← Акыда

Акыда · id 147315

الآيات القرآنية الواردة في الرد على البدع المتقابلة دراسة عقدية

أحمد بن علي الزاملي

Полный текст (593 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

o - صرف الربوبية والألوهية للنبي ﷺ -: نجد من يستغيث به ﷺ بعد موته، بل منهم من زعم أنه يعطي ويمنع، ويضر وينفع (١)، ووصفه بعضهم بأنه مالك الأرضين والناس والأمم والخلائق، وبيده مفاتيح النصر والمدد والجنة والنار، وهو الذي يكون صاحب القدرة والاختيار يوم القيامة، وهو الذي يكشف الكروب، ويدفع البلاء، وهو حافظ لأمته وناصر لها، وإليه ترفع الأيدي بالاستجداء، وأنه مبرء من كل سقم، وهو الذي أبرد على الخليل النار، وهو الذي يهب ويعطي، وحكمه نافذ وأمره جار في الكونين، ويعلم الغيب، بل زعم بعضهم أنه ﷺ نور خلق من نور الله، وليس ببشر (٢). ولا أدري ماذا أبقوا لله رب العالمين؟ ! (٣). o - التوسل بجاه النبي ﷺ -. التوسل بالحق والجاه والذات أمر محدث مبتدع لم يأذن الله تعالى به، قال شيخ الإسلام ﵀: " ومن سأل الله تعالى بالمخلوقين أو أقسم عليه بالمخلوقين كان مبتدعاً بدعة ما أنزل الله بها من سلطان" (٤). ومن قالوا بجواز التوسل بحق النبي ﷺ (٥) في الخطوة الأولى، توسعوا وقالوا بجوازه بالأنبياء من قبلُ ﵈، ثم توسعوا ففتحوا الباب على مصراعيه وقالوا بجواز التوسل بكل عبد مؤمن، ثم وقع كثير منهم في الشرك الأكبر، وذلك بأن صرفوا الاستغاثة وقضاء

стр. 457

الحاجات، وكشف الضرر والكُربات، وشفاء الأسقام فيما عجز عن طبه الأنام، وغفران الذنوب والآثام التي هي من خصائص رب العزة والجلال، إلى الأنبياء والصالحين (١). بقي أن يعلم أن كون أحاديث التوسل وجاه الرسول ﷺ ضعيفة، لا يعني بأنه ﷺ ليس له جاه عند ربه ، ولا ينفي التوسل المشروع الذي جاء به الشرع الحنيف، فجاهه ﷺ أعظم الجاه بل لا يبلغ أحد من الخلق ما بلغه ﷺ من الجاه عند ربه . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " وجاهه عند الله تعالى أعظم من جاه جميع الأنبياء والمرسلين، وقد أخبر عن موسى وعيسى ﵉ أنهما وجيهان عند الله تعالى، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾ الأحزاب: ٦٩، وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥)﴾ آل عمران: ٤٥، فإذا كان موسى وعيسى وجيهين عند الله فكيف بسيد ولد آدم، صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، وصاحب الكوثر والحوض المورود ... ، وهو صاحب الشفاعة يوم القيامة حيث يتأخر عنها آدم وأولو العزم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهو إمام الأنبياء إذا اجتمعوا وخطيبهم إذا وفدوا ذو الجاه العظيم ﷺ " (٢). o - الإطراء والمبالغة في المدح في يوم "الاحتفال بالمولد ". في" نظر الكثيرين من أهل السنة والجماعة أن الاحتفال بمولد الرسول ﵉ بدعة منكرة ... ويجب التسليم من كل منصف أن النبي ﵉ لم يحتفل بمولد نفسه ولا بمولد غيره من الرسل والصحابة مع امتداد حياته بعد الرسالة ولا احتفل بمولده أحد من الصحابة وهم خير القرون المشهود لهم بالخير، ورسول الله ﵉ أكرم الخلق على نفوسهم وأحب العالمين إلى قلوبهم ولو احتفلوا بمولده لنقل لتوفر الدواعي على نقله؛ فيكفي في الاستشهاد على أن ترك الاحتفال بمولده سنة وأن فعله بدعة لعدم نقلهم لفعله .. أما ما ذكر عن حسان بن ثابت وعلي بن أبي طالب والبراء بن عازب وأنس بن مالك ﵃ من الثناء على النبي ﵉ فإنهم لم يلتزموا فيه وقتاً معيناً يتخذونه موسماً ومجتمعاً وهذا متفق عليه ومندوب إليه لشرح سيرة النبي

стр. 458

- ﵉ تدريساً أو دفاعاً عنه عند وجود الدواعي لذلك دون التزام حال معينة أو زمان أو مكان معين وإنما البدعة التزام زمن أو مكان بعينه يعتبر موسماً ويعتاد الناس الاجتماع فيه شأنهم فيه كشأنهم في الأعياد بل هذا ربما أدى إلى الغلو في إعظام النبي ﵉ وإطرائه وقد نهى عن ذلك فقال: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم) (١) " (٢). قال شيخ الإسلام ﵀: " اتخاذ هذا اليوم عيداً محدث لا أصل له فلم يكن في السلف لا من أهل البيت ولا من غيرهم من اتخذ ذلك عيدا حتى يحدث فيه أعمالا إذ الأعياد شريعة من الشرائع فيجب فيها الاتباع لا الابتداع وللنبي ﵉ خطب وعهود ووقائع في أيام متعددة مثل يوم بدر وحنين والخندق وفتح مكة ووقت هجرته ودخوله المدينة وخطب له متعددة يذكر فيها قواعد الدين ثم لم يوجب ذلك أن يتخذ أمثال تلك الأيام أعياداً وإنما يفعل مثل هذا النصارى الذين يتخذون أمثال أيام حوادث عيسى ﵇ أعيادا أو اليهود وإنما العيد شريعة فما شرعه الله اتبع وإلا لم يحدث في الدين ما ليس منه وكذلك ما يحدثه بعض الناس إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى ﵇ وإما محبة للنبي ﵉ وتعظيما له والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد لا على البدع من اتخاذ مولد النبي ﵉ عيدا مع اختلاف الناس في مولده فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه ولو كان هذا خيرا محضا أو راجحا لكان السلف ﵃ أحق به منا فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله ﵉ وتعظيما له منا وهم على الخير أحرص وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره وإحياء سنته باطنا وظاهرا ونشر ما بعث به والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان فإن هذه هي طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان" (٣).

стр. 459

- ثانياً: إرادة تنزيه الأنبياء والرسل: قال ابن قتيبة (١) ﵀: "يستوحش كثير من الناس من أن يلحقوا بالأنبياء ذنوباً، ويحملهم التنزيه لهم -صلوات الله عليهم- على مخالفة كتاب الله جل ذكره، واستكراه التأويل، وعلى أن يلتمسوا لألفاظه المخارج البعيدة بالحيل الضعيفة" (٢). لذلك ظهر القول بأن النبي ﷺ كان نبياً قبل أن يوحى إليه (٣)، بل إن النصارى قالوا للنبي ﷺ ، لما قال لهم: ((إن المسيح عبد الله)) (٤)، قالوا: تنقصت المسح وعبته، وهكذا قال أشباه المشركين لمن منع اتخاذ القبور أوثاناً تعبد، ومساجد تقصد (٥)، كما وجد من ينزه الأنبياء والرسل عن أن يكونوا قبل النبوة ممن ارتكب الذنوب (٦)، إلى غير ذلك من أوجه التنزيه التي لم يرد بها دليل شرعي.

стр. 460

المبحث الثاني الآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان بالرسل . المطلب الأول: دراسة تحليلية لبعض الآيات الرادة على البدع المتقابلة المتعلقة بالإيمان بالرسل . إن موقف المسلمين في باب الإيمان بالرسل ﵈، مستند إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ فهما سداه ولحمته-، ولذا جاء موقفهم موقفاً معتدلاً وسطاً، لا غلو فيه ولا إفراط (١)، بينما تأرجح أصحاب البدع في الإيمان برسل الله بين غالٍ وجافٍ، فتعددت طرق القرآن العظيم في بيان فساد سلوك المخالفين والتحذير منها، وفيما يلي بعض الآيات الرادة على ذلك: الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦)﴾ فصلت: ٦ ، تردُ هذه الآية على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي: - أولاً: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط . أتت هذه الآية للرد على بدعة الجفاة المنكرين للرسل من الملاحدة والمشركين وغيرهم، فأثبتت اصطفاء الله من يشاء من البشر، وتخصيصه بالوحي ليكون من الأنبياء لإبلاغ رسالته، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾. ثم استطردت هذه الآية في بيان نوع المهمة الموكلة إلى رسله ﵈، وهي قولهم لأقوامهم: ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦)﴾، فكان من أنكر الرسل كافراً؛ لأن الله فرض على الناس أن يعبدوه بما شرعه على ألسنة الرسل، فإذا جحدوا الرسل ردّوا عليهم شرائعهم، ولم يقبلوها منهم، فكانوا ممتنعين من التزام العبودية التي أُمروا بالتزامها، فكان كجحد الصانع سبحانه، وجحد الصانع كفر لما فيه من ترك التزام الطاعة والعبودية، وكذلك التفريق بين الله ورسله (٢).

стр. 461

- ثانياً: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط . كما أن هذه الآية أيضاً قد تضمنت الرد على بدعة الإفراط، بأن حددت نوع الأنبياء وأنهم من البشر، في قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ فضلت عليكم بأنه ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾، والوصف بالبشرية يتضمن إبطال ملك أحد من الخلق لشيء من الربوبية أو استحقاق الألوهية، لذا أتت هذه الآية تقرر حقيقة توحيد الله -لئلا يقع في القلب إرادة غير الله من الرسل أو الملائكة أو من دونهم-، عند قوله: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. - ثالثاً: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان . المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو: الخلل في توحيد الربوبية، وعدم تعظيم الله ، ما أدى بقوم إلى صرف الربوبية للرسل، وبقوم آخرين إلى إنكار حكمة الله من إرساله لرسله ﵈. - رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد . أتت هذه الآية لتدلل على أن الطائفة الوحيدة التي عملت بمقتضى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾، فأثبتوا للرسل صفة البشرية ودرجة النبوة والرسالة دون إفراط ولا تفريط، هم المسلمون من أهل السنة والجماعة، ليتبين أن من خالفهم فهو مجانب للحق.

стр. 462

الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ الزخرف: ٥٩ ، هذه الآية تردُ على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي: - أولاً: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط . في هذه الآية الكريمة ردٌ على بطلان ما زعمه الجفاة "اليهود"، من نفي النبوة عن عيسى ﵇، فأتت هذه الآية للرد عليهم، في قوله: ﴿أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾، أي: بالنبوة. كما أن في هذه الآية دليل على "أنه يجب الإيمان بجميع رسل الله تعالى وعدم التفرقة بينهم في الإيمان، وأن الإيمان ببعضهم والكفر ببعض كالكفر بهم كلهم؛ لأن إضافتهم إلى الله تعالى واحدة ... قال تعالى في خواتم سورة البقرة: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ البقرة: ٢٨٥، وبيَّن في سورة النساء أن التفرقة بينهم في الإيمان هي الكفر حق الكفر، وأن الإيمان بالجميع بغير تفرقة هو الإيمان حق الإيمان (١) ... وقد انفرد بهذه الحقيقة العادلة المسلمون دون أهل الملل الوثنية من المجوس والهندوس، ودون أهل الكتاب الذين لا يؤمنون إلا بأنبياء بني إسرائيل ... " (٢). - ثانياً: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط . كما أن فيها رداً لما زعمه النصارى من القول بأن المسيح ﵇ إنسان كامل وإله كامل في نفس الوقت، ومنهم من يغلب جانب ألوهيته على بشريته "ناسوته"، ومنهم من يغلب جانب بشريته على جانب "لاهوته" ألوهيته، فأتت هذه الآية لدلالة على أن الله جعل غاية عيسى ﵇ العبودية لا الإلهية، فقال سبحانه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ﴾ أي: عبد لله كسائر الخلْقِ وليس إلهاً كما يدَّعُون، أنعم الله عليه بالنبوة والرسالة ﴿أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾.

стр. 463

- ثالثاً: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان . المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو: اتكاؤهم على عقولهم في مفهوم الإيمان بالرسل. فسلك الجفاة منهم الإيمان ببعض الأنبياء دون البعض بمحض عقولهم، فأوجب اليهود على الله أن يحصر النبوة في شعب إسرائيل وحده، ووافقهم النصارى على حصر النبوة فيهم. بينما سار الغلاة، في رفع درجة النبوة والرسالة إلى مستوى الألوهية، بل أثبتوا قداسة غير الأنبياء من رسل المسيح وغيرهم من البابوات والعباد، وكذا ما فعله الشيعة مع أئمتهم، والصوفية مع ولاتهم (١)، فكانوا جميعاً مخالفين لمفهوم الإيمان بالرسل. - رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد . أتت هذه الآية الكريمة للدلالة على أن المذهب الحق ليس ما ذهب إليه أصحاب الغلو والجفاء، بل هو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، "فعقيدة أهل السنة أصح مباني وأوضح معاني، وحسبك أنها جامعة لمحاسن العقائد" (٢)؛ فقد صدقوا التصديق الجازم بأن الله تعالى: بعث في كل أمةٍ رسولاً يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له والكفر بما يعبد من دونه، وأَنَّ جميعهم صادقون مصدقون بارُّون راشدون كرام بررة أتقياء أمناء هداة مهتدون، وبالبراهين الظاهرة والآيات الباهرة من ربهم مؤيدون، وأنهم بلَّغوا جميع ما أرسلهم الله به، لم يكتموا حرفاً ولم يغيروه ولم يزيدوا فيه من عند أنفسهم حرفاً ولم ينقصوه، فهل على الرسل إلا البلاغ المبين. وأنهم كلهم كانوا على الحق المبين، والهدى المستبين، وأن الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلاً، واتخذ محمداً ﷺ خليلاً، وكلَّم موسى تكليماً، ورفع إدريس مكاناً عليا، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الله تعالى فضل بعضهم على بعض ورفع بعضهم على بعض درجات. وقد اتفقت دعوتهم من أولهم إلى آخرهم في أصل الدين وهو توحيد الله بإلهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ونفي ما يضاد ذلك أو ينافي كماله. وأما فروع الشرائع من

стр. 464

الفرائض والحلال والحرام فقد تختلف فيفرض على هؤلاء ما لا يفرض على هؤلاء ويُخفف على هؤلاء ما شدد على أولئك ويحرم على أمة ما يحل للأخرى وبالعكس لحكمة بالغة وغاية محمودة قضاها ربنا ليبلوكم فيما آتاكم، وليبلوكم أيكم أحسن عملا. وقد ذكر الله تعالى في كتابه منهم: آدم ونوحا وإدريس وهودا وصالحا وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف ولوطا وشعيبا ويونس وموسى وهارون وإلياس وزكريا ويحيى واليسع وذا الكفل وداود وسليمان وأيوب، وذكر الأسباط جملة، وعيسى ومحمداً ﷺ ، وقص علينا من أنبائهم ونبَّأنا من أخبارهم ما فيه كفاية وعبرة وموعظة إجمالاً وتفصيلاً ثم قال ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ النساء: ١٦٤، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ غافر: ٧٨ فنؤمن بجميعهم تفصيلاً فيما فصل وإجمالاً فيما أجمل (١). لذا فهذه الآية وأضرابها شاهدة على طريقة أهل السنة ومنهجهم العام في باب الإيمان بالرسل ﵈.

стр. 465

الآية الثالثة: قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ الكهف: ١ . جمع الله تعالى في هذه الآية لنبيه محمد ﷺ بين صفتي الرسالة والعبودية، فكانت هذه الآية رادة على بدعتين متقابلتين، وبيان ذلك فيما يلي: - أولاً: بيان وجه رد الآية على بدعة التفريط . أتت هذه الآية للرد على من جفا في حق النبي ﷺ فلم يعرف منزلته ولا قدره ولا حقوقه، فعامله كسائر البشر، فلم يرفع بهديه رأساً، كما هو حال كثير من الفلاسفة والملاحدة والعلمانيين والعصرانيين والماديين وغيرهم، فبين الله أنه فضله على كثير ممن خلق بالنبوة فأوحى إليه وأنزل إليه الكتاب، قال تعالى: ﴿الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾، ونظائر هذه الآية في الكتاب والسنة كثير. - ثانياً: بيان وجه رد الآية على بدعة الإفراط . كما أن هذه الآية رادة على المفْرِطة، التي رفعت النبي ﷺ فوق منزلته، فجعلته في مرتبة الربوبية والألوهية -فوق مرتبة العبودية-، كما يفعل كثير من أهل البدع من الصوفية والقبورية وغيرهم، حتى صار عندها إلها وربا مسؤولاً، فأتت هذه الآية لتبدد هذا المعتقد الفاسد فوصفته بالعبودية، عند قول الله تعالى: ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ﴾. - ثالثاً: المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان . المأخذ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان هو: انحرافهم في الإيمان بالكتاب "القرآن الكريم". فأقام الجفاة معتقدهم على: تعظيم العقل وتقديسه وتقديمه على الشرع، فلم يقدروا للنبي ﷺ قدره، إذ لم يلتزموا بأوامر الشرع التي جاء بها، بل رأوها مخالفة للمعقول. بينما أقام الغلاة معتقدهم على: فهم الكتاب بطريقتهم الخاصة، بعيدا عن الالتزام بحدود الشرع المنزل، فصرفوا أنواعاً من العبادة للرسول ﷺ ، وتجاهلوا ما جاءت به نصوص

стр. 466

الشرع وأوامره الكثيرة بتعظيم الله وإجلاله وتقديسه وتنزيهه، وهي كثيرة جداً (١)، بل غلا بعضهم فألّه الرسول ﷺ كما فعلت البريلوية. - رابعا: أثر اجتماع الرد على البدع المتقابلة في موطن واحد . أتت هذه الآية الكريمة للدلالة على أن المذهب الحق هو ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة، فهم وسط في باب الإيمان بالرسل بين أهل التفريط من الجفاة الذين لم يعرفوا للنبي ﷺ قدره، ولم يعملوا بشرعه، وبين أهل الإفراط من الغلاة الذين شبهوا المخلوق بالخالق، فصرفوا له أنواع من العبادة، زاعمين أنهم بذلك معظمين لمقام النبوة. وبذلك يكون أهل السنة والجماعة وسطا بينهم، فهم مقرون بنبوته ﷺ معترفون ببشريته، لا يجاوزون حدود الشرع في تعظيمه (٢)، ولا ينقصونه عن الحق الذي ارتضاه الله لنبيه، فلا يعبد الله إلا بما شرع، مصدقين له ﷺ فيما أخبر طائعين له فيما أمر، مجانبين ما نهى عنه وزجر.

стр. 467

المطلب الثاني: المعنى الإجمالي للآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان بالرسل . أختم هذا الفصل بذكرٍ إجمالي للآيات الرادة على الانحراف العقدي في الإيمان بالرسل: ١ - د قال الله تعالى: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾ الإسراء: ٩٣، ردت هذه الآية على الغلاة فأثبتت البشرية للرسل ﴿بشراً﴾، كما ردت على الجفاة فأثبتت أنهم فضلوا على سائر البشر بالرسالة ﴿رسولاً﴾. ٢ - د قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ النساء: ١٧١، ردت هذه الآية على الجفاة من اليهود المنكرين لنبوته فأتى قوله تعالى: ﴿رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ ليثبت أن عيسى ﵇ رسول، كما ردت هذه الآية على الغلاة من النصارى، في قوله ﴿الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ للدلالة على أن عيسى ابن مريم، ليس ابن الله. ٣ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩)﴾ آل عمران: ١٩، في هذه الآية رد على اليهود والنصارى، بل على كل المبتدعة، الذين خالفوا الإسلام الذي هو دعوة جميع الأنبياء، فتفرقوا ما بين مُفْرِط ومفَرِّط، وغال ومقصر.

стр. 468

الباب الثالث: الفصل ٤ الآيات الواردة في الإيمان باليوم الآخر. وفيه تمهيد ومبحثان: تمهيد في تعريف اليوم الآخر. المبحث الأول: ما جاء في البدع المتقابلة في الإيمان باليوم الآخر. المبحث الثاني: الآيات الرادة على البدع المتقابلة في الإيمان باليوم الآخر.

стр. 469

تمهيد في تعريف اليوم الآخر: إن الإيمان باليوم الآخر أحد أركان الإيمان الستة، فلا يصح إيمان أحد حتى يؤمن به، قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ النساء: ٨٧، ولأهمية هذا المعتقد وآثاره الكبرى في استقامة الفرد وصلاحه؛ عُني به القرآن الكريم عناية لا تقل عن العناية بالإيمان بالله ، فكرر الآيات عنه، وربطها بالإيمان بالله وتوحيده (١)، ومما يؤكد أهمية هذا المعتقد، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ البقرة: ٦٢، دالٌ على هذه العناية وأن الإيمان بهذا الركن قوام الحياة، وعليه مدار استقامة الإنسان، وصلاح خلقه، وطهارة حالة، وبدونه لا خيرَ في المخلوق لنفسه ولا لغيره، ولا يؤمن جانبه، ولا يطمأن إليه؛ لأنه قد انعدم عنده أصول الخير، وينابيع الفضيلة والكمال البشري (٢). لذلك لم يكن هذا الركن خاصاً بدين الإسلام، بل كان أحد الأسس العقائدية التي وجدت منذ أن خلق الله الإنسان، كما نجده واضحاً عند قدماء المصريين، وعند البراهمة من الهنود، ونجده عند الفرس أيضاً (٣).

стр. 470

كما أن الإيمان باليوم الآخر من الإيمان بالغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى كما دلت على ذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، فلم يُطلع عليه ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً، فلا يعلم أحدٌ متى تقوم الساعة إلا الله تعالى، وإذا كان الأمر كذلك، فإنّ العقل البشري يجب عليه أن يتقبّل ما ورد عن الله تعالى كما جاء بلا إنكار أو تأويل. لذلك نجد أن السلف ﵏ قد قبلوا نصوص المعاد على ظاهرها، ولم يبحثوا في كيفية ما يرد من أحوال الآخرة؛ لأنها مما يجب الإيمان به كما ورد من غير تحريف ولا تأويل؛ ولأنه لا يحكم على الغيب إذ لا يقاس عالم الغيب على عالم الشهادة؛ ولأن كثيراً من أحوال الآخرة الإيمان بها منوط بالإيمان بكمال قدرة الرب تعالى (١)، خلافاً لمن فتح باب الخوض فيها على مصراعيه من أصحاب البدع المتقابلة، حتى أفضى ببعضهم الأمر إلى إنكار ما جاء به الشرع، بحجّة الاعتماد على العقل. لذلك كان مذهب السلف الصالح ﵃ في باب الإيمان باليوم الآخر يقوم على أربعة ركائز: الأولى: الإيمان بما يكون قبله مما هو مقدمة له كالموت، وعذاب القبر (٢)، وأشراط الساعة. الثانية: الإيمان بالبعث. الثالثة: الإيمان بالحساب والجزاء، وأحوال اليوم الآخر. والرابعة: الإيمان بالجنة والنار (٣). ويحسن قبل الشروع في مباحث هذا الفصل التمهيد بتعريفه وبيان أهميته.

стр. 471

أولاً: التعريف باليوم الآخر، ومعنى الإيمان به: في تعريف اليوم الآخر: اليوم: واحد الأيام، يقول ابن فارس: " الياء والواو والميم كلمة واحدة، وهي اليوم: الواحد من الأيام ... " (١). والآخر: نقيض المتقدم، يقول ابن فارس: " الهمزة والخاء والراء أصل واحد صحيح، إليه ترجع فروعه، وهو خلاف التقدم" (٢). والمراد باليوم الآخر هنا: يوم القيامة، ويدخل فيه كل ما كان مقدمة إليه كالحياة البرزخية (٣)، وأشراط الساعة (٤). وسمي باليوم الآخر لتأخره عن الدنيا (٥)، فهو آخر أيام الدنيا، أو آخر الأزمنة المحدودة (٦)، ويطلق عليه أسماء أخرى وردت في القرآن وذكرها أهل العلم، وأوردوا أدلتها، وبينّوا معانيها في كتبهم بما يغني عن تسطيره (٧). معنى الإيمان باليوم الآخر . الحياة في التصور الإسلامي ليست هي الحياة الدُّنيا القصيرة المحدودة، وليست هي عمر الإنسان القصير المحدود، وإنما الحياة في التصور الإسلامي تمتد طولاً في الزمان إلى أبد الآباد، وتمتد في المكان إلى دار أخرى في جنة عرضها السماوات والأرض، أو نار تتسع لكثير من الأجيال التي عمرت وجه الأرض أحقاباً من السنين -أعاذنا الله وإياكم منها- (٨).

стр. 472

كما أن أمر اليوم الآخر والتصديق به من الأمور التي لا يدخل الشخص في الإيمان حتى يؤمن بها على وفق ما أخبر الله ورسوله ﷺ عنها، وأن الإيمان بذلك مما يحتاج إلى يقين قوي؛ إذ إن أكثر ما يضعف من عقيدة الشخص هو الجانب الأخروي وما يقع فيه من أحداث (١). والمؤمن الحق يعترف بوقوعه، ويؤمن بتحققه؛ لأن الخبر عنه صادر من صادق مقطوع بصدقه، مجزوم بصحة خبره، "ولذلك كان الإيمان بالغيب هذا تصديقاً للنبي ﷺ ، وتصديقاً للقرآن الكريم، وإيماناً بوحي السماء" (٢). لذا فإن معنى الإيمان باليوم الآخر: هو الإيمان بالبعث، وبرجوع الناس إلى ربهم، لمجازاتهم يوم القيامة، فمن أحسن فله الحسنى -وهي الجنة-، ومن أساء فله ما عمل ومآله إلى النار، هذا في الجملة. ويتبعه الإيمان التفصيلي، وهو: الإيمان بكل ما يجري في ذلك اليوم، وهذا الإيمان به واجب لمن سمع النص والدليل في كل مسألة من مسائل ذلك اليوم، ويدخل في ذلك الإيمان بأشراط الساعة وأماراتها، وبالموت وما بعده من فتنة القبر وعذابه ونعيمه، وبالنفخ في الصور، وخروج الخلائق من القبور، وتفاصيل المحشر، ونشر الصحف، ونصب الموازين، وبالصراط والحوض والشفاعة والجنة والنار، وكل هذا غيب أخفاه الله تعالى عنا (٣). ثانياً: بيان أهمية الإيمان باليوم الآخر: إن التصديق الجازم بانقلاب هائل يتم في الكون ويكون انتهاء هذه الحياة الدنيا بكاملها، وابتداء حياة أخرى وهي الدار الآخرة -بكل ما فيها من حقائق مدهشة من بعث

стр. 473

الخلق وحشرهم وحسابهم، ومجازاتهم- (١)، وجعل هذا أحد أركان الإيمان الستة المذكورة في حديث جبريل (٢)، يُبرِزُ لنا أن للإيمان باليوم الآخر أهمية عظمى، تتضح فيما يلي: o أولاً: الحرص على طاعة الله تعالى: الإيمان باليوم الآخر وما يشتمل عليه، "يوجه الإنسان نحو القيام بالعمل الصالح ليتزود ليوم الآخرة بالثواب والفوز، وهذا لا شك له أقوى الأثر في نفس الإنسان المؤمن، إذ يخشى الله في كل عمل يقوم به" (٣)، "فإن العلم بذلك هو الذي يؤثر في النفس فيبعثها على العمل، وأما من كان على ظن أو شك فإنه يعمل تارة ويترك أخرى لتنازع الشكوك قلبه .. " (٤). كما أن الذي لا يعتقد بهذا اليوم وينكره فهو ينكر الحساب والعقاب ويستهينُ بالأوامر والنواهي، والمرتاب في الثواب والعقاب، والمنكر للجزاء والحساب على الأعمال يُقدِم على فعل الفواحش دون وازع أو رادع، فلا نيران تدفعه، ولا صراط يمنعه، ولا جحيم تُحجمه، ولا جنة تقدمه، فتراه منكبا على المعاصي، غارقاً في الموبقات، مسارعاً إلى ارتكاب المنهيات؛ لأن اليوم الذي سيحاسب فيه لا وجود له في ضميره (٥). لذا فإن الإيمان بهذا اليوم يدفع صاحبه لفعل الخيرات، وترك المنكرات تجنباً للعقاب في اليوم الآخر، قال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾ الأعراف: ٨ - ٩. وهكذا نجد ارتباطاً وثيقاً بين الإيمان والعمل الصالح؛ فبمقتضى الإيمان بالله، واليوم الآخر يتجه المرء نحو العمل الصالح، أملاً في نيل رضا لله تعالى، ورغبة في ثواب ذلك اليوم، ويبتعد عن معصيته خوفا من سخط الله وعقاب ذلك اليوم. يقول الشيخ السعدي ﵀: "إن معرفة ذلك اليوم حقيقة المعرفة، يفتح للإنسان باب الخوف والرجاء، اللذين إن خلا القلب منهما، خَرب كل الخراب، وإن عُمر بهما، أوجب له الخوفُ: الانكفاف عن المعاصي، والرجاء: تيسير الطاعة وتسهيلها، ولا يتم ذلك إلا بمعرفة تفاصيل

стр. 474

الأمور التي يخاف منها وتحذر، كأحوال القبر وشدته، وأحوال الموقف الهائلة، وصفات النار المفظعة، وبمعرفة تفاصيل الجنة وما فيها من النعيم المقيم، والحبرة والسرور، ونعيم القلب والروح والبدع، فيحدث بسبب ذلك الاشتياق الداعي للاجتهاد في السعي للمحبوب المطلوب، بكل ما يقدر عليه. ومنها: أن يعرف بذلك، فضل الله وعدله في المجازاة على الأعمال الصالحة والسيئة، الموجب لكمال حمده، والثناء عليه بما هو أهله وعلى قدر علم العبد بتفاصيل الثواب والعقاب، يعرف بذلك فضل الله وعدله وحكمته" (١). o ثانياً: ضبط السلوك بالتوجه إلى الخير والعصمة من الشر: لما كانت الطبيعة البشرية فيها الاستعداد للخير والشر: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ الشمس: ٧ - ٨، فقد يطغى أحد الجانبين على الآخر، وقد يكون الغالب هو جانب الشر، بدافع الشهوات والغفلة، والتي غالباً ما تجمح بصاحبها إلى تجاوز الحدود والتعدي على الآخرين. وواقع الحال يبين لنا كثيراً أن ممن ارتكب جرائم التعدي في حق غيره وأوقع الظلم بهم، قد غادر الحياة مع المظلوم، قبل أن يأخذ هذا الأخير حقه منه: ولما كانت عدالة الله تعالى تقتضي القصاص وأن يأخذ المظلوم حقه من الظالم، كان لا بد من حياة أخرى غير هذه الحياة يقع فيها القصاص وهو ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣)﴾ المعارج: ٤٣، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ المؤمنون: ١١٥، وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾ القيامة: ٣٦ (٢). لذا فإن للإيمان باليوم الآخر أثراً بالغاً في انضباط سلوك الإنسان، وتوجيهه إلى الخير، والتزامه بالعمل الصالح، وتقوى الله ، وشتان ما بين اثنين:

стр. 475

أحدهما: لا يعتقد ببعث ولا حساب على أعماله وأقواله، ولا يقيده غير مصلحته، ومنفعته الذاتية. وآخر: يعتقد بيوم يحاكم فيه الإنسان على أعماله وأقواله، وأمام أحكم الحاكمين، فيثاب على الخير، ويعاقب على الشر. فالأول منفلت من أي ضوابط سوى هواه وشهواته، والغاية عنده أنانية، تبدد أي وسيلة وأي خلق وأي عمل صالح، فهو يقهر اليتيم، ويمنع إطعام المسكين، يشير الله إلى ذلك بقوله: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣)﴾ الماعون: ١ - ٣. والآخر منضبط في حدود الحق والخير والصواب، يسارع في الخيرات ويحافظ على الصلوات ويؤدي الزكوات، يشير إليه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ التوبة: ١٨ (١). لذا فـ"إن الإيمان بالبعث والجزاء أصل صلاح القلب، وأصل الرغبة في الخير، والرهبة من الشر اللذين هما أساس الخيرات" (٢)، ولا شيء يحض على التطوع بما وراء التكليف أكثر من ذلك، إلا الإيمان العميق بأن الحسنة بعشر أمثالها (٣)، وأن ما يبذله الإنسان من جهد زائد على التكليف سيعوض عنه في اليوم الآخر بمتاع أعلى، وأشهى، وأشف: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ

стр. 476

النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧)﴾ آل عمران: ١٤ - ١٧. o ثالثاً: ضبط شهوات النفس: النفس ذات شهوات متعددة، ومتطلبات كثيرة، وإذا ما حقق الإنسان لها واحدة طلبت الأخرى، وهكذا إلى ما لا ناهية، لكن المؤمن بوجود حياة أخرى يلقى المرءُ فيها جزاءه، يجعله سيداً لشهواته حاكماً لها، "فيتقبل المسلم ما فرضه الله عليه من قيود على شهواته راضياً بالقيد غير شاعر بالحرمان؛ لأنه مطمئن إلى أن كل متاع زائد عن الحد يتركه الإنسان في الدنيا طاعة لله سيعوض عنه أضعافاً مضاعفة في جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين" (١)، فالإيمان باليوم الآخر والتصديق به هو صمام لحياة الاستقامة والطهر والعفة وضبط الشهوات. o رابعاً: الزهد في الدنيا، وتسلية المؤمن عمّا يفوته من نعيمها: لعل من حكمة الاهتمام البالغ بالتذكير باليوم الآخر كثرة نسيان العباد له وغفلتهم عنه، بسبب تثاقلهم إلى الأرض، وحبهم لمتاع الدنيا، فيكون الإيمان به، وبما فيه من عذاب ونعيم مخففاً من الغلو في حب الدنيا. كما أنه لا شيء يرفع الإنسان من إخلاده إلى الأرض -بعد الإيمان بالله- إلا الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بأن كل متاع زائد يتنازل عنه الإنسان في الحياة الدنيا - طاعةً لله والتزاما بأمره - يعوض عنه في الآخرة متاعا أعلى وأخلد وأبقى، والإيمان في ذات الوقت بأن كل خروج على أمر الله في الحياة الدنيا من أجل متاع الأرض الزائل - سيجازى عليه في الآخرة عذابا أليما. فيعلم العباد أن شهوات الدنيا كلها لا تستحق الطلب بشرهٍ والجهد والتنافس فيها بحرص، وأن الذي يستحق منهم ذلك هو ما أعده الله لهم في اليوم الآخر، قال تعالى: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨)﴾ التوبة: ٣٨، فحين يؤمن الإنسان باليوم الآخر

стр. 477

إيمان يقين، تحسم القضية في حسه حسماً كاملاً، تستقر الأمور له، فكل نعيم الدنيا لا يقاس إلى نعيم الآخرة، ولا يساوي من جهة أخرى غمسة واحدة في العذاب من أجله، وكل عذاب في الدنيا -في سبيل الله- لا يقاس إلى عذاب الآخرة، ولا يوازي من جهة أخرى غمسة واحدة من أجله في النعيم (١). كما أن الإيمان باليوم الآخر فيه تسلية للمؤمن عمّا يفوته من نعيم الدنيا ومتاعها بما يرجوه من نعيم الآخرة وثوابها (٢). o خامساً: تماسك المجتمع واستقراره: الإيمان بالبعث بعد الموت يحفظ للمجتمع استقراره، فلو لم يكن هناك بعث ولا حساب ولا عقاب، لما كان هناك ما يدعو إلى المحافظة على قيم المجتمع وأخلاقياته، ولما كان هناك داع إلى أداء الواجبات وغير ذلك. فالإيمان باليوم الآخر وما يتبعه من أحداث يثبت النظام في الدولة، ويهذب السلوك الإنساني، ويقوم الأفعال الشاذة، فالمؤمن به لا يحتاج إلى قوة -كالشرطة-تدفعه إلى المحافظة على القانون-؛ لأن الإيمان باليوم الآخر يدفعه إلى التزام الحق وتحري العدل، وأقرب مثال على ذلك: المؤمنون في الوقت الحاضر، فالمؤمن الحق لا يشرب خمراً، رغم أن كثيراً من الدول لا تعاقب على شربه، وكذا الزنا وغيره من المحرمات لا يرتكبه المؤمن، فما الذي دفع المؤمن إلى التمسك بهذا سوى الإيمان باليوم الآخر. وفوق ذلك فإن الإيمان باليوم الآخر هو الباعث الأكبر على الجهاد في سبيل الله، وعلى التطوع بأعمال الخير .. وكلاهما أمر عميق الغور في بنية المجتمع المسلم، وتلك هي الوسطية، بمعنى الخيرية الكامنة في الإيمان باليوم الآخر (٣). فالإيمان بعقيدة البعث والجزاء الأخروي هو الباعث الحقيقي لاستمرار الحياة نحو هدفها السامي وغايتها المثلى.

стр. 478

o سادساً: العدل بين البشر: اقتضت حكمة الله ألا يترك الظالم هكذا دون حساب وعقاب، والمظلوم دون أن يأخذ له حقّه من ظالمه، بل حكمته تعالى ورحمته تقتضيان أن يأخذ كل ذي حق حقه، وكل ظالم جزاءه، ولهذا فإن العدل بين البشر يقتضي البعث والجزاء، قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٤)﴾ يونس: ٤، فاللام تعليلية، أي: يعيد الخلق بعد موتهم، ليجزي المحسن، ويحاسب المسيء (١). إن الخلق يصبح عبثاً وباطلاً إذا لم يوجد هناك يوم آخر، يبعث فيه الناس، ويحاسبون على أعمالهم التي عملوها في الحياة الدنيا. والحياة تصبح عبثاً، وخلق السموات والأرض يصبح باطلاً لو كانت الحياة الدنيا هي نهاية المطاف. فنحن نشاهد في الحياة الدنيا مؤمنين وكفاراً، تختلف معتقداتهم وسلوكهم، ويختلف موقفهم من الخالق سبحانه، ثم تنتهي حياة هذا وحياة هذا، فهل يستوي المحسن والمسيء؟ . ونشاهد ظالمين إلى أن يموتوا، ومظلومين إلى أن يموتوا، فهل يكون من العدل أن يُترك هذا وذاك بدون قصاص وعدل؟ كلا بلا شك، ولا يجوز ذلك في حق عدالته وحكمته سبحانه؛ بل لا تستقيم الصورة ولا يتبين الحق حتى توضع التكملة الطبيعية للحياة الدنيا، وهي اليوم الآخر الذي يحاسب الناس فيه فيكرمون أو يهانون. ومن هنا كان البعث ضرورياً حتى تستقيم الحياة، ويتطهر السلوك، ويرتدع الظالم عن ظلمه، والفاحش عن فحشه إذا خاف يوماً يعرض فيه على ربه، كما قال تعالى رادعاً للمطففين في الكيل: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ المطففين: ١ - ٦. كان البعث ضرورياً أيضاً حتى يتبين الصادق من الكاذب في أمور العقائد وغيرها، قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (٣٩)﴾ النحل: ٣٨ - ٣٩ (٢).

стр. 479

o سابعاً: تحقيقاً للتوحيد: يتضمن إنكار البعث تعطيلاً لأسماء الله وصفاته ومقتضاها، وإنكاراً لعلم الله تعالى وقدرته وحكمته (١)، بينما يتضمن الإيمان بذلك عكس ذلك تماماً، كما أن الإيمان بالله وباليوم الآخر يلزم منه الإيمان ببقيّة الأركان (٢). ونخلص من هذا كله إلى أن عقيدة الإيمان باليوم الآخر تمثل إحدى المفاهيم الأساسية وعلامة على واقعية ديننا الحنيف، ونظرته إلى حياة الإنسان ككل متكامل، وفهم عميق لحقيقتها التي تجمع بين الجوانب المادية والروحية معاً؛ ولا ريب أن محاولة التشكيك في هذه العقيدة، إنما تهدف إلى التحللّ من أحكام شريعتنا، وإزالة الضوابط التي تحول بين الإنسان وبين الوقوع في دائرة الفساد والإباحية.

стр. 480

المبحث الأول ما جاء في البدع المتقابلة في الإيمان باليوم الآخر . تمهيد: إن أهل الأهواء والبدع قد وقفوا من هذا الركن موقفهم من الأركان السابقة، فتباينت مواقفهم تجاه الإيمان باليوم الآخر، بين غالٍ فيه، وكافر به (١)، والبحث في هذا الباب -الإيمان باليوم الآخر- بحثٌ طويل، وما يندرج تحته من المسائل شيءٌ كثير، والمتصل من ذلك بموضوع المبحث هو البدع المتقابلة في الإيمان باليوم الآخر. ويمكن إجمال ما ورد من انحراف الفرق في الإيمان باليوم الآخر إلى الأسباب التالية: ١ - فساد الإيمان بهذا الركن من أركان الدين تابع لفساد الركن الأول وهو الإيمان بالله تعالى ومعرفته. ٢ - الانحراف في الإيمان بالغيب والانحباس في عالم الشهادة، وهذا مرتبط بانحرافهم في الربوبية، الذي يؤثر في قبول علم الله الغيبي؛ لأنه لم يعد هناك مبرر للقول بغيب ديني ومن ذلك أحداث اليوم الآخر، وهناك أمر مشترك عند أغلب المكذبين بالغيب وهو انحباسهم في عالم الشهادة، ووقوعهم بين طرفي نقيض، عند إرادتهم تفسير الأمور الغيبية، فإما أن يجلبوا ذاك الغيب بصور شتى إلى عالم الشهادة، وإما أن ينفوا ذلك الغيب مطلقاً (٢). ٣ - الخوض في تصور كيفية اليوم الآخر، وقياسهم عالم الغيب على عالم الشهادة. ٤ - الانحراف في الأسماء والأحكام، ومحاولة التزامهم بالأصول التي أصلوها لأنفسهم، كإنكار الخوارج للشفاعة (٣)؛ وذلك لأن إثباتها يخالف أصلاً من أصولهم وهو

стр. 481

خلود الفساق المذنبين من المسلمين في النار، وعدم خروجهم، وهكذا مع بقية الفرق الضالة (١). ٥ - الخلل في طريقة الاستدلال، وذلك بالاعتماد على مقدمات وأقيسة عقلية، جعلوها مصدر هداية. ومن أجل هذا فقد انقسم الناس إلى طرفين متقابلين، طرف انتهج الغلو والإفراط والزيادة! ! وطرف سلك طريق التقصير والتفريط والنقصان! ، وبيان ذلك في المطلبين الآتيين.

стр. 482

المطلب الأول: الانحراف المؤدي إلى التفريط في الإيمان باليوم الآخر . بالرغم من إجماع الأديان السماوية والملل (١)، وعلى رأسها الإسلام على وجوب الإيمان باليوم الآخر، وإثبات البعث بعد الموت حقيقة واقعة لا ريب فيها، إلا أنه قد وجد قديماً وحديثاً من ينكر هذه الحقيقة، وينازع في إمكان وقوعها بعد الموت، وعلى رأس هؤلاء المنكرين الدهريون والطبيعيون من الفلاسفة المتقدمين. وحاصل مذهبهم إنكار البعث بعد الموت، والجنة والنار والجزاء الأخروي، حيث جعلوا الغاية من وجود الإنسان هي التعقل والتأمل المطلق للكون، وعند هذا الحد ينتهي دورهم في الحياة (٢). وقد تأثر بمذهبهم من جاء بعدهم من الفلاسفة، وخاصة الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام كالفارابي، وابن سينا، وابن رشد، فهؤلاء وإن لم ينكروا البعث مطلقاً لكنهم أنكروا البعث الجسماني (٣)؛ لأنه لا يمكن البرهنة عليه عقلاً بزعمهم. ومن ثم أنكروا النعيم والعذاب الحسي الأخروي المتمثل في وجود الجنة والنار، والحشر والحساب، والصراط، ووزن الأعمال، وجعلوا جميع ذلك أموراً معنوية تحصل للروح فقط، بعد مفارقتها البدن حيث تصبح عالماً عقلياً مطلقاً (٤). كما أن الإسماعيلية (٥) - التي تنسب إلى الإسلام كذباً- تنكر الجنة والنار وغيرها من الأمور الأخروية ويؤولون النصوص المختصة باليوم الآخر بأن المراد بها تناسخ الأرواح، وكذلك

стр. 483

الدروز (١) الذين يزعمون أن يوم الحساب هو اليوم الذي يبلغ فيه التوحيد غايته بالانتصار على العقائد الشركية، أما البعث فباطل لا أساس له. وهذا الموقف من التأويل والتحريف يقول به العصرانيون، فهم قد وقفوا من هذا الركن موقفاً غريباً، إذ سلطوا على آيات القرآن وأخبار السنة الصحيحة التأويل والإنكار إرضاءً لعقولهم، فحملوا النصوص الثابتة اليقينية حول أحوال يوم القيامة على أنها تمثيل وتصوير، لا حقيقة واقعة، فحملُ عرش الرب سبحانه على أنه تمثيل لكمال عزته، وأخذ الكتب باليمين يراد به الاستبشار والابتهاج، والتناول بالشمال يراد به العبوس، وكذلك النفخ في الصور هو تمثيل وتصوير لما سيجري، وهذا التأويل عندهم كثير جداً وهم لا يقصرونه على أخبار المستقبل، بل عموا به الأخبار القرآنية في الماضي أيضاً وهو القصص القرآنية (٢). وما من فرقة من الفِرَق الضالة إلا ونجد لها موقفاً مخالفاً في الإيمان باليوم الآخر، ابتداء من عند الموت إلى دخول الجنة والنار من التحريف والتأويل والإنكار (٣).

стр. 484

ومن خلال ما سبق يمكننا الوقوف على طرق الانحراف المؤدية إلى التفريط في الإيمان باليوم الآخر، وهي: - أولاً: عدم إثبات صفات الله أو بعضها: وإن اعترف الكفار بوجود الخالق، إلا أنهم يكذبون بالبعث والنشور، ومن هؤلاء طائفة من اليهود يسمون بالصادقين (١)، ومن هؤلاء العرب الذين قال الله فيهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥)﴾ لقمان: ٢٥، فهؤلاء يزعمون أنهم يؤمنون بالله، ولكنهم يدعون: أن قدرة الله عاجزة عن إحيائهم بعد إماتتهم، ويسخرون من البعث-وهو فعل من أفعال الرب جل وعلا-، فهم إذن لم يُقّروا لله بأفعاله بل كفروا بها كما قال الله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ التغابن: ٧، وهم الذين ضرب الله لهم الأمثال، وساق لهم الحجج والبراهين (٢) لبيان قدرته على البعث والنشور، وأنه لا يعجزه شيء. فعذاب القبر والبعث والنشور ونشر الصحف ووزن الأعمال والعرض والتعذيب بالنار والإنعام بالجنة، لا يؤمن بها إلا من صح توحيده بالله وبصفاته؛ لأنها من أفعال الله تعالى، ويدلنا إنكارهم لها على أنهم غيرُ موحدين لله بتوحيد الربوبية والأسماء والصفات. - ثانياً: الكفر بالله: من أعظم أسباب التكذيب باليوم الآخر الكفر، لذا فإننا نجد أن اليهود، والنصارى ينكرون الأكل، والشرب، والنكاح في الجنة، ويزعمون: أن أهل الجنة إنما يتمتعون بالأصوات المطربة، والأرواح الطيبة مع نعيم الأرواح، وهم يقرون مع ذلك بحشر الأجساد مع الأرواح ونعيمهما وعذابهما.

стр. 485

كما أن الصابئة، والفلاسفة، ومن وافقهم؛ يقرون بحشر الأرواح فقط، وأن النعيم والعذاب للأرواح فقط. أما طوائف من الكفار، والمشركين، وغيرهم فينكرون المعاد بالكلية، ولا يقرون لا بمعاد الأرواح، ولا الأجسام، وقد بين الله تعالى في كتابه على لسان رسوله أمر معاد الأرواح، والأجساد، ورد على الكافرين والمنكرين لشيء من ذلك بياناً تاماً غاية التمام والكمال. كما نجد أن المنافقين من هذه الأمة، لا يقرون بألفاظ القرآن والسنة المشهورة، بل يحرفون الكلام عن مواضعه، ويقولون: هذه أمثال ضربت لنفهم المعاد الروحاني، وهؤلاء مثل القرامطة الباطنية (١) الذين قولهم مؤلف من قول المجوس، والصابئة، ومثل المتفلسفة الصابئة المنتسبين إلى الإسلام ممن ضاهوهم: من كاتب، أو متطبب، أو متكلم، أو متصوف، أو منافق (٢). ولا يفوت دور الملاحدة الذين أنكروا وجود الخالق، ومن هؤلاء كثير من الفلاسفة الدهرية الطبائعية، ومنهم الشيوعيون (٣) في عصرنا، وهؤلاء ينكرون صدور الخلق عن خالق، فهم منكرون للنشأة الأولى، والثانية، ومنكرون لوجود الخالق أصلاً، ولا يحسن مناقشة هؤلاء في أمر المعاد، بل يناقشون في وجود الخالق، ووحدانيته أولاً، ثم يأتي إثبات المعاد بعد ذلك؛ لأن الإيمان بالمعاد فرع عن الإيمان بالله (٤).

стр. 486

- ثالثاً: إمهال الله لهم على كفرهم وسوء صنيعهم: قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣)﴾ الماعون: ١ - ٣، جعل الله من أخص صفات المكذبين بيوم القيامة الذين فسدت عقائدهم: سوء أخلاقهم مع المجتمع، وخاصة مع من لا يرجون من ورائه نفعاً دنيويا عاجلاً كاليتامى والمساكين والضعفة. بل نجد هذا ظاهراً في المذاهب المادية كالرأسمالية "البرجوازية" (١) وغيرها؛ وما ذلك إلا لِمَا هم فيه من أبهة الغنى، فظنوا أن لهم عند الله الحظوة في الدنيا، وكذا في الآخرة؛ وهذا من جهلهم، واغترارهم بالحياة الدنيا، وزينتها، فقال: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾ سبأ: ٣٥، وقال: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ فصلت: ٥٠. كما أن كثيراً من أهل الكفر والجهل توهم أن إمهال الله لهم دليل على أنه لا حياة آخرة فضلوا وأضلوا، فقال الله عنهم: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ العنكبوت: ٥٣. - رابعاً: إقحام العقل القاصر في تصور عالم الآخرة الغائب: نجد إقحام العقل القاصر في تصور عالم الآخرة الغائب، واضحاً عند استعراض أقوال المذاهب في حشر الأجساد: فالفلاسفة الطبيعيون: أنكروا البعث كلية، زاعمين أن اعتدال المزاج له تأثير عظيم في قوام قوى الحيوان؛ فظنوا أن القوة العاقلة من الإنسان تابعة لمزاجه أيضاً، وأنها تبطل ببطلان مزاجه، فتنعدم، ثمّ إذا انعدم فلا يعقل إعادة المعدوم (٢).

стр. 487

الفلاسفة الإلهيون: وهم يرون أن البعث للروح فقط، وأنكروا المعاد الجسماني (١)، بمعنى: أن الأجساد لا تحشر، وإنما المثاب والمعاقب هي: الأرواح المجرّدة، والمثوبات والعقوبات روحانيات لا جسمانية (٢). أهل التناسخ (٣): وزعموا أن الإعادة إنما تكون بكرور الأرواح في أجساد مختلفة، وذلك كله في الدنيا، وأن كل روح أحسنت في قالبها أعيدت في قالب يتنعم فيه، وكل روح أساءت في قالبها أعيدت في قالب يؤذيها (٤). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حاكياً أقوال المتفلسفة والمتكلمة والمتصوفة: " فأهل التخييل هم المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من متكلم ومتصوف ومتفقه فإنهم يقولون: إن ما ذكره الرسول من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر إنما هو تخييل للحقائق لينتفع به الجمهور، لا أنه بين به الحق ولا هدى الخلق ولا أوضح الحقائق" (٥). كما أن المتكلمين -من المسلمين- يرون أن الدليل على إثبات اليوم الآخر، لا يكون إلا سمعياً وأن العقل لا حظ له في ذلك إلا مجرد بيان عدم الامتناع، لكن لما كانت النصوص الشرعية الدالة على المعاد الجسماني واضحة، ومتواترة لا يستطاع إنكارها، ادعوا أن هذه النصوص إنما جاءت لخطاب الجمهور من العوام والدهماء الغليظة عقولهم وإفهامهم بما يفهمونه، مقرباً إلى أفهامهم ما لا يفهمونه بالتشبيه والتمثيل الجسماني الحسي؛ لأنه في زعمهم أشد تفهيماً للجمهور، فلوا خاطبهم بالمعاد الروحاني، فيشبه أن يكون أقل تحريكاً لنفوسهم، وأن يكونوا معه أقل رغبة فيه وخوفا منه (٦).

стр. 488

قال ابن تيمية ﵀: " وكثير من هؤلاء - أي الذين يظنون أن العقل غير مستقل بإدراك التوحيد - يعتقدون أن في ذلك ما لا يجوز أن يعلم بالعقل: كالمعاد وحسن التوحيد والعدل والصدق، وقبح الشرك والظلم والكذب. والقرآن يبين الأدلة العقلية الدالة على ذلك، وينكر على من لم يستدل بها؛ ويبين أنه بالعقل يعرف: المعاد، وحسن عبادته وحده، وحسن شكره، وقبح الشرك وكفر نعمه، كما قد بسطت الكلام على ذلك في مواضع" (١). والذي جلب لهم هذا الخلط والاضطراب: توهمهم أن هناك معارضة بين العقل والنقل ولما كان العقل عندهم مقدساً منزهاً عن الخطأ، نفوا وعطلوا وأولوا ما دل عليه النقل من الإيمان باليوم الآخر، وركنوا إلى قواعدهم العقلية وأصولهم الفلسفية، وجعلوها عمدة في ردّ ما ورد به الشرع بدعوى معارضته لها (٢). لذلك نجد السلف قد قبلوها على ظاهرها، خلافاً لمن فتح باب الخوض فيها حتى أفضى به الأمر إلى إنكار ما جاء به الشرع، بحجّة الاعتماد على العقل. - خامساً: قياسهم الأمور الغيبية على الأمور المشاهدة: المخالفون خالفوا في الإيمان باليوم الآخر لما حكموا العقل، وأرادوا عالم الغيب كعالم الشهادة، لقياسهم الأمور الغيبية على الأمور المشاهدة، فقاموا بتحكيم العقل فيما جاءت به النصوص في أن هذا يُعقل، وهذا لا يعقل، فيحملونه على المعقول. يقول الغزالي ﵀: " إن هذه العين لا تصلح لمشاهدة الأمور الملكوتية، وكل ما يتعلق بالآخرة فهو من عالم الملكوت، أما ترى الصحابة ﵃ كيف كانوا يؤمنون بنزول جبريل وما كانوا يشاهدونه، ويؤمنون بأنه ﵇ يشاهده؛ فإن كنت لا تؤمن بهذا فتصحيح أصل الإيمان بالملائكة والوحي أهمّ عليك، وإن كنت آمنت به وجوّزت أن يشاهد النبي ﷺ ما لا تشاهده الأمة فكيف لا تجوز هذا في الميت؟ ... وإن من ينكر بعض ذلك فهو لضيق حوصلته وجهله

стр. 489

باتساع قدرة الله سبحانه وعجائب تدبيره، فينكر من أفعال الله تعالى ما لم يأنس به ويألفه، وذلك جهل وقصور" (١)، وهذا مما اتفق عليه أهل السنة والجماعة (٢). كما أن القياس الفاسد لا ينضبط؛ لأن الأصل في باب اليوم الآخر أنه من الغيب، والغيب لا يقال فيه بالظن. ولأجل مخالفة الضالين -من طوائف الجهمية، والمعتزلة، والفلاسفة، وأهل الكلام، وبعض فقهاء السنة (٣) - إما في كل المسألة أو في بعضها، صارت من مسائل العقائد التي يُعلن أهل السنة الإيمان بها وتقرير ما دلت عليه (٤)، والأدلة التي دلت على هذا الأصل من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كثيرة (٥). لذا فإننا نجد أن السلف في باب اليوم الآخر لا يذكرون فيه إلا أقوالاً كأنها هي نفس الحروف المكتوبة في القرآن، بمعنى أن القول المأثور عن السلف يكان أن يكون نفس النص النبوي، أو جزءاً منه، أو جزءاً من النص القرآني، وهذا يدل على أن باب اليوم الآخر يؤخذ بطريقة المطابقة، وإن تضمنت هذه الطريقة التي أشير إليها عدم الإجابة على كثير من الأسئلة التي ترد؛ فما دام النص ليس صريحاً في هذا الخبر، فإن الأصل الوقف فيه؛ لأن باب اليوم الآخر الأصل فيه أنه غيب، والغيب لا يقال فيه بالظن؛ لأن هذا الظن ليس مما شرعه الله ؛ فإن الله لم يشرع في الغيب ظناً، وكل الغيبيات التي أوجب الله ورسوله على العباد أن يؤمنوا بها هي غيبيات قطعية بينة (٦).

стр. 490

- سادساً: التأثر بشبهات الفلاسفة وغيرهم، ورد نصوص الشرع: أورد الفلاسفة على المتكلمين شبهات في الإيمان باليوم الأخر، منها قولهم: أن الإنسان الذي يأكله حيوان، وذلك الحيوان أكله إنسان، فإن أعيدت تلك الأجزاء من هذا، لم تعد من هذا؟ وأوردوا عليهم: أن الإنسان يتحلل دائماً، فما الذي يُعاد؟ أهو الذي كان وقت الموت؟ فإن قيل بذلك لزم أن يعاد على صورة ضعيفة، وهو خلاف النصوص، وإن كان غير ذلك فليس بعض الأبدان أولى من بعض! (١). فخاض المتكلمون في هذه الشبهة، وقالوا: بأن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة، وهم في الإعادة على قولين: الأول: من يقول تنعدم الجواهر ثم تعاد. الثاني: من يقول تفرق الأجزاء ثم تجتمع (٢). وهذا القول وغيره من الأقوال فيه خبط واضطراب، كما أن فيه فتحاً لشبهات الفلاسفة الذين ينكرون المعاد الجسماني، فإنهم -أي: الفلاسفة- منعوا إعادة الجواهر بعدما تتفرق، ويرون أن من مات فقد قامت قيامته وينكرون عودة الأرواح إلى الأجسام وبعث تلك الأجساد؛ ذلك لأن البعث الجسماني متوقف على إعادة المعدوم سواء كانت عن فناء وعدم- مطلقين، أم كانت عن جمع بعد تفريق، وهذا محال -على حد زعمهم- وكل ما توقف على المحال فهو محال. فاستحالة الإعادة بعد العدم أمر دلّ عليه العقل عندهم، أما استحالة الجمع والإحياء بعد التفريق فللقطع بفناء التأليف والمزاج وكثير من الأعراض والهيئات (٣). وكان الواجب على المتكلمين أن يكونوا مع السلف ويقولوا بمقالتهم التي ثبتت عن رسول الله ﷺ ، ويؤمنوا بأن الله يُعيد الأعيان والأجسام بصفاتها دون دخول في مصطلحات الفلاسفة التي اخترعوها، وقدرة الله شاملة عامة تامة فلا يعجزه تعالى شيء في الأرض ولا في السماء، ولو كلفوا أنفسهم قراءة كتاب الله لوجدوا أمامهم قصة إبراهيم والطير وقصة من مر

стр. 491

على القرية، كافية في دفع كل ما وقعوا فيه، لكن إذا غاب الإيمان بالغيب، ظهر مثل هذا التخبط. قال ابن القيم ﵀: " وأما اليوم الآخر فإن جمهورهم -أي: المتكلمين- بنوه على إثبات الجوهر الفرد، وقالوا: لا يتأتى التصديق بالمعاد إلا بإثباته، وهو في الحقيقة باطل، لا أصل له، والمثبتون له يعترفون بأن القول به في غاية الإشكال، وأدلته متعارضة، وكثير منهم له قولان في إثباته ونفيه، وسلكوا في تقرير المعاد ما خالفوا فيه جمهور العقلاء ولم يرافقوا ما جاءت به الأنبياء، فقالوا: إن الله سبحانه يعدم أجزاء العالم كلها حتى تصير عدماً محضاً، ثم يعيد المعدوم ويقلبه وجوداً، حتى إنه يعيد زمنه بعينه وينشؤه لا من مادة، كما قالوا في البداء، فجنوا على العقل والشرع، وأغروا أعداء الشرع به، وحالوا بينهم وبين تصديق الرسل" (١). فمن آمن وصدق بكلام الله تعالى وبقدرته التامة الشاملة، فإنه سينشرح صدره لكل ما استشكله كثير من الفلاسفة وغيرهم، وهنا تكون مواضع الإيمان وحقائق اليقين، ويمتاز أهل الإيمان عن أهل الريب والنفاق، لذا فإن منهج السلف هو القاضي بترك الخوض فيما ثبت بالنصوص القطعية وعُلم من الدين بالضرورة وإن كانت بعض العقول قد تحار فيه لكنها لا تحيله، كذا تجنب القول على الله بلا علم، وقياس قدرته تعالى على قدرات الممكنات من المخلوقات. - سابعاً: التأثر بالطريقة الباطنية: يظهر الانحراف جلياً في باب الإيمان باليوم الآخر ممن مال إلى الطرق الباطنية؛ لأنهم انحرفوا في قبول الدليل النصي من الكتاب والسنة المتفق على قدره الكلي بين جمهور الطوائف. والمائلون إلى الطرق الباطنية هم أحد صنفين: إما من الشيعة، وإما من الصوفية، فإن غلاة الشيعة باطنية، كما أن غلاة الصوفية باطنية كذلك (٢).

стр. 492

والمقصود أن هؤلاء الباطنية من الصوفية أو الشيعة هم المحرفون لباب اليوم الآخر؛ لأن نتيجة مقولتهم هذه: إنكار المعاد، والثواب والعقاب، والجنة والنار، وتأويل التكاليف الشرعية تأويلاً باطنياً موافقاً لأهوائهم، وإباحة المحرمات، والدعوة إلى انتهاب اللذات، والانغماس في الشهوات. كما أن الباطنية ليست فرقة مستقلة بذاتها، وإنما هي طائفة يندرج تحتها عدد من الفرق، يجمعها القول بالظاهر والباطن (١). لذا نجد أن الإسماعيلية لم تؤمن باليوم الآخر، بل جاءت بمفاهيم تغاير تماماً تلك المفاهيم التي جاء بها الإسلام، وقد استخدموا منهجهم الفاسد في التأويل بالباطن، ليُعارضوا ما دعا الأنبياء الناس إليه (٢)، ولا يزال الإسماعيلية المعاصرون متبعين لمنهج أسلافهم في تأويل الأمور الغيبية تأويلاً قائماً على إنكار حقيقتها، والاستعاضة عنها بمعان باطنية لا تمت إلى الحقيقة بصلة، ولا تقرب من الصواب قدر أنملة (٣). كما نجد النصيرية يستعيضون عن الإيمان باليوم الآخر بمبدأ التناسخ (٤) الذي أوجدوه خصيصاً من أجل إلغاء هذا الركن الأصيل وهدمه (٥)، ويستعيض عنه الدروز بالتقمص (٦) -كما يحلو لهم أن يسموه-.

стр. 493

وهذا هو ديدن فرق الباطنية جميعاً: إنكار اليوم الآخر، وعدم الإيمان به، وزعمهم أن للشريعة ظاهراً وباطناً. - ثامناً: اطراد ما التزموه من أصول مذهبهم الفاسدة: نلحظ أن كثيراً من انحراف هؤلاء، إنما هو نتيجة التزامهم بما اعتمدوه من كليات عقلية وقواعد منطقية، أدت بهم إلى التفريط في باب الإيمان باليوم الآخر (١)، وهذا واضح بين في إنكار الوعيدية -الخوارج وبعض المعتزلة- لوجود الجنة والنار قبل يوم القيامة، وإنكارهم لعذاب القبر (٢)، والشفاعة (٣)، والميزان والصفات الثابتة له، وإنكار الصراط (٤)؛ لأن إثباتهم لهذا يخالف أصلاً من أصولهم وهو خلود الفساق المذنبين من المسلمين في النار، وعدم خروجهم، وجعلت الشفاعة خاصة بالتائبين المنيبين في زيادة ثوابهم ورفعة منزلتهم (٥). كما أن الجبرية تعتقد أن العبد مجبور على أفعاله -بزعمهم-، فآل بهم هذا إلى إنكار الحساب، أما الإسماعيلية فالقيامة عندهم هي: عبارة عن عودة الروح إلى مبدئها وهي النفس الكلية، وهذا يعني إبطال العقاب والثواب في الجنة والنار؛ لأن العقاب عندهم هو الآلام التي تراها الروح في تقلبها في الأجساد المختلفة، وأما الثواب فهو اللذات التي يأخذها المؤمن من مراتب العلوم (٦).

стр. 494

وما من فرقة جاءت عن طريقة الشيعة إلا ولديها انحراف في هذا الركن المهم كالدروز، والبهائية، والنصيرية وغيرها، فهم يتخيلون ويعتقدون أن تلك النصوص هي من باب التخييل فهم تابعون لأهل التخييل (١). وهكذا فإن ما بُني على باطل فهو باطل، فلا يظن أن تخرج لنا المذاهب الباطلة عقيدة صافية في الإيمان باليوم الآخر! ، لذلك فإن اختيارات أرباب البدع هي نتاج لما قروره في أبواب العقائد الأخرى ما أثر في هذا الباب باب اليوم الآخر. - تاسعاً: الإيمان بالماديات، وإنكار الغيبيات: أصبحت أديان أهل الكتاب أدياناً مادية دنيوية، يندر أن تجد فيها للإيمان بالغيب نصاً واضحاً -لا سيما الإيمان بالله واليوم الآخر-، وإن وجدت فهي نصوص عامة محتملة، يقصد بها جنة الدنيا ونعيمها (٢)، وما ذلك إلا لتفريط اليهود والنصارى بتحريفهم للتوراة والنجيل، فلا يكاد يوجد نص يتحدث عن اليوم الآخر صريحاً فضلا عن أن يكون صحيحاً. كما أن التفريط أيضاً حاصلٌ في واقعهم، فإننا نجد أفعالهم - من قتل، وتشريد، واغتصاب أرض، وإثارة للفتن، والسعي للإفساد في الأرض- أكبر شاهد على عدم إيمانهم باليوم الآخر. ولقد بات إنكار الغيب من سمات العصر الحديث -وصار الإيمان بالماديات هو البديل- في نظر الحضارات الغربية والشرقية، وعلى هذا فإن الإيمان بالغيب يعد فيصلاً بين البشر في حياتهم، فصار سعادةً للمؤمن بإيمانه به، وشقاءً للكافر بجحوده ونكرانه له. وبالجملة فإن الخلل والاضطراب في الإيمان بهذا الركن العظيم أصل كل شر، ورأس كل بلية، وهذا باب واسع ليس هذا موضعه.

стр. 495

المطلب الثاني: الانحراف المؤدي إلى الإفراط في الإيمان باليوم الآخر . بالرغم من أن الغالبية العظمى تقف من اليوم الآخر موقف التفريط، إلا أنه يوجد من سلك جانب الإفراط، مخالفين بذلك ما عليه أهل السنة والجماعة. وبالنظر إلى سبب هذا الإفراط في الإيمان باليوم الآخر، نجد أنه ينطلق من إيمانهم باليوم الآخر على غير الصفة التي جاءت بها الشرائع، ومن ذلك: o الاستحقاق والمعاوضة: أوجبت القدرية على الله إدخال المؤمن الجنة عن طريق الاستحقاق والمعاوضة، وأن يدخل العاصي النار ويخلد فيها، ولازم قولهم وصف الله تعالى بالظلم تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً (١). o الزلفى عند الله في الآخرة: وقد تتابع ادعاؤها من قبل اليهود (٢)، والنصارى (٣)، وبعض مشركي العرب (٤)، ولما كان قولهم هذا فيه ادعاء لعلم لا قدرة لبشر على معرفته، كذب القرآن هذه الدعوى، ورد عليها بطريقة عقلية منطقية، وعلمية إيمانية (٥).
следующие страницы →