المطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في مسائل الإيمان .
الإيمان بالله سبحانه أساس سعادة العبد، وعليه مدار نجاته وفلاحه في دنياه وآخرته، فحاجة الإنسان إليه فوق كل حاجة وضرورته إليه فوق كل ضرورة، وهذه بعض الآيات الرادة على الانحراف العقدي في مسائل الإيمان، للدلالة على اهتمام الشرع بهذا الباب العظيم:
١ - قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ الإسراء: ٥٧، هذه الآية فيها دعوة إلى أن يكون الإنسان في حال سيره إلى الله ما بين الخوف والرجاء، والسير بهذا المنوال يخرج به الإنسان من طائفتين ضلتا في هذا الباب، فالمرجئة يقولون: لا يضر مع الإيمان شيء، فمن كان راجياً فقط وترك الخوف دخل في طائفة المرجئة، ومن أفرط في الخوف دخل في طائفة الوعيدية الذين يرون أن مرتكب الكبيرة يكفر ويخلد في النار ما لم يتب قبل أن يموت.
٢ - قال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣)﴾ هود: ٣، في هذه الآية رد على الجهمية والمرجئة الذين يقولون: "لا يضر مع الإيمان ذنب كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة" (١)، فبين الله سبحانه أن الذنوب تضر أصحابها، وأن أمر صاحبها إلى الله ، وأما الطاعة مع الكفر فلا تنفع، فالكافر إذا حصلت منه طاعة فإنها تكون مردودة وغير مقبولة، كما دلت هذه الآية على بطلان قول المرجئة الذين لا يكفرون إلا بالاستحلال فقط، فدلت هذه الآية على أن قولهم هذا باطل، لمخالفته لمنطوق نصوص الوعيد؛ لأن الوعيد نيط فيها بالفعل دون الاستحلال؛ ولأن الاستحلال بمجرده موجب للوعيد فعل أو لم يفعل (٢).
كما أن في هذه الآية ردٌ على الوعيدية الذين تعلقوا بنصوص الوعيد وتركوا نصوص الوعد فإن من رحمة الله بخلقه أن أوجد أسباباً وطرقاً لإسقاط الوعيد عن خلقه الذين معهم أصل التوحيد؛ فتلك الأسباب لا تجدي نفعاً إن لم يكن مع العبد أصل التوحيد الذي هو أهم سبب لنجاة العبد من عذاب الله ووعيده؛ لأن الذنب الأعظم -وهو الشرك بالله تعالى- لا توجد
стр. 352
حسنة تستطيع محوه إلا حسنة التوحيد؛ وأما بقية الذنوب والمعاصي فقد تنوعت الحسنات والطرق التي تزيل لحوق الوعيد بمرتكبها؛ فضلاً من الله وتكرماً. فكانت هذه الآية رادة على كلا البدعتين.
٣ - قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾ البقرة: ١١٢، في هذه الآية رد على المرجئة الذين لا يشترطون النية الخالصة للعمل -لازم قولهم-؛ لأنهم يعتقدون أنه لا تأثير لفعلهم الصالح والسيئ على الإيمان، فالأعمال خارجة عن الإيمان -بزعمهم-، فردت عليهم هذه الآية: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ -فالوجه رمز على الكل، ولفظ أسلم يعني الاستسلام والتسليم (١) - فدل هذا على وجوب إخلاص كل الأعمال -الظاهرة والباطنة- لله ، وفيها كذلك رد على الوعيدية الذين حسنت نيتهم ولم تصح أعمالهم ولم تقتد بالشرع ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ ... أي متابع لما جاء به الشرع لا مبتدع ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾، فكان لازم قبول العمل أن يكون خالصا صواباً وهذا هو اعتقاد أهل السنة والجماعة.
٤ - قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ الأنفال: ٢، في هذه الآية ردٌّ على من منع تفاوت الإيمان، وتفاضله، ودخول الأعمال فيه، فذكر الأعمال الصالحة الظاهرة (٢) والباطنة (٣) وجعلها من الإيمان ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، دليل على أنه لم يثبت لهم حقيقة الإيمان إلا باجتماع خصال الخير من الأعمال الظاهرة والباطنة، والمرجئة يثبتون حقيقته بالتصديق وحده، كما أنه قال بعد ذلك كله: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ﴾ الأنفال: ٤، وقد أثبت لهم الإيمان بشرائطه وحقيقته، وهم لا يجعلون للمؤمن في إيمانه إلا درجة واحدة، ولا يجعلون للإيمان أجزاء (٤)، كما أن في هذا أيضاً رداً على الوعيدية الذين جعلوا الإيمان جزءاً واحداً يزول بزوال بعض أجزائه، فكان قوله تعالى: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ﴾ دليل على أن الإيمان يزيد وينقص، وهذا ما عليه أهل السنة والجماعة.
стр. 353
١ - ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ الفرقان: ٧٠، في هذه الآية رد على المرجئة الذين أخرجوا العمل من حقيقة الإيمان، وقالوا: بأن السيئات لا تؤثر على الإيمان، ونفوا الوعيد عن عصاة الموحدين (١)، فجاء قوله : ﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ للدلالة على تأثير الأعمال على الإيمان، فبطل اعتقاد من يعمل السيئات ويرجو أن يتساوى هو ومن عمل الصالحات.
كما أن فيها رداً على الوعيدية الذين سلبوا أسماء الدين والإيمان عمن يستحقها شرعاً، وقالوا: بخلود العصاة في جهنم (٢)،
فإن الله تعالى قد أخبر بالمغفرة ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾، وذكر سبحانه أسباباً كثيرة لإسقاط الذنب غير التوبة ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ مما يدل على عدم الخلود، واستحقاقهم لأصل الإيمان.
وبهذا يتبين فساد قول كل من الوعيدية والمرجئة في مسائل الإيمان، وأن الحق هو مذهب أهل السنة والجماعة.
стр. 354
الباب الثالث: الآيات الرادة على البدع المتقابلة في بقية أركان الإيمان:
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: الآيات الواردة في الإيمان بالملائكة.
الفصل الثاني: الآيات الواردة في الإيمان بالكتب.
الفصل الثالث: الآيات الواردة في الإيمان بالرسل.
الفصل الرابع: الآيات الواردة في الإيمان باليوم الآخر.
الفصل الخامس: الآيات الواردة في الإيمان بالقضاء والقدر.
стр. 355
الفصل ١ الآيات الواردة في الإيمان بالملائكة.
وفيه تمهيد ومبحثان:
تمهيد في تعريف الملائكة.
المبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة
في الملائكة.
المبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع
المتقابلة في الإيمان بالملائكة.
стр. 356
تمهيد في تعريف الملائكة:
الإيمان بالملائكة أصلٌ من أصول الاعتقاد، لا يتم إيمان العبد حتى يقر بهم، ويؤمن بوجودهم، كما قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ﴾ البقرة: ٢٨٥، ويصَدِّق بكلِّ ما جاء به الوحي من أسمائهم وأوصافهم وأعمالهم، وأنهم خلق من خلق الله تعالى، خلقهم لعبادته، واصطفاهم لقربه، واختصهم بتدبير أمره، وجعلهم سفراءه ورسله إلى خلقه.
وكتاب الله مملوء من ذكرهم، بل لا تكاد تخلو سورة من سور القرآن عن ذكر الملائكة تصريحاً، أو تلويحاً، أو إشارة، وأما ذكرهم في الأحاديث النبوية فأكثر وأشهر من أن يذكر، بل لم تخل جميع الديانات وكتبها من ذكر الملائكة؛ لأنه لا يؤمن أحد بوحي الله إلى رسله إلا ويؤمن بالملائكة الحاملة لهذه الرسالة، ولهذا كان الإيمان بالملائكة ﵈ أحد الأصول الستة التي هي أركان الإيمان (١).
لذا كان لهذا الفصل -الإيمان بالملائكة-تعلق واضح وصلة عميقة بجميع أركان الإيمان، فلا يتم الإيمان بالله وكتبه ورسله إلا بالإيمان بالملائكة؛ لأنهم يبلغون وحي الله إلى خلقه.
قال ابن سعدي (٢) ﵀: "الإيمان بالملائكة أحد أصول الإيمان ولا يتم الإيمان بالله وكتبه ورسله إلا بالإيمان بالملائكة وقد وصفهم الله بأكمل الصفات" (٣).
ولذلك قُدم ذكر الملائكة على ذكر الكتاب والنبيين، قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ البقرة: ١٧٧، فالملائكة هم الذين يأتون إلى الأنبياء بالكتب، قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾
стр. 357
الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥، فيلزم من إنكار الملائكة إنكار الوحي والنبوة، وذلك يستلزم إنكار اليوم الآخر (١).
وحقيقة الملائكة، وكيفية خلقهم، وتفصيلات أحوالهم؛ من عوالم الغيب التي استأثر الله بها، -لذا فإن الإيمان بالملائكة من الإيمان بالغيب الذي هو صفة من صفات المؤمنين المتقين كما قال سبحانه: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ البقرة: ٢ - ٣، بل إن أركان الإيمان الستة كلُّها غيب-، ولا يمكن أن يُعلم الغيب إلا من طريق الوحي؛ لذلك انحصر طريق معرفتهم ﵈ في الوحيين الكتاب والسنة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وما تواتر عن الأنبياء من وصف الملائكة هو مما يوجب العلم اليقين بوجودهم في الخارج ... " (٢).
عليه فوجود الملائكة ثابت بالدليل القطعي الذي لا يمكن أن يلحقه أدنى شك، ومن هنا كان إنكار وجودهم كفراً بنص القرآن الكريم، فقد قال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ النساء: ١٣٦ (٣).
لذلك فإن الإيمان بالملائكة وما يدخل تحته يكاد ألا يكون فيه موضع خلاف بين أهل السنة وغيرهم، فالقول فيه متفق عليه تماما بين غالبية الفرق المنتسبة للإِسلام، قال شيخ الإسلام ﵀: " وليس بين أهل الملل خلاف في أن الملائكة جميعهم مخلوقون" (٤).
ويحسن قبل الشروع في مباحث هذا الفصل التمهيد بالتعريف وبيان الأهمية.
أول اً: التعريف بالملائكة:
أ-التعريف بالملائكة:
стр. 358
الملائكة: جمع مَلَك، قال ابن فارس (١):
" الميم واللام والكاف أصل صحيح يدل على قوة في الشيء وصحة" (٢). اختلف اللغويون في اشتقاقه من عدمه، ثم اختلف القائلون بالاشتقاق في أصل مادة الاشتقاق (٣).
والقول باشتقاقه، وأن أصله من الألوكة: وهي الرسالة، أصوب من جهة اللغة والمعنى.
يقول الحافظ ابن جرير ﵀: " الملائكة: جمع ملاك -بغير الهمزة-، وهذا أكثر وأشهر في كلام العرب منه بالهمز، وذلك أنهم يقولون في واحدهم: ملك من الملائكة ... فسميت الملائكة ملائكة بالرسالة؛ لأنها رسل الله بينه وبين أنبيائه، ومن أرسلت إليه من عباده" (٤).
قال الكسائي (٥): "أصله مألك بتقديم الهمزة من الألوك، وهي الرسالة، ثم قلبت وقدمت اللام فقيل: ملأك ... ثم تركت همزته لكثرة الاستعمال فقيل: مَلكَ. فلما جمعوه ردّوها إليه فقالوا: ملائكة وملائك" (٦).
قال شيخ الإسلام ﵀: "والملك في اللغة: حامل الألوكة وهي الرسالة" (٧).
وإنما سميت الرسالة ألوكة ومألكة؛ لأنها تُؤْلَكُ في الفم، من قولهم: يأْلُكُ اللجام ويعلُكُه (٨).
стр. 359
أما الملائكة في التعريف الشرعي فهم:
عالم غيبي خلقهم الله من نور، ومنحهم الانقياد التام لأمره، والقوة على تنفيذه، مربوبون مُسخرون، عباد مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لا يوصفون بالذكورة ولا بالأنوثة، لا يأكلون ولا يشربون، ولا يملُّون ولا يتعبون ولا يتناكحون ولا يعلم عددهم إلا الله، ليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية من شيء (١).
وعرَّفها بعضهم بأنهم: أجسام نورانية (٢) علوية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة كاملة في العلم والقدرة على الأفعال الشاقة، وشأنها الطاعات، ومسكنها السموات هم رسل الله تعالى إلى أنبيائه، وأمناؤه على وحيه، يسبحون الليل والنهار لا يفترون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة لعدم دليل على ذلك، ولا يعلم عددهم إلا الله (٣).
ونسب ابن حجر في فتح الباري إلى الجمهور القول بأن الملائكة: " أجسام لطيفة أعطيت قدرة على التشكُّل بأشكالٍ مختلفة مسكنها السموات خلقت من النور" (٤).
ب- معنى الإيمان بالملائكة:
وعليه فالإيمان بالملائكة: يتضمن التصديق والاعتقاد الجازم بما أخبر الله تعالى عن ملائكته، وإنزالهم منزلتهم التي أنزلهم الله إياها في كتابه وسنة نبيه ﷺ دون زيادة أو نقصان (٥).
стр. 360
وهذا ينتظم أموراً أربعة (١):
الأول: الإيمان بوجودهم ، ويكون الإيمان بهم تفصيلاً وإجمالاً، فما ورد تعيينه باسمه المخصوص كجبريل وميكائيل ومالك فنؤمن بهم وبوظائفهم تفصيلاً على ما بين في الكتاب والسنة، وأما الذين لم يرد ذكر أسمائهم فنؤمن بهم إجمالاً.
الثاني: إنزالهم منازلهم ، وإثبات أنهم عباد الله وخلقه كالإنس والجن، وأنهم مكلفون بعبادة الله، ولا يقدرون إلا على ما أقدرهم الله عليه، والموت عليهم جائز، ولكن الله جعل لهم أمداً بعيداً، ولا يوصفون بشيء يؤدي وصفهم به إلى إشراكهم بالله تعالى (٢).
الثالث: الإيمان بما علمنا من صفاتهم على الإجمال والتفصيل .
إجمالاً: بأنهم مخلوقون من نور، وأنهم على صور حسنة جداً، وأنهم خلق عظيم.
وتفصيلاً: الإيمان بما علمنا من أوصاف بعضهم (٣).
الرابع: الإيمان بما علمنا من أعمالهم على الإجمال والتفصيل .
إجمالاً: أنهم يفعلون ما أمرهم الله تعالى ولا يعصونه.
وتفصيلاً: أن منهم من هو موكل بأعمال مخصوصة (٤).
стр. 361
ثانياً: بيان ثمرة وأهمية الإيمان بالملائكة:
الإيمان بالملائكة يثمر ثمرات جليلة منها (١):
أولاً: العلم بعظمة الله تعالى وقوته وسلطانه، فإن عظمة المخلوق من عظمة الخالق، وإذا كان الملك قادراً على إحصاء كل دقيق وجليل، فإن معطي الكمال أولى به (٢).
ثانياً: شكر الله تعالى ومحبته على عنايته وحمايته لبني آدم، حيث جعل الله عليهم حفظة يحفظونهم من الجن والشياطين ومن كل شرٍّ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ الرعد: ١١. واطمئنان المؤمن إلى أنه محاطٌ برعاية الله تعالى له، بهؤلاء الخلق العظام الذين يرعون شؤونه، ويسيرون كثيراً من شؤون الكون بإذن الله تعالى، ليستوجب محبته والعمل على طاعته.
ثالثاً: التقرب إلى الله بحب الملائكة على ما قاموا به من مراضي الله، وعبادة الله تعالى، وتحقيقها على الوجه الأكمل، ونصرتهم للمؤمنين واستغفارهم لهم. قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ الأنفال: ١٢، ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ غافر: ٧.
كما أن دعاء الملائكة للمؤمنين من أسباب تثبيت المؤمنين وتسديدهم -وهذا يوجب محبتهم-، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ الأحزاب: ٤٣، قال شيخ الإسلام ﵀ تعليقاً على هذه الآية: " فدل ذلك على أن هذه الصلاة سبب لخروجهم من الظلمات إلى النور" (٣).
стр. 362
ودعاء الملائكة للمؤمنين شاهد صدق على محبتهم لهم، وحرصهم على استقامة أحوالهم، قال الشيخ السعدي: " فمن محبة الملائكة لهم -أي للمؤمنين- دعوا الله واجتهدوا في صلاح أحوالهم؛ لأن الدعاء للشخص من أدل الدلائل على محبته؛ لأنه لا يدعو إلا لمن يحبه" (١).
رابعاً: الاستقامةُ على أمر الله والصبر على طاعته، والحث على العمل الصالح والزجر عن السيئات؛ لأن الملائكة يترصدون جميع الأعمال ويكتبونها (٢).
فمن يستشعر وجود الملائكة معه وعدم مفارقتها له، ويؤمن برقابتهم لأعماله وأقواله وشهادتهم على كل ما يصدر عنه، فيورثه الاستقامة، فلا يخالف الله في أمر ولا يعصيه في سرِّ ولا علانية، مواصلاً الجهاد في سبيل الله، وعدم اليأس والشعور بالأنس والطمأنينة؛ لأن جنود الله معه، فيجد منهم أنيسًا ورفيقًا يصحبه ويطمئنه ويشجعه على مواصلة السير في طريق الهدى.
خامساً: إغلاقُ باب الخرافة والتخيلاتِ الباطلة والاعتقادات الزائفة في الملائكة، وذلك بأن يعلم المسلم أن الملائكة لا ينفعون ولا يضرون، وإنما هم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، فلا يعبدهم ولا يتوجه إليهم، ولا يتعلق بهم -بما أطلعنا من أمر الملائكة وأفعالها-.
سادساً: ومن ثمرات الإيمان بالملائكة تطهير عقيدة المسلم من شوائب الشركِ وأدرانه؛ لأنَّ المسلم إذا آمن بوجود الملائكة الذين كلفهم الله بأعمال عظيمة تخلَّص من الاعتقاد بوجود مخلوقات وهميةٍ تسهمُ في تسيير أمورِ الكون (٣).
стр. 363
المبحث الأول ما جاء في البدع المتقابلة في الإيمان بالملائكة .
تمهيد:
إذا تقرر وجوب الإيمان بالملائكة ﵈، فإن لهذا الإيمان ما يناقضه، لذلك نجد أصحاب البدع المتقابلة قد خالفوا أهل السنة والجماعة في هذا الركن المهم من أركان الإيمان، فوافقوا بذلك الأمم السابقة الذين وقفوا موقف التناقض من الغلو والمجافاة، فالغالي منهم عبدهم من دون الله والجافي وصفهم بما لا يليق (١).
وسبب انحراف هذه الفرق في الإيمان بالملائكة، يرجع إلى سبب واحد رئيس، وهو:
انحرافهم في باب الإيمان بالغيب، واعتمادهم على العقل والحس والتصورات الفاسدة، في الإيمان بالملائكة من عدمه.
"ولا يصار إلى بيان المبهمات إلا بقاطع" (٢)، ولا سبيل إلى العلم بذلك إلا عن طريق الخبر، إما من كتاب الله , وإما عن طريق نبيه ﷺ . ومن أجل هذا فقد، انقسم الناس إلى طرفين متقابلين، طرف انتهج الغلو والإفراط والزيادة! ! وطرف سلك طريق التقصير والتفريط والنقصان! ؛ لإعراضهم عن هدي المرسلين واتباعهم غير سبيل المؤمنين. وبيان ذلك في المطلبين الآتيين.
стр. 364
المطلب الأول: الانحراف المؤدي إلى التفريط في الإيمان بالملائكة .
تواترت نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية في الحديث عن الملائكة، ومع كل هذا نجد من فَرط في هذا الركن العظيم، فأثبت وجودهم، لكنه انحرف إلى الاستهزاء بهم أو سبهم فقال: إنهم بنات الله وهذا اعتقاد العرب المشركين قديماً، أو أنهم خانوا الأمانة كما زعمت الشيعة (١)، أو وصفهم بالشهوة والأكل والشرب إلى غير ذلك (٢).
وهذا كله شطط وخروج عن منهج القصد والحق في الإيمان بالملائكة.
ويمكن الوقوف على طرق الانحراف المؤدية إلى التفريط في الإيمان بالملائكة الكرام، من خلال ما يلي:
- أولاً: الإيمان بالمحسوسات فقط:
ظهرت دعوى أنه لا إيمان إلا بما يقع عليه الحس، وأن كل ما لا يقع عليه الحس غير موجود (٣)، فأنكر الغلاة من أجل ذلك ما جاءت به الأديان السماوية من حقائق غيبية أيقن بوجودها العاقل -لإخبار الصادق بها- وتقبلتها الفطرة بارتياح، إذ إن الحس ليس كل شيء في المعرفة فهناك مغيبات لا يتناولها الحس.
وهؤلاء الملحدون حصروا العلوم المدركة في دوائر ضيقة، فما أدركوه بحواسهم وتجاربهم أثبتوه، وما لم يدركوه بذلك نفوه، وهذا باطل، بل قصور في العلم (٤)؛ لأن وسائل العلم ثلاثة:
١ - المعرفة المباشرة، وتكون بالإدراك الحسي، ولو عن طريق الأجهزة والأدوات.
٢ - الاستدلال العقلي بمختلف طرقه الاستنتاجية والاستنباطية الصحيحة، والمؤيدة بالحجج والبرهانية أوالمقبولة.
стр. 365
٣ - الخبر الصادق، ومن الخبر الصادق الوحي الذي يتلقاه نبي من أنبياء الله مؤيد بالمعجزات الباهرات ويبلغه عن الله (١).
قال ابن القيم ﵀: " المعلومات المعاينة التي لا تدرك إلا بالخبر أضعاف أضعاف المعلومات التي تدرك بالحس والعقل، بل لا نسبة بينها بوجه من الوجوه، ولهذا كان إدراك السمع أعم وأشمل من إدراك البصر، فإنه يدرك الأمور المعدومة والموجودة والحاضرة والغائبة، والمعلومات التي لا تدرك بالحسِّ والأمور الغائبة عن الحس نسبة المحسوس إليها كقطرة من بحر، ولا سبيل إلى العلم بها إلا بالخبر الصادق" (٢).
والإيمان بالمحسوسات فقط نداء إلى الجهل والطيش والوقوع في الحيرة والوسوسة؛ لأننا إذا أبطلنا كل العلوم عدا المحسوسات، فإننا قد أبطلنا علوماً جمة، ومعارف كثيرة (٣).
ووجود هذا العالم العجيب المحكم عند من يؤمنون بالمحسوسات فقط، يضطرهم إلى القول بالمحارَات، الوقوع في المحالات، فإنه يلزمُ حينئذٍ إمَّا القول بِقِدَمِ العالم، والقِدَمُ بنفسه هو أعظم المحارات، أو القول بحدوثه من غير مُحدِثٍ ولا مُرَجِّحٍ، وذلك من أعظم المحالات (٤).
والحقيقة أن أصل التعطيل ومنشأ التفريط هو: انحرافهم في باب الإيمان بالغيب (٥)،
الذي يتفاضل فيه الناس ويتفاوتون، لذا كان الإيمان بالغيب ركيزةً أساسيةً من ركائز الإيمان في الرسالات السماوية كلها. فقد جاءت هذه الرسالاتُ بكثير من الأمور الغيبية التي لا سبيل
стр. 366
للإنسان إلى العلم بها إلا بطريق الوحي الثابت في الكتاب والسنة، كالحديث عن الله تعالى وصفاته وأفعاله وعن السماوات السبع وما فيهن، وعن الملائكة والنبيين والجنة والنار والشياطين والجن وغير ذلك من الحقائق الإيمانية الغيبية، التي لا سبيل لإدراكها والعلم بها إلا بالخبر الصادق عن الله تعالى ورسوله ﷺ (١).
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ بعد أن ذكر جملة من الأحاديث الواردة في شأن الملائكة وصفاتهم-: "وفي هذا وما ورد من القرآن رد على من أنكر وجود الملائكة من الملاحدة" (٢).
لذلك فإن أعظم الناس إنكاراً لها الفلاسفة المسمون عند من يعظمهم بالحكماء، فالملائكة عندهم هي القوى العقلية المجردة، فليس هناك ذات منفصلة تصعد وتنزل، وتذهب وتجيء، وترى وتخاطب الرسل، وإنما ذلك عندهم أمور ذهنية لا وجود لها في الأعيان (٣)، فأنكروا رؤيتها؛ لأنها ليست أجساماً عندهم، كما يلزم من إنكارهم للملائكة أيضاً إنكار الوحي ونزول جبريل ﵇ به، وإنكار النبوة، وإنكار الجن، وإنكار اليوم الآخر، إلى غير ذلك من الجحود لآيات الله تعالى، الذي يناقض الإقرار والتصديق، ومن ثَمَّ فقد توعّد الله تعالى أولئك المنكرين لآياته، المكذبين بها بالعذاب المهين والخلود في نار جهنم.
قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠)﴾ الأعراف: ٤٠.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧)﴾ الحج: ٥٧.
بل إن صفة الجحود لتلك الآيات لا تقوم إلا في الكفار، كما قال ﵎: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (٤٧)﴾ العنكبوت: ٤٧.
والذي ينبغي معرفته أن الفلاسفة لا يؤمنون بوجود الله حقيقة، ولا يؤمنون بوحي ولا نبوة ولا رسالة، وينكرون كل غيب، فالمبادئ الفلسفية جميعها تقوم على أصلين هما:
الأصل الأول: أن الأصل في العلوم هو عقل الإنسان، فهو عندهم مصدر العلم.
стр. 367
الأصل الثاني: أن العلوم محصورة في الأمور المحسوسة المشاهدة فقط.
فتحت الأصل الأول أبطلوا الوحي، وتحت الأصل الثاني أبطلوا الأمور الغيبية بما فيها الإيمان بالله واليوم الآخر.
وقد تسلط الفلاسفة على المسائل الاعتقادية وزعموا أنها مجرد أوهام وخيالات لا حقيقة لها ولا وجود لها في الخارج، فلا الله موجود حقيقة، ولا نبوة ولا نبي على التحقيق، ولا ملائكة، ولا جنة ولا نار، ولا بعث ولا نشور (١).
وبالجملة فإن إنكار الغيب أصل كل شر، وهذا باب واسع ليس هذا موضعه.
- ثانياً: محاولة إدراك صفات الملائكة بالعقل:
يجب الإيمان بصفات الملائكة الكرام الخَلْقية والخُلُقية، والأعمال التي يقومون بها كما ورد ذكرها في القرآن والسنة على وجه التفصيل؛ لأن إقحام العقل في كل ما سبق سبب للانحراف في الإيمان بالملائكة، ونتيجة إلى التفريط في هذا الأصل العظيم.
من أجل ذلك نجد من أهل البدع من الفلاسفة (٢) وغيرهم يقولون: إنها قوى معنوية لا أجسام، فيجعلون الملائكة قوى النفس الصالحة والشياطين قوى النفس الخبيثة، وسجود الملائكة طاعة القوى الصالحة للعقل، وامتناع الشياطين عصيان القوى الخبيثة للعقل ونحو ذلك من المقالات (٣) التي يتفوه بها أصحاب الفرق الباطنية، ويعتقدها الدهريون والملحدون من الماديين الذين ينكرون الخالق وكل الأمور الغيبية (٤)، أو كقول المؤولين الذين يؤولون
стр. 368
الملائكة بأمور غير صحيحة كقولهم بأن المراد من نفوس الملائكة اللوح المحفوظ (١)، أما العقلانيون الآن فيزعمون أن الملائكة قوى طبيعية، أو ناموس طبيعي توجد في المخلوقات أوجدها الله فيها منذ الأزل، أو الفكر الموجود في الإنسان والحيوان والنبات، وينكرون مجيء الملك إلى الأنبياء، أو وجودهم في الأرض أو في السماء مع إنكارهم للوظائف التي يقومون بها، وقولهم هو نفسه قول الفلاسفة القدماء (٢).
قال ابن القيم ﵀ في بيان عقيدة المنحرفين في باب الإيمان بالملائكة المكرمين: " وأما الإيمان بالملائكة فهم لا يعرفون الملائكة، ولا يؤمنون بهم، وإنما الملائكة عندهم ما يتصوره النبي بزعمهم في نفسه من أشكال نُورانية، هي العقول عندهم، وهي مجردات ليست داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق السموات ولا تحتها، ولا هي أشخاص تتحرك، ولا تصعد ولا تنزل، ولا تُدبر شيئاً، ولا تتكلم، ولا تكتب أعمال العبد، ولا لها إحساس ولا حركة ألبتة، ولا تنتقل من مكان إلى مكان، ولا تصف عند ربها، ولا تصلي، ولا لها تصرف في أمر العالم ألبتة؛ فلا تقبض نفس العبد، ولا تكتب رزقه وأجله وعمله، ولا عن اليمين وعن الشمال قعيد، كل هذا لا حقيقة له عندهم ألبتة، وربما تقرب بعضهم إلى الإسلام فقال: الملائكة هي القوى الخيرة الفاضلة التي في العبد، والشياطين هي القوى الشريرة الرديئة، هذا إذا تقربوا إلى الإسلام وإلى الرسل" (٣).
والحقيقة أنهم إنما توهموا هذا لمّا خاضوا بعقولهم في تصورها، قال ابن الأثير -تعليقاً على حديث: ((أطت السماء وحق لها أن تئط ... )) (٤) -: وهذا مثل وإيذان بكثرة الملائكة، كثرة لا يسعها عقل البشر (٥)، فالعقول لا تستطيع إدراكها، كما أن للملائكة أجنحة، كما ثبت في الأحاديث، لكنها لا تضبط بالفكر، بل يجب الإيمان بها إجمالاً، وهي صفات ملكية، لا
стр. 369
تدرك بالعين، فإن الله أخبر بأنها مثنى وثلاث ورباع، ولم ير لطائر ثلاثة أو أربعة أجنحة، فكيف بستمائة جناح، فدل على أنها صفات لا تضبط بالفكر، ولا ورد ببيانها خبر، فيجب الإيمان بها إجمالاً (١).
ولا يغرب عن البال، أن كل تصور عن عالم غيبي لا يمكن أن يكون صحيحاً إلا بدليل سمعي يدل عليه.
- ثالثاً: لوازم اعتقاداتهم الفاسدة في بقية أركان الإيمان:
نجد أن الجبرية الجهمية لما عطلوا الله عن صفات الكمال ونعوت الجلال، - فقالوا: لا سمع له ولا بصر ولا قدرة ولا حياة ولا إرادة ولا كلام ولا أمر ولا تعرج الملائكة والروح إليه، ولا ينزل الأمر والوحي من عنده، وليس فوق العرش إلهٌ يُعبد ولا يُصلى له ويسجد-، فإذا كانوا يقولون بعدم الرب فيلزمهم القول بعدم وجود الملائكة، وهذا من الخلل الواضح في معتقدهم في الإيمان بالملائكة وإن لم يصرحوا بالنفي أو بالعدم صراحة، وهم يصرحون صراحة بعدم كلام الله ، فيلزمهم بقولهم هذا عدم إرسال الملائكة، حيث إنهم لا يقومون بالوحي إلا بعد كلام الله لهم (٢).
كما أن كل من قال بخلق القرآن فقد ضل في باب الإيمان بالملائكة؛ لأنه عطل جبريل ﵇ عن أعظم أفعاله ألا وهو إنزال كلام الله .
وكذلك القائلون بنفي صفة الرؤية والنزول لله يؤدي ذلك إلى تعطيل حملة العرش عن أعمالهم، يقول الله تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧)﴾ الحاقة: ١٧، فيتضح بذلك الخلل في هذا الركن بإنكار صفات الله.
стр. 370
كما أن المعتزلة أنكروا عذاب القبر ونعيمه (١)،
فعطلوا بعض الملائكة من أعمالهم، وكذلك قالوا بتخليد مرتكب الكبيرة في النار (٢) فجعلوا الزبانية يعذبون المؤمن الذي لا يستحق العذاب كالكافر، وفي هذا مخالفة لأمر الله فيتبع ذلك على معتقدهم الفاسد مخالفة الملائكة لأوامر الله ، وبذلك يظهر الخلل في هذا الركن عند القدرية وهذا أيضاً ما تقوله الخوارج (٣).
كما أن المعتزلة تقول بالعدل وهو أصل من أصولها (٤)، وبقولها هذا أخرجت أفعال الملائكة والإنس والجن وحركاتهم وأقوالهم وإراداتهم عن قدرته ومشيئته وخلقه، وهذا من الخلل أيضا في موقفهم من الإيمان بالملائكة.
كما أن الصوفية تقول بالإلهام (٥) والأخذ مباشرة من الملائكة (٦)، فلازم قولهم وصف الملائكة بالمعاصي والآثام والتقليل من شأنهم.
ومن الخلل في عقيدة المرجئة في ركن الإيمان بالملائكة أنهم يزعمون أنه ليس لله كلام مسموع (٧) وأن جبريل لم يسمع من الله شيئاً مما أداه إلى رسله ﵈، فيكون على حد زعمهم أن جبريل ادعى كذباً أن ما في المصحف هو كلام الله وهذا وصف لجبريل بالتنقيص وعدم الأمانة مع أنه موصوف بها كما قال تعالى: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾ التكوير: ٢١، ويؤدي قولهم إلى تعطيل جبريل من أفضل أعمال ألا وهي الوحي، بل هذا
стр. 371
لازم قول الأشاعرة كذلك القائلين: بأن الله لم يتكلم بحرف وصوت، وأنه أفهم جبريل ما في نفسه من الكلام بلطيفة (١). وغير ذلك من اللوازم الباطلة.
стр. 372
المطلب الثاني: الانحراف المؤدي إلى الإفراط في الإيمان بالملائكة .
من جملة المخالفين لأهل السنة والجماعة في هذا الباب من أخبر الله عنهم في كتابه بقوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ سبأ: ٤٠ - ٤١.
في هذه الآية دليل على أنه سيبلغ الغلو في الملائكة إلى درجة العبادة، فأخبر عن الملائكة أنهم إذا سُئلوا عن عبادة من عبدهم تبرّؤوا إلى الله من ولايتهم، وعلى هذا يكون ذلك تنكيلا للكافرين حيث بين لهم أن معبودهم لا ينفع ولا يضر.
لذا فإن الانحراف المؤدي إلى الإفراط في الإيمان بالملائكة، يأتي من طريقتين، وهما:
- أولاً: انحرافهم في مفهوم التوحيد وتقريره:
والشرك الذي ذكره الله في كتابه إنما هو عبادة غيره من الملائكة وغيرهم (١)، والملائكة هم من أعظم وأكبر من عُبِدَ من دون الله، وسبب عبادتهم كان التوسل بهم إلى الله تعالى، وطلب القربة إليه (٢)؛ لأجل صلاحهم (٣)، ممن يزعم أنه محقق للتوحيد -وهو من أعظم الناس إشراكاً- (٤)؛ لأنهم لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق أو تنْزل المطر أو تنبت النبات وإنما كانوا يدعونهم (٥)
ويقولون: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ يونس: ١٨، اعتقاداً في الملك بأنه لأجل صلاحه وقربه يملك أن يشفع عند الله، ولأجل قربه لا يَرُدُّ الله تعالى طلبه كما هو الشأن في المخلوقين، قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨)﴾ الزمر: ٣٨.
стр. 373
فكل ما وجد الصلاح أو وصف بالصلاح أحد ظنوا أنه يقربهم ويرفع إلى الله حوائجهم لتقضى من عنده سبحانه، قالوا: هذا تصرف له العبادة "ليشفعوا لهم"، هذه غاية سؤال الملائكة، فآل الغلو في الصالحين إلى الشرك بالله في الإلهية، وهو أعظم ذنب عُصي الله به، وأول شرك وقع على ظهر الأرض، وهو ينافي التوحيد الذي دلَّت عليه كلمة الإخلاص: شهادة أن لا إله الله (١).
قال ابن تيمية ﵀: " فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع، ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنب، وهداية القلوب، وتفريج الكروب، وسد الفاقات، فهو كافر بإجماع المسلمين" (٢)، وقد نقل كلام شيخ الإسلام هذا جملة من أهل العلم (٣).
قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾ آل عمران: ٨٠.
إذاً فالانحراف في تحقيق توحيد الألوهية سبب في انحرافهم في الإيمان بالملائكة.
- ثانياً: إضفاء صفات الربوبية على الملائكة:
سبق بيان أن الانحراف في تحقيق توحيد الألوهية يؤول إلى الانحراف في الإيمان بالملائكة، وهنا بيان أن الانحراف في توحيد الربوبية سبب كذلك في الانحراف في الإيمان بالملائكة؛ ذلك أنه وجد فئام من الضالين وصفوا الملائكة بأنها تعلم الغيب، قال تعالى للرد عليهم: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ النمل: ٦٥، كما وجد من يعتقد أن كل حركة في العالم ناشئة عن ملائكته (٤).
стр. 374
من أجل هذا نجمت اعتقادات بدعية غاليةٌ في الإيمان بالملائكة، فبدأ هؤلاء المبتدعة بالتقرب إليها -حتى تنكشف لهم الغيوب-، بل وصل بعضهم إلى عبادتها -كما سبق-، ووراء هذا غُلوٌ ينتهي إلى القول بمشاهدة الله، يدخلونه في باب الكرامات (١).
стр. 375
المبحث الثاني الآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان بالملائكة .
المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بالإيمان بالملائكة .
بين الله في كتابه وسنة نبيه ﷺ مسألة الإيمان بالملائكة، بما ينفع الناس، ويدلهم على الصراط المستقيم، ويصحح تصوراتهم، وأفكارهم، ومعتقدهم في قضايا الاعتقاد وغيرها، وهذا ما يعمق الإيمان ويرسخه، ويقي من الوقوعِ في الخرافات والأوهام.
كما بين الله الانحراف الذي وقع فيه الناس تجاه اعتقادهم في الملائكة منذ القِدَم، فهناك من عبدهم، وهناك من ظن: أنهم بنات الله، وهناك من يرى: أنهم هم الأفلاك التي نراها في الفضاء، وبعضهم أنكر وجودها، ومنهم من عادى بعضهم، ووصف الملائكة بأنهم يشربون ويأكلون، إلى غير ذلك من البدع المتقابلة في الإيمان بالملائكة؛ لأن من سمات أهل البدع أنهم لا يوفقون إلى الوسطية، فهم بين الغلو والتقصير.
من أجل هذا جاء القرآن ليبين منهج الوسطية في هذا الركن العظيم، لذا تعددت طرق القرآن الكريم في بيان فساد سلوك المخالفين والتحذير منها، وفيما يلي بعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان بالملائكة الكرام:
الآية الأولى:
قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ النحل: ٥٠ ، هذه الآية تردُ على بدعتين متقابلتين في باب الإيمان بالملائكة، وبيان ذلك فيما يلي:
- أولاً: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط .
ردت هذه الآية الكريمة على أهل التفريط والجفاء، الذين عطلوا الملائكة عن أعمالهم: فعطلوا جبريل ﵇ عن أعظم أعماله "الوحي"، وعطلوا حملة العرش عن أعمالهم وغير ذلك -كما هو لازم أقوالهم البدعية-، فأبانت هذه الآية في قولها: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ بأن للملائكة أعمالاً يؤدونها عبادة لرب العالمين -كما أمرهم بها- تتصف بغاية الإتقان.
стр. 376
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " أي: هم قادرون على ذلك لا يعجزون عن شيء منه بل يفعلونه كله، فيلزم وجود كل ما أمروا به، وقد يكون في ضمن ذلك أنهم لا يفعلون إلا المأمور به، كما يقول القائل: أنا أفعل ما أمرت به، أي: أفعله ولا أتعداه إلى زيادة ولا نقصان" (١).
كما أن في قوله تعالى: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ وقوله: ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ الأنبياء: ٢٧، دليل عن عصمة الملائكة واشتغالهم التام بالعبادة؛ ومن كان كذلك امتنع منه صدور الخطيئة، لا سيما مع عدم المنازع من هوى أو شهوة (٢)، فيكون ذلك رداً على المبتدعة الذين وصفوا الملائكة بالنواقص وارتكاب المعاصي وأن لهم شهوة وغير ذلك.
- ثانياً: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط .
كما أن في هذه الآية -أيضاً- رداً على الغلاة عُبَّادُ الملائكة، الذين صرفوا لها شيئاً من الألوهية؛ فأبانت هذه الآية أن هؤلاء الملائكة لا يستحقون أن يعبدوا فهم ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾، فكانت هذه الآية دليلٌ على بطلان عبادة الملائكة، فالملائكة مع فضلهم ومكانتهم ومع كونهم يعبدون الله لا يفترون، ومع كونهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، مع هذه الخصائص جميعاً لا يستحقون العبادة؛ لأنهم يخافون (٣)، والإله لا يخاف، كما نصت هذه الآية على أَن الْمَلَائِكَة متعبدون، والإله يُعبد ولا يتعبد لأحد، قال تعالى: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾.
وإذا بطل ذلك في حق الملائكة وهم أقوى الخلق خِلقة، ومن أقربهم إلى الله منزلة فلأن تبطل عبادة من سواهم من الآدميين والجن والإنس من باب أولى، فكان هذا دليل على بيان بُطلان عبادة كل من عُبد من دون الله من الأنبياء، والأولياء، والصالحين، والملائكة؛ لأنهم إذا بطلت عبادة هؤلاء، فبُطلان عبادة من دونهم من باب أولى (٤).
стр. 377
- ثالثاً: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان .
المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو: ظلالهم في باب الإيمان بالغيب، مما أدى بهم إلى سلوك طرفي نقيض: فمنهم من أنكر الغيب وأنكر تبعاً لذلك الملائكة؛ لأنهم من عالم غيبي، ومنهم من غلا فاعتقد أنها تعلم الغيب، فوصفها بالربوبية، وصرف لها شيئا من العبادة.
- رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد .
أتت هذه الآية الكريمة للدلالة على أن المذهب الحق ليس ما ذهب إليه أصحاب الغلو والجفاء، بل هو ما ذهب إليه السلف -رضوان الله عليهم-، ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة؛ لأنهم آمنوا بما دلت عليه النصوص من أوصاف الملائكة، بلا إفراط ولا تفريط، إيماناً منهم بما أخبر به الله من الغيب.
لذا جعل الله صفة الإيمان بالغيب أول صفة للمتقين المهتدين بالقرآن والسنة ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ البقرة: ٢ - ٣؛ وذلك حتى يوحد المؤمنون طريق التلقي فلا يتلقون غيباً إلا من الله، ومن أقامه للإخبار بالغيب عنه وهم رسله، وأنبياؤه فقط.
стр. 378
الآية الثانية:
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ التحريم: ٦، هذه الآية وإن كانت صريحة الدلالة على المطلوب، إلا أنها تردُ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي:
- أولاً: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط .
في هذه الآية الكريمة ردٌ على الجفاة الذين زعموا أن الملائكة إناثٌ (١)، وقد أخبر الله تعالى أن الإناث جُبلنَ على الضعف، والرقة (٢)؛ وفي هذه الآية أخبر سبحانه عن الملائكة أنهم موصوفون بالقوة، والشدة، وضخامة الخلق: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾، لتبين أن هناك فرقاً بين خلقة الإناث، وخلقة الملائكة، فكان في هذا التناسب بيانٌ لضعف قولهم والرد عليهم (٣).
- ثانياً: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط .
كما نصت هذه الآية على أَن الْمَلَائِكَة متعبدون، قال تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾، فكانت رداً على من وصف الملائكة بصفات الألوهية أو الربوبية، فصرف لها شيئاً مما لا يجوز صرفه إلا لله .
- ثالثاً: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان .
المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو: اعتمادهم على العقل دون الشرع، حيث وصفوا الملائكة حسب ما تمليه عليهم عقولهم، فمنهم من أفرط فوصفها -حسب ما صور له عقله- بأنها إناث، محاولة منه لإخضاع عوالم الغيب لمقاييسه البشرية الدنيوية، ولقد
стр. 379
ضلّ في هذا المجال مشركو العرب الذين كانوا يزعمون أن الملائكة إناث، واختلطت هذه المقولة المجافية للحقيقة عندهم بخرافة أعظم وأكبر؛ إذ زعموا أن هؤلاء الإناث بنات الله.
وناقشهم القرآن في هاتين القضيتين، فبين أنهم - فيما ذهبوا إليه - لم يعتمدوا على دليل صحيح، وهكذا تنشأ الخرافة، وتتفرع في عقول الذين لا يتصلون بالنور الإلهي (١).
ومنهم من غلا فوصفها بصفات الربوبية وصرف لها الألوهية، وذلك ناتج من عدم التزامهم بما نصت عليه الآيات الكثيرة فكذبوا خبر الله ، وإخبار رسوله ﷺ عنهم، بأنهم عباد مكرمون، ليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية من شيء قال تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ الأنبياء: ١٩ - ٢٠، ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾ الأنبياء: ٢٩.
قال الشيخ السعدي ﵀: " فالملائكة الكرام والأنبياء والأولياء ونحوهم يتبرؤون ممن عبدهم يوم القيامة، ويتنصلون من دعائهم إياهم إلى عبادتهم، وهم الصادقون البارون في ذلك" (٢).
- رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد .
هذه الآية شاهدة على طريقة أهل السنة ومنهجهم العام في باب الإيمان بالملائكة فهم بين الغلو والتقصير؛ لأنهم يعتقدون اعتقاداً جازماً أن لله ملائكة موجودين مخلوقين من نور، غير موصوفين بالذكورة ولا الأنوثة، وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم، وأنهم قائمون بوظائفهم التي أمرهم الله بالقيام بها، ولا يصلح أن تصرف لهم العبادة، كما لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن بوجودهم، وبما ورد في حقهم من صفات وأعمال في كتاب الله سبحانه، وسنة رسوله ﷺ من غير زيادة، ولا نقصان ولا تحريف (٣).
стр. 380
الآية الثالثة:
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾ سبأ: ٢٣ ، هذه الآية تردُ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي:
- أولاً: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط .
الملائكة عباد الله اختارهم واصطفاهم، ولهم مكانة عند ربهم، والمؤمن الذي يعبد الله، ويتبع رضوانه لا مناص له من أن يتولى الملائكة بالحب والتوقير، ويتجنب كل ما من شأنه أن يسيء إليهم ويؤذيهم، خاصة وأن الملائكة ممن تشفع للمسلمين يوم القيامة (١)، قال تعالى: ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ فنص تعالى على أن الشفاعة يوم القيامة تنفع عنده ممن أذن له فيها ورضي قوله، ولا يخفى أن الله تعالى بوأ الملائكة المكانة العليا لديه، واصطفاهم وقربهم منه سبحانه، ووصفهم بصفات تقتضي احترامهم وإكرامهم وحبهم.
فكانت هذه الآية رادةً على من أنقص الملائكة عن الحق المشروع لهم من التعظيم والمحبة، قال ابن حزم ﵀: " وصح بالنص أن كل من استهزأ بالله تعالى، أو بملك من الملائكة، أو بنبي من الأنبياء ﵈، أو بآية من القرآن، أو بفريضة من فرائض الدين؛ فهي كلها آيات الله تعالى بعد بلوغ الحجة إليه فهو كافر" (٢).
- ثانياً: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط .
الملائكة هي من أعظم وأكبر من عُبِدَ من دون الله، وسبب عبادتها كان التوسل بهم إلى الله تعالى (٣)،
وطلب القربة إليه؛ لأجل صلاحهم، لذلك قالوا: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾
стр. 381
يونس: ١٨، وهذا اعتقاد في الملك بأنه لأجل صلاحه وقربه يملك أن يشفع عند الله، ولأجل قربه لا يَرُدُّ الله تعالى طلبه كما هو الشأن في المخلوقين.
فرد الله عليهم هذا المعتقد الفاسد في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، فبين الله تعالى أن شفاعة الملائكة لا تكون إلا بإذنه، ولا تكون إلا لمن ارتضى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾ الأنبياء: ٢٨ - ٢٩، فذكر هذا الوعيد في الملائكة تنبيهاً على أن دعوى الإلهية لا تجوز لأحد من المخلوقين، لا ملك ولا غيره، وأنه لو قدر وقوع ذلك من ملك من الملائكة لكان جزاؤه جهنم، فكيف بمن دونهم؟ وهذا التخصيص لإفراد الله بالإلهية (١).
كما جاء في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾، بيان لحال الملائكة الذين هم أقوى وأعظم من عُبد من دون الله فإذا كان حالهم مع الله ما ذُكر من هيبتهم منه وخشيتهم له فكيف يُدعون مع الله، فغيرهم من باب أولى. ففي ذلك ردٌّ على جميع المشركين الذين يدعون مع الله من لا يُداني الملائكة (٢).
- ثالثاً: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان .
المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو: قياسهم الفاسد، فمنهم من قاس الملائكة الكرام على المحسوسات فأنكر المغيبات، ومن ذلك عالم الملائكة الغيبي، وبعضهم
стр. 382
أنقصها عن قدرها الذي ارتضاه الله لها، فلم يتقرب إلى الله بحبها ولم يطمع في شفاعتها؛ لأن الشفاعة كذلك أمر غيبي (١).
ومنهم من قاسها على المخلوقين، فاتخذ الملائكة شفعاء من جنس ما يعهدونه من الشفاعة عند المخلوقين؛ لأنهم أهل قرب ومنزلة وجاه وفضل، ومن كان كذلك فقد تأهل للشفاعة، قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ يونس: ١٨، فنفى الله هذه الشفاعة التي أثبتها المشركون، وظنوها حاصلة ممن قصدوه وتوجَّهوا إليه، وسألوه رغبا ورهبا.
رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد.
أتت هذه الآية الكريمة للدلالة على أن المذهب الحق هو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، فهم وسط في مسألة الشفاعة بين الغلاة والجفاة، فقد أجمعوا على ثبوت الشفاعة للنبي ﷺ وللملائكة والصالحين من عباد الله تعالى، كما نطَق بذلك القرآن العزيز والسنَّة الصحيحة المتواترة، وبذلك انعقد إجماع أئمَّة الأمة، ولم يشذَّ عنهم إلا المُبتدعة من الفِرَق المارقة، ومن ثَمَّ كانت من المعلوم من الدين بالضرورة.
وكما أثبت أهل السنة الشفاعة، فهم لا يطمعون فيها إلا بشروطها (٢)، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ سبأ: ٢٣، وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾ سبأ: ٢٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ معقباً على الآيتين السابقتين: " نفى عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط من الملك أو يكون عونا لله، ولم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ البقرة: ٢٥٥. وقال تعالى عن الملائكة: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ
يَعْمَلُونَ (٢٧)
المطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان بالملائكة .
أختم هذا الفصل بذكرٍ إجمالي للآيات الرادة على الانحراف العقدي في الإيمان بالملائكة؛ والآيات التالية سيقت على سبيل المثال لا الحصر:
١ - قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾ الزخرف: ١٩، تردُ هذه الآية على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي:
ردت هذه الآية على من غلا في الملائكة فرفعها عن القدر الواجب، قال : ﴿الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ الزخرف: ١٩، ليبن أنهم عباده، وأنه ولا يجوز صرف شيء لهم من خصائصه سبحانه، وإذا بطلت عبادة الملائكة فالجن وغيرهم من الناس من باب أولى، وإذا بطلت عبادة الرسول ﷺ فالأولياء من باب أولى ألا يُعبَدوا من دون الله (١).
كما أن المشركين - قبحهم الله-جعلوا الملائكة الذين هم عبادُ الرحمن إناثاً، ثم ادعوا أنهم بناتُ الله، ثم عبدوهم، فاقترفوا الجريمة العظمى في المقامات الثلاثة (٢).
وقد أبطل القرآن العظيم هذه الفرية من أربعة أوجه:
أ-نفى علمهم بحقيقة الملائكة، فليس لديهم دليل حسي بهذا الشأن، ولذا قال تعالى: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ الزخرف: ١٩، وقال سبحانه: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠)﴾ الصافات: ١٥٠، أي: وهم حاضرون، وسؤاله لهم على وجه الإنكار والتوبيخ والتقريع.
ب- تهديدهم، وتوعدهم بأن شهادتهم بذلك الكفر، ستكتب عليهم، وسوف يسالون عنها، قال تعالى: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾ الزخرف: ١٩.
ت- بيان أنهم فعلوا ذلك بدون علم؛ فلم ينزل الله عليهم كتاباً يقرُّ ذلك، فهم بما فيه مستمسكون، وإنما مجرد التقليد، واتباع الأولين؛ ولذلك قال: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧)﴾ الصافات: ١٥٧.
стр. 385
ث- وهو مأخوذ من مناسبة الآية التي أخبر الله تعالى فيها: أنهم جعلوا الملائكة إناثا، والآية التي قبلها، حيث أخبر الله تعالى أن الإناث جُبلنَ على الضعف، والرقة؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)﴾ الزخرف: ١٧ - ١٨.
فأبان أن المرأة تنشأُ وتشب في الحلية والترف، وهي عند الخصام واللجاج لا تستطيع الإبانة عن حجتها على الوجه الصحيح، وفي الوقت الذي أخبر القرآن عن الملائكة أنهم موصوفون بالقوة، والشدة، وضخامة الخلق.
فهناك فرق بين خلقة الإناث، وخلقة الملائكة، فكان في هذا التناسب بيان لضعف قولهم (١)، والله تعالى أعلم.
٢ - قوله تعالى: ... ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢)﴾ النساء: ١٧١ - ١٧٢، واضح من الآيتين أن الله تعالى ارتضى بالنسبة لرسله وملائكته ﵈ حداً معيناً ونسبة محدودة من التقدير والتعظيم، وهي النسبة التي أخبر الله تعالى أنه أفاضها عليهم وأكرمهم بها، ولكنه تعالى لم يرتض الزيادة على ذلك والغلو، فإن أي رسول أو ملك مقرب ما هو إلا عبد خاضع ذليل لله تعالى، فيجب على المؤمنين ألا يرفعوا أحداً إلى مرتبة الألوهية وإلا اعتبر ذلك غلواً مرفوضاً وشركاً مكفراً، كما أن الله لا يرضى أن ينزل عباده عن المنزلة التي ارتضاها لهم، فلا غلو ولا جفاء.
٣ - قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ
стр. 386
الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾ غافر: ٧ - ٩، وفي هذا رد على من زعم أن عبادة الملائكة ساذجة أو صورية (١)، قال العلامة السعدي ﵀: " وقد تضمن هذا الدعاء من الملائكة كمال معرفتهم بربهم، والتوسل إلى الله بأسمائه الحسنى التي يحب من عباده التوسل بها إليه، والدعاء بما يناسب ما دعوا الله فيه ... وتضمن كما أدبهم مع الله تعالى بإقرارهم بربوبيته لهم الربوبية العامة والخاصة، وأنه ليس لهم من الأمر شيء، وإنما دعاؤهم لربهم صدر من فقر بالذات من جميع الوجوه، لا يدلي على ربه بحالة من الأحوال؛ إن هو إلا فضل الله وكرمه وإحسانه.
وتضمن موافقتهم لربهم تمام الموافقة؛ بمحبة ما يحبه من الأعمال التي هي العبادات التي قاموا بها واجتهدوا اجتهاد المحبين، ومن العمال الذين هم المؤمنون الذين يحبهم الله تعالى من بين خلقه" (٢). فهي عبادة دائمة لا تنقطع، وهم في حال قيامهم بها خاضعون منكسرون، لا تعتريهم كلالة ولا تنتابهم ملالة، قال تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾ فصلت: ٣٨، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩)﴾ الأنبياء: ١٩.
كما أن في هذه الآية رداً على من صرف شيئاً من الألوهية أو الربوبية لهم، بأنهم عباد الله، ولا يجوز صرف شيء من خصائص الربوبية إلا لمستحقها وهو الله ، فكانت هذه الآية دليل على أن دعوى الإلهية لا تجوز لأحد من المخلوقين، لا ملك ولا غيره.
٤ - في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ النجم: ٢٦. ففي هذه الآية رد على من يعبدون الملائكة ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله
стр. 387
وما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فبين الله تعالى ضعفهم ﴿لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾؛ وفيها رد على المنكرين للملائكة في قوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ﴾.
стр. 388
الباب الثالث:
الفصل ٢ الآيات الواردة في الإيمان بالكتب.
وفيه تمهيد ومبحثان:
تمهيد في تعريف الكتب.
المبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة
في الكتب.
المبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع
المتقابلة في الإيمان بالكتب.
стр. 389
تمهيد في تعريف الكتب:
الإيمان بكتب الله المنزلة على أنبيائه -عليهم الصلاة والسلام-ركنٌ من أركان الإيمان، وأصل من أصوله العظام التي ينبني عليها، فلا يصح إسلام عبدٍ ولا يثبت إيمانه؛ حتى يؤمن الإيمان الجازم بأن هذه الكتب نزلت من عند الله، وأن الله تكلم بها حقيقة على ما يليق بجلاله وعظمته، وأن ما تضمنته من وحي الله لأنبيائه حق لا مرية فيه (١).
ومن المعلوم أن الإيمان بالله لا ينفصل عن الإيمان بكتبه (٢)، لذلك فإن مجيء الإيمان بالكتب بعد الإيمان بالله -الذي هو التصديق بوجوده ذاتاً وصفاتاً ونبذ كل ما سواه من المعبودات الباطلة-، وبعد الإيمان بالملائكة -الذي هو اعتقاد وجودهم وأنهم عباد مكرمون ورسله إلى خلقه وأمناؤه على وحيه- في غاية التنسيق (٣)؛ لأن الإيمان بالله يستلزم الإيمان بملائكته وكتبه ورسله، لذا فالكفر بواحد من هذه الكتب يُعد كفراً بالله؛ لأن العقيدة الإسلامية كُلاً لا يتجزأ، ومجموع أركانها يكمل بتوافر جميع أسسها وركائزها، وأن الإيمان بواحد منها يستلزم التصديق بسائرها.
ويحسن قبل الشروع في مباحث هذا الفصل التمهيد بالتعريف وبيان الأهمية.
стр. 390
أولاً: التعريف بالكتب، ومعنى الإيمان بها:
الكتب في اللغة: جمع كتاب، بمعنى مكتوب؛ لأن الكتاب لفظ عربي مشتق من الفعل "كتب"، يقول ابن فارس: " الكاف والتاء والباء أصل صحيح واحد يدل على جمع شيء إلى شيء، من ذلك الكتاب والكتابة، يقال: كتبت الكتاب أكتبه كتباً" (١).
والمراد بالكتب هنا - التي يجب الإيمان بها-: "هي الكتب التي أنزلها الله تعالى على رسله، رحمة للخلق، وهداية لهم، ليصلوا بها إلى سعادة الدنيا والآخرة" (٢).
أما المراد بالإيمان بالكتب، فهو:
التصديق الجازم بأنها كلها منزل من عند الله على رسله إلى عباده بالحق المبين والهدى المستبين, وأنها كلام الله لا كلام غيره, وأن الله تعالى تكلم بها حقيقة كما شاء وعلى الوجه الذي أراد, فمنها المسموع منه من وراء حجاب بدون واسطة, ومنها ما يسمعه الرسول الملكي ويأمره بتبليغه منه إلى الرسول البشري كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)﴾ الشورى: ٥١، ومنها ما خطه بيده (٣).
والإيمان بها يتضمن ما يلي:
١ - الإيمان بأنها حق من عند الله (٤).
٢ - تصديقُ ما صح وصوله من أخبارها، والإيمان به، وأنه حقٌّ من عند الله تعالى.