الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾ غافر: ٧ - ٩، وفي هذا رد على من زعم أن عبادة الملائكة ساذجة أو صورية (١)، قال العلامة السعدي ﵀: " وقد تضمن هذا الدعاء من الملائكة كمال معرفتهم بربهم، والتوسل إلى الله بأسمائه الحسنى التي يحب من عباده التوسل بها إليه، والدعاء بما يناسب ما دعوا الله فيه ... وتضمن كما أدبهم مع الله تعالى بإقرارهم بربوبيته لهم الربوبية العامة والخاصة، وأنه ليس لهم من الأمر شيء، وإنما دعاؤهم لربهم صدر من فقر بالذات من جميع الوجوه، لا يدلي على ربه بحالة من الأحوال؛ إن هو إلا فضل الله وكرمه وإحسانه.
وتضمن موافقتهم لربهم تمام الموافقة؛ بمحبة ما يحبه من الأعمال التي هي العبادات التي قاموا بها واجتهدوا اجتهاد المحبين، ومن العمال الذين هم المؤمنون الذين يحبهم الله تعالى من بين خلقه" (٢). فهي عبادة دائمة لا تنقطع، وهم في حال قيامهم بها خاضعون منكسرون، لا تعتريهم كلالة ولا تنتابهم ملالة، قال تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾ فصلت: ٣٨، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩)﴾ الأنبياء: ١٩.
كما أن في هذه الآية رداً على من صرف شيئاً من الألوهية أو الربوبية لهم، بأنهم عباد الله، ولا يجوز صرف شيء من خصائص الربوبية إلا لمستحقها وهو الله ، فكانت هذه الآية دليل على أن دعوى الإلهية لا تجوز لأحد من المخلوقين، لا ملك ولا غيره.
٤ - في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ النجم: ٢٦. ففي هذه الآية رد على من يعبدون الملائكة ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله
стр. 387
وما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فبين الله تعالى ضعفهم ﴿لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾؛ وفيها رد على المنكرين للملائكة في قوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ﴾.
стр. 388
الباب الثالث:
الفصل ٢ الآيات الواردة في الإيمان بالكتب.
وفيه تمهيد ومبحثان:
تمهيد في تعريف الكتب.
المبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة
في الكتب.
المبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع
المتقابلة في الإيمان بالكتب.
стр. 389
تمهيد في تعريف الكتب:
الإيمان بكتب الله المنزلة على أنبيائه -عليهم الصلاة والسلام-ركنٌ من أركان الإيمان، وأصل من أصوله العظام التي ينبني عليها، فلا يصح إسلام عبدٍ ولا يثبت إيمانه؛ حتى يؤمن الإيمان الجازم بأن هذه الكتب نزلت من عند الله، وأن الله تكلم بها حقيقة على ما يليق بجلاله وعظمته، وأن ما تضمنته من وحي الله لأنبيائه حق لا مرية فيه (١).
ومن المعلوم أن الإيمان بالله لا ينفصل عن الإيمان بكتبه (٢)، لذلك فإن مجيء الإيمان بالكتب بعد الإيمان بالله -الذي هو التصديق بوجوده ذاتاً وصفاتاً ونبذ كل ما سواه من المعبودات الباطلة-، وبعد الإيمان بالملائكة -الذي هو اعتقاد وجودهم وأنهم عباد مكرمون ورسله إلى خلقه وأمناؤه على وحيه- في غاية التنسيق (٣)؛ لأن الإيمان بالله يستلزم الإيمان بملائكته وكتبه ورسله، لذا فالكفر بواحد من هذه الكتب يُعد كفراً بالله؛ لأن العقيدة الإسلامية كُلاً لا يتجزأ، ومجموع أركانها يكمل بتوافر جميع أسسها وركائزها، وأن الإيمان بواحد منها يستلزم التصديق بسائرها.
ويحسن قبل الشروع في مباحث هذا الفصل التمهيد بالتعريف وبيان الأهمية.
стр. 390
أولاً: التعريف بالكتب، ومعنى الإيمان بها:
الكتب في اللغة: جمع كتاب، بمعنى مكتوب؛ لأن الكتاب لفظ عربي مشتق من الفعل "كتب"، يقول ابن فارس: " الكاف والتاء والباء أصل صحيح واحد يدل على جمع شيء إلى شيء، من ذلك الكتاب والكتابة، يقال: كتبت الكتاب أكتبه كتباً" (١).
والمراد بالكتب هنا - التي يجب الإيمان بها-: "هي الكتب التي أنزلها الله تعالى على رسله، رحمة للخلق، وهداية لهم، ليصلوا بها إلى سعادة الدنيا والآخرة" (٢).
أما المراد بالإيمان بالكتب، فهو:
التصديق الجازم بأنها كلها منزل من عند الله على رسله إلى عباده بالحق المبين والهدى المستبين, وأنها كلام الله لا كلام غيره, وأن الله تعالى تكلم بها حقيقة كما شاء وعلى الوجه الذي أراد, فمنها المسموع منه من وراء حجاب بدون واسطة, ومنها ما يسمعه الرسول الملكي ويأمره بتبليغه منه إلى الرسول البشري كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)﴾ الشورى: ٥١، ومنها ما خطه بيده (٣).
والإيمان بها يتضمن ما يلي:
١ - الإيمان بأنها حق من عند الله (٤).
٢ - تصديقُ ما صح وصوله من أخبارها، والإيمان به، وأنه حقٌّ من عند الله تعالى.
стр. 391
٣ - التزام أحكامها ما لم تنسخ، وعلى هذا، فلا يلزمنا أن نلتزم بأحكام الكتب السابقة; لأنها كلها منسوخة بالقرآن، إلا ما أقره القرآن. وكذلك لا يلزمنا العمل بما نسخ في القرآن; لأن القرآن فيه أشياء منسوخة (١).
لذا فإن الإيمان بهذه الكتب -أي بجنسها-قبل أن يصيبها ما أصابها واجب على المؤمنين. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ النساء: ١٣٦.
"وجمهور المفسرين على أن الخطاب فيها للمؤمنين كافة، أمرهم الله أن يجمعوا بين الإيمان به وبرسوله الأعظم خاتم النبيين والقرآن الذي نزل عليه وبين الإيمان بجنس الكتب التي نزلها على رسله من قبل بعثة خاتم النبيين، بأن يعلموا أن الله قد بعث قبله رسلاً، وأنزل عليهم كتباً، وأنه لم يترك عباده في الزمن الماضي سدى، محرومين من البينات والهدى، ولا يقتضي ذلك أن يعرفوا أعيان تلك الكتب ولا أن تكون موجودة، ولا أن يكون الموجود منها صحيحاً غير محرف" (٢).
كما أنه "معلوم من دلالات نصوص الوحيين، أن الإيمان قول القلب واللسان والجوارح، والإيمان بالكتب يجري على هذه الثلاث، فهو إيمان القلب واللسان والجوارح بالكتب:
أما صورة إيمان القلب بالكتب، فهي: اعتقاده أنها منزلة من عند الله، وهي كلامه ووحيه لأنبيائه، منه بدأ، ليست من إنشاء الرسل، واعتقاد أنها تضمنت مراد الله من خلقه اعتقاداً وشريعة وسلوكاً، واعتقاد وجوب العمل بمقتضاها وتعبد الله به.
وأما صورة إيمان اللسان، فهي: الإقرار بذلك الذي اعتقده القلب، والإخبار عنه، والشهادة به.
وأما صورة إيمان الجوارح، فهي: امتثالها أوامر الله في كتبه، وكفها عن نواهيها، وتأدبها بآدابها" (٣).
стр. 392
كما ورد الأمر بالإيمان بكتب الله جميعاً من غير تفريق، قال الله : ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ الشورى: ١٥، إلا أن القدر الذي تحصل به الركنية الواجبة على كل فرد من آحاد المؤمنين هو أن يؤمن إيماناً مجملاً بأن الله أنزل كتباً على أنبيائه فيها مراده من عباده هي وحيه الذي تكلم به وأوحاه إلى رسله، وأنه يجب الإيمان بما ورد في شأنها في كتاب الله المنزل على محمد ﷺ : القرآن، على الوجه الذي ورد به، إجمالاً فيما أجمله، وتفصيلا فيما فصله، وأن يؤمن بأن الإيمان بـ"القرآن" خاصة يجب على التفصيل باعتقاد عقائده والتزام شرعته عملاً بأوامره وانزجاراً عن نواهيه وتأدباً بآدابه.
وهذا القدر المجمل هو الذي يحصل به أصل الواجب وتستوفى به الركنية، ثم المؤمنون يتفاوتون بعد ذلك في استكمال الواجب وتحقيق تمامه، فكل من علم شيئاً من تفاصيل ذلك وجب عليه الإيمان به وزاد به إيماناً على الذي لم يعلمه، فمفردات الإيمان المجمل هي مورد التفاوت (١).
يقول ابن أبي العز ﵀: " وأما الإيمان بالكتب المنزلة على المرسلين، فنؤمن بأن لله تعالى سوى ذلك كتباً أنزلها على أنبيائه، ولا يعرف أسماءها وعددها إلا الله تعالى (٢)، وأما الإيمان بالقرآن، فالإقرار به، واتباع ما فيه، وذلك أمر زائد على الإيمان بغيره من الكتب" (٣).
والكتب المنزلة من عند الله تعالى قسمان:
الأول: ما لم ترد تسميتها في القرآن والسنة ، وهي أكثرها، فهذه يجب الإيمان بها إجمالاً؛ لأن الله سبحانه أخبرنا: أن لكل نبي أرسله، رسالة بلغة قومه (٤)، فقال: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ
стр. 393
وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾ البقرة: ٢١٣.
الثاني: ما ورد تسميته في القرآن والسنة ، وهي:
١ - التوراة: المنزلة على موسى ﵍.
٢ - الإنجيل: المنزل على عيسى ﵍.
٣ - الزبور: المنزل على داوود ﵍.
٤ - صحف إبراهيم وموسى ﵁.
٥ - القرآن العظيم المنزل على نبينا محمد ﵉، وهو آخرها (١).
وأهل السنة والجماعة يؤمنون أن القرآن الكريم هو المهيمن على كل الكتب قبله، بمعنى: أنه أمينٌ عليها، حافظ لها، وشاهدٌ على أنها حقٌ من عند الله تعالى، يُصدق ما فيها من الصحيح، وينفي ما فيها من التحريف والتبديل، ويحكم عليها بالنسخ أو التقرير، فما وافقه منها فهو حق، وما خالفه منها فهو باطل، فصارت له الهيمنة عليها من كل وجه (٢)، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ المائدة: ٤٨.
قال ابن كثير ﵀: " جعل الله هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها وأشملها وأعظمها وأكملها؛ حيث جمع فيه محاسن ما قبله من الكمالات ما ليس في غيره، فلهذا جعله شاهداً، وأميناً، وحاكماً عليها كلها، وتكفل تعالى حفظه بنفسه الكريمة، فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ الحجر: ٩" (٣).
стр. 394
فهو محفوظ بحفظ الله إلى قيام الساعة، شاهدٌ على هذه الكتب، مبين ما حُرف منها، وحاكم بما أقره الله وأمر به من أحكامها، وناسخ ما نسخه الله منها، وهو أمين عليها في ذلك كله (١).
من أجل ذلك فإن المرجع إلى جميع الكتب الإلهية ومصدرها الوحيد المأمون "القرآن الكريم"؛ لأنه أُنزِل مصدقاً لما قبله من الكتب السماوية ومهيمنا عليها، يثبت منها ما شاء الله إثباته وينسخ منها ما شاء سبحانه (٢)، وهو محفوظ من التغيير والتحريف بحفظه ، فسلم من الزيادة فيه والإضافة عليه والنقص منه وتحريفه وتبديله مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ الحجر: ٩، لذا يجب الإيمان بأنه أفضل الكتب وأعظمها، وأعلاها منزلة وأشرفها، وأنه المهيمن عليها المصدق لها، وأن الله قد تكفل بحفظه من التغيير والتبديل والتحريف، كما قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ فصلت: ٤١ - ٤٢، وكذلك يجب الإقرار به، واتباع ما فيه، بفعل أوامره واجتناب منهياته، وتصديق أخباره (٣).
وجملة القول: أن علاقة القرآن الكريم بالكتب السماوية في حالتها الأولى -التي نزلت بها-هي التصديق والتأييد الكلي، وأن علاقته بها في حالتها الثانية -بعد التحريف-علاقة تصديق لما بقي منها على أصله وتصحيح لما طرأ عليها من تحريف وتبديل (٤).
والواجب على المسلم الإيمان بالأصول الأولى التي أنزلت على النبيين على الوجه الذي تقدم ذكره في صفة الإيمان بالكتب، وأن يعتقد أنها لم تبق كما أنزلت بل دخلها التحريف والتبديل، فاختلط ما أنزل فيها من الله مع ما أحدث فيها، وعليه فما دل كتابنا على صحته وصدقه مما فيها فهو مما أنزل الله، وما دل كتابنا على بطلانه وكذبه بدليل من كتابنا فالمنهج فيه ما في حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : ((لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم)) (٥).
стр. 395
وهذه الجملة من الحديث فيها الاحتياط التام لصحة الإيمان، فإن كان ما في كتابهم مما لم يقم دليل في كتابنا على صحته صحيحاً فإن هذه الجملة تقتضي إيماننا به وسلامتنا من تكذيب ما أنزل الله، وإن كان كذباً فإن هذه الجملة تقتضي تكذيبنا له وبراءتنا من الإيمان بكذب لم ينزله الله (١)، وكان يجب على أهل الكتاب أن يحكموا بما أنزل الله فيها، ولكنهم حرفوها ونبذوها وراء ظهورهم كما أنهم نسوا وأضاعوا جزءاً منها (٢).
ثانياً: أهمية الإيمان بالكتب:
أنزل الله كتبه هدايةً للعباد، وجعل لها المنزلة السامية، والمكانة الرفيعة، وجعلَ الإيمان بها ركناً من أركانِ دينهِ، لا يصح إيمان العبد إلا بالإيمان بها، وقد اشتملت هذه الكتب على العقائد التي أوجبها الله على عباده، وعلى الشرائع التي شرعها ، سواء كانت عبادات أو معاملات، فنظمت العلاقة بين العبد وربه، وبينه وبين نفسه، وبين الناس، ومن هنا كان للإيمان بالكتب أهمية عظمى، تبرز فيما يلي (٣):
o العلم بعناية الله تعالى بعباده:
التأمل لهذه الكتب يظهر عناية الله تعالى بعباده ورحمته بهم حيث أنزل لكل قوم كتاباً يهديهم إلى الطريق المستقيم (٤)، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ المائدة: ٤٤، وقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ المائدة: ٤٦، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ البقرة: ٢، فكل هذه الكتب استهدفت هداية البشر في أوقات وأماكن محدودة، فلم يتركهم سبحانه هملاً تتخطفهم الأهواءُ والشهوات، وتتقاذفهم الميولُ والرغبات، بل هيَّأ لهم من الأسباب ما يُصلِحُ أمرهم ويسددُ وجهتهم.
стр. 396
وقد كان القرآن الكريم آخر هذه الكتب نزولاً، لهذا جاء مهيمناً وحاكماً عليها، كما جاء لهداية الناس في كل العصور إلى قيام الساعة، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ المائدة: ٤٨، فالقرآن مشتملٌ على كل ما سبقه من كتب، مصدق بها، سليم من أي تحريف، بل هو المرجع الوحيد لبيان ما فيها من حق.
o العلم بحكمة الله تعالى في شرعه:
من المعلوم أن الله تعالى قد شرع لكل قوم ما يناسب أحوالهم ويلائم ظروفهم، ويحققُ حاجتهم، ويهديهم لما فيه صلاحُ أمرهم في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ المائدة: ٤٨، قال ابن كثير ﵀: " ففي هذه الآية إخبار عن أحوال الأمم المختلفة الأديان، باعتبار ما بعث الله به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأحكام المتفقة في التوحيد، الذي بعث الله به كل رسول أرسله، وضمنه كل كتاب أنزله، وأما الشرائع فمختلفة في الأوامر والنواهي، فقد يكون الشيء في هذه الشريعة حراماً ثم يحل في الشريعة الأخرى، وبالعكس، وخفيفاً فيزاد في الشدة في هذه دون هذه، وذلك لما له تعالى في ذلك من الحكمة البالغة، والحجة الدامغة" (١).
o تقديم العبر والعظات من أحوال السابقين وأُمم الهالكين:
المتأمل في القرآن الكريم يجد أنه كثيراً ما ينبه ويشير لأحوال السابقين لأخذ العبر والعظات.
فبعد أن قص الله علينا قصة أخذ القرى الظالمة، وهي قرى نوح وعاد وثمود ختم الله هذا بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣)﴾ هود: ١٠٣.
والمعنى: " إن في إهلاكنا الكافرين وإنجائنا المؤمنين لآية؛ أي: عظة واعتبارا على صدق موعدنا في الدار والآخرة" (٢)، وغير ذلك من الموضوعات التي أشار إليها القرآن الكريم (٣).
стр. 397
o ترقيق القلوب:
هذا الأثر يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالعنصر السابق؛ ذلك أن من شأن العظة والاعتبار ترقيق القلوب.
كما أن الوعد والوعيد وصور العذاب والنعيم التي اشتملت عليه هذه الكتب ودعوتها إلى ما ينبغي أن يكون، وما ينبغي ألا يكون، كل هذا سببٌ لترقيق القلوب.
o وحدة الرسالات الإلهية:
الإيمان بالكتب السابقة يؤكد وحدة البشرية ووحدة دينها، ووحدة رسلها، ووحدة مصدرها، وأن الأمة الإسلامية ورثت العقائد السماوية ووحدة النبوات منذ فجر البشرية، فكان الإسلام جامعاً لكل الديانات السماوية، والمسلمون أولى الناس جميعاً بقيادة البشرية على نهج الإسلام، لمحافظتهم على تراث العقيدة وتراث النبوة، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ الشورى: ١٣، فكان الإسلام رائد موكب الإيمان على الأرض إلى آخر الزمان.
o تقديم المعارف المستمرة:
وجه العلماء في العصور الحديثة جهودهم إلى الكتب السماوية لا سيما القرآن الكريم بحثاً عن معارف جديدة (١)، فوجدوا أن في القرآن الكريم الكثير من الحقائق العلمية التي وصل إليها العلماء المتخصصون من خلال التجارب والأبحاث والمختبرات، وليس هذا أمراً غريباً، إنما هي طبيعة القرآن الذي يحمل بين طياته دليلَ صدقِه لأهل العصور على مر الدهور (٢)، قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ فصلت: ٥٣، فكل هذه إشارات تؤكد على أن الكتب السماوية ولا سيما القرآن الكريم امتاز بتقديم معارف مستمرة.
стр. 398
o الحث على العمل:
أكدت الكتب الإلهية وعلى رأسها القرآن (١) -بما تضمنته من الأوامر والنواهي-، أنها إنما نزلت ليُعمل بها، وليس لمجرد التلاوة فقط - مع أن تلاوته عبادة-، ولا لحفظه فقط - مع أننا أمرنا بحفظه-، ولكن للعمل به وعدم الاحتكام لغيره، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ ص: ٢٩، فالعمل بالقرآن: هو تصديق أخباره، واتباع أحكامه، بفعل جميع ما أمر الله به، وتركِ جميعَ ما نهى الله عنه؛ ولهذا سار السلف الصالح على ذلك ﵃، فكانوا يتعلمون القرآن، ويصدقون بأخباره، وبه، وبجميع ما جاء فيه، ويطبقون أحكامه تطبيقًا عن عقيدة راسخةٍ، وهذا هو الذي عليه مدار السعادة والشقاوة، قال الله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ طه: ١٢٣ - ١٢٦.
o بناء منهج حياةٍ متكاملٍ:
إن في كُتب الله وخاصة القرآن الكريم منهجَ حياةٍ متكاملاً يهدي للتي هي أقومُ، ولا سعادةَ للبشريةِ إلا به، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٠)﴾ الإسراء: ٩ - ١٠، فيهدي للتي هي أقوم بالعقيدة الواضحة البسيطة التي لا تعقيد فيها ولا غموض، ويهدي للتي هي أقوم في التنسيق بين ظاهر الإنسان وباطنه، وبين مشاعره وسلوكه، وبين عقيدته وعمله، ويهدي للتي هي أقوم في الأمر بالعبادة الموازنة بين التكاليف والطاقة، فلا تشق التكاليف على النفس حتى تمل وتيأس من الوفاء، ولا تسهل وتترخص حتى تشيع في النفس الرخاوة والاستهتار، ولا تتجاوز القصد والاعتدال وحدود الاحتمال.
стр. 399
هذه هي قاعدته الأصيلة في العمل والجزاء. فعلى الإيمان والعمل الصالح يقيم بناءه. فلا إيمان بلا عمل، ولا عمل بلا إيمان. الأول مبتور لم يبلغ تمامه، والثاني مقطوع لا ركيزة له. وبهما معا تسير الحياة على التي هي أقوم .. وبهما معا تتحقق الهداية بهذا القرآن (١).
o إثبات صفات الله -:
ومن الإيمان بالكتب، الإيمان بأن الله تكلم بها، فتضمن ذلك صفة الكلام لله حقيقة له، كما أن إنزالها يتضمن صفة العلو لله حقيقة، كما أن الإيمان بالكتب الإلهية جزء من الإيمان بالقرآن وجزء من الإيمان بأن الله سبحانه هو الهادي، وأن هداية الله لم تنقطع عن البشر، فما من أمة إلا وقد أنزل الله بها هدى، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤)﴾ فاطر: ٢٤، فكان لازم الإيمان بالكتب الإيمان بجميع صفات الله .
o سعادة الدارين:
رتبَ سبحانه على الإيمان بكتبه السعادةَ في الدنيا والفوزَ في الآخرة، ذلك أنَّ من لم يؤمن بتلك الكتب فقد خالفَ أمر الله تعالى، وضلَّ ضلالا بعيداً، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ النساء: ١٣٦، ونلحظ أن الله قرن بين الإيمان بكتبه والإيمان به، وجعل عاقبة الكفران بها كعاقبة الكفران به، سواء بسواء، كما أن الإيمان سبب في البركات في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الأعراف: ٩٦، وقال أيضاً: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)﴾ المائدة: ٦٦.
o قطع الأعذار عن المكلفين:
سجل الله تعالى في كتبه -خصوصاً القرآن الكريم-ما أراده من خلقه، فلا يستطيع أحد أن يعتذر بجهله للمطلوب منه.
стр. 400
o مصدر لصيانة الدين:
الكتاب الإلهي مصدر صيانة للدين من عبث أصحاب الأهواء الشيطانية والنفوس المريضة فلا يستطيعون التلاعب بدين الله ولا يقدرون على جعل الدين مطابقاً لأهوائهم وموافقاً لانحرافاتهم ومسايراً لضلالهم وبدعهم وكفرهم، كما أنه مرجع يرجع إليه في تحديد مقاصد الدين وأهدافه وغاياته وأسسه كما يكون مرجعاً في التعرف على أحكام الدين وشرائعه وعقائده ومبادئه، لتعلم الواجبات التي يأمرهم بها والمحرمات التي ينهاهم عنها، والفضائل والكمالات الأخلاقية التي يرغبهم فيها وليكون كذلك مرجعا في المواعظ والنصائح والأمثال والترغيب والترهيب القصصي والتبشير والوعد والوعيد وكل ما يدلهم على الطريق إلى مرضاة الله .
o سبب لانتشار الدين:
الكتاب المنزل سببٌ في اتساع الدين وانتشار أتباعه بعد وفاة من أنزل عليه فإنه يكون حينئذ بمثابة معجزة باقية على مدى الدهر مغنية عن دين جديد ورسول جديد، معجزة متجددة في كل زمان ومكان خاصة إذا كان الكتاب معجزاً كالقرآن الكريم والرسالة عامة كالرسالة المحمدية فكل إنسان يستطيع أن يطالع المعجزة القرآنية الدالة على صدقه، ويشاهد الدليل على كونه حجة.
o استجابة لأمر الله بالإيمان بها:
كل كتاب من كتب الله أمر بالإيمان بجميع كتب الله. فإن الإيمان بالكتب من أصول الإيمان التي جاءت بها الملة على لسان كل رسول، فمن كفر بواحد من كتب الله يكون قد كفر بما أمر به في الكتاب الذي ادعى الإيمان به، لذلك فإن الإيمان بالكتب من آكد الواجبات، وقد وردت الأدلة في الشرع تقرر وجوب ذلك من وجوه عديده، منها:
أ-الإخبار عن كتب الله أنه أنزلها على رسله، وهذا الخبر واجب الإيمان به؛ لأنه خبر الرب سبحانه والجحود به كفر، ومن أمثلة هذا الإخبار، قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ البقرة: ٢١٣، ونحو ذلك كثير.
ب- الأمر المباشر بالإيمان بالكتب، ومنه قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ النساء: ١٣٦، فأمر بالإيمان بكتب الأنبياء جميعاً.
стр. 401
ت إخباره سبحانه بأن الإيمان بالكتب من البر، قال سبحانه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ البقرة: ١٧٧، والبر من الأسماء الجامعة لما يحبه الله ويرضاه.
ث إخباره سبحانه أن النبي والمؤمنين يؤمنون بالكتب في معرض الثناء عليهم وتسجيل صفات الإيمان لهم التي بها يستحق العبد صفة الإيمان وحكمه، قال سبحانه: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ البقرة: ٢٨٥.
ج- إخباره سبحانه بأن تكذيب المكذبين وكفرهم إنما كان لجحودهم بالكتب، فمن جحد بالكتب كفر وخرج من الملة، فظهر ملازمة وجوب الإيمان بالكتب للإيمان، قال سبحانه: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)﴾ آل عمران: ١٨٤، أي جاءتهم الرسل بالكتب ولكنهم كذبوا بها.
ح- إخباره سبحانه بأن الكفر بالكتب ضلال بعيد، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ النساء: ١٣٦، فوصف من كفر بالكتب بأنه "قد ضل" و (قد) للتحقيق، ثم لم يكتف بهذا حتى أكده بالمصدر فقال: "ضلالاً" ثم لم يكتف بهذا حتى أكد المصدر بوصفه فقال: "بعيداً" وهو دليل مقرر لكون الإيمان بالكتب واجب.
خ- إخباره سبحانه عن جزاء المكذبين بالكتب، قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢)﴾ غافر: ٧٠ - ٧٢، وفي هذا دلالة على وجوب الإيمان بالكتب (١).
ومن أجل ما سبق، ولحكم أخرى يعلمها الله، كان الإيمان بالكتب السماوية ضرورة حتمية -وحاجة ضرورية لا غنى للبشر عنها-؛ لأنه تعالى أنزل كتبه على رسله لتنذر وتبشر وتعظ وترشد وتأمر وتنهى وتهدي الناس إلى الصراط المستقيم، وتحكم بينهم فيما اختلفوا فيه،
стр. 402
وقد بلَّغ الرسل إلى الناس جميع نصوص تلك الكتب الإلهية، ومضى الرسل إلى لقاء ربهم وتركوا تلك الكتب لتكون من بعدهم للناس هدى ونوراً (١).
стр. 403
المبحث الأول ما جاء في البدع المتقابلة في الإيمان بالكتب .
تمهيد:
الإيمان بالكتب هو الركن الذي لا يقوم الدين إلا به، وبه أقام الله الحجة على خلقه، وحكم بينهم فيما اختلفوا فيه، بما اشتملته كتبه من الأوامر والنواهي والتشريعات، التي فيها العدل والقسط في الديانة والمعاملات والجنايات والمواريث وغير ذلك، ليتحاكم بها الناس لإقامة العدل بينهم، كما أن فيها تأييداً لرسل الله وإظهاراً لصحة رسالاتهم وصدق نبواتهم (١)، إلا أن أهل البدع في كتاب الله من المحرفين الغالين، والمنتحلين المبطلين، ومن المؤولين الجاهلين، عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عقال الفتنة، فهم مخالفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب، يقولون على الله، وفي الله، وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين (٢)، الذين حق عليهم قول رب العالمين، ويصدق عليهم عموم آيات القرآن المبين (٣).
ويمكن إرجاع انحراف أصحاب البدع المتقابلة في الإيمان بالكتب، إلى أسباب ثلاثة هي:
١ - اعتمادهم على العقل في فهم نصوص الكتب المقدسة، وتوهمهم أن هناك معارضة بين العقل والنقل، مما أورثهم شبها كثيرة، ضلوا بسببها عن قواعد الشرع، والتزموا قواعدهم البدعية.
٢ - خللهم في باب الإيمان بالله وربوبيته، بما أحدثوه من طُرقٍ بدعية كالحدوث والإمكان (٤)، وهذه "الطريقة هي التي ولّدت بين المسلمين اختلافهم في القرآن،
стр. 404
وكلام الله ، حتى صار كثير من الناس -أو أكثرهم- في ذلك إما حائراً، وإما مخطئاً مبتدعاً، وكفر بعضهم بعضا بسبب ذلك" (١).
٣ - معارضة نصوص الكتب لكثير من أهوائهم وشهواتهم، ما كان سبباً لتحريفهم إياها، لتوافق أهواءهم.
من أجل هذا انقسم هؤلاء المبتدعة إلى طرفين متقابلين، طرف انتهج الغلو والإفراط والزيادة! ! وطرف سلك طريق التقصير والتفريط والنقصان! ؛ لإعراضهم عن هدي المرسلين واتباعهم غير سبيل المؤمنين. وبيان ذلك في المطلبين الآتيين.
стр. 405
المطلب الأول: الانحراف المؤدي إلى التفريط في الإيمان بالكتب .
إذا تقرر وجوب الإيمان بالكتب، فإن لهذا الإيمان ما يناقضه، لذلك نجد طوائف كثيرة فرطت في هذا الركن المهم من أركان الإيمان، ومنهم:
١ - اليهود: وذلك بتكذيبهم للقرآن، بل في الحقيقة تكذيب لجميع الكتب السماوية، وقد تفنَّنوا في التزوير، وأضافوا في كتابهم المقدس، وحذفوا منه، واتَّبعوا كافة الأساليب الشيطانية، وقد بين الله في كتابه العزيز أنواعاً من تحريف اليهود للتوراة:
أ-إلباس الحق بالباطل، قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)﴾ آل عمران: ٧١.
ب- كتمان الحق، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾ البقرة: ١٤٦.
ت- إخفاء الحق، قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ المائدة: ١٥.
ث- لي اللسان، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)﴾ آل عمران: ٧٨.
ج- تحريف الكلم عن موضعه، قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ المائدة: ١٣ (١).
٢ - النصارى: يقال عنهم ما قيل عن اليهود، فقد حرفوا الإنجيل، وبذلك ابتعدوا عن الصراط المستقيم، قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ
стр. 406
تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ المائدة: ١٤ - ١٥.
٣ - الرافضة: وذلك بادعائها أن القرآن ناقص ومحرّف، وأن القرآن الكامل مع الغائب الذي سيخرج في آخر الزمان من سرداب سامراء! (١).
ثم إنهم ضلوا في هذا الباب بسبب جعلهم تعاليم الإمام مصدراً للتلقي عندهم، وضلوا أيضاً في تأويل القرآن حيث أغرق الباطنية في تأويله (٢).
٤ - البابية والبهائية: وذلك بادعائها نسخ القرآن الكريم، والشريعة الإسلامية بشريعة الباب والبهاء (٣).
٥ - التيجانية: وذلك بتفضيلها أورادَها وأذكارَها -كصلاة الفاتح-على القرآن الكريم حيث قالوا: إن قراءة صلاة الفاتح مرة واحدة أفضل من قراءة القرآن ستة آلاف مرة (٤).
٦ - غلاة الصوفية عموماً: وذلك بادعائهم العلم اللَّدُنِّي الذي يوحى إليهم، ويغنيهم عن القرآن كما يزعمون، إذ مصدر التلقي عندهم ليس القرآن والسنة بل الرؤى والأحلام، والكشف، وغير ذلك (٥) مما يخالف ما جاء في القرآن.
٧ - النصيرية والدروز وسائر الفرق الباطنية (٦): وذلك بانحرافهم في تأويل القرآن، وإغراقهم في التأويل الباطني، وإخراج القرآن عن معانيه وحقائقه الصحيحة، وكذلك ادعاء بعضهم نسخ الإسلام (٧).
٨ - المشرعون والقانونيون: الذين أعرضوا عن تحكيم القرآن، وعارضوه بأفكارهم، زاعمين أنه لا يناسب العصر الحديث، ولا يفي بحاجاته.
стр. 407
٩ - الخوارج: قامت بتأويل القرآن على حسب أهوائهم كقصْرِ بعضهم الصلاة على ركعة واحدة في الصباح، وواحدة في المساء، وأجاز بعضهم نكاح المحارم (١) كبنات البنين وبنات البنات وبنات بني الأخوة، وبعضهم زاد فأنكر أن تكون سورة يوسف من القرآن لاشتمالها على حد زعمهم على ذكر العشق والحب، والقرآن ليس محله ذلك، ومع ذلك فرطوا في حق الله وفي حق القرآن الكريم، فلم يتدبروا الأوامر والنواهي والمستحبات والمكروهات ولا غرو في ذلك، فقد أخبر الصادق المصدوق ﷺ بقوله: (يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان) (٢).
١٠ - الملاحدة: وهناك من البشر من أنكر الكتب السماوية جملة، وهم الملاحدة.
١١ - أهل الكلام وقعوا في تحريف معاني كلام الله كثيراً ، وخاصة نصوص صفات الله (٣).
ومن خلال ما سبق يمكننا الوقوف على طرق الانحراف المؤدية إلى التفريط في الإيمان بالكتب ، وهي:
- أولاً: التفريق بين كُتب الله في الإيمان:
التفريق بين كتب الله في الإيمان كفر ينقض أصل الإيمان، وله في الجملة صورتان:
الأولى: الإيمان ببعض الكتب والكفر ببعضها:
ومثال هذه الصورة ما حكاه الله عن اليهود من إيمانهم بالتوراة وكفرهم بالقرآن، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ البقرة: ٩١، فسجل الله عليهم فعل الكفر بهذا التفريق في الإيمان، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ
стр. 408
ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ النساء: ١٥٠ - ١٥١، فسجل سبحانه على المفرقين بين الرسل ورسالاتهم وكتبهم فعل الكفر، فقال " يَكْفُرُونَ " ووصفهم فقال: " أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ " وحقق تسجيل وصفهم بالكفر بقوله: " حَقًّا " ثم توعدهم سبحانه.
وإنما كان الكفر ببعض كتب الله مع الإيمان ببعضها "كفراً بها جميعاً ونقضاً لأصلِ الإيمان"، لثلاثة أوجه:
١ - أن جميع كتب الله مصدرها واحد، فهي منزلة من عند الله فلا وجه للتفريق بينها، فمن كفر بواحد منها كان هذا كفراً بالجنس الذي اجتمعت عليه، وعاد على جميع الكتب بالكفر. وهذا الوجه ينبه عليه قوله تعالى: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ الشورى: ١٥، وقوله: ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ البقرة: ١٣٦.
٢ - أن جميع كتب الله اشتملت على أصول اعتقادية وعملية واحدة، وهي جميعها على ملة واحدة، فمن كفر بواحد منها يكون هذا كفراً بالملة التي اشتمل عليها ذات الكتاب الذي ادعى الإيمان به. وكتب الله يصدق بعضها بعضاً فالكفر بواحد منها كفر بالباقي، وينبه إلى هذا الوجه قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١)﴾ البقرة: ٩١، قوله: " وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ " تعليل لكفرهم.
٣ - أن كل كتاب من كتب الله أمر بالإيمان بجميع كتب الله. فإن الإيمان بالكتب من أصول الإيمان التي جاءت بها الملة على لسان كل رسول، فمن كفر بواحد من كتب الله يكون قد كفر بما أمر به في الكتاب الذي ادعى الإيمان به.
هذا ويمكن أن يقال بأن التفريق بين كتب الله في الإيمان يرد من جهتين، من جهة التنزيل، وهذا ككفر اليهود بالقرآن مع إيمانهم بالتوراة فإنهم أنكروا أن يكون القرآن منزلاً
стр. 409
أصلاً من عند الله، فهو كفر بأصل الإنزال. ومن جهة التأويل، وهذا ككفر النصارى الذين أقروا بالقرآن كتاباً منزلاً ولكنهم زعموا أنه خاص بالعرب ولا يجب عليهم اتباعه وهم مكتفون بكتابهم، فهؤلاء أثبتوا أصل الإنزال وكفروا من جهة التأويل (١).
الثانية: الإيمان ببعض الكتاب الواحد والكفر ببعضه:
ومثال هذه الصورة فعل اليهود الذي ذكره الله في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾ البقرة: ٨٤ - ٨٥، والشاهد في الآية قوله: " أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ " أي: تؤمنون ببعض كتابكم وتكفرون ببعضه، وبين وجه هذا الكفر من فعلهم وهو المذكور في الآية، وهو أنه كان حلفاء الخزرج من اليهود يقاتلون مع الخزرج حلفاء الأوس من اليهود أنفسهم في الحرب الدائرة بين الخزرج والأوس، فيقاتل اليهودي اليهودي، فيقتل اليهود بعضهم بعضاً ويخرجون بعضهم بعضاً من ديارهم، وهذا محرم عليهم في كتابهم، ثم إذا أسر يهودي من الفريقين كليهما جمعوا له الفدية يفدونه جميعاً؛ لأن هذا واجب عليهم فعملوا بهذا وتركوا ذاك (٢).
ومن صور الإيمان بالكتاب الواحد والكفر ببعضه، ما عليه الذين يسمون أنفسهم بـ"القرآنيين" الذين يقولون: القرآن يكفينا، وتركون العمل بسنة رسول الله ﷺ ، فهؤلاء قد كفروا ببعض القرآن مع دعواهم الإيمان به وهو كفرهم بقول الله في القرآن: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ الحشر: ٧، وقد ورد الخبر عنهم عن رسول الله ﷺ ، قال: (لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا
стр. 410
أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه) (١) ويلحق بهؤلاء كل من رد خبر الآحاد من المبتدعة المعطلة (٢).
فمنهج المعطلة في الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة النبوية قائم على ردّ النصوص الصحيحة الثابتة، والذي جلب لهم هذا الخلط والاضطراب: توهمهم أن هناك معارضة بين العقل والنقل ولما كان العقل عندهم مقدساً منزهاً عن الخطأ، نفوا وعطلوا وأولوا ما دل عليه النقل، وركنوا إلى قواعدهم العقلية وأصولهم الفلسفية، وجعلوها عمدة في ردّ ما ورد به الشرع بدعوى معارضته لها (٣).
وهكذا نلحظ أن كثيراً ممن انحرف في باب أسماء الله وصفاته، أنه آل بهم الأمر إلى التفريط في الإيمان بالكتب، فأولوا ما لم يستطيعوا على رده، فوقعوا في الفرقة والضلال، والشك والريبة والوبال، فنعوذ بالله من الخذلان (٤).
- ثانياً: بدعة القول بخلق القرآن (٥):
تكلف المبتدعة نفي صفة الكلام لله ، معتقدين أن كلام الله بحرف وصوت لكنه مخلوق (٦)، وأوردوا إشكالات لتقوية ما زعموه، وتركوا المضي على عقيدة الفطرة والشرع
стр. 411
والعقل بالإيمان بأن الله تكلم حقيقة -لا مجازاً أو خلقاً-بالكتب السماوية التي أنزلها على رُسله -عليهم الصلاة والسلام- (١).
لذا فإن الخلق قد اختلفوا في تنزيل كتابه سبحانه اختلافاً انقسم به الحق والباطل، والسنة والبدعة، وتضاد المؤمن والكافر، والسني والبدعي، ويمكن تصنيف اختلاف الخلق في تنزيل الكتاب إلى نوعين (٢):
الأول: اختلاف في جنس التنزيل ، وهو بين المؤمنين والكافرين، فالمؤمنون يؤمنون بأصل التنزيل ويثبتون كتاب الله منزلاً منه سبحانه على رسوله فهو كلام الله والرسول مبلغ، أما الكفار فأنكروا أصل التنزيل وأبطلوه وزعموا أن الكتاب قول الرسول أو تعلمه من بشر.
الثاني: اختلاف في صفة التنزيل ، وهو واقع بين أهل السنة وبين أهل البدع والهوى من فلاسفة ومتكلمة، فأهل السنة يقولون: كتاب الله كلامه، خرج منه بحرف وصوت، وسمعه منه جبريل، وبلغه جبريل إلى الرسول ﷺ ، وسمعه الرسول ﷺ من جبريل ﵇، وبلغه الرسول لأمته سمعه منه أصحابه وتلقته الأمة منهم (٣)، أما أهل البدع من أهل الكلام فقد اتفقوا على كلمة واحدة هي أن القرآن مخلوق (٤)،
إما خلقه الله في جبريل أو في محمد أو في جسم آخر
стр. 412
غيرهما (١)، أو أن كلام الله معنى قائم بالنفس (٢)، كما ظهر من يجعلون كلام الخالق هو عين كلام المخلوق (٣). وأما الفلاسفة فجعلوه فيضاً فاض على نفس النبي ﷺ من العقل الفعال أو غيره. وكلا القولين كفر وضلال.
من أجل ذلك فرط أهل البدع في الإيمان بالكتب، فعارضوا القرآن الكريم -المهيمن على الكتب السابقة- بالآراء والأذواق والعقول والأقيسة والمواجيد.
ومن عارض آيات الله المنزلة بما سبق من غير سلطان أتاه دخل في معنى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)﴾ غافر: ٣٥، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾ غافر: ٥٦، وهذا مما يبين أنه لا يجوز معارضة كتاب الله إلا بكتاب الله، ولا يجوز معارضته بغير ذلك (٤).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " ومن المعلوم أن كل من عارض القرآن وجادل في ذلك بعقله ورأيه فهو داخل في ذلك؛ وإن لم يزعم تقديم كلامه على كلام الله ورسوله؛ بل إذا قال ما يوجب المرية والشك في كلام الله؛ فقد دخل في ذلك، فكيف بمن يزعم أن ما يقوله بعقله ورأيه مقدم على نصوص الكتاب والسنة" (٥).
стр. 413
أما أهل السنة والجماعة فإن أصولهم لا تقبل من أحد أياً كان أن يعارض ما جاء في كتاب الله ، لا برأي ولا عقلٍ ولا قياسٍ ولا ذوقٍ ولا وجد، قال الطحاوي ﵀: " ولا نجادل في القرآن، ونشهد أنه كلام رب العالمين، ونزل به الروح الأمين، فعلمه سيد المرسلين
محمداً ﷺ وعلى آله أجمعين، وهو كلام الله تعالى، لا يساويه شيءٌ من كلام المخلوقين، ولا نقول بخلقه، ولا نخالف جماعة المسلمين" (١).
وأما كون الإيمان بأن القرآن كلام الله داخلا في الإيمان بالكتب؛ فإن الإيمان بها إيمانا صحيحا يقتضي إيمان العبد بأن الله تكلم بها بألفاظها ومعانيها، وأنها جميعا كلامه هو؛ لا كلام غيره، فهو الذي تكلم بالتوراة بالعبرانية، وبالإنجيل بالسريانية، وبالقرآن بلسان عربي مبين (٢).
وبالجملة فإن القول بخلق القرآن أصل البدع، وهذا باب واسع ليس هذا موضعه، إلا أن نعلم أن من قال بهذا القول قد فرط في الإيمان بكتب الله المنزلة.
стр. 414
المطلب الثاني: الانحراف المؤدي إلى الإفراط في الإيمان بالكتب .
من جملة المخالفين لأهل السنة والجماعة في هذا الباب، أصحاب الغلو في الإيمان بالكتب، قال شيخ الإسلام ﵀: " فلعسر الفرق والتمييز، يميل قوم إلى زيادة في الإثبات، وآخرون إلى زيادة في النفي" (١)، "وكلاهما خارج عن السنة والجماعة" (٢).
وقد لاحظ كثير من علماء السلف مدى تأثر بعض الفرق الإسلامية بعقائد اليهود والنصارى، فذكروا ما بينهم من تشابه كبير في كثير من الأمور (٣)، وهذا كله من قبيل الغلو في الإيمان بالكتب المحرفة، وتصديق قول النبي ﷺ : (لتتبعن سنن من كان قبلكم) (٤)، وإذا كانت المتابعة في القليل ذريعة ووسيلة إلى القبائح المحرمة، فكيف إذا أفضت إلى ما هو كفر بالله.
والإيمان بالكتب يقتضي العمل بما فيها من الأمر والنهي؛ لكنه إذا ثبت نسخ الإسلام للأديان السابقة؛ فإن ذلك يعني عدم جواز العمل بتلكم الكتب التي أنزلت من قبل، وهذه الكتب المنزلة الموجودة في زمن النبي ﷺ ، وفي هذا الزمن، شأنها لا يخلو من أمرين:
الأول: ما هو باطل، مما وضعته أيدي المحرفين، أو ليَّتهُ ألسنة الملحدين، فهذا لا شك أن القرآن قد أبطله من كل وجه، وأنه لا يمت إلى الله بصلة؛ بل هو مضاد لما في القرآن؛ فهذا لا شك أنه باطل، وقد أخبر الله في أكثر من آية أن أحبار السوء ورهبان الجهل غيروا هذه الكتب بأيديهم وألسنتهم، تحريفا لها وتأويلا فيها، قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ البقرة: ٧٩، والباطل لا ينسب منه إلى الحق شيء.
الثاني: ما هو صحيح؛ فهذا يشهد له القرآن، ويؤكده، وهذا لا يعرف إلا بشهادة كتابنا له، فلا نحتاج إليه، ولهذا جاء في وصف القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا
стр. 415
جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ المائدة: ٤٨، ففي الآية بيان: أن الكتاب الذي هو القرآن مصدق لما قبله من الكتب المنزلة، وشاهد عليها بالحق، فما في الكتب السابقة مما هو في كتابنا فهذا حق؛ لأن القرآن شهد له بذلك، ولذا لم يكن لنا أن نحكم أو نتحاكم إلا إلى كتابنا المنزل علينا، وذلك لأنه مهيمن على الكتب السابقة، ناسخ لها، إذ جعل الله لكل نبي شرعة ومنهاجا، فشرعة أمة محمد ﷺ القرآن، ومنهجهم الوحي المنزل من الرحمن، فليس لهم أن يلتفتوا إلى غيره.
أما ما في كتبهم مما ليس في كتابنا كأخبار الأمم السابقة، وبعض ملح العلم، مما هو ليس من أساسيات الأديان؛ فهذه قال فيها ﷺ : (لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم، و ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ البقرة: ١٣٦) (١)، وذلك لأن التصديق قد يقع على المحرف، فنكون صدقنا بالباطل، أو يقع التكذيب بالمنزل فنكون قد وقعنا في الحرج (٢).
ومن أجل هذا فإن الانحراف المؤدي إلى الإفراط في الإيمان بالكتب، يأتي من طريقين، هما:
- أولاً: التبرك بالكتب المنزلة .
من الإيمان بالكتب الإيمان بأن القرآن كلام الله ، وبما أن الكتب المنزلة حرفت عدا القرآن الكريم -بحفظ الله له-، فإن التبرك يتجه إليه في المقام الأول، لإخبارنا الله عنه بأنه مبارك، قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ الأنعام: ٩٢، وقوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ ص: ٢٩، إلا أن تبرك أهل السنة والجماعة بالقرآن مقيد بقيود (٣)، فعقيدة أهل السنة والجماعة تثبت أن كلام الله تعالى مكتوب في القراطيس، وأن المكتوب في المصاحف التي بأيدي المسلمين اليوم هو كلام الله على الحقيقة.
стр. 416
ولم يخالف أهل السنة والجماعة في ذلك إلا الكلابية والأشعرية، الذين أنكروا أن يكون كلام الله مكتوباً في المصاحف؛ بناءاً على زعمهم أن كلام الله معنى قائم بالنفس، وأما المكتوب في المصاحف فهو حكاية أو عبارة عن كلام الله (١).
والتبرك عند أهل السنة والجماعة ينقسم من جهة حكمه إلى قسمين (٢):
أ- تبرك مشروع: وهو أن يفعل المسلم العبادات المشروعة طلباً للثواب المترتب عليها، ومن ذلك أن يتبرك بقراءة القرآن والعمل بأحكامه، فالتبرك به هو ما يرجو المسلم من الأجور على قراءته له وعمله بأحكامه.
ب- تبرك ممنوع: وهو ينقسم من حيث حكمه إلى قسمين:
١ - تبرك شركي: وهو أن يعتقد المتبرِّك أن المتبرَّك به - وهو المخلوق - يهب البركة بنفسه، فيبارك في الأشياء بذاته استقلالاً (٣)؛ لأن الله تعالى وحده موجد البركة وواهبها، فقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي ﷺ أنه قال: (البركة من الله) (٤)، فطلبها من غيره، أو اعتقاد أن غيره يهبها بذاته شرك أكبر.
٢ - تبرك بدعي: وهو التبرك بما لم يرد دليل شرعي يدل على جواز التبرك به، معتقداً أن الله جعل فيه بركة، أو التبرك بالشيء الذي ورد التبرك به في غير ما ورد في الشرع التبرك به فيه، وهذا بلا شك محرم؛ لأن فيه إحداث عبادة لا دليل عليها من كتاب أو سنة؛ ولأنه جعل ما ليس بسبب سبباً، فهو من الشرك الأصغر؛ ولأنه يؤدي إلى الوقوع في الشرك الأكبر (٥).
وصور تبرك المخالفين بالقرآن الكريم كثيرة، والبدع فيها غير محصورة، ومنها:
стр. 417
كتابة القرآن في الحروز ومعها شيء من الطلاسم الشركية، والحسابات والمبتدعات (١)، والتعاويذ، وتعليقه على الصبيان، والنساء، بل والدواب، وهذا كله زعم منهم أنه من باب التداوي (٢)! ! ، فيجعل القرآن تلبيسا، والمقصود الشرك تأسيسا، بل ربما كان فيها نوع استعانة بالجن (٣)، قال شيخ الإسلام ﵀: " وعامة ما يقوله أهل العزائم فيه شرك، وقد يقرؤون مع ذلك شيئا من القرآن، ويظهرونه، ويكتمون ما يقولونه من الشرك، وفي الاستشفاء بما شرعه الله ورسوله ما يغني عن الشرك وأهله" (٤)، كما أن كتابة التمائم من القرآن لم يثبت عن النبي ﷺ ، ولو كان هذا سائغا شرعاً، ونافعاً كونا، لأرشد إليه المصطفى ﷺ (٥)، ولا شك أن منع التمائم من القرآن وغيره (٦)، فيه سد لباب الذرائع، وهو باب عظيم معمول به في الشرع، وقد حمى النبي ﷺ جانب التوحيد، فمنع من الألفاظ الموهمة والمؤدية إلى الشرك، فكيف يجيز ما يكون ذريعة إلى الشرك؟ ووسيلة إليه؟ ! .
وقريب من هذا التبرك غير المشروع، ما يفعله بعض أهل البدع من كتابة القرآن على الأثواب، ولبس ذلك لإخراج الجن، أو يكون ذلك تبركا، ولعل هذا كان معروفا في القدم (٧)، وهذا يدل أن هناك ثيابا كانت ترقم ويكتب فيها القرآن، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ومن ذلك قراءتهم -تبركا- القرآن على الميت! ! ، ووضع المصحف على القبر، فإن هذا من البدع المنكرة، وليس هذا سبيل التبرك، أو وضع المصحف عند رأس المحتضر تبركاً (٨)، قال الشيخ ابن باز ﵀ معلقاً على ما في الفتح: " الأحكام التي تنسب إلى الدين، لا بد من ثبوتها في نصوص الدين، وكل ما لم يكن في زمن التشريع، وفي نصوص التشريع؛ فهو مردود على من يزعمه، وتقدم قول الإمام الشافعي: ولكننا نتبع السنة فعلا وتركاً" (٩).
стр. 418
ومن ذلك التبرُكات البدعية بالآيات القرآنية، أو المصحف، أخذهم الفأل من المصحف، أو من الآيات، وذلك بفتح القرآن، ثم ينظر على ماذا يقع عينه، فيتفاءل بذلك، أو يتشاءم! ! ، ومعلوم أن القرآن الكريم ما أنزل لهذا، ولكن أهل البدع يبتدعون في الدين ما يشتهون (١)، قال شيخ الإسلام ﵀: " وأما استفتاح الفأل في المصحف؛ فلم ينقل عن السلف فيه شيء ... ، وقد حرم الله الاستقسام بها -أي: الأزلام- كالضرب بالحصى، والشعير، واللوح والخشب والورق المكتوب عليه حروف أبجد، وأبيات شعر، ونحو ذلك: منهي عنه؛ لأنها من أسباب الاستقسام بالأزلام" (٢).
ومن ذلك تعليق الآيات القرآنية في البيوت، واتخاذها زينة، أو تبركاً، أو كتابتها على الستور، أو اتخاذها رسوما فنية، فهذا كله لم يثبت عن السلف الصالح ﵃ (٣).
ومن التعظيم الغير مشروع، كتابة القرآن على القبور، أو على الأضرحة، فإن هذه بدعة منكرة (٤).
ومن ذلك جعلهم القرآن الكريم-كلام رب العالمين-، بدلا عن الكلام (٥)، وقد نهى عن هذا السلف، قال إبراهيم النخعي ﵀: " كانوا يكرهون أن يتلوا الآية عند شيء يَعرِضُ من أمر الدنيا" (٦)، فالسلف منعوا الاستشهاد بالقرآن على غير المراد الذي من أجله أنزل، وإيراده اقتباسا أو أساسا على الوجه الذي نزل هو المقصود (٧).
فالتبرك بالقرآن لا يكون بما يستحسنه العقل، ولا بما يقوله بعض الناس من دون دليل من النقل، وفي حقيقة الأمر أن هذا مخالفة للسلف، بل إنه في حد ذاته مخالفة للقرآن الكريم، وطريق للغلو في الإيمان بالكتب.
- ثانياً: زعم تعظيم القرآن:
стр. 419
إن كثيراً من الفرق الإسلامية المبتدعة يصح أن يقال عنها: إنها كانت نواة للقرآنيين (١)،
فالرافضة بل والشيعة بجميع فرقها لا تقبل السنة التي رويت عن طريق الصحابة ﵃، وهكذا الخوارج لا يقبلون ما صح عند أهل السنة من الأحاديث، وهكذا المعتزلة لا يقبلون من السنة إلا ما وافق مذهبهم، وظنوه مؤكدا لمنهجهم (٢).
فنبذ السنة وإظهار تعظيم القرآن الكريم فقط دعوات ظهرت منذ القِدم، تقل وتكثر بحسب ضعف وقوة أهل السنة، والخوارج أول من "ابتدعوا ترك العمل بالسنة المخالفة في زعمهم للقرآن" (٣)، وهؤلاء الخوارج وإن كانوا في الظاهر معظمين للقرآن لكنهم في الحقيقة غير معظمين له؛ وذلك لأنهم يفهمونه مجرداً عن بيان السنة النبوية، وبسبب هذا ضل الخوارج، و"صاروا يتبعون المتشابه من القرآن؛ فيتأولونه على غير معرفة بمعناه، ولا رسوخ في العلم، ولا اتباع للسنة، ولا مراجعة لجماعة المسلمين، الذين يفهمون القرآن" (٤).
فالدعوة إلى الاكتفاء بالقرآن دون السنة ليست وليدة اليوم (٥)، ولم يظهروا كمدرسة هكذا فجأة، وإنما هي ميلاد اجتماع وأخلاط لآراء العقلانيين، الذين ظنوا المخالفة بين العقل والشرع المبين، وحاولوا إبعاد النصوص عن ميادين الدنيا والدين، ومن ذلك القرآن الكريم، ولما كان متواترا ثبوته، وأن رده كفر صريح، فإنهم زعموا أنهم يعتمدون عليه، وذلك حتى يفسروا آياته حسب مشتهياتهم ومراداتهم، فتركوا لذلك السنة، وهذه فكرة عقلانية قديمة أصبحت ظاهرة في هذا العصر في كثير من العقلانيين إن لم يكن في كلهم (٦).
стр. 420
وأصل دين المنكرين للسنة قائم على تعظيم القرآن الكريم، ولكن هذا التعظيم إنما هو ظاهري لا حقيقي (١)، ومموه لا مُذَهَّب.
كما أن المبالغة في مسألة الإعجاز العلمي (٢)
للقرآن الكريم ولي أعناق الأدلة، منطلقة من تعظيمهم للقرآن، حيث بالغوا فيه إلى حد يخرجه عن الأصل الشرعي، فدخلوا إلى الرموز الباطنية والإشارات الصوفية ومسألة الأرقام، أو التكهن بالأحداث من خلال ربط الآيات بعضها ببعض (٣)، وكل هذا الجهد إنما هو لأجل التوفيق بين ما يسمونه علمًا، وبين ما جاء في القرآن، ولقد كان لهذه القضية سلفٌ كالفلاسفة الذين عاشوا في ظلِّ الإسلام حين أرادوا أن يوفِّقوا بين ما في القرآن وبين ما في الفلسفة مما يسمونه حقيقة (٤).
كما أن من البدع قول: إن الإعجاز واقع بجميع القرآن لا ببعضه كما هو قول بعض المعتزلة، وهو أحد الأقوال في مسألة القدْر المعجز من القرآن، فهو مردود بنص القرآن وأن التحدي جاء بسورة واحدة منه (٥).
وكل شيء ينبغي أن يأخذ قدره في البيان، فمسألة الإعجاز من أعظم مسائل الدين؛ لأن القرآن مما اتفق عليه أهل القبلة في الجملة، وأقروا بكونه أظهر معجزات النبي ﷺ ،
стр. 421
وأبينها، وأعلاها، وأشرفها، قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾ الطور: ٣٣ - ٣٤.
قال ابن تيمية ﵀: " كون القرآن معجزة ليس هو من جهة بلاغته وفصاحته فقط، أو نظمه أو أسلوبه فقط، ولا من جهة إخباره بالغيب فقط ... بل هو آية بينة معجزة من وجوه متعددة، من جهة اللفظ، ومن جهة النظم، ومن جهة البلاغة في دلالة اللفظ على المعنى، ومن جهة معانيه التي أخبر بها عن الله تعالى، وأسمائه وصفاته، وملائكته، وغير ذلك، ومن جهة معانيه التي أخبر بها عن الغيب الماضي، وعن الغيب المستقبل، ومن جهة ما أخبر به عن المعاد، ومن جهة ما بين فيه من الدلائل اليقينية، والأقيسة العقلية، التي هي الأمثال المضروبة ... وكل ما ذكره الناس من وجوه إعجاز القرآن هو حجة في إعجازه، ولا تناقض في ذلك، بل كل قوم تنبهوا لما تنبهوا له" (١).
وقد أكثر أهل العلم ممن صنف في إعجاز القرآن من ذكر أوجه إعجازه، حتى عد السيوطي منها خمسة وثلاثين وجهاً (٢)، وما هذا البحث "الآيات الواردة في الرد على البدع المتقابلة" إلا وجه من وجوه الإعجاز القرآني في الرد على انحراف الفرق عن الحق.
ومما سبق يتضح تفرد منهج أهل السنة بالوسطية بين هذه البدع المتقابلة، فلا إفراط ولا تفريط في الإيمان بكتب الله المنزلة.
стр. 422
المبحث الثاني الآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان بالكتب .
المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بالإيمان بالكتب .
إن المتأمل في كتاب الله ﵎، وما جاء فيه من تقرير كون كتبه منزلة منه -بما يجلي شأن الحقيقة، ويرد على البدع المتقابلة-، ليدرك فضله تعالى على عباده في بيان ما يختلفون فيه وفصل الحكم فيه، وفيما يلي بعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان بالكتب المنزلة:
الآية الأولى:
قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾ البقرة: ٢١٣. ونحو ذلك كثير من الآيات التي ذكر فيها تنزيل الكتاب من الله ، وهذه الآية تردُ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي:
- أولاً: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط .
"في جميع مواضع ذكر تنزيل الكتب من الله أضيف الإنزال إليه سبحانه على وجهين:
١ - إسناد الفعل إلى الله فهو فاعله.
٢ - إسناد ابتداء الفعل إلى الله فهو منه.
والتعبير بالإنزال وإسناده إلى الله يدل على أصلين في الحق يقمعان نوعين من الباطل:
الأول: أن كتب الله ليست من كلام الرسل أنشؤوه من أنفسهم، وكذا لم يتلقوه من أحد ممن حولهم من البشر. فإن النزول والإنزال لا يكون إلا من علو إلى سفل، لا يُعقل إلا كذلك، فإذا كانت كتب الله منزلة عليهم فهي أولاً: من جهة منفكة ليست من كلام أنفسهم، ثم هي من ذات في العلو ليست ممن حولهم في الأرض. وهذا يبطل قول الكفار ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ المدثر: ٢٥، وقولهم: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ النحل: ١٠٣ الذي حكاه الله عنهم.
стр. 423
الثاني: أن كتب الله هي كلامه الذي هو صفته منه بدأ، فهي غير مخلوقة ولكنها كلام الله، وهذا هو معنى إسناد الفعل إلى الله بأنه فاعله، فالفعل صفة الفاعل، وهو معنى إسناد الفعل إلى الله بأنه منه؛ لأنه ابتدأ منه وخرج منه سبحانه، فكتب الله كلامه منه بدأت، تكلم بها أولاً سبحانه ثم تناقلت كلامه سبحانه الألسن وحفظته الصدور والسطور وهو حيث تصرّف كلام الله؛ لأنه منه بدأ، فهو غير مخلوق، فإن قيل: كيف يكون الكتاب كلامه الذي هو صفته وقد كتب باليد المخلوقة على الورق المخلوق بالحبر المخلوق، وحفظته الصدور المخلوقة ورددته الألسن المخلوقة، فالجواب: يكون كلام الله؛ لأنه منه بدأ، فالكلام ينسب إلى من تكلم به أولاً حيث تصرف، فإنك إذا تلوت حديثاً من كلام رسول الله ﷺ بصوت نفسك ولسان نفسك لا يقول أحد: إن هذا كلامك، وإن كان بأداء نفسك، بل يقول: هذا كلام رسول الله ﷺ ، ومعلوم أن صوتك المسموع منه هذا الكلام ليس هو صوت رسول الله ﷺ ، ولا لسانك وحركات فمك بالحروف والكلم هي لسان رسول الله ﷺ ، وحركات فمه الشريف، ولكنه كلام رسول الله؛ لأنه هو الذي تكلم به أولاً وخرج منه ﷺ في ابتداء الأمر، هذا وكلامه ﷺ مخلوق ككلامنا، فكذلك كلام الله إذا تلوته أو حفظته أو كتبته هو كلام الله وليس كلام التالي والكاتب، وكلامه الذي نشأ منه سبحانه هو صفته غير مخلوق، فلا يكون نشأ مخلوقاً ولا من مخلوق.
ويجلي الأمر بيان أن الكلام ينسب نسبتين نسبة إلى المتكلم به أولاً، فيكون كلامه الذي هو صفته، ونسبة إلى المبلغ فيكون تبليغه، فالأولى: نسبة إنشاء، والثانية: نسبة تبليغ، وهذا يبطل قول أهل البدع إن القرآن مخلوق" (١).
- ثانياً: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط .
كما أن هذه الآية أيضاً قد تضمنت الرد على بدعة الإفراط، ففي قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، رد على
стр. 424
من أنكر السنة وأظهر تعظيم القرآن الكريم فقط، فبينت الآية أن الكتاب والسنة لا ينفصلان، بل هما شيء واحد في الحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه. كما أن في قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾، رد على من آمنوا بالكتاب وعرفوا أنه من عند الله، فلم يكن اختلافهم عن جهل منهم به، بل كان اختلافهم فيه، وخلاف حكمه -مع زعمهم لتعظيمه-، وإن كانت الآية نزلت في اليهود إلا أن هذا هو ما يشاهد من تعظيم بعض الفرق الإسلامية للقرآن كالخوارج وأضرابهم، لكن اختلافهم في فهمه كان سبباً في التكفير واستباحة الدماء ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾.
فكانت هذه الآية رادة على بدعة الاكتفاء بالقرآن دون السنة بزعم تعظيمه.
- ثالثاً: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان .
المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو: اعتمادهم على العقل بعيدا عن نور الشرع، فآل بقوم منهم إلى التفريط في الإيمان بالكتب وأنها ليست كلام الله ، وآل بآخرين إلى فهم نصوص الكتب المنزلة بعقولهم المجردة.
- رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد .
أتت هذه الآية الكريمة للدلالة على أن المذهب الحق ليس ما ذهب إليه أصحاب الغلو والجفاء، بل هو ما ذهب إليه السلف -رضوان الله عليهم-، ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة؛ كما قال تعالى: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾.
стр. 425
الآية الثانية:
قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْ فُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١)﴾ الأنعام: ٩١، هذه الآية تردُ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي:
- أولاً: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط .
في قوله تعال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ الأنعام: ٩١، رد على من جحد وأنكر إنزال الله للكتب، ذلك أن إنكارهم فيه طعن للخالق سبحانه؛ إذ يلزم منه أن الرسل كذبوا، وافتروا على الله، كما أن في هذه الآية إلزاماً لهم بما يعتقدونه من إنزال الله تعالى للتوراة، فقال على سبيل المحاجة: إن كان الله تعالى لم ينزل على بشر شيئاً، فمن الذي أنزل التوراة التي جاء بها موسى؟ ! ولا شك أن الجواب هو: أنزلها الله، وهو جواب القرآن حيث قال تعالى في ختام الآية: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ الأنعام: ٩١، جوابا لقوله: ﴿مَنْ أَنْزَلَ﴾ الأنعام: ٩١، واسم الله مرفوع بفعل مضمر تقديره: أنزله الله، أو مرفوع بالابتداء (١).
قال بعد هذه الآية: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١)﴾ الأنعام: ٢١، ليقرر سبحانه أن أعظم الكذب أن ينفي أهل الكتاب: نزول كتاب من الله تعالى على البشر! .
- ثانياً: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط .
كما أن فيها رداً على بطلان مذهب من انتهج الغلو في الإثبات على غير هدى، وسلك طريق المبالغة في إعجاز القرآن لدلاله على إثبات كتب الله المنزلة (٢)، وأنَّ المتكلم عن الحقيقة الكونية المخبر بها هو خالقها؛ وذلك بتحميل الآيات ما لا تحتمل من أوجه المجاز