← Акыда

Акыда · id 147315

الآيات القرآنية الواردة في الرد على البدع المتقابلة دراسة عقدية

أحمد بن علي الزاملي

Полный текст (593 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وأبينها، وأعلاها، وأشرفها، قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾ الطور: ٣٣ - ٣٤. قال ابن تيمية ﵀: " كون القرآن معجزة ليس هو من جهة بلاغته وفصاحته فقط، أو نظمه أو أسلوبه فقط، ولا من جهة إخباره بالغيب فقط ... بل هو آية بينة معجزة من وجوه متعددة، من جهة اللفظ، ومن جهة النظم، ومن جهة البلاغة في دلالة اللفظ على المعنى، ومن جهة معانيه التي أخبر بها عن الله تعالى، وأسمائه وصفاته، وملائكته، وغير ذلك، ومن جهة معانيه التي أخبر بها عن الغيب الماضي، وعن الغيب المستقبل، ومن جهة ما أخبر به عن المعاد، ومن جهة ما بين فيه من الدلائل اليقينية، والأقيسة العقلية، التي هي الأمثال المضروبة ... وكل ما ذكره الناس من وجوه إعجاز القرآن هو حجة في إعجازه، ولا تناقض في ذلك، بل كل قوم تنبهوا لما تنبهوا له" (١). وقد أكثر أهل العلم ممن صنف في إعجاز القرآن من ذكر أوجه إعجازه، حتى عد السيوطي منها خمسة وثلاثين وجهاً (٢)، وما هذا البحث "الآيات الواردة في الرد على البدع المتقابلة" إلا وجه من وجوه الإعجاز القرآني في الرد على انحراف الفرق عن الحق. ومما سبق يتضح تفرد منهج أهل السنة بالوسطية بين هذه البدع المتقابلة، فلا إفراط ولا تفريط في الإيمان بكتب الله المنزلة.

стр. 422

المبحث الثاني الآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان بالكتب . المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بالإيمان بالكتب . إن المتأمل في كتاب الله ﵎، وما جاء فيه من تقرير كون كتبه منزلة منه -بما يجلي شأن الحقيقة، ويرد على البدع المتقابلة-، ليدرك فضله تعالى على عباده في بيان ما يختلفون فيه وفصل الحكم فيه، وفيما يلي بعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان بالكتب المنزلة: الآية الأولى: قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾ البقرة: ٢١٣. ونحو ذلك كثير من الآيات التي ذكر فيها تنزيل الكتاب من الله ، وهذه الآية تردُ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي: - أولاً: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط . "في جميع مواضع ذكر تنزيل الكتب من الله أضيف الإنزال إليه سبحانه على وجهين: ١ - إسناد الفعل إلى الله فهو فاعله. ٢ - إسناد ابتداء الفعل إلى الله فهو منه. والتعبير بالإنزال وإسناده إلى الله يدل على أصلين في الحق يقمعان نوعين من الباطل: الأول: أن كتب الله ليست من كلام الرسل أنشؤوه من أنفسهم، وكذا لم يتلقوه من أحد ممن حولهم من البشر. فإن النزول والإنزال لا يكون إلا من علو إلى سفل، لا يُعقل إلا كذلك، فإذا كانت كتب الله منزلة عليهم فهي أولاً: من جهة منفكة ليست من كلام أنفسهم، ثم هي من ذات في العلو ليست ممن حولهم في الأرض. وهذا يبطل قول الكفار ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ المدثر: ٢٥، وقولهم: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ النحل: ١٠٣ الذي حكاه الله عنهم.

стр. 423

الثاني: أن كتب الله هي كلامه الذي هو صفته منه بدأ، فهي غير مخلوقة ولكنها كلام الله، وهذا هو معنى إسناد الفعل إلى الله بأنه فاعله، فالفعل صفة الفاعل، وهو معنى إسناد الفعل إلى الله بأنه منه؛ لأنه ابتدأ منه وخرج منه سبحانه، فكتب الله كلامه منه بدأت، تكلم بها أولاً سبحانه ثم تناقلت كلامه سبحانه الألسن وحفظته الصدور والسطور وهو حيث تصرّف كلام الله؛ لأنه منه بدأ، فهو غير مخلوق، فإن قيل: كيف يكون الكتاب كلامه الذي هو صفته وقد كتب باليد المخلوقة على الورق المخلوق بالحبر المخلوق، وحفظته الصدور المخلوقة ورددته الألسن المخلوقة، فالجواب: يكون كلام الله؛ لأنه منه بدأ، فالكلام ينسب إلى من تكلم به أولاً حيث تصرف، فإنك إذا تلوت حديثاً من كلام رسول الله ﷺ بصوت نفسك ولسان نفسك لا يقول أحد: إن هذا كلامك، وإن كان بأداء نفسك، بل يقول: هذا كلام رسول الله ﷺ ، ومعلوم أن صوتك المسموع منه هذا الكلام ليس هو صوت رسول الله ﷺ ، ولا لسانك وحركات فمك بالحروف والكلم هي لسان رسول الله ﷺ ، وحركات فمه الشريف، ولكنه كلام رسول الله؛ لأنه هو الذي تكلم به أولاً وخرج منه ﷺ في ابتداء الأمر، هذا وكلامه ﷺ مخلوق ككلامنا، فكذلك كلام الله إذا تلوته أو حفظته أو كتبته هو كلام الله وليس كلام التالي والكاتب، وكلامه الذي نشأ منه سبحانه هو صفته غير مخلوق، فلا يكون نشأ مخلوقاً ولا من مخلوق. ويجلي الأمر بيان أن الكلام ينسب نسبتين نسبة إلى المتكلم به أولاً، فيكون كلامه الذي هو صفته، ونسبة إلى المبلغ فيكون تبليغه، فالأولى: نسبة إنشاء، والثانية: نسبة تبليغ، وهذا يبطل قول أهل البدع إن القرآن مخلوق" (١). - ثانياً: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط . كما أن هذه الآية أيضاً قد تضمنت الرد على بدعة الإفراط، ففي قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، رد على

стр. 424

من أنكر السنة وأظهر تعظيم القرآن الكريم فقط، فبينت الآية أن الكتاب والسنة لا ينفصلان، بل هما شيء واحد في الحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه. كما أن في قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾، رد على من آمنوا بالكتاب وعرفوا أنه من عند الله، فلم يكن اختلافهم عن جهل منهم به، بل كان اختلافهم فيه، وخلاف حكمه -مع زعمهم لتعظيمه-، وإن كانت الآية نزلت في اليهود إلا أن هذا هو ما يشاهد من تعظيم بعض الفرق الإسلامية للقرآن كالخوارج وأضرابهم، لكن اختلافهم في فهمه كان سبباً في التكفير واستباحة الدماء ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. فكانت هذه الآية رادة على بدعة الاكتفاء بالقرآن دون السنة بزعم تعظيمه. - ثالثاً: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان . المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو: اعتمادهم على العقل بعيدا عن نور الشرع، فآل بقوم منهم إلى التفريط في الإيمان بالكتب وأنها ليست كلام الله ، وآل بآخرين إلى فهم نصوص الكتب المنزلة بعقولهم المجردة. - رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد . أتت هذه الآية الكريمة للدلالة على أن المذهب الحق ليس ما ذهب إليه أصحاب الغلو والجفاء، بل هو ما ذهب إليه السلف -رضوان الله عليهم-، ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة؛ كما قال تعالى: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾.

стр. 425

الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْ فُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١)﴾ الأنعام: ٩١، هذه الآية تردُ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي: - أولاً: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط . في قوله تعال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ الأنعام: ٩١، رد على من جحد وأنكر إنزال الله للكتب، ذلك أن إنكارهم فيه طعن للخالق سبحانه؛ إذ يلزم منه أن الرسل كذبوا، وافتروا على الله، كما أن في هذه الآية إلزاماً لهم بما يعتقدونه من إنزال الله تعالى للتوراة، فقال على سبيل المحاجة: إن كان الله تعالى لم ينزل على بشر شيئاً، فمن الذي أنزل التوراة التي جاء بها موسى؟ ! ولا شك أن الجواب هو: أنزلها الله، وهو جواب القرآن حيث قال تعالى في ختام الآية: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ الأنعام: ٩١، جوابا لقوله: ﴿مَنْ أَنْزَلَ﴾ الأنعام: ٩١، واسم الله مرفوع بفعل مضمر تقديره: أنزله الله، أو مرفوع بالابتداء (١). قال بعد هذه الآية: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١)﴾ الأنعام: ٢١، ليقرر سبحانه أن أعظم الكذب أن ينفي أهل الكتاب: نزول كتاب من الله تعالى على البشر! . - ثانياً: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط . كما أن فيها رداً على بطلان مذهب من انتهج الغلو في الإثبات على غير هدى، وسلك طريق المبالغة في إعجاز القرآن لدلاله على إثبات كتب الله المنزلة (٢)، وأنَّ المتكلم عن الحقيقة الكونية المخبر بها هو خالقها؛ وذلك بتحميل الآيات ما لا تحتمل من أوجه المجاز

стр. 426

المخالفة للسياق، أو المخالفة لما ثبت في السنة المطهرة من تفسير هذه الآيات، أو التسرع في عرض الفرضيات والنظريات على أنها حقائق علمية. فجاء قوله تعالى: ﴿نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾، للدلالة على أن كتاب الله أنزل لغاية عظيمة وهي العبادة، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ الذاريات: ٥٦، وأما إشارة القرآن لبعض هذه المسائل المرتبطة بالعلوم التجريبية لم يكن هو المقصد الأول؛ لأنها تجيء مرتبطة بالدلالة على حكم عقدي أو شرعي، فهي جاءت تبعًا وليس أصالةً، لذلك فهي لم تأت على سبيل التفصيل (١)؛ لأنه نتيجة البحث والتأمل، وهو من العلوم التي وكلها الله لعباده فنجد أن الغرب تقدم فيها نتيجة البحث والجهد. - ثالثاً: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان . المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو: الخلل الذي لديهم في توحيد الأسماء والصفات، فسلك المعطلة الجفاة طريق إنكار الكتب السماوية وأن الله لم ينزل شيئاً، بينما سلك المشبهة الغلاة إخراج كتب الله عن مقصدها المراد منها إلى أن تكون كتابا في العلوم التجريبية، فقاسوا كلام الرب باختراعات البشر. - رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد . أتت هذه الآية الكريمة للدلالة على أن المذهب الحق ليس ما ذهب إليه أصحاب الإفراط والتفريط، بل هو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، فحققوا الإيمان بالكتب، وأقروا بأنها كلها منزل من عند الله على رسله إلى عباده بالحق المبين والهدى المستبين, وأنها كلام الله لا كلام غيره. ولم يغلوا في الإثبات ففسروا نصوص الكتاب بما أثر عن السلف، ولهم موقف واضح من مسألة الإعجاز (٢) العلمي (٣).

стр. 427

الآية الثالثة: قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّ قُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ البقرة: ١٣٦، في هذه الآية ردٌ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي: - أولاً: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط . في هذه الآية ردٌ على المنكرين للكتب المنزلة، كما أن فيها كذلك رداً على من آمن بكتاب وأنكر غيره مما أنزله الله على رُسُلِه -عليهم الصلاة والسلام-. - ثانياً: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط . كما أن هذه الآية أتت للرد على من بالغ في تعظيم الكتاب برد السنة، فأتى قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾، لدلالة على أن السنة لا تنفك عن القرآن كما قال : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ النحل: ٤٤، بل إن استمرار السنة النبوية حتى يومنا هذا معجزة من باطن معجزة القرآن، لذا فإن تشكيك هؤلاء في السنة يؤدي بهم إلى الشك في معجزة القرآن نفسها؛ لأن في السنة النبوية بيان ما نزل في القرآن من الفرائض والعبادات والمعاملات. قال الإمام ابن حزم ﵀: "ولو أن امرءاً قال: لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن، لكان كافراً بإجماع الأمة" (١).

стр. 428

- ثالثاً: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان . المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو: اعتمادهم على العقل بعيداً عن نور الشرع، فآل بقوم منهم إلى التفريط في الإيمان بالكتب وأنها ليست كلام الله ، أو آمن ببعضها وكفر بالبعض الآخر، وآل بآخرين إلى رد السنة، وفهم القرآن بعقولهم القاصرة. بينما تجاهلوا جميعاً ما جاءت به نصوص الشرع وأوامره الكثيرة من الإيمان بالكتب الذي لا يشوبه إفراط ولا تفريط. - رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد . من أجل هذا أتت هذه الآية للدلالة على بطلان ما اعتقده أصحاب البدع المتقابلة، فتضمنت الآية إيمان المؤمنين بما أنزل الله عليهم بواسطة رسوله ﷺ ، وما أنزل على أعيان الرسل ﵈ المذكورين في الآية، وما أنزل على بقية الأنبياء في الجملة وأنهم لا يفرقون بين الرسل في الإيمان ببعضهم دون بعض فانتظم ذلك الإيمان بجميع الرسل وكل ما أنزل الله عليهم من الكتب. وبذلك يكون أهل السنة والجماعة وسطاً بين أهل التفريط الذين ينكرون إنزال الله لكتبه وتكلُمِه بها، أو يعطلونها عن أوامرها وشرائعها، حتى نظروا لكتب الله نظرة نقص فعظموا عقولهم, وبين أهل الإفراط الذين زعموا التعظيم واستحسنوا ما أملته عليه عقولهم في التبرك البدعي أو الشركي بكتاب الله ، حتى آل بهم الأمر إلى تحميل الآيات ما لا تحتمل، أو المخالفة لما ثبت في السنة المطهرة من تفسير هذه الآيات. المطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان بالكتب . أختم هذا الفصل بذكرٍ إجمالي للآيات الرادة على الانحراف العقدي في الإيمان بالكتب؛ والآيات التالية سيقت على سبيل المثال لا الحصر: ١١ - قال سبحانه: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ البقرة: ٢٨٥، إخباره سبحانه أن النبي ﷺ والمؤمنين يؤمنون بالكتب في معرض الثناء عليهم وتسجيل صفات الإيمان لهم التي بها يستحق العبد صفة الإيمان وحكمه، لتكون

стр. 429

هذه الآية رداً على من فرط وأفرط، فادعى أنه أعظم تعظيما لها منهم، أو جفا فيها ولم يؤمن بها حق الإيمان. ١٢ - قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ الحجر: ٩، فيه رد على كل من سعى في التشكيك في كتاب الله أو نفيه وإنكاره بأن عمله في تباب، لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾، كما أن فيه رداً كذلك على من عظمه تعظيماً شركياً بأن فعله مخالف لمنطوق القرآن المحفوظ لقيام الساعة. ١٣ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ النساء: ١٣٦، في هذه الآية الإخبار عن كتب الله المنزلة على رسله، وهذا الخبر وجب الإيمان به؛ لأنه خبر الرب سبحانه والجحود به كفر، فكانت رداً على المفرطين، كما أنها ترد على الغلاة عند قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾، لتدلل على أن هذا الإيمان محدود بحدود شرعية ارتضاها الله فمن تجاوزها فقد ﴿ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾. ١٤ - قال سبحانه: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)﴾ آل عمران: ١٨٤، أي: جاءتهم الرسل بالكتب ولكنهم كذبوا بها، وإخباره سبحانه بأن تكذيب المكذبين وكفرهم إنما كان لجحودهم بالكتب، فمن جحد بالكتب كفر وخرج من الملة، فظهر ملازمة وجوب الإيمان بالكتب للإيمان، ليكون هذا ردا على المفرطين الذين لم يؤمنوا بها، أما رد الآية على الغلاة ففي قوله تعالى: ﴿رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ﴾، للدلالة على أن الإيمان بالكتب له حد بينته رسل الله فمن تجاوزه فقد جانب الحق كما أن من فرط فيه فقد جاوز الحق كذلك. وبهذا يتبين فساد قول كل من الغلاة والجفاة في الإيمان بالكتب، وأن الحق هو مذهب أهل السنة والجماعة.

стр. 430

الباب الثالث: الفصل ٣ الآيات الواردة في الإيمان بالرسل. وفيه تمهيد ومبحثان: تمهيد في تعريف الرسل. المبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة في الإيمان بالرسل. المبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان بالرسل.

стр. 431

تمهيد في تعريف الرسل: لا شك أن الإيمان بالرسل ركن عظيم ودعامة يبنى عليه أساس كل العبادات التي جاء بها الرسل -عليهم الصلاة والسلام- (١)، كما أنه من لوازم ربوبية الله تعالى لخلقه؛ لأنه لا يحسن أن يترك عباده سدى هملاً لا يعرفهم ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم (٢). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وبالجملة فينبغي للعاقل أن يعلم أن قيام دين الله في الأرض إنما هو بواسطة المرسلين -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-، فلولا الرسل لما عبد الله وحده لا شريك له، ولما علم الناس أكثر ما يستحقه سبحانه من الأسماء الحسنى والصفات العُلا، ولا كانت له شريعة في الأرض" (٣)، وقال الشيخ السعدي ﵀: " زبدة ما أُرسِل به المُرسَلين؛ أنه البشارة والنذارة، وذلك مستلزم لبيان المبشِّر والمبشَّر به، والأعمال التي إذا عملها العبد حصلت له البشارة، والمنذِّر والمنذَّر به، والأعمال التي من عملها حقت عليه النذارة" (٤). كما أن "تفاوت العقول والمدارك وتباين الأفكار واختلاف الأغراض والمنازع ينشأ عنه تضارب الآراء وتناقض المذاهب، وذلك مما يفضي إلى سفك الدماء، ونهب الأموال، والاعتداء على الأعراض، وانتهاك الحرمات، وبالجملة ينتهي بالناس إلى تخريب وتدمير، لا إلى تنظيم وحسن تدبير، ولا يرتفع هذا إلا برسول يبعثه الله بفصل الخطاب؛ ليقيم به الحجة، ويوضح به المحجة؛ فاقتضت حكمة الله أن يرسل رسله بالهدى ودين الحق رحمة منه بعباده، وإقامة للعدل بينهم، وتبصيراً لهم بما يجب عليهم من حقوق خالقهم وحقوق أنفسهم وإخوانهم، وإعانةً لهم على أنفسهم، وإعذاراً إليهم؛ فإنه لا أحد أحب إليه العذر من الله" (٥). ويحسن قبل الشروع في مباحث هذا الفصل التمهيد بما يلي:

стр. 432

أول اً: التعريف بالنبي والرسول: أ- التعريف: النبي لغة يأتي على ثلاثة معانٍ يرجع أصل اشتقاقه إليها وهي: ١ - بمعنى النبأ: أي: الخبر ذو الفائدة العظيمة الذي يحصل به العلم، كما في قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢)﴾ النبأ: ١ - ٢ (١)، فيكون اشتقاق الكلمة من الفعل نَبَأَ، ونَبَّأَ، وأنبأ أي: أخبر (٢). ٢ - بمعنى النَبْوة والنَّبَاوة: أي: العلو والارتفاع، فيكون اشتقاق الكلمة من الفعل "نَبَا" بدون همز أي: علا وارتفع (٣). ٣ - بمعنى الطريق الواضح (٤). ويظهر مما سبق أن معاني النبي في اللغة تختلف باختلاف جهة الاشتقاق، إلا أن كل هذه المعاني موافقة للمفهوم الشرعي للنبوة، إذ إنها إخبار عن الله، وهي مقام رفيع ومكانة منيفة لصاحبها، وكذا فهي طريق موصل إليه (٥)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " والتحقيق أن ... من أنبأه الله، وجعله مُنْبِئَاً عنه، فلا يكون إلا رفيع القدر علياً" (٦). وبصرف النظر عن جهة اشتقاق كلمة (نبي) في اللغة، فإنه يحظر تماماً استعمالها في الشريعة الإسلامية إلا للدلالة على النبوة بمعناها الشرعي، لذا فإن معنى النبي في الشرع:

стр. 433

وهو الذي أوحى الله إليه بأن يعمل بشريعة من قبله، وأن يبلغها (١) إلى قوم موافقين له في التوحيد (٢). وأما الرسول لغة: فمشتق من (الإرسال) بمعنى البعث والتوجيه، يقال: أرسلت فلاناً في رسالة: أي: بعثته، فهو مرسل ورسول، قال تعالى عن ملكة سبأ: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥)﴾ النمل: ٣٥، ويجمع الرسول على أرْسُل، ورُسُل ورُسْل، ورُسَلاءَ، وسُمُّوا الرُّسُل بذلك؛ لأنهم مبعوثون وموجهون من قبل الله ، لتبليغ الخلق أمر الله ووحْيه (٣)، كما أن الرَّسل تأتي بمعنى التتابع؛ أخذًا من قولهم: رَسَل اللبن إذا تتابع دَرُّه، فيكون الرسول هو من تتابَع عليه الوحي (٤). والرسول في الاصطلاح: هو من أوحى اللهُ إليه بشرع، وأمر بتبليغه إلى قوم مخالفين، سواءٌ دعاهم بشرع جديد أو بشرع مَن قبله (٥). وقد اختلف العلماء اختلافاً كبيراً في بيان الفرق بين النبي والرسول، وذلك بسبب اختلاف ضبطهم للتعريف الاصطلاحي، وبيان الفرق بينهما، والراجح أن بينهما عموم وخصوص مطلقاً، فالنبوة داخلة في الرسالة، والرسالة أعم من جهة نفسها وأخص من جهة

стр. 434

أهلها، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً، فالأنبياء أعم، والنبوة نفسها جزء من الرسالة، فالرسالة تتناول النبوة وغيرها بخلاف النبوة فإنها لا تتناول الرسالة (١). كما أنه لا يصح قول من ذهب إلى أنه لا فرق بين الرسول والنبي، ويدل على بطلان هذا القول ما ورد في عدد الأنبياء والرسل، فقد ذكر الرسول ﷺ أن عدد الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألف نبي، وعدد الرسل ثلاثمائة وبضعة عشر رسولاً (٢)، ويدل أيضا ما ورد في كتاب الله من عطف النبي على الرسول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ الحج: ٥٢ (٣). وعليه فالنبي والرسول بينهما عموم وخصوص مطلق، وكذا النبوة والرسالة، فالرسالة أعم من جهة نفسها؛ إذ النبوة داخلة في الرسالة، كما أنها أخص من جهة أهلها؛ إذ كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولاً، والرسالة أفضل من النبوة، والرسول أفضل من النبي (٤). ثانياً: الإيمان بالرسل وما يتضمنه: وعليه فالإيمان بالرسل: هو الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى بعث في كل أمة رسولاً يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونبذ ما سواه؛ فقد اتفقت دعوتهم من أولهم إلى آخرهم في أصل الدين -وهو توحيد الله بإلهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته-، ونفي ما يضاد ذلك أو ينافي كماله، قال : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا

стр. 435

الطَّاغُوتَ﴾ النحل: ٣٦، فنؤمن بمن سمى الله في كتابه منهم، وقص علينا من أنبائهم ونبَّأنا من أخبارهم ما فيه كفاية وعبرة وموعظة إجمالاً وتفصيلاً، ثم قال: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ النساء: ١٦٤، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ غافر: ٧٨، فنؤمن بجميعهم تفصيلاً فيما فصل وإجمالاً فيما أجمل، ونؤمن بمحمد ﷺ ، وإيماننا به غير إيماننا بسائر الرسل (١). لذلك كان مذهب السلف الصالح ﵃ في باب الإيمان بالرسل يقوم على أربعة قواعد هي: الأول: الإيمان بأن رسالتهم حق من الله تعالى. الثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه، ومن لم نعلم اسمه منهم فنؤمن به إجمالاً فإن لله رسلاً وأنبياء لا يعلم عددهم وأسماءهم إلا هو سبحانه. الثالث: تصديق ما صح عنهم من أخبارهم. الرابع: العمل بشريعة من أرسل إلينا منهم، وهو خاتمهم محمد ﵉ المرسل إلى جميع الناس (٢). كما أن الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام، يتضمن ما يلي (٣): ١ - يتضمن الإيمان بالرسل إثبات صفة الرحمة لله بعباده؛ فإن الله لم يخلق الناس عبثاً، ولم يتركهم سدى، بل بيَّن لهم سبحانه أنه ما خلق الخلق إلا لحكمة

стр. 436

عظيمة، وغاية جليلة، وهي عبادته سبحانه دون ما سواه، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ الذاريات: ٥٦. ٢ - الإيمان بأن الله أرسل رسلاً لكل أمة من الأمم، مبلِّغين توحيده وشرائعه، منذرين عقابه ووعيده، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ النحل: ٣٦ (١)، وهذه المهمة السامية هي المقصود من إرسال الأنبياء والرسل؛ لأن غاية بعثتهم: إخراج الناس من ظلمات الجهل والكفر والمعصية إلى نور العلم والإيمان والطاعة، قال : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ إبراهيم: ٥، كما أن هداية الرسل للبشر لم تكن بأهواء أنفسهم؛ بل بأمر الله ودينه واتباع مرضاته، قال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ الأنبياء: ٧٣. ٣ - يتضمن الإيمان بالرسل الإيمان بأسماء الرسل الذين سماهم الله : آدم وإدريس ويوسف وعيسى وإبراهيم واليسع ذو النون وإلياس ومحمد ﷺ وغيرهم من المرسلين الذين ذكروا في القرآن الكريم؛ لأن الله اصطفاهم لحمل رسالته وتبليغ وحيه و ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ الأنعام: ١٢٤، قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ الأحزاب: ٣٩، وقال جل شأنه: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ الحج: ٧٥. ٤ - يتضمن الإيمان بأن منهم من كلمهم الله مباشرة كما حصل مع موسى، ومنهم من كان يرسل إليهم رسولاً ويأتيهم الوحي من السماء، ومنهم من أوحى الله إليهم بالإلهام، والنبي ﷺ أوحى الله إليه بهذه الطرق جميعاً.

стр. 437

٥ - ويتضمن كذلك الإيمان بجميع ما جاءوا به ﵈ من الكتب والتوحيد، والمعجزات التي جعلها الله لهم علامة على صدقهم فيما يدعونه ويقولونه، قال النبي ﷺ : ((ما من الأنبياء نبي، إلا أعطي من الآيات، ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا، أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة)) (١)، وما أخبروا به مما غاب عنا، وكذلك الملائكة والكتب والأنبياء والبعث والقدر وغير ذلك من تفاصيل ما أخبروا به من صفات اليوم الآخر كالصراط والميزان والجنة والنار. ٦ - أن من أنكر رسالة رسول أو نبوة نبي واحد فقد كفر كفراً مطلقاً مخرجاً من الملة، وكأنه كفر بالجميع، لأن تكذيب واحد منهم يعتبر تكذيباً للكل (٢). ٧ - إن الإيمان بالرسل يتضمن محبة الله ؛ لأن محبته لا تتم إلا بطاعته، ولا سبيل إلى طاعته إلا بمتابعة رُسِوله ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ آل عمران: ٣١، وباتباعهم ينال الإنسان سعادة الدنيا والآخرة -فمن أحبه الله أسعده-، وبمخالفتهم والعدول عن طريقهم، تتحقق الخسارة والخذلان والعياذ بالله (٣). ٨ - يتضمن الإيمان بالرسل الإيمان بالمقصد الأعظم من بعثهم وهو: تحقيق التوحيد والدعوة إليه والجهاد فيه؛ لأن تحقيق عبودية الله لا تكون إلا عن طريق إرسال

стр. 438

رسله، كما أن "الإيمان بالنبوة والرسالة ينبني على الإيمان بالربوبية والإلهية" (١)؛ لأنها "شأن من شؤونه سبحانه ومتعلق صفاته في النوع البشري، فإنها من مقتضى الحكمة، وأجل آثار الرحمة" (٢). وبهذا تتبين لنا تلك الرابطة القوية والمتينة بين الإيمان بالله والإيمان بالرسل، فمعرفة الله والإيمان به لا تكون ولا تحصل إلا عن طريق أولئك الذين بعثهم الله لهداية الناس، مبينين لهم هذا الأمر العظيم، وموضحين الطريق الموصل إلى ذلك. ثالثاً: بيان أهمية الإيمان بالرسل: أرسل الله رسله هدايةً للعباد، وفضلهم على سائر خلقه، وجعل لهم المنزلة السامية، والمكانة الرفيعة، وجعلَ الإيمان بهم ركناً من أركانِ دينهِ، لا يصح إيمان العبد إلا بالإيمان بهم، وعهد إليهم بمهمة كبيرة، ووظيفة جليلة، ألا وهي تحقيق العبودية له ، والدعوة إليه، وفي هذا يقول : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ الأنبياء: ٢٥، ومن هنا كان للإيمان بالرسل أهمية عظمى، تبرز فيما يلي: o معرفة الله تعالى على النحو الصحيح: معرفةُ الله تعالى المعرفةَ الصحيحة لا تكون إلا عن طريق ما جاء به الرسل ﵈. فلن يصل العبد إلى توحيد الله ومعرفته ومعرفة "صفاته وآياته الدالة على كماله وتنزهه عن النقص، وما يجب له من عبادته وشكره وذكره على النحو الذي تتزكى به النفس، وتتطهر من أدران مساوئها، وتصل إلى الكمال المستعدة له بفطرتها" (٣)، إلا إذا كان مؤمناً برسل الله تعالى؛ فهذه الثمرة من ثمار الإيمان بالرسل لا يصلح حال الإنسان إلا بها، ولا يمكن أن تكون هذه المعرفة على الدرجة من التمام والكمال إلا إذا كان الداعي إليها رسول من قبل الله تعالى أراد الله به أن ترجع الإنسانية عن انحرافها وتعرف حقيقة معبودها (٤).

стр. 439

o تحقيق القدوة العلمية والعملية: من حكمة الله تعالى أن جعل رسله ﵈ من البشر لتتحقق بهم القدوة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ الأحزاب: ٢١، فيكون التزامهم بما يدعون إليه، التزاماً يدل على إمكانية بلوغِ البشر درجاتٍ عاليةٍ في القرب من الله تعالى بالطاعة، لأن المرسلينَ إليهم هم من جنسهِم، قال الله تعالى آمراً رسوله ﷺ أن يبينَ ذلك للناس: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦)﴾ فصلت: ٦، فيسهل بذلك تتبع ما جاءوا به، والتخلق بأخلاقهم، والتأسي بسيرهم، ومتابعتُهم على نهجهِم وسنتهِم، وسيرتهِم ودعوتهِم إلى الله، فهم قادة للبشر، ومن ثم تصبح قيادتهم قيادة سلوكية عملية، وليست مجرد قيادة إرشادية أو وعظية (١). o الصبر وعدم اليأس: إن من أعظم الآثار التي تعود على الإنسان من جراء إيمانه بالرسل: فضيلة الصبر (٢)، فالمتأمل في أحوال الأنبياء مع أقوامهم يجد أنهم قد جاءوا لهدايتهم وإنقاذهم من التهلكة، وقد تحملوا في سبيل تلك المهمة فوق ما يتحمله البشر، وتسلحوا بالصبر وتخلقوا به. فهذا رسول الله ﷺ يذكر صبر موسى على إيذاء قومه بأكثر مما أوذي هو ﷺ ، فقال: (رحم الله موسى، قد أُوذي بأكثر من هذا فصبر) (٣). كما أن في الصبر تشبهاً بالأنبياء وتأدباً بأدبهم، قال تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥)﴾ الأنبياء: ٨٥، وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ الأحقاف: ٣٥. فالصبر يهذب النفوس المؤمنة، كما أنه يطهرها من خلق اليأس والهلع والجزع عند نزول المصيبة ومن خلق الطغيان والبطر عند النقمة.

стр. 440

o الإيمان بالأنبياء والرسل نجاة من الخسران: الإيمان بالرسل أصل من أصول الإيمان، قال تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤)﴾ آل عمران: ٨٤، ومن لم يؤمن بالرسل ضل ضلالاً بعيداً، وخسر خسراناً مبيناً: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ النساء: ١٣٦. o عبادة الله لا تكون إلا بالإيمان بالرسل: لا شك أن الإيمان بالرسل ركن عظيم ودعامة يبنى عليه أساس كل العبادات التي جاء بها الرسل -عليهم الصلاة والسلام- (١). o تحقيقُ الرغبات والنزعاتِ البشرية في معرفة ما لا يستطيعُ العقل البشريُّ الوصولَ إليه بمجرده، ومن ذلك: أ-الإيمان بالغيب ورأسه توحيد الله وصفاته وآياته الدالة على كماله وتنزهه عن النقص، وما يجب من عبادته وشكره وذكره الذي هو أعلى ما تتزكى به الأنفس، وتتطهر من أدران مساويها، وتصل إلى الكمال المستعدة له بفطرتها، ويليه الإيمان بملائكته وما يناط بهم من الوحي والنظام في الخالق والأمر ويجب الوقوف في ذلك عند ما ورد به النص. ب- ما يجب اعتقاده من البعث بعد الموت والحساب والجزاء على الإيمان والأعمال، وهو أكبر البواعث -بعد الإيمان بالله ومعرفته- على اتباع ما شرعه من اتباع الحق، وإقامة العدل، وأعمال البر والخير والصدود عن أضدادها. ت- وضع حدود وأصول للأعمال التشريعية المشار إليها لا مجال للآراء والأهواء فيها، لتكون جامعة للكلمة، مانعة من التفرقة، متبعة في السر والعلانية.

стр. 441

ث- إبعاد الناس عن التصورات الباطلة لا يتم إلا عن طريق الرسل ﵈، لا سيما في عالم الغيب. ج- أن العبادة الصحيحة لا تعرف إلا عن طريقهم. ح- تقويم الفطرة المنحرفة. خ- إيجاد القدوة الصالحة والتأسي بهم. د- تحقيق العدل لا يحصل إلا بإرسال الرسل، فالناس لا يستطيعون تحقيق العدل لاختلاف أهوائهم ومشاربهم وتفاوت عقولهم (١)؛ "لأن عقول الناس مختلفة أعظم اختلاف، ولا تستطيع أن تستقل بمعرفة ما يرضي الله سبحانه أو يسخطه من الأقوال والأعمال والعقائد، ومن أجل ذلك أرسل الله رسله من نوح ﵊ إلى أن ختموا بنبينا محمد ﵉ الذي بعثه الله بدين شامل كامل باق عام للبشرية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين" (٢). o ظهور ثمرات الإيمان بالرسل، وهي (٣): أولاً: حصول محبة العباد لله ، لعلمهم برحمة الله تعالى وعنايته بخلقه، حيث أرسل إليهم رسلاً من أنفسهِم يبينون لهم آياتهِ وشريعته، ويبشرونهم بجزيل الثواب لمن آمنَ بهم، وينذرون من كفرَ بهم سوءَ العقاب. ثانياً: شكره تعالى على هذه النعمة الكبرى. ثالثاً: محبةُ الرسل، والثناءُ عليهم بما يليق بهم؛ لأنهم رسل الله تعالى وخلاصة عبيده، قاموا لله بعبادته وتبليغ رسالته، والنصح لعباده، والصبر على أذاهم.

стр. 442

رابعاً: ونحبُّ بحبِّ رسول الله ﷺ ، آلَ بيته الأطهارِ (١)، وأصحابَه وأتباعَه وأنصارَه إلى يوم الدين، ونتولاهم ولا نبرأُ من أحدٍ منهم، بل نبغضُ من يبغضُهم، وبغير الخير يذكرهُم، فلا نذكرهُم إلا بخيرٍ، وحبُّهم عندنا دينٌ وإيمانٌ وإحسانٌ نتقربُ به إلى الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ التوبة: ١٠٠، ونتميزُ عن أهل البدع بسلامةِ قلوبنِا وألسنتنا لهم، فنُمسكُ عمّا شجرَ بين أصحابِ النبي ﷺ ، فهم في ذلك بينَ مجتهدٍ مصيبٍ ومجتهدٍ مخطئٍ، فلبعضهِم أجرٌ ولبعضهِم أجرانِ، رضوان الله عليهم أجمعين. خامساً: ونحبُّ أنصارَ الدين في كلِّ زمانٍ إلى قيامِ الساعة، القريب منهم والبعيد، من عرفنا منهم ومن لم نعرفْ، ولا نبرأُ من أحدٍ منهم أو نعاديهِ أو نعاملُه معاملةَ غيرِ المسلمين، بلْ نتولاَّهم وندعو لهم وننصرهُم ونجتهدُ أن نكون منهم. امتثالا لقول النبي ﷺ : ((لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)) (٢). o لحاجة البشر إليها: قال شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان حاجة العالم إلى الرسالات: " الرسالة ضرورية للعباد لا بدّ لهم منها، وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء، والرسالة روح العالم ونوره وحياته، فأي صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور؟ والدنيا مظلمة ملعونة إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة، وكذلك العبد ما لم تشرق على قلبه شمس الرسالة، ويناله من حياتها وروحها فهو في ظلمة، وهو من الأموات، كما قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ الأنعام: ١٢٢، فهذا وصف المؤمن كان

стр. 443

ميتاً في ظلمة الجهل فأحياه الله بروح الرسالة ونور الإيمان، وجعل له نوراً يمشي به في الناس، وأما الكافر فميت القلب في الظلمات" (١). كما بين ابن القيم ﵀ حاجة العبادة إلى الأنبياء والرسل، فقال: " ... ومن هاهنا تعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول وما جاء به، وتصديقه فيما أخبر به، وطاعته فيما أمر، فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلا من جهتهم، ولا ينال رضا الله البتة إلا على أيديهم ... فأي ضرورة وحاجة فرضت، فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير ... " (٢). قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: "قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ الذاريات: ٥٦ ... ولهذا أعطى الله البشر عقولاً، وأرسل إليهم رسلاً، وأنزل عليهم كتباً، ولو كان الغرض من خلقهم كالغرض من خلق البهائم؛ لضاعت الحكمة من إرسال الرسل، وإنزال الكتب؛ لأنه في النهاية يكون كشجرة نبتت، ونمت، وتحطمت، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ القصص: ٨٥، فلابد أن يردك إلى معادٍ تجازى على عملك إن خيراً فخير، وإن شراً فشر" (٣). هذا بعض صور الحاجة إلى إرسال الرسل، والأمر أكبر من ذلك بكثير، والأدلة على ذلك كثيرة معلومة من كتاب الله تعالى ومن سنة رسوله ﷺ .

стр. 444

المبحث الأول ما جاء في البدع المتقابلة في الإيمان بالرسل . تمهيد: أرسل الله الرسل لهداية الناس إلى سعادة الدارين، ولكن تباينت مواقف الأمم تجاه أنبيائهم ورسلهم ما بين مؤمن بهم متبع لهم، وبين غالٍ فيهم منزِّلهم فوق منازلهم التي أنزلهم الله إياها، فعبدوهم من دون الله، كاليهود الذين جعلوا عزيراً ابن الله، والنصارى الذين جعلوا عيسى ابن الله، وحذا حذوهم الفرق الضالة كالشيعة والصوفية وغيرهم، وقلما تجد فرقة إلا وتجد فيها هذه الصفة من عبادة الأنبياء والرسل، وخاصة الرسول ﷺ وما يوجه له من الدعاء والاستعانة والاستغاثة أكبر دليل على ذلك. وبين كافر بهم جافٍ لهم منكر للرسالات السماوية، كالملاحدة واليهود (١) وغيرهم، أو زاعمٍ بأن الرسل ومنهم محمد ﷺ لم يبلغوا البلاغ المبين، ولم يفصحوا فيما جاءوا به مما يتعلق بالله تعالى وأسمائه وصفاته العلا، كالفلاسفة وأهل التخييل والتأويل والتجهيل، ومن مظاهر الجفاء عند أهل البدع تكذيب الرسول ﷺ أو بعض ما جاء به، أو بغضه أو بغض ما جاء به، أو المسرة بانخفاض دين الرسول ﵊، أو الكراهية لانتصار دين الرسول ﵊ وسبه وشتمه ﵊، كما هو موجود عند المرجئة والجهمية (٢)، كما أن البراهمة (٣)؛ تطرفوا فأحالوا أن يصطفي الله رسولاً من عباده ويرسل إليهم رسولاً، وزعموا أن إرسالهم عبث؛ إما لعدم حاجة الناس إليهم اعتماداً على العقل في التمييز بين المصالح والمفاسد، واكتفاءً به في إدراك ما يحتاجه الناس من المعاش والمعاد، وإما لاستغناء الله عن عباده؛ لعدم حاجته إلى أعمالهم إن كان خيراً، وعدم تضرره بها إن كانت

стр. 445

شراً، إذ هو سبحانه لا ينتفع بطاعتهم ولا يتضرر بمعصيتهم (١)، كما أننا نجد في العصر الحديث من جعل النبوة صفة لا تزيد على مرتبة العبقرية، كما عند بعض الكتّاب والأدباء والفلاسفة (٢)، بل إن موقف الفرق عموماً من هذا الركن قد حصل فيه خلل من قريب أو بعيد (٣)، ويمكن إجمال أسباب انحراف الفرق في الإيمان بالرسل، إلى سببين رئيسين هما: ١ - الخلل في توحيد الربوبية، وعدم تعظيم الله ، ما أدى بقوم إلى صرف الربوبية للرسل، وبقوم آخرين إلى إنكار حكمة الله من إرساله لرسله ﵈. ٢ - الاشتباه الحاصل في معنى تجريد المتابعة للرسل (٤)، واعتمادهم على العقل (٥) في ذلك، ولا ريب أنه نحى ببعضهم إلى الغلو فيما نحى بآخرين إلى الجفاء. ومن أجل هذا فقد، انقسم الناس إلى طرفين متقابلين، طرف انتهج الغلو والإفراط والزيادة! ! وطرف سلك طريق التقصير والتفريط والنقصان! . وبيان ذلك في المطلبين الآتيين.

стр. 446

المطلب الأول: الانحراف المؤدي إلى التفريط في الإيمان بالرسل . إذا كان الناس في القدم يجادلون الرسل، ويرفضون علومهم، ويعرضون عنهم، ويكذبونهم بعد وضوح الحق، ويظهرون لهم التعنت بطلبهم أمورا ليست من قدرة البشر لتعجيزهم، ويؤذونهم -عليهم الصلاة والسلام- (١)، مع توافر الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب الإيمان بهم، فإن البشر اليوم في القرن العشرين -حيث بلغت البشرية ذروة التقدم المادي، فغاصت في أعماق البحار، وانطلقت بعيداً في أجواز الفضاء، وفجرت الذرة، وكشفت كثيراً من القوى الكونية الكامنة في هذا الوجود- أشد جدالاً للرسل، وأكثر رفضاً لعلومهم، وأعظم إعراضاً عنهم، بحجة أن في شريعة الله حجراً على عقولهم، وتوقيفاً لركب الحياة، وتجميداً للحضارة والرقي (٢)، وقد أقامت الدول اليوم نظمها وقوانينها وتشريعاتها على رفض تعاليم الرسل، بل إن بعض الدول تضع الإلحاد مبدأ دستورياً، وهو الذي يسمى بالعلمانية (٣). وهذا كله شطط بل خروج عن منهج القصد والحق في الاعتقاد بهم. ونأتي للوقوف على طرق الانحراف المؤدية إلى التفريط في الإيمان بالرسل، وهي: - أولاً: إنكار أن يختص الله تعالى بهذه الرحمة والمنّة من يشاء من عباده: من نظر في الكتب المنزلة، وتصفح ما رواه علماء الأخبار، اتضح له اعترافهم بإمكان الوحي وحاجتهم إليه، حتى الكفار؛ فإنهم إنما استبعدوا أن يختار الله لوحيه رسولاً من البشر. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧)﴾ هود: ٢٥ - ٢٧، إلى غير ذلك من الآيات والأخبار التي تدل على أن إنكار الرسل لم يكن لأصل الرسالة ولا

стр. 447

لحاجتهم إليها، وإنما كان لبعث رسول الله إليهم من جنسهم (١)، ولم يقفوا عند هذا الحد، بل وصفوا بعض الخلق بالقداسة ورفعوهم فوق منزلة الأنبياء والرسل، فجعلوا هذه المنزلة تنال بالكسب لا بالاصطفاء. والذي جلب لهم هذا الخلط والاضطراب، توهمهم: " استبعاد اختصاص الله تعالى بعض البشر بهذا التفضيل على سائرهم وهم متساوون في الصفات البشرية بزعمهم ... " (٢)، وقريباً من موقف العرب، يقف اليهود "الذين أنكروا أن يختص الله تعالى بهذه الرحمة والمنة من يشاء من عباده، وأوجبوا عليه أن يحصر النبوة في شعب إسرائيل وحده (٣) ... ووافقهم النصارى على حصر النبوة فيهم وأثبتوا قداسة غير الأنبياء من رسل المسيح وغيرهم من البابوات والعباد ... " (٤). ونحى نحوهم الشيعة في تقديس أئمتهم (٥)، والصوفية في تقديس أوليائهم وتفضيلهم على الأنبياء (٦)، وادعى الفضيلية من الخوارج أنهم أفضل من الأنبياء، حيث أجازوا الكفر على الأنبياء، باعتبار تجويزهم للذنوب عليهم، وكل ذنب فإنه كفر عندهم، والأزارقة من الخوارج، أجازوا أن يبعث الله نبياً يعلم أنه يكفر بعد نبوته، حكي عن أبي جعفر السمناني (٧) أنه يقول

стр. 448

بجواز الكفر على الأنبياء، حكاه عنه ابن حزم (١)، كما أجازت الرافضة على الأنبياء إظهار كلمة الكفر تقية إذا خافوا على أنفسهم، احترازاً من إلقاء النفس إلى التهلكة (٢)، بل ظهر من يدعي النبوة، ومن يزعم بأن النبوة لم تختم بالنبي ﷺ كالقاديانية (٣). وقد نقل شيخ الإسلام وغيره الاتفاق على أن الأنبياء ﵈ هم أفضل الخلق، فقد حفظهم الله تعالى "من تغير الفطرة، ومن الخطأ فيما يبلغون عنه من وحي، ومن اقتراف كبائر الذنوب، وما يستقذر من صغائرها، وعدم إقرارهم على ما يمكن وقوعه منهم من المعاصي" (٤)، لذلك اجتباهم واصطفاهم على سائر البشر و ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ الأنعام: ١٢٤، فهم أعلم وأتقى من عبد الله من الخلق، كما أنهم أعلم الناس بالحقائق (٥)، وهذا معلوم بالاضطرار من دين الله، ولا يجهله عامة الناس فضلا عن علمائهم (٦).

стр. 449

- ثانياً: ادعاء كفاية العقل في إدراك الحسن والقبح: تكلف المبتدعة تقديس العقل، فردوا به نصوص الوحي، زاعمين أنهم ليسوا بحاجة للرسل؛ لأن عقولهم تفرق بين الحسن والقبيح، ومما يدلك على ضرورة بطلان هذا الادعاء، ما يلي (١): ١ - أن العقل محدود في عمله: العقل له مجال معين يعمل فيه، وهو عالم الماديات دون الغيبيات، فهو لا يزال يعمل في هذا الجانب ويكتشف الاكتشافات ويبتكرها وليست معلومة لديه دفعة واحدة، لذا فإن العقل ليس المصدر الوحيد للمعرفة، فمن المعلوم أن مصادر المعرفة متعددة (٢)، وكما أن سائر الآلات في الإنسان محدودة ويصيبها الضعف، فهكذا العقل محدود ويصاب بالضعف. ٢ - عجز العقل عن إدراك عالم الغيب: إن العقل لا يمكنه أن يدرك عالم الغيب (٣) وما يحصل في المستقبل، وهل هناك مخلوقات أخرى كالجن والملائكة، ومعرفة حقيقة الروح في جسم الإنسان، وما الذي يحصل للإنسان في قبره، وماذا يكون للبشرية بعد الموت من الحساب والجزاء والجنة والنار، وكذلك معرفة الخالق بأسمائه وصفاته وأفعاله، كل ذلك وغيره كثير مما لا يمكن للعقل مهما كان ذكاؤه أن يدركه على حقيقته إدراكاً تاماً، فكان لابد من إرسال الرسل من عند الخالق سبحانه لتعريف الإنسان بذلك. ٣ - عجز العقل عن إدراك ألوهية الله وعبادته: إن العقل عاجز عن الوصول إلى المعبود الحق ومعرفة أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وأنه لا يجوز صرف العبادة لغير الله جل وعلا، ولذا تجد أن العقل يتخبط في هذا الجانب ويحتار، وهنا اختلفت العقول وتباينت معبوداتها قديماً وحديثاً.

стр. 450

ورغم ما وصلت إليه البشرية من التطور الهائل، ومع ذلك فلا يزال كثير من سكان الأرض يعبدون غير الله ، فمنهم من لا يزال يعبد التماثيل والأحجار ومنهم من يعبد الأبقار والشيطان، بل عَبَدَ بعض الناس فروج النساء وتخبطت البشرية في هذا الجانب. ٤ - تفاوت العقول واختلافها: ومما يجعل العقول عاجزة عن هداية الخلق وإرشادهم أن العقول مختلفة ومتفاوتة ولكل عقل منها رأي في القضايا المطروحة عليه، فما هو العقل الذي نعتمد عليه في حسم الخلافات، وما هو المعيار في كون عقل فلان صواباً، وعقل فلان خطأ؟ إنه لا جواب لمثل هذه الأسئلة إلا ببعثة الرسل فهم الذين يرشدون البشر ويهدون العقول ويحكمون بالخطأ والصواب على معتقدات الناس وأفعالهم. ٥ - عجز العقل عن وضع منهج صحيح للحياة: إن العقل يدرك الحسن والقبح في بعض الجوانب من حيث الجملة ولكنه عاجز عن إدراك جميع جوانب الحسن والقبح، كما أنه أيضاً عاجز عن إدراك الأحكام الجزئية ووضع التشريعات المناسبة الصحيحة لتلك الجزئيات. وكذلك لا يستطيع العقل أن يدرك تفاصيل العبادة التي يريدها الله من خلقه ولأجلها خلقهم، مثل تفاصيل الصلاة والصيام والزكاة والذكر وغيره من أنواع العبادات. وهكذا في جانب التشريعات التي يحتاج إليها البشر في حياتهم مثل جانب السياسة والاقتصاد والاجتماع وأمور السلم والحرب والعلاقات بين الدول، كل ذلك مما يعجز العقل عن إدراكه. والذي جلب لهم هذا الخلط والاضطراب: توهمهم أن هناك معارضة بين العقل والنقل، وذلك لِما اعتقدوه من أن العقل مقدس ومنزه عن الخطأ، فنفوا وعطلوا وأولوا ما أتت به الرسل من النقل، ولم يرفعوا به رأساً، بل ركنوا إلى قواعدهم العقلية وأصولهم الفلسفية، وجعلوها عمدة في ردّ ما ورد به الشرع بدعوى معارضته لها (١).

стр. 451

وهكذا نلحظ أن كثيراً من انحراف هؤلاء، إنما هو نتيجة التزامهم بما اعتمدوه من كليات عقلية وقواعد منطقية، أدت بهم إلى التفريط في باب الإيمان بالرسل. - ثالثاً: بسبب البدع التي شيّدت عليها الفرق مذاهبها: نجد الموقف الحائر والمتردد في أمر النبوة والرسالة منتشر سائد بين أهل الأهواء. فنجد أن الفلاسفة متناقضون في أمر النبوة فلا هم كذبوا بهم تكذيب المكذبين الذين كذبوا بالنبوات مطلقاً ولا صدقوهم تصديق المؤمنين الذين آمنوا بهم مطلقاً، بل كانوا كمن آمن ببعض وكفر ببعض، وهؤلاء من الكافرين حقاً وهم من المنافقين المذبذبين، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، وفيهم من يكثر نفاقه وزندقته، وفيهم من يكون نفاقه أقل من نفاق غيره (١). ومنهم الذين يقفون من الرسل -عليهم الصلاة والسلام- موقف الإنكار، ويسمون أنفسهم المجددين والعصرانيين (٢)، والصحيح أنهم ليسوا بمجددين، وإنما ابتدعوا أموراً جديدة فأطلقوا على أنفسهم هذا اللقب، وهو في الحقيقة تجديد بدعي، حيث أن المراد عندهم هو التلفيق بين ما جاء به الإسلام وبين الأفكار البشرية المنحرفة المتمثلة عند قدماء المبتدعة المتكلمين "الجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة" في الفلسفة والمنطق اليوناني والرماني ونحوهما، وأما العصرانيون فحقيقة أمرهم التلفيق بين الدين وبين الحضارة المادية الحديثة أو التوفيق بين الدين والعصر الحديث، بإعادة تأويل الدين وتفسير تعاليمه في ضوء متطلبات العصر (٣).

стр. 452

كذلك نجد أن المعتزلة والجهمية ومن يسمون أنفسهم بالعقلانيين (١) وقفوا موقفاً متناقضاً من الإيمان بالرسول ﷺ ، فبعض الأحيان يأخذون بالسنة وفي البعض الآخر يردوها زاعمين وجوب الأخذ بالأحاديث المتواترة دون الآحاد، وعند التطبيق نجدهم يردون كثيراً من الأحاديث المتواترة ويأخذون بأحاديث الآحاد، وما ذلك إلا وقوع في نقيض المعتقد، ومع ذلك يقولون: إن الصحابة أو معظمهم لا يوثق بقولهم والأخذ منهم بعد حصول الفتنة، فلذلك يردون الرواية التي لا تروق لهم بهذه الحجة الفاسدة الواهية، فمرة يقولون بالتأويل ومرة بالمجاز ومرة بمخالفة المنقول لصريح المعقول (٢). يقول ابن القيم ﵀: " ولما أصلت القدرية أن الله سبحانه لم يخلق أفعال عباده ولم يقدرها عليهم أولوا كل ما خالف أصولهم" (٣)، وبذلك جعلوا سنة الرسول ﷺ خاضعة لهم ولمعتقداتهم، ومن الخلل عندهم في هذا الركن، أن المعتزلة والجهمية ينفون كرامات الأولياء بحجة أنه لو جاز ظهور الخوارق على أيديهم لالتبس النبي بغيره، إذ الفرق بين النبي وغيره هو المعجزة التي هي الخارق للعادة، والصحيح أن قولهم مردود حيث إن الولي لا يأتي بالخارق لادعاء النبوة (٤)، ولم يقف المعتزلة عند هذا الحد، بل أنكروا معجزات الرسول ﷺ التي تؤدي إلى إنكار نبوته، ونبوة غيره من الرسل والأنبياء (٥). أما المرجئة فموقفها من هذا الركن متناقض كذلك، فما وافق أصولها تمسكت به وعضت عليه، وما ناقضها ضربت به عرض الحائط. يقول ابن القيم ﵀: " ولما أصلت المرجئة أن الإيمان هو المعرفة وأنها لا تزيد ولا تنقص أولوا ما خالف أصولهم، ولما أصلت الكلابية أن الله سبحانه لا يقوم به ما يتعلق بقدرته ومشيئته وسموا ذلك حلول الحوادث أولوا كل ما خالف هذا الأصل" (٦).، وفي المقابل يزعمون محبة الرسول ﵊،

стр. 453

ويفسرون هذه المحبة بأفعالهم الشركية إما بالاستغاثة أو التوسل غير المشروع (١)، زاعمين أن هذه التصرفات تدل على محبته وتكريمه، وفي المقابل لا يرون سب الرسول ﷺ كفراً، بل يعتقدون أنه لا يضر مع التصديق شيء (٢). - رابعاً: تعظيم غير الأنبياء والمرسلين: وفي معنى الجفاء الذي يقطع الصلة المتولدة في القلب من المحبة والتعظيم لرسل الله، ما جعله الأتباع لمشايخهم وأئمتهم من الفضائل والمناقب ما لم يكن للأنبياء والمرسلين ولا لسيد البشر ﷺ ، فهذا من الجفاء إذ إن النبي ﷺ فاق في فضله جميع الأنبياء والمرسلين بل هو سيدهم وإمامهم فلا شك أن تقديم غيره عليه ﷺ في الفضائل من أعظم الجفاء؛ لأن بذلك التعظيم للغير تنشأ المحبة التي تفوق محبة النبي ﷺ التي لا يبقى منها إلا الادعاءات التي يُعبرون عنها بالمولد والاحتفالات، ويدخل في الجفاء أيضاً ترك التأسي به ﷺ في هديه والتأسي بغيره، والجفاء في كل ذلك تختلف درجته، فمنه ما يكون كفراً والعياذ بالله ومنه ما هو دون ذلك، وأكثر من يتصف بالجفاء هم الفلاسفة المنتسبون إلى الإسلام ومدعو النبوة عموماً والصوفية (٣)، وبالجملة فقد أصاب النبوة مثل ما أصاب الربوبية في العصر الحديث، فالنبوة في هذا العصر لا تزيد على مرتبة العبقرية (٤)، لذا ظهر التعظيم لغير الأنبياء.

стр. 454

المطلب الثاني: الانحراف المؤدي إلى الإفراط في الإيمان بالرسل . من جملة المخالفين لأهل السنة والجماعة في هذا الباب، الغلاة المنحرفون كالنصارى الذين غلوا في عيسى ﵇ فجعلوه ثالث ثلاثة -تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً-، وكالغلاة في نبينا محمد ﷺ الذين ادعوا أنه يعلم ما كان وما يكون، وأن الكون ما خلق إلا من أجله، وأن الكائنات خلقت من نوره، وأنه أول الموجودات، وأنه يكشف الكرب ويغفر الذنب، ويجيب المضطر إذا دعاه، ويذهب الهم والغم ويكشف الخزن، ويعلم الغيب، وغيرها من الصفات التي ليست إلا لله وحده لا شريك له. متجاوزين حقيقة أن رسل الله بشر كسائر البشر فلا يملكون جلب النفع لأنفسهم ولا لغيرهم، ولا دفع الضر ولا كشفه إلا بشيء قد كتبه الله وقدره وأعانهم عليه، وليس لهم من علم الغيب شيء إلا ما أطلعهم الله عليه وخصهم به، وليس لهم من صفات الألوهية أو الربوبية شيء البتة، بل هم عبيد لله من أكمل عباد الله عبودية وأحسنهم طاعة (١)، كما دلل على ذلك القرآن الكريم وأكثر من وصفهم بالبشرية، واصطفائهم بالوحي. ومن أجل هذا فإن الانحراف المؤدي إلى الإفراط في الإيمان بالرسل، يأتي من طريقتين، وهما: - أولاً: اعتقاد القداسة في ذوات الأنبياء والرسل: لقد غلا اليهود في عزير، كما غلت النصارى في عيسى غلواً عظيماً، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)﴾ التوبة: ٣٠، ولم تكن الفرق البدعية منهم ببعيد، فقد أوصلهم غلوهم في نبينا ﷺ إلى: o - اعتقاد أن النبي ﷺ خلق من نور الله فقالوا بالاتحاد ووحدة الوجود . فالنبي ﷺ عند أئمة الصوفية خُلق من نور الله تعالى، ثم خُلق من نور النبي ﷺ بقية المخلوقات، وهذا الذي ذهبوا إليه من خلق العالم أو صدوره عن ذات الله تعالى

стр. 455

هو الذي يفسر لنا ما ذهب إليه هؤلاء الغلاة من القول بوحدة الوجود (١)، والفناء (٢) أو الاتحاد بالله تعالى، كما زعمت الصوفية بأن حقيقة قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ النجم: ٨، أي: أن رسول الله ﵉ ليس مغايراً لله تعالى فلا تزعم أنه كان هناك وجودان فما رأى ﵉ إلا نفسه. والقول بأنه ليس هناك وجودان، وأن محمداً ﵉ ما رأى في ذلك الوقت إلا نفسه (قول بوحدة الوجود) وذلك كفر صريح، بل يتبين أن من قال بهذا القول ليس بمؤمن فضلاً عن أن يكون من أهل السنة والجماعة، بل كافر مرتد عن ملة الإسلام إن كان قد زعم أنه مسلم (٣). o - اعتقادهم أن النبي ﷺ خلق من نور، فأخرجوه من بشريته: وغفل هؤلاء من أن النبي ﷺ من البشر، والأدلة متوافرة على ذلك، والبشر خلق من التراب لا من النور ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠)﴾ الروم: ٢٠، كما أنه أمره ربه أن يقول -لما طلب المشركون منه ﷺ أمورا ليست من قدرة البشر على سبيل التعجيز (٤) -: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾ الإسراء: ٩٣.

стр. 456

o - صرف الربوبية والألوهية للنبي ﷺ -: نجد من يستغيث به ﷺ بعد موته، بل منهم من زعم أنه يعطي ويمنع، ويضر وينفع (١)، ووصفه بعضهم بأنه مالك الأرضين والناس والأمم والخلائق، وبيده مفاتيح النصر والمدد والجنة والنار، وهو الذي يكون صاحب القدرة والاختيار يوم القيامة، وهو الذي يكشف الكروب، ويدفع البلاء، وهو حافظ لأمته وناصر لها، وإليه ترفع الأيدي بالاستجداء، وأنه مبرء من كل سقم، وهو الذي أبرد على الخليل النار، وهو الذي يهب ويعطي، وحكمه نافذ وأمره جار في الكونين، ويعلم الغيب، بل زعم بعضهم أنه ﷺ نور خلق من نور الله، وليس ببشر (٢). ولا أدري ماذا أبقوا لله رب العالمين؟ ! (٣). o - التوسل بجاه النبي ﷺ -. التوسل بالحق والجاه والذات أمر محدث مبتدع لم يأذن الله تعالى به، قال شيخ الإسلام ﵀: " ومن سأل الله تعالى بالمخلوقين أو أقسم عليه بالمخلوقين كان مبتدعاً بدعة ما أنزل الله بها من سلطان" (٤). ومن قالوا بجواز التوسل بحق النبي ﷺ (٥) في الخطوة الأولى، توسعوا وقالوا بجوازه بالأنبياء من قبلُ ﵈، ثم توسعوا ففتحوا الباب على مصراعيه وقالوا بجواز التوسل بكل عبد مؤمن، ثم وقع كثير منهم في الشرك الأكبر، وذلك بأن صرفوا الاستغاثة وقضاء

стр. 457

الحاجات، وكشف الضرر والكُربات، وشفاء الأسقام فيما عجز عن طبه الأنام، وغفران الذنوب والآثام التي هي من خصائص رب العزة والجلال، إلى الأنبياء والصالحين (١). بقي أن يعلم أن كون أحاديث التوسل وجاه الرسول ﷺ ضعيفة، لا يعني بأنه ﷺ ليس له جاه عند ربه ، ولا ينفي التوسل المشروع الذي جاء به الشرع الحنيف، فجاهه ﷺ أعظم الجاه بل لا يبلغ أحد من الخلق ما بلغه ﷺ من الجاه عند ربه . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وجاهه عند الله تعالى أعظم من جاه جميع الأنبياء والمرسلين، وقد أخبر عن موسى وعيسى ﵉ أنهما وجيهان عند الله تعالى، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾ الأحزاب: ٦٩، وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥)﴾ آل عمران: ٤٥، فإذا كان موسى وعيسى وجيهين عند الله فكيف بسيد ولد آدم، صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، وصاحب الكوثر والحوض المورود ... ، وهو صاحب الشفاعة يوم القيامة حيث يتأخر عنها آدم وأولو العزم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهو إمام الأنبياء إذا اجتمعوا وخطيبهم إذا وفدوا ذو الجاه العظيم ﷺ " (٢). o - الإطراء والمبالغة في المدح في يوم "الاحتفال بالمولد ". في" نظر الكثيرين من أهل السنة والجماعة أن الاحتفال بمولد الرسول ﵉ بدعة منكرة ... ويجب التسليم من كل منصف أن النبي ﵉ لم يحتفل بمولد نفسه ولا بمولد غيره من الرسل والصحابة مع امتداد حياته بعد الرسالة ولا احتفل بمولده أحد من الصحابة وهم خير القرون المشهود لهم بالخير، ورسول الله ﵉ أكرم الخلق على نفوسهم وأحب العالمين إلى قلوبهم ولو احتفلوا بمولده لنقل لتوفر الدواعي على نقله؛ فيكفي في الاستشهاد على أن ترك الاحتفال بمولده سنة وأن فعله بدعة لعدم نقلهم لفعله .. أما ما ذكر عن حسان بن ثابت وعلي بن أبي طالب والبراء بن عازب وأنس بن مالك ﵃ من الثناء على النبي ﵉ فإنهم لم يلتزموا فيه وقتاً معيناً يتخذونه موسماً ومجتمعاً وهذا متفق عليه ومندوب إليه لشرح سيرة النبي

стр. 458

- ﵉ تدريساً أو دفاعاً عنه عند وجود الدواعي لذلك دون التزام حال معينة أو زمان أو مكان معين وإنما البدعة التزام زمن أو مكان بعينه يعتبر موسماً ويعتاد الناس الاجتماع فيه شأنهم فيه كشأنهم في الأعياد بل هذا ربما أدى إلى الغلو في إعظام النبي ﵉ وإطرائه وقد نهى عن ذلك فقال: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم) (١) " (٢). قال شيخ الإسلام ﵀: " اتخاذ هذا اليوم عيداً محدث لا أصل له فلم يكن في السلف لا من أهل البيت ولا من غيرهم من اتخذ ذلك عيدا حتى يحدث فيه أعمالا إذ الأعياد شريعة من الشرائع فيجب فيها الاتباع لا الابتداع وللنبي ﵉ خطب وعهود ووقائع في أيام متعددة مثل يوم بدر وحنين والخندق وفتح مكة ووقت هجرته ودخوله المدينة وخطب له متعددة يذكر فيها قواعد الدين ثم لم يوجب ذلك أن يتخذ أمثال تلك الأيام أعياداً وإنما يفعل مثل هذا النصارى الذين يتخذون أمثال أيام حوادث عيسى ﵇ أعيادا أو اليهود وإنما العيد شريعة فما شرعه الله اتبع وإلا لم يحدث في الدين ما ليس منه وكذلك ما يحدثه بعض الناس إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى ﵇ وإما محبة للنبي ﵉ وتعظيما له والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد لا على البدع من اتخاذ مولد النبي ﵉ عيدا مع اختلاف الناس في مولده فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه ولو كان هذا خيرا محضا أو راجحا لكان السلف ﵃ أحق به منا فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله ﵉ وتعظيما له منا وهم على الخير أحرص وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره وإحياء سنته باطنا وظاهرا ونشر ما بعث به والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان فإن هذه هي طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان" (٣).

стр. 459

- ثانياً: إرادة تنزيه الأنبياء والرسل: قال ابن قتيبة (١) ﵀: "يستوحش كثير من الناس من أن يلحقوا بالأنبياء ذنوباً، ويحملهم التنزيه لهم -صلوات الله عليهم- على مخالفة كتاب الله جل ذكره، واستكراه التأويل، وعلى أن يلتمسوا لألفاظه المخارج البعيدة بالحيل الضعيفة" (٢). لذلك ظهر القول بأن النبي ﷺ كان نبياً قبل أن يوحى إليه (٣)، بل إن النصارى قالوا للنبي ﷺ ، لما قال لهم: ((إن المسيح عبد الله)) (٤)، قالوا: تنقصت المسح وعبته، وهكذا قال أشباه المشركين لمن منع اتخاذ القبور أوثاناً تعبد، ومساجد تقصد (٥)، كما وجد من ينزه الأنبياء والرسل عن أن يكونوا قبل النبوة ممن ارتكب الذنوب (٦)، إلى غير ذلك من أوجه التنزيه التي لم يرد بها دليل شرعي.

стр. 460

المبحث الثاني الآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان بالرسل . المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بالإيمان بالرسل . إن موقف المسلمين في باب الإيمان بالرسل ﵈، مستند إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ فهما سداه ولحمته-، ولذا جاء موقفهم موقفاً معتدلاً وسطاً، لا غلو فيه ولا إفراط (١)، بينما تأرجح أصحاب البدع في الإيمان برسل الله بين غالٍ وجافٍ، فتعددت طرق القرآن العظيم في بيان فساد سلوك المخالفين والتحذير منها، وفيما يلي بعض الآيات الرادة على ذلك: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦)﴾ فصلت: ٦ ، تردُ هذه الآية على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي: - أولاً: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط . أتت هذه الآية للرد على بدعة الجفاة المنكرين للرسل من الملاحدة والمشركين وغيرهم، فأثبتت اصطفاء الله من يشاء من البشر، وتخصيصه بالوحي ليكون من الأنبياء لإبلاغ رسالته، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾. ثم استطردت هذه الآية في بيان نوع المهمة الموكلة إلى رسله ﵈، وهي قولهم لأقوامهم: ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦)﴾، فكان من أنكر الرسل كافراً؛ لأن الله فرض على الناس أن يعبدوه بما شرعه على ألسنة الرسل، فإذا جحدوا الرسل ردّوا عليهم شرائعهم، ولم يقبلوها منهم، فكانوا ممتنعين من التزام العبودية التي أُمروا بالتزامها، فكان كجحد الصانع سبحانه، وجحد الصانع كفر لما فيه من ترك التزام الطاعة والعبودية، وكذلك التفريق بين الله ورسله (٢).
следующие страницы →