Полный текст (486 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
قَالَ فِي التَّلْخِيْصِ (١): «وَقَدْ جَاءَ التَّنْكِيْرُ لِلتَّعْظِيْمِ وَالتَّكْثِيْرِ (٢)؛ نَحْوُ: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فاطر: ٤]، أَيْ: ذَوُوْ عَدَدٍ كَثِيْرٍ، وَذَوُوْ آيَاتٍ عِظَامٍ».
قَالَ فِي الْمُطَوَّلِ (٣): «وَيَجِيْءُ - أَيِ: التَّنْكِيْرُ - لِلتَّحْقِيْرِ وَالتَّقْلِيْلِ أَيْضاً؛ نَحْوُ: (أَعْطَانِيْ شَيْئاً) أَيْ: حَقِيْراً قَلِيْلاً. فَالتَّعْظِيْمُ وَالتَّكْثِيْرُ (٤) قَدْ يَجْتَمِعَانِ وَقَدْ يَفْتَرِقَانِ، وَكَذا التَّحْقِيْرُ وَالتَّقْلِيْلُ.
- وَقَدْ يُنَكَّرُ الْمُسْنَدُ [إِلَيْهِ] (٥) لِعَدَمِ عِلْمِ الْمُتَكَلِّمِ بِجِهَةٍ مِنْ جِهَاتِ التَّعْرِيْفِ حَقِيْقَةً (٦) أَوْ تَجَاهُلاً (٧).
- أَوْ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ عَنِ التَّعْرِيْفِ مَانِعٌ؛ كَقَوْلِهِ: [الوافر]
إِذَا سَئِمَتْ مُهَنَّدَهُ يَمِيْنٌ ... لِطُوْلِ الْحَمْلِ بَدَّلَهُ شِمَالَا (٨)
لَمْ يَقُلْ: (يَمِيْنُهُ)؛ احْتِرَازاً عَنِ التَّصْرِيْحِ بِنِسْبَةِ السَّآمَةِ إِلَى يَمِيْنِ стр. 177
الْمَمْدُوْحِ» اِنْتَهَى كَلَامُهُ. (١)
وَالْوَصْفُ: أَيْ وَصْفُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ - وَقَدَّمَ مِنَ التَّوَابِعِ ذِكْرَ الْوَصْفِ؛ لِكَثْرَةِ وُقُوْعِهِ وَاعْتِبَارَاتِهِ - يَكُوْنُ:
لِلتَّبْيِيْنِ: أَيْ مُبَيِّناً لِلْمُسْنَدِ إِلَيْهِ كَاشِفاً عَنْ مَعْنَاهُ؛ كَقَوْلِكَ: (الْجِسْمُ الطَّوِيْلُ الْعَرِيْضُ الْعَمِيْقُ يَحْتَاجُ إِلَى فَرَاغٍ يَشْغَلُهُ) فَإِنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ مِمَّا يُوَضِّحُ الْجِسْمَ، وَيَقَعُ تَعْرِيْفاً لَهُ.
وَالْمَدْحِ: أَيْ قَدْ يَكُوْنُ الْوَصْفُ لِلْمَدْحِ أَوِ الذَّمِّ أَوِ التَّرَحُّمِ؛ نَحْوُ: (جَاءَ زَيْدٌ العَالِمُ، أَوِ الْجَاهِلُ، أَوِ الْمِسْكِيْنُ) حَيْثُ يَتَعَيَّنُ الْمَوْصُوْفُ قَبْلَ ذِكْرِ الْوَصْفِ (٢)، وَإِلَّا لَكَانَ الْوَصْفُ مُخَصِّصاً.
وَالتَّخْصِيْصِ: أَيْ قَدْ يَكُوْنُ الْوَصْفُ لِتَخْصِيْصِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ؛ أَيْ مُقَلِّلاً اشْتِرَاكَهُ أَوْ رَافِعاً احْتِمَالَهُ.
قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ (٣): «وَفِيْ عُرْفِ النُّحَاةِ التَّخْصِيْصُ: عِبَارَةٌ عَنْ تَقْلِيْلِ الِاشْتِرَاكِ فِي النَّكِرَاتِ، وَالتَّوْضِيْحُ: عِبَارَةٌ عَنْ رَفْعِ الِاحْتِمَالِ فِي الْمَعَارِفِ؛ نَحْوُ: (زَيْدٌ التَّاجِرُ عِنْدَنَا)، فَإِنَّ وَصْفَهُ بِالتَّاجِرِ يَرْفَعُ احْتِمَالَ التَّاجِرِ وَغَيْرِهِ» (٤). стр. 178
وَالتَّعْيِيْنِ: هُوَ شَرْطٌ فِيْ إِفَادَةِ الْوَصْفِ (الْمَدْحَ، أَوِ الذَّمَّ، أَوِ التَّرَحُّمَ)، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَعَيِّناً قَبْلَ ذِكْرِ الْوَصْفِ كَانَ الْوَصْفُ مُخَصِّصاً، كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
- وَقَدْ يَكُوْنُ الْوَصْفُ لِلتَّأْكِيْدِ؛ نَحْوُ: (أَمْسِ الدَّابِرِ كَانَ يَوْماً عَظِيْماً)، فَإِنَّ لَفْظَ (أَمْسِ) مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الدُّبُوْرِ.
- وَقَدْ يَكُوْنُ الْوَصْفُ لِبَيَانِ الْمَقْصُوْدِ وَتَفْسِيْرِهِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، حَيْثُ وَصَفَ دَابَّةً وَطَائِراً بِمَا هُوَ مِنْ خَوَاصِّ الْجِنْسِ؛ لِبَيَانِ أَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُمَا إِلَى الْجِنْسِ دُوْنَ الْفَرْدِ، وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ أَفَادَ هَذَا الْوَصْفُ زِيَادَةَ التَّعْمِيْمِ وَالْإِحَاطَةِ، هَكَذَا ذَكَرَه التَّفْتَازَانِيُّ ﵀ (١).
* * *
٣٠ - وَكَوْنُهُ مُؤَكَّداً فَيَحْصُلُ ... لِدَفْعِ وَهْمِ كَوْنِهِ لَا يَشْمَلُ
وَكَوْنُهُ: أَيِ الْمُسْنَدُ إِلَيْهِ
مُؤَكَّداً فَيَحْصُلُ لِدَفْعِ وَهْمِ: أَيْ تَوَهُّمِ
كَوْنِهِ لَا يَشْمَلُ: أَيْ عَدَمِ شُمُوْلِهِ؛ نَحْوُ: (جَاءَنِي القَوْمُ كُلُّهُمْ أَوْ أَجْمَعُوْنَ)؛ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ:
- أَنَّ بَعْضَهُمْ لَمْ يَجِئْ إِلَّا أَنَّكَ لَمْ تَعْتَدَّ بِهِمْ.
- أَوْ أَنَّكَ جَعَلْتَ الْفِعْلَ الْوَاقِعَ مِنَ الْبَعْضِ كَالْوَاقِعِ مِنَ الْكُلِّ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ فِيْ حُكْمِ شَخْصٍ وَاحِدٍ.
* * * стр. 179
٣١ - وَالسَّهْوِ، وَالتَّجَوُّزِ الْمُبَاحِ ... ثُمَّ بَيَانُهُ؛ فَلِلْإِيْضَاح
وَالسَّهْوِ: أَيْ أَوْ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ السَّهْوِ؛ نَحْوُ: (جَاءَنِيْ زَيْدٌ زَيْدٌ)؛ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ: أنَّ الْجَائِيَ غَيْرُ زَيْدٍ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ (زَيْدٌ) عَلَى سَبِيْلِ السَّهْوِ. (١)
وَلِدَفْعِ تَوَهُّمِ التَّجَوُّزِ الْمُبَاحِ: أَيِ التَّكَلُّمِ بِالْمَجَازِ؛ نَحْوُ: (قَطَعَ اللِّصَّ الْأَمِيْرُ الْأَمِيْرُ، أَوْ نَفْسُهُ، أَوْ عَيْنُهُ)؛ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ: أَنَّ الْقَاطِعَ بَعْضُ غِلْمَانِهِ.
- وَقَدْ يَكُوْنُ التَّوْكِيْدُ لِلتَّقْرِيْرِ؛ أَيْ تَقْرِيْرِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ، أَيْ: تَحْقِيْقِ مَدْلُوْلِهِ وَمَفْهُوْمِهِ، أَيْ: جَعْلِهِ مُقَرَّراً وَمُحَقَّقاً ثَابِتاً، بِحَيْثُ لَا يُظَنُّ بِهِ غَيْرُهُ؛ نَحْوُ: (جَاءَنِيْ زَيْدٌ زَيْدٌ) إِذَا ظَنَّ الْمُتَكَلِّمُ غَفْلَةَ السَّامِعِ عَنْ سَمَاعِ لَفْظِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ، أَوْ عَنْ حَمْلِهِ عَلَى مَعْنَاهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. (٢)
ثُمَّ بَيَانُهُ: أَيْ تَعْقِيْبُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ بِعَطْفِ الْبَيَانِ
فَلِلْإِيْضَاحِ: أَيْ إِيْضَاحِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ
* * *
٣٢ - بِاسْمٍ بِهِ يَخْتَصُّ. وَالْإِبْدَالُ ... يَزِيْدُ تَقْرِيْراً لِمَا يُقَالُ
بِاسْمٍ بِهِ يَخْتَصُّ: نَحْوُ: (قَدِمَ صَدِيْقُكَ خَالِدٌ).
قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ (٣): стр. 180
«- وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُوْنَ الثَّانِي أَوْضَحَ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَحْصُلَ الْإِيْضَاحُ مِنِ اجْتِمَاعِهِمَا. (١)
- وَقَدْ يَكُوْنُ عَطْفُ الْبَيَانِ بِغَيْرِ اسْمٍ يَخُصُّهُ؛ كَقَوْلِهِ: [البسيط]
وَالْمُؤْمِنِ الْعَائِذَاتِ الطَّيْرَ. . . ... . . . . . . . . . . . . . . . (٢)
فَإِنَّ «الطَّيْرَ» عَطْفُ بَيَانٍ لِلْعَائِذَاتِ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ اسْماً يَخْتَصُّ بِهَا.
وَقَدْ يَجِيْءُ عَطْفُ الْبَيَانِ لِغَيْرِ الْإِيْضَاحِ؛ كَمَا فِيْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧] ذَكَرَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ (٣) أَنَّ الْبَيْتَ الْحَرَامَ عَطْفُ بَيَانٍ لِلْكَعْبَةِ جِيْءَ بِهِ لِلْمَدْحِ لَا لِلْإِيْضَاحِ، كَمَا تَجِيْءُ الصِّفَةُ لِذَلِكَ» اِنْتَهَى.
وَالْإِبْدَالُ: مِنَ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ
يَزِيْدُ تَقْرِيْراً لِمَا يُقَالُ: قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ (٤): «هَذَا مِنْ عَادَةِ افْتِنَانِ صَاحِبِ الْمِفْتَاحِ؛ حَيْثُ قَالَ فِي التَّأْكِيْدِ: «لِلتَّقْرِيْرِ»، وَهَهُنَا: «لِزِيَادَةِ التَّقْرِيْرِ». (٥) стр. 181
وَمَعَ هَذَا لَا يَخْلُو (١) عَنْ نُكْتَةٍ؛ وَهِيَ الْإِيْمَاءُ إِلَى أَنَّ الْغَرَضَ مِنَ الْبَدَلِ هُوَ أَنْ يَكُوْنَ مَقْصُوداً بِالنِّسْبَةِ.
وَالتَّقْرِيْرُ زِيَادَةٌ تَحْصُلُ تَبَعاً وَضِمْناً بِخِلَافِ التَّأْكِيْدِ؛ فَإِنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ نَفْسُ التَّقْرِيْرِ وَالتَّحْقِيْقِ؛ نَحْوُ:
- (جَاءَنِيْ زَيْدٌ أَخُوْكَ) فِيْ بَدَلِ الْكُلِّ.
- وَيَحْصُلُ التَّقْرِيْرُ بِالتَّكْرِيْرِ: (وَجَاءَنِي الْقَوْمُ أَكْثَرُهُمْ) فِيْ بَدَلِ الْبَعْضِ.
- وَ (سُلِبَ زَيْدٌ ثَوْبُهُ) فِيْ بَدَلِ الِاشْتِمَالِ.
وَبَيَانُ التَّقْرِيْرِ فِيْهِمَا: أَنَّ الْمَتْبُوْعَ يَشْتَمِلُ عَلَى التَّابِعِ إِجْمَالاً، حَتَّى كَأَنَّهُ مَذْكُوْرٌ؛ أَمَّا فِي الْبَعْضِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا فِي الِاشْتِمَالِ؛ فَلِأَنَّ مَعْنَاهُ: أنْ يَشْتَمِلَ الْمُبْدَلُ مِنْهُ عَلَى الْبَدَلِ، لَا كَاشْتِمَالِ الظَّرْفِ عَلَى الْمَظْرُوْفِ، بَلْ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ يَكُوْنُ مُشْعِراً بِهِ إِجْمَالاً، [وَ] (٢) مُتَقَاضِياً لَهُ بِوَجْهٍ مَّا، بِحَيْثُ تَبْقَى النَّفْسُ عِنْدَ ذِكْرِ الْمُبْدَلِ مِنْهُ مُتَشَوِّفَةً (٣) إِلَى ذِكْرِهِ، مُنْتَظِرَةً لَهُ.
وَبِالْجُمْلَةِ: يَجِبُ أَنْ يَكُوْنَ الْمَتْبُوْعُ فِيْهِ بِحَيْثُ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ التَّابِعُ (٤)؛ نَحْوُ: (أَعْجَبَنِيْ زَيْدٌ) إِذَا أَعْجَبَكَ عِلْمُهُ، (٥) بِخِلَافِ (ضَرَبْتُ زَيْداً) إِذَا ضَرَبْتَ حِمَارَهُ؛ وَلِهَذَا صَرَّحُوْا بِأَنَّ نَحْوَ (جَاءَنِيْ زَيْدٌ أَخُوْهُ) بَدَلُ غَلَطٍ لَا بَدَلُ اشْتِمَالٍ - كَمَا زَعَمَ بَعْضُ النُّحَاةِ. (٦) стр. 182
ثُمَّ بَدَلُ الْبَعْضِ وَالِاشْتِمَالِ، بَلْ بَدَلُ الْكُلِّ أَيْضاً لَا يَخْلُوْ عَنْ إِيْضَاحٍ وَتَفْسِيْرٍ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِبَدَلِ الْغَلَطِ؛ لِأَنّهُ لَا يَقَعُ فِيْ فَصِيْحِ الْكَلَامِ» اِنْتَهَى.
* * *
٣٣ - وَالْعَطْفُ تَفْصِيْلٌ مَعَ اقْتِرَابِ ... أَوْ رَدُّ سَامِعٍ إِلَى الصَّوَاب
وَالْعَطْفُ (١): أَيْ جَعْلُ الشَّيْءِ مَعْطُوْفاً عَلَى الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ، فَلِكَوْنِ فِيْهِ
تَفْصِيْلٌ: لِلْمُسْنَدِ إِلَيْهِ
مَعَ اقْتِرَابِ: أَيْ مَعَ اخْتِصَارٍ؛ نَحْوُ: (جَاءَنِيْ زَيْدٌ وَعَمْرٌو) فَإِنَّ فِيْهِ تَفْصِيْلاً لِلْفَاعِلِ بِأَنَّهُ زَيْدٌ وَعَمْرٌو، مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ عَلَى تَفْصِيْلِ الْفِعْلِ عَلَى أَنَّ الْمَجِيْئَيْنِ كَانَا مَعاً، أَوْ مُتَرَتِّبَيْنِ مَعَ مُهْلَةٍ أَوْ بِلَا مُهْلَةٍ (٢)، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: (مَعَ اقْتِرَابِ) - أَيِ اخْتِصَارِ - عَنْ نَحْوِ: (جَاءَنِيْ زَيْدٌ، وَجَاءَنِيْ عَمْرٌو)؛ فَإِنَّ فِيْهِ تَفْصِيْلاً لِلْمُسْنَدِ إِلَيْهِ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَطْفِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ.
قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ (٣): «أَوْ لِتَفْصِيْلِ الْمُسْنَدِ (٤)؛ بِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ مِنْ أَحَدِ الْمَذْكُوْرَيْنِ أَوَّلاً، وَمِنَ الْآخَرِ بَعْدَهُ، مَعَ مُهْلَةٍ أَوْ بِلَا مُهْلَةٍ، كَذَلِكَ؛ أَيْ مَعَ [اخْتِصَارٍ] (٥) - وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: (كَذَلِكَ) عَنْ نَحْوِ: (جَاءَنِيْ زَيْدٌ وعَمْرٌو بَعْدَهُ بِيَوْمٍ أَوْ سَنَةٍ) (٦)
- نَحْوُ: (جَاءَنِيْ زَيْدٌ فَعَمْرٌو- أَوْ ثُمَّ عَمْرٌو- أَوْ جَاءَ стр. 183
الْقَوْمُ حَتَّى خَالِدٌ)؛ فَالثَّلَاثَةُ مُشْتَرِكَةٌ فِيْ تَفْصِيْلِ الْمُسْنَدِ؛ إِلَّا أَنَّ:
- (الْفَاءَ): تَدُلُّ عَلَى التَّعْقِيْبِ مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ. (١)
- وَ (ثُمَّ): عَلَى التَّرَاخِيْ. (٢)
- وَ (حَتَّى): عَلَى أَنَّ أَجْزَاءَ مَا قَبْلَهَا مُتَرَتِّبَةٌ فِي الذِّهْنِ مِنَ الْأَضْعَفِ إِلَى الْأَقْوَى أَوْ بِالْعَكْسِ (٣). فَمَعْنَى تَفْصِيْلِ الْمُسْنَدِ فِيْهَا (٤): أَنْ يُعْتَبَرَ تَعَلُّقُهُ بِالْمَتْبُوْعِ (٥) أَوَّلاً وَبِالتَّابِعِ ثَانِياً؛ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ أَقْوَى أَجْزَاءِ الْمَتْبُوْعِ أَوْ أَضْعَفُهَا، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيْهَا التَّرْتِيْبُ الْخَارِجِيُّ.
فَإِنْ قُلْتَ: فِيْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ أَيْضاً تَفْصِيْلٌ لِلْمُسْنَدِ [إِلَيْهِ] (٦)، فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: «أَوْ لِتَفْصِيْلِهِمَا مَعاً»؟
قُلْتُ: فَرْقٌ بَيْنَ أَنْ يَكُوْنَ الشَّيْءُ حَاصِلاً مِنْ شَيْءٍ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُوْنَ مَقْصُوْداً مِنْهُ. وَتَفْصِيْلُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ فِيْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ - وَإِنْ كَانَ حَاصِلاً - لَكِنْ لَيْسَ الْعَطْفُ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ لِأَجْلِهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ إِذَا اشْتَمَلَ عَلَى قَيْدٍ زَائِدٍ عَلَى مُجَرَّدِ الْإِثْبَاتِ أَوِ النَّفْيِ فَهُوَ الْغَرَضُ الْخَاصُّ وَالْمَقْصُوْدُ مِنَ الْكَلَامِ، فَفِيْ стр. 184
هَذِهِ الثَّلَاثَةِ تَفْصِيْلُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ كَأَنَّهُ أَمْرٌ كَانَ مَعْلُوْماً، وَإِنَّمَا سِيْقَ الْكَلَامُ؛ لِبَيَانِ أَنَّ مَجِيْءَ أَحَدِهِمَا كَانَ بَعْدَ الْآخَرِ، فَلْيُتَأَمَّلْ.
وَهَذَا الْبَحْثُ مِمَّا أَوْرَدَهُ الشَّيْخُ فِيْ دَلَائِلِ الْإِعْجَازِ (١)، وَوَصَّى بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ» اِنْتَهَى.
أَوْ رَدُّ سَامِعٍ: أَيْ عَنِ الْخَطَأ فِي الْحُكْمِ
إِلَى الصَّوَابِ: فِيْ ذَلِكَ الْحُكْمِ؛ نَحْوُ: (جَاءَ زَيْدٌ لَا عَمْرٌو) لِمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ عَمْراً جَاءَكَ دُوْنَ زَيْدٍ، أَوْ أَنَّهُمَا جَاءَاكَ جَمِيْعاً، وَالْأَوَّلُ: قَصْرُ قَلْبٍ (٢)، وَالثَّانِيْ: قَصْرُ إِفْرَادٍ (٣)، وَسَيَأْتِيْ تَقْرِيْرُهُمَا فِيْ بَابِ الْقَصْرِ. إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
- وَقَدْ يَكُوْنُ الْعَطْفُ:
· لِصَرْفِ الْحُكْمِ عَنْ مَحْكُوْمٍ عَلَيْهِ إِلَى مَحْكُوْمٍ عَلَيْهِ آخَرَ؛ نَحْوُ: (جَاءَنِيْ زَيْدٌ بَلْ عَمْرٌو، أَوْ مَا جَاءَنِيْ عَمْرٌو بَلْ زَيْدٌ) (٤)
· أَوْ/ يَكُوْنُ لِلشَّكِّ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ. (٥)
· أَوْ لِتَشْكِيْكِ السَّامِعِ - أَيْ: إِيْقَاعِهِ فِي الشَّكِّ-؛ نَحْوُ: (جَاءَنِيْ زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو).
· أَوْ لِلْإِبْهَامِ (٦)؛ نَحْوُ: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ стр. 185
مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] (١).
· أَوْ لِلتَّخْيِيْرِ، أَوْ لِلْإِبَاحَةِ؛ نَحْوُ: (لِيَدْخُلِ الدَّارَ زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو)
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ فِي الْإِبَاحَةِ يَجُوْزُ الْجَمْعُ، بِخِلَافِ التَّخْيِيْرِ. (٢)
* * *
٣٤ - وَالْفَصْلُ؛ لِلتَّخْصِيْصِ. وَالتَّقْدِيْمُ ... فَلِاهْتِمَامٍ يَحْصُلُ التَّقْسِيْمُ
وَالْفَصْلُ: أَيْ تَعْقِيْبُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ بِضَمِيْرِ الْفَصْلِ. وَإِنَّمَا جُعِلَ مِنْ أَحْوَالِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَرِنُ بِهِ أَوَّلاً، وَلِأَنَّهُ فِي الْمَعْنَى: عِبَارَةٌ عِنْهُ، وَفِي اللَّفْظِ: مُطَابِقٌ لَهُ.
قَالَ الشَّارِحُ - بَعْدَ نَقْلِهِ هَذَا التَّعْلِيْلَ مِنْ عِبَارَةِ التَّفْتَازَانِيِّ (٣) وَتَوْضِيْحِهِ لَهَا بِقَوْلِهِ: «إِفْرَاداً وَتَثْنِيَةً وَجَمْعاً وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَضَمِيْرُ الْفَصْلِ فِيْ [نَحْوِ] (٤): (زَيْدٌ هُوَ الْقَائِمُ) مَثَلاً مِنْ أَحْوَالِ الْمُسْنَدِ؛ لِأَنَّ (زَيْداً) مُبْتَدَأٌ، وَ (هُوَ) مُبْتَدَأٌ ثَانٍ، وَ (الْقَائِمَ) خَبَرُهُ، وَالْمُبْتَدَأَ الثَّانِيَ وَخَبَرَهُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ الْأَوَّلِ، فَوَقَعَ الْمُبْتَدَأُ الثَّانِي مَعَ خَبَرِهِ مُسْنَداً، فَإِذاً كَيْفَ يَكُوْنُ ضَمِيْرُ الْفَصْلِ مِنْ أَحْوَالِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ؟ فَلْيُتَأَمَّلْ! » (٥) اِنْتَهَى.
قُلْتُ: كَأَنَّ الشَّارِحَ ذَهَلَ عَمَّا نَقَلَهُ مِنَ التَّعْلِيْلِ حَتَّى حَكَمَ بِأَنَّ ضَمِيْرَ стр. 186
الْفَصْلِ مِنْ أَحْوَالِ الْمُسْنَدِ فَقَطْ، وَأَمَرَ بِالتَّأَمُّلِ؛ لِأَنَّ ضَمِيْرَ الْفَصْلِ فِي الْمِثَالِ الَّذِيْ ذَكَرَهُ مُطَابِقٌ لِلْمُسْنَدِ إِلَيْهِ الَّذِيْ هُوَ (زَيْدٌ) فِي الْإِفْرَادِ، وَالتَّذْكِيْرِ، وَالتَّعْرِيْفِ، وَهُوَ فِي الْمَعْنَى عِبَارَةٌ عَنْهُ، مُقْتَرِنٌ بِهِ أَوَّلاً، وَكَأَنَّهُ أَيْضاً ذَهَلَ عَنْ قَوْلِ الْمُحَقِّقِ التَّفْتَازَانِيِّ فِي الْمُطَوَّلِ (١): «عَلَى أَنَّ التَّحْقِيْقَ أَنَّ فَائِدَتَهُ تَرْجِعُ إِلَيْهِمَا جَمِيْعاً؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ أَحَدَهُمَا مُخَصَّصاً وَمَقْصُوْراً، وَالْآخَرَ مُخَصَّصاً بِهِ وَمَقْصُوْراً عَلَيْهِ» اِنْتَهَى.
هَذَا، وَعِبَارَةُ التَّفْتَازَانِيِّ تُفِيْدُ: أَنَّ الْفَصْلَ مِنَ الْأَحْوَالِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ وَالْمُسْنَدِ؛ بِاعْتِبَارِ أَنَّ فَائِدَتَهُ تَرْجِعُ إِلَيْهِمَا جَمِيْعاً، لَا أَنَّهُ خَاصٌّ بِالْمُسْنَدِ.
إِنْ لَمْ تَعْتَبِرْ مَا ذُكِرَ مِنَ التَّعْلِيْلِ؛ فَتَأَمَّلْ.
يَكُوْنُ لِلتَّخْصِيْصِ: أَيْ لِتَخْصِيْصِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ بِالْمُسْنَدِ؛ يَعْنِيْ لِقَصْرِ الْمُسْنَدِ عَلَى الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ، لَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِنَا: (زَيْدٌ هُوَ الْقَائِمُ) أَنَّ الْقِيَامَ مَقْصُوْرٌ عَلَى زَيْدٍ لَا يَتَجَاوَزُهُ إِلَى عَمْرٍو، وَلِهَذَا يُقَالُ فِيْ تَأْكِيْدِهِ: (لَا عَمْرٌو). (٢) стр. 187
وَالتَّقْدِيْمُ: أَيْ تَقْدِيْمُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ عَلَى الْمُسْنَدِ تَقْدِيْماً لَا عَلَى نِيَّةِ التَّأْخِيْرِ، فَلَا يَرُدُّ مَا قِيْلَ إِنَّهُ «إِنَّمَا يُقَالُ: مُقَدَّمٌ أَوْ مُؤَخَّرٌ لِلْمُزَالِ لَا لِلْقَارِّ» (١)
فَلِاهْتِمَامٍ: أَيْ فَلِكَوْنِ ذِكْرِهِ أَهَمَّ (٢)، وَلَا يَكْفِيْ فِي التَّقْدِيْمِ مُجَرَّدُ ذِكْرِ الِاهْتِمَامِ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُبَيَّنَ أَنَّ الِاهْتِمَامَ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ، وَبِأَيِّ سَبَبٍ؛ فَلِهَذَا فَصَّلَهُ بِقَوْلِهِ:
يَحْصُلُ التَّقْسِيْمُ: أَيْ تَفْصِيْلُ جِهَةِ الِاهْتِمَامِ، وَسَبَبِهِ:
* * *
٣٥ - كَالْأَصْلِ، وَالتَّمْكِيْنِ، وَالتَّعَجُّلِ ... وَقَدْ يُفِيْدُ الِاخْتِصَاصَ إِنْ وَلِي
كَالْأَصْلِ: أَيْ لِكَوْنِ تَقْدِيْمِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ هُوَ الْأَصْلَ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُوْمٌ عَلَيْهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِهِ قَبْلَ الْحُكْمِ، فَقَصَدُوْا أَنْ يَكُوْنَ فِي الذِّكْرِ أَيْضاً مُقدَّماً = وَلَا مُقْتَضًى لِلْعُدُوْلِ عَنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ؛ إِذْ لَوْ كَانَ [معه] (٣) أَمْرٌ يَقْتَضِي الْعُدُوْلَ عَنْهُ فَلَا يُقَدَّمُ؛ كَمَا فِي الْفَاعِلِ، فَإِنَّ مَرْتَبَةَ الْعَامِلِ التَّقَدُّمُ عَلَى الْمَعْمُوْلِ (٤).
وَالتَّمْكِيْنِ: أَيْ وَإِمَّا أَنْ يُقَدَّمَ الْمُسْنَدُ إِلَيْهِ؛ لِأَجْلِ تَمْكِيْنِ الْخَبَرِ فِيْ ذِهْنِ السَّامِعِ؛ لِأَنَّ فِي الْمُبْتَدَأِ تَشْوِيْقاً إِلَيْهِ، - أَيْ: إِلَى الْخَبَرِ - وَمِنْ هَذَا كَانَ حَقَّ الْكَلَامِ تَطْوِيْلُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ. стр. 188
وَمَعْلُوْمٌ أَنَّ حُصُوْلَ الشَّيْءِ بَعْدَ الشَّوْقِ أَلَذُّ وَأَوْقَعُ فِي النَّفْسِ؛ كَقَوْلِ أَبِي الْعَلَاءِ الْمَعَرِيِّ (١) مِنْ قَصِيْدَةٍ يَرْثِيْ بِهَا فَقِيْهاً حَنَفِيّاً: [الخفيف]
وَالَّذِيْ حَارَتِ الْبَرِيَّةُ فِيْهِ ... حَيَوَانٌ مُسْتَحْدَثٌ مِنْ جَمَادِ (٢)
وَالتَّعَجُّلِ: أَيْ وَإِمَّا أَنْ يُقَدَّمَ الْمُسْنَدُ إِلَيْهِ؛ لِتَعْجِيْلِ الْمَسَرَّةِ أَوِ الْمَسَاءَةِ، لِلتَّفَاؤُلِ أَوِ التَّطَيُّرِ (٣)؛ نَحْوُ:
· (سَعْدٌ فِيْ دَارِكَ): لِتَعْجِيْلِ الْمَسَرَّةِ.
· وَ (السَّفَّاحُ فِيْ دَارِ صَدِيْقِكَ): لِتَعْجِيْلِ الْمَسَاءَةِ.
- وَإِمَّا أَنْ يُقَدَّمَ لِإِيْهَامِ (٤) أَنَّ الْمُسْنَدَ إِلَيْهِ لَا يَزُوْلُ عَنِ الْخَاطِرِ؛ لِكَوْنِهِ مَطْلُوْباً (٥).
- أَوْ أَنَّهُ يُسْتَلَذُّ؛ لِكَوْنِهِ مَحْبُوْباً (٦).
- وَإِمَّا لِنَحْوِ ذَلِكَ؛ مِثْلُ: إِظْهَارِ تَعْظِيْمِهِ (٧)، أَوْ تَحْقِيْرِهِ (٨). стр. 189
وَقَدْ يُفِيْدُ: تَقْدِيْمُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ
الِاخْتِصَاصَ: بِالْخَبَرِ الْفِعْلِيِّ
إِنْ وَلِي: الْمُسْنَدُ إِلَيْهِ
* * *
٣٦ - نَفْياً. وَقَدْ عَلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ ... يَأْتِيْ؛ كأَوْلَى، وَالْتِفَاتٍ دَائِر
نَفْياً: أَيْ حَرْفَ نَفْيٍ؛ بِأَنْ وَقَعَ بَعْدَهُ بِلَا فَصْلٍ؛ نَحْوُ: (مَا أَنَا قُلْتُ هَذَا)؛ مَعَ أَنَّهُ مَقُوْلٌ لِغَيْرِيْ (١).
فَالتَّقْدِيْمُ يُفِيْدُ نَفْيَ الْفِعْلِ عَنِ الْمُتَكَلِّمِ وَثُبُوْتَهُ لِغَيْرِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِيْ نُفِيَ عَنْهُ مِنَ الْعُمُوْمِ وَالْخُصُوْصِ؛ فَلَا يُقَالُ هَذَا إِلَّا فِيْ شَيْءٍ ثَبَتَ أَنَّهُ مَقُوْلٌ لِغَيْرِكَ، وَأَنْتَ تُرِيْدُ نَفْيَ كَوْنِكَ الْقَائِلَ، لَا نَفْيَ الْقَوْلِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُوْنَ جَمِيْعُ مَنْ سِوَاكَ قَائِلاً؛ لِأَنَّ التَّخْصِيْصَ إِنَّمَا/ هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ تَوَهَّمَ الْمُخَاطَبُ اشْتِرَاكَكَ مَعَهُ فِي الْقَوْلِ أَوِ انْفِرَادَكَ بِهِ دُوْنَهُ لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَمِيْعِ مَنْ فِي الْعَالَمِ. (٢) стр. 190
وَاعْلَمْ أَنَّ جَمِيْعَ مَا ذُكِرَ مِنْ أَحْوَالِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ.
وَقَدْ عَلَى خِلَافِ: مُقْتَضَى
الظَّاهِرِ: لِاقْتِضَاءِ الْحَالِ إِيَّاهُ (١)
يَأْتِيْ: فَيُوْضَعُ الْمُضْمَرُ مَوْضِعَ الْمُظْهَرِ: стр. 191
كَقَوْلِكَ: «نِعْمَ رَجُلاً زَيْدٌ» مَكَانَ «نِعْمَ الرَّجُلُ ... » (١) فِيْ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ (٢).
· وَكَقَوْلِهِمْ: «هُوَ أَوْ هِيَ زَيْدٌ عَالِمٌ» مَكَانَ الشَّأْنِ (٣)، أَوِ القِصَّةِ. (٤)
- وَقَدْ يُوْضَعُ الْمُظْهَرُ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ: نَحْوُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) стр. 192
اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (١) [الإخلاص: ١ - ٢] لَمْ يَقُلْ: هُوَ الصَّمَدُ. (٢) стр. 193
وَنَظِيْرُهُ (١) مِنْ غَيْرِ بَابِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥]؛ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: «وَبِهِ نَزَلَ».
- وَكَأنْ يُتَلَقَّى الْمُخَاطِبُ بِغَيْرِ مَا يَتَرَقَّبُ؛ بِحَمْلِ كَلَامِهِ عَلَى خِلَافِ مُرَادِهِ: (٢)
كأَوْلَى: أَيْ لِكَوْنِهِ أَوْلَى بِالْقَصْدِ وِالْإِرَادَةِ: كَقَوْلِ الْقَبَعْثَرِيِّ (٣) لِلْحَجَّاجِ (٤) - وَقَدْ قَالَ لَهُ مُتَوَعِّداً: «لَأَحْمِلَنَّكَ عَلَى الْأَدْهَمِ» أَيِ الْقَيْدِ -: «مِثْلُ الْأَمِيْرِ يَحْمِلُ عَلَى الْأَدْهَمِ وَالْأَشْهَبِ»؛ فَإِنَّهُ أَبْرَزَ وَعِيْدَهُ فِيْ مَعْرِضِ الْوَعْدِ، وَأَرَاهُ بِأَلْطَفِ وَجْهٍ أَنَّ مَنْ كَانَ عَلَى صِفَتِهِ مِنَ السُّلْطَانِ وَبَسْطَةِ الْيَدِ فَجَدِيْرٌ أَنْ يُعْطِيَ لَا أَنْ يُقَيِّدَ. стр. 194
· وَالْأَدْهَمُ مِنَ الْخَيْلِ: هُوَ الَّذِيْ غَلَبَ سَوَادُهُ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيْهِ مِنَ الْبَيَاضِ.
· وَالْأَشْهَبُ: هُوَ الَّذِيْ غَلَبَ بَيَاضُهُ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيْهِ مِنَ السَّوَادِ. (١)
فَمُرَادُ الْحَجَّاجِ: الْقَيْدُ؛ فَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ عَلَى الْفَرَسِ أَوْلَى بِأَنْ يَقْصِدَهُ الْأَمِيْرُ، وَكَذَا قَوْلُهُ لَهُ، لَمَّا قَالَ فِي الثَّانِيَةِ: إِنَّهُ لَحَدِيْدٌ، : «لَأَنْ يَكُوْنَ حَدِيْداً خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَكُوْنَ بَلِيْداً»؛ فَحَمَلَ الْحَدِيْدَ أَيْضاً عَلَى خِلَافِ مُرَادِهِ؛ تَنْبِيْهاً عَلَى أَنَّهُ الْأَوْلَى (٢).
وَقَدْ سَمَّى السَّكَّاكِيُّ (٣) هَذَا: «أُسْلُوْبَ الْحَكِيْمِ (٤)». (٥)
وَالْتِفَاتٍ دَائِرِ: أَيْ بَيْنَ: «التَّكَلُّمِ، وَالْخِطَابِ، وَالْغَيْبَةِ».
وَالِالْتِفَاتُ عِنْدَ الْجُمْهُوْرِ: هُوَ التَّعْبِيْرُ عَنْ مَعْنًى بِطَرِيْقٍ مِنَ الطُّرُق стр. 195
الثَّلَاثَةِ، بَعْدَ التَّعْبِيْرِ عَنْهُ بِآخَرَ مِنْهَا. (١)
- مِثَالُ الِالْتِفَاتِ:
١ - مِنَ التَّكَلُّمِ إِلَى الْخِطَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٢٢].
٢ - وَمِنَ التَّكَلُّمِ إِلَى الْغَيْبَةِ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ١ - ٢].
٣ - وَمِنَ الْخِطَابِ إِلَى التَّكَلُّمِ: قَوْلُ عَلْقَمَةَ بنِ عَبَدَةَ (٢): [الطّويل]
طَحَا بِكَ قَلْبٌ فِي الْحِسَانِ طَرُوْبُ ... بُعَيْدَ الشَّبَابِ عَصْرَ حَانَ مَشِيْبُ
يُكَلِّفُنِيْ لَيْلَى وَقَدْ شَطَّ وَلْيُهَا ... وَعَادَتْ عَوَادٍ، بَيْنَنَا، وَخُطُوْبُ (٣)
٤ - وَمِنَ الْخِطَابِ إِلَى الْغَيْبَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢].
٥ - وَمِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى التَّكَلُّمِ: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ﴾ [فاطر: ٩]. стр. 196
٦ - وَمِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْخِطَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٤ - ٥].
وَثَمَّ أُمُوْرٌ مِنْ خِلَافِ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ تُطْلَبُ مِنَ الْمُطَوَّلِ (١) فَلَا نُطِيْلُ بِذِكْرِهَا، وَاللهُ أَعْلَمُ (٢).
تَنْبِيْهٌ
لَمْ يَذْكُرِ النَّاظِمُ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - فِيْ أَحْوَالِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ تَأْخِيْرَهُ؛ اسْتِغْنَاءً بِمَا سَيُوْرِدُهُ فِيْ تَقْدِيْمِ الْمُسْنَدِ.
وَقَالَ فِي التَّلْخِيْصِ: «وَأَمَّا تَأْخِيْرُهُ - أَيْ: تَأْخِيْرُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ- فَلِاقْتِضَاءِ الْمَقَامِ تَقْدِيْمَ الْمُسْنَدِ» أَيْ عَلَى الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ؛ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوْهِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّقْدِيْمِ؛ كَكَوْنِهِ مُتَضَمِّناً لِلِاسْتِفْهَامِ؛ نَحْوُ: (أَيْنَ زَيْدٌ؟ )، وَ (مَتَى الْقِتَالُ؟ )، وَغَيْرِهِ مِنَ الِاعْتِبَارَاتِ الْآتِيْ بَيَانُهَا فِي الْبَابِ الْآتِيْ. стр. 197
الباب الثالث
أَحْوَالُ الْمُسْنَدِ (١)
٣٧ - لِمَا مَضَى التَّرْكُ مَعَ الْقَرِيْنَهْ ... وَالذِّكْرُ، أَوْ يُفِيْدُنَا تَعْيِيْنَه
لِمَا مَضَى التَّرْكُ: أَيْ تَرْكُ الْمُسْنَدِ لِمَا مَضَى فِيْ حَذْفِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ:
«الْحَذْفُ لِلصَّوْنِ وَلِلْإِنْكَارِ ... وَالِاحْتِرَازِ أَوْ لِلِاخْتِبَارِ»
قَالَ فِي الْمُطَوَّلِ (٢): «وَإِنَّمَا قَالَ فِي الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ: (حَذْفُهُ)، وَفِي الْمُسْنَدِ: (تَرْكُهُ)؛ رِعَايَةً لِلطَّبَقَةِ؛ وَهُوَ أَنَّ الْمُسْنَدَ إِلَيْهِ أَقْوَمُ رُكْنٍ فِي الْكَلَامِ وَأَعْظَمُهُ، وَالِاحْتِيَاجُ إِلَيْهِ فَوْقَ الِاحْتِيَاجِ إِلَى الْمُسْنَدِ؛ فَحَيْثُ لَمْ يُذْكَرْ لَفْظاً فَكَأنَّهُ أُتِيَ بِهِ لِفَرْطِ الِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ، ثُمَّ أُسْقِطَ لِغَرَضٍ بِخِلَافِ الْمُسْنَدِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فِي الِاحْتِيَاجِ؛ فَيَجُوْزُ أَنْ يُتْرَكَ وَلَا يُؤْتَى بِهِ لِغَرَضٍ: стр. 198
- كَقَوْلِ ضَابِئِ بْنِ الْحَارِثِ الْبُرْجُمِيِّ (١): [الطّويل]
وَمَنْ يَكُ أَمْسَى بِالْمَدِيْنَةِ رَحْلُهُ ... فَإِنِّيْ، وَقَيَّارٌ، بِهَا لَغَرِيْبُ (٢)
الْبَيْتُ خَبَرٌ، وَمَعْنَاهُ: التَّحَسُّرُ عَلَى الْغُرْبَةِ، وَالتَّوَجُّعُ مِنَ الْكُرْبَةِ.
حُذِفَ الْمُسْنَدُ مِنَ الثَّانِيْ (٣) - وَالْمَعْنَى: (إِنِّيْ لَغَرِيْبٌ، وَقَيَّارٌ أَيْضاً غَرِيْبٌ) - لِقَصْدِ الِاخْتِصَارِ، وَقَصْدِ الِاحْتِرَازِ عَنِ الْعَبَثِ فِي الظَّاهِرِ مَعَ ضِيْقِ الْمَقَامِ؛ بِسَبَبِ التَّحَسُّرِ، وَمُحَافَظَةِ الْوَزْنِ.
- وَكَقَوْلِهِ: [المنسرح]
نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا، وَأَنْتَ بِمَا ... عِنْدَكَ رَاضٍ، وَالرَّأْيُ مُخْتَلِفُ (٤) стр. 199
فَحُذِفَ خَبَرُ (نَحْنُ)؛ إِذِ التَّقْدِيْرُ: (نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا رَاضُوْنَ)؛ لِلِاحْتِرَازِ عَنِ الْعَبَثِ مِنْ غَيْرِ ضِيْقِ الْمَقَامِ؛ كَمَا فِيْ قَوْلِكَ: (زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ وَعَمْرٌو)؛ أَيْ: وَعَمْرٌو كَذَلِكَ.
- وَنَحْوِ: (خَرَجْتُ فَإِذَا زَيْدٌ)؛ أَيْ: مَوْجُوْدٌ، أَوْ حَاضِرٌ، أَوْ وَاقِفٌ، أَوْ بِالْبَابِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ (١)، فَحُذِفَ؛ لِمَا مَرَّ (٢) مَعَ اتِّبَاعِ الِاسْتِعْمَالِ.
- وَنَحْوِ قَوْلِهِ: [المنسرح]
إنَّ مَحَلّاً، وَإِنَّ مُرْتَحَلاً. . . ... . . . . . . . . . . . . . . . (٣)
أَيْ: (إِنَّ لَنَا فِي الدُّنْيَا حُلُوْلاً، وَإِنَّ لَنَا عَنْهَا إِلَى الْآخِرَةِ ارْتِحَالاً) (٤)، فَحُذِفَ الْمُسْنَدُ:
- لِقَصْدِ الِاخْتِصَارِ، وَالعُدُولِ إِلَى أَقْوَى الدَّلِيْلَيْنِ؛ أَعْنِي: الْعَقْلَ.
- وَضِيْقِ الْمَقَامِ؛ أَعْنِي: الْمُحَافَظَةَ عَلَى الشِّعْرِ. стр. 200
وَلَا بُدَّ لِلْحَذْفِ مِنْ قَرِيْنَةٍ؛ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ:
مَعَ الْقَرِيْنَهْ: الدَّالَّةِ عَلَى الْمَحْذُوْفِ؛ كَوُقُوْعِ الْكَلَامِ جَوَاباً لِسُؤَالٍ:
- مُحَقَّقٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]؛ أَيْ: خَلَقَهُنَّ اللهُ.
- أَوْ مُقَدَّرٍ؛ نَحْوُ قَوْلِ ضِرَارِ بْنِ نَهْشَلٍ: [الطّويل]
لِيُبْكَ يَزِيْدُ، ضَارِعٌ لِخُصُوْمَةٍ ... وَمُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطِيْحُ الطَّوَائِحُ (١)
كَأَنَّهُ قِيْلَ: مَنْ يَبْكِيْهِ؟ فَقَالَ: ضَارِعٌ. أَيْ: يَبْكِيْهِ مَنْ يَذِلُّ لِأَجْلِ خُصُوْمَةٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَلْجأً وَظَهْراً لِلْأَذِلَّاءِ وَالضُّعَفَاءِ.
وَالذِّكْرُ: أَيْ ذِكْرُ الْمُسْنَدِ لِمَا مَضَى فِيْ ذِكْرِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ؛ مِنْ قَوْلِهِ: «وَالذِّكْرُ لِلتَّعْظِيْمِ .... إِلَى آخِرِهِ».
وَلِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الذِّكْرَ:
- هُوَ الْأَصْلُ وَلَا مُقتَضًى لِلْحَذْفِ؛ نَحْوُ: (زَيْدٌ قَائِمٌ).
- وَمِنَ الِاحْتِيَاطِ لِضَعْفِ التَّعْوِيْلِ عَلَى الْقَرِيْنَةِ؛ نَحْوُ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ стр. 201
مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزّخرف: ٩] (١).
- وَمِنَ التَّعْرِيْضِ بِغَبَاوَةِ السَّامِعِ؛ نَحْوُ: (مُحَمَّدٌ نبِيُّنَا) فِيْ جَوَابِ مَنْ قَالَ: (مَنْ نَبِيُّكُمْ؟ )
وَقَوْلِهُ تَعَالَى: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٢].
- وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَدْ يَكُوْنُ ذِكْرُ الْمُسْنَدِ لِلتَّعْيِيْنِ؛ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ:
أَوْ يُفِيْدُنَا تَعْيِيْنَه: مِنْ كَوْنِهِ اسْماً فَيُفِيْدُ الثُّبُوْتَ، أَوْ فِعْلاً فَيُفِيْدُ التَّجَدُّدَ، وَقَالَ فِي الْمُطَوَّلِ: «أَوْ أَنْ يَدُلَّ (٢) عَلَى قَصْدِ التَّعَجُّبِ مِنَ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ؛ كَقَوْلِكَ: (زَيْدٌ يُقَاوِمُ الْأَسَدَ) عِنْدَ قِيَامِ الْقَرَائِنِ؛ كَـ: (سَلَّ سَيْفَهُ)، وَ (تَلَطَّخَ ثَوْبُهُ) وَنَحْوِ ذَلِكَ» اِنْتَهَى (٣).
* * *
٣٨ - وَكَوْنُهُ فِعْلاً؛ فَلِلتَّقَيُّدِ ... بِالْوَقْتِ مَعْ إِفَادَةِ التَّجَدُّد
وَكَوْنُهُ: أَيِ الْمُسْنَدُ
فِعْلاً فَلِلتَّقَيُّدِ: أَيْ تَقَيُّدِ الْمُسْنَدِ стр. 202
بِالْوَقْتِ: أَيْ بِأَحَدِ الْأَزْمِنَةِ الثَّلَاثَةِ؛ أَعْنِيْ:
- الْمَاضِيَ: وَهُوَ الزَّمَانُ الَّذِيْ قَبْلَ زَمَانِ تَكَلُّمِكَ.
- وَالْمُسْتَقْبَلَ: وَهُوَ الزَّمَانُ الَّذِيْ يُتَرَقَّبُ وُجُوْدُهُ بَعْدَ هَذَا الزَّمَانِ.
- وَالْحَالَ: وَهُوَ أَجْزَاءٌ مِنْ أَوَاخِرِ الْمَاضِيْ وَأَوَائِلِ الْمُسْتَقْبَلِ مُتَعَاقِبَةً مِنْ غَيْرِ مُهْلَةٍ وَتَرَاخٍ؛ كَمَا يُقَالُ: (زَيْدٌ يُصَلِّيْ) وَالْحَالُ أَنَّ بَعْضَ صَلَاتِهِ مَاضٍ، وَبَعْضَهَا بَاقٍ، فَجَعَلُوا الصَّلَاةَ الْوَاقِعَةَ فِي الْآنَاتِ (١) الْكَثِيْرَةِ الْمُتَعَاقِبَةِ وَاقِعَةً فِي الْحَالِ.
وَكَوْنُ الْمُسْنَدِ فِعْلاً فَلِلتَّقَيُّدِ بِأَحَدِ الْأَزْمِنَةِ الثَّلَاثَةِ عَلَى أَخْصَرِ وَجْهٍ بِخِلَافِ الِاسْمِ؛ نَحْوُ: (زَيْدٌ قَائِمٌ أَمْسِ، أَوِ الْآنَ، أَوْ غَداً)؛ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى انْضِمَامِ قَرِيْنَةٍ، وَأَمَّا الْفِعْلُ فَأَحَدُ الْأَزْمِنَةِ جُزْءُ مَفْهُوْمِهِ، فَهُوَ بِصِيْغَتِهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
مَعْ إِفَادَةِ التَّجَدُّدِ: الَّذِيْ هُوَ مِنْ لَوَازِمِ الزَّمَانِ الَّذِيْ هُوَ جُزْءٌ مِنْ مَفْهُوْمِ الْفِعْلِ، وَتَجَدُّدُ الْجُزْءِ وَحُدُوْثُهُ يَقْتَضِيْ تَجَدُّدَ الْكُلِّ وَحُدُوْثَهُ، وَظَاهِرٌ أَنَّ الزَّمَانَ غَيْرُ قَارِّ الذَّاتِ؛ لَا تَجْتَمِعُ أَجْزَاؤُهُ بَعْضُهَا مَعَ بَعْضٍ؛ كَقَوْلِ طَرِيْفِ (٢) بْنِ تَمِيْمٍ (٣): [الكامل]
أَوَكُلَّمَا وَرَدَتْ عُكَاظَ قَبِيْلَةٌ ... بَعَثُوْا إِلَيَّ عَرِيْفَهُمْ يَتَوَسَّمُ (٤)
أَيْ: يَصْدُرُ عَنْهُ تَوَسُّمُ الْوُجُوْهِ شَيْئاً فَشَيْئاً، وَلَحْظَةً فَلَحْظَةً. стр. 203
فَالشَّاهِدُ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ التَّفْتَازَانِيُّ (١) فِيْ «يَتَوَسَّمُ»، وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَشِّيْنَ عَلَى الْمُخْتَصَرِ: «وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُوْنَ فِيْ «وَرَدَتْ» وَفِيْ قَوْلِهِ: «بَعَثُوْا»؛ إِذْ لَا امْتِنَاعَ فِيْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ كُلَّمَا وُجِدَ الْمُسْنَدُ فِعْلاً لَا بُدَّ وَأَنْ يُفِيْدَ ذَلِكَ» اِنْتَهَى (٢).
وَقَوْلُ الشَّارِحِ (٣): «وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: (مَعْ إِفَادَةِ التَّجَدُّدِ) عَنِ الصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ؛ نَحْوُ: (زَيْدٌ كَرِيْمٌ)؛ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَلُ إِلَّا بِمَعْنَى الْمَاضِيْ، فَتَكُوْنُ مُقَيَّدَةً بِأَحَدِ الْأَزْمِنَةِ الثَّلَاثَةِ عَلَى أَخْصَرِ وَجْهٍ، مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِفِعْلٍ» غَيْرُ ظَاهِرٍ، فَإِنَّ الصِّفَةَ الْمُشَبَّهَةَ لَا تَتَقَيَّدُ بِالْمَاضِيْ دَائِماً، وَإِنَّمَا عَمَلُهَا مُقَيَّدٌ؛ بِكَوْنِهَا بِمَعْنَى الْمَاضِي الْمُسْتَمِرِّ إِلَى زَمَنِ الْحَالِ، وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْحَالِ.
بَلْ صَرَّحَ ابْنُ هِشَامٍ (٤): بِأَنَّهَا لِلزَّمَنِ الْحَاضِرِ الدَّائِمِ دُوْنَ الْمَاضِي الْمُنْقَطِعِ وَالْمُسْتَقْبَلِ، فَعَلَى هَذَا تَقَيَّدَتْ بِالْحَالِ لَا بِالْمَاضِيْ، فَانْتَفَى التَّقَيِيْدُ الَّذِيْ ذَكَرَهُ، وَخَرَجَتْ بِقَوْلِهِ: (وَكَوْنُهِ فِعْلاً).
وَأَيْضاً قَدْ ذَكَرَ النَّاظِمُ (أَنَّ كَوْنَ الْمُسْنَدِ فِعْلاً لِلتَّقْيِيْدِ بِالْوَقْتِ)، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ مَا هُوَ مُتَقَيِّدٌ بِالْوَقْتِ أَنْ يَكُوْنَ فِعْلاً، فَسَقَطَ اعْتِرَاضُ الشَّارِحِ مِنْ أَصْلِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
/وَأَيْضاً قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ (٥) فِي الْكَافِيَةِ (٦) فِي الصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ: «وَتَعْمَلُ عَمَلَ فِعْلِهَا مُطْلَقاً» стр. 204
قَالَ الْجَامِيُّ (١): «أَيْ مِنْ غَيْرِ اشْتِرِاطِ زَمَنٍ؛ لِكَوْنِهَا بِمَعْنَى الثُّبُوْتِ، فَلَا مَعْنًى لِاشْتِرَاطِهِ فِيْهَا» (٢) اِنْتَهَى كَلَامُهُمَا.
فَعَلَى هَذَا لَا تَتَقَيَّدُ بِزَمَانٍ؛ إِذْ لَيْسَتْ فِعْلاً.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَ النَّاظِمِ: (مَعْ إِفَادَةِ التَّجَدُّدِ) بَيَانٌ لِلْوَاقِعِ - لَا لِلِاحْتِرَازِ - كَمَا تُفْهِمُهُ عِبَارَةُ التَّفْتَازَانِيِّ فِيْ الْمُخْتَصَرِ (٣)؛ حَيْثُ قَالَ:
«وَلَمَّا كَانَ التَّجَدُّدُ لَازِماً لِلزَّمَانِ؛ لِكَوْنِهِ غَيْرَ قَارِّ الذَّاتِ؛ أَيْ لَا تَجْتَمِعُ أَجْزَاؤُهُ فِي الْوُجُوْدِ - وَالزَّمَانُ جُزْءٌ مِنْ مَفْهُوْمِ الْفِعْلِ - كَانَ الْفِعْلُ مَعَ إِفَادَةِ التَّقَيُّدِ بِأَحَدِ الْأَزْمِنَةِ مُفِيْداً لِلتَّجَدُّدِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (مَعْ إِفَادَةِ التَّجَدُّدِ)» اِنْتَهَى (٤).
* * *
٣٩ - وَاسْماً؛ فَلِانْعِدَامِ ذَا، وَمُفْرَداً؛ ... لِأَنَّ نَفْسَ الْحُكْمِ فِيْهِ قُصِدَا
وَاسْماً: أَيْ وَكَوْنُ الْمُسْنَدِ اسْماً
فَلِانْعِدَامِ ذَا: أَيْ لِعَدَمِ التَّقْيِيْدِ الْمَذْكُوْرِ مَعَ إِفَادَةِ التَّجَدُّدِ، بَلْ يَكُوْنُ لِإِفَادَةِ الدَّوَامِ وَالثُّبُوْتِ لِأَغْرَاضٍ تَتَعلَّقُ بِذَلِكَ؛ كَمَا فِيْ مَقَامِ الْمَدْحِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يُنَاسِبُهُ الدَّوَامُ وَالثُّبُوْتُ؛ كَقَوْلِهِ: [البسيط]
لَا يَأْلَفُ الدِّرْهَمُ الْمَضْرُوْبُ صُرَّتَنَا ... لَكِنْ يَمُرُّ عَلَيْهَا وَهْوَ مُنْطَلِقُ (٥) стр. 205
يَعْنِيْ: أَنَّ الِانْطِلَاقَ ثَابِتٌ لَهُ، دَائِمٌ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ تَجَدُّدٍ.
قَالَ فِي الْمُطَوَّلِ (١):
قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَاهِرِ (٢): «الْمَقْصُوْدُ مِنَ الْإِخْبَارِ إِنْ كَانَ هُوَ الْإِثْبَاتَ الْمُطْلَقَ فَيَنْبَغِيْ أَنْ يَكُوْنَ بِالِاسْمِ، وَإِنْ كَانَ الْغَرَضُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِإِشْعَارِ زَمَانِ ذَلِكَ الثُّبُوْتِ فَيَنْبَغِيْ أَنْ يَكُوْنَ بِالْفِعْلِ».
وَقَالَ أَيْضاً: «مَوْضُوْعُ الِاسْمِ عَلَى أَنْ يَثْبُتَ بِهِ الشَّيْءُ لِلشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ اقْتِضَاءِ أَنَّهُ يَتَجَدَّدُ وَيَحْدُثُ شَيْئاً فَشَيْئاً، فَلَا تَعَرُّضَ فِيْ (زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ) لِأَكْثَرَ مِنْ إِثْبَاتِ الِانْطِلَاقِ فِعْلاً لَهُ، كَمَا فِيْ (زَيْدٌ طَوِيْلٌ وَعَمْرٌو قَصِيْرٌ).
وَأَمَّا الْفِعْلُ فَإِنَّهُ يُقْصَدُ فِيْهِ التَّجَدُّدُ وَالْحُدُوْثُ، وَمَعْنَى (زَيْدٌ يَنْطَلِقُ): أَنَّ الِانْطِلَاقَ يَحْصُلُ مِنْهُ جُزْءاً فَجُزْءاً، وَهُوَ يُزَاوِلُهُ وَيُزَجِّيْهِ» اِنْتَهَى.
وَمُفْرَداً: أَيْ وَكَوْنُ الْمُسْنَدِ مُفْرَداً - أَيْ: غَيْرَ جُمْلَةٍ- فَلِكَوْنِهِ غَيْرَ سَبَبِيٍّ وَ ...
لِأَنَّ نَفْسَ الْحُكْمِ فِيْهِ قُصِدَا: لَا أَنَّهُ قَصَدَ تَقَوِّيَ الْحُكْمِ؛ إِذْ لَوْ كَانَ سَبَبِيّاً؛ نَحْوُ: (زَيْدٌ قَامَ أَبُوْهُ) أَوْ مُفِيْداً لِلتَّقَوِّيْ نَحْوُ: (زَيْدٌ قَامَ) فَهُوَ جُمْلَةٌ قَطْعاً.
قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ (٣): «وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَسَّرَ الْمُسْنَدُ السَّبَبِيُّ بِجُمْلَةٍ عُلِّقَتْ عَلَى مُبْتَدَأٍ بِعَائِدٍ لَا يَكُوْنُ مُسْنَداً إِلَيْهِ فِيْ تِلْكَ الْجُمْلَةِ، فَخَرَجَ الْمُسْنَدُ فِيْ نَحْوِ: (زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ أَبُوْهُ)؛ لِأَنَّهُ مُفْرَدٌ، وَفِيْ نَحْوِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ стр. 206
[الإخلاص: ١]؛ لِأَنَّ تَعْلِيْقَهَا عَلَى الْمُبْتَدَأِ لَيْسَ بِعَائِدٍ، وَفِيْ نَحْوِ: (زَيْدٌ قَامَ) وَ (زَيْدٌ هُوَ قَائِمٌ)؛ [لِأَنَّ الْعَائِدَ مُسْنَدٌ إِلَيْهِ. وَدَخَلَ فِيْهِ نَحْوُ: (زَيْدٌ أَبُوْهُ قَائِمٌ)] (١)، وَ (زَيْدٌ قَامَ أَبُوْهُ)، وَ (زَيْدٌ مَرَرْتُ بِهِ)، وَ (زَيْدٌ ضَرَبْتُ عَمْراً فِيْ دَارِهِ)، وَ (زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ) وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْجُمَلِ الَّتِيْ وَقَعَتْ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ وَلَا تُفِيْدُ التَّقَوِّيَ» اِنْتَهَى.
* * *
٤٠ - وَالْفِعْلُ، بِالْمَفْعُوْلِ إِنْ تَقَيَّدَا، ... وَنَحْوِهِ؛ فَلِيُفِيْدَ أَزْيَدَا
وَالْفِعْلُ: وَمَا أَشْبَهَهُ مِنِ اسْمِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُوْلِ وَنَحْوِهِمَا
بِالْمَفْعُوْلِ: مُتَعَلِّقٌ
بِإِنْ تَقَيَّدَا: أَيْ إِنْ تَقَيَّدَ الْفِعْلُ وَمَا أَشْبَهَهُ بِالْمَفْعُوْلِ الْمُطْلَقِ، أَوِ الْمَفْعُوْلِ بِهِ، أَوْ فِيْهِ، أَوْ لَهُ، أَوْ مَعَهُ.
وَنَحْوِهِ: أَيْ نَحْوِ الْمَفْعُوْلِ؛ مِنَ الْحَالِ، وَالتَّمْيِيْزِ، وَالِاسْتِثْنَاءِ فَتَقْيِيْدُهُ بِذَلِكَ؛ لِتَرْبِيَةِ الْفَائِدَةِ؛ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهَا النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ:
فَلِيُفِيْدَ أَزْيَدَا: لِأَنَّ الْحُكْمَ كُلَّمَا زَادَ خُصُوْصاً زَادَ غَرَابَةً، وَكُلَّمَا زَادَ غَرَابَةً زَادَ إِفَادَةً؛ كَمَا يَظْهَرُ بِالنَّظَرِ إِلَى قَوْلِنَا: (شَيْءٌ مَّا مَوْجُوْدٌ)، وَ (فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ حَفِظَ التَّوْرَاةَ سَنَةَ كَذَا فِيْ بَلَدِ كَذَا).
* * *
٤١ - وَتَرْكُهُ؛ لِمَانِعٍ مِنْهُ، وَإِنْ ... بِالشَّرْطِ لِاعْتِبَارِ مَا يَجِيْءُ مِنْ
٤٢ - أَدَاتِهِ، وَالْجَزْمُ أَصْلٌ فِيْ إِذَا ... لَا إِنْ وَلَوْ، وَلَا لِذَاكَ مَنْعُ ذَا
وَتَرْكُهُ: أَيْ تَرْكُ التَّقْيِيْدِ стр. 207
لِمَانِعٍ مِنْهُ: أَيْ مِنَ الزَّائِدِ الْمُعَبَّرِ بِهِ عَنْ تَرْبِيَةِ الْفَائِدَةِ؛ كَعَدَمِ الْعِلْمِ بِالْمُقَيِّدَاتِ، أَوْ عَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إِلَيْهَا، أَوْ خَوْفِ انْقِضَاءِ الْفُرْصَةِ (١)، أَوْ عَدَمِ إِرَادَةِ أَنْ يَطَّلِعَ السَّامِعُ أَوْ غَيْرُهُ مِنَ الْحَاضِرِيْنَ عَلَى زَمَانِ الْفِعْلِ أَوْ مَكَانِهِ (٢)، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ لِأَغْرَاضٍ تَتَعلَّقُ بِهِ، أَوْ خَوْفِ أَنْ
يَتَصَوَّرَ الْمُخَاطَبُ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ مِكْثَارٌ أَوْ قَادِرٌ عَلَى التَّكَلُّمِ فَيَتَوَلَّدَ مِنْهُ عَدَاوَةٌ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَإِنْ: تَقَيَّدَ الْفِعْلُ
بِالشَّرْطِ: نَحْوُ: (أُكْرِمُكَ إِنْ تُكْرِمْنِيْ)، أَوْ (إِنْ تُكْرِمْنِيْ أُكْرِمْكَ) فَتَقَيُّدُهُ
لِاعْتِبَارِ مَا يَجِيْءُ مِنْ أَدَاتِهِ: حَرْفاً كَانَتِ الْأَدَاةُ، أَوِ اسْماً.
فَتَقْيِيْدُ الْفِعْلِ بِالشَّرْطِ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ مَا بَيْنَ أَدَوَاتِهِ مِنَ التَّفْصِيْلِ؛ وَذَلِكَ مُبَيَّنٌ فِيْ عِلْمِ النَّحْوِ، فَليُرْجَعْ إِلَيْهِ (٣)، ولكنْ لا بُدَّ من النَّظَرِ ههنا في (إنْ، وإذا، ولو)؛ لكثرةِ مباحثِها الشَّريفةِ الْمُهْمَلَةِ في عِلْمِ النَّحْوِ (٤)؛ فَلِهَذَا قَالَ النَّاظِمُ:
وَالْجَزْمُ أَصْلٌ فِيْ إِذَا: أَيِ الْجَزْمُ بِوُقُوْعِ الشَّرْطِ فِي الِاسْتِقْبَالِ فِي اعْتِقَادِ الْمُتَكَلِّمِ أَصْلٌ فِيْ (إِذَا).
لَا إِنْ: أَيْ لَيْسَ الْجَزْمُ بِوُقُوْعِ الشَّرْطِ فِي الِاسْتِقْبَالِ أَصْلاً فِيْ стр. 208
(إِنْ)؛ لِأَنَّ أَصْلَ (إِنْ) عَدَمُ الْجَزْمِ بِوُقُوْعِ الشَّرْطِ، فَـ (إِذَا) وَ (إِنْ):
- يَشْتَرِكَانِ فِي: الِاسْتِقْبَالِ بِخَلَافِ (لَوْ).
-[وَيَفْتَرِقَانِ] (١) فِي الْجَزْمِ بِالْوُقُوْعِ، وَعَدَمِ الْجَزْمِ بِهِ.
وَلِأَنَّ أَصْلَ (إِذَا) الْجَزْمُ بِالْوُقُوْعِ؛ غَلَبَ لَفْظُ الْمَاضِيْ فِي الِاسْتِعْمَالِ؛ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الْوُقُوْعِ قَطْعاً، وَإِنْ نُقِلَ هَهُنَا إِلَى مَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ مَعَ (إِذَا)؛ وَلَفْظُ الْمُسْتَقْبَلِ مَعَ (إِنْ)؛
نَحْوُ: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١]؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْحَسَنَةُ الْمُطْلَقَةُ الَّتِيْ حُصُوْلُهَا مَقْطُوْعٌ بِهِ، وَلِهَذَا عُرِّفَتْ تَعْرِيْفَ الْجِنْسِ، وَالسَّيِّئَةُ نَادِرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا، وَلِهَذَا نُكِّرَتْ.
وَلَوْ: أَيْ وَلَيْسَ الْجَزْمُ بِوُقُوْعِ الشَّرْطِ - أَيْضاً - أَصْلٌ فِيْ (لَوْ)، بَلْ هِيَ كَمَا قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ (٢): «وَلَوْ لِلشَّرْطِ؛ أَيْ لِتَعْلِيْقِ حُصُوْلِ مَضْمُوْنِ الْجَزَاءِ بِحُصُوْلِ مَضْمُوْنِ الشَّرْطِ فَرْضاً فِي الْمَاضِيْ، مَعَ القَطْعِ بِانْتِفَاءِ الشَّرْطِ، فَيَلْزَمُ انْتِفَاءُ الْجَزَاءِ؛ كَمَا تَقُوْلُ: (لَوْ جِئْتَنِيْ أَكْرَمْتُكَ) مُعَلِّقاً الْإِكْرَامَ بِالْمَجِيْءِ، مَعَ الْقَطْعِ بِانْتِفَائِهِ، فَيَلْزَمُ انْتِفَاءُ الْإِكْرَامِ فَهِيَ لِامْتِنَاعِ الثَّانِيْ؛ أَعْنِي الْجَزَاءَ لِامْتِنَاعِ الْأَوَّلِ؛ أَعْنِي الشَّرْطَ، يَعْنِي أَنَّ الْجَزَاءَ مُنْتَفٍ بِسَبَبِ انْتِفَاءِ الشَّرْطِ. هَذَا هُوَ الْمَشْهُوْرُ بَيْنَ الْجُمْهُوْرِ (٣)» اِنْتَهَى. стр. 209
وَلَا لِذَاكَ مَنْعُ ذَا: أَيْ وَلَيْسَتْ (لَوْ) لِامْتِنَاعِ الشَّرْطِ لِامْتِنَاعِ الْجَزَاءِ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ (١). وَفِيْ (لَوْ) مَذَاهِبُ وَأَبْحَاثُ لَا يَحْتَمِلُهَا هَذَا الْمُخْتَصَرُ فَتُطْلَبُ مِنَ الْمُطَوَّلِ (٢) وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ هَذَا الْعِلْمِ (٣). وَاللهُ أعْلَمُ.
* * *
٤٣ - والوَصْفُ، وَالتَّعْرِيْفُ، وَالتَّأْخِيْرُ، ... وَعَكْسُهُ - يُعْرَفُ - وَالتَّنْكِيْرُ
والوَصْفُ: أَيْ وَصْفُ الْمُسْنَدِ الْمُخَصِّصُ لَهُ؛ نَحْوُ: (زَيْدٌ رَجَلٌ عَالِمٌ)؛ لِكَوْنِ الْفَائِدَةِ أَتَمَّ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْخُصُوْصِ تُوْجِبُ أَتَمِّيَّةَ الْفَائِدَةِ.
وَقَدْ يَتَخَصَّصُ الْمُسْنَدُ بِالْإِضَافَةِ؛ نَحْوُ: (زَيْدٌ غُلَامُ رَجُلٍ)، وَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ تَخَصَّصَ بِالْوَصْفِ.
وَالتَّعْرِيْفُ: أَيْ تَعْرِيْفُ الْمُسْنَدِ:
- فَلِإِفَادَةِ السَّامِعِ حُكْماً عَلَى أَمْرٍ مَعْلُوْمٍ لَهُ بِإِحْدَى طُرُقِ التَّعْرِيْفِ؛ بِأَنْ يَكُوْنَ مُضْمَراً، أَوْ عَلَماً، أَوِ اسْمَ إِشَارَةٍ، أَوْ مَوْصُوْلاً، أَوْ مُعَرَّفاً بِاللَّامِ.
- أَوْ مُضَافاً إِلَى أَحَدِ هَؤُلَاءِ إِضَافَةً مَعْنَوِيَّةً بِآخَرَ مِثْلِهِ، أَيْ حُكْماً عَلَى أَمْرٍ آخَرَ مِثْلِهِ فِيْ كَوْنِهِ مَعْلُوْماً للسَّامِعِ بِإِحْدَى طُرُقِ التَّعْرِيْفِ سَوَاءٌ اتَّحَدَ الطَّرِيْقَانِ؛ نَحْوُ: (الرَّاكِبُ هُوَ الْمُنْطَلِقُ) أَوِ اخْتَلَفَا؛ نَحْوُ (زَيْدٌ هُوَ الْمُنْطَلِقُ) فَيَجِبُ عِنْدَ تَعْرِيْفِ الْمُسْنَدِ تَعْرِيْفُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ؛ إِذْ لَيْسَ فِيْ كَلَامِهِمْ مُسْنَدٌ إِلَيْهِ نَكِرَةٌ وَمُسْنَدٌ مَعْرِفَةٌ فِي الْجُمَلِ الْخَبَرِيَّةِ. стр. 210
وَالتَّأْخِيْرُ: أَيْ تَأْخِيْرُ الْمُسْنَدِ؛ فَلِأَنَّ ذِكْرَ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ أَهَمُّ؛ كَمَا مَرَّ فِيْ تَقْدِيْمِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ.
وَعَكْسُهُ: أَيْ عَكْسُ التَّأْخِيْرِ؛ وَهُوَ التَّقْدِيْمُ؛ فَلِتَخْصِيْصِهِ بِالْمُسْنَدِ إِلَيْهِ، أَيْ لِقَصْرِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ عَلَى الْمُسْنَدِ؛ نَحْوُ: (تَمِيْمِيٌّ زَيْدٌ)؛ يَعْنِيْ: أَنَّهُ مَقْصُوْرٌ عَلَى التَّمِيْمِيَّةِ لَا يَتَجَاوَزُهَا إِلَى الْقَيْسِيَّةِ.
أَوْ لِأَنَّ تَقْدِيْمَ الْمُسْنَدِ؛ لِلتَّنْبِيْهِ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ عَلَى أَنَّهُ - أَيِ: الْمُسْنَدَ - خَبَرٌ لَا نَعْتٌ؛ كَقَوْلِ حَسَّانَ فِيْ مَدْحِ النَّبِيِّ ﷺ : [الطّويل]
لَهُ هِمَمٌ لَا مُنْتَهَى لِكِبَارِهَا ... وَهِمَّتُهُ الصُّغْرَى أَجَلُّ مِنَ الدَّهْرِ (١)
إِذْ لَمْ يَقُلْ: (هِمَمٌ لَهُ).
يُعْرَفُ: أَي: (الْوَصْفُ، وَالتَّعْرِيْفُ، وَالتَّأْخِيْرُ، وَعَكْسُهُ) يُعْرَفُ أَكْثَرُهَا مِمَّا تَقَدَّمَ فِي الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ.
وَالتَّنْكِيْرُ: أَيْضاً يُعْرَفُ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ؛ فَيَكُوْنُ:
- لِعَدَمِ إِرَادَةِ الْحَصْرِ وَالْعَهْدِ الدَّالِّ عَلَيْهِمَا التَّعْرِيْفُ؛ كَقَوْلِكَ: (زَيْدٌ كَاتِبٌ، وَعَمْرٌو شَاعِرٌ).
- أَوْ لِلتَّفْخِيْمِ؛ نَحْوُ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] عَلَى أَنَّ (هُدًى) خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوْفٍ، أَوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لِـ (ذَلِكَ الْكِتَابُ).
- أَوْ لِلتَّحْقِيْرِ؛ [نَحْوُ] (٢): (مَا زَيْدٌ شَيْئاً).
وَأَمَّا كَوْنُ الْمُسْنَدِ جُمْلَةً؛ فَلِعَكْسِ مَا ذَكَرَهُ فِيْ كَوْنِهِ مُفْرَداً؛ أَعْنِيْ: стр. 211
يَكُوْنُ جُمْلَةً لِلتَّقَوِّي؛ نَحْوُ: (زَيْدٌ قَامَ)، أَوْ لِكَوْنِهِ سَبَبِيّاً؛ نَحْوُ: (زَيْدٌ أَبُوْهُ قَائِمٌ).
كَمَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ بِالْقُوَّةِ مِنْ مَفْهُوْمِ النَّظْمِ؛ مِنْ قَوْلِهِ: (وَمُفْرَداً لِأَنَّ نَفْسَ الْحُكْمِ فِيْهِ قُصِدَا) كَمَا قَرَّرْنَاهُ هُنَاكَ. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
* * *
стр. 212
الباب الرابع
أَحْوَالُ مُتَعَلَّقَاتِ الْفِعْلِ
اِعْلَمْ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْأَحْوَالِ بَعْضَهَا لَا كُلَّهَا؛ لِأَنَّ مُتَعَلَّقَاتِ الْفِعْلِ قَدْ يَجْرِيْ فِيْهَا كَثِيْرٌ مِنَ الْأَحْوَالِ الْمَذْكُوْرَةِ فِي (بَابِ الْمُسْنَدِ وَالْمُسْنَدِ إِلَيْهِ).
وَلَكِنْ لَمَّا اخْتَصَّ بَعْضُهَا بِنَوْعِ غُمُوْضٍ، وَمَزِيْدِ دِقَّةٍ، وُضِعَ هَذَا الْبَابُ لِذَلِكَ الْبَعْضِ؛ كَـ:
- حَذْفِ الْمَفْعُوْلِ.
- وَتَقْدِيْمِهِ عَلَى الْفِعْلِ.
- وَتَقْدِيْمِ بَعْضِ الْمَعْمُوْلَاتِ عَلَى بَعْضٍ.
فَهَذَا لِهَذَا مُقَدِّمَةٌ (١). فَقَالَ:
٤٤ - ثُمَّ مَعَ الْمَفْعُوْلِ حَالُ الْفِعْلِ ... كَحَالِهِ مَعْ فَاعِلٍ مِنْ أَجْل
٤٥ - تَلَبُّسٍ، لَا كَوْنِ ذَاكَ قَدْ جَرَى، ... وَإِنْ يُرَدْ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ ذُكِرَا
ثُمَّ مَعَ الْمَفْعُوْلِ: بِهِ
حَالُ الْفِعْلِ كَحَالِهِ: أَيْ كَحَالِ الْفِعْلِ стр. 213
مَعْ فَاعِلٍ: أَيْ ذِكْرُ الْفِعْلِ مَعَ الْفَاعِلِ أَوِ الْمَفْعُوْلِ، أَوْ ذِكْرُ كُلٍّ مِنَ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُوْلِ مَعَ الْفِعْلِ
مِنْ أَجْلِ تَلَبُّسٍ: أَيْ مِنْ أَجْلِ إِفَادَةِ تَلَبُّسِ الْفِعْلِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، لَكِنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ؛ بِأَنَّ تَلَبُّسَهُ بِالْفَاعِلِ مِنْ جِهَةِ وُقُوْعِهِ مِنْهُ، وَتَلَبُّسَهُ بِالْمَفْعُوْلِ مِنْ جِهَةِ وُقُوْعِهِ عَلَيْهِ.
وَمِنْ هَذَا يُعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَفْعُوْلِ: الْمَفْعُوْلُ بِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا تَمْهِيْدٌ لِحَذْفِهِ، وَإِنْ كَانَ سَائِرُ الْمَفَاعِيْلِ بَلْ جَمِيْعُ الْمُتَعَلَّقَاتِ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْغَرَضَ مِنْ ذِكْرِهَا مَعَ الْفِعْلِ إِفَادَةُ تَلَبُّسِهَا مِنْ جِهَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ كَالْوُقُوْعِ فِيْهِ، وَلَهُ، وَمَعَهُ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
لَا: مِنْ أَجْلِ
كَوْنِ ذَاكَ: الْفِعْلِ
قَدْ جَرَى: أَيْ وَقَعَ. أَيْ: لَيْسَ الْغَرَضُ مِنْ ذِكْرِهِ مَعَ الْفِعْلِ إِفَادَةَ وُقُوْعِ الْفِعْلِ وَثُبُوْتِهِ فِيْ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ إِرَادَةِ أَنْ يُعْلَمَ مِمَّنْ وَقَعَ، وَعَلَى مَنْ وَقَعَ؛ إِذْ لَوْ كَانَ الْغَرَضُ ذَلِكَ كَانَ ذِكْرُ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُوْلِ مَعَهُ عَبَثاً، بَلِ الْعِبَارَةُ - حِيْنَئِذٍ - أَنْ يُقَالَ: (وَقَعَ الضَّرْبُ، أَوْ وُجِدَ، أَوْ ثَبَتَ)، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى مُجَرَّدِ وُجُوْدِ الْفِعْلِ
وَإِنْ يُرَدْ: بِضَمِّ الْيَاءِ؛ مَبْنِيّاً لِلْمَفْعُوْلِ
إِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ ذُكِرَا: الْمَفْعُوْلُ بِهِ مَعَ الْفِعْلِ الْمُتَعَدِّي الْمُسْنَدِ إِلَى فَاعِلِهِ. وَأَلِفُ (ذُكِرَ) لِلْإِطْلَاقِ
* * *
٤٦ - النَّفْيُ مُطْلَقاً أَوِ الْإِثْبَاتُ لَهْ ... فَذَاكَ مِثْلُ لَازِمٍ فِي الْمَنْزِلَهْ
النَّفْيُ: نَائِبُ فَاعِلِ (يُرَدْ). أَيْ: نَفْيُ الْفِعْلِ عَنِ الْفَاعِلِ
стр. 214
مُطْلَقاً: أَيْ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ عُمُوْمٍ فِي الْفِعْلِ؛ بِأَنْ يُرَادَ جَمِيْعُ أَفْرَادِهِ، أَوْ خُصُوْصٍ؛ بِأَنْ يُرَادَ بَعْضُهَا، وَمِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ تَعَلُّقِهِ بِمَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ، فَضْلاً عَنْ عُمُوْمِهِ وَخُصُوْصِهِ.
أَوِ الْإِثْبَاتُ: أَيْ أَوْ يُرَادَ إِثْبَاتُ الْفِعْلِ
لَهْ: أَيْ لِفَاعِلِهِ مُطْلَقاً
فَذَاكَ: أَيِ الْفِعْلُ الْمُتَعَدِّي
مِثْلُ: فِعْلٍ
لَازِمٍ فِي الْمَنْزِلَهْ: أَيْ مُنَزَّلٍ مَنْزِلَتَهُ
* * *
٤٧ - مِنْ غَيْرِ تَقْدِيْرٍ، وَإِلَّا لَزِمَا ... وَالْحَذْفُ؛ لِلْبَيَانِ فِيْمَا أُبْهِمَا
مِنْ غَيْرِ تَقْدِيْرٍ: أَيْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَدَّرَ لَهُ مَفْعُوْلٌ؛ لِأَنَّ الْمُقَدَّرَ كَالْمَذْكُوْرِ؛ فِيْ أَنَّ السَّامِعَ يَفْهَمُ مِنْهُمَا أَنَّ الْغَرَضَ الْإِخْبَارُ بِوُقُوْعِ الْفِعْلِ عَنِ الْفَاعِلِ بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِهِ بِمَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ (١).
قَالَ صَاحِبُ التَّلْخِيْصِ (٢): «وَهُوَ - أَيْ: هَذَا الْفِعْلُ الَّذِيْ نُزِّلَ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ - ضَرْبَانِ؛ لِأَنَّهُ:
١ - إِمَّا أَنْ يُجْعَلَ الْفِعْلُ مُطْلَقاً كِنَايَةً عَنْهُ - أَيْ عَنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ، حَالَ كَوْنِهِ - مُتَعَلِّقاً بِمَفْعُوْلٍ مَخْصُوْصٍ دَلَّتْ قَرِيْنَةٌ عَلَيْهِ؛ كَقَوْلِ الْبُحْتُرِيِّ (٣)، стр. 215
[فِي الْمُعْتَزّ بِاللهِ] (١): [الخفيف]
شَجْوُ حُسَّادِهِ وَغَيْظُ عِدَاهُ ... أَنْ يَرَى مُبْصِرٌ وَيَسْمَعَ وَاعِ (٢)
أَيْ: أَنْ يَكُوْنَ ذُوْ رُؤْيَةٍ وَذُوْ سَمْعٍ؛ فَيُدْرِكَ بِالْبَصَرِ مَحَاسِنَهُ، وَبِالسَّمْعِ أَخْبَارَهُ.
فَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ نَزَّلَ (يَسْمَعَ) وَ (يَرَى) مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ؛ أَيْ [مَنْ] (٣) يَصْدُرُ عَنْهُ السَّمَاعُ وَالرُّؤْيَةُ، مِنْ غَيْرِ تَعَلُّقٍ بِمَفْعُوْلٍ مَخْصُوْصٍ.
٢ - أَوْ لَا يُجْعَلَ كَذَلِكَ (٤)؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزّمر: ٩] أَيْ: مَنْ يُوْجَدُ لَهُ حَقِيْقَةُ الْعِلْمِ وَمَنْ لَا يُوْجَدُ لَهُ» اِنْتَهَى كَلَامُهُ مُلَخَّصاً مَعَ زِيَادَةٍ.
وَإِلَّا: أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْغَرَضُ عِنْدَ عَدَمِ ذِكْرِ الْمَفْعُوْلِ مَعَ الْفِعْلِ الْمُتَعَدِّي الْمُسْنَدِ إِلَى فَاعِلِهِ إِثْبَاتَهُ لِفَاعِلِهِ أَوْ نَفْيَهُ عَنْهُ مُطْلَقاً، بَلْ قُصِدَ تَعَلُّقُهُ بِمَفْعُوْلٍ غَيْرِ مَذْكُوْرٍ.
لَزِمَا: بِأَلِفِ الْإِطْلَاقِ. أَيْ: لَزِمَ التَّقْدِيْرُ بِحَسَبِ الْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَى تَعَيُّنِ (٥) الْمَفْعُوْلِ؛ إِنْ عَامّاً فَعَامٌّ، وَإِنْ خَاصّاً فَخَاصٌّ، وَلَمَّا وَجَبَ تَقْدِيْرُ الْمَفْعُوْلِ تَعَيَّنَ أَنَّهُ مُرَادٌ وَمَحْذُوْفٌ مِنَ اللَّفْظِ لِغَرَضٍ، فَأَشَارَ إِلَى تَفْصِيْلِ الْغَرَضِ بِقَوْلِهِ: следующие страницы →