف به المخلوق، فإن الوحدة والاتحاد والحلول العام يقتضي ذلك" (٣). - ثانياً: القياس الفاسد في العقليات، والتأويل الفاسد في السمعيات: سبق بيان أن المعطلة طلبوا تنزيه الله فردوا النصوص أو حرفوها، وعبدوا إلها لا يعرفون له صفة إلا أنه حي موجود، اعتماداً على مقررات عقولهم ومناطقهم، وهي لا تنفرد بتقرير المغيبات؛ إذ المعول فيها على السمعيات من الكتاب والسنة. وقدموا المنهج العقلي على الأحكام الشرعية، فعملوا ما هو عندهم حسناً، وتركوا ما اعتقدوه قبيحاً، ولو كان ثابتاً العمل به عند المسلمين من أصل شرعهم، فارتكبوا المحرمات، وعللوا فعلهم لها بالتأويل والمجاز. أما المشبهة فقد وصفوا الله تعالى بصفات النقص والتشبيه والتمثيل، فعبدوا ربا كالبشر في حقيقته، فهو محتاج لمخلوقاته كالعرش والسرير الذي يجلس عليه المخلوق، والجمل الذي يركبه يوم عرفة تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.

стр. 291

كما أنهم شبهوا المخلوق بالخالق، ودعواهم أن الإنسان "هو خليفة الله، استخلفه؛ بأن جعل فيه من أسمائه وصفاته ما ضاهى به الحضرة الإلهية، وهؤلاء طائفتان: طائفة تثبت الرب وراء العالم، وتجعل الإنسان خليفة لله. وطائفة أخرى لا تثبت للرب وجوداً غير العالم، بل يجعلونه هو وجود العالم، ويجعلون الإنسان نسخة ذلك الوجود ومختصره، فهو الخليفة الجامع فيه" (١). قال ابن القيم ﵀: "حقيقة الشرك هو: ١ ـ التشبه بالخالق. ٢ ـ التشبيه للمخلوق به، هذا هو التشبيه في الحقيقة" (٢). وإذا كان التشبيه هو حقيقة الشرك كما ذكر ابن القيم ﵀، فإن التشبيه يقع في أقسام التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية (٣)،

стр. 292

وتوحيد الألوهية (١)، وتوحيد الأسماء والصفات (٢). وهذا الخلل في توحيد الأسماء والصفات قادهم إلى الخلل في التطبيق أيضاً، وكتب الفرق والتاريخ مليئة بمثل هذا، وحقيقة الأمر، "إذا تأمل اللبيب الفاضل هذه الأمور، تبين له أن مذهب السلف والأئمة في غاية الاستقامة والسداد، والصحة والاطراد، وأنه مقتضى المعقول الصريح والمنقول الصحيح، وأن من خالفه، كان مع تناقض قوله المختلف -الذي يؤفك عنه

стр. 293

من أفك- خارجاً عن موجب العقل والسمع، مخالفاً للفطرة والسمع" (١)، "وبسبب هذه البدع وأمثالها من المنكرات المخالفة لدين الإسلام: سلط الله أعداء الدين؛ فإن الله يقول: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ الحج: ٤٠ - ٤١، وأي معروف أعظم من الإيمان بالله وأسمائه وآياته؟ ! وأي منكر أعظم من الإلحاد في أسماء الله وآياته؟ ! " (٢). لذلك فقد تفرد منهج أهل السنة بأنه وسط بين هذه البدع المتقابلة.

стр. 294

المبحث الثاني الآيات الرادة على البدع المتقابلة في توحيد الأسماء والصفات . المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بتوحيد الأسماء والصفات . إن المتأمل في كتاب الله ﵎ وما جاء فيه من دعوات الرسل، وما أنزل عليهم من الكتب: ليخرج بحقيقة واحدة، أطبق عليها جميع الرسل، وأنزلت بها جميع الكتب السماوية، هذه الحقيقة هي: الدعوة إلى توحيد الله، وعبادته دون سواه، فهي أساس الرسالات وعمودها الفقري، وهي القاسم المشترك بينها؛ وإن اختلفت بعد ذلك الشرائع والمناهج (١). بيد أنه لا بد أن يتصف الله المعبود ، بصفات الكمال وأسماء الحسن والجلال؛ لأن مدار الإيمان بالله ، على توحيد الأسماء والصفات؛ ولأن الإيمان بالله لا يتحقَّق إلاَّ بالإيمان بأسمائه وصفاته (٢)، لذا لا نكاد نجد آية من الآيات المشتملة على ما يتوهم منه صفة المخلوقين إلا وهي مقرونة بما يشعر بالتنزيه أو تفسير المراد به إما متقدماً أو متأخراً (٣)، وقد أفرط أصحاب البدع في توحيد الأسماء والصفات فجعلوها لله ولغيره، لذا تعددت طرق القرآن العظيم في بيان فساد سلوك المخالفين والتحذير منها، وفيما يلي بعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة في توحيد الأسماء والصفات:

стр. 295

الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشورى: ١١ ، هذه الآية من الآيات الواضحة في هذا الباب، وهي تردُ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي: - أولاً: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط . دل قوله جل وعلا: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشورى: ١١، على إثبات: ذاتٍ موجودة ثابتة لله، كما دلت على أنه سبحانه (شيء)، وعلى إثبات أسماء الله، وعلى إثبات أفعال الله، وعلى إثبات صفات الله بنوعيها (الصفات الذاتية، والصفات الفعلية)، وبيان ذلك فيما يلي: ١ - إثبات ذات موجودة لله، وهذا ما دلت عليه الآية كلها، وهو مما يعلم بالضرورة القاطعة المستغنية عن ذكر وجوه الاستنباط، فالكلام في هذه الآية إنما هو عن الله، مما يعلم معه أنه موجود، وأنه شيء، كما أن الله قد نفى المثل عن نفسه فيها، فقال: ﴿ليس كمثله شيء﴾، إذ فكيف يُنفى المثل عما ليس بشيء؟ ! . ٢ - أن هذه الآية قد دلت على إثبات أسماء الله، حيث تضمنت ذكر اسمين من أسماء الله الحسنى، وهما: السميع، والبصير. ٣ - أنها قد دلت على إثبات الصفات الذاتية لله، حيث جاء فيها إثبات صفة السمع لله (والتي تضمنها اسم السميع)، وصفة البصر (والتي تضمنها اسم البصير)؛ لأنه من المقرر أن كل اسم لله فإنه يتضمن الدلالة على الذات، وعلى صفة أو عدة صفات (١)، "فإن صدق المشتق مستلزم لصدق المشتق منه، وذلك يقتضي قيام الصفات به" (٢). ٤ - كما دلت الآية أيضاً على إثبات الصفات الفعلية له تعالى، وذلك فيما تضمنه فعل (الفطر)، و (الجعل)، و (الذرء) (٣)، فإضافة هذه الأفعال إلى الله يدل على قيامها به،

стр. 296

وعلى اتصافه بما تضمنته تلك الأفعال من صفات، هذا سوى ما دلت عليه صفتا السمع والبصر من سماعه تعالى للأصوات الحادثة، وإبصاره للمخلوقات الحادثة (١). ٥ - اتفق سلف الأمة وأئمتها: أن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وقال من قال من الأئمة، من شبه الله بخلقه فقد كفر، فكيف من جعله عين المخلوقات، وجعله نفس الأجسام المصنوعات؟ فتعالى الله عن ذلك علوا كبيراً (٢). فصارت هذه الآية بعينها مبطلة لأقوال جميع طوائف المعطلة. - ثانياً: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط . كما أن هذه الآية أيضاً قد تضمنت الرد على بدعة الإفراط، فقد استظهر بعض أهل العلم معنى لطيفاً في ختم هذه الآية بالاسمين الكريمين (السميع) و (البصير)، ألا وهو: أن السمع والبصر -من حيث هما سمع وبصر- صفتان يتصف بهما جميع الحيوانات، فجاءت هذه الآية مبينة أن الله متصف بالسمع والبصر، ولكن وصفه بهما على أساس نفي المماثلة بين اتصافه تعالى بهما وبين اتصاف الخلق بهما، فكأنها إشارة للخلق ألا ينفوا عن الله صفة سمعه وبصره بدعوى: " أن الحوادث تسمع وتبصر، وأن ذلك من التشبيه"، بل عليهم أن يثبتوا له صفة سمعه وبصره على أساس: ﴿ ... ليس كمثله شيء﴾، فالله له صفات لائقة بكماله وجلاله، والمخلوقات لهم صفات مناسبة لحالهم (٣). فتبين بهذا أن هذه الآية الكريمة العظيمة قد دلت على إثبات جميع الصفات لله، مع تنزيهه عن كل نقص أو مثيل، وأنها قد قطعت علائق أهل البدع والإلحاد على اختلاف طوائفهم وتنوع مشاربهم في تعلقهم بها على قولهم الباطل، وتمويههم بها على الغمر الجاهل، وأنها تنقلب على جميع الفرق المخالفة، من ممثلة ومعطلة.

стр. 297

- ثالثاً: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان . المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو: خطؤهم في قياسهم صفات الخالق على صفات المخلوق، بجعلهم مسألة القدر المشترك في الصفات، مستلزمة للتمثيل (١). ومنشأ الغلط هذا انبنى عليه عند أهل الأهواء والبدع الخوض في التعطيل والتشبيه، بمحض عقولهم، وجعلها هي الحاكمة القاضية فيما يؤخذ وما لا يؤخذ من أسماء الله وصفاته، فمنهم من رأى أن النصوص الشرعية تقتضي التشبيه، ومنهم من أراد تنزيه الله عن مماثلة خلقه فعطل النصوص. - رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد . أهل السنة والجماعة هم الطائفة الوحيدة التي عملت بمقتضى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾، إذ كل طائفة عداها إنما عملت بشطر من هذه الآية وضيعت الشطر الآخر. فالمشبهة: أحسنوا إذ أثبتوا فلم ينفوا الصفات، وأساؤوا إذ شبهوا ومثلوا. والنفاة: أحسنوا إذ نزهوا الله عن مشابهة خلقه، وأساؤوا إذ نفوا عن الله ما أثبته لنفسه. وأهل السنة والجماعة جمعوا بين الحسنيين وسلموا من الإساءتين، فالإحسان الذي عند الطرفين عندهم، وليس عندهم ما عند كل من الإساءة، وذلك أنهم يثبتون لله ما أثبته لنفسه من الصفات، وينفون عنه مماثلة المخلوقات، يثبتون له صفات الكمال، وينفون عنه ضروب الأمثال، ينزهونه عن النقص والتعطيل، وعن التشبيه والتمثيل، إثبات بلا تشبيه، وتنزيه بلا تعطيل (٢)، فمذهبهم إذاً بين التمثيل والتعطيل، دائر على الإثبات والتنزيه، فمثل هذا المذهب الحق بالنسبة إلى الطرفين المتقابلين كاللبن الخالص السائغ للشاربين الذي يخرج من بين فرث ودم (٣).

стр. 298

لذا فهذه الآية شاهدة على طريقة أهل السنة ومنهجهم العام في باب الصفات، وذلك من جهة الجمع بين النفي والإثبات، فإن "الجمع بين النفي والإثبات في باب الصفات هو حقيقة التوحيد فيه؛ وذلك لأن التوحيد مصدر: وحَّد يوحِّد، ولا يمكن صدق حقيقته إلا بنفي وإثبات؛ لأن الاقتصار على النفي المحض تعطيل محض، والاقتصار على الإثبات المحض لا يمنع المشاركة" (١). "فأهل السنة والجماعة في الإسلام؛ كأهل الإسلام في أهل الملل، فهم وسط في باب صفات الله بين أهل الجحد والتعطيل، وبين أهل التشبيه والتمثيل، يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسُله، من غير تعطيل، ولا تمثيل، إثباتاً لصفات الكمال، وتنزيهاً له عن أن يكون فيها أندادٌ وأمثال، إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ردٌّ على الممثلة، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ رد على المعطلة" (٢).

стр. 299

الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ الأنعام: ٥٩، هذه الآية تردُ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي: - أولاً: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط . في هذه الآية الكريمة ردٌ على بطلان كل مذهب أنكر ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات إنكارا كليا أو جزئيا تصريحا أو ضمنيا، كمذهب الجهمية والمعتزلة الغلاة والقدرية نفاة العلم والفلاسفة الذين أنكروا علم الله بالجزئيات، - وقالوا: إنه لا يعلم الأشياء على وجه كلي ثابت، وحقيقة قولهم أنه لا يعلم شيئا -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً-، فإن كل ما في الخارج هو جزئي (١) -، وقد أثبت الله تعالى علمه بالجزئيات فأثبت علمه بالحبة والورقة التي تسقط قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾. قال الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-: "ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خصموا وإن أنكروا كفروا" (٢)؛ لأن الله تعالى موصوف بأنه بكل شيء عليم أزلاً وأبداً (٣)، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ الأنفال: ٧٥، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ الأحزاب: ٤٠، ولم يتقدم علمه بالأشياء جهالة ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾ مريم: ٦٤، لذلك فإن الإيمان بما وصف الله تعالى به نفسه لا يمكن أن يؤخذ إلا من الكتاب أو السنة.

стр. 300

- ثانياً: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط . كما أن فيها رداً على بطلان مذاهب ممثلة الصفات، كالغلاة الصوفية والرافضة وغيرهم، ممن بالغوا في إثبات الصفات حتى أشركوا في كمالها المقدس غير الله فزعموا أن أئمتهم وسادتهم يعلمون الغيب وغير ذلك من صفات الربوبية، فسووا الخالق بالمخلوق على وجه المماثلة، فرد الله عليهم بقوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾، ونفى عن غيره علم الغيب، وأنه سبحانه المتفرد بذلك. - ثالثاً: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان . المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو: خطؤهم في باب القدر؛ لأنهم أرادوا أن ينزهوا الله بعقولهم، ولم ينزهوه كما نزه نفسه. فسلك المعطلة منهم إلى جعل الله تعالى معزولاً عن تدبير الكون وتصريفه حتى لا يشغل نفسه بهذا الناقص؛ وذلك لأن الجزئيات تحتوي على بلاء وشر؛ كالقتل والنهب وغيرها، فيقولون: لو قلنا: إن الله يعلمها، لما نزهنا الله! وهذا من الجهل بالله ، فإنهم أرادوا أن ينزهوا الله بعقولهم، ولم ينزهوه كما نزه نفسه. فقالوا: إن الله تعالى لا يعلم الجزئيات، وذلك حتى لا يعلم الشر؛ لأنه لو علم بالشر فسيكون قد قدره، والشر والقبيح موجود في العالم، إذاً لا بد أن ننزه الله عنه، وبذلك وصفوا الله تعالى بالجهل حتى ينزهوه! (١). أما المشبهة فقد أوقعهم مذهبهم الفاسد في باب القدر في التشبيه المذموم، إذ شبهوا الله بخلقه فيما يتعلق بأفعاله ، ولهذا اعتبرهم السلف الصالح بمشبهة الأفعال (٢). فقاسوا الرب على خلقه، فقيل: ما حسن من المخلوق حسن من الخالق وما قبح من المخلوق قبح من الخالق، مما ترتب على ذلك أن قاسوا الظلم الذي حرمه الله وتنزه عن فعله وإرادته بأنه هو نظير الظلم من الآدميين بعضهم لبعض (٣)، وتشبيه الخالق بالمخلوق

стр. 301

والمخلوق بالخالق في الأفعال، قول باطل كما أن تمثيل الخالق بالمخلوق والمخلوق بالخالق في الصفات باطل (١). قال الإمام الطحاوي ﵀: "وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسةً" (٢)، وهكذا فكل من أراد أن ينزه الله تعالى من غير طريق الكتاب والسنة، فإنه ينسب إليه النقص والعيب الذي لا يليق بالمخلوق، فإنه لو قيل عن المخلوق: إنه يجهل ما لا ينبغي لمثله أن يجهله؛ لكان ذلك عيباً ونقصاً، فكيف يقال ذلك في حق الله ؟ ! . - رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد . أتت هذه الآية الكريمة للدلالة على أن المذهب الحق ليس ما ذهب إليه أصحاب التعطيل والتمثيل، بل هو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، "فعقيدة أهل السنة أصح مباني وأوضح معاني، وحسبك أنها جامعة لمحاسن العقائد" (٣)؛ فأهل السنة نزهوه عن التعطيل والتمثيل وأثبتوا له ما أثبته لنفسه من صفات الكمال ونزهوه فيها عن الشبه والمثال فأثبتوا له المثل الأعلى ولم يضربوا له الأمثال فكانوا أسعد الطوائف بمعرفته وأحقهم بالإيمان به وبولايته ومحبته وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (٤).

стр. 302

الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)﴾ مريم: ٤٢ ، في هذه الآية ردٌ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي: - أولاً: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط . في هذه الآية ردٌ على المعطلة لصفات الله ، عند قول إبراهيم ﵇ لأبيه: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)﴾، لدلالتها على أن فاقد صفات الكمال لا يكون إلهاً ولا مدبراً ولا رباً، بل هو مذموم معيب ناقص. قال ابن القيم ﵀: " فلو كان إله إبراهيم بهذه الصفة والمثابة لقال له آزر وأنت إلهك بهذه المثابة فكيف تنكر علي لكن كان مع شركه أعرف بالله من الجهمية وكذلك كفار قريش كانوا مع شركهم مقرين بصفات الصانع سبحانه وعلوه على خلقه" (١). وهذه الصفات المنفية ﴿لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي﴾ هي الصفات التي أقرها النفاة المعطلة، ونسبوها إلى الله تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا-، فأتى ذمها في هذه الآية، بأنها -أي آلهة المشركين- مسلوبة أوصاف الكمال، للدلالة على بطلان مذهب المعطلة النفاة، فلو كان الله بهذه الأوصاف لما أنكرها إبراهيم ﵇، واستدلال على بطلان الإلهية بذلك. - ثانياً: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط . كما أن في قوله تعالى: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ﴾: استفهام استنكاري، للردِ على بطلان مذهب ممثلة الصفات، الذين صرفوا صفات الله لغيره، فتعلقوا بهم من دون الله، وتوجهوا إليهم بأنواع من العبادة، وبالغوا في تقديسهم، فأتت هذه الآية للرد على أن المتصف بصفات الكمال والجلال هو المستحق لأن تصرف له هذه العبادة، وأصل عبادته : معرفته بما وصف به نفسه في كتابه وما وصفه به رسله؛ وأن كل ما دون الله ناقص لا يستحق أن تصرف له العبادة، كما في قوله: ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)﴾. وهكذا نجد أن الممثلة وصفوا المخلوقين بصفات الخالق، فجعلوهم شركاء لله في صفاته ، لذلك صرفت لهم العبادة والتعظيم، لاتصافهم بصفات الخالق زورا وبهتاناً، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ

стр. 303

بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠)﴾ لقمان: ٣٠، وقال: ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)﴾. من أجل هذا أتت هذه الآية للدلالة على بطلان ما اعتقده الممثلة في أوليائهم وأئمتهم وكبرائهم، بأنه لا يستحق العبادة والتعظيم إلا المتصف بصفات الكمال والجلال وهو الله ، وصرف العبادة والتعظيم لغير الله شرك وكفر. - ثالثاً: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان . المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو: خطؤهم في تعظيم الله ؛ لأن أصل الدين, مبني على تعظيم الله, وتعظيم دينه ورسله، لكنهم ضلوا حينما أرادوا أن يعظموا الله بعقولهم، ولم يعظموه كما أمرهم . فأقام المعطلة معتقدهم على: امتناع قيام الصفات بالله تعالى تعظيما له؛ لاعتقادهم أن الصفات أعراض (١)، وأن قيام العرض به يقتضي حدوثه (٢)، وأن كل ما كان غير الله، فهو مخلوق؛ وأرادوا من ذلك التنزيه والتعظيم! ! ، فقالوا حينئذ: إن القرآن مخلوق، وإنه ليس لله مشيئة قائمة به، ولا حب ولا بغض ولا سمع ولا بصر ولا غير ذلك من الصفات، بل قالوا: إن أسماء الله تعالى مخلوقه؛ بناء على قولهم: إن الاسم غير المسمى، وكل ما كان غير الله، فهو مخلوق، فأسماؤه مخلوقة (٣). فردوا وأنكروا وعطلوا جميع ما وصف الله به نفسه المقدسة العلية، وقالوا: لا بد أن يكون الله متصفاً بالصفة، وهذه الصفة هي عين ذاته؛ لأننا إذا أثبتنا أن الله متصف بصفة زائدة على ذاته، فإن ذلك يستلزم أن تكون هذه الصفة قديمة، وهذا يؤدي إلى تعدد

стр. 304

القدماء، وهو محالٌ (١)، فضلوا في توحيد الأسماء والصفات من حيث أرادوا تنزيه الله وتعظيمه بعقولهم القاصرة؟ ! . وهذا الخلل في معرفة التوحيد قادهم إلى الخلل في التطبيق أيضاً، فإنهم أخذوا يقررون التوحيد وفق هذا الفهم، وسلكوا في ذلك مناهجهم العقلية القائمة على اعتماد النظر العقلي فقط؛ باعتباره مصدر تلقي الوحيد في هذا الباب، وكل ما خالفه فهو إما مؤول أو مردود (٢). بينما أقامت الممثلة معتقدها على: تشبيه الخالق بالمخلوق، وجعل ما أخبر الله به عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ من صفاته مماثلاً لصفات المخلوقين؛ زاعمين أنهم بذلك عظموا نصوص الصفات، وأنهم لا يفهمون من نصوص الصفات إلا مثل ما يرونه من صفات المخلوقين، بدعوى أن الله لا يخاطبهم إلا بما يعقلون، فإذا أخبروا عن اليد فهم لا يعقلون سوى اليد الجارحة، فشبهوا صفات الخالق بصفات المخلوقين، فقالوا له يد كيدي، -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً- (٣). بينما تجاهلوا ما جاءت به نصوص الشرع وأوامره الكثيرة بتعظيم الله وإجلاله وتقديسه وتنزيهه، وهي كثيرة جداً، فإن الأمر بالإيمان بالله وتوحيده تعظيم له، وذكر أسمائه وصفاته وأفعاله وقدرته تعظيم له (٤). - رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد . أتت هذه الآية الكريمة للدلالة على أن المذهب الحق هو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، فهم وسط في تعظيم الله في باب الأسماء والصفات بين أهل التفريط من المعطلة الذين نفوا أسماء الله تعالى وصفاته، أو نفوا بعضها إرادةً لتعظيم الله وتنزيهه عن مشابهة المخلوقين (٥)، وبين أهل الإفراط من الممثلة الذين شبهوا الخالق بالمخلوق، وجعلوا ما أخبر

стр. 305

الله به عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ من صفاته مماثلاً لصفات المخلوقين؛ زاعمين أنهم بذلك عظموا نصوص الصفات، وأنهم لا يفهمون من نصوص الصفات إلا مثل ما يرونه من صفات المخلوقين. وبذلك يكون أهل السنة والجماعة وسطا بين أهل التعطيل والنفي الذين يلحدون في أسماء الله وآياته، ويعطلون حقائق ما وصف الله به نفسه، حتى يشبهوه بالعدم والموات، وبين أهل التمثيل والتشبيه الذين يضربون له الأمثال ويشبهونه بالمخلوقات.

стр. 306

المطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في توحيد الأسماء والصفات . أختم هذا الفصل بذكرٍ إجمالي للآيات الرادة على الانحراف العقدي في توحيد الأسماء والصفات؛ والآيات التالية سيقت على سبيل المثال لا الحصر (١): ١ - في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ الفاتحة: ٢، رد على الجهمية القدرية؛ لأن في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إثبات الحمد الكامل له ، وهذا يقتضي ثبوت كل ما يحمد عليه، من صفات كماله، ونعوت جلاله، إذ من عُدِم صفات الكمال فليس بمحمود على الإطلاق؛ وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ فيه إثبات صفة الربوبية وهي تستلزم جميع صفات الفعل، كما أن في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إثباتٌ لصفة الإلهية التي تستلزم جميع أوصاف الكمال: ذاتاً وأفعالاً. كما ردت هذه الآية على الممثلة الذين يصفون الرب بصفات النقص التي يتصف بها المخلوق، فقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فيه إثبات عموم حمده التام سبحانه الذي يقتضى ثبوت كل ما يحمد عليه، من صفات كماله، ونعوت جلاله، ولذلك نزه الله نفسه عن هذا في غير موضع من كتابه، وأخبر أن من فعل ذلك فإنه ما قدره حق قدره ، بل نسبه إلى ما لا يليق به، ويأباه حمده ومجده (٢). ٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ الإخلاص: ٤، جاءت سورة الإخلاص للرد على المعطلين ونفاة الأسماء والصفات، بإثبات الذات الإلهية، وما لها من الأسماء والصفات. قال شيخ الإسلام ﵀: " وسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ الإخلاص: ١، فيها التوحيد القولي العملي، الذي تدل عليه الأسماء والصفات؛ ... وفيها إثبات الذات، وما لها من الأسماء والصفات التي يتميز بها مثبتو الربِّ الخالقِ، الأحد الصمد، عن المعطلين له بالحقيقة، نفاة الأسماء والصفات، المضاهين لفرعون وأمثاله، ممن أظهر التعطيل والجحود للإله المعبود، وإن

стр. 307

كان في الباطن يقرّ به" (١). كما أن هذه السورة أيضاً قد اجتمع فيها النفي والإثبات، للرد على بدعة التفريط، ممن أثبت لله إثباتاً مجملاً أو نفى عن الله نفياً منفصلاً، والرسل جاءوا بإثبات مفصل ونفي مجمل، فأثبتوا لله صفات الكمال على وجه التفصيل ونفوا عنه صفات النقص على وجه الإجمال، على الضد من أهل البدع، لذلك كانت سورة الإخلاص دليلاً واضحاً على ذلك. قال شيخ الإسلام ﵀: " والله سبحانه بعث أنبياءه بإثبات مفصّل، ونفي مجمل؛ فأثبتوا له الأسماء والصفات، ونفوا عنه مماثلة المخلوقات، ومن خالقهم مِن المعطلة المتفلسفة وغيرهم عكسوا القضية؛ فجاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل، يقولون: ليس كذا، ليس كذا، ليس كذا، فإذا أرادوا إثباته قالوا: وجود مطلق بشرط النفي، أو بشرط الإطلاق" (٢). والله لا يوصف إلا بما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ هذا الأصل العام الذي تنطلق منه جميع الأصول والقواعد في باب الأسماء والصفات، لذلك دل قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾، على بطلان مذهب المشبهة الممثلة، فإثبات الكمال يلزم منه نفي ما يناقضه من وصف الله بخلقه الناقص. ٣ - قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ الأعراف: ١٨٠، في هذه الآية رد على طائفتين ضلتا في باب الأسماء والصفات، ففي قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، رد على الجهمية والمعتزلة وغيرهم الذي نفوا عن الله أسماءه، وعطلوها عن معانيها وجعلوها أعلاماً محضة, وفي قوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾، ردٌ على الممثلة الذين نسبوها لغير الله، وألحدوا في أسماء الله بتحريفها (٣)؛ فأثبت الله لنفسه الأسماء الحسنى، وذم كل من حاد بها عن معناها. فالقسم الأول سلبوها عن الله ما سمى به نفسه والقسم الثاني صرفوها لغير الله.

стр. 308

٤ - قوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤)﴾ الأنعام: ١٤، في هذه الآية رد على المعطلة في قوله تعالى: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: مُبْتَدِعَهُمَا وَمُبْتَدِئَهُمَا وَخَالِقَهُمَا، فدل هذا على إثبات صفاته . ورد هذه الآية كذلك على المشبهة بقوله: ﴿يطعم ولا يطعم﴾ لتنفي عن الله مشابهته لمخلوقاته، كما أن في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤)﴾، رد على الذين أشركوا في صفات الله غيره. ٥ - قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ الأحزاب: ١٨، فيها إثبات لصفة العلم لله وهذا رد على من أنكر صفات الله من الجهمية والفلاسفة وغيرهم، و ﴿قَدْ يَعْلَمُ﴾ أتت منكرة للدلالة على إحاطة الله بالعلم السابق واللاحق والآني، ليكون في هذا رد على غلاة المعتزلة ممن أنكر جزءاً من العلم وهو علم الله المستقبلي، أو علم الله بالجزئيات، فدلت هذه الآية على أن الله يعلم كل شيء بعلمه الأزلي. كما أن فيها رداً على المشبهة الذين مثلوا الله بخلقه، بأن وصف المخلوق بصفات النقص والعيب ﴿الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ للدلالة على أنه منزه عن هذا النقص. ٦ - قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ مريم: ٦٥، في هذه الآية رد على الملاحدة والفلاسفة وكل من عطل الله عما يستحقه من صفات الكمال وأسماء الجلال، فأمرهم الله بعبادته (١) فقال: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾؛ لأن أصل عبادته : معرفته بما وصف به نفسه في كتابه وما وصفه به رسله ﷺ (٢)، كما أن فيها رداً على المشبهة فقد أنكر الله تعالى التشبيه والتمثيل، في قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾.

стр. 309

٧ - قوله تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤) النحل: ٧٤، فيها رد على الممثلة، في قوله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾، كما أن فيها رداً على المعطلة الذين نفوا عن الله صفاته، ومنها صفة العلم ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾. ٨ - قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ الأنعام: ١، في هذه الآية رد على المعطلة بقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ فأثبت الله لنفسه الصفات، وفيها كذلك رد على المشبهة، بقوله: ﴿بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ أي: يعدلونه بغيره فيجعلونه لغيره عدلاً. ٩ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦)﴾ النحل: ١١٦، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ الإسراء: ٣٦، فيهما رد على من وصف ونسب لله ما لم يصف به نفسه، في قوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾ ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، كما أن فيهما رداً على من نفى عن الله ما وصف به نفسه، في قوله: ﴿هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ ﴿كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١)﴾ الأنعام: ٢١ (١)، وكل هذا ينطبق على المعطلة والممثلة فقد نفوا عن الله ما وصف به نفسه، ووصفوه بما لم يصف به نفسه. ١٠ - قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ البقرة: ١٦٣، وقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ البقرة: ٢٥٥، وقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾ آل عمران: ٢، وقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾ التوبة: ١٢٩، وقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ طه: ٨، وقوله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾ المؤمنون: ١١٦، وغيرها من الآيات .. في هذه الآيات رد على الغالين في أسماء الله الحسنى؛ لأن فيها أن الذاكر بها يقولها كلها (٢)، ولا يقتصر على لفظ

стр. 310

الجلالة، ولا على (هو) كما يفعله غلاة جهال المتصوفة، وفيها كذلك إثبات الصفات خلافاً للمعطلة والمشبهة. هذه الأقسام -التي رأيناها في الفصول الثلاثة السابقة-تشكل بمجموعها جانب الإيمان بالله الذي نسميه التوحيد فلا يكمل لأحد توحيده إلا باجتماع أنواع التوحيد الثلاثة، فهي متكافلة متلازمة يكمل بعضها بعضًا، ولا يمكن الاستغناء ببعضها عن الآخر، فلا ينفع توحيد الربوبية بدون توحيد الألوهية، وكذلك لا يصح ولا يقوم توحيد الألوهية بدون توحيد الربوبية، وكذلك توحيد الله في ربوبيته وألوهيته لا يستقيم بدون توحيد الله في أسمائه وصفاته، فالخلل والانحراف في أي نوع منها هو خلل في التوحيد كله (١). فالتوحيد هو إفراد الله بما يستحقه ويختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، والإيمان أوسع من ذلك يدخل فيه توحيده والإخلاص له، ويدخل فيه تصديقه في كل ما أخبر به رسوله ﷺ ، وهذا هو موضوع الفصل التالي بإذن الله تعالى.

стр. 311

الباب الثاني: الفصل ٤ الآيات الواردة في مسائل الإيمان. وفيه تمهيد ومبحثان: تمهيد في تعريف الإيمان. المبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة في مسائل الإيمان. المبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع المتقابلة مسائل الإيمان.

стр. 312

تمهيد في تعريف الإيمان: البحث في مسائل الإيمان له قدر كبير من الأهمية؛ ذلك أن الإيمان أشرف مطلوب وأسمى غاية، فبه "كمال العبد، ورفعة درجته في الدنيا والآخرة، وهو السبب والطريق لكل خير عاجل وآجل" (١). وأقسام التوحيد السابقة تُشكل بمجموعها جانب الإيمان بالله الذي يسمى (التوحيد)؛ لأنه لا يكمل لأحد توحيده إلا باجتماع أنواع التوحيد الثلاثة؛ لأنها متلازمة لا يمكن الاستغناء ببعضها عن الآخر (٢). وقد أجمع أهل البصيرة والعلم بدين الله من الأولين والآخرين أن الإيمان الذي أمر الله به في كتابه، ودعا إليه رسوله ﷺ ، وكان عليه الصحابة وتابعوهم بإحسان هو: قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية (٣). لذا فهو يشمل عقائد الإيمان وأعماله وأخلاقه من الإقرار الكامل، والتصديق الجازم، والاعتراف التام؛ بوجود الله تعالى، وبما له سبحانه من الأسماء الحسنى والصفات العلا والأفعال الناشئة عن أسمائه وصفاته، والاعتراف بانفراده سبحانه بالوحدانية والألوهية، وعبادته وحده لا شريك له، وإخلاص الدين له، والقيام بشرائع الإسلام الظاهرة، وحقائقه الباطنة، والإقرار بما أخبر به سبحانه عن ملائكته وجنوده والموجودات السابقة واللاحقة، والإخبار باليوم الآخر، والإيمان بجميع الرسل -عليهم صلوات الله وسلامه-، وما وصفوا به من الأوصاف الحميدة، وبجميع الكتب وما تضمنته من الحق والهدى، والإقرار أن الأمور كلها بمشيئة الله وقدرته، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وكلّ ما يطاع الله به فريضة

стр. 313

ونافلة من أعمال ظاهرة أو باطنة فهو من الإيمان، فالاعتقاد أصل الإيمان وأساسه، والأعمال فروع الإيمان وبها تحققه (١). ثم إن الخصومة بين أهل السنة ومخالفيهم في تعريفه وأحكامه طويلة الذيل، قديمة التاريخ؛ لأن مسألة الإيمان من مسائل الأسماء والأحكام (٢)، والخلاف فيها أول خلاف عقديٍّ وقع في الأمة (٣)، بل ظل من أعظم قضايا الخلاف (٤) بين هذه الأمة في عصورها كلها، فقد زلت فيه أقدام وضلت فيه أفهام، وما ذاك إلا للبعد عن هدي السلف فيه، وانتهاج طرق مبتدعة في تقريره وتأصيله، فنشأ عن ذلك معتقدات باطلة، وتصورات خاطئة آلت إلى سفك للدماء، وظهور للبدع والمحدثات، لذلك فقد تصدى أهل السنة والجماعة، لهذه البدع مع بداية ظهورها بالرد والبيان، والحجة والبرهان، ولا عاصم من هذه الانحرافات -بإذن الله- إلا بالالتزام بمنهج أهل السنة والجماعة. والوصول إلى تحقيق الإيمان وكماله موقوف على معرفته وضبطه (٥)، ولهذا اعتنى علماء أهل السنة والجماعة قديماً وحديثاً بهذا الجانب كل الاعتناء، وخصوه بمصنفات كثيرة، حتى صار منهج أهل السنة والجماعة واضحاً كالشمس في رابعة النهار. ويحسن قبل الشروع في مباحث هذا الفصل التمهيد بتعريفه. أ-تعريف الإيمان في اللغة: المتأمل لما كتبه علماء اللغة، في تعريف الإيمان، يلحظ أن بعضهم يقصر معنى الإيمان على التصديق، والبعض الآخر يُفصِّل، فيجعل الإيمان مشتملاً على معنى أعم من التصديق، وفيما يلي تفصيل ذلك:

стр. 314

١ - القائلون بأن الإيمان بمعنى التصديق: الإيمان لغة: مصدر آمن يؤمن إيماناً فهو مؤمن، وأصل آمن: أأمن بهمزتين لينت الثانية، وهو من الأمن ضد الخوف (١). والإيمان: التصديقُ. والله تعالى المُؤْمِنُ، لأنّه آمَنَ عبادَه من أن يظلمهم. والأَمْنُ: ضدُّ الخوف. والأَمَنَةُ بالتحريك: الأَمْنُ. ومنه قوله : ﴿أمَنَةً نُعاساً﴾ والأَمَنَةُ أيضاً: الذي يثق بكلِّ أحد (٢). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧)﴾ يوسف: ١٧، قالوا: لَمْ يَخْتَلِفْ أَهل التَّفْسِيرِ أَنّ مَعْنَاهُ مَا أَنت بمُصدِّقٍ لَنَا (٣). ٢ - القائلون بالتفصيل في المعنى اللغوي: الإيمان بمعنى الإقرار لا مجرد التصديق؛ فإن الإيمان يتضمن أمرين: أحدهما: الإخبار. وثانيهما: الالتزام. والتصديق إنما يتضمن الأول دون الثاني، بخلاف الإقرار فإنه يتضمنهما جميعاً (٤). ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " معلوم أن الإيمان هو الإقرار لا مجرد التصديق، والإقرار يتضمن قول القلب الذي هو التصديق، وعمل القلب الذي هو الانقياد" (٥)، وقال ﵀: " فإن اشتقاقه -أي الإيمان- من الأمن الذي هو القرار والطمأنينة، وذلك إنما يحصل إذا استقر في القلب التصديق والانقياد" (٦).

стр. 315

والمعنى المختار للإيمان أن لفظة (آمن) لغة بمعنى (أقرَّ): فيكون الإيمان لغة: هو الإقرار القلبي، وهذا الإقرار مشتمل على أمرين: ١ - اعتقاد القلب، وهو تصديقه بالأخبار. ٢ - عمل القلب، وهو إذعانه وانقياده للأوامر (١). هذا من جهة اللغة. ب- أما تعريف الإيمان شرعاً: فهو: تصديق بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان؛ يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وهذا ما عليه أئمة السلف (٢)، وإن تعددت بعض عباراتهم؛ لكنها كلها تؤدي إلى معنى واحد. وقد حصر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عبارات السلف المستعملة في أربع: قول وعمل، وقول وعمل ونية، وقول وعمل واتباع السنة، وقول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح، فقال: " ومن هذا الباب أقوال السلف وأئمة السنة في تفسير الإيمان، فتارة يقولون: هو قول وعمل، وتارة يقولون: هو قول وعمل ونية، وتارة يقولون: قول وعمل ونية واتباع السنة، وتارة يقولون: قول باللسان واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح، وكل هذا صحيح، فإذا قالوا: قول وعمل، فإنه يدخل في القول قول القلب (٣) واللسان جميعاً، وهذا هو المفهوم من لفظ القول والكلام، ونحو ذلك إذا أطلق" (٤). وخلاصة ما سبق من حقيقة الإيمان الشرعي أنها: "مركبة من قول وعمل، والقول قسمان: قول القلب، وهو الاعتقاد، وقول اللسان، وهو التكلم بكلمة الإسلام. والعمل قسمان: عمل القلب: وهو نيته وإخلاصه، وعمل الجوارح. فإذا زالت هذه الأربعة، زال الإيمان بكماله، وإذا زال تصديق القلب لم تنفع بقية الأجزاء، فإن تصديق القلب شرط في اعتقادها وكونها نافعة، وإذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق فهذا موضع الخلاف بين المرجئة

стр. 316

وأهل السنة، فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان، وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب، وهو محبته وانقياده، كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول، بل ويقرون به سراً وجهراً، ويقولون: ليس بكاذب، ولكن لا نتبعه ولا نؤمن به" (١). هذا هو تعريف الإيمان عند أهل السنة والجماعة، أما أصحاب البدع المتقابلة، فيمكن تقسيم قولهم في الإيمان إلى قسمين: قسم أفرطوا فأدخلوا العمل في الإيمان ورأوا أنه كلٌّ واحد لا يتجزأ؛ إذا ذهب بعضُه ذهب كلُّه، وقسم فرطوا فأخرجوا العمل من الإيمان وهم أقسام يجمعهم وصف الإرجاء.

стр. 317

المبحث الأول ما جاء في البدع المتقابلة في مسائل الإيمان . تمهيد: لا يخفى أنَّ للإيمان أهمية بالغة؛ إذ هو الفاصل بين أهل السعادة وأهل الشقاوة، وأهل الجنة وأهل النار، وهو الشرط في قبول الأعمال، وإذا عدم لم يقبل من الإنسان صرف ولا عدل ولا فرض ولا نفل (١). لذا فإن الانحراف في فهم حقيقة الإيمان، ينبني عليه أحكام دنيوية وأخرويّة كثيرة، لا مجال لتفصيلها، سوى أن نعلم بأن الشيطان استزل أكثر الناس في هذه المسألة (٢)، "فقصر بطائفة فحكموا بإسلام من دلت نصوص الكتاب والسنة والإجماع على كفره، وتعدّى بآخرين فكفروا من حكم الكتاب والسنة والإجماع بأنه مسلم" (٣). وهكذا شأن الابتداع في الدين، فما يبتدع أحد بدعة إلا ويأتي عقبه من يبتدع بدعة تضاد بدعته وتقابلها، وحسبك أن تعلم ما يقابل هذا الاتساع من خفاء السنن واندراسها (٤).

стр. 318

من أجل ذلك انقسم المسلمون في باب مسائل الإيمان إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: المرجئة (١)، وإن أحسنوا في إثبات إيمان أهل الذنوب، والرحمة لهم؛ إلا أنهم أساؤوا حين قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة (٢)، وأن من صدّق بقلبه ولو لم يعمل فهو مؤمن كامل الإيمان، فمرتكب الكبيرة عندهم مؤمن كامل الإيمان، ولا يستحق دخول النار. وقد سموا بالمرجئة؛ لأنهم قالوا: إن الأعمال ليست من الإيمان، فأخروا الأعمال أي: أرجئوها، فبذلك سموا (٣). وأما القسم الثاني: فهم الوعيدية (٤)، وهؤلاء وإن أحسنوا في إدخال العمل في مسمى الإيمان، إلا أنهم أساؤوا حين قالوا: بأنه لا يستحق اسم الإيمان إلا من صدّق بجنانه، وأقر بلسانه، وقام بجميع الواجبات، واجتنب جميع الكبائر، فمرتكب الكبيرة عندهم لا يسمى مؤمنا، ولكنهم اختلفوا هل يسمى كافراً أو لا؟ فالخوارج يسمونه كافراً ويستحلون دمه

стр. 319

وماله (١). وأما المعتزلة فقالوا: إن مرتكب الكبيرة في الدنيا خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر، فهو بمنزلة بين المنزلتين (٢). القسم الثالث: أهل السنة والجماعة ، وهم من جمعوا الإحسان كله، فقد توسطوا فلا إفراط ولا تفريط، فجعلوا الإنسان مستحقا اسم الإيمان واسم الإسلام، ولو كان معه شيء من الذنوب وشيء من المعاصي، فمرتكب الكبيرة عندهم ناقص الإيمان، قد نقص إيمانه بقدر ما ارتكب من معصيته، فلا ينفون عنه الإيمان أصلا ولا يخرجونه من الإسلام بالكلية كالخوارج والمعتزلة، الذين يكفرون بكل ذنب، وكذلك لم يكونوا كالجهمية المرجئة؛ الذين يجعلونه كامل الإيمان، ويعتقدون أن المعاصي (٣) لا تضره! ، بل جعلوه مؤمنا ناقص الإيمان، أو قالوا: هو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته (٤). وبالجملة فإن الأصل الذي نشأ منه النزاع بين المبتدعة في مسائل الإيمان، وسبب انحرافهم فيه، أصل واحد اتفقت عليه الأطراف المتناقضة جميعاً، وانطلقوا منه: هو أن الإيمان شيء (٥) واحد لا يزيد ولا ينقص ولا يتبعض، وأنه لا يجتمع في القلب الواحد إيمان ونفاق، ولا يكون في أعمال العبد الواحد شعبة من الشرك وشعبة من الإيمان (٦)، ثم تضاربت عقائدها المؤسسة عليه، فانقسم الناس إلى طرفين متقابلين، طرف انتهج الغلو والإفراط والزيادة! ! وطرف سلك طريق التقصير والتفريط والنقصان! . وقد بين شيخ الإسلام ذلك الأصل الذي كان سبباً لنشوء تلك الضلالات، وكشف عن تلك اللوازم بقوله: " وأصل نزاع هذه الفرق في الإيمان؛ من الخوارج، والمرجئة، والمعتزلة،

стр. 320

والجهمية وغيرهم، أنهم جعلوا الإيمان شيئاً واحداً إذا زال بعضُه زال جميعُه، وإذا ثبت بعضه ثبت جميعه، فلم يقولوا بذهاب بعضه وبقاء بعضه ... ثم قالت الخوارج والمعتزلة: الطاعات كلها من الإيمان فإذا ذهب بعضها ذهب بعض الإيمان فذهب سائره، فحكموا بأن صاحب الكبيرة ليس معه شيء من الإيمان. وقالت المرجئة والجهمية: ليس الإيمان إلا شيئاً واحداً لا يتبعض. إما مجرد تصديق القلب كقول الجهمية، أو تصديق القلب واللسان كقول المرجئة، قالوا: لأنا إذا أدخلنا فيه الأعمال صارت جزءاً منه، فإذا ذهب بعضه؛ فيلزم إخراج ذي الكبيرة من الإيمان، وهو قول المعتزلة والخوارج، لكن قد يكون له لوازم ودلائل فيستدل بعدمها على عدمه" (١). وبيان ما سبق في المطلبين الآتيين.
следующие страницы →