وأهل السنة، فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان، وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب، وهو محبته وانقياده، كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول، بل ويقرون به سراً وجهراً، ويقولون: ليس بكاذب، ولكن لا نتبعه ولا نؤمن به" (١). هذا هو تعريف الإيمان عند أهل السنة والجماعة، أما أصحاب البدع المتقابلة، فيمكن تقسيم قولهم في الإيمان إلى قسمين: قسم أفرطوا فأدخلوا العمل في الإيمان ورأوا أنه كلٌّ واحد لا يتجزأ؛ إذا ذهب بعضُه ذهب كلُّه، وقسم فرطوا فأخرجوا العمل من الإيمان وهم أقسام يجمعهم وصف الإرجاء.
стр. 317
المبحث الأول ما جاء في البدع المتقابلة في مسائل الإيمان .
تمهيد:
لا يخفى أنَّ للإيمان أهمية بالغة؛ إذ هو الفاصل بين أهل السعادة وأهل الشقاوة، وأهل الجنة وأهل النار، وهو الشرط في قبول الأعمال، وإذا عدم لم يقبل من الإنسان صرف ولا عدل ولا فرض ولا نفل (١).
لذا فإن الانحراف في فهم حقيقة الإيمان، ينبني عليه أحكام دنيوية وأخرويّة كثيرة، لا مجال لتفصيلها، سوى أن نعلم بأن الشيطان استزل أكثر الناس في هذه المسألة (٢)، "فقصر بطائفة فحكموا بإسلام من دلت نصوص الكتاب والسنة والإجماع على كفره، وتعدّى بآخرين فكفروا من حكم الكتاب والسنة والإجماع بأنه مسلم" (٣).
وهكذا شأن الابتداع في الدين، فما يبتدع أحد بدعة إلا ويأتي عقبه من يبتدع بدعة تضاد بدعته وتقابلها، وحسبك أن تعلم ما يقابل هذا الاتساع من خفاء السنن واندراسها (٤).
стр. 318
من أجل ذلك انقسم المسلمون في باب مسائل الإيمان إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: المرجئة (١)، وإن أحسنوا في إثبات إيمان أهل الذنوب، والرحمة لهم؛ إلا أنهم أساؤوا حين قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة (٢)، وأن من صدّق بقلبه ولو لم يعمل فهو مؤمن كامل الإيمان، فمرتكب الكبيرة عندهم مؤمن كامل الإيمان، ولا يستحق دخول النار.
وقد سموا بالمرجئة؛ لأنهم قالوا: إن الأعمال ليست من الإيمان، فأخروا الأعمال أي: أرجئوها، فبذلك سموا (٣).
وأما القسم الثاني: فهم الوعيدية (٤)، وهؤلاء وإن أحسنوا في إدخال العمل في مسمى الإيمان، إلا أنهم أساؤوا حين قالوا: بأنه لا يستحق اسم الإيمان إلا من صدّق بجنانه، وأقر بلسانه، وقام بجميع الواجبات، واجتنب جميع الكبائر، فمرتكب الكبيرة عندهم لا يسمى مؤمنا، ولكنهم اختلفوا هل يسمى كافراً أو لا؟ فالخوارج يسمونه كافراً ويستحلون دمه
стр. 319
وماله (١). وأما المعتزلة فقالوا: إن مرتكب الكبيرة في الدنيا خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر، فهو بمنزلة بين المنزلتين (٢).
القسم الثالث: أهل السنة والجماعة ، وهم من جمعوا الإحسان كله، فقد توسطوا فلا إفراط ولا تفريط، فجعلوا الإنسان مستحقا اسم الإيمان واسم الإسلام، ولو كان معه شيء من الذنوب وشيء من المعاصي، فمرتكب الكبيرة عندهم ناقص الإيمان، قد نقص إيمانه بقدر ما ارتكب من معصيته، فلا ينفون عنه الإيمان أصلا ولا يخرجونه من الإسلام بالكلية كالخوارج والمعتزلة، الذين يكفرون بكل ذنب، وكذلك لم يكونوا كالجهمية المرجئة؛ الذين يجعلونه كامل الإيمان، ويعتقدون أن المعاصي (٣) لا تضره! ، بل جعلوه مؤمنا ناقص الإيمان، أو قالوا: هو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته (٤).
وبالجملة فإن الأصل الذي نشأ منه النزاع بين المبتدعة في مسائل الإيمان، وسبب انحرافهم فيه، أصل واحد اتفقت عليه الأطراف المتناقضة جميعاً، وانطلقوا منه: هو أن الإيمان شيء (٥) واحد لا يزيد ولا ينقص ولا يتبعض، وأنه لا يجتمع في القلب الواحد إيمان ونفاق، ولا يكون في أعمال العبد الواحد شعبة من الشرك وشعبة من الإيمان (٦)، ثم تضاربت عقائدها المؤسسة عليه، فانقسم الناس إلى طرفين متقابلين، طرف انتهج الغلو والإفراط والزيادة! ! وطرف سلك طريق التقصير والتفريط والنقصان! .
وقد بين شيخ الإسلام ذلك الأصل الذي كان سبباً لنشوء تلك الضلالات، وكشف عن تلك اللوازم بقوله: " وأصل نزاع هذه الفرق في الإيمان؛ من الخوارج، والمرجئة، والمعتزلة،
стр. 320
والجهمية وغيرهم، أنهم جعلوا الإيمان شيئاً واحداً إذا زال بعضُه زال جميعُه، وإذا ثبت بعضه ثبت جميعه، فلم يقولوا بذهاب بعضه وبقاء بعضه ... ثم قالت الخوارج والمعتزلة: الطاعات كلها من الإيمان فإذا ذهب بعضها ذهب بعض الإيمان فذهب سائره، فحكموا بأن صاحب الكبيرة ليس معه شيء من الإيمان.
وقالت المرجئة والجهمية: ليس الإيمان إلا شيئاً واحداً لا يتبعض. إما مجرد تصديق القلب كقول الجهمية، أو تصديق القلب واللسان كقول المرجئة، قالوا: لأنا إذا أدخلنا فيه الأعمال صارت جزءاً منه، فإذا ذهب بعضه؛ فيلزم إخراج ذي الكبيرة من الإيمان، وهو قول المعتزلة والخوارج، لكن قد يكون له لوازم ودلائل فيستدل بعدمها على عدمه" (١). وبيان ما سبق في المطلبين الآتيين.
стр. 321
المطلب الأول: الانحراف المؤدي إلى التفريط في مسائل الإيمان .
يعتبر الإرجاء من أخطر الانحرافات العقدية المؤثرة في حياة المسلمين، فمسألة الإيمان أهم مسألةٍ عقدية؛ لأنها أصل الدين وأساسه، وهي المعيار في معرفة المؤمن من الكافر، والموحّد من المشرك، فالانحراف فيها لا بد أن يكون له آثار عظيمة في المجتمع الإسلامي (١).
لذلك ذم السلف الصالح الإرجاء ذماً شديداً، ومن ذلك قول الزهري (٢): " ما ابتُدعت في الإسلام بدعة أضر على أهله من الإرجاء" (٣)، وقال شريك القاضي (٤)
فيهم: " هم أخبث قوم"، وقال قتادة (٥): "ليس من الأهواء شيء أخوف على الأمة من الإرجاء" (٦).
وقد صدقوا في ذلك فإن آثار الإرجاء فاقت آثار سائر البدع الاعتقادية والعملية الأخرى، كما أن عقيدة المرجئة لم تكن على الإطلاق ثمرة نظر في النصوص الشرعية ولا وليدة اجتهاد عقلي سوي، وإنما هي وليدة مواقف انفعالية جدلية أفرزتها المعارك الكلامية الطاحنة بين الفرق البدعية (٧)، لذا فالمرجئة من الفرق الضالة التي فرطت في حق الله ، وذلك بعدم طاعته وعدم القيام بأحكامه وشريعته ، وذلك عن طريق إخراج العمل عن مسمى الإيمان.
إذ لا يكفي المسلم مجرد إعلانه باللسان أنه مؤمن، فما أكثر المنافقين الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)
стр. 322
يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾ البقرة: ٨ - ٩، كما أنه لا يكفي مجرد المعرفة الذهنية بحقائق الإيمان، فكم من قوم عرفوا حقائق الإيمان ولم يؤمنوا، قال تعال: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾ النمل: ١٤.
ويهمنا هنا الوقوف على أسباب الانحراف المؤدية إلى التفريط في مسائل الإيمان، وهي:
- أولاً: أن الإرجاء ردة فعل لغلو الخوارج:
المرجئة فرقة إسلامية نشأت بعد ظهور الخوارج، كردِ فعل لغلو الخوارج؛ لأنهم أرادوا دفع فكر التكفير واستباحة الدماء لدى الخوارج، لجعل أهل القبلة كلهم مؤمنين وليسوا كفاراً، كما وجدوا النصوص الكثيرة (١) والنظر العقلي يدلان على فساد قول الخوارج -ما يعني أنهما لم يكونا منذ النشأة منهجين متعادلين-.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " إنما أحدث الإرجاء قوم قصدهم جعل أهل القبلة كلهم مؤمنين ليسوا كفاراً" (٢).
وقد خاضوا في مواقف انفعالية جدلية أفرزتها المعارك الكلامية الطاحنة بين الفرق البدعية، فوقعوا في بدعتهم، التي تقتضي تهوين ركن أساسي في الإيمان وهو "العمل" (٣)، وتطور الخلاف بين أصحابه في الجانب التطبيقي، ليصبح موضوعه الرئيس حكم مرتكب الكبيرة (الفاسق الملي)، بعد أن كان -في السابق-عثمان وعلياً وسائر الصحابة زمن الفتنة، وبهذا التطور آل الأمر إلى منهجين متضادين على الحقيقة، كما فتحت هذه البدعة الباب للخطأ في العقائد والأعمال - والله المستعان-.
стр. 323
ولكن الأمر لم يقف عند حد ردة الفعل -التي وقف منها السلف موقفاً قوياً لعلمهم بخطورتها (١) -، بل تجاوزه على يد أهل الكلام الذين قعدوا لهذه البدعة، وأقاموا عليها مذهباً كاملاً في باب الإيمان ونواقضه.
- ثانياً: الأثر المنطقي، والتزامهم لوازمه الباطلة:
كان جهل المرجئة بالشرع وإعراضهم عنه (٢) سبباً في تعلقهم -لدفع خصومهم بأوهام ذاتية أو تصورات غريبة- بقواعد المنطق-بعد أن كان موضوعها الأصلي نفي الصفات-، فجعلوها علماً معياريا يحكم في القضايا النظرية الخلافية عامة، ومنها قضية الإيمان، وليس للنصوص فيها - إن وجدت - إلا مكانة ثانوية، فالأساس الذي انطلق منه أصل الإيمان عند المرجئة وغيرهم ممن ضل في باب الإيمان، هو المنطق، حيث أثبتوا ما أسموه (الماهية (٣))، ذلك أن الحد المنطقي يشترط فيه وجود حقيقة وماهية يستوي فيها جميع أفراد المعرَّف، مما يعني القضاء بامتناع تفاضل أفراد النوع في الحقيقة والماهية.
فوضعوا سؤالاً هو: ما الإيمان؟ وأخذوا يبحثون في جوابه على الأسلوب المنطقي الذي يقصد من التعريف "تصور الماهية" (٤) فضلوا؛ ذلك أن البحث في ماهية الإيمان المجردة -
стр. 324
بزعمهم- والتفريق بين لوازمها الذاتية والعرضية، أدى بهم إلى الحكم بأن العمل ليس داخلاً في الماهية ولا من اللوازم العرضية، وإنما هو من قبيل "العرض العام" (١).
لأنهم أرادوا استخراج القدر الكلي المشترك بين درجات الإيمان، ليتصوروا ماهية الإيمان وحقيقته بمعزل عن صفاته العرضية (٢)، فكان طبيعياً ألا يدخلوا الأعمال في الإيمان؛ لأنها مفقودة بكاملها عند من يصدق بقلبه ولم يقر بلسانه -بدلالة اللغة-، أو من أقر بالإيمان ولم يعمل شيئاً -بدلالة حديث الجارية (٣) بزعمهم-، وبذلك جاءت تعاريفهم للإيمان خالية من ذكر عمل الجوارح بالمرة، بل محصورة في عمل قلبي واحد وهو التصديق أو الاعتقاد (٤).
ويمكن الإشارة باختصار إلى أخطر النتائج التي ترتبت على ذلك، وهي:
- انحصار مفهوم العبادة في القلب: وهذا التصور الضيق للعبادة أدى إلى إهمال أركان الإسلام والإيمان، فأصبح الإنسان بوسعه أن يتصور مؤمناً لا يؤدي من أعمال الإسلام شيئاً، وهذا ما شجع على التفلت من التكاليف الشرعية؛ لأن النفس البشرية بطبيعتها ترغب الدعة وترك العمل (٥).
- إهمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: بناءً على انحصار مفهوم العبادة في القلب، أصبحت الشعائر التعبدية (٦) تؤدى كعادات موروثة ليس لها أثر في الحياة،
стр. 325
وإن كان الإرجاء يعذر تاركها، لهذا تم إخراج العمل النافع من العبادة نتيجة لهذا التصور المنحرف، فأصبحت العبادة في مقابل العمل الدنيوي، ولهذا سهل تقبل الأفكار الغربية المناقضة لأصول الإسلام؛ لأنها لا تعارض الإيمان فيما يعتقدون، فسياج التصديق القلبي لم يخترق-بزعمهم-! ! (١).
- انتشار مظاهر الشرك في الأمة: ويعود ذلك إلى أن المنهج الكلامي الإرجائي، اعتبر التوحيد هو مجرد اعتقاد قلبي بربوبية الله وأسمائه وأفعاله، ولا يكون الشرك إلا مقروناً باعتقاد الاستقلالية في الخلق والإيجاد بزعمهم! ، بناء على ذلك أصبح مدلول كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) أي: لا خالق إلا الله، فالإله هو القادر على الاختراع والخلق، وليس معناه المعبود عندهم، وبسبب هذا الفكر الإرجائي تحول المجتمع الإسلامي إلى إحياء المقابر، وتحويلها إلى معابد وثنية يعبد فيها غير الله تعالى، بل تطور الأمر إلى انتشار المذاهب الإلحادية كمذهب وحدة الوجود، والتصوف الفلسفي، ومذهب الرافضة، ولم يجرؤ علماء الإرجاء على اعتبار ذلك كفراً؛ لأن ذلك لا يؤثر على أصل الإيمان، بل إن غالية المرجئة هم ممن ينكرون الوعيد والعقاب في الآخرة بالكلية (٢).
- ثالثاً: الفهم المغلوط لحقيقة الإيمان:
تكاد المرجئة أن تجمع على أن العمل ليس ركناً من أركان الإيمان ولا داخلاً في مفهومه، محتجين بالتفسير اللغوي لمصطلح الإيمان -بأنه التصديق فقط-، مستدلين على ذلك بالاشتقاق وشواهد استعمال العرب وأن القرآن نزل بلغتهم ونحو ذلك.
стр. 326
وهذا الفهم المغلوط لحقيقة الإيمان وتعريف معناه؛ كان بسبب توهمهم أن الإيمان لو كان مركباً للزم منه ذهابه كله بذهاب بعضه، ولخرج العصاة من الإيمان، وهو قول الخوارج، وللزم منه اجتماع الإيمان والكفر في الشخص، وهذا مخالف للأصل الذي اعتمدوه (١)، فلما كان ارتكاب المحظورات وترك الفرائض هو من جنس الأعمال لا الاعتقادات، وكانت النصوص الكثيرة (٢) والنظر العقلي يدلان على فساد قول الخوارج والمعتزلة، اتفقت سائر فرقهم على إخراج الأعمال من مسمى الإيمان، وحصره في تصديق القلب وقول اللسان، وإنكار زيادة الإيمان ونقصانه حتى يسلم لهم الأصل المذكور، فيظل تارك الفريضة أو مرتكب المحرم مؤمناً، بل لم يتورع بعضهم عن التصريح بمساواة إيمانه بإيمان الملائكة والنبيين بناء على هذا الأصل (٣).
من أجل ما آل إليه هذا الفهم من ظهور للبدع، فقد بين شيخ الإسلام ﵀ المنهج الصحيح في ذلك، فقال: " ومما ينبغي أن يُعلم أن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عرف تفسيرها وما أريد بها من جهة النبي ﷺ لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم؛ ولهذا قال الفقهاء: الأسماء ثلاثة أنواع:
نوع يُعرف حده بالشرع؛ كالصلاة والزكاة.
ونوع يُعرف حده باللغة؛ كالشمس والقمر.
ونوع يُعرف حده بالعرف؛ كلفظ القبض، ولفظ المعروف في قوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ النساء: ١٩، ونحو ذلك ... فاسم الصلاة والزكاة والصيام والحج ونحو ذلك قد بين الرسول ﷺ ما يُراد بها في كلام الله ورسوله، وكذلك لفظ الخمر وغيرها، ومن هناك يعرف معناها، فلو أراد أحد أن يفسرها بغير ما بينه النبي ﷺ ؛ لم يقبل منه، وأما الكلام في اشتقاقها ووجه دلالتها؛ فذاك من جنس علم البيان، وتعليل الأحكام، وهو زيادة في العلم وبيان حكمة ألفاظ القرآن، لكن معرفة المراد بها لا يتوقف على هذا.
стр. 327
واسم الإيمان والإسلام والنفاق والكفر أعظم من هذا كله؛ فالنبي ﷺ قد بين المراد بهذه الألفاظ بياناً لا يحتاج معه إلى الاستدلال على ذلك بالاشتقاق وشواهد استعمال العرب ونحو ذلك؛ فلهذا يجب الرجوع في مسميات هذه الأسماء إلى بيان الله ورسوله؛ فإنه شافٍ كافٍ؛ بل معاني هذه الأسماء معلومة من حيث الجملة للخاصة والعامة، بل كل من تأمل ما تقوله الخوارج والمرجئة في معنى الإيمان علم بالاضطرار أنه مخالف للرسول، ويعلم بالاضطرار أن طاعة الله ورسوله من تمام الإيمان، وأنه لم يكن يجعل كل من أذنب ذنباً كافراً، ويعلم أنه لو قدر أن قوماً قالوا للنبي ﷺ : نحن نؤمن بما جئتنا به بقلوبنا من غير شك ونُقِرُّ بألسنتنا بالشهادتين؛ إلا أنَّا لا نطيعك بشيء مما أمرت به ونهيت عنه؛ فلا نصلي، ولا نصوم، ولا نحج، ولا نصدق الحديث، ولا نؤدي الأمانة، ولا نفي بالعهد، ولا نصل الرحم، ولا نفعل شيئاً من الخير الذي أمرت به، ونشرب الخمر، وننكح ذوات المحارم بالزنا الظاهر، ونقتل من قدرنا عليه من أصحابك وأمتك، ونأخذ أموالهم، بل نقتلك أيضاً ونقاتلك مع أعدائك؛ هل كان يتوهم عاقل أن النبي ﷺ يقول لهم: أنتم مؤمنون كاملو الإيمان، وأنتم من أهل شفاعتي يوم القيامة، ويرجى لكم أن لا يدخل أحد منكم النار؟ ! بل كل مسلم يعلم بالاضطرار أنه يقول لهم: أنتم أكفر الناس بما جئت به، ويضرب رقابهم إن لم يتوبوا من ذلك.
وكذلك كل مسلم يعلم أن شارب الخمر والزاني والقاذف والسارق لم يكن النبي ﷺ يجعلهم مرتدين يجب قتلهم، بل القرآن والنقل المتواتر عنه يبين أن هؤلاء لهم عقوبات غير عقوبة المرتد عن الإسلام، كما ذكر الله في القرآن جلد القاذف والزاني وقطع السارق، وهذا متواتر عن النبي ﷺ ، ولو كانوا مرتدين لقتلهم؛ فكلا القولين مما يعلم فساده بالاضطرار من دين الرسول ﷺ " (١).
وحقيقة الأمر أن المرجئة تعتبر الإيمان قضية ذهنية مجردة -تسميها تصديقاً أو معرفة- تعلق هذه القضية بالقلب كمادة جامدة ومعزولة لا تزيد ولا تنقص، توجد كاملة أو تذهب كاملة، ولا تستلزم أي أثر في الوجدان والشعور أو الحركة والكدح، بل هي مثل أية معلومة
стр. 328
رياضية أو مقولة فلسفية! ! لهذا جاءت أصولها الاعتقادية مجافية تماماً للدين والفطرة والعقل والحقيقة الإنسانية (١).
- رابعاً: الاحتجاج بنصوص الوعد:
احتج المرجئة بنصوص الوعد التي فهموا منها حصول الإيمان لمن جاء بالقول حتى ولو لم يعمل، كما في حديث البطاقة (٢)، وحديث الجارية (٣)، وحديث حذيفة ﵁ (٤)،
ونحو ذلك من النصوص والعموميات، التي فهموا منها أنه لا يشترك في الإيمان فعل الواجبات، وأن من وجبت عليه العبادات فتركها، وارتكب المحظورات يستحق اسم الإيمان المطلق، وأولوا لأجل تلك النصوص ما يقابلها من نصوص الوعيد التي فيها نفي الإيمان عمن ارتكب بعض الذنوب (٥).
والنفس البشرية بطبيعتها ترغب الدعة وترك العمل (٦)، وتميل إلى التفلت من أوامر الشرع؛ لذلك انبنى على الاحتجاج بنصوص الوعد، التشريع لممارسة المعاصي وارتكاب الكبائر، وإنكار حد الردة، وترك الجهاد، إلى غير ذلك من الانحرافات.
стр. 329
- خامساً: الاحتجاج بالقدر:
الخائضون في القدر بالباطل ثلاثة أصناف: المكذبون به (كالمعتزلة)، والدافعون للأمر والنهي به (كالجهمية والجبرية)، والطاعنون على الرب بجمعه بين الأمر والقدر (كالإبليسية)، وهؤلاء شر الطوائف (١).
وقد ظهرت المرجئة بعدهم بزمن قريب (٢)، واشتركت معهم في إضعاف أمر الله، وأمر الإيمان، والوعد والوعيد، بل إن غالية المرجئة هم ممن ينكرون العقاب بالكلية، أو ينكرون الوعيد في الآخرة رأساً، كما يفعله طوائف من الاتحادية والمتفلسفة والقرامطة والباطنية من الجبرية المرجئة (٣).
والمرجئ الذي أخرج العمل من حقيقة الإيمان، يرى أن التصديق القلبي يكفي في الإيمان، ولو فعل ما فعل من الكفر والإلحاد والمعاصي، ما دام أنه لم يصدر عن تكذيب فليس بكفر (٤)؛ من أجل ذلك نجد أن غلاة المرجئة يجعلون كل الأفعال طاعات، فيقولون: إن خالفنا الأمر فقد وافقنا القضاء والقدر، أي: خالفنا أمرَه وأطعنا قدرَه ومشيئته، ولا فرق عند المرجئة بين القضاء والقدر وبين الشرع فهما شيء واحد من أطاع أحدهما فقد أطاع الله -تعالى الله عما يقولون- (٥).
стр. 330
وقد ترتب على إخراج العمل من حقيقة الإيمان، وعزل الحياة الدنيا عن الدين والتصور الجبري للقدر، أمور عظيمة منها: ترك الجهاد في سبيل الله، وعدم السعي في عمارة الأرض بمنهج الله تعالى، وترك المجالات الحيوية في الأمة؛ كالسياسة والاقتصاد والفكر والثقافة وبناء المجتمع ومعالجة القضايا المستجدة، ما أدّى إلى الاستسلام التام للاستبداد والظلم والطغيان، وغيرها من النتائج المؤلمة (١).
وبالجملة فإن هؤلاء حينما اعتقدوا بأن العبد ليس مسؤولاً عن أفعاله-حسب فهمهم-، أخرجوا العمل عن حقيقة الإيمان، ليقدموا العذر لأنفسهم عن تبعية العمل والمسؤولية عنه (٢)، فكان للجبر تأثيرٌ واضحٌ على مسائل الإيمان، لدرجة أنهم يجعلون كل أفعالهم طاعات -كما سبق-.
- سادساً: دعواهم استحالة (الجمع بين النقيضين):
هذه الضرورة العقلية عندهم انبنى عليها القول: بامتناع التفاوت في الحقيقة الشرعية للإيمان، ومقصودهم بالنقيضين هنا اجتماع شعب الإيمان وشعب الكفر في الشخص الواحد، وهذا ممتنع عندهم، بناء على أن التقابل بين الإيمان والكفر هو من باب التقابل بين السلب والإيجاب، فاستناداً لهذه الضرورة العقلية أحالت الخوارج والمعتزلة والجهمية والمرجئة وقوع التفاوت في الإيمان.
فالخوارج التزمت بهذا الأصل فكفروا مرتكب الكبيرة وذلك لقولهم بدخول العمل في الإيمان مع التزامهم بدعوى استحالة التفاوت، فكانت النتيجة الطبيعية لذلك: أن سلبوا الإيمان عن صاحب الكبيرة، وأثبتوا له ضده وهو الكفر؛ لأنه لا واسطة بين الإيمان والكفر.
ثم لما نبغت المعتزلة بعد ظهور فرقة الخوارج، استظهرت صحة ذاك الأصل الذي استندت إليه الخوارج في نفي الإيمان عن مرتكب الكبيرة -وهو دعوى استحالة التفاوت في الحقيقة الشرعية للإيمان- لكنها أرادت؛ لما رأت تنادي أهل السنة فيما بينهم بإنكار بدعة الخوارج، والتشنيع عليهم، ومخالفتهم للضرورة الشرعية المستقرة بدلائل الكتاب والسنة،
стр. 331
والإجماع على عدم تكفير مرتكب الكبيرة، ورأت أيضاً مخالفتهم للضرورة العقلية في مساواتهم بين المستحق للعذاب الأليم وهو الكافر، وبين من هو دون ذلك وهو مرتكب الكبيرة عندهم، أرادت الجمع بين الضرورتين: العقلية التي تقضي باستحالة التفاوت والضرورة الشرعية التي تدل على عدم استحقاق مرتكب الكبيرة لاسم الكفر، فتكايست لذلك لكنها في الوقت ذاته تناقضت من حيث أرادت الفرار من التناقض، وابتدعت القول: (بالمنزلة بين المنزلتين)، والتي حقيقتها نفي الإيمان عن مرتكب الكبيرة، وفي الوقت ذاته عدم تكفيره، والذهاب إلى إطلاق اسم "الفاسق" عليه.
أما المرجئة بشتى فرقها، فإنها ذهبت هي أيضاً إلى سلامة الأصل الذي استند إليه كل من الخوارج والمعتزلة، وهو استحالة التفاوت في حقيقة الإيمان بناء على استحالة الجمع بين النقيضين- ورأت أيضاً أن ما التزمت به كلتا الطائفتين مخالف للدلائل الشرعية الدالة على ثبوت وصف الإيمان لمرتكب الكبيرة، فدعاها ذلك إلى إخراج العمل من مسمى "الإيمان" ظناً منها أن سبب ضلال الفرقتين هو إدخالُهما العمل في حقيقة الإيمان، ولم توفق إلى معرفة أن سبب الضلال عند التحقيق، هو التزامهم جميعاً بتلك الشبهة التي تفرعت عنها جميع تلك اللوازم الفاسدة.
فتلك الشبهة قد جمعت تلك الفرق التي خالفت أهل السنة والجماعة، وإن اختلفوا في بيان حقيقة الإيمان عند كل منها؛ سواء من جعل هذه الحقيقة خصلة واحدة: وهم المرجئة، أو جعلها حقيقة مركبة -وهم الوعيدية-، فهم متفقون على التزام ذاك الأصل وهو دعوى استحالة التفاوت والتبعض في الإيمان، ذلك أنهم جعلوا الإيمان خصلة واحدة: فجعلوا قبول التفاوت فيه يستلزم ذهابه بذهاب بعضه واضمحلاله، ذلك لأن القول بنقص الإيمان يلزم منه أن يخلفه نقيضه وهو الكفر فيقوم بالعبد كفر وإيمان وهو ممتنع؛ لأنه من باب اجتماع النقيض مع نقيضه في شخص واحد، لذا امتنع القول بإمكان التفاوت (١).
стр. 332
ولا يخفى أن الانحراف عن جادة الصواب في فهم معنى الإيمان أمرٌ له خطورته؛ "فإن الخطأ في اسم الإيمان ليس كالخطأ في اسم محدَث، ولا كالخطأ في غيره من الأسماء؛ إذ كانت أحكام الدنيا والآخرة متعلقة باسم الإيمان والإسلام والكفر والنفاق" (١)، وقد أثمر هذا الخطأ -عند أولئك-أخطاء أخرى، أهمها اثنان:
أولها: يتعلق بموضوع زيادة الإيمان ونقصانه؛ فقد أطبق المرجئة على أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، متأولين النصوص الكثيرة الواردة في ذلك.
والآخر: يتعلق بتحقيق أصل التوحيد وعدمه (٢).
стр. 333
المطلب الثاني: الانحراف المؤدي إلى الإفراط في مسائل الإيمان .
من جملة المخالفين لأهل السنة والجماعة في هذا الباب: الخوارج (١)، والمعتزلة (٢) "الوعيدية"، فمخالفتهم لا تتعلق بإخراج العمل من مسمى الإيمان، كما هو الشأن مع المرجئة "المُفَرِطة"، بل مخالفتهم من جهة اعتبارهم أن الكبيرة تزيل اسم الإيمان، فأدى بهم هذا الغلو إلى مقالات رديئة منكرة، فبعضهم قال: إلى شرك، وبعضهم قال: إلى كفر نعمة، وبعضهم قال: إلى نفاق، وبعضهم قال: إلى فسق، ثم اتفوقوا: على أن كل من سُلِبَ عنه وصف الإيمان أنه لا يدخل الجنة؛ لأنه لا يدخلها إلا المؤمنون (٣)، فوقعوا بهذا الادعاء في تعطيل نصوص الشرع، وتضييق دائرة الإسلام، والافتراء على الله .
ومن أجل هذا فإن الانحراف المؤدي إلى الإفراط في مسائل الإيمان، يأتي من عدة أسباب، وهي:
- أولاً: انطلاقهم من أصلهم البدعي:
بنى الوعيدية مذهبهم على أن الإيمان شيء واحد لا يتركب ولا يتجزأ، وتَفرَّع عن هذا الأصل البدعي الفاسد بدع أخرى، منها:
١ - تكفيرهم لصاحب الكبيرة والحكم بخلوده في النار:
فمرتكب الكبيرة غير مؤمن -عند الوعيدية-؛ لأن إيمانه زال بارتكابه الكبيرة، فالإيمان عندهم شيء واحد إذا ذهب بعضه ذهب كله، ثم بنوا على هذا: القطع بإنفاذ الوعيد،
стр. 334
وخلود أرباب الكبائر في النار (١)، فحكموا بأن صاحب الكبيرة ليس معه شيء من الإيمان، ومن ثم حكموا بكفره وخلوده في النار.
ثم اختلفوا عليهم بعض فرقهم في معنى هذا الكفر وبعض لوازم هذا القول، فوافقتهم المعتزلة على هذا، لكن لما رأوا أن التسوية في الحكم بين الكافر والمرتد، وبين الزاني والسارق والشارب يستبعده العقل والشرع -حيث فرق الله بين حكم كل من هذين في الدنيا والآخرة-، اكتفوا بإزالة اسم الإيمان عنه ولم يدخلوه في مسمى الكفر، فابتدعوا ما أسموه (المنزلة بين المنزلتين)، أما في المآل والعاقبة، فهم والخوارج سواء (٢).
٢ - تكفير بعض الصحابة ﵃ -:
اعتقدوا تكفير بعض الصحابة كأهل التحكيم - عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري وكل من رضي بالتحكيم-، وتكفير أصحاب الجمل بمن فيهم عائشة أم المؤمنين ﵂.
قال ابن تيمية ﵀: " والخوارج والمعتزلة يقولون: إن صاحب الكبيرة يخلد في النار، ثم إنهم قد يتوهمون في بعض الأخيار أنه من أهل الكبائر، كما تتوهم الخوارج في عثمان وعليّ وأتباعهما أنهم مخلدون في النار ... ويبنون مذاهبهم على مقدمتين باطلتين:
إحداهما: أن فلاناً من أهل الكبائر. والثانية: أن كل صاحب كبيرة يخلد في النار.
وكلا القولين باطل، وأما الثاني فباطل على الإطلاق، وأما الأول فقد يعلم بطلانه، وقد يتوقف فيه" (٣).
٣ - إنكارهم لحجية السنة، وتعطيلهم لبعض الأحكام الشرعية:
لقد خالفت الوعيدية ما عليه المسلمون من التمسك والاحتجاج التام بسنة الرسول ﷺ ، ففي الوقت الذي أظهروا فيه التمسك الشديد بظاهر القرآن الكريم، أغفلوا التمسك بالحديث النبوي حتى المتواتر منه، وردوا ما خالف ظاهر القرآن عندهم! ، إما معتلين في ذلك بكونها أخبار آحاد لا تفيد اليقين، وإما بتعطيلها عن دلالتها بتسليط التأويل
стр. 335
عليها (١)، وما ذلك إلا لأنها أتت من طريق الصحابة، فرفضوا كل ما يأتي من أخبار وروايات وأحاديث عن طريقهم، بعد أن حكموا عليهم بالكفر والخروج من ملة الإسلام، كما أنها تعارض كثيراً مما اعتقدوه (٢).
قال ابن تيمية ﵀: " الخوارج لا يتمسكون من السنة إلا بما فسر مجملها (٣)، دون ما خالف ظاهر القرآن عندهم، فلا يرجمون الزاني، ولا يرون للسرقة نصاباً" (٤).
٤ - الخروج على الأئمة:
إن من الأمور التي أجمعت عليها الخوارج إجماعهم على "وجوب الخروج على الإمام الجائر" (٥)، سواء ظلموا أو أخطأوا، أو أظهروا جوراً في الحكم، أو كان فيهم تقصير عن إقامة الحدود، أو اتخذوا من أنفسهم أندادا لله في التشريع (٦)؛ فإن الخروج عليه حينئذ يكون واجباً (٧).
كما أنهم لا يرون للإمام ميزة إلا إقامة الأحكام الشرعية، ولهذا فمراجعته وانتقاده أمر عادي (٨)، ولقد أدت هذه النظرية إلى كثرة حروبهم وخروجهم على أئمتهم أو أئمة مخالفيهم وهذا يعتبر أمراً طبيعياً إزاء هذه الأحكام الخاطئة تجاه الإمام.
كما طال التكفير المحكومين فاعتبروا كفر الإمام سبباً في كفر رعيته، وذلك في قولهم: "إذا كفر الإمام فقد كفرت الرعية الغائب منهم والشاهد" (٩)؛ لأنهم -بزعمهم-رضوا بأولئك الحكام ولاة عليهم، بل إن الكثيرين منهم ساعدوا الحكام في تنفيذ رغباتهم، ولم يستثن من
стр. 336
أحكام التكفير العلماء؛ لأنهم لم يقوموا بواجبهم في الحكم بالتكفير على الحكام والمحكوم (١). وتكفيرهم للإمام والخروج عليه وما يتبع ذلك من لوازم؛ كان بسبب زوال الإيمان عنه، بناءً على أصلهم الفاسد.
- ثانياً: خطؤهم في فهم النصوص، وطرق الاستدلال:
أخذ الوعيدية بظواهر النصوص دون فقه، ولا اعتبار لدلالة المفهوم، ولا قواعد الاستدلال، ولا الجمع بين الأدلة، ولا اعتبار عندهم لفهم العلماء، لذا غلَّبوا نصُوص الوعيد والخوف، وأهملوا نصُوص الوعد والرجاء (٢)، وأخذوا يفسرون القرآن وفقاً لأهوائهم، فجاء تفسيرهم مفتعلاً موجهاً لخدمة أغراضهم (٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بدعة الوعيدية: " إن أصلها ما فهموه من القرآن فغلطوا في فهمه، ومقصودهم اتباع القرآن باطناً وظاهراً ليسوا زنادقة ... ، وكذلك الإرجاء إنما أحدثه قوم قصدهم جعل أهل القبلة كلهم مؤمنين ليسوا كفاراً" (٤).
وقال عنهم ﵀: " ليسوا ممن يتعمد الكذب؛ بل هم معروفون بالصدق، حتى يقال إن حديثهم من أصح الحديث، لكنهم جهلوا وضلوا في بدعتهم، ولم تكن بدعتهم عن زندقة وإلحاد؛ بل عن جهل وضلال في معرفة معاني الكتاب" (٥).
وبسبب وضعهم الدليل في غير ما يدل عليه، فقد رتبوا على حكم تكفير مرتكب الكبيرة استحلال قتل المسلمين، وفي ذلك يقول ابن عمر ﵄: ((ذهبوا إلى الآيات التي أنزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين)) (٦)، إذ التمسك بالقرآن لا يؤدي إلى سفك الدماء بغير حق! (٧).
стр. 337
بل مع ضلالهم هذا نظروا إلى جانب واحد من الأدلة وهو نصوص الوعيد، وأغفلوا نصوص الوعد، فحادوا عن الوسطية والاعتدال إلى الغلو والإفراط. فأعملوا نصوص الوعيد وأهملوا نصوص الوعد، فجعلوا ما توعد الله به المخالفين لأمره وأمر رسوله ﷺ نافذا لا محالة، سواء كان ذلك في حصول العذاب، أو الحرمان من الثواب، أو الخلود في النار، أو الخروج من الدين، ونتج عن هذا (١):
١ - التكفير بالمعاصي (الكبائر)، وإلحاق أهلها (المسلمين) بالكفار في الأحكام والدار والمعاملة والبراء منهم وامتحانهم، واستحلال دمائهم (٢).
٢ - الخروج على أئمة المسلمين اعتقاداً وعملاً -غالباً-، أو أحدهما أحياناً.
٣ - صرف نصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى منازعة الأئمة والخروج عليهم، وقتال المخالفين.
٤ - التشدد والتنطع في الدين كما وصفهم النبي ﷺ : ((تحقرون صلاتكم عند صلاتهم ... )) (٣)، فتظهر سيما الصالحين عليهم، وكثرة العبادة كالصلاة والصيام، وأثر السجود، وتشمير الثياب، ويكثر فيهم أيضاً الورع (علي غير فقه)، والصدق والزهد.
٥ - الغرور والتعالم والتعالي على العلماء، حتى زعموا أنهم أعلم من علي وابن عباس وسائر الصحابة، والتفّوا على الأحداث الصغار والجهلة قليلي العلم من رؤوسهم.
والتحقيق أن الكتاب والسنة مشتمل على نصوص الوعد والوعيد، كما أنه مشتمل على نصوص الأمر والنهي، وكل من النصوص يفسر الآخر ويبينه، وإلحاق هذه الأحكام
стр. 338
بالمعين لا بد لها من توافر شروط وانتفاء موانع في حقه؛ فالوعيد سبب مقتض للعذاب، والسبب يتوقف تأثره على وجود شرطه وانتفاء مانعه (١).
- ثالثاً: بسبب جور الحكام وظهور المنكرات:
هكذا كانت الوعيدية، تردد في خطبها ومقالاتها: أن الحكام ظلمة والمنكرات فاشية، وأنهم إنما خرجوا لهذا السبب حتى يقيموا العدل ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر ويعودوا بالناس إلى ربهم وإلى دينهم. ولقد كان هذا المعنى من أول المعاني التي تستعلن بها الوعيدية في تحريك عامتهم للخروج وحمل السلاح لتحقيق تلك الغاية، وليس الجور هو أصل النشأة، وإن كان مما يعزز الفكرة ويسوغها؛ لكنهم يتعللون بمثل هذا السبب في خروجهم؛ لأنهم سلبوا الحكام الإيمان فجعلوهم مرتدين عن الدين، كما أن لهم نظرة خاصة في الإمام معقدة وشديدة، بل إن الحكام القائمين في نظرهم لا يستحقون الخلافة، لعدم توافر شروط الخوارج القاسية فيهم.
حينها رأوا أن قتالهم والخروج عليهم -بزعمهم- قربة إلى الله ، وأن الأئمة ابتداءً بالإمام علي -مع عدله وفضله- ثم بحكام الأمويين والعباسيين ومن بعدهم، كلهم ظلمة في نظرهم دون تحر أو تحقيق، وهذا -أي ظلم الحكام- عندهم كفرٌ مُخرج من الملة، فاستحلوا دماء مخالفيهم حكاماً ومحكومين، والواقع أنهم حينما خرجوا فعلوا أضعاف ما كان موجوداً من المظالم والمنكرات (٢).
стр. 339
المبحث الثاني الآيات الرادة على البدع المتقابلة في مسائل الإيمان .
المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بمسائل الإيمان .
في أسماء الإيمان والدين وأحكام أهلها من الوعد والوعيد؛ يقف أهل السنة والجماعة موقفا وسطاً حيث يؤمنون أن أهل الكبائر من المسلمين معهم بعض الإيمان وأصله، وليس معهم جميع الإيمان الواجب الكامل الذي يستوجبون به الجنة، وأنهم لا يخلدون في النار، بل يخرج منها من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، وأن النبي ﷺ ادّخر شفاعته لأهل الكبائر من أمته، وبذلك يتوسطون بين الوعد والوعيد, ويؤمنون بالآيات كلها في هذا وذاك.
قال الإمام النووي (١) ﵀: " واعلم أن مذهب أهل السنة وما عليه أهل الحق من السلف والخلف، أن من مات موحداً دخل الجنة قطعاً على كل حال ... وأنه لا يخلد في النار أحد مات على التوحيد، ولو عمل من المعاصي ما عمل، كما أنه لا يدخل الجنة أحد مات على الكفر ولو عمل من أعمال البر ما عمل. هذا مختصر جامع لمذهب أهل الحق في هذه المسألة، وقد تظاهرت أدلة أهل الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به من الأمة على هذه القاعدة وتواترت بذلك نصوص تحصل العلم القطعي" (٢).
فهم -إذن- وسط بين الوعيدية، الذين غلّبوا آيات الوعيد والتخويف, فحكموا على مرتكب الكبيرة بالخروج من الإيمان بالكلية كالخوارج، أو بالخروج من الإيمان وعدم الدخول في الكفر كالمعتزلة القائلين بأنه في منزلة بين المنزلتين، ويكذبون بشفاعة النبي ﷺ ، وبين المرجئة الذين يرون أن مرتكب الكبيرة غير فاسق، وأنه لا يضر مع الإيمان أي ذنب، فهو مؤمن كامل الإيمان، وأن الأعمال الصالحة ليست من الدين، ويكذبون بالوعيد والعقاب بالكلية تغليبا لجانب الوعد وآياته، فكل من هذين الفريقين يؤمن بجانب ويهمل الآخر، لذا تعددت طرق القرآن العظيم
стр. 340
في بيان فساد سلوك المخالفين، وفيما يلي بعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة في هذا الباب:
الآية الأولى:
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾ فاطر: ٣٢ ، هذه الآية تردُ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي:
- أولاً: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط .
الآية قسمت أهل الإيمان من جهة أقدارهم في التدين إلى ثلاثة مراتب: الظالم لنفسه، والمقتصد، والسابق للخيرات، وكل مرتبة من هذه المراتب يتفاوت أهلها فيها تفاوتاً عظيماً. بل إن المؤمن تختلف أحواله من حيث ديمومة تذكره، وخشيته، واستمراره على قدم الطاعة والاستقامة.
فدل هذا على أن الإيمان ليس لزيادته حد، وليس لنقصه حد كذلك، وبذا يعلم بطلان من ناط الزيادة والنقص بالأعمال فقط، فأوقع الزيادة والنقص فيها ومنع من وقوعها في أصل الإيمان وهو التصديق كما هو مذهب المرجئة (١)، فأخرجوا العمل من مسمى الإيمان، فأتت هذه الآية لتبرهن على بطلان ما اعتقدوه.
كما أن في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، رد على غالية المرجئة ممن ينكرون العقاب بالكلية، أو ينكرون الوعيد في الآخرة رأساً (٢)؛ لأن تقسيم العباد على هذه الدرجات دليل على أن الله سيحاسبهم على أفعالهم، وسيجازيهم بما يستحقونه، فدل هذا على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان.
стр. 341
- ثانياً: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط .
كما أن هذه الآية -أيضاً- توضح بطلان من جعل حداً أدنى للإيمان، من لم يحققه انتفت عنه حقيقه الإيمان، ويجعلون ضابط هذا الحد الإتيان بجميع الفرائض، والكف عن جميع المحرمات، فإذا وقع الإخلال بهذين الأمرين، انتقص أصل الإيمان، وهذا ما التزمه الوعيدية.
فالوعيدية جعلوا الطاعات بجملتها ركناً في الإيمان، ولم يفرقوا بين ما ينتفي به أصل الإيمان من آحاد العمل، وبين ما لا ينتفي، وجعلوا الإخلال بها جميعاً موجباً لسلب الإيمان منه.
وقد أبان شيخ الإسلام عن غلط هؤلاء من حيث جعلهم الإيمان حقيقة واحدة متماثلة في حق جميع المكلفين فقال ﵀: " ليس الإيمان حقيقة واحدة مثل حقيقة مسمى (مسلم) في حق جميع المكلفين في جميع الأزمان بهذا الاعتبار مثل حقيقة البياض والسواد بل الإيمان والكفر يختلفان باختلاف المكلف وبلوغ التكليف له، وبزوال الخطاب الذي به التكليف ونحو ذلك" (١).
- ثالثاً: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان .
المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو اعتبارهم بأن: الإيمان حقيقة واحدة إذا ذهب بعضه ذهب كله، وأنه لا يجتمع في العبد إيمان وكفر.
ومنشأ الغلط هذا انبنى عليه عند أهل الأهواء والبدع الخوض في باب الأسماء والأحكام، بمحض عقولهم، فمنهم من رأى أنه لا تأثير للأعمال السيئة في نقصان الإيمان، ومنهم من غلا حتى جعل السيئات مُزيلةً للإيمان بالكلية؛ بناء على الأصل المشترك الذي أصلوه.
والخلاصة: أن الوعيدية في هذا الباب أحسن حالاً من المرجئة؛ لأنهم في اسم الإيمان أقرب إلى قول أهل السنة، وعندهم من تعظيم شأن الطاعات والمعاصي ما ليس عند أولئك،
стр. 342
إلا أنهم غلوا حتى سلبوا الإيمان بذهاب بعض الواجبات، وفي المقابل فإن المرجئة أقرب إلى أهل السنة في الحكم الأخروي (١)، وكلا الفريقين انحرف عن الحق- منهج أهل السنة-.
- رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد .
كلا الفرقتين انحرفتا عن الحق، والصواب المحض مع أهل السنة؛ "فعقيدة أهل السنة أصح مباني وأوضح معاني، وحسبك أنها جامعة لمحاسن العقائد" (٢).
لذلك منعوا من أن يكون للإيمان حد أدنى لا يكون فيه تفاوت (٣): فشعب الكفر الأصغر لا تنافي أصل الإيمان، وإنما تنافي كماله، وإنما الذي ينافي أصل الإيمان شعب الكفر الأكبر (٤).
لذا فإن جنس العمل -وهو جملة الالتزام بالشريعة- عند أهل السنة ركن في الإيمان، وأما آحاده فمنها ما لا يتحقق أصل الإيمان إلا به، ومنها ما هو من كماله، ففوات بعض الآحاد المحققة لأصله يقتضي انتفاء الإيمان، بخلاف الآحاد المقتضية لتحقيق كماله الواجب أو المستحب، فإنه لا يقتضي انتفاءه أي: انتفاء الإيمان جملة كما دلت عليه النصوص؛ لأن أهل السنة لا يسلبون المسلم مطلق الإيمان بل يسلبونه الإيمان المطلق الذي رتب الله تعالى عليه المديح والثناء، ودخول الجنة ابتداء (٥).
لذا فهم مجمعون على جواز اجتماع شعب إيمان وشعب كفر في الشخص الواحد، باعتبار أن شعب الكفر متفاوتة، كما أن شعب الإيمان متفاوتة، فالذي يمكن أن يجتمع مع أصل الإيمان، ولا ينافيه هي شعبُ الكفر الأصغر والتي تنافي كمال الإيمان الواجب لا أصله، وهذا الذي دلت عليه النصوص وقام عليه الإجماع.
стр. 343
فعند الخوارج لا تنفع حسنة إلا مع التقوى المطلقة الخالية من الكبائر، وعند المرجئة لا يضر التقوى إلا الشرك، فجعلوا أصحاب الكبائر داخلين في اسم المتقين، وعند أهل السنة مَنْ يتقِ الله في عمل قُبِلَ منه وإن كان عاصياً في غيره، ومن يعصه في عمل لم يقبل منه وإن كان مطيعا له في غيره.
فكان لاجتماع الرد على البدع المتقابلة في هذه الآية دليل على أن المنهج الحق هو ما سَعِد به أهل السنة والجماعة.
стр. 344
الآية الثانية:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ النساء: ٤٨ ، هذا الآية أتت في حق من لم يتب (١)؛ لأن التائب من الشرك يغفره له بنصوص القرآن واتفاق المسلمين، فكانت هذه الآية رادة على أصحاب البدع المتقابلة، وبيان ذلك فيما يلي:
- أولاً: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط .
في قوله تعالى: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ رد على المرجئة الذين زعموا أنه مغفور لكل مؤمن؛ لأنه دل على أن غفران ما دون الشرك إنما هو لقوم دون قوم؛ وليس لكل أحد (٢).
كما أن هذه الآية "ترد على المرجئة الواقفية، الذين يقولون: يجوز أن يعذب كل فاسق فلا يغفر لأحد، ويجوز أن يغفر للجميع، فإنه قد قال: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، فأثبت أن ما دون ذلك هو مغفور، لكن لمن شاء.
فلو كان لا يغفره لأحد بطل قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾، ولو كان يغفره لكل أحد بطل قوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾، فلما أثبت أنه يغفر ما دون ذلك، وأن المغفرة هي لمن يشاء، دل ذلك على وقوع المغفرة العامة مما دون الشرك، لكنها لبعض الناس.
وحينئذ فمن غفر له لم يعذب، ومن لم يغفر له عذب، وهذا مذهب الصحابة والسلف والأئمة، وهو القطع بأن بعض عصاة الأمة يدخل النار، وبعضهم يغفر له" (٣).
والكلام على مفهوم المرجئة للكفر فرع عن مفهومهم للإيمان، فلّما عرفوا الإيمان بأنه مجرد المعرفة والتصديق، حصروا الكفر في الجهل والتكذيب ونحوه من الجحود والإنكار والعناد، ومن هنا ضلوا في هذا الباب (٤)، فأتت هذه الآية للرد عليهم، وبيان فساد ما ابتدعوه.
стр. 345
- ثانياً: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط .
قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فيه رد على الوعيدية القائلين بأن من مات على كبيرة يخلد في النار؛ وذلك لأن المراد بغفران ما دون ذلك أي: غفران الكبائر قبل التوبة؛ لأنه تعالى علَّق هذا الغفران بالمشيئة، وغفران الكبائر والصغائر بعد التوبة مقطوع به غير معلق بالمشيئة (١)، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ الزمر: ٥٣، وقال: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ النساء: ٣١.
- ثالثاً: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان .
المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو اعتقادهم: أنه لا يجتمع في العبد إيمان وكفر، ومنشأ الغلط هذا انبنى عليه عند أهل الأهواء والبدع: مسألة أصحاب الكبائر وتكفيرهم الدائر بين النفي والإثبات.
فمنهم من رأى أنهم مؤمنون لا تأثير للذنوب والسيئات في نقصان إيمانهم، مستدلين بنصوص الوعد، فأخرجوا أعمال القلوب من مسمى الإيمان، وكان هذا من أعظم أسباب اضطرابهم وتناقضهم؛ ولذلك ظنوا أن سب الرسول ﷺ لا ينافي اعتقاد صدقه فيجوز اجتماع ذلك مع الإيمان، ولكن لو أدخلوا الأعمال في مسمى الإيمان لعلموا أنه يستحيل أن يسب المرء من أحبه وخضع واستسلم؛ لأن المحبة والاستسلام والانقياد إكرام وإعزاز، والسب والشتم إهانة وإذلال فلا يجتمعان (٢).
ومنهم من غلا حتى جعل مرتكب الكبيرة كافراً لا يخرج من النار إذا لم يتب، وأن سيئاته مُزيلة للإيمان بالكلية، وأنها لا تقبل فيه الشفاعة، مستدلين بنصوص الوعيد، وقالوا: إن الله توعَّد العاصين بالنار والعذاب، وهو لا يخلف الميعاد (٣).
стр. 346
- رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد .
باب التكفير نفياً وإثباتاً باب عظمت فيه الفتنة، وعمّت به المحنة، وكثر فيه الافتراق، وتشتت فيه الأهواء والآراء، وتعارضت فيه الحجج والأدلة، حتى صارت كل فرقةٍ ترمي أختها بالكفر والخروج من الملة، وكلٌّ يدعي لنفسه أنه الموحّد المؤمن، وغيره المشرك الكافر (١).
من أجل هذا تواترت النصوص الدالة على عدم كفر مرتكب الكبيرة، وعدم خلوده في النار إن دخلها، ما لم يستحل، وهذا من الأصول الاعتقادية المجمع عليها بين أهل السنة (٢).
كما تواترت الأدلة على محاسبة الناس على أعمالهم، وقد سمى الله يوم القيامة يوم الحساب، لأنه اليوم الذي يحاسب الإنسان فيه على عمله، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤)﴾ فصلت: ٢١ - ٢٤.
من أجل هذا كان اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد، للدلالة على المذهب الحق مذهب أهل السنة، وقد أجمله الطحاوي (٣)
﵀ في قوله: " وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون، وإن لم يكونوا تائبين بعد أن لقوا الله عارفين (٤) وهم في مشيئته وحكمه إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله، كما ذكر في كتابه: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ النساء: ٤٨، وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته، ثم يبعثهم إلى جنته، وذلك بأن الله تعالى تولى
стр. 347
أهل معرفته ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكرته، الذين خابوا من هدايته ولم ينالوا من ولايته" (١).
стр. 348
الآية الثالثة:
قوله تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ التوبة: ١١٢ ، في هذه الآية رد على طائفتين، ضلتا في هذا الباب، وبيان ذلك فيما يلي:
- أولاً: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط .
ردت هذه الآية الكريمة على أهل التفريط من المرجئة، وأهل الفجور الذين يرون ترك العبادات الظاهرة، ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ظنًّا منهم أنَّ ذلك من باب ترك الفتنة، ومعلومٌ ما في هذا المذهب من الفتنة والفساد، فجاء الأمر بذلك عند قوله : ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾.
وقد نبه شيخ الإسلام ﵀ على أن كثيراً من المرجئة لا يعرفون اعتقاد أهل السنة والجماعة كما يجب، أو يعرفون بعضه ويجهلون بعضه، وما عرفوه منه قد لا يبينونه للناس بل يكتمونه، ولا ينهون عن البدع المخالفة للكتاب والسنة، ولا يذمون أهل البدع ويعاقبونهم، بل لعلهم يذمون الكلام في السنة وأصول الدين ذماً مطلقا، لا يفرقون بين ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع، وما يقوله أهل البدع والفرقة، أو يقرِّون الجميع على مذاهبهم المختلفة، وهذه طريقة منحرفة، خارجة عن الكتاب والسنة (١).
وخلاصة الأمر أن المرجئة قصروا في النهي عن المنكر، وفي الأمر بكثير من المعروف (٢).
стр. 349
- ثانياً: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط .
الغُلاة وهم طرف الخوارج: الذين يرون أن قتال أئمة الجور ومن والاهم من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنهم فعلوا الظلم أو ما ظنوه ظلمًا، وهذا عندهم كفرٌ مُخرج من الملة، وقصدوا بذلك طاعة الله ورسوله ﷺ فغلطوا (١).
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الحكام، وولاة الأمور، من المسائل الهامة، والتي إذا أساء الناس فهمها، ترتب على ذلك فتن عظيمة، ومفاسد كبيرة في البلاد والعباد، من أجل هذا ردت هذه الآية على أصحاب الغلو، عند قوله تعالى: ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾؛ لأن من الحفظ لحدود الله ألا يزال المنكر بما هو أنكر منه، ولهذا حُرم الخروج على ولاة الأمور بالسيف، لأجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والذنوب (٢)؛ لأن ذلك يؤول إلى الفتن التي تؤدي إلى سفك دماء المسلمين وهذا أعظم من فعل المنكر الذي قصد إزالته (٣)، والقرآن الكريم والسنة الصحيحة، هما المورد العذب لمعرفة الطريقة المثلى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قال ابن مفلح الحنبلي ﵀ (٤): " ولا ينكر أحد على سلطانه إلا وعظاً له، وتخويفاً، أو تحذيراً من العاقبة في الدنيا والآخرة، فإنه يجب، ويحرم بغير ذلك" (٥).
قال أبو قلابة ﵀ (٦):
" ما ابتدع رجل بدعة إلا استحل السيف" (٧)، هذا هو أصل الخروج، ثم يأتي بعد ذلك إيجاد الأعذار، إما بأن استحلالهم هذا كان أمراً بالمعروف أو نهياً عن المنكر، أو غير ذلك ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ الأنعام: ٤٣.
стр. 350
- ثالثاً: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان .
المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو اعتقادهم: أنه لا يجتمع في العبد إيمان وكفر، ومنشأ الغلط هذا انبنى عليه عند الوعيدية: جعل الإيمان من المخالفين حقيقة مركبة من اعتقاد وقول وعمل، يلزم بزوال البعض زوال جميع هذه الحقيقة؛ إذ لو فرُض وقوع النقص في هذه الحقيقة مع بقائها، وعدم زوالها لانبنى على ذلك أن يجتمع في الشخص إيمان وكفر، وتوحيد وشرك، وهذا خلاف الضرورة العقلية بزعمهم (١)، لذلك خرجوا على الحكام بالسيف، خشية أن ينقص إيمانهم بتركهم النهي عن المنكر، بعد أن رأوا أن الحاكم أخل بإيمانه، على الأصل الذي اعتمدوه.
أما المرجئة فقد أراحت نفسها بأن أخرجت العمل من مسمى الإيمان، حتى لا يجتمع في العبد إيمان وكفر، لذلك لم تعتبر الأعمال الظاهرة من الإيمان، ومن هنا فرطت في عبادة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
- رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد .
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمراتبه وأحواله وأحكامه اختلف فيه الناس، فالمرجئة أهل طريقة التفريط: أدخالوا الأعمال الظاهرة في الإيمان فعطّلوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والخوارج أهل طريقة الغلو: رأوا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر معناه الخروج على الحكام وسفك الدماء.
وكلا الفرقتين انحرفتا عن الحق، والصواب المحض مع أهل السنة، فهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة لا على ما توجبه أهواؤهم وعقولهم (٢)؛ لأن من قواعد أهل السنة أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون واجباً إذا غلب على الظن الانتفاع، كما قال الله: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩)﴾ الأعلى: ٩.
من أجل هذا كانت هذه الآية الكريمة دالة على منهج أهل السنة والجماعة، رادةً على أهل البدع المتقابلة.
стр. 351
المطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في مسائل الإيمان .
الإيمان بالله سبحانه أساس سعادة العبد، وعليه مدار نجاته وفلاحه في دنياه وآخرته، فحاجة الإنسان إليه فوق كل حاجة وضرورته إليه فوق كل ضرورة، وهذه بعض الآيات الرادة على الانحراف العقدي في مسائل الإيمان، للدلالة على اهتمام الشرع بهذا الباب العظيم:
١ - قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ الإسراء: ٥٧، هذه الآية فيها دعوة إلى أن يكون الإنسان في حال سيره إلى الله ما بين الخوف والرجاء، والسير بهذا المنوال يخرج به الإنسان من طائفتين ضلتا في هذا الباب، فالمرجئة يقولون: لا يضر مع الإيمان شيء، فمن كان راجياً فقط وترك الخوف دخل في طائفة المرجئة، ومن أفرط في الخوف دخل في طائفة الوعيدية الذين يرون أن مرتكب الكبيرة يكفر ويخلد في النار ما لم يتب قبل أن يموت.
٢ - قال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣)﴾ هود: ٣، في هذه الآية رد على الجهمية والمرجئة الذين يقولون: "لا يضر مع الإيمان ذنب كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة" (١)، فبين الله سبحانه أن الذنوب تضر أصحابها، وأن أمر صاحبها إلى الله ، وأما الطاعة مع الكفر فلا تنفع، فالكافر إذا حصلت منه طاعة فإنها تكون مردودة وغير مقبولة، كما دلت هذه الآية على بطلان قول المرجئة الذين لا يكفرون إلا بالاستحلال فقط، فدلت هذه الآية على أن قولهم هذا باطل، لمخالفته لمنطوق نصوص الوعيد؛ لأن الوعيد نيط فيها بالفعل دون الاستحلال؛ ولأن الاستحلال بمجرده موجب للوعيد فعل أو لم يفعل (٢).
كما أن في هذه الآية ردٌ على الوعيدية الذين تعلقوا بنصوص الوعيد وتركوا نصوص الوعد فإن من رحمة الله بخلقه أن أوجد أسباباً وطرقاً لإسقاط الوعيد عن خلقه الذين معهم أصل التوحيد؛ فتلك الأسباب لا تجدي نفعاً إن لم يكن مع العبد أصل التوحيد الذي هو أهم سبب لنجاة العبد من عذاب الله ووعيده؛ لأن الذنب الأعظم -وهو الشرك بالله تعالى- لا توجد
стр. 352
حسنة تستطيع محوه إلا حسنة التوحيد؛ وأما بقية الذنوب والمعاصي فقد تنوعت الحسنات والطرق التي تزيل لحوق الوعيد بمرتكبها؛ فضلاً من الله وتكرماً. فكانت هذه الآية رادة على كلا البدعتين.
٣ - قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾ البقرة: ١١٢، في هذه الآية رد على المرجئة الذين لا يشترطون النية الخالصة للعمل -لازم قولهم-؛ لأنهم يعتقدون أنه لا تأثير لفعلهم الصالح والسيئ على الإيمان، فالأعمال خارجة عن الإيمان -بزعمهم-، فردت عليهم هذه الآية: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ -فالوجه رمز على الكل، ولفظ أسلم يعني الاستسلام والتسليم (١) - فدل هذا على وجوب إخلاص كل الأعمال -الظاهرة والباطنة- لله ، وفيها كذلك رد على الوعيدية الذين حسنت نيتهم ولم تصح أعمالهم ولم تقتد بالشرع ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ ... أي متابع لما جاء به الشرع لا مبتدع ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾، فكان لازم قبول العمل أن يكون خالصا صواباً وهذا هو اعتقاد أهل السنة والجماعة.
٤ - قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ الأنفال: ٢، في هذه الآية ردٌّ على من منع تفاوت الإيمان، وتفاضله، ودخول الأعمال فيه، فذكر الأعمال الصالحة الظاهرة (٢) والباطنة (٣) وجعلها من الإيمان ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، دليل على أنه لم يثبت لهم حقيقة الإيمان إلا باجتماع خصال الخير من الأعمال الظاهرة والباطنة، والمرجئة يثبتون حقيقته بالتصديق وحده، كما أنه قال بعد ذلك كله: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ﴾ الأنفال: ٤، وقد أثبت لهم الإيمان بشرائطه وحقيقته، وهم لا يجعلون للمؤمن في إيمانه إلا درجة واحدة، ولا يجعلون للإيمان أجزاء (٤)، كما أن في هذا أيضاً رداً على الوعيدية الذين جعلوا الإيمان جزءاً واحداً يزول بزوال بعض أجزائه، فكان قوله تعالى: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ﴾ دليل على أن الإيمان يزيد وينقص، وهذا ما عليه أهل السنة والجماعة.
стр. 353
١ - ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ الفرقان: ٧٠، في هذه الآية رد على المرجئة الذين أخرجوا العمل من حقيقة الإيمان، وقالوا: بأن السيئات لا تؤثر على الإيمان، ونفوا الوعيد عن عصاة الموحدين (١)، فجاء قوله : ﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ للدلالة على تأثير الأعمال على الإيمان، فبطل اعتقاد من يعمل السيئات ويرجو أن يتساوى هو ومن عمل الصالحات.
كما أن فيها رداً على الوعيدية الذين سلبوا أسماء الدين والإيمان عمن يستحقها شرعاً، وقالوا: بخلود العصاة في جهنم (٢)،
فإن الله تعالى قد أخبر بالمغفرة ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾، وذكر سبحانه أسباباً كثيرة لإسقاط الذنب غير التوبة ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ مما يدل على عدم الخلود، واستحقاقهم لأصل الإيمان.
وبهذا يتبين فساد قول كل من الوعيدية والمرجئة في مسائل الإيمان، وأن الحق هو مذهب أهل السنة والجماعة.
стр. 354
الباب الثالث: الآيات الرادة على البدع المتقابلة في بقية أركان الإيمان:
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: الآيات الواردة في الإيمان بالملائكة.
الفصل الثاني: الآيات الواردة في الإيمان بالكتب.
الفصل الثالث: الآيات الواردة في الإيمان بالرسل.
الفصل الرابع: الآيات الواردة في الإيمان باليوم الآخر.
الفصل الخامس: الآيات الواردة في الإيمان بالقضاء والقدر.
стр. 355
الفصل ١ الآيات الواردة في الإيمان بالملائكة.
وفيه تمهيد ومبحثان:
تمهيد في تعريف الملائكة.
المبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة
في الملائكة.
المبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع
المتقابلة في الإيمان بالملائكة.