← Баляга

Баляга · id 147320

درر الفرائد المستحسنة في شرح منظومة ابن الشحنة

ابن عبد الحق العمري

Полный текст (486 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

عَمَلَهَا (١). - وَ (الِاسْمُ): لُغَةً: مَا دَلَّ عَلَى مُسَمًّى (٢). وَعُرْفاً: مَا دَلَّ عَلَى مَعْنًى فِيْ نَفْسِهِ غَيْرَ مُتَعَرِّضٍ بِبِنْيَتِهِ لِزَمَانٍ (٣). وَالتَّسْمِيَةُ: جَعْلُ الِاسْمِ دَالّاً عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى (٤). وَهَلِ الِاسْمُ عَيْنُ الْمُسَمَّى أَمْ (٥) غَيْرُهُ؟ فِيْهِ مَذْهَبَانِ (٦)؛ اِخْتَارَ الشَّيْخُ زَكَرِيَّا (٧) فِيْ بَعْضِ كُتُبِهِ الثَّانِيَ، وَنَقَلَهُ عَنِ التَّفْتَازَانِيِّ (٨).

стр. 107

- وَاللهُ: عَلَمٌ عَلَى الذَّاتِ الْوَاجِبِ الْوُجُوْدِ (١)، الْمُسْتَحِقِّ لِجَمِيْعِ الْمَحَامِدِ. (٢) وَأَصْلُهُ: (إِلَاهٌ) حُذِفَتْ هَمْزَتُهُ، وَعُوِّضَ عَنْهَا حَرْفُ التَّعْرِيْفِ (٣)، ثُمَّ جُعِلَ عَلَماً، وَهُوَ عَرَبِيٌّ. وَقِيْلَ: مُعَرَّبٌ؛ فَقِيْلَ: عِبْرِيٌّ، وَقِيْلَ: سُرْيَانِيٌّ (٤). قَالَ الْبَنْدَنِيْجِيُّ (٥): «وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الِاسْمَ الْأَعْظَمَ (٦) هُوَ: اللهُ». (٧) وَاخْتَارَ النَّوَوِيُّ (٨) تَبَعاً لِجَمَاعَةٍ: أَنَّهُ الْحَيُّ الْقَيُّوْمُ (٩). - وَالرَّحْمَنُ الرَّحِيْمُ (١٠): اسْمَانِ بُنِيَا لِلْمُبَالَغَةِ مِنْ رَحِمَ بِتَنْزِيْلِهِ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ، أَوْ بِجَعْلِهِ لَازِماً،

стр. 108

وَنَقْلِهِ إِلَى (فَعُلَ) بِالضَّمِّ. (١) وَالرَّحْمَةُ: رِقَّةُ الْقَلْبِ تَقْتَضِي التَّفَضُّلَ، فَالتَّفَضُّلُ غَايَتُهَا. وَأَسْمَاءُ اللهِ الْمَأْخُوْذَةُ مِنْ نَحْوِ ذَلِكَ إِنَّمَا تُؤْخَذُ بِاعْتِبَارِ الْغَايَةِ دَوْنَ الْمَبْدَأِ (٢). - وَقُدِّمَ (اللهُ) عَلَى (الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ)؛ لِأَنَّهُ اسْمُ ذَاتٍ - وَهُمَا اسْمَا صِفَةٍ - وَالذَّاتُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الصِّفَةِ. - وَقُدِّمَ (الرَّحْمَنُ) عَلَى (الرَّحِيْمِ)؛ لِأَنَّهُ خَاصٌّ؛ إِذْ لَا يُقَالُ لِغَيْرِ اللهِ - بِخِلَافِ الرَّحِيْمِ (٣) - وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ، وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ مِنَ الرَّحِيْمِ (٤)؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْبِنَاءِ تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْمَعْنَى غَالِباً (٥). * * * ١ - الْحَمْدُ لِله، وَصَلَّى اللهُ ... عَلَى رَسُوْلِهِ الَّذِي اصْطَفَاهُ الْحَمْدُ لِله: الْحَمْدُ لُغَةً: الثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ عَلَى الْجَمِيْلِ الِاخْتِيَارِيِّ - عَلَى جِهَةِ التَّعْظِيْمِ - سَوَاءٌ كَانَ فِيْ مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ أَمْ لَا. وَعُرْفاً: فِعْلٌ يُنْبِئُ عَنْ تَعْظِيْمِ الْمُنْعِمِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُنْعِمٌ عَلَى الْحَامِدِ

стр. 109

أَوْ غَيْرِهِ، سَوَاءٌ كَانَ بِاللِّسَانِ أَمْ بِالْجَنَانِ أَمْ بِالْأَرْكَانِ وَهَذَا هُوَ الشُّكْرُ اللُّغَوِيُّ. وَالشُّكْرُ الْعُرْفِيُّ: صَرْفُ الْعَبْدِ جَمِيْعَ مَا أَنْعَمَ اللهُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ السَّمْعِ وَغَيْرِهِ إِلَى مَا خُلِقَ لِأَجْلِهِ. وَالْمَدْحُ لُغَةً: الثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ عَلَى الْجَمِيْلِ مُطْلَقاً، عَلَى جِهَةِ التَّعْظِيْمِ (١). وَعُرْفاً: مَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ الْمَمْدُوْحِ بِنَوْعٍ مِنَ الْفَضَائِلِ. وَاعْلَمْ أَنَّ ضِدَّ الْحَمْدِ الذَّمُّ، وَالشُّكْرِ الْكُفْرَانُ، وَالْمَدْحِ الْهَجْوُ. وَالثَّنَاءُ: [ضِدُّ] (٢) النَّثَاءِ؛ بِتَقْدِيْمِ النُّوْنِ عَلَى الثَّاءِ؛ يُقَالُ: أَثْنَى عَلَيْهِ: إذا ذَكَرَهُ بِخَيْرٍ، وَأَنْثَى عَلَيْهِ: إِذَا ذَكَرَهُ بِشَرٍّ (٣). · وَاخْتَارَ الزَّمَخْشَرِيُّ (٤) أَنَّ اللَّامَ فِي (الْحَمْدِ): لِلْجِنْسِ (٥)، وَالْجُمْهُوْرُ أَنَّهَا لِلِاسْتِغْرَاقِ أَوِ لِلْعَهْدِ (٦)؛ كَمَا عَلَيْهِ ابْنُ النَّحَّاسِ (٧). وَفِي (لِلهِ): لِلِاخْتِصَاصِ فَلَا فَرْدَ مِنْهُ لِغَيْرِهِ. وَاللهُ: عَلَمٌ لِلذَّاتِ الْوَاجِبِ الْوُجُوْدِ، كَمَا تَقَدَّمَ.

стр. 110

وَصَلَّى اللهُ: الصَّلَاةُ (فَعَالَ) مِنْ صَلَّى؛ إِذَا دَعَا (١). وَالْمُرَادُ مِنْهُ هَهُنَا هُوَ الْمَعْنَى الْمَجَازِيُّ وَهُوَ: الِاعْتِنَاءُ بِشَأْنِ الْمُصَلَّى عَلَيْهِ وَإِرَادَةُ الْخَيْرِ لَهُ (٢). عَلَى رَسُوْلِهِ: وَالرَّسُوْلُ مِنَ الْبَشَرِ: إِنْسَانٌ أُوْحِيَ إِلَيْهِ بِشَرْعٍ، وَأُمِرَ بِتَبْلِيْغِهِ. وَالنَّبِيُّ: إِنْسَانٌ أُوْحِيَ إِلَيْهِ بِشَرْعٍ، فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الرَّسُوْلِ (٣). الَّذِي اصْطَفَاهُ: أَيِ: اخْتَارَهُ. رَوَى مُسْلِمٌ (٤) خَبَرَ أَنَّ «اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيْلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشاً مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِيْ هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِيْ مِنْ بَنِيْ هَاشِمٍ، فَأَنَا خِيَارٌ مِنْ خِيَارٍ مِنْ خِيَارٍ». (٥) * * * ٢ - مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَا، ... وَبَعْدُ قَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أُنَظِّمَا مُحَمَّدٍ: عَطْفُ بَيَانٍ لِرَسُوْلِهِ- وَهُوَ عَلَمٌ مَنْقُوْلٌ مِنِ اسْمِ مَفْعُوْلِ الْمُضَعَّفِ - سُمِّيَ بِهِ؛ لِكَثْرَةِ خِصَالِهِ الْمَرْضِيَّةِ (٦)؛ قَالَ حَسَّانُ (٧): [الطّويل] وَشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ ... فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ، وَهَذَا مُحَمَّدُ (٨)

стр. 111

وَآلِهِ: هُمْ - كَمَا نُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ (١) ﵀ أَقَارِبُهُ الْمُؤْمِنُوْنَ مِنْ بَنِيْ هَاشِمٍ والمطَّلِبِ. (٢) وَ (آلٌ): أَصْلُهُ (أَهْلٌ)، بِدَلِيْلِ تَصْغِيْرِهِ عَلَى (أُهَيْلٍ)، قُلِبَتِ الْهَاءُ هَمْزَةً، وَالْهَمْزَةُ أَلِفاً (٣)، وَخُصَّ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْأَشْرَافِ وَمَنْ لَهُ خَطَرٌ (٤)، وَإنَّمَا قِيْلَ: ﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص: ٨]؛ لِتَشَبُّهِهِ بِالْأَشْرَافِ (٥). وَسَلَّمَا: وَالسَّلَامُ مَعْنَاهُ: التَّحِيَّةُ، وَكَيْفِيَّتُهَا مَعْلُوْمَةٌ. وَالْأَلِفُ فِيْهِ لِلْإِطْلَاقِ. وَبَعْدُ: ظَرْفُ زَمَانٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ؛ لِقَطْعِهِ عَنِ الْإِضَافَةِ وَنِيَّةِ مَعْنَى الْمُضَافِ إِلَيْهِ؛ أَيْ: بَعْدَ الْحَمْدِ لَهُ وَالتَّصْلِيَةِ (٦). قَدْ (٧) أَحْبَبْتُ: أَيْ مِلْتُ وَقَصَدْتُ.

стр. 112

أَنْ أُنَظِّمَا (١): أَيْ أُؤَلِّفَ كَلَامِي مَنْظُوماً. وَالنَّظْمُ: «اسْمٌ لِكَلَامٍ مُقَفًّى مَوْزُوْنٍ» (٢). * * * ٣ - فِيْ عِلْمَيِ الْبَيَانِ وَالْمَعَانِيْ ... أُرْجُوْزَةً لَطِيْفَةَ الْمَعَانِيْ فِيْ عِلْمَيِ الْبَيَانِ وَالْمَعَانِيْ أُرْجُوْزَةً: أَيْ مَنْظُوْمَةً مِنْ بَحْرِ الرَّجَزِ الَّذِيْ وَزْنُهُ: «مُسْتَفْعِلُنْ» سِتَّ مَرَّاتٍ (٣). قَالَ الشَّارِحُ (٤): «خَصَّ الْأُرْجُوْزَةَ بِعِلْمَيِ الْمَعَانِيْ وَالْبَيَانِ - مَعَ مُشَارَكَةِ عِلْمِ الْبَدِيْعِ فِيْهَا - لِكَوْنِ الْمَقْصُوْدِ بِالذَّاتِ مِنْ هَذَا الْعِلْمِ هُوَ الْعِلْمَانِ الْمَذْكُوْرَانِ. وَعِلْمُ الْبَدِيْعِ كَالتَّتِمَّةِ؛ لِكَوْنِهِ لَا دَخْلَ لَهُ فِي الْبَلَاغَةِ» (٥) اِنْتَهَى. قُلْتُ: قَدْ وَهِمَ الشَّارِحُ (٦)، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى عِبَارَةِ الْقَزْوِيْنِيِّ (٧) فِي الْإِيْضَاحِ (٨) وَغَيْرِهِ؛ حَيْثُ قَالَ: «وَكَثِيْرٌ مِنْهُمْ يُسَمِّي الْجَمِيْعَ عِلْمَ

стр. 113

الْبَيَانِ (١)، وَبَعْضُهُمْ يُسَمِّي الْأَوَّلَ عِلْمَ الْمَعَانِيْ، وَالثَّانِيَ وَالثَّالِثَ عِلْمَ الْبَيَانِ (٢)، وَالثَّلَاثَةَ عِلْمَ الْبَدِيْعِ (٣)». فَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّاظِمَ مَشَى عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ عِلْمَ الْبَيَانِ يُطْلَقُ عَلَى الثَّانِي وَالثَّالِثِ. وَفِيْ قَوْلِهِ: (عِلْمَيِ الْبَيَانِ) إِشَارَةٌ إِلَى ذَلِكَ، فَتَأَمَّلْ. لَطِيْفَةَ الْمَعَانِيْ: لِوَجَازَةِ لَفْظِهَا وَكَثْرَةِ مَعْنَاهَا. وَفِيْ قَوْلِهِ: (لَطِيْفَةَ الْمَعَانِيْ) مَعَ مَا قَبْلَهُ الْجِنَاسُ التَّامُّ (٤)، كَمَا صَرَّحَ

стр. 114

بِهِ الشَّارِحُ (١)، ﵀. * * * ٤ - أَبْيَاتُهَا عَنْ مِئَةٍ لَمْ تَزِدِ ... فَقُلْتُ غَيْرَ آمِنٍ مِنْ حَسَدِ أَبْيَاتُهَا: أَيْ عَدَدُ أَبْيَاتِهَا. عَنْ (٢) مِئَةٍ: بَيْتٍ. لَمْ تَزِدِ: وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ: «الْبَيْتَ اسْمٌ لِلْمِصْرَاعَيْنِ» - وَهُوَ الصَّحِيْحُ - وَأَنَّهَا مِنْ كَامِلِ الرَّجَزِ لَا مِنْ مَشْطُوْرِهِ. فَقُلْتُ: هَذَا النَّظْمَ حَالَ كَوْنِيْ. غَيْرَ آمِنٍ: اِسْمُ فَاعِلٍ مِنْ (أَمِنَ) كَـ (عَالِمٍ مِنْ عَلِمَ). مِنْ حَسَدِ: حَاسِدٍ؛ لِأَنَّ الْفَاضِلَ لَا يَخْلُوْ عَنْ حَاسِدٍ. وَالْحَسَدُ: تَمَنِّي زَوَالِ النِّعَمِ عَنِ الْمَحْسُوْدِ (٣). وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ مَعْرِفَةُ الْبَلَاغَةِ مَوْقُوْفَةً عَلَى مَعْرِفَةِ الْفَصَاحَةِ؛ لِكَوْنِ الْفَصَاحَةِ مَأْخُوْذَةً فِيْ تَعْرِيْفِ الْبَلَاغَةِ، وَجَبَ تَقْدِيْمُ تَعْرِيْفِ الْفَصَاحَةِ عَلَى تَعْرِيْفِ الْبَلَاغَةِ. وَلَمَّا كَانَتْ مَعْرِفَةُ فَصَاحَةِ الْكَلَامِ وَالْمُتَكَلِّمِ مُتَوَقِّفَةً عَلَى مَعْرِفَةِ فَصَاحَةِ الْمُفْرَدِ وَجَبَ تَقْدِيْمُهَا عَلَيْهِمَا؛ فَلِذَلِكَ قَالَ النَّاظِمُ رَحِمَهُ اللهُ تعالى:

стр. 115

٥ - فَصَاحَةُ الْمُفْرَدِ فِيْ سَلَامَتِهْ ... مِنْ نَفْرَةٍ فِيْهِ، وَمِنْ غَرَابَتِهْ فَصَاحَةُ الْمُفْرَدِ: (١) وَالْفَصَاحَةُ - فِي الْأَصْلِ - تُنْبِئُ عَنِ الْإِبَانَةِ وَالظُّهُوْرِ، يُقَالُ: فَصُحَ الْأَعْجَمِيُّ [وَأَفْصَحَ] (٢)؛ إِذَا نَطَقَ لِسَانُهُ، وَخَلَصَتْ لُغَتُهُ مِنَ اللُّكْنَةِ (٣)، وَجَادَتْ وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّيْنِ الْمَوْصِلِيُّ (٤): «الْفَصَاحَةُ فِي اللُّغَةِ: الْإِيْضَاحُ؛ يُقَالُ: أَفْصَحَ عَنْ مُرَادِهِ، إِذَا أَوْضَحَهُ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ: تَعْبِيْرُ الْمُتَكَلِّمِ عَنْ مُرَادِهِ بِلَفْظٍ حَسَنٍ إِفْرَاداً وَتَرْكِيْباً». وَقَالَ أَيْضاً: «وَالْبَلَاغَةُ: بُلُوْغُ الْمُتَكَلِّمِ فِي إِرَادَةِ الْمَقْصُوْدِ الْغَايَةَ؛ بِحُسْنِ اللَّفْظِ، وَتَوْفِيَتِهِ الْمَعْنَى، وَالِاحْتِرَازِ مِنَ الْخَطَأِ: ١ - فِي التَّرْكِيْبِ وَهُوَ: الْمَعَانِيْ. ٢ - وَفِيْ طُرُقِ الدَّلَالَةِ وَهُوَ: الْبَيَانُ. ٣ - وَفِيْ وُجُوْهِ التَّحْسِيْنِ وَهُوَ: الْبَدِيْعُ. وَهِيَ تَحْصُلُ لِمَنِ اسْتَكْمَلَ الثَّلَاثَةَ، وَهِيَ تَعُمُّ اللَّفْظَ وَالْمَعْنَى» اِنْتَهَى.

стр. 116

قَالَ فِي الْإِيْضَاحِ (١): «لِلنَّاسِ فِيْ تَفْسِيْرِ الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ أَقْوَالٌ مُخْتَلِفَةٌ، لَمْ أَجِدْ - فِيْمَا بَلَغَنِيْ مِنْهَا - مَا يَصْلُحُ لِتَعْرِيْفِهِمَا (٢)، [وَلَا مَا يُشِيْرُ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ كَوْنِ الْمَوْصُوْفِ بِهِمَا الْكَلَامَ وَكَوْنِ الْمَوْصُوْفِ بِهِمَا الْمُتَكَلِّمَ]. فَالْأَوْلَى أَنْ نَقْتَصِرَ عَلَى تَلْخِيْصِ الْقَوْلِ فِيْهِمَا بِالِاعْتِبَارَيْنِ، فَنَقُوْلَ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقَعُ صِفَةً لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْكَلَامُ؛ كَمَا فِيْ قَوْلِكَ: قَصِيْدَةٌ فَصِيْحَةٌ أَوْ بَلِيْغَةٌ، وَرِسَالَةٌ فَصِيْحَةٌ أَوْ بَلِيْغَةٌ. وَالثَّانِي: الْمُتَكَلِّمُ؛ كَمَا فِيْ قَوْلِكَ: شَاعِرٌ فَصِيْحٌ أَوْ بَلِيْغٌ، وَكَاتِبٌ فَصِيْحٌ أَوْ بَلِيْغٌ. وَالفَصَاحَةُ - خَاصَّةً - تَقَعُ صِفَةً لِلْمُفْرَدِ فَيُقَالُ: كَلِمَةٌ فَصِيْحَةٌ، وَلَا يُقَالُ: كَلِمَةٌ بَلِيْغَةُ» اِنْتَهَى. وَاعْلَمْ أَنَّ فَصَاحَةَ الْمُفْرَدِ اصْطِلَاحاً فِيْ سَلَامَتِهْ: مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ. مِنْ نَفْرَةٍ فِيْهِ وَمِنْ غَرَابَتِهْ، وَكَوْنِهِ مُخَالِفَ الْقِيَاسِ: اللُّغَوِيِّ. فَمَتَى وُجِدَ فِي الْكَلِمَةِ [شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لَا تَكُوْنُ فَصِيْحَةً.

стр. 117

· فَالتَّنَافُرُ: وَصْفٌ فِي الْكَلِمَةِ] (١) يُوجِبُ ثِقَلَهَا عَلَى اللِّسَانِ وَعُسْرَ النُّطْقِ بِهَا، فَمِنْهُ: ١ - مَا يُوْجِبُ التَّنَاهِيَ فِيْهِ؛ نَحْوُ: (الْهُعْخُعِ) (٢) فِيْ قَوْلِ أَعْرَابِيٍّ - سُئِلَ عَنْ نَاقَتِهِ -: (تَرَكْتُهَا تَرْعَى الْهُعْخُعَ) (٣). ٢ - ومِنْهُ مَا هُوَ دُوْنَ ذَلِكَ؛ نَحْوُ: (مُسْتَشْزِرَاتٌ) فِيْ قَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ (٤): [الطّويل] غَدَائِرُهُ مُسْتَشْزِرَاتٌ إِلَى الْعُلَا ... [تَضِلُّ العِقاصُ في مُثَنًّى ومُرسَلِ] (٥) - (٦)

стр. 118

أَيْ: مُرْتَفِعَاتٌ. «وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ (١): أَنَّ مَنْشَأَ الثِّقَلِ فِيْ «مُسْتَشْزِرَاتٌ» هُوَ تَوَسُّطُ الشِّيْنِ الْمُعْجَمَةِ الَّتِيْ هِيَ مِنَ الْمَهْمُوْسَةِ الرِّخْوَةِ بَيْنَ التَّاءِ الَّتِيْ هِيَ مِنَ الْمَهْمُوْسَةِ وَالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ الَّتِيْ هِيَ مِنَ الْمَجْهُوْرَةِ، وَلَوْ قَالَ: «مُسْتَشْرِفٌ» لَزَالَ ذَلِكَ الثِّقَلُ» (٢). «وَهُوَ سَهْوٌ؛ لِأَنَّ الرَّاءَ الْمُهْمَلَةَ أَيْضاً مِنَ الْمَجْهُوْرَةِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُوْنَ «مُسْتَشْرِفٌ» أَيْضاً مُتَنَافِراً. بَلْ مَنْشَأُ الثِّقَلِ: هُوَ اجْتِمَاعُ هَذِهِ الْحُرُوْفِ الْمَخْصُوْصَةِ» (٣). قَالَ ابْنُ الْأَثِيْرِ (٤): «لَيْسَ التَّنَافُرُ بِسَبَبِ بُعْدِ الْمَخَارِجِ - وإِنَّ الِانْتِقَالَ مِنْ أَحَدِهِمَا إِلَى الْآخَرِ كَالطَّفْرَةِ، وَلَا بِسَبَبِ قُرْبِهَا، وَإِنَّ الِانْتِقَالَ مِنْ أَحَدِهِمَا إِلَى الْآخَرِ كَالْمَشْيِ فِي الْقَيْدِ - لِمَا نَجِدُ غَيْرَ مُتَنَافِرٍ مِنَ الْقَرِيْبَةِ الْمُخْرَجِ كَـ (الْجَيْشِ، وَالشَّجِيِّ)، وَفِي التّنْزِيْلِ: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ﴾ [يس: ٦٠]. وَمِنَ الْبَعِيْدَةِ مَا هُوَ بِخِلَافِهِ كَـ (مَلَعَ) بِخِلَافِ (عَلِمَ)، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِسَبَبِ أَنَّ الْإِخْرَاجَ مِنَ الْحَلْقِ إِلَى الشَّفَةِ أيْسَرُ مِنْ إِدْخَالِهِ منَ الشَّفَةِ إِلَى الْحَلْقِ؛ لِمَا نَجِدُ مِنْ حُسْنِ (غَلَبَ وبَلَغَ) وَ (حَلُمَ ومَلُحَ). بَلْ هَذَا أَمْرٌ ذَوْقِيٌّ، فَكُلُّ مَا عَدَّهُ الذَّوْقُ الصَّحِيْحُ ثَقِيْلاً مُتَعَسِّرَ النُّطْقِ فَهُوَ مُتَنَافِرٌ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ قُرْبِ الْمَخَارِجِ، أَوْ بُعْدِهَا، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ». (٥)

стр. 119

· وَالْغَرَابَةُ: كَوْنُ الْكَلِمَةِ وَحْشِيَّةً غَيْرَ ظَاهِرَةِ الْمَعْنَى، وَلَا مَأْنُوْسَةِ الِاسْتِعْمَالِ (١). فَمِنْهُ: ١ - مَا يُحْتَاجُ فِيْ مَعْرِفَتِهِ إِلَى أَنْ يُبْحَثَ عَنْهُ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ الْمَبْسُوطَةِ (٢)؛ كَمَا رُوِيَ عَنْ عِيْسَى بْنِ عُمَرَ النَّحْوِيِّ (٣): بِأَنَّهُ سَقَطَ عَنْ حِمَارٍ، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ، فَقَالَ: «مَا لَكُمْ تَكَأْكَأْتُمْ عَلَيَّ كَتَكَأْكُئِكُمْ عَلَى ذِيْ جِنَّةٍ؟ اِفْرَنْقِعُوْا عَنِّيْ! ». أَيْ: [مَا لَكُمُ] (٤) اجْتَمَعْتُمْ؟ تَنَحَّوْا عَنِّي. (٥) أَوْ يُخَرَّجَ لَهُ وَجْهٌ بَعِيْدٌ؛ كَمَا فِيْ قَوْلِ الْعَجَّاجِ (٦): [الرّجز] . . . . . . . . . . ... وَفَاحِماً وَمَرْسِناً مُسَرَّجَا (٧)

стр. 120

فَإِنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ مَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ: (مُسَرَّجَا)، حَتَّى اخْتُلِفَ فِيْ تَخْرِيْجِهِ (١)؛ فَقِيْلَ: - هُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ لِلسُّيُوْفِ: (سُرَيْجِيَّةٌ) مَنْسُوْبَةً إِلَى قَيْنٍ يُقَالُ لَهُ: (سُرَيْجٌ)، يُرِيْدُ: أَنَّهُ (٢) فِي الِاسْتِوَاءِ وَالدِّقَّةِ كَالسَّيْفِ السُّرَيْجِيِّ (٣). - وَقِيْلَ: إِنَّهُ مِنَ السِّرَاجِ؛ يُرِيْدُ: أَنَّهُ فِي الْبَرِيْقِ كَالسِّرَاجِ (٤)، وَهَذَا يَقْرُبُ مِنْ قَوْلِهِمْ: (سَرِجَ وَجْهُهُ) - بِكَسْرِ الرَّاءِ - أَيْ: حَسُنَ، وَسَرَّجَ اللهُ وَجْهَهُ: بَهَّجَهُ وَحَسَّنَهُ (٥). وَالشَّارِحُ قَصَرَهُ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ (٦)، وَهُوَ عُجْبٌ مِنْهُ.

стр. 121

٦ - وَكَوْنِهِ مُخَالِفَ الْقِيَاسِ ... ثُمَّ الْفَصِيْحُ مِنْ كَلَامِ النَّاس · وَمُخَالَفَةُ الْقِيَاسِ (١): أَنْ تَكُوْنَ الْكَلِمَةُ عَلَى خِلَافِ الْقَانُوْنِ الْمُسْتَنْبَطِ مِنْ تَتَبُّعِ لُغَةِ الْعَرَبِ - أَعْنِيْ: مُفْرَدَاتِ أَلْفَاظِهِمِ الْمَوْضُوْعَةَ وَمَا هُوَ فِيْ حُكْمِهَا - كَوُجُوْبِ الْإِعْلَالِ فِيْ نَحْوِ: (قَامَ)، وَالْإِدْغَامِ فِيْ نَحْوِ: (مَدَّ)، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ عِلْمُ التَّصْرِيْفِ. وَأَمَّا نَحْوُ: (أَبَى يَأْبَى (٢) - وَعَوِرَ - وَاسْتَحْوَذَ- وَقَطِطَ شَعْرُهُ - وَآلٍ - وَمَاءٍ) (٣) وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الشَّوَاذِّ الثَّابِتَةِ فِي اللُّغَةِ فَلَيْسَتْ مِنَ

стр. 122

الْمُخَالَفَةِ فِيْ شَيْءٍ؛ لِأَنَّهَا كَذَلِكَ ثَبَتَتْ عَنِ الْوَاضِعِ، فَهِيَ فِيْ حُكْمِ الْمُسْتَثْنَاةِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: الْقِيَاسُ كَذَا، إِلَّا فِيْ هَذِهِ الصُّوَرِ. بَلِ الْمُخَالَفَةُ: (مَا لَا يَكُوْنُ عَلَى وَفْقِ مَا ثَبَتَ عَنِ الْوَاضِعِ)؛ نَحْوُ: (الْأَجْلَلِ) - بِفَكِّ الْإِدْغَامِ - فِيْ قَوْلِهِ: [الرّجز] الْحَمْدُ لِلهِ الْعَلِيِّ الْأَجْلَلِ ... . . . . . . . . . . . . . (١) [وَالْقِيَاسُ: الْأَجَلِّ] (٢). قَالَ فِي الْإِيْضَاحِ: (٣) «ثُمَّ عَلَامَةُ كَوْنِ الْكَلِمَةِ فَصِيْحَةً: أَنْ يَكُوْنَ اسْتِعْمَالُ الْعَرَبِ الْمَوْثُوْقِ بِعَرَبِيَّتِهِم لَهَا كَثِيْراً، أَوْ أَكْثَرَ مِنِ اسْتِعْمَالِهِمْ مَا بِمَعْنَاهَا» اِنْتَهَى. (٤)

стр. 123

ثُمَّ الْفَصِيْحُ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ: مَعَ اشْتِمَالِهِ عَلَى فَصَاحَةِ كَلِمَاتِهِ؛ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَزْوِيْنِيُّ حَيْثُ قَالَ: «وَفْي الْكَلَامِ: خُلُوْصُهُ مِنْ ضَعْفِ التَّأْلِيْفِ، وَتَنَافُرِ الْكَلِمَاتِ، وَالتَّعْقِيْدِ، مَعَ فَصَاحَتِهَا». (١) أَيْ: مَعَ فَصَاحَةِ كَلِمَاتِهِ؛ فَهُوَ (٢) حَالٌ مِنَ الْهَاءِ فِيْ (خُلُوْصِهِ)، كَمَا قَرَّرَهُ التَّفْتَازَانِيُّ فِيْ شَرْحَيْهِ (٣). * * * ٧ - مَا كَانَ مِنْ تَنَافُرٍ سَلِيْمَا ... وَلَمْ يَكُنْ تَأْلِيْفُهُ سَقِيْمَا مَا كَانَ مِنْ [تَنَافُرٍ] (٤) سَلِيْمَا: - والتَّنَافُرُ: أَنْ تَكُوْنَ الْكَلِمَاتُ ثَقِيْلَةً عَلَى اللِّسَانِ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهَا فَصِيْحَةً بِانْفِرَادِهَا: ١ - وَمِنْهُ مَا هُوَ مُتَنَاهٍ فِي الثِّقَلِ؛ كَقَوْلِهِ: [الرّجز] وَقَبْرُ حَرْبٍ بِمَكَانٍ قَفْرِ ... وَلَيْسَ قُرْبَ قَبْرِ حَرْبٍ قَبْرُ (٥)

стр. 124

وَالشَّاهِدُ فِي الشَّطْرِ الثَّانِي. ذُكِرَ فِيْ عَجَائِبِ الْمَخْلُوْقَاتِ (١): «أَنَّ نَوْعاً مِنَ الْجِنِّ يُقَالُ لَهُ: الْهَاتِفُ، صَاحَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَلَى حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ (٢)، فَمَاتَ، فَقَالَ ذَلِكَ الْجِنِّيُّ هَذَا الْبَيْتَ». ٢ - وَمِنْهُ مَا هُوَ دُوْنَ ذَلِكَ؛ كَمَا فِيْ قَوْلِ أَبِيْ تَمَّامٍ (٣): [الطّويل] كَرِيْمٌ مَتَى أَمْدَحْهُ أَمْدَحْهُ وَالْوَرَى ... مَعِيْ، وَإِذَا مَا لُمْتُهُ لُمْتُهُ وَحْدِيْ (٤) وَالشَّاهِدُ فِي الْمِصْرَاعِ الأَوَّلِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْشَأَ الثِّقَلِ: فِي الْأَوَّلِ: نَفْسُ اجْتِمَاعِ الْكَلِمَاتِ. وَفِي الثَّانِي: تَكْرِيْرُ حُرُوْفٍ مِنْهَا؛ وَهُوَ فِي تَكْرِيْرِ (أَمْدَحْهُ) دُوْنَ مُجَرَّدِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَاءِ وَالْهَاءِ؛ لِوُقُوْعِهِ فِي التَّنْزِيْلِ؛ مِثْلُ: ﴿فَسَبِّحْهُ﴾ [ق: ٤٠] فَتَأَمَّلْ. وَلَمْ يَكُنْ تَأْلِيْفُهُ سَقِيْمَا: أَيْ: ضَعِيْفاً. · وَالضَّعْفُ: أَنْ يَكُوْنَ الْكَلَامُ عَلَى خِلَافِ الْقَانُوْنِ النَّحْوِيِّ الْمَشْهُوْرِ

стр. 125

بَيْنَ الْجُمْهُوْرِ (١). كَالْإِضْمَارِ قَبْلَ الذِّكْرِ لَفْظاً وَمَعْنًى؛ نَحْوُ: (ضَرَبَ غُلَامُهُ زَيْداً)، فَإِنَّ رُجُوْعَ الضَّمِيْرِ إِلَى الْمَفْعُوْلِ الْمُتَأَخِّرِ لَفْظاً مُمْتَنِعٌ عِنْدَ الْجُمْهُوْرِ (٢)؛ لِئَلَّا يَلْزَمَ رُجُوْعُهُ إِلَى مَا هُوَ مُتَأَخِّرٌ لَفْظاً [وَرُتْبَةً]. (٣) وَأَمَّا نَحْوُ: [البسيط] جَزَى بَنُوهُ أَبَا الْغَيْلَانِ عَنْ كِبَرٍ ... وَحُسْنِ فِعْلٍ كَمَا جُوْزِيْ سِنِمَّارُ (٤) وَقَوْلِهِ: [الطّويل] أَلَا لَيْتَ شِعْرِيْ هَلْ يَلُوْمَنَّ قَوْمُهُ ... زُهَيْراً عَلَى مَا جَرَّ مِنْ كُلِّ جَانِبِ؟ (٥) فَشَاذٌّ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ، كَمَا ذَكَرَهُ التَّفْتَازَانِيُّ (٦)، ﵀. فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ أَجَازَ الْأَخْفَشُ (٧) وَابْنُ جِنِّيٍّ (٨) مِثْلَ هَذِهِ الصُّوْرَةِ؛ أَعْنِيْ: (ضَرَبَ غُلَامُهُ زَيْداً) (٩)، وَاسْتَشْهَدَا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: [الطّويل]

стр. 126

جَزَى رَبُّهُ عَنِّيْ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ ... جَزَاءَ الْكِلَابِ الْعَاوِيَاتِ، وَقَدْ فَعَلْ (١) وَقَوْلِهِ: [السّريع] لَمَّا عَصَى أَصْحَابُهُ مُصْعَباً ... . . . . . . . . . . . . . . (٢) قُلْتُ: «قَدْ أُجِيْبَ عَنْهُ بِأَنَّ الضَّمِيْرَ لِلْمَصْدَرِ الْمَدْلُوْلِ عَلَيْهِ بِالْفِعْلِ؛ وَالتَّقْدِيْرُ: فِي الْأَوَّلِ: (رَبُّ الْجَزَاءِ)، وَفِي الثَّانِي: (أَصْحَابُ الْعِصْيَانِ)؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] أَيِ: الْعَدْلُ». هَكَذَا ذَكَرَهُ التَّفْتَازَانِيُّ (٣). * * * ٨ - وَهْوَ مِنَ التَّعْقِيْدِ أَيْضاً خَالِيْ ... وَإِنْ يَكُنْ مُطَابِقاً لِلْحَال وَهْوَ مِنَ التَّعْقِيْدِ أَيْضاً خَالِيْ: · وَالتَّعْقِيْدُ: كَوْنُ الْكَلَامِ مُعَقَّداً، وَهُوَ ضَرْبَانِ:

стр. 127

١ - تَعْقِيْدٌ لَفْظِيٌّ: وَهُوَ الْوَاقِعُ فِي النَّظْمِ؛ بِسَبَبِ تَقْدِيْمٍ أَوْ تَأْخِيْرٍ أَوْ حَذْفٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُوْجِبُ صُعُوْبَةَ فَهْمِ الْمُرَادِ؛ كَقَوْلِ الْفَرَزْدَقِ (١) فِي خَالِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ (٢)؛ وَهُوَ إِبْرَاهِيْمُ بْنُ هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيْلَ الْمَخْزُوْمِيُّ (٣): [الطّويل] وَمَا مِثْلُهُ فِي النَّاسِ إِلَّا مُمَلَّكاً ... أُبُوْ أُمِّهِ حَيٌّ أَبُوْهُ يُقَارِبُهْ (٤) أَيْ: لَيْسَ مِثْلَهُ فِي النَّاسِ (حَيٌّ يُقَارِبُهُ) أَيْ: أَحَدٌ يُشْبِهُهُ فِي الْفَضَائِلِ (إِلَّا مُمَلَّكاً) أُعْطِيَ الْمَالَ وَالْمُلْكَ - أَعْنِيْ هِشَاماً - (أَبُوْ أُمِّهِ) أَيْ: أُمِّ ذَلِكَ الْمُمَلَّكِ، (أَبُوْهُ) أَيْ: أَبُوْ إِبْرَاهِيْمَ الْمَمْدُوْحِ، وَالْجُمْلَةُ صِفَةُ [مُمَلَّكاً]. أَيْ: (لَا يُمَاثِلُهُ أَحَدٌ إِلَّا ابْنُ أُخْتِهِ الَّذِيْ هُوَ هِشَامٌ). فَفِيْهِ: أ-فَصْلٌ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ (٥): أَعْنِيْ: (أَبُوْ أُمِّهِ أَبُوْهُ) بِالْأَجْنَبِيِّ

стр. 128

الَّذِيْ هُوَ (حَيٌّ)، وَبَيْنَ الْمَوْصُوْفِ وَالصِّفَةِ؛ أَعْنِيْ (حَيٌّ يُقَارِبُهْ) بِالْأَجْنَبِيِّ الَّذِيْ هُوَ (أَبُوْهُ). ب وَتَقْدِيْمُ الْمُسْتَثْنَى - أَعْنِيْ (مُمَلَّكاً) - عَلَى الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ: أَعْنِيْ (حَيٌّ)، وَلِهَذَا نَصَبَهُ، وَإِلَّا فَالْمُخْتَارُ الْبَدَلُ (١)، فَهَذَا التَّقْدِيْمُ سَائِغُ الِاسْتِعْمَالِ، لَكِنَّهُ أَوْجَبَ زِيَادَةً فِي التَّعْقِيْدِ. ٢ - وَتَعْقِيْدٌ مَعْنَوِيٌّ: وَهُوَ الْوَاقِعُ فِي الِانْتِقَالِ؛ أَيْ: لَا يَكُوْنُ ظَاهِرَ الدَّلَالَةِ/ عَلَى الْمُرَادِ؛ لِخَلَلٍ فِي انْتِقَالِ الذِّهْنِ مِنَ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ الْمَفْهُوْمِ بِحَسَبِ اللُّغَةِ إِلَى الثَّانِي الْمَقْصُوْدِ؛ وَذَلِكَ بِسَبَبِ إِيْرَادِ اللَّوَازِمِ الْبَعِيْدَةِ الْمُفْتَقِرَةِ إِلَى الْوَسَائِطِ الْكَثِيْرَةِ، مَعَ خَفَاءِ الْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَقْصُوْدِ؛ كَقَوْلِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْأَحْنَفِ (٢): [الطّويل] سَأَطْلُبُ بُعْدَ الدَّارِ عَنْكُمْ لِتَقْرُبُوا ... وَتَسْكُبُ عَيْنَايَ الدُّمُوْعَ لِتَجْمُدَا (٣) فَجَعَلَ سَكْبَ الدُّمُوْعِ - وَهُوَ الْبُكَاءُ - كِنَايَةً عَمَّا يَلْزَمُ فِرَاقَ الْأَحِبَّةِ مِنَ الْكَآبَةِ وَالْحُزْنِ، وَأَصَابَ؛ لِأَنَّهُ كَثِيْراً مَّا يُجْعَلُ دَلِيْلاً عَلَيْهِ؛ يُقَالُ: أَبْكَانِيْ وَأَضْحَكَنِيْ؛ أَيْ: سَاءَنِيْ وَسَرَّنِيْ. وَلَكِنَّهُ أَخْطَأَ فِي الْكِنَايَةِ عَمَّا يُوْجِبُهُ دَوَامُ التَّلَاقِي وَالْوِصَالِ مِنَ الْفَرَحِ

стр. 129

وَالسُّرُوْرِ = بِجُمُوْدِ الْعَيْنِ؛ فَإِنَّ الِانْتِقَالَ مِنْ جُمُوْدِ الْعَيْنِ إِنَّمَا يَكُوْنُ إِلَى بُخْلِهَا بِالدُّمُوْعِ حَالَ إِرَادَةِ الْبُكَاءِ- وَهِيَ حَالَةُ الْحُزْنِ عَلَى مُفَارَقَةِ الْأَحِبَّةِ - لَا إِلَى مَا قَصَدَهُ الشَّاعِرُ مِنَ السُّرُوْرِ الْحَاصِلِ بِمُلَاقَاةِ الْأَصْدِقَاءِ وَمُوَاصَلَةِ الْأَحِبَّةِ. قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ (١): «وَمَعْنَى الْبَيْتِ: إِنِّيَ الْيَوْمَ أَطِيْبُ نَفْساً بِالْبُعْدِ وَالْفِرَاقِ، وَأُوَطِّنُهَا عَلَى مُقَاسَاةِ الْأَحْزَانِ وَالْأَشْوَاقِ، وَأَتَجَرَّعُ غُصَصَهَا، وَأَحْتَمِلُ لِأَجْلِهَا حُزْناً يُفِيْضُ الدُّمُوْعَ مِنْ عَيْنَيَّ؛ لِأَتَسَبَّبَ بِذَلِكَ إِلَى وَصْلٍ يَدُوْمُ، وَمَسَرَّةٍ لَا تَزُوْلُ، فَإِنَّ الصَّبْرَ مِفْتَاحُ الْفَرَجِ» اِنْتَهَى. فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ تَرَكَ النَّاظِمُ فِيْ فَصَاحَةِ الْكَلَامِ قَيْدَ فَصَاحَةِ الْكَلِمَاتِ، مَعَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ؟ قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ إِنَّمَا تَرَكَهُ؛ اعْتِمَاداً عَلَى مَا هُوَ الْمُقَرَّرُ عِنْدَ عُلَمَاءِ هَذَا الفَنِّ، مِنْ أَنَّ فَصَاحَةَ الْمُفْرَدِ قَيْدٌ فِيْ فَصَاحَةِ الْكَلَامِ؛ كَمَا بَيَّنَّاهُ آنِفاً. وَاللهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِيْ تَعْرِيْفُ فَصَاحَةِ الْمُتَكَلِّمِ. وَقَوْلُ الشَّارِحِ: «ولَمَّا فَرَغَ مِنْ تَعْرِيْفِ الْفَصَاحَةِ شَرَعَ فِيْ تَعْرِيْفَ الْبَلَاغَةِ» (٢) فِيْهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ فَصَاحَةَ الْمُتَكَلِّمِ سَتَأْتِيْ فِيْ قَوْلِهِ: «وَبِالْفَصِيْحِ مَنْ يُعَبِّر نَصِفُهْ». قَالَ: وَإِنْ يَكُنْ: أَيِ الْكَلَامُ الْفَصِيْحُ مُطَابِقاً لِلْحَالِ: أَيْ: مُطَابِقاً لِمُقْتَضَى الْحَالِ. وَالْمُرَادُ بِالْحَالِ: الْأَمْرُ الدَّاعِيْ إِلَى التَّكَلُّمِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوْصٍ،

стр. 130

أَيْ: إِلَى أَنْ يُعْتَبَرَ مَعَ الكَلَامِ خُصُوْصِيَّةٌ مَّا، فَهُوَ مُقْتَضَى الْحَالِ. مَثَلاً: كَوْنُ الْمُخَاطَبِ مُنْكِراً لِلْحُكْمِ حَالٌ تَقْتَضِي تَأْكِيْدَهُ، وَالتَّأْكِيْدُ مُقْتَضَاهَا. وَمَعْنَى مُطَابَقَتِهِ لَهُ: أَنَّ الْحَالَ إِنِ اقْتَضَى التَّأْكِيْدَ كَانَ الْكَلَامُ مُؤَكَّداً، وَإِنِ اقْتَضَى الْإِطْلَاقَ كَانَ عَارِياً عَنِ التَّأْكِيْدِ، وَهَكَذَا إِنِ اقْتَضَى حَذْفَ المُسْنَدِ إِلَيْهِ حُذِفَ، وَإِنِ اقْتَضَى ذِكْرَه ذُكِرَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّفَاصِيْلِ الْمُشْتَمِلِ عَلَيْهَا عِلْمُ الْمَعَانِيْ. * * * ٩ - فَهْوَ الْبَلِيْغُ وَالَّذِيْ يُؤَلِّفُهْ ... وَبِالْفَصِيْحِ مَنْ يُعَبِّر نَصِفُهْ فَهْوَ: أَيِ الْكَلَامُ الْفَصِيْحُ الْمُطَابِقُ لِمُقْتَضَى الْحَالِ هُوَ الْبَلِيْغُ: أَيِ الْكَلَامُ الْمُتَّصِفُ بِالْبَلَاغَةِ وَالَّذِيْ يُؤَلِّفُهْ: أَيِ الَّذِيْ يُؤَلِّفُ الْكَلَامَ الْبَلِيْغَ بَلِيْغٌ. فَالْبَلَاغَةُ فِي الْمُتَكَلِّمِ: مَلَكَةٌ يُقْتَدَرُ بِهَا عَلَى تَأْلِيْفِ كَلَامٍ بَلِيْغٍ. ثُمَّ أَشَارَ إِلَى فَصَاحَةِ الْمُتَكَلِّمِ بِقَوْلِهِ: وَبِالْفَصِيْحِ: مُتَعَلِّقٌ بِـ (يُعَبِّر) مِنْ قَوْلِهِ: مَنْ يُعَبِّر: أَيِ الَّذِيْ يُعَبِّرُ عَنْ مَقْصُوْدِهِ بِلَفْظٍ فَصِيْحٍ نَصِفُهْ: بِالْفَصِيْحِ. فَحُذِفَ مَعْمُوْلُ الثَّانِيْ؛ لِدَلَالَةِ الْأَوَّلِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ مِنَ التَّنَازُعِ فِيْ شَيْءٍ (١)؛ لِأَنَّ شَرْطَ التَّنَازُعِ أَنْ يَكُوْنَ الْمُتَنَازَعُ فِيْهِ بَعْدَ

стр. 131

الْعَامِلِ (١). فَالْفَصَاحَةُ فِي الْمُتَكَلِّمِ: مَلَكَةٌ يُقْتَدَرُ بِهَا عَلَى التَّعْبِيْرِ عَنِ الْمَقْصُوْدِ بِلَفْظٍ فَصِيْحٍ. وَقَوْلُ الشَّارِحِ (٢): «وَفِيْ قَوْلِهِ - أَيِ النَّاظِمِ -: (يُعَبِّر) إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى فَصِيْحاً إِلَّا حَالَةَ النُّطْقِ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ يُسَمَّى بِهِ كُلُّ مَنْ لَهُ مَلَكَةُ الِاقْتِدَارِ». لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّا نَقُوْلُ: إِنَّ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ: «يُعَبِّر» التَّعْبِيْرُ بِالْقُوَّةِ أَوِ الفِعْلِ، فَسَقَطَ الِاعْتِرَاضُ، فَتَأَمَّلْ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَاعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ قَدِ اخْتَلَفُوْا فِي انْحِصَارِ الْخَبَرِ فِي الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ: فَذَهَبَ الْجُمْهُوْرُ إِلَى أَنَّهُ مُنْحَصِرٌ فِيْهِمَا، ثُمَّ اخْتَلَفُوْا؛ فَقَالَ الْأَكْثَرُ مِنْهُمْ: صِدْقُهُ مُطَابَقَةُ حُكْمِهِ لِلْوَاقِعِ، وَكَذِبُهُ عَدَمُ مُطَابَقَةِ حُكْمِهِ لَهُ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُوْرُ، وَعَلَيْهِ التَّعْوِيْلُ (٣)؛ فَلِذَلِكَ قَالَ النَّاظِمُ: * * * ١٠ - وَالصِّدْقُ أنْ يُطَابِقَ الْوَاقِعَ مَا ... يَقُوْلُهُ، وَالْكِذْبُ أَنْ ذَا يَعْدَمَا وَالصِّدْقُ: أَيْ صِدْقُ الْخَبَرِ

стр. 132

أنْ يُطَابِقَ الْوَاقِعَ: أَيِ الْخَارِجَ الَّذِيْ يَكُوْنُ لِنِسْبَةِ الْكَلَامِ الْخَبَرِيِّ. وَ (الْوَاقِعَ) مَفْعُوْلُ (يُطَابِقَ) مُقَدَّمٌ، وَفَاعِلُهُ مَا: وَهُوَ اسْمٌ مَوْصُوْلٌ، أَيْ: حُكْمُهُ. وَتَقْدِيْرُ النَّظْمِ: «صِدْقُ الْخَبَرِ أَنْ يُطَابِقَ حُكْمُ مَا» يَقُوْلُهُ: الْمُخْبِرُ الْوَاقِعَ. وَهَذَا لَا يُسْتَفَادُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ؛ لِأَنَّهُ فَسَّرَ «مَا» بِالْكَلَامِ (١)، مَعَ أَنَّ الْمُطَابِقَ إِنَّمَا هُوَ الْحُكْمُ الْمُسْتَفَادُ مِنَ الْكَلَامِ الْخَبَرِيِّ، لَا نَفْسُ الكَلَامِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: أَطْلَقَ أَحَدَ الْمُتَلَازِمَيْنِ وَأَرَادَ الْآخَرَ، فَتَأَمَّلْ. وَالْكِذْبُ: أَيْ كَذِبُ الْخَبَرِ. أَنْ ذَا: أَيْ مُطَابَقَةُ حُكْمِهِ لِلْوَاقِعِ يَعْدَمَا: فَكَوْنُ الْخَبَرِ كَاذِباً عَدَمُ مُطَابَقَةِ حُكْمِهِ لِلْوَاقِعِ. قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ (٢)، بَعْدَ تَعْرِيْفِ صِدْقِ الْخَبَرِ وَكَذِبِهِ بِمَا تَقَدَّمَ: «يَعْنِيْ أَنَّ الشَّيْئَيْنِ اللَّذَيْنِ أُوْقِعَ بَيْنَهُمَا نِسْبَةٌ فِي الْخَبَرِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُوْنَ بَيْنَهُمَا نِسْبَةٌ فِي الْوَاقِعِ، أَيْ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا فِي الذِّهْنِ، وَعَمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ. فَمُطَابَقَةُ تِلْكَ النِّسْبَةِ الْمَفْهُوْمَةِ مِنَ الْكَلَامِ لِلنِّسْبَةِ الَّتِيْ فِي الْخَارِجِ: بِأَنْ يَكُوْنَا ثُبُوْتِيَّتَيْنِ أَوْ سَلْبِيَّتَيْنِ صِدْقٌ. وَعَدَمُهَا: بِأَنْ تَكُوْنَ إِحْدَاهُمَا ثُبُوْتِيَّةً، وَالْأُخْرَى سَلْبِيَّةً، كَذِبٌ» اِنْتَهَى.

стр. 133

(علم المعاني) ١١ - وَعَرَبِيُّ اللَّفْظِ ذُوْ أَحْوَالِ ... يَأْتِيْ بِهَا مُطَابِقاً لِلْحَال وَعَرَبِيُّ اللَّفْظِ: مِنْ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوْفِ. أَيِ اللَّفْظُ الْعَرَبِيُّ الْمَوْصُوْفُ بِالْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ. ذُوْ أَحْوَالِ: أَيْ أُمُوْرٍ عَارِضَةٍ لَهُ مِنْ: تَقْدِيْمٍ، وَتَأْخِيْرٍ، وَحَذْفٍ، وَذِكْرٍ، وَتَعْرِيْفٍ، وَتَنْكِيْرٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. يَأْتِيْ: ذَلِكَ اللَّفْظُ. بِهَا: أَيْ بِتِلْكَ الْأَحْوَالِ. مُطَابِقاً لِلْحَالِ: أَيْ لِمُقْتَضَى الْحَالِ؛ احْتِرَازاً عَنِ الْأَحْوَالِ الَّتِي لَيْسَتْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ؛ كَالْإِعْلَالِ، وَالْإِدْغَامِ، وَالرَّفْعِ، وَالنَّصْبِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ فِيْ تَأْدِيَةِ أَصْلِ الْمَعْنَى، وَكَذَا الْمُحَسِّنَاتُ الْبَدِيْعِيَّةُ مِنَ التَّجْنِيْسِ، وَالتَّرْصِيْعِ، وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يَكُوْنُ بَعْدَ رِعَايَةِ الْمُطَابَقَةِ. * * * ١٢ - عِرْفَانُهَا عِلْمٌ هُوَ الْمَعَانِيْ ... مُنْحَصِرُ الْأَبْوَابِ فِيْ ثَمَان عِرْفَانُهَا: أَيْ مَعْرِفَةُ تِلْكَ الْأَحْوَالِ، أَيْ: إِدْرَاكُ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنْ جُزْئِيَّاتِ الْأَحْوَالِ الْمَذْكُوْرَةِ، بِمَعْنَى: أَيُّ فَرْدٍ يُوْجَدُ مِنْهَا أَمْكَنَنَا أَنْ نَعْرِفَهُ بِذَلِكَ الْعِلْمِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: عِلْمٌ: أَيْ مَلَكَةٌ يُقْتَدَرُ بِهَا عَلَى إِدْرَاكَاتٍ جُزْئِيَّةٍ، لَا أَنَّهَا تَحْصُلُ جُمْلَةً وَاحِدَةً بِالْفِعْلِ هُوَ: عِلْمُ الْمَعَانِيْ: فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ عِلْمَ الْمَعَانِيْ: عِلْمٌ تُعْرَفُ مِنْهُ أَحْوَالُ اللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ الَّتِيْ بِهَا يُطَابِقُ مُقْتَضَى الْحَالِ.

стр. 134

وَيَجُوْزُ أَنْ يُرَادَ بِالْعِلْمِ نَفْسُ الْأُصُوْلِ وَالْقَوَاعِدِ؛ لِأَنَّهُ كَثِيْراً مَّا يُطْلَقُ عَلَيْهَا، وَيَجُوْزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْإِدْرَاكُ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ السَّيِّدُ (١) فِي حَاشِيَةِ الْمُطَوَّلِ (٢). قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ فِي الْمُطَوَّلِ (٣): «وَمَعْنَى مُطَابَقَةِ الْكَلَامِ لِمُقْتَضَى الْحَالِ: أَنَّ الْكَلَامَ الَّذِيْ يُوْرِدُهُ الْمُتَكَلِّمُ يَكُوْنُ مِنْ جُزْئِيَّاتِ ذَلِكَ الْكَلَامِ، وَيَصْدُقُ هُوَ عَلَيْهِ صِدْقَ الْكُلِّيِّ عَلَى الْجُزْئِيِّ. مَثَلاً: يَصْدُقُ عَلَى (إِنَّ زَيْداً قَائِمٌ) أَنَّهُ كَلَامٌ مُؤَكَّدٌ، وَعَلَى (زَيْدٌ قَائِمٌ) أَنَّهُ كَلَامٌ ذُكِرَ فِيْهِ الْمُسْنَدُ إِلَيْهِ، وَعَلَى قَوْلِنَا: [الهِلَالُ وَاللهِ] أَنَّهُ كَلَامٌ حُذِفَ فِيْهِ الْمُسنَدُ إِلَيْهِ (٤). وَظَاهِرٌ أَنَّ تِلْكَ الْأَحْوَالَ هِيَ الَّتِيْ بِهَا يَتَحَقَّقُ مُطَابَقَةُ هَذَا الْكَلَامِ لِمَا هُوَ مُقْتَضَى الْحَالِ فِي التَّحْقِيْقِ، فَافْهَمْ» اِنْتَهَى. وَإِنَّمَا قَدَّمَ النَّاظِمُ وَغَيْرُهُ عِلْمَ الْمَعَانِيْ عَلَى الْبَيَانِ؛ لِكَوْنِهِ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُفْرَدِ مِنَ الْمُرَكَّبِ؛ لِأَنَّ الْبَيَانَ: عِلْمٌ يُعْرَفُ بِهِ إِيْرَادُ الْمَعْنَى الْوَاحِدِ فِيْ تَرَاكِيْبَ مُخْتَلِفَةٍ بَعْدَ رِعَايَةِ الْمُطَابَقَةِ لِمُقْتَضَى الْحَالِ؛ فَفِيْهِ زِيَادَةُ اعْتِبَارٍ لَيْسَتْ فِيْ عِلْمِ الْمَعَانِيْ، وَالْمُفْرَدُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُرَكَّبِ طَبْعاً، فَقُدِّمَ وَضْعاً أَيْضاً. مُنْحَصِرُ الْأَبْوَابِ: مِنْ إِضَافَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ إِلَى فَاعِلِهِ

стр. 135

فِيْ ثَمَانِ: أَيْ فِيْ ثَمَانِيَةِ أَبْوَابٍ، انْحِصَارَ الْكُلِّ فِيْ أَجْزَائِهِ، لَا الْكُلِّيِّ فِيْ جُزْئِيَّاتِهِ؛ لِعَدَمِ صِدْقِ عِلْمِ الْمَعَانِيْ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْهَا. وَهِيَ: ١ - أَحْوَالُ الْإِسْنَادِ الْخَبَرِيِّ. ٢ - وَأَحْوَالُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ. ٣ - وَأَحْوَالُ الْمُسْنَدِ. ٤ - وَأَحْوَالُ مُتَعَلَّقَاتِ الْفِعْلِ. ٥ - وَالْقَصْرُ. ٦ - وَالْإِنْشَاءُ. ٧ - وَالْفَصْلُ وَالْوَصْلُ. ٨ - وَالْإِيْجَازُ وَالْإِطْنَابُ وَالْمُسَاوَاةُ. وَوَجْهُ الْحَصْرِ كَمَا قَالَ فِي الْمُطَوَّلِ (١): «فَالْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ: اللَّفْظُ إِمَّا جُمْلَةٌ أَوْ مُفْرَدٌ؛ فَأَحْوَالُ الْجُمْلَةِ هِيَ الْبَابُ الأوَّلُ. وَالْمُفْرَدُ إِمَّا عُمْدَةٌ أَوْ فَضْلَةٌ، وَالْعُمْدَةُ إِمَّا مُسْنَدٌ إِلَيْهِ أَوْ مُسْنَدٌ، فَجُعِلَ أَحْوَالُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ أَبْوَاباً ثَلَاثَةً؛ تَمْيِيْزاً بَيْنَ الْعُمْدَةِ وَالْفَضْلَةِ (الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ أَوِ الْمُسْنَدِ)، ثُمَّ لَمَّا كَانَ مِنْ هَذِهِ الْأَحْوَالِ مَا لَهُ مَزِيْدُ غُمُوْضٍ، وَكَثْرَةُ أَبْحَاثٍ، وَتَعَدُّدُ طُرُقٍ، وهو القَصْرُ، أُفْرِدَ بَاباً خَامِساً (٢). وَكَذَا مِنْ أَحْوَالِ الْجُمْلَةِ مَا لَهُ مَزِيْدُ/ شَرَفٍ، وَلَهُمْ بِهِ زِيَادَةُ اهْتِمَامٍ، وَهُوَ الفَصْلُ وَالْوَصْلُ (٣). وَلَمَّا كَانَ مِنَ

стр. 136

الْأَحْوَالِ مَا لَا يَخْتَصُّ مُفْرَداً وَلَا جُمْلَةً، بَلْ يَجْرِيْ فِيْهِمَا، وَكَانَ لَهُ شُيُوْعٌ وَتَفَارِيْعُ كَثِيْرَةٌ، جُعِلَ بَاباً سَابِعاً. وَهَذِهِ كُلُّهَا أَحْوَالٌ يَشْتَرِكُ فِيْهَا الْخَبَرُ وَالْإِنْشَاءُ. وَلَمَّا كَانَ هُنَا أَبْحَاثٌ رَاجِعَةٌ إِلَى الْإِنْشَاءِ خَاصَّةً جُعِلَ الْإِنْشَاءُ بَاباً ثَامِناً [مِنْهَا] (١)، فَانْحَصَرَ فِي ثَمَانِيَةِ أَبْوَابٍ» اِنْتَهَى. * * *

стр. 137

الباب الأول أَحْوَالُ الْإِسْنَادِ الْخَبَرِيِّ قَالَ فِي الْمُطَوَّلِ (١): «وَهُوَ [أَي: الِإسْنَادُ] ضَمُّ كَلِمَةٍ أَوْ مَا يَجْرِيْ مَجْرَاهَا إِلَى الْأُخْرَى، بِحَيْثُ يُفِيْدُ الْحُكْمُ بِأَنَّ مَفْهُوْمَ إِحْدَاهُمَا ثَابِتٌ لِمَفْهُوْمِ الْأُخْرَى، أَوْ مَنْفِيٌّ عَنْهُ. وَهَذَا أَوْلَى مِنْ تَعْرِيْفِهِ بِأَنَّهُ: الْحُكْمُ بِمَفْهُوْمٍ لِمَفْهُوْمٍ بِأَنَّهُ ثَابِتٌ لَهُ، أَوْ مَنْفِيٌّ عَنْهُ - كَمَا فِي الْمِفْتَاحِ (٢) - لِلْقَطْعِ بِأَنَّ الْمُسْنَدَ إِلَيْهِ وَالْمُسْنَدَ مِنْ أَوْصَافِ الْأَلْفَاظِ فِيْ عُرْفِهِمْ. وَإِنَّمَا ابْتَدَأَ بِأَبْحَاثِ الْخَبَرِ: لِأَنَّهُ أَعْظَمُ شَأْناً، وَأَعَمُّ فَائِدَةً؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِيْ يُتَصَوَّرُ بِالصُّوَرِ الْكَثِيْرَةِ، وَفِيْهِ يَقَعُ الصِّيَاغَاتُ الْعَجِيْبَةُ، وَبِهِ تَقَعُ - غَالِباً - الْمَزَايَا الَّتِيْ بِهَا التَّفَاضُلُ، وَلِكَوْنِهِ أَصْلاً فِي الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ الْإِنْشَاءَ إِنَّمَا يَحْصُلُ مِنْهُ بِـ: ١ - اشْتِقَاقٍ: كَالْأَمْرِ، وَالنَّهْيِ. ٢ - أَوْ نَقْلٍ: كَعَسَى، وَنِعْمَ، وَبِعْتُ، وَاشْتَرَيْتُ. ٣ - أَوْ زِيَادَةِ أَدَاةٍ: كَالِاسْتِفْهَامِ، وَالتَّمَنِّي، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.

стр. 138

ثُمَّ قَدَّمَ بَحْثَ أَحْوَالِ الْإِسْنَادِ عَلَى أَحْوَالِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ وَالْمُسْنَدِ - مَعَ أَنَّ النِّسْبَةَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنِ الطَّرَفَيْنِ - لِأَنَّ عِلْمَ الْمَعَانِيْ إِنَّمَا يُبْحَثُ فِيْهِ عَنْ أَحْوَالِ اللَّفْظِ الْمَوْصُوْفِ بِكَوْنِهِ مُسْنَداً إِلَيْهِ أَوْ مُسْنَداً، وَهَذَا الْوَصْفُ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْإِسْنَادِ؛ لِأَنَّهُ مَا لَمْ يُسْنَدْ * * * ١٣ - إِنْ قَصَدَ الْمُخْبِرُ نَفْسَ الْحُكْمِ ... فَسَمِّ ذَا فَائِدَةً، وَسَمّ ١٤ - إِنْ قَصَدَ الْإِعْلَامَ بِالْعِلْمِ بِهِ ... لَازِمَهَا، وَلِلْمَقَامِ انْتَبِه أَحَدُ اللَّفْظَيْنِ إِلَى الْآخَرِ لَمْ يَصِرْ أَحَدُهُمَا مُسْنَداً إِلَيْهِ وَالْآخَرُ مُسْنَداً. وَالْمُتَقَدِّمُ عَلَى النِّسْبَةِ إِنَّمَا هُوَ ذَاتُ الطَّرَفَيْنِ، وَلَا بَحْثَ لَنَا عَنْهَا» اِنْتَهَى. إِنْ قَصَدَ الْمُخْبِرُ: أَيْ مَنْ يَكُونُ بِصَدَدِ الْإِخْبَارِ وَالْإِعْلَامِ، لَا مَنْ يَتَلَفَّظُ بِالْجُمْلَةِ الْخَبَرِيَّةِ؛ فَإِنَّهُ كَثِيْراً مَّا تُوْرَدُ الْجُمْلَةُ الْخَبَرِيَّةُ لِأَغْرَاضٍ أُخَرَ سِوَى إِفَادَةِ الْحُكْمِ أَوْ لَازِمِهِ؛ كَأَنْ تُوْرَدَ الْجُمْلَةُ الْخَبَرِيَّةُ: ١ - لِإِظْهَارِ التَّحَسُّرِ عَلَى خَيْبَةِ الرَّجَاءِ وَعَكْسِ التَّقْدِيْرِ وَالتَّحَزُّنِ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنِ امْرَأَةِ عِمْرَانَ: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦]؛ إِظْهَاراً لِلتَّحَسُّرِ عَلَى خَيْبَةِ رَجَائِهَا وَعَكْسِ تَقْدِيْرِهَا، وَالتَّحَزُّنِ إِلَى رَبِّهَا؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَرْجُوْ وَتُقَدِّرُ أَنْ تَلِدَ ذَكَراً. ٢ - أَوْ إِظْهَارِ الضَّعْفِ وَالتَّخَشُّعِ: كَمَا فِيْ قَوْلِهِ تَعَالَى [حِكَايَةً] (١) عَنْ زَكَرِيَّا: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: ٤]. ٣ - أَوْ لِاذِّكَارِ مَا بَيْنَ الْمَرْتَبَتَيْنِ مِنَ التَّفَاوُتِ الْعَظِيْمِ: كَمَا فِيْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ... الآية﴾ [النّساء: ٩٥]؛ لِيَأْنَفَ

стр. 139

الْقَاعِدُ، وَيَرْتَفِعَ بِنَفْسِهِ عَنِ انْحِطَاطِ مَنْزِلَتِهِ. ومِثْلُهُ: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزّمر: ٩]؛ تَحْرِيْكاً لِحَمِيَّةِ الْجَاهِلِ. وَأَمْثَالُ هَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، فَمِثْلُ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِخْبَارٍ. فَإِنْ قَصَدَ الْمُخْبِرُ بِخَبَرِهِ نَفْسَ الْحُكْمِ: «وَالْمُرادُ بِالْحُكْمِ هُنَا - كَمَا ذَكَرَهُ التَّفْتَازَانِيُّ (١) - وُقُوْعُ النِّسْبَةِ لَا إِيْقَاعُهَا؛ [لِظُهُورِ أَنْ لَيْسَ قَصْدُ الْمُخْبِرِ إِفَادَةَ أَنَّهُ أَوْقَعَ النِّسْبَةَ أَوْ أَنَّهُ عَالِمٌ بِأَنَّهُ أَوْقَعَهَا»] (٢). وَمِثَالُ الْخَبَرِ الْمَقْصُوْدِ بِهِ نَفْسُ الْحُكْمِ: (زَيْدٌ قَائِمٌ) لِمَنْ لَا يَعْرِفُ أَنَّهُ قَائِمٌ. فَسَمِّ ذَا: أَيْ سَمِّ هَذَا الْحُكْمَ الَّذِيْ يُقْصَدُ بِالْخَبَرِ إِفَادَتُهُ فَائِدَةً: أَيْ فَائِدَةَ الْخَبَرِ وَسَمِّ إِنْ قَصَدَ: الْمُخْبِرُ بِخَبَرِهِ الْإِعْلَامَ: أَيْ إِعْلَامَ الْمُخَاطَبِ بِالْعِلْمِ بِهِ: أَيْ [بِالْعِلْمِ] (٣) بِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ عَالِمٌ بِالْحُكْمِ؛ كَقَوْلِكَ: (حَفِظْتَ التَّوْرَاةَ) لِمَنْ حَفِظَهَا لَازِمَهَا: أَيْ لَازِمَ فَائِدَةِ الْخَبَرِ قَالَ فِي الْمُطَوَّلِ (٤): «لِمَا ذُكِرَ فِي الْمِفْتَاحِ (٥): (أَنَّ الْأُوْلَى بِدُوْنِ

стр. 140

الثَّانِيَةِ تَمْتَنِعُ، وَهِيَ بِدُوْنِ الْأُوْلَى لَا تَمْتَنِعُ، كَمَا هُوَ حُكْمُ اللَّازِمِ الْمَجْهُوْلِ الْمُسَاوَاةِ). أَيِ: اللَّازِمِ الْأَعَمِّ بِحَسَبِ الْوَاقِعِ أَوِ الِاعْتِقَادِ، فَإِنَّ الْمَلْزُوْمَ بِدُوْنِهِ يَمْتَنِعُ، وَهُوَ بِدُوْنِ الْمَلْزُومِ (١) لَا يَمْتَنِعُ؛ تَحْقِيْقاً لِمَعْنَى الْعُمُوْمِ. فَعَلَى هَذَا، فَائِدَةُ الْخَبَرِ: هِيَ الْحُكْمُ، وَلَازِمُهَا: كَوْنُ الْمُخْبِرِ عَالِماً بِهِ. وَمَعْنَى اللُّزُوْمِ: أَنَّهُ كُلَّمَا أَفَادَ الْحُكْمَ أَفَادَ أَنَّهُ عَالِمٌ بِهِ، مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، كَمَا فِيْ (حَفِظْتَ التَّوْرَاةَ)». وَقَوْلُ الشَّارِحِ (٢): «وَفِيْ هَذِهِ (٣) الْعِبَارَةِ (٤) نَظَرٌ؛ لِأَنَّ هَذَا جَوَابُ الشَّرْطِ الَّذِيْ هُوَ الْقَصْدُ، فَيَلْزَمُ أَلَّا يُسَمَّى فَائِدَةَ الْخَبَرِ إِلَّا بِشَرْطِ أَنْ يَقْصِدَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ يُسَمَّى مُطْلَقاً قَصَدَهُ أو لَمْ يَقْصِدْهُ، اسْتُفِيْدَ مِنَ الْخَبَرِ بِالْفِعْلِ أَوْ لَمْ يُسْتَفَدْ، فَتَسْمِيَتُهُ مِثْلَ هَذَا الْحُكْمِ فَائِدَةَ الْخَبَرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُسْتَفَادَ مِنَ الْخَبَرِ، فَإِنَّ فَائِدَةَ الْخَبَرِ فِيْ قَوْلِكَ: (حَفِظْتَ التَّوْرَاةَ) لَيْسَ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ نَفْسِهِ، بَلْ ذَاكَ الْخَبَرُ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُسْتَفَادَ مِنْهُ. فَتَأَمَّلْ» فِيْهِ نَظَرٌ. فَإِنَّ الْمَفْهُوْمَ مِنْ كَلَامِ الْقَزْوِيْنِيِّ فِي التَّلْخِيْصِ (٥) وَالْإِيْضَاحِ (٦) - وَأَقَرَّهُ الْعَلَّامَةُ التَّفْتَازَانِيُّ [فِيْ شَرْحَيْه (٧) عَلَى ذَلِكَ - اشْتِرَاطُ الْقَصْدِ فِي فَائِدَةِ الْخَبَرِ،

стр. 141

وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَنَبَّهَ عَلَيْهِ التَّفْتَازَانِيُّ] (١) ﵀، فَسَقَطَ اعْتِرَاضُ الشَّارِحِ. وَاللهُ أَعْلَمُ (٢). وَلِلْمَقَامِ: أَيْ مَقَامِ التَّخَاطُبِ انْتَبِهِ: أَمْرٌ مِنِ انْتَبَهَ يَنْتَبِهُ، وَالِانْتِبَاهُ هُوَ التَّيَقُّظُ. * * * ١٥ - إِنِ ابْتِدَائِيّاً فَلَا يُؤَكَّدُ ... أَوْ طَلَبِيّاً فَهْوَ فِيْهِ يُحْمَدُ إِنِ: يَكُنِ الْمُخَاطَبُ خَالِيَ الذِّهْنِ مِنَ الْحُكْمِ وَالتَّرَدُّدِ فِيْهِ، فَالْمَقَامُ حِيْنَئِذٍ يَكُوْنُ ابْتِدَائِيّاً: فَيُسْتَغْنَى عَنْ مُؤَكِّدَاتِ الْحُكْمِ، وَهِيَ: ١ - إِأَنَّ ٢ - وَاللَّامُ (٣) ٣ - وَاسْمِيَّةُ الْجُمْلَةِ ٤ - وَتَكْرِيْرُهَا ٥ - وَنُوْنُ التَّأْكِيْدِ ٦ - وَأَمَّا الشَّرْطِيَّةُ (٤)

стр. 142

٧ - وَحَرْفُ التَّنْبِيْهِ (١) ٨ - وَحُرُوْفُ الصِّلَةِ (٢) فَلَا يُؤَكَّدُ: لِتَمَكُّنِ الْحُكْمِ فِي الذِّهْنِ، حَيْثُ وُجِدَ خَالِياً. وَإِنْ كَانَ الْمُخَاطَبُ مُتَرَدِّداً فِيْهِ، طَالِباً لَهُ، فَهُوَ طَلَبِيٌّ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: أَوْ طَلَبِيّاً: أَيْ أَوْ كَانَ الْمَقَامُ طَلَبِيّاً فَهْوَ: أَيِ التَّأْكِيْدُ الْمَفْهُوْمُ مِنْ قَوْلِهِ: [يُؤَكَّدُ]، كَمَا فِيْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨].

стр. 143

فِيْهِ: أَيْ فِي الْمَقَامِ الطَّلَبِيِّ يُحْمَدُ: أَيْ يَحْسُنُ؛ لِيُزِيْلَ ذَلِكَ التَّأْكِيْدُ تَرَدُّدَ الْمُخَاطَبِ، وَيَتَمَكَّنَ الْحُكْمُ فِي ذِهْنِهِ. وَإِنْ كَانَ الْمُخَاطَبُ مُنْكِراً لِلْحُكْمِ، حَاكِماً بِخِلَافِهِ، فَهُوَ إِنْكَارِيٌّ، وَيَجِبُ تَوْكِيْدُهُ بِحَسَبِ الْإِنْكَارِ؛ قُوَّةً وَضَعْفاً، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ: * * * ١٦ - وَوَاجِبٌ بِحَسَبِ الْإِنْكَارِ ... وَيَحْسُنُ التَّبْدِيْلُ بِالْأَغْيَار وَوَاجِبٌ بِحَسَبِ الْإِنْكَارِ: فَكُلَّمَا ازْدَادَ الْمُخَاطَبُ فِي الْإِنْكَارِ زِيْدَ فِي التَّأْكِيْدِ (١)، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ رُسُلِ عِيْسَى (٢) ﵊، إِذْ كُذِّبُوا: - فِي الْمَرَّةِ الْأُوْلَى: ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٤]، مُؤَكِّداً بِـ (إِنَّ، وَاسْمِيَّةِ الْجُمْلَةِ). - وَفِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٦] مُؤَكِّداً

стр. 144

بِـ (الْقَسَمِ (١)، وَإِنَّ، وَاللَّامِ، وَاسْمِيَّةِ الْجُمْلَةِ)؛ لِمُبَالَغَةِ الْمُخَاطَبِيْنَ فِي الْإِنْكَارِ؛ حَيْثُ قَالُوا: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ [يس: ١٥]. قَالَ الْقَزْوِيْنِيُّ (٢): «وَيُسَمَّى الضَّرْبُ الْأَوَّلُ ابْتِدَائِيّاً، وَالثَّانِي طَلَبِيّاً، وَالثَّالِثُ إِنْكَارِيّاً، وَيُسَمَّى إِخْرَاجُ الْكَلَامِ عَلَيْهَا ـ أَيْ عَلَى الْوُجُوْهِ الْمَذْكُوْرَةِ؛ وَهِيَ الْخُلُوُّ مِنَ التَّأْكِيْدِ فِي الْأَوَّلِ، وَالتَّقْوِيَةُ بِمُؤَكِّدٍ اسْتِحْسَاناً فِي الثَّانِي، وَوُجُوْبُ التَّأْكِيْدِ بِحَسَبِ الْإِنْكَارِ فِي الثَّالِثِ ـ إِخْرَاجاً عَلَى مُقْتَضَى الظَّاهِرِ». قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ (٣): «وَهُوَ أَخَصُّ مُطْلَقاً مِنْ مُقْتَضَى الْحَالِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ مُقْتَضَى ظَاهِرِ الْحَالِ، فَكُلُّ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ مُقْتَضَى الْحَالِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، كَمَا فِيْ صُوْرَةِ الْإِخْرَاجِ لَا عَلَى مُقْتَضَى الظَّاهِرِ» اِنْتَهَى. وَكَثِيْراً مَّا يُخْرَجُ الْكَلَامُ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ؛ كَمَا ذَكَرَهُ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ: وَيَحْسُنُ التَّبْدِيْلُ: أَيْ تَبْدِيْلُ مَا يَقْتَضِيْهِ الظَّاهِرُ. بِالْأَغْيَارِ: أَيْ بِغَيْرِ مَا يَقْتَضِيْهِ الظَّاهِرُ: ١ - فَيُجْعَلُ غَيْرُ السَّائِلِ كَالسَّائِلِ: إِذَا قُدِّمَ إِلَيْهِ مَا يُلَوِّحُ لَهُ بِالْخَبَرِ، فَيَسْتَشْرِفُ لَهُ اسْتِشْرَافَ الْمُتَرَدِّدِ الطَّالِبِ، نَحْوُ: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: ٣٧]، أَيْ: لَا تَدْعُنِيْ يَا نُوْحُ فِيْ شَأْنِ قَوْمِكَ، وَاسْتِدْفَاعِ الْعَذَابِ عَنْهُمْ بِشَفَاعَتِكَ.

стр. 145

فَهَذَا الْكَلَامُ (١) يُلَوِّحُ بِالْخَبَرِ تَلْوِيْحاً [مَّا] (٢)، وَيُشْعِرُ بِأَنَّهُ قَدْ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ، فَصَارَ الْمَقَامُ مَقَامَ أَنْ يَتَرَدَّدَ الْمُخَاطَبُ فِيْ أَنَّهُمْ هَلْ صَارُوا مَحْكُوْماً عَلَيْهِمْ بِالْإِغْرَاقِ أَمْ لَا؟ فَقِيْلَ: ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧]، مُؤَكَّداً؛ أَيْ: مَحْكُوْماً عَلَيْهِمْ بِالْإِغْرَاقِ. ٢ - وَيُجْعَلُ غَيْرُ الْمُنْكِرِ كالْمُنْكِرِ: إِذَا لَاحَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَمَارَاتِ الْإِنْكَارِ؛ نَحْوُ: [السّريع] جَاءَ شَقِيْقٌ عَارِضاً رُمْحَهُ ... إِنَّ بَنِيْ عَمِّكَ فِيْهِمْ رِمَاحْ (٣) فَهُوَ لَا يُنْكِرُ أَنَّ فِيْ بَنِيْ عَمِّهِ رِمَاحاً، لَكِنْ مَجِيْئُهُ وَاضِعاً الرُّمْحَ عَلَى الْعَرْضِ مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ وَتَهَيُّؤٍ أَمَارَةٌ أَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنْ لَا رُمْحَ فِيْهِمْ، بَلْ كُلُّهُمْ عُزْلٌ، لَا سِلَاحَ مَعَهُمْ، فَنُزِّلَ مَنْزِلَةَ الْمُنْكِرِ، وَخُوْطِبَ خِطَابَ الْتِفَاتٍ بِقَوْلِهِ: (إِنَّ بَنِيْ عَمِّكَ فِيْهِمْ رِمَاحُ)؛ مُؤَكَّداً. ٣ - وَيُجْعَلُ [عَيْنُ] (٤) الْمُنْكِرُ كَغَيْرِ الْمُنْكِرِ: إِذَا كَانَ مَعَ الْمُنْكِرِ شَيْءٌ مِنَ الدَّلِيْلِ (٥) وَالشَّوَاهِدِ، إِنْ تَأَمَّلَ الْمُنْكِرُ ذَلِكَ الشَّيْءَ ارْتَدَعَ عَنْ إِنْكَارِهِ. وَمَعْنَى كَوْنِهِ مَعَهُ: أَنْ يَكُوْنَ مَعْلُوْماً لَهُ، مُشَاهَداً عِنْدَهُ؛ كَمَا تَقُوْلُ لِمُنْكِرِ الْإِسْلَامِ: (الْإِسْلَامُ حَقٌّ)، مِنْ غَيْرِ تَأْكِيْدٍ؛ لِأَنَّ مَعَ ذَلِكَ الْمُنْكِرِ دَلَائِلَ دَالَّةً عَلَى حَقِيْقَةِ الْإِسْلَامِ.
следующие страницы →