Полный текст (486 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَنَبَّهَ عَلَيْهِ التَّفْتَازَانِيُّ] (١) ﵀، فَسَقَطَ اعْتِرَاضُ الشَّارِحِ. وَاللهُ أَعْلَمُ (٢).
وَلِلْمَقَامِ: أَيْ مَقَامِ التَّخَاطُبِ
انْتَبِهِ: أَمْرٌ مِنِ انْتَبَهَ يَنْتَبِهُ، وَالِانْتِبَاهُ هُوَ التَّيَقُّظُ.
* * *
١٥ - إِنِ ابْتِدَائِيّاً فَلَا يُؤَكَّدُ ... أَوْ طَلَبِيّاً فَهْوَ فِيْهِ يُحْمَدُ
إِنِ: يَكُنِ الْمُخَاطَبُ خَالِيَ الذِّهْنِ مِنَ الْحُكْمِ وَالتَّرَدُّدِ فِيْهِ، فَالْمَقَامُ حِيْنَئِذٍ يَكُوْنُ
ابْتِدَائِيّاً: فَيُسْتَغْنَى عَنْ مُؤَكِّدَاتِ الْحُكْمِ، وَهِيَ:
١ - إِأَنَّ
٢ - وَاللَّامُ (٣)
٣ - وَاسْمِيَّةُ الْجُمْلَةِ
٤ - وَتَكْرِيْرُهَا
٥ - وَنُوْنُ التَّأْكِيْدِ
٦ - وَأَمَّا الشَّرْطِيَّةُ (٤) стр. 142
٧ - وَحَرْفُ التَّنْبِيْهِ (١)
٨ - وَحُرُوْفُ الصِّلَةِ (٢)
فَلَا يُؤَكَّدُ: لِتَمَكُّنِ الْحُكْمِ فِي الذِّهْنِ، حَيْثُ وُجِدَ خَالِياً.
وَإِنْ كَانَ الْمُخَاطَبُ مُتَرَدِّداً فِيْهِ، طَالِباً لَهُ، فَهُوَ طَلَبِيٌّ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ:
أَوْ طَلَبِيّاً: أَيْ أَوْ كَانَ الْمَقَامُ طَلَبِيّاً
فَهْوَ: أَيِ التَّأْكِيْدُ الْمَفْهُوْمُ مِنْ قَوْلِهِ: [يُؤَكَّدُ]، كَمَا فِيْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]. стр. 143
فِيْهِ: أَيْ فِي الْمَقَامِ الطَّلَبِيِّ
يُحْمَدُ: أَيْ يَحْسُنُ؛ لِيُزِيْلَ ذَلِكَ التَّأْكِيْدُ تَرَدُّدَ الْمُخَاطَبِ، وَيَتَمَكَّنَ الْحُكْمُ فِي ذِهْنِهِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُخَاطَبُ مُنْكِراً لِلْحُكْمِ، حَاكِماً بِخِلَافِهِ، فَهُوَ إِنْكَارِيٌّ، وَيَجِبُ تَوْكِيْدُهُ بِحَسَبِ الْإِنْكَارِ؛ قُوَّةً وَضَعْفاً، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ:
* * *
١٦ - وَوَاجِبٌ بِحَسَبِ الْإِنْكَارِ ... وَيَحْسُنُ التَّبْدِيْلُ بِالْأَغْيَار
وَوَاجِبٌ بِحَسَبِ الْإِنْكَارِ: فَكُلَّمَا ازْدَادَ الْمُخَاطَبُ فِي الْإِنْكَارِ زِيْدَ فِي التَّأْكِيْدِ (١)، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ رُسُلِ عِيْسَى (٢) ﵊، إِذْ كُذِّبُوا:
- فِي الْمَرَّةِ الْأُوْلَى: ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٤]، مُؤَكِّداً بِـ (إِنَّ، وَاسْمِيَّةِ الْجُمْلَةِ).
- وَفِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٦] مُؤَكِّداً стр. 144
بِـ (الْقَسَمِ (١)، وَإِنَّ، وَاللَّامِ، وَاسْمِيَّةِ الْجُمْلَةِ)؛ لِمُبَالَغَةِ الْمُخَاطَبِيْنَ فِي الْإِنْكَارِ؛ حَيْثُ قَالُوا: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ [يس: ١٥].
قَالَ الْقَزْوِيْنِيُّ (٢): «وَيُسَمَّى الضَّرْبُ الْأَوَّلُ ابْتِدَائِيّاً، وَالثَّانِي طَلَبِيّاً، وَالثَّالِثُ إِنْكَارِيّاً، وَيُسَمَّى إِخْرَاجُ الْكَلَامِ عَلَيْهَا ـ أَيْ عَلَى الْوُجُوْهِ الْمَذْكُوْرَةِ؛ وَهِيَ الْخُلُوُّ مِنَ التَّأْكِيْدِ فِي الْأَوَّلِ، وَالتَّقْوِيَةُ بِمُؤَكِّدٍ اسْتِحْسَاناً فِي الثَّانِي، وَوُجُوْبُ التَّأْكِيْدِ بِحَسَبِ الْإِنْكَارِ فِي الثَّالِثِ ـ إِخْرَاجاً عَلَى مُقْتَضَى الظَّاهِرِ».
قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ (٣): «وَهُوَ أَخَصُّ مُطْلَقاً مِنْ مُقْتَضَى الْحَالِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ مُقْتَضَى ظَاهِرِ الْحَالِ، فَكُلُّ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ مُقْتَضَى الْحَالِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، كَمَا فِيْ صُوْرَةِ الْإِخْرَاجِ لَا عَلَى مُقْتَضَى الظَّاهِرِ» اِنْتَهَى.
وَكَثِيْراً مَّا يُخْرَجُ الْكَلَامُ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ؛ كَمَا ذَكَرَهُ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ:
وَيَحْسُنُ التَّبْدِيْلُ: أَيْ تَبْدِيْلُ مَا يَقْتَضِيْهِ الظَّاهِرُ.
بِالْأَغْيَارِ: أَيْ بِغَيْرِ مَا يَقْتَضِيْهِ الظَّاهِرُ:
١ - فَيُجْعَلُ غَيْرُ السَّائِلِ كَالسَّائِلِ: إِذَا قُدِّمَ إِلَيْهِ مَا يُلَوِّحُ لَهُ بِالْخَبَرِ، فَيَسْتَشْرِفُ لَهُ اسْتِشْرَافَ الْمُتَرَدِّدِ الطَّالِبِ، نَحْوُ: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: ٣٧]، أَيْ: لَا تَدْعُنِيْ يَا نُوْحُ فِيْ شَأْنِ قَوْمِكَ، وَاسْتِدْفَاعِ الْعَذَابِ عَنْهُمْ بِشَفَاعَتِكَ. стр. 145
فَهَذَا الْكَلَامُ (١) يُلَوِّحُ بِالْخَبَرِ تَلْوِيْحاً [مَّا] (٢)، وَيُشْعِرُ بِأَنَّهُ قَدْ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ، فَصَارَ الْمَقَامُ مَقَامَ أَنْ يَتَرَدَّدَ الْمُخَاطَبُ فِيْ أَنَّهُمْ هَلْ صَارُوا مَحْكُوْماً عَلَيْهِمْ بِالْإِغْرَاقِ أَمْ لَا؟ فَقِيْلَ: ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧]، مُؤَكَّداً؛ أَيْ: مَحْكُوْماً عَلَيْهِمْ بِالْإِغْرَاقِ.
٢ - وَيُجْعَلُ غَيْرُ الْمُنْكِرِ كالْمُنْكِرِ: إِذَا لَاحَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَمَارَاتِ الْإِنْكَارِ؛ نَحْوُ: [السّريع]
جَاءَ شَقِيْقٌ عَارِضاً رُمْحَهُ ... إِنَّ بَنِيْ عَمِّكَ فِيْهِمْ رِمَاحْ (٣)
فَهُوَ لَا يُنْكِرُ أَنَّ فِيْ بَنِيْ عَمِّهِ رِمَاحاً، لَكِنْ مَجِيْئُهُ وَاضِعاً الرُّمْحَ عَلَى الْعَرْضِ مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ وَتَهَيُّؤٍ أَمَارَةٌ أَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنْ لَا رُمْحَ فِيْهِمْ، بَلْ كُلُّهُمْ عُزْلٌ، لَا سِلَاحَ مَعَهُمْ، فَنُزِّلَ مَنْزِلَةَ الْمُنْكِرِ، وَخُوْطِبَ خِطَابَ الْتِفَاتٍ بِقَوْلِهِ: (إِنَّ بَنِيْ عَمِّكَ فِيْهِمْ رِمَاحُ)؛ مُؤَكَّداً.
٣ - وَيُجْعَلُ [عَيْنُ] (٤) الْمُنْكِرُ كَغَيْرِ الْمُنْكِرِ: إِذَا كَانَ مَعَ الْمُنْكِرِ شَيْءٌ مِنَ الدَّلِيْلِ (٥) وَالشَّوَاهِدِ، إِنْ تَأَمَّلَ الْمُنْكِرُ ذَلِكَ الشَّيْءَ ارْتَدَعَ عَنْ إِنْكَارِهِ.
وَمَعْنَى كَوْنِهِ مَعَهُ: أَنْ يَكُوْنَ مَعْلُوْماً لَهُ، مُشَاهَداً عِنْدَهُ؛ كَمَا تَقُوْلُ لِمُنْكِرِ الْإِسْلَامِ: (الْإِسْلَامُ حَقٌّ)، مِنْ غَيْرِ تَأْكِيْدٍ؛ لِأَنَّ مَعَ ذَلِكَ الْمُنْكِرِ دَلَائِلَ دَالَّةً عَلَى حَقِيْقَةِ الْإِسْلَامِ. стр. 146
قَالَ فِي الْإِيْضَاحِ (١): «هَذَا كُلُّهُ اعْتِبَارَاتُ الْإِثْبَاتِ، وَقِسْ عَلَيْهَا اعْتِبَارَاتِ النَّفْيِ؛ كَقَوْلِكَ: (لَيْسَ زَيْدٌ، أَوْ مَا زَيْدٌ، مُنْطَلِقاً أَوْ بِمُنْطَلِقٍ)، [وَ] (٢) (وَاللهِ لَيْسَ زَيْدٌ، وَمَا زَيْدٌ، مُنْطَلِقاً أَوْ بِمُنْطَلِقٍ)، (وَمَا يَنْطَلِقُ، أَوْ مَا إِنْ يَنْطَلِقُ زَيْدٌ)، (وَمَا كَانَ زَيْدٌ يَنْطَلِقُ، وَمَا كَانَ زَيْدٌ لِيَنْطَلِقَ)، (وَلَا يَنْطَلِقُ زَيْدٌ، وَلَنْ يَنْطَلِقَ زَيْدٌ)» اِنْتَهَى.
* * *
ثُمَّ الْإِسْنَادُ:
مِنْهُ حَقِيْقَةٌ عَقْلِيَّةٌ: وَهِيَ إِسْنَادُ الْفِعْلِ - أَوْ مَا هُوَ بِمَعْنَاهُ - إِلَى مَا هُوَ لَهُ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ فِي الظَّاهِرِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ:
١٧ - وَالْفِعْلُ أَوْ مَعْنَاهُ إِنْ أَسْنَدَهُ ... لِمَا لَهُ فِيْ ظَاهِرٍ ذَا عِنْدَهُ
وَالْفِعْلُ أَوْ مَعْنَاهُ: أَيْ مَا هُوَ بِمَعْنَاهُ؛ كَالْمَصْدَرِ، وَاسْمِ الْفَاعِلِ، وَاسْمِ الْمَفْعُوْلِ، وَالصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ، وَاسْمِ التَّفْضِيْلِ، وَالظَّرْفِ، وَاحْتُرِزَ بِهِ عَمَّا لَا يَكُوْنُ الْمُسْنَدُ فِيْهِ فِعْلاً أَوْ مَعْنَاهُ؛ كَقَوْلِنَا: (الْحَيَوَانُ جِسْمٌ) فَإِنَّهُ لَا يُوْصَفُ بِحَقِيْقَةٍ وَلَا مَجَازٍ - عِنْدَ الْقَزْوِيْنِيِّ (٣) - كَمَا صَرَّحَ بِهِ التَّفْتَازَانِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ (٤)
إِنْ أَسْنَدَهُ: الْمُتَكَلِّمُ стр. 147
لِمَا: أَيْ: إِلَى (مَا): أَي: (شَيْءٍ) هُوَ (١)
لَهُ: أَيْ لِذَلِكَ الشَّيْءِ؛ كَالْفَاعِلِ فِيْمَا بُنِيَ لِلْفَاعِلِ نَحْوُ: (ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْراً)، وَالْمَفْعُوْلِ بِهِ فِيْمَا بُنِيَ لِلْمَفْعُوْلِ بِهِ نَحْوُ: (ضُرِبَ عَمْرٌو)، فَإِنَّ الضَّارِبِيَّةَ لِزَيْدٍ وَالْمَضْرُوْبِيَّةَ لِعَمْرٍو، بِخِلَافِ (نَهَارُهُ صَائِمٌ، وَلَيْلُهُ قَائِمٌ)؛ فَإِنَّ الصَّوْمَ لَيْسَ لِلنَّهَارِ، وَالْقِيَامَ لَيْسَ لِلَّيْلِ
فِيْ ظَاهِرٍ ذَا: أَيِ الْإِسْنَادِ الْمَذْكُوْرِ؛ أَيْ: إِلَى مَا يَكُوْنُ الْفِعْلُ أَوْ مَعْنَاهُ لَهُ
عِنْدَهُ: أَيْ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ، فِيْمَا يُفْهَمُ مِنْ ظَاهِرِ كَلَامِهِ، وَيُدْرَكُ مِنْ ظَاهِرِ حَالِهِ، وَذَلِكَ بِأَلَّا يَنْصِبَ الْمُتَكَلِّمُ قَرِيْنَةً دَالَّةً عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَا هُوَ لَهُ فِي اعْتِقَادِهِ.
وَمَعْنَى كَوْنِهِ لَهُ: أَنَّ مَعْنَاهُ قَائِمٌ بِهِ، وَوَصْفٌ لَهُ، وَحَقُّهُ أَنْ يُسْنَدَ إِلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ مَخْلُوْقاً لِله أَوْ لِغَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ صَادِراً عَنْهُ بِاخْتِيَارِهِ كَـ (ضَرَبَ) أَوْ لَا كَـ (مَرِضَ، وَمَاتَ) فَذَلِكَ
* * *
١٨ - حَقِيْقَةٌ عَقْلِيَّةٌ، وَإِنْ إِلَى ... غَيْرٍ مُلَابِسٍ مَجَازٌ أُوِّلَا
حَقِيْقَةٌ عَقْلِيَّةٌ: لأنَّ الْحَاكِمَ بِذَلِكَ هُوَ الْعَقْلُ دُوْنَ الْوَضْعِ؛ لِأَنَّ إِسْنَادَ كَلِمَةٍ إِلَى كَلِمَةٍ شَيْءٌ يَحْصُلُ بِقَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ دُوْنَ وَاضِعِ اللُّغَةِ؛ فَإِنَّ (ضَرَبَ) مَثَلاً لَا يَصِيْرُ خَبَراً عَنْ زَيْدٍ بِوَاضِعِ اللُّغَةِ، بَلْ بِمَنْ قَصَدَ إِثْبَاتَ الضَّرْبِ فِعْلاً стр. 148
لَهُ، وَإِنَّمَا الَّذِيْ يَعُوْدُ إِلَى الْوَاضِعِ أَنَّهُ لِإِثْبَاتِ الضَّرْبِ دُوْنَ الْخُرُوْجِ، وَفِي الزَّمَانِ الْمَاضِي دُوْنَ الْمُسْتَقْبَلِ.
- وَأَقْسَامُ الْحَقِيْقَةِ الْعَقْلِيَّةِ - عَلَى مَا تَقَرَّرَ - أَرْبَعَةٌ:
- الْأَوَّلُ: مَا يُطَابِقُ الْوَاقِعَ والِاعْتِقَادَ جَمِيْعاً، كَقَوْلِ الْمُؤْمِنِ: (أَنْبَتَ اللهُ الْبَقْلَ).
- وَالثَّانِي: مَا يُطَابِقُ الِاعْتِقَادَ فَقَطْ، نَحْوُ قَوْلِ الْجَاهِلِ: (أَنْبَتَ الرَّبِيْعُ الْبَقْلَ).
- وَالثَّالِثُ: مَا يُطَابِقُ الْوَاقِعَ فَقَطْ، كَقَوْلِ الْمُعْتَزِلِيِّ لِمَنْ لَا يَعْرِفُ حَالَهُ - وَهُوَ يُخْفِيْهَا مِنْهُ -: (خَلَقَ اللهُ الْأَفْعَالَ كُلَّهَا) (١).
- وَالرَّابِعُ: مَا لَا يُطَابِقُ شَيْئاً مِنْهُمَا؛ كَالْأَقْوَالِ الْكَاذِبَةِ الَّتِيْ يَكُوْنُ الْقَائِلُ عَالِماً بِحَالِهَا دُوْنَ الْمُخَاطَبِ، كَقَوْلِكَ: (جَاءَ زَيْدٌ) وَأَنْتَ تَعْلَمُ عَدَمَ مَجِيْئِهِ، وَمُخَاطَبُكَ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ.
وَمِنْهُ - أَيْ: وَمِنَ الْإِسْنَادِ -مَجَازٌ عَقْلِيٌّ (٢)، وَيُسَمَّى مَجَازاً حُكْمِيّاً (٣)، وَمَجَازاً فِي الْإِثْبَاتِ (٤)، وَإِسْنَاداً مَجَازِيّاً -: وَهُوَ إِسْنَادُ الْفِعْلِ أَوْ مَعْنَاهُ إِلَى стр. 149
مُلَابِسٍ لَهُ غَيْرِ مَا هُوَ لَهُ بِتَأَوُّلٍ (١)، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَإِنْ إِلَى غَيْرٍ: أَيْ وَإِنْ أُسْنَدَ الْفِعْلُ أَوْ مَعْنَاهُ إِلَى غَيْرِ مَا هُوَ لَهُ، أَيْ غَيْرِ الْفَاعِلِ فِيْمَا بُنِيَ لِلْفَاعِلِ، وَغَيْرِ الْمَفْعُوْلِ فِيْمَا بُنِيَ لِلْمَفْعُوْلِ:
- كَقَوْلِهِمْ: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] فِيْمَا بُنِيَ لِلْفَاعِلِ وَأُسْنِدَ إِلَى الْمَفْعُوْلِ/ بِهِ؛ إِذِ الْعِيْشَةُ مَرْضِيَّةٌ.
- وَ (سَيْلٌ مُفْعَمٌ) فِيْمَا [بُنِيَ] (٢) لِلْمَفْعُوْلِ وَأُسْنِدَ إِلَى الْفَاعِلِ؛ لِأَنَّ الْمُفْعَمَ اسْمُ مَفْعُوْلٍ، وَقَدْ أُسْنِدَ إِلَى الْفَاعِلِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
مُلَابِسٍ: لِلْفِعْلِ أَوْ مَعْنَاهُ بِوَجْهٍ؛ كَأَنْ يَكُوْنَ:
- زَمَاناً لِذَلِكَ الْغَيْرِ؛ نَحْوُ: (نَهَارُهُ صَائِمٌ).
- أَوْ مَكَاناً؛ نَحْوُ: (نَهْرٌ جَارٍ).
- أَوْ سَبَباً لَهُ؛ نَحْوُ: (بَنَى الْأَمِيْرُ الْمَدِيْنَةَ) (٣).
بِخِلَافِ إِسْنَادِهِ إِلَى أَجْنَبِيٍّ عَنْهُ، غَيْرِ مُلَابِسٍ لَهُ؛ فَإِسْنَادُهُ إِلَى الغَيْرِ الْمُلَابِسِ. стр. 150
مَجَازٌ: عَقْلِيٌّ (١)
أُوِّلَا: أَيِ الْإِسْنَادُ مُؤَوَّلٌ
قَالَ فِي الْمُطَوَّلِ (٢): «وَحَقِيْقَةُ قَوْلِكَ: (تَأَوَّلْتُ الشَّيْءَ) أَنَّكَ تَطْلُبُ مَا يَؤُوْلُ إِلَيْهِ مِنَ الْحَقِيْقَةِ، أَوِ الْمَوْضِعَ الَّذِيْ يَؤُوْلُ إِلَيْهِ مِنَ الْعَقْلِ؛ لِأَنَّ (أَوَّلْتُ وَتَأَوَّلْتُ - فَعَّلْتُ وَتَفَعَّلْتُ) مِنْ آلَ الْأَمْرُ إِلَى كَذَا يَؤُوْلُ أَيِ: انْتَهَى إِلَيْهِ، وَالْمَآلُ: الْمَرْجِعُ، كَذَا فِيْ دَلَائِلِ الْإِعْجَازِ (٣).
وَحَاصِلُهُ أَنْ تُنْصَبَ قَرِيْنَةٌ صَارِفَةٌ لِلْإِسْنَادِ عَنْ أَنْ يَكُوْنَ إِلَى مَا هُوَ لَهُ» اِنْتَهَى.
وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: «أُوِّلَا» عَنْ نَحْوِ:
- قَوْلِ الْجَاهِلِ: (شَفَى الطَّبِيْبُ الْمَرِيْضَ) فَإِنَّ إِسْنَادَهُ الشِّفَاءَ إِلَى الطَّبِيْبِ لَيْسَ بِتَأَوُّلٍ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَقَدُهُ وَمُرَادُهُ.
- وَكَذَا قَوْلُهُ: (أَنْبَتَ الرَّبِيْعُ الْبَقْلَ) رَائِياً الْإِنْبَاتَ مِنَ الرَّبِيْعِ.
- وَيُخْرِجُ أَيْضاً الْأَقْوَالَ الْكَاذِبَةَ؛ فَإِنَّهُ لَا تَأَوُّلَ فِيْهَا.
وَقَصْرُ الشَّارِحِ هَذا الْقَيْدَ عَلَى إِخْرَاجِ قَوْلِ الْجَاهِلِ: (أَنْبَتَ الرَّبِيْعُ الْبَقْلَ) (٤) غَيْرُ ظَاهِرٍ، فَتَأمَّلْ (٥).
وَالْمَجَازُ الْعَقْلِيُّ فِي الْقُرْآنِ كَثِيْرٌ؛ نَحْوُ قولِهِ تَعَالَى: стр. 151
﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (١) [القصص: ٤]، ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾ (٢) [الأعراف: ٢٧]، ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ (٣) [المزَّمِّل: ١٧]، ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ (٤) [الزَّلزلة: ٢]، ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (٥) [الأنفال: ٢]، وَاللهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
وَأَقْسَامُ الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ أَرْبَعَةٌ؛ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُسْنَدِ أَنْ يَكُوْنَ فِعْلاً أَوْ مَعْنَاهُ، فَيَكُوْنُ مُفْرَداً، وَكُلُّ مُفْرَدٍ مُسْتَعْمَلٌ، إِمَّا حَقِيْقَةً أَوْ مَجَازاً، وَكَذَلِكَ الْمُسْنَدُ إِلَيْهِ؛ فَحِيْنَئِذٍ إِمَّا أَنْ يَكُوْنَا حَقِيْقَتِيْنِ أَوْ مَجَازَيْنِ، أَوِ الْمُسْنَدُ حَقِيْقَةً وَالْمُسْنَدُ إِلَيْهِ مَجَازاً، أَوِ الْمُسْنَدُ مَجَازاً وَالْمُسْنَدُ إِلَيْهِ حَقِيْقَةً، نَحْوُ:
- (أَنْبَتَ الرَّبِيْعُ الْبَقْلَ).
- وَ (أَحْيَا الْأَرْضَ شَبَابُ الزَّمَانِ).
- وَ (أَنْبَتَ الْبَقْلَ شَبَابُ الزَّمَانِ).
- و (أَحْيَا الْأَرْضَ الرَّبِيْعُ). стр. 152
قَالَ فِي الْمُطَوَّلِ (١): «فَإِنْ قِيْلَ: لِمَ لَمْ يَذْكُرْ بَحْثَ الْحَقِيْقَةِ وَالْمَجَازِ الْعَقْلِيَّيْنِ فِيْ عِلْمِ الْبَيَانِ (٢) كَمَا فَعَلَهُ صَاحِبُ الْمِفْتَاحِ (٣) وَغَيْرُهُ (٤)؟
قُلْتُ: قَدْ زَعَمَ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِيْ تَعْرِيْفِ عِلْمِ الْمَعَانِيْ دُوْنَ [عِلْمِ] (٥) الْبَيَانِ، وَكَأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْأَحْوَالِ الْمَذْكُوْرَةِ فِي التَّعْرِيْفِ؛ كَالتَّأْكِيْدِ وَالتَّجْرِيْدِ عَنِ الْمُؤَكِّدَاتِ، وَفِيْهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ عِلْمَ الْمَعَانِيْ إِنَّما يُبْحَثُ فِيْهِ عَنِ الْأَحْوَالِ الْمَذْكُوْرَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يُطَابِقُ بِهَا اللَّفْظُ مُقْتَضَى الْحَالِ. وَظَاهِرٌ أَنَّ الْبَحْثَ فِي الْحَقِيْقَةِ وَالْمَجَازِ الْعَقْلِيَّيْنِ لَيْسَ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثيَّةِ فَلَا يَكُوْنُ دَاخِلاً فِيْ عِلْمِ الْمَعَانِيْ، وَإِلَّا فَالْحَقِيْقَةُ وَالْمَجَازُ اللُّغَوِيَّانِ أَيْضاً مِنْ أَحْوَالِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ وَالْمُسْنَدِ» اِنْتَهَى. وَاللهُ أَعْلَمُ.
* * * стр. 153
الباب الثاني
فِيْ بَيَانِ أَحْوَالِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ (١)
وَإِنَّمَا قَدَّمَ بَيَانَ أَحْوَالِ الْمُسنَدِ إِلَيْهِ عَلَى أَحْوَالِ الْمُسنَدِ؛ لِأَنَّ الْمُسنَدَ إِلَيْهِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُسْنَدِ؛ لِمَا سَيَأْتِيْ بَيَانُهُ، وَمَا كَانَ مُقَدَّماً ذَاتاً فَأَوْصَافُهُ مُقَدَّمَةٌ لِذَلِكَ.
وَالْمُرَادُ بِالْأَحْوَالِ: الْأُمُوْرُ الْعَارِضِةُ لَهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُسَنْدٌ إِلَيْهِ كَـ: (حَذْفِهِ، وَذِكْرِهِ، وَتَعْرِيْفِهِ، وَتَنْكِيْرِهِ)، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الِاعْتِبَارَاتِ الرَّاجِعَةِ إِلَيْهِ لِذَاتِهِ لَا بِوَاسِطَةِ الْحُكْمِ أَوِ الْمُسْنَدِ مَثَلاً كَكَوْنِهِ مُسْنَداً إِلَيْهِ لِحُكْمٍ مُؤَكَّدٍ أَوْ مَتْرُوْكِ التَّأْكِيْدِ، وَكَوْنِهِ مُسْنَداً إِلَيْهِ لِمُسْنَدٍ مُقَدَّمٍ أَوْ مُؤَخَّرٍ، مُعَرَّفٍ أَوْ مُنَكَّرٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
* * *
١٩ - الْحَذْفُ: لِلصَّوْنِ، وَلِلْإِنْكَارِ، ... وَالِاحْتِرَازِ، أَوْ لِلِاخْتِبَار
الْحَذْفُ: أَيْ حَذْفُ الْمُسنَدِ إِلَيْهِ، قَدَّمَهُ عَلَى سَائِرِ الْأَحْوَالِ؛ لِأَنَّهُ стр. 154
عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ الْإِتْيَانِ بِهِ، وَهُوَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْإِتْيَانِ؛ لِتَأَخُّرِ وُجُوْدِ الْحَادِثِ عَنْ عَدَمِهِ.
وَذَكَرَه - هَهُنَا - بِلَفْظِ الْحَذْفِ، وَفِي الْمُسْنَدِ بِلَفْظِ التَّرْكِ؛ تَنْبِيْهاً عَلَى أَنَّ الْمُسْنَدَ إِلَيْهِ هُوَ الرُّكْنُ الْأَعْظَمُ الشَّدِيْدُ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُذْكَرْ فَكَأنَّهُ أُتِيَ بِهِ ثُمَّ حُذِفَ، بِخِلَافِ الْمُسْنَدِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ، فَكَأنَّهُ تُرِكَ عَنْ أَصْلِهِ (١).
وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَذْفَ مُفْتَقِرٌ إِلَى أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: قَابِلِيَّةُ الْمَقَامِ؛ وَهُوَ: أَنْ يَكُوْنَ السَّامِعُ عَارِفاً بِهِ، لِوُجُوْدِ الْقَرَائِنِ (٢).
وَالثَّانِيْ: الدَّاعِي الْمُوْجِبُ لِرُجْحَانِ الْحَذْفِ عَلَى الذِّكْرِ.
وَلَمَّا كَانَ الْأَوَّلُ مَعْلُوْماً مُقَرَّراً فِيْ عِلْمِ النَّحْوِ (٣) - أَيْضاً- دُوْنَ الثَّانِيْ قَصَدَ إِلَى تَفْصِيْلِ الثَّانِيْ، مَعَ إِشَارَةٍ مَّا ضِمْنِيَّةٍ إِلَى الْأَوَّلِ، فَقَالَ:
لِلصَّوْنِ: أَيْ صَوْنِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ عَنْ لِسَانِكَ:
- لِتَعْظِيْمِهِ: نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ (٤) [الشّعراء: ٢٤] أَيْ: هُوَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ. стр. 155
- أَوَ صَوْنِ لِسَانِكَ عَنْهُ تَحْقِيْراً لَهُ، نَحْوُ: (فَاسِقٌ فَاجِرٌ).
وَلِلْإِنْكَارِ: أَيْ تأَتِّي الْإِنْكَارِ لَدَى الْحَاجَةِ، نَحْوُ: (فَاجِرٌ فَاسِقٌ) عِنْدَ قِيَامِ الْقَرِيْنَةِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ زَيْدٌ؛ لِيَتَأَتَّى لَكَ أَنْ تَقُوْلَ: مَا أَرَدْتُ زَيْداً، بَلْ أَرَدْتُ غَيْرَهُ.
وَالِاحْتِرَازِ: أَيْ عَنِ الْعَبَثِ بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ؛ لِدَلَالَةِ الْقَرِيْنَةِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْحَقِيْقَةِ هُوَ رُكْنٌ مِنَ الْكَلَامِ.
أَوْ تَخْيِيْلِ الْعُدُوْلِ إِلَى أَقْوَى الدَّلِيْلَيْنِ مِنَ الْعَقْلِ وَاللَّفْظِ: فَإِنَّ الِاعْتِمَادَ عِنْدَ الذِّكْرِ عَلَى دَلَالَةِ اللَّفْظِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ، وَعِنْدَ الْحَذْفِ عَلَى دَلَالَةِ الْعَقْلِ، وَهُوَ أَقْوَى؛ لِافْتِقَارِ اللَّفْظِ إِلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: [الخفيف]
قَالَ لِيْ: كَيْفَ أَنْتَ؟ قُلْتُ: عَلِيْلُ ... . . . . . . . . . . . . . . . (١)
لَمْ يَقُلْ: (أَنَا) عَلِيْلٌ؛ لِلِاحْتِرَازِ وَالتَّخْيِيْلِ الْمَذْكُوْرَيْنِ.
أَوْ لِلِاخْتِبَارِ: أَيِ اخْتِبَارِ تَنَبُّهِ السَّامِعِ عِنْدَ الْقَرِيْنِةِ؛ هَلْ يَتَنَبَّهُ أَمْ لَا؟ أَوِ اخْتِبَارِ مِقْدَارِ تَنَبُّهِهِ هَلْ يَتَنَبَّهُ بِالْقَرَائِنِ الْخَفِيَّةِ أَمْ لَا؟ (٢)
وَاعْلَمْ أَنَّ حَذْفَ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ بِمَا ذَكَرَهُ النَّاظِمُ، بَلْ قَدْ يَكُوْنُ لِأُمُوْرٍ أُخَرَ غَيْرِ مَا ذَكَرَهُ؛ كَأَنْ يُحْذَفَ لِضِيْقِ الْمَقَامِ عَنْ ذِكْرِهِ (٣)، أَوْ стр. 156
لِتَعَيُّنِهِ (١)، أَوِ ادِّعَاءِ التَّعَيُّنِ (٢)، أَوْ لِلْإِخْفَاءِ عَنْ غَيْرِ السَّامِعِ مِنَ الْحَاضِرِيْنَ (٣)، أَوِ اتِّبَاعِ الِاسْتِعْمَالِ (٤)، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ (٥).
* * *
٢٠ - وَالذِّكْرُ: لِلتَّعْظِيْمِ، وَالْإِهَانَهْ، ... وَالْبَسْطِ، وَالتَّنْبِيْهِ، وَالْقَرِيْنَهْ
وَالذِّكْرُ: أَيْ ذِكْرُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ؛ فَلِكَوْنِهِ الْأَصْلَ، وَلَا مُقْتَضًى لِلْعُدُوْلِ عَنْهُ.
وَلِلتَّعْظِيْمِ: أَيْ لِتَعْظِيْمِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ؛ لِكَوْنِ اسْمِهِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى التَّعْظِيْمِ، نَحْوُ: (أَمِيْرُ الْمُؤْمِنِيْنَ حَاضِرٌ) (٦). стр. 157
وَالْإِهَانَهْ: أَيْ إِهَانَةِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ؛ لِكَوْنِ اسْمِهِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْإِهَانَةِ، مِثْلُ: (السَّارِقُ اللَّئِيْمُ حَاضِرٌ) (١).
وَالْبَسْطِ: أَيْ ذِكْرِهِ؛ لِأَجْلِ بَسْطِ الْكَلَامِ، حَيْثُ الْإِصْغَاءُ مَطْلُوْبٌ، نَحْوُ: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ (٢) [طه: ١٨].
وَالتَّنْبِيْهِ: أَيْ ذِكْرِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ؛ لِلتَّنْبِيْهِ عَلَى غَبَاوَةِ السَّامِعِ بِأنَّهُ لَا يَفْهَمُ بِالْقَرِيْنَةِ، بَلْ لَا يَفْهَمُ إِلَّا بِالتَّصْرِيْحِ (٣)
وَالْقَرِيْنَهْ: أَيْ ذِكْرِهِ لِلِاحْتِيَاطِ؛ لِضَعْفِ التَّعْوِيْلِ عَلَى الْقَرِيْنَةِ (٤).
أَوِ التَّنْبِيْهِ عَلَى غَبَاوَةِ السَّامِعِ.
أَوْ زِيَادَةِ الْإِيْضَاحِ وَالتَّقْرِيْرِ، وَعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] (٥). стр. 158
وَقَوْلُ الشَّارِحِ: (لِلِاحْتِيَاطِ عَلَى ضَعْفِ الْقَرِيْنَةِ) (١) فِيْهِ رَكَاكَةٌ لَا تَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ (٢)، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا تَعْرِيْفُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ فَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِيْهِ التَّعْرِيْفُ؛ وَلِهَذَا قَدَّمَهُ.
وَحَقِيْقَةُ التَّعْرِيْفِ: جَعْلُ الذَّاتِ مُشَاراً بِهَا إِلَى خَارِجٍ إِشَارَةً وَضْعِيَّةً، وَيَكُوْنُ عَلَى وُجُوْهٍ مُتَفَاوِتَةٍ تَتَعلَّقُ بِهَا أَغْرَاضٌ مُخْتَلِفَةٌ، أَشَارَ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ:
* * *
٢١ - وَإِنْ بِإِضْمَارٍ يَكُنْ مُعَرَّفَا ... فَلِلْمَقَامَاتِ الثَّلَاثِ فَاعْرِفَا
وَإِنْ بِإِضْمَارٍ يَكُنْ مُعَرَّفَا (٣): قَدَّمَ الْمُضْمَرَ؛ لِكَوْنِهِ أَعْرَفَ الْمَعَارِفِ (٤).
أَيْ: إِنْ يَكُنِ الْمُسْنَدُ إِلَيْهِ مَعْرِفَةً بِالْإِضْمَارِ؛ بِأَنْ كَانَ ضَمِيْرَ: (مُتَكَلِّمٍ، أَوْ مُخَاطَبٍ، أَوْ غَائِبٍ)؛ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ:
فَلِلْمَقَامَاتِ الثَّلَاثِ فَاعْرِفَا: أَيْ:
- مَقَامِ التَّكَلُّمِ نَحْوُ: (أَنَا ضَرَبْتُ).
- وَمَقَامِ الْخِطَابِ كَـ (أَنْتَ ضَرَبْتَ).
- وَمَقَامِ الْغَيْبَةِ؛ لِكَوْنِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ (مَذْكُوْراً) أَوْ (فِيْ حُكْمِ الْمَذْكُوْرِ لِقَرِيْنَةٍ)؛ كَقَوْلِهِ: [الوافر] стр. 159
مِنَ الْبِيْضِ الْوُجُوْهِ بَنِيْ سِنَانٍ ... لَوَ انَّكَ تَسْتَضِيْءُ بِهِمْ أَضَاؤُوْا
هُمُ حَلُّوْا مِنَ الشَّرَفِ الْمُعَلَّى ... وَمِنْ حَسَبِ الْعَشِيْرَةِ حَيْثُ شَاؤُوْا (١)
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] أَيِ: الْعَدْلُ. (٢)
وَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] أَيْ: وَلِأَبَوَيِ الْمَيِّتِ. (٣)
* * *
٢٢ - وَالْأَصْلُ فِي الْخِطَابِ لِلْمُعَيَّنِ ... وَالتَّرْكُ فِيْهِ؛ لِلْعُمُوْمِ الْبَيِّن
وَالْأَصْلُ فِي الْخِطَابِ لِلْمُعَيَّنِ: أَيِ الْأَصْلُ فِي الْخِطَابِ أَنْ يَكُوْنَ لِمُعَيَّنٍ، وَاحِداً كَانَ أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ وَضْعَ الْمَعَارَفِ عَلَى أَنْ تُسْتَعْمَلَ لِمُعَيَّنٍ، مَعَ أَنَّ الْخِطَابَ هُوَ تَوْجِيْهُ الْكَلَامِ إِلَى حَاضِرٍ.
وَالتَّرْكُ فِيْهِ: أَيْ فِي الْخِطَابِ، أَيْ قَدْ يُتْرَكُ الْخِطَابُ مَعَ مُعَيَّنٍ إِلَى غَيْرِهِ
لِلْعُمُوْمِ الْبَيِّنِ: الشَّامِلِ لِكُلِّ مُخَاطَبٍ عَلَى سَبِيْلِ الْبَدَلِيَّةِ؛ أَيْ لِيَعُمَّ الْخِطَابُ كُلَّ مُخَاطَبٍ عَلَى سَبِيْلِ الْبَدَلِ؛ نَحْوُ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢]؛ فَإِنَّهُ لَا يُرِيْدُ بِقَوْلِهِ: (وَلَوْ تَرَى) стр. 160
مُخَاطَباً مُعَيَّناً؛ قَصْداً إِلَى تَفْظِيْعِ حَالِهِمْ، أَيْ: تَنَاهَتْ حَالُهُمْ فِي
الظُّهُوْرِ لِأَهْلِ الْمَحْشَرِ، إِلَى حَيْثُ يَمْتَنِعُ خَفَاؤُهَا، فَلَا يَخْتَصُّ بِهَا رُؤْيَةُ رَاءٍ دُوْنَ رَاءٍ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَخْتَصُّ بِهَذَا الْخِطَابِ مُخَاطَبٌ دُوْنَ مُخَاطَبٍ، بَلْ كُلُّ مَنْ يَتَأَتَّى مِنْهُ الرُّؤْيَةُ فَلَهُ مُدْخَلٌ فِيْ هَذَا الْخِطَابِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
* * *
٢٣ - وَعَلَمِيَّةٍ؛ فَلِلْإِحْضَارِ، ... وَقَصْدِ تَعْظِيْمٍ، أَوِ احْتِقَار
وَ (بِـ) عَلَمِيَّةٍ: أَيْ وَإِمَّا كَوْنُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ مُعَرَّفاً بِالْعَلَمِيَّةِ، أَيْ بِإِيْرَادِهِ: (عَلَماً)، وَهُوَ: مَا وُضِعَ لِشَيْءٍ مَعَ جَمِيْعِ مُشَخِّصَاتِهِ، وَقَدَّمَهَا عَلَى بَقِيَّةِ الْمَعَارِفِ؛ لِأَنَّهَا أَعْرَفُ مِنْهَا (١)
فَلِلْإِحْضَارِ: أَيْ فَلِإِحْضَارِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ فِيْ ذِهْنِ السَّامِعِ ابْتِدَاءً بِاسْمٍ مُخْتَصٍّ بِهِ.
- وَقَوْلُنَا: (ابْتِدَاءً) أَيْ: أَوَّلَ مَرَّةٍ؛ احْتِرَازاً عَنْ إِحْضَارِهِ ثَانِياً بِالضَّمِيْرِ الْغَائِبِ نَحْوُ: (جَاءَنِيْ زَيْدٌ، وَهُوَ رَاكِبٌ).
- وَقَوْلُنَا: (بِاسْمٍ مُخْتَصٍّ بِهِ) أَيْ بِالْمُسْنَدِ إِلَيْهِ، بِحِيْثُ لَا يُطلَقُ عَلَى غَيْرِهِ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْوَضْعِ نَحْوُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] (٢).
- وَاحْتَرَزْنَا [بِ] (٣): (بِهِ) عَنْ إِحْضَارِهِ بِضَمِيْرِ الْمُتَكَلِّمِ، وَالْمُخَاطَبِ، وَاسْمِ الْإِشَارَةِ، وَالْمَوْصُوْلِ، وَالْمُعَرَّفِ بِلَامِ الْعَهْدِ، وَالْإِضَافَةِ؛ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ стр. 161
إِحْضَارُهُ بِعَيْنِهِ ابْتِدَاءً بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، لَكِنْ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا مُخْتَصّاً بِمُسْنَدٍ إِلَيْهِ مُعيَّنٍ
وَقَصْدِ تَعْظِيْمٍ أَوِ احْتِقَارِ: كَمَا فِي الْأَلْقَابِ (١): الصَّالِحَةِ لِمَدْحٍ نَحْوُ: (رَكِبَ عَلِيٌّ (٢))، أَوْ ذَمٍّ نَحْوُ: (هَرَبَ مُعَاوِيَةُ (٣)) (٤).
وَعَبَّرَ فِي التَّلْخِيْصِ (٥) بِالْإِهَانَةِ مَوْضِعَ الِاحْتِقَارِ، وَزَادَ فِيْهِ: (أَوْ كِنَايَةٍ).
قَالَ الشَّارِحُ (٦): «عَنْ مَعْنًى يَصْلُحُ لَهُ الِاسْمُ؛ نَحْوُ: (أَبُوْ لَهَبٍ (٧) فَعَلَ كَذَا)؛ كِنَايَةً عَنْ كُوْنِهِ جَهَنَّمِيّاً (٨).
وَزَادَ أَيْضاً (٩) (أَوْ إِيْهَامِ اسْتِلْذَاذِهِ) أَيْ: وِجْدَانِ العَلَمِ لَذِيْذاً؛ نَحْوُ قَوْلِهِ: [البسيط]
باللهِ يا ظَبَياتِ القاعِ، قُلْنَ لنا: ... ليلايَ منكنَّ، أم ليلى منَ البَشَرِ؟ (١٠) стр. 162
وَزَادَ أَيْضاً: (أَوِ التَّبَرُّكِ بِهِ) نَحْوُ: اللهُ الْهَادِيْ، وَمُحَمَّدٌ الشَّفِيْعُ».
قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ (١): «أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ؛ كَالتَّفَاؤُلِ (٢)، وَالتَّطَيُّرِ (٣)، وَالتَّسْجِيْلِ عَلَى السَّامِعِ (٤)، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُنَاسِبُ اعْتِبَارُهُ فِي الْأَعْلَامِ (٥)» اِنْتَهَى.
* * *
٢٤ - وَصِلَةٍ؛ لِلْجَهْلِ، وَالتَّعْظِيمِ ... لِلشَّأْنِ، وَالْإِيْمَاءِ، وَالتَّفْخِيْم
وَصِلَةٍ: أَيْ وَإِمَّا تَعْرِيْفُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ بِالْمَوْصُوْلِيَّةِ، أَيْ: بِإِيْرَادِهِ اسْمَ مَوْصُوْلٍ وَتَخْصِيْصِهِ بِالصِّلَةِ (٦).
لِلْجَهْلِ: أَيْ لِجَهْلِ الْمُخَاطَبِ، أَيْ: عَدَمِ عِلْمِهِ بِالْأَحْوَالِ الْمُخْتَصَّةِ стр. 163
بِهِ سِوَى الصِّلَةِ؛ كَقَوْلِكَ: (الَّذِيْ كَانَ مَعَنَا أَمْسِ رَجْلٌ عَالِمٌ). وَإِنَّمَا خُصَّ الْجَهْلُ بِالْمُخَاطَبِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَكُوْنُ لِلْمُتَكَلِّمِ أَوْ لِكِلَيْهِمَا عِلْمٌ بِغَيْرِ الصِّلَةِ؛ نَحوُ: (الَّذِيْنَ فِيْ بِلَادِ الْمَشْرِقِ لَا أَعْرِفُهُمْ، أَوْ لَا نَعْرِفُهُمْ) = قَلِيْلُ الْجَدْوَى، وَوُقُوْعُهُ نَادِرٌ.
وَالتَّعْظِيمِ لِلشَّأْنِ: أَيْ شَأْنِ الْخَبَرِ عَلَى وَجْهِ الْإِيْمَاءِ؛ كَقَوْلِهِ: [الكامل]
إِنَّ الَّذِيْ سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لَنَا ... بَيْتاً دَعَائِمُهُ أَعَزُّ وَأَطْوَلُ (١)
فَفِيْ قَوْلِهِ: (إِنَّ الّذِيْ سَمَكَ السَّمَاءَ) إِيْمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْخَبَرَ الْمَبْنِيَّ عَلَيْهِ أَمْرٌ مِنْ جِنْسِ الرِّفْعَةِ وَالْبِنَاءِ عِنْدَ مَنْ لَهُ ذَوْقٌ سَلِيْمٌ، ثُمَّ فِيْهِ تَعْرِيْضٌ بِتَعْظِيْمِ بِنَاءِ بَيْتِهِ؛ لِكَوْنِهِ فِعْلَ مَنْ رَفَعَ السَّمَاءَ الّتِيْ لَا بِنَاءَ أَعْظَمُ مِنْهَا وَأَرْفَعُ.
أَوْ شَأْنِ غَيْرِهِ، أَيْ: غَيْرِ الْخَبَرِ، نَحْوُ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٩٢] فَفِيْهِ إِيْمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْخَبَرَ الْمَبْنِيَّ عَلَيْهِ مِمَّا يُنْبِئُ عَنِ الْخَيْبَةِ وَالْخُسْرَانِ، وَتَعْظِيْمٌ لِشَأْنِ شُعَيْبٍ ﵇.
وَالْإِيْمَاءِ: أَيِ الْإِشَارَةِ. أَيْ تَعْرِيْفِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ بِالْمَوْصُوْلِيَّةِ؛ لِلْإِشَارَةِ إِلَى طَرِيْقِ بِنَاءِ الْخَبَرِ. يَعْنِيْ: تَأْتِيْ بِالْمَوْصُوْلِ وَالصِّلَةِ؛ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ بِنَاءَ الْخَبَرِ عَلِيْهِ، مِنْ أَيِّ وَجْهٍ وَأَيِّ طَرِيْقٍ مِنَ الثَّوَابِ، وَالْعِقَابِ، وَالْمَدْحِ، وَالذَّمِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر: ٦٠]؛ فَإِنَّ فِيْهَ إِيْمَاءً إِلَى أَنَّ الْخَبَرَ الْمَبْنِيَّ عَلَيْهِ أَمْرٌ مِنْ جِنْسِ الْعِقَابِ وَالْإِذْلَالِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] (٢). стр. 164
قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ (١) ﵀: «وَحَاصِلُهُ - أَيِ الْإِيْمَاءِ -: أَنْ تَأْتِيَ بِالْفَاتِحَةِ عَلَى وَجْهٍ يُنَبِّهُ الفَطِنَ عَلَى الْخَاتِمَةِ. كَالْإِرْصَادِ فِيْ عِلْمِ الْبَدِيْعِ (٢)» اِنْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ (٣): «وَرُبَّمَا يُجْعَلُ - أَيِ الْإِيْمَاءُ - ذَرِيْعَةً إِلَى:
- الْإِهَانَةِ لِشَأْنِ الْخَبَرِ؛ نَحْوُ: (إِنَّ الَّذِيْ لَا يُحْسِنُ الْفِقْهَ قَدْ صَنَّفَ فِيْهِ) (٤).
- أَوْ لِشَأْنِ غَيْرِهِ نَحْوُ: (إِنَّ الَّذِيْ يَتَّبِعُ الشَّيْطَانَ فَهُوَ خَاسِرٌ).
- وَقَدْ يُجْعَلُ ذَرِيْعَةً إِلَى تَحْقِيْقِ الْخَبَرِ. أَيْ: جَعْلِهِ مُحَقَّقاً ثَابِتاً؛ نَحْوُ: [البسيط]
إِنَّ الَّتِيْ ضَرَبَتْ بَيْتاً مُهَاجِرَةً ... بِكُوفَةِ الْجُنْدِ غَالَتْ وُدَّهَا غُوْلُ (٥)
فَإِنَّ فِيْ ضَرْبِ الْبَيْتِ بِكُوْفَةَ، وَالْمُهَاجَرَةِ إِلَيْهَا إِيْمَاءً إِلَى أَنَّ طَرِيْقَ بِنَاءِ الْخَبَرِ مِمَّا يُنْبِئُ عَنْ زَوَالِ الْمَحَبَّةِ وَانْقِطَاعِ الْمَوَدَّةِ، ثُمَّ إِنَّهُ يُحَقِّقُ زَوَالَ الْمَحَبَّةِ، وَيُقَرِّرُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ بُرْهَانٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا مَعْنَى تَحْقِيْقِ الْخَبَرِ، وَهُوَ مَفْقُوْدٌ فِيْ مِثْلِ: (إِنَّ الَّذِيْ سَمَكَ السَّمَاءَ)؛ إِذْ لَيْسَ فِيْ رَفْعِ اللهِ السَّمَاءَ تَحْقِيْقٌ وَتَثْبِيْتٌ لِبِنَائِهِ لَهُمْ بَيْتاً، فَظَهَرَ الْفَرْقُ/ بَيْنَ الْإِيْمَاءِ وَتَحْقِيْقِ الْخَبَرِ» اِنْتَهَى. стр. 165
وَالتَّفْخِيْمِ: أَيْ تَعْرِيْفِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ بِالْمَوْصُوْلِيَّةِ، قَدْ يَكُوْنُ لِلتَّفْخَيْمِ أَيِ التَّعْظِيْمِ وَالتَّهْوِيْلِ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨]؛ فَإِنَّ فَيْ هَذَا الْإِبْهَامِ مِنَ التَّفْخِيْمِ مَا لَا يَخْفَى.
وَقَدْ يَكُوْنُ الْمُسْنَدُ إِلَيْهِ اسمَ مَوْصُوْلٍ لِغَيْرِ مَا ذُكِرَ؛ كـ:
- اسْتِهْجَانِ التَّصْرِيْحِ بِالِاسْمِ؛ نَحْوُ قَوْلِكَ: (الَّذِيْ خَرَجَ مِنَ السَّبِيْلَيْنِ نَقَضَ الْوُضُوْءَ) فَإِنَّ التَّصْرِيْحَ بِاسْمِ الْخَارِجِ مِنْهُمَا؛ كَالْغَائِطِ وَنَحْوِهِ قَبِيْحٌ.
- أَوْ زِيَادةِ التَّقْرِيْرِ، أَيْ: تَقْرِيْرِ الْغَرَضِ الْمَسُوْقِ لَهُ الْكَلَامُ؛ نَحْوُ: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٢٣]، فَالغَرَضُ الْمَسُوْقُ لَهُ الْكَلَامُ نَزَاهَةُ يُوْسُفَ وَطَهَارَةُ ذَيْلِهِ، وَالْمَذْكُوْرُ (١) أَدَلُّ عَلَيْهِ مِنِ (امْرَأَةِ الْعَزِيْزِ) أَوْ (زَلِيْخَا)؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ فِيْ بَيْتِهَا (٢)، وَتَمكَّنَ مِنْ نَيْلِ الْمُرَادِ مِنْهَا، وَلَمْ يَفْعَلْ، كَانَ غَايَةً فِي النَّزَاهَةِ.
- أَوْ تَنْبِيْهِ الْمُخَاطَبِ عَلَى خَطَأٍ، نَحْوُ: [الكامل]
إِنَّ الَّذِيْنَ تَرَوْنَهُمْ إِخْوَانَكُمْ ... يَشْفِيْ غَلِيْلَ صُدُوْرِهِمْ أَنْ تُصْرَعُوْا (٣)
أَيْ: تَهْلِكُوْا أَوْ تُصَابُوْا بِالْحَوَادِثِ.
فَفِيْهِ مِنَ التَّنْبِيْهِ عَلَى خَطَئِهِمْ فِيْ هَذَا الظَّنِّ مَا لَيْسَ فِيْ قَوْلِكَ: (إِنَّ стр. 166
الْقَوْمَ الْفُلَانِيَّ). وَاللهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ (١).
* * *
٢٥ - وَبِإِشَارَةٍ؛ لِذِيْ فَهْمٍ بَطِيْ ... فِي الْقُرْبِ والبُعْدِ أَوِ التَّوَسُّط
وَبِإِشَارَةٍ: أَيْ وَإِمَّا تَعْرِيْفُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ بِإِيْرَادِهِ اسْمَ إِشَارَةٍ؛ لِلتَّعْرِيْضِ بِغَبَاوَةِ السَّامِعِ، حَتَّى كَأَنَّهُ لَا يُدْرِكُ غَيْرَ الْمَحْسُوْسِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ:
لِذِيْ فَهْمٍ بَطِيْ: فَلَا يَتَمَيَّزُ عِنْدَه شَيْءٌ إِلَّا بِالْحِسِّ، كَقَوْلِ الْفَرَزْدَقِ: [الطويل]
أُولَئِكَ آبَائِيْ، فَجِئْنِيْ بِمِثْلِهِمْ ... إِذَا جَمَعَتْنَا - يَا جَرِيْرُ - الْمَجَامِعُ (٢)
أَوْ بَيَانِ حَالِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ стр. 167
فِي الْقُرْبِ: نَحْوُ: (هَذَا زَيْدٌ).
والبُعْدِ: نَحْوُ: (ذَلِكَ زَيْدٌ).
أَوِ التَّوَسُّطِ: نَحْوُ: (ذَاكَ زَيْدٌ).
وَأَخَّرَ ذِكْرَ التَّوَسُّطِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بَعْدَ تَحَقُّقِ الطَّرَفَيْنِ، وَرُبَّمَا جُعِلَ:
- الْقُرْبُ ذَرِيْعَةً إِلَى التَّحْقِيْرِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١].
- وَرُبَّمَا جُعِلَ الْبُعْدُ ذَرِيْعَةً إِلَى التَّعْظِيْمِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ١ - ٢]؛ ذَهَاباً إِلَى بُعْدِ دَرَجَتِهِ، وَنَحْوُهُ: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢].
- وَقَدْ يُجْعَلُ ذَرِيْعَةً إِلَى التَّحْقِيْرِ؛ كَمَا يُقَالُ: (ذَلِكَ اللَّعِيْنُ فَعَلَ كَذَا).
- وَقَدْ يَكُوْنُ تَعْرِيْفُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ بِالْإِشَارَةِ؛ لِلتَّنْبِيْهِ، عِنْدَ تَعْقِيْبِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِأَوْصَافٍ، عَلَى أَنَّهُ - أَيِ: الْمُشَارَ إِلَيْهِ - جَدِيْرٌ بِمَا يَرِدُ بَعْدَهُ مِنْ أَجْلِهَا؛ أَيْ: حَقِيْقٌ بِذَلِكَ؛ لِأَجْلِ الْأَوْصَافِ الَّتِيْ ذُكِرَتْ بَعْدَ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، نَحْوُ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٣] إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥]، فَإِنَّهُ عَقَّبَ الْمُشَارَ إِلَيْهِ - وَهُوَ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ - بِأَوْصَافٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنَ الْإِيْمَانِ بِالْغَيْبِ، وَإِقْامِ الصَّلَاةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. ثُمَّ عَرَّفَ الْمُسْنَدَ إِلَيْهِ بِالْإِشَارَةِ؛ تَنْبِيْهاً عَلَى أَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِمْ أَحِقَّاءُ بِمَا يَرِدُ بَعْدَ (أُولَئِكَ)؛ وَهُوَ كَوْنُهُمْ عَلَى هُدًى عَاجِلاً، وَالْفَوْزِ بِالْفَلَاحِ آجِلاً؛ مِنْ أَجْلِ اتِّصَافِهِمْ بِالْأَوْصَافِ الْمَذْكُوْرَةِ.
- وَقَدْ يَكُوْنُ الْمُسْنَدُ إِلَيْهِ مُعَرَّفاً بِالْإِشَارَةِ؛ لِتَمْيِيْزِهِ أَكْمَلَ تَمْيِيْزٍ لِغَرَضٍ مِنَ الْأَغْرَاضِ؛ كَقَوْلِهِ: [البسيط]
стр. 168
هَذَا أَبُو الصَّقْرِ فَرْداً فِيْ مَحَاسِنِهِ ... مِنْ نَسْلِ شَيْبَانَ بَيْنَ الضَّالِ وَالسَّلَمِ (١)
وَهُمَا: شَجَرَتَانِ بِالْبَادِيَةِ، يَعْنِيْ: يُقِيْمُوْنَ فِي الْبَادِيَةِ؛ لِأَنَّ فَقْدَ الْعِزِّ فِي الْحَضَرِ. (٢)
* * *
٢٦ - وَأَلْ؛ لِعَهْدٍ، أَوْ حَقِيْقَةٍ، وَقَدْ ... يفِيْدُ الِاسْتِغْرَاقَ، أَوْ لِمَا انْفَرَدْ
وَأَلْ لِعَهْدٍ: أَيْ وَإِمَّا تَعْرِيْفُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ بِـ (أَلْ) - وَعُبِّرَ عَنْهَا فِي التَّلْخِيْصِ (٣): بِـ (اللَّامِ) - فَلِلْإِشَارَةِ إِلَى مَعْهُوْدٍ.
فَأَطْلَقَ الْمَصْدَرَ، وَأَرَادَ بِهِ اسْمَ الْمَفْعُوْلِ.
أَيْ: حِصَّتُهُ مِنَ الْحَقِيْقَةِ مَعْهُوْدَةٌ بَيْنَ الْمُتَكَلِّمِ وَالْمُخَاطَبِ، وَاحِداً كَانَ أَوِ اثْنَيْنِ أَوْ جَمَاعَةً؛ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ صَرِيْحاً؛ وَيُسَمَّى: الْعَهْدَ الْخَارِجِيَّ الْحَقِيْقِيَّ، أَوْ كِنَايَةً؛ وَيُسَمَّى: الْعَهْدَ الْخَارِجِيَّ التَّقْدِيْرِيَّ (٤)؛ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦]؛ أَيْ: لَيْسَ الذَّكَرُ الَّذِيْ طَلَبَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ كَالَّتِيْ وُهِبَتْ لَهَا، أَيْ: كَالْأُنْثَى الَّتِيْ وُهِبَتْ لَهَا. стр. 169
فَالْأُنْثَى إِشَارَةٌ إِلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ صَرِيْحاً فِيْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦]، لَكِنَّهُ لَيْسَ مُسْنَداً إِلَيْهِ (١).
وَالذَّكَرُ إِشَارَةٌ إِلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ كِنَايَةً فِيْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥]، فَإِنَّ لَفْظَ (مَا)، وَإِنْ كَانَ يَعُمُّ الذُّكُوْرَ وَالْإِنَاثَ، لَكِنَّ التَّحْرِيْرَ - وَهُوَ: أَنْ يُعْتَقَ الْوَلَدُ لِخِدْمَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ - إِنَّمَا يَكُوْنُ لِلذُّكُوْرِ دُوْنَ الْإِنَاثِ، وَهُوَ مُسْنَدٌ إِلَيْهِ (٢).
- وَقَدْ/ يُسْتَغْنَى عَنْ تَقْدِيْمِ ذِكْرِهِ (٣)؛ لِتَقَدُّمِ عِلْمِ الْمُخَاطَبِ، نَحْوُ: (خَرَجَ الْأَمِيْرُ) إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ إِلَّا أَمِيْرٌ وَاحِدٌ (٤).
- وَظَاهِرُ صَنِيْعِ الشَّارِحِ يُؤْذِنُ بِأَنَّ الْأُنْثَى فِيْ قَوْلِهِ: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى) مِثَالٌ لِلْمُسْنَدِ إِلَيْهِ الْمَعْهُوْدِ الَّذِيْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ صَرِيْحاً، مَعَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْوَاقِعِ، فَتَأَمَّلْ (٥).
أَوْ حَقِيْقَةٍ: أَيْ أَوْ لِلْإِشَارَةِ إِلَى نَفْسِ الْحَقِيْقَةِ وَمَفْهُوْمِ الْمُسَمَّى، مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ لِمَا صَدَقَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَفْرَادِ؛ كَقَوْلِكَ: (الرَّجُلُ خَيْرٌ مِنَ الْمَرْأَةِ). стр. 170
قَالَ فِي الْمُطَوَّلِ (١): «وَمِنْهُ اللَّامُ الدَّاخِلَةُ عَلَى الْمُعَرَّفَاتِ؛ نَحْوُ: (الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ)، وَ (الْكَلِمَةُ لَفْظٌ وُضِعَ لِمَعْنًى مُفْرَدٍ)، وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيْفَ لِلْمَاهِيَّاتِ» اِنْتَهَى.
وَقَدْ يفِيْدُ: الْمُعَرَّفُ بِاللَّامِ الْمُشَارِ بِهَا إِلَى الْحَقِيْقَةِ
الِاسْتِغْرَاقَ: نَحْوُ: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] أُشِيْرَ بِاللَّامِ إِلَى الْحَقِيْقَةِ (٢)، لَكِنْ لَمْ يُقْصَدْ بِهَا الْمَاهِيَّةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ، وَلَا مِنْ حَيْثُ تَحَقُّقُهَا فِيْ ضِمْنِ بَعْضِ الْأَفْرَادِ، بَلْ فِيْ ضِمْنِ الْجَمِيْعِ، بِدَلِيْلِ صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ (٣) الَّذِيْ شَرْطُهُ دُخُوْلُ الْمُسْتَثْنَى فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ لَوْ سُكِتَ عَنْ ذِكْرِهِ.
قَالَ فِي التَّلْخِيْصِ (٤): «وَهُوَ - أَيِ: الِاسْتِغْرَاقُ - ضَرْبَانِ:
- حَقِيْقِيٌّ (٥)؛ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [السجدة: ٦]، أَيْ: كُلِّ غَيْبٍ وَشَهَادَةٍ.
- وَعُرْفِيٌّ (٦)؛ نَحْوُ: (جَمَعَ الْأَمِيْرُ الصَّاغَةَ) أَيْ: صَاغَةَ بَلَدِهِ أَوْ مَمْلَكَتِهِ» اِنْتَهَى. (٧) стр. 171
أَوْ لِمَا انْفَرَدْ: أَيْ قَدْ يَأْتِي الْمُعَرَّفُ بِلَامِ الْحَقِيْقَةِ لِوَاحِدٍ مِنَ الْأَفْرَادِ بِاعْتِبَارِ عَهْدِيَّتِهِ في الذِّهْنِ (١)؛ كَقَوْلِكَ: (اُدْخُلِ السُّوْقَ) حَيْثُ لَا عَهْدَ فِي الْخَارِجِ (٢)، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣] وَاللهُ أَعْلَمُ. (٣)
* * *
٢٧ - وَبِإِضَافَةٍ؛ فَلِاخْتِصَارِ، ... نَعَمْ وَلِلذَّمِّ، أَوِ احْتِقَار
وَبِإِضَافَةٍ: أَيْ: تَعْرِيْفِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الْمَعَارِفِ.
فَلِاخْتِصَارِ: أَيْ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ أَخْصَرُ طَرِيْقٍ إِلَى إِحْضَارِهِ فِيْ ذِهْنِ стр. 172
السَّامِعِ؛ كَقَوْلِهِ: [الطّويل]
هَوَايَ مَعَ الرَّكْبِ الْيَمَانِيْنَ مُصْعِدٌ ... جَنِيْبٌ، وَجُثْمَانِيْ بِمَكَّةَ مُوْثَقُ (١)
فَلَفْظُ: (هَوَايَ) أَخْصَرُ مِنْ: (الَّذِيْ أَهْوَاهُ).
نَعَمْ وَلِلذَّمِّ: أَيْ وَقَدْ يَكُوْنُ تَعْرِيْفُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ بِالْإِضَافَةِ لِلذَّمِّ؛ نَحْوُ: (عُلَمَاءُ الْبَلَدِ فَعَلُوْا كَذَا) (٢).
أَوِ احْتِقَارِ: أَيْ أَوْ يَكُوْنُ تَعْرِيْفُهُ بِالْإِضَافَةِ لِاحْتِقَارِ:
· الْمُضَافِ؛ نَحْوُ: (وَلَدُ الْحَجَّامِ حَاضِرٌ).
· أَوِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ؛ نَحْوُ: (ضَارِبُ زَيْدٍ حَاضِرٌ).
· أَوْ غَيْرِهِمَا؛ نَحْوُ: (وَلَدُ الْحَجَّامِ جَلِيْسُ زَيْدٍ). (٣)
- وَقَدْ يَكُوْنُ تَعْرِيْفُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ بِالْإِضَافَةِ لِتَضَمُّنِهَا تَعْظِيْماً لِشَأْنِ: стр. 173
· الْمُضَافِ إِلَيْهِ؛ نَحْوُ: (عَبْدِيْ حَضَرَ).
· أَوِ الْمُضَافِ (١) نَحْوُ: (عَبْدُ الْخَلِيْفَةِ رَكِبَ).
· أَوْ غَيْرِهِمَا نَحْوُ: (عَبْدُ السُّلْطَانِ عِنْدِيْ).
قَالَ فِي الْمُطَوَّلِ (٢):
- وَقَدْ تَكُوْنُ الْإِضَافَةُ لِإِغْنَائِهَا عَنْ تَفْصِيْلٍ:
· مُتَعَذِّرٍ؛ نَحْوُ: (اِتَّفَقَ أَهْلُ الْحَقِّ عَلَى كَذَا).
· أَوْ مُتَعَسِّرٍ؛ نَحْوُ: (أَهْلُ الْبَلَدِ فَعَلُوْا كَذَا).
- أَوْ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ عَنِ التَّفْصِيْلِ مَانِعٌ:
· كَتَقْدِيْمِ بَعْضٍ عَلَى بَعْضٍ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ؛ نَحْوُ: (حَضَرَ الْيَوْمَ عُلَمَاءُ الْبَلَدِ).
- وَكَالتَّصْرِيْحِ بِذَمِّهِمْ وَإِهَانَتِهِمْ؛ نَحْوُ: (عُلَمَاءُ الْبَلَدِ فَعَلُوْا كَذَا) (٣).
- وَكَسَآمَةِ السَّامِعِ أَوِ الْمُخَاطَبِ؛ نَحْوُ: (حَضَرَ أَهْلُ السُّوْقِ).
- أَوْ لِتَضَمُّنِ الْإِضَافَةِ تَحْرِيْضاً عَلَى إِكْرَامٍ أَوْ إِذْلَالٍ أَوْ نَحْوِهِمَا؛ نَحْوُ: (صَدِيْقُكَ أَوْ عَدُوُّكَ بِالْبَابِ)، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فَإِنَّهُ لَمَّا نُهِيَتِ الْمَرْأةُ عَنِ الْمُضَارَّةِ أُضِيْفَ الْوَلَدُ إِلَيْهَا اسْتِعْطَافاً لَهَا عَلَيْهِ، وَكَذَا الْوَالِدُ.
- أَوْ لِتَضَمُّنِهَا اسْتِهْزَاءً أَوْ تَهَكُّماً؛ نَحْوُ: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]. стр. 174
- أَوِ اعْتِبَاراً لَطِيْفاً مَجَازِيّاً وَهُوَ الْإِضَافَةُ بِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ مِنْ غَيْرِ تَمَلُّكٍ وَاخْتِصَاصٍ؛ نَحْوُ: (كَوْكَبُ الْخَرْقَاءِ) (١).
- أَوْ لِأَنَّهُ لَا طَرِيْقَ إِلَى إِحْضَارِهِ سِوَى الْإِضَافَةِ؛ نَحْوُ: (غُلَامُ زَيْدٍ بِالْبَابِ).
- أَوْ لِإِفَادَةِ الْإِضَافَةِ جِنْسِيَّةً وَتَعْمِيْماً؛ كَقَوْلِهِمْ: (تَدُلُّكَ عَلَى خُزَامَى الْأَرْضِ النَّفْحَةُ مِنْ رَائِحَتِها) يَعْنِيْ: عَلَى جِنْسِ الْخُزَامَى؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاسْمَ الْمُفْرَدَ حَامِلٌ لِمَعْنَى الْجِنْسِيَّةِ وَالْفَرْدِيَّةِ، فَإِذَا أُضِيْفَ إِضَافَةً هِيَ مِنْ خَوَاصِّ الْجِنْسِ دُوْنَ الْفَرْدِ عُلِمَ أَنَّ الْقَصْدَ بِهِ إِلَى الْجِنْسِ، كَالْوَصْفِ فِيْ نَحْوِ: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] اِنْتَهَى.
* * *
٢٨ - وإنْ مُنَكَّراً؛ فَلِلتَّحْقِيْرِ، ... وَالضِّدِّ، وَالْإِفْرَادِ، وَالتَّكْثِيْر
وإنْ مُنَكَّراً: أَيْ وَإِنْ يَكُنِ الْمُسْنَدُ إِلَيْهِ مُنَكَّراً
فَلِلتَّحْقِيْرِ وَالضِّدِّ: أَيْ ضِدِّ التَّحْقِيْرِ، وَهُوَ التَّعْظِيْمُ.
وَقَدْ جَمَعَهَا (٢) بِقَوْلِهِ: [الطّويل]
لَهُ حَاجِبٌ فِيْ كُلِّ أَمْرٍ يَشِيْنُهُ ... وَلَيْسَ لَهُ عَنْ طَالِبِ الْعُرْفِ حَاجِبُ (٣) стр. 175
فَقَوْلُهُ: (لَهُ حَاجِبٌ) أَيْ: مَانِعٌ عَظِيْمٌ، وَقَوْلُهُ: (وَلَيْسَ لَهُ عَنْ طَالِبِ الْعُرْفِ حَاجِبُ) أَيْ: مَانِعٌ حَقِيْرٌ، فَكَيْفَ [بِالْمَانِعِ] (١) الْعَظِيْمِ؟
وَالْإِفْرَادِ: أَيْ قَدْ يَكُوْنُ مُنَكَّراً؛ لِلْقَصْدِ إِلَى فَرْدٍ مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْجِنْسِ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠] أَيْ: فَرْدٌ مِنْ أَشْخَاصِ الرِّجَالِ.
وَالتَّكْثِيْرِ: كَقَوْلِهِمْ: (إِنَّ لَهُ لَإِبِلاً، وَإِنَّ لَهُ لَغَنَماً) أَيْ: كَثِيْرَةً
* * *
٢٩ - وَضِدِّهِ. وَالْوَصْفُ؛ لِلتَّبْيِيْنِ، ... وَالْمَدْحِ، وَالتَّخْصِيْصِ، وَالتَّعْيِيْن
وَضِدِّهِ: أَيْ ضِدِّ التَّكْثِيْرِ، وَهُوَ التَّقْلِيْلُ؛ نَحْوُ قَوْلِهِ/ تَعَالَى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢]، أَيْ: وَشَيْءٌ مَّا مِنْ رِضْوَانِهِ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ (٢)؛ لِأَنَّ رِضَاهُ سَبَبُ كُلِّ سَعَادَةٍ وَفَلَاحٍ.
قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ (٣): «وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّعْظِيْمِ وَالتَّكْثِيْرِ أَنَّ التَّعْظِيْمَ: بِحَسَبِ ارْتِفَاعِ الشَّأْنِ
وَعُلُوِّ الطَّبَقَةِ، وَالتَّكْثِيْرَ: بِاعْتِبَارِ الْكَمِّيَّاتِ وَالْمَقَادِيْرِ؛ تَحْقِيْقاً كَمَا فِي الْإِبِلِ، أَوْ تَقْدِيْراً كَمَا فِي الرِّضْوَانِ. وَكَذَا التَّحْقِيْرُ وَالتَّقْلِيْلُ» اِنْتَهَى.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: (وَكَذَا التَّحْقِيْرُ وَالتَّقْلِيْلُ) أَيْ أَنَّ التَّحْقِيْرَ: يُسْتَعْمَلُ فِي انْحِطَاطِ الشَّأْنِ، وَالتَّقْلِيْلَ: بِاعْتِبَارِ الْكَمِّيَّاتِ. стр. 176
قَالَ فِي التَّلْخِيْصِ (١): «وَقَدْ جَاءَ التَّنْكِيْرُ لِلتَّعْظِيْمِ وَالتَّكْثِيْرِ (٢)؛ نَحْوُ: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فاطر: ٤]، أَيْ: ذَوُوْ عَدَدٍ كَثِيْرٍ، وَذَوُوْ آيَاتٍ عِظَامٍ».
قَالَ فِي الْمُطَوَّلِ (٣): «وَيَجِيْءُ - أَيِ: التَّنْكِيْرُ - لِلتَّحْقِيْرِ وَالتَّقْلِيْلِ أَيْضاً؛ نَحْوُ: (أَعْطَانِيْ شَيْئاً) أَيْ: حَقِيْراً قَلِيْلاً. فَالتَّعْظِيْمُ وَالتَّكْثِيْرُ (٤) قَدْ يَجْتَمِعَانِ وَقَدْ يَفْتَرِقَانِ، وَكَذا التَّحْقِيْرُ وَالتَّقْلِيْلُ.
- وَقَدْ يُنَكَّرُ الْمُسْنَدُ [إِلَيْهِ] (٥) لِعَدَمِ عِلْمِ الْمُتَكَلِّمِ بِجِهَةٍ مِنْ جِهَاتِ التَّعْرِيْفِ حَقِيْقَةً (٦) أَوْ تَجَاهُلاً (٧).
- أَوْ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ عَنِ التَّعْرِيْفِ مَانِعٌ؛ كَقَوْلِهِ: [الوافر]
إِذَا سَئِمَتْ مُهَنَّدَهُ يَمِيْنٌ ... لِطُوْلِ الْحَمْلِ بَدَّلَهُ شِمَالَا (٨)
لَمْ يَقُلْ: (يَمِيْنُهُ)؛ احْتِرَازاً عَنِ التَّصْرِيْحِ بِنِسْبَةِ السَّآمَةِ إِلَى يَمِيْنِ стр. 177
الْمَمْدُوْحِ» اِنْتَهَى كَلَامُهُ. (١)
وَالْوَصْفُ: أَيْ وَصْفُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ - وَقَدَّمَ مِنَ التَّوَابِعِ ذِكْرَ الْوَصْفِ؛ لِكَثْرَةِ وُقُوْعِهِ وَاعْتِبَارَاتِهِ - يَكُوْنُ:
لِلتَّبْيِيْنِ: أَيْ مُبَيِّناً لِلْمُسْنَدِ إِلَيْهِ كَاشِفاً عَنْ مَعْنَاهُ؛ كَقَوْلِكَ: (الْجِسْمُ الطَّوِيْلُ الْعَرِيْضُ الْعَمِيْقُ يَحْتَاجُ إِلَى فَرَاغٍ يَشْغَلُهُ) فَإِنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ مِمَّا يُوَضِّحُ الْجِسْمَ، وَيَقَعُ تَعْرِيْفاً لَهُ.
وَالْمَدْحِ: أَيْ قَدْ يَكُوْنُ الْوَصْفُ لِلْمَدْحِ أَوِ الذَّمِّ أَوِ التَّرَحُّمِ؛ نَحْوُ: (جَاءَ زَيْدٌ العَالِمُ، أَوِ الْجَاهِلُ، أَوِ الْمِسْكِيْنُ) حَيْثُ يَتَعَيَّنُ الْمَوْصُوْفُ قَبْلَ ذِكْرِ الْوَصْفِ (٢)، وَإِلَّا لَكَانَ الْوَصْفُ مُخَصِّصاً.
وَالتَّخْصِيْصِ: أَيْ قَدْ يَكُوْنُ الْوَصْفُ لِتَخْصِيْصِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ؛ أَيْ مُقَلِّلاً اشْتِرَاكَهُ أَوْ رَافِعاً احْتِمَالَهُ.
قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ (٣): «وَفِيْ عُرْفِ النُّحَاةِ التَّخْصِيْصُ: عِبَارَةٌ عَنْ تَقْلِيْلِ الِاشْتِرَاكِ فِي النَّكِرَاتِ، وَالتَّوْضِيْحُ: عِبَارَةٌ عَنْ رَفْعِ الِاحْتِمَالِ فِي الْمَعَارِفِ؛ نَحْوُ: (زَيْدٌ التَّاجِرُ عِنْدَنَا)، فَإِنَّ وَصْفَهُ بِالتَّاجِرِ يَرْفَعُ احْتِمَالَ التَّاجِرِ وَغَيْرِهِ» (٤). стр. 178
وَالتَّعْيِيْنِ: هُوَ شَرْطٌ فِيْ إِفَادَةِ الْوَصْفِ (الْمَدْحَ، أَوِ الذَّمَّ، أَوِ التَّرَحُّمَ)، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَعَيِّناً قَبْلَ ذِكْرِ الْوَصْفِ كَانَ الْوَصْفُ مُخَصِّصاً، كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
- وَقَدْ يَكُوْنُ الْوَصْفُ لِلتَّأْكِيْدِ؛ نَحْوُ: (أَمْسِ الدَّابِرِ كَانَ يَوْماً عَظِيْماً)، فَإِنَّ لَفْظَ (أَمْسِ) مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الدُّبُوْرِ.
- وَقَدْ يَكُوْنُ الْوَصْفُ لِبَيَانِ الْمَقْصُوْدِ وَتَفْسِيْرِهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، حَيْثُ وَصَفَ دَابَّةً وَطَائِراً بِمَا هُوَ مِنْ خَوَاصِّ الْجِنْسِ؛ لِبَيَانِ أَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُمَا إِلَى الْجِنْسِ دُوْنَ الْفَرْدِ، وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ أَفَادَ هَذَا الْوَصْفُ زِيَادَةَ التَّعْمِيْمِ وَالْإِحَاطَةِ، هَكَذَا ذَكَرَه التَّفْتَازَانِيُّ ﵀ (١).
* * *
٣٠ - وَكَوْنُهُ مُؤَكَّداً فَيَحْصُلُ ... لِدَفْعِ وَهْمِ كَوْنِهِ لَا يَشْمَلُ
وَكَوْنُهُ: أَيِ الْمُسْنَدُ إِلَيْهِ
مُؤَكَّداً فَيَحْصُلُ لِدَفْعِ وَهْمِ: أَيْ تَوَهُّمِ
كَوْنِهِ لَا يَشْمَلُ: أَيْ عَدَمِ شُمُوْلِهِ؛ نَحْوُ: (جَاءَنِي القَوْمُ كُلُّهُمْ أَوْ أَجْمَعُوْنَ)؛ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ:
- أَنَّ بَعْضَهُمْ لَمْ يَجِئْ إِلَّا أَنَّكَ لَمْ تَعْتَدَّ بِهِمْ.
- أَوْ أَنَّكَ جَعَلْتَ الْفِعْلَ الْوَاقِعَ مِنَ الْبَعْضِ كَالْوَاقِعِ مِنَ الْكُلِّ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ فِيْ حُكْمِ شَخْصٍ وَاحِدٍ.
* * * стр. 179
٣١ - وَالسَّهْوِ، وَالتَّجَوُّزِ الْمُبَاحِ ... ثُمَّ بَيَانُهُ؛ فَلِلْإِيْضَاح
وَالسَّهْوِ: أَيْ أَوْ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ السَّهْوِ؛ نَحْوُ: (جَاءَنِيْ زَيْدٌ زَيْدٌ)؛ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ: أنَّ الْجَائِيَ غَيْرُ زَيْدٍ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ (زَيْدٌ) عَلَى سَبِيْلِ السَّهْوِ. (١)
وَلِدَفْعِ تَوَهُّمِ التَّجَوُّزِ الْمُبَاحِ: أَيِ التَّكَلُّمِ بِالْمَجَازِ؛ نَحْوُ: (قَطَعَ اللِّصَّ الْأَمِيْرُ الْأَمِيْرُ، أَوْ نَفْسُهُ، أَوْ عَيْنُهُ)؛ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ: أَنَّ الْقَاطِعَ بَعْضُ غِلْمَانِهِ.
- وَقَدْ يَكُوْنُ التَّوْكِيْدُ لِلتَّقْرِيْرِ؛ أَيْ تَقْرِيْرِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ، أَيْ: تَحْقِيْقِ مَدْلُوْلِهِ وَمَفْهُوْمِهِ، أَيْ: جَعْلِهِ مُقَرَّراً وَمُحَقَّقاً ثَابِتاً، بِحَيْثُ لَا يُظَنُّ بِهِ غَيْرُهُ؛ نَحْوُ: (جَاءَنِيْ زَيْدٌ زَيْدٌ) إِذَا ظَنَّ الْمُتَكَلِّمُ غَفْلَةَ السَّامِعِ عَنْ سَمَاعِ لَفْظِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ، أَوْ عَنْ حَمْلِهِ عَلَى مَعْنَاهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. (٢)
ثُمَّ بَيَانُهُ: أَيْ تَعْقِيْبُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ بِعَطْفِ الْبَيَانِ
فَلِلْإِيْضَاحِ: أَيْ إِيْضَاحِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ
* * *
٣٢ - بِاسْمٍ بِهِ يَخْتَصُّ. وَالْإِبْدَالُ ... يَزِيْدُ تَقْرِيْراً لِمَا يُقَالُ
بِاسْمٍ بِهِ يَخْتَصُّ: نَحْوُ: (قَدِمَ صَدِيْقُكَ خَالِدٌ).
قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ (٣): стр. 180
«- وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُوْنَ الثَّانِي أَوْضَحَ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَحْصُلَ الْإِيْضَاحُ مِنِ اجْتِمَاعِهِمَا. (١)
- وَقَدْ يَكُوْنُ عَطْفُ الْبَيَانِ بِغَيْرِ اسْمٍ يَخُصُّهُ؛ كَقَوْلِهِ: [البسيط]
وَالْمُؤْمِنِ الْعَائِذَاتِ الطَّيْرَ. . . ... . . . . . . . . . . . . . . . (٢)
فَإِنَّ «الطَّيْرَ» عَطْفُ بَيَانٍ لِلْعَائِذَاتِ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ اسْماً يَخْتَصُّ بِهَا.
وَقَدْ يَجِيْءُ عَطْفُ الْبَيَانِ لِغَيْرِ الْإِيْضَاحِ؛ كَمَا فِيْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧] ذَكَرَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ (٣) أَنَّ الْبَيْتَ الْحَرَامَ عَطْفُ بَيَانٍ لِلْكَعْبَةِ جِيْءَ بِهِ لِلْمَدْحِ لَا لِلْإِيْضَاحِ، كَمَا تَجِيْءُ الصِّفَةُ لِذَلِكَ» اِنْتَهَى.
وَالْإِبْدَالُ: مِنَ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ
يَزِيْدُ تَقْرِيْراً لِمَا يُقَالُ: قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ (٤): «هَذَا مِنْ عَادَةِ افْتِنَانِ صَاحِبِ الْمِفْتَاحِ؛ حَيْثُ قَالَ فِي التَّأْكِيْدِ: «لِلتَّقْرِيْرِ»، وَهَهُنَا: «لِزِيَادَةِ التَّقْرِيْرِ». (٥) следующие страницы →