Полный текст (486 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
يَكُوْنُ جُمْلَةً لِلتَّقَوِّي؛ نَحْوُ: (زَيْدٌ قَامَ)، أَوْ لِكَوْنِهِ سَبَبِيّاً؛ نَحْوُ: (زَيْدٌ أَبُوْهُ قَائِمٌ).
كَمَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ بِالْقُوَّةِ مِنْ مَفْهُوْمِ النَّظْمِ؛ مِنْ قَوْلِهِ: (وَمُفْرَداً لِأَنَّ نَفْسَ الْحُكْمِ فِيْهِ قُصِدَا) كَمَا قَرَّرْنَاهُ هُنَاكَ. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
* * *
стр. 212
الباب الرابع
أَحْوَالُ مُتَعَلَّقَاتِ الْفِعْلِ
اِعْلَمْ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْأَحْوَالِ بَعْضَهَا لَا كُلَّهَا؛ لِأَنَّ مُتَعَلَّقَاتِ الْفِعْلِ قَدْ يَجْرِيْ فِيْهَا كَثِيْرٌ مِنَ الْأَحْوَالِ الْمَذْكُوْرَةِ فِي (بَابِ الْمُسْنَدِ وَالْمُسْنَدِ إِلَيْهِ).
وَلَكِنْ لَمَّا اخْتَصَّ بَعْضُهَا بِنَوْعِ غُمُوْضٍ، وَمَزِيْدِ دِقَّةٍ، وُضِعَ هَذَا الْبَابُ لِذَلِكَ الْبَعْضِ؛ كَـ:
- حَذْفِ الْمَفْعُوْلِ.
- وَتَقْدِيْمِهِ عَلَى الْفِعْلِ.
- وَتَقْدِيْمِ بَعْضِ الْمَعْمُوْلَاتِ عَلَى بَعْضٍ.
فَهَذَا لِهَذَا مُقَدِّمَةٌ (١). فَقَالَ:
٤٤ - ثُمَّ مَعَ الْمَفْعُوْلِ حَالُ الْفِعْلِ ... كَحَالِهِ مَعْ فَاعِلٍ مِنْ أَجْل
٤٥ - تَلَبُّسٍ، لَا كَوْنِ ذَاكَ قَدْ جَرَى، ... وَإِنْ يُرَدْ إِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ ذُكِرَا
ثُمَّ مَعَ الْمَفْعُوْلِ: بِهِ
حَالُ الْفِعْلِ كَحَالِهِ: أَيْ كَحَالِ الْفِعْلِ стр. 213
مَعْ فَاعِلٍ: أَيْ ذِكْرُ الْفِعْلِ مَعَ الْفَاعِلِ أَوِ الْمَفْعُوْلِ، أَوْ ذِكْرُ كُلٍّ مِنَ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُوْلِ مَعَ الْفِعْلِ
مِنْ أَجْلِ تَلَبُّسٍ: أَيْ مِنْ أَجْلِ إِفَادَةِ تَلَبُّسِ الْفِعْلِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، لَكِنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ؛ بِأَنَّ تَلَبُّسَهُ بِالْفَاعِلِ مِنْ جِهَةِ وُقُوْعِهِ مِنْهُ، وَتَلَبُّسَهُ بِالْمَفْعُوْلِ مِنْ جِهَةِ وُقُوْعِهِ عَلَيْهِ.
وَمِنْ هَذَا يُعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَفْعُوْلِ: الْمَفْعُوْلُ بِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا تَمْهِيْدٌ لِحَذْفِهِ، وَإِنْ كَانَ سَائِرُ الْمَفَاعِيْلِ بَلْ جَمِيْعُ الْمُتَعَلَّقَاتِ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْغَرَضَ مِنْ ذِكْرِهَا مَعَ الْفِعْلِ إِفَادَةُ تَلَبُّسِهَا مِنْ جِهَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ كَالْوُقُوْعِ فِيْهِ، وَلَهُ، وَمَعَهُ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
لَا: مِنْ أَجْلِ
كَوْنِ ذَاكَ: الْفِعْلِ
قَدْ جَرَى: أَيْ وَقَعَ. أَيْ: لَيْسَ الْغَرَضُ مِنْ ذِكْرِهِ مَعَ الْفِعْلِ إِفَادَةَ وُقُوْعِ الْفِعْلِ وَثُبُوْتِهِ فِيْ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ إِرَادَةِ أَنْ يُعْلَمَ مِمَّنْ وَقَعَ، وَعَلَى مَنْ وَقَعَ؛ إِذْ لَوْ كَانَ الْغَرَضُ ذَلِكَ كَانَ ذِكْرُ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُوْلِ مَعَهُ عَبَثاً، بَلِ الْعِبَارَةُ - حِيْنَئِذٍ - أَنْ يُقَالَ: (وَقَعَ الضَّرْبُ، أَوْ وُجِدَ، أَوْ ثَبَتَ)، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى مُجَرَّدِ وُجُوْدِ الْفِعْلِ
وَإِنْ يُرَدْ: بِضَمِّ الْيَاءِ؛ مَبْنِيّاً لِلْمَفْعُوْلِ
إِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ ذُكِرَا: الْمَفْعُوْلُ بِهِ مَعَ الْفِعْلِ الْمُتَعَدِّي الْمُسْنَدِ إِلَى فَاعِلِهِ. وَأَلِفُ (ذُكِرَ) لِلْإِطْلَاقِ
* * *
٤٦ - النَّفْيُ مُطْلَقاً أَوِ الْإِثْبَاتُ لَهْ ... فَذَاكَ مِثْلُ لَازِمٍ فِي الْمَنْزِلَهْ
النَّفْيُ: نَائِبُ فَاعِلِ (يُرَدْ). أَيْ: نَفْيُ الْفِعْلِ عَنِ الْفَاعِلِ
стр. 214
مُطْلَقاً: أَيْ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ عُمُوْمٍ فِي الْفِعْلِ؛ بِأَنْ يُرَادَ جَمِيْعُ أَفْرَادِهِ، أَوْ خُصُوْصٍ؛ بِأَنْ يُرَادَ بَعْضُهَا، وَمِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ تَعَلُّقِهِ بِمَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ، فَضْلاً عَنْ عُمُوْمِهِ وَخُصُوْصِهِ.
أَوِ الْإِثْبَاتُ: أَيْ أَوْ يُرَادَ إِثْبَاتُ الْفِعْلِ
لَهْ: أَيْ لِفَاعِلِهِ مُطْلَقاً
فَذَاكَ: أَيِ الْفِعْلُ الْمُتَعَدِّي
مِثْلُ: فِعْلٍ
لَازِمٍ فِي الْمَنْزِلَهْ: أَيْ مُنَزَّلٍ مَنْزِلَتَهُ
* * *
٤٧ - مِنْ غَيْرِ تَقْدِيْرٍ، وَإِلَّا لَزِمَا ... وَالْحَذْفُ؛ لِلْبَيَانِ فِيْمَا أُبْهِمَا
مِنْ غَيْرِ تَقْدِيْرٍ: أَيْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَدَّرَ لَهُ مَفْعُوْلٌ؛ لِأَنَّ الْمُقَدَّرَ كَالْمَذْكُوْرِ؛ فِيْ أَنَّ السَّامِعَ يَفْهَمُ مِنْهُمَا أَنَّ الْغَرَضَ الْإِخْبَارُ بِوُقُوْعِ الْفِعْلِ عَنِ الْفَاعِلِ بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِهِ بِمَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ (١).
قَالَ صَاحِبُ التَّلْخِيْصِ (٢): «وَهُوَ - أَيْ: هَذَا الْفِعْلُ الَّذِيْ نُزِّلَ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ - ضَرْبَانِ؛ لِأَنَّهُ:
١ - إِمَّا أَنْ يُجْعَلَ الْفِعْلُ مُطْلَقاً كِنَايَةً عَنْهُ - أَيْ عَنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ، حَالَ كَوْنِهِ - مُتَعَلِّقاً بِمَفْعُوْلٍ مَخْصُوْصٍ دَلَّتْ قَرِيْنَةٌ عَلَيْهِ؛ كَقَوْلِ الْبُحْتُرِيِّ (٣)، стр. 215
[فِي الْمُعْتَزّ بِاللهِ] (١): [الخفيف]
شَجْوُ حُسَّادِهِ وَغَيْظُ عِدَاهُ ... أَنْ يَرَى مُبْصِرٌ وَيَسْمَعَ وَاعِ (٢)
أَيْ: أَنْ يَكُوْنَ ذُوْ رُؤْيَةٍ وَذُوْ سَمْعٍ؛ فَيُدْرِكَ بِالْبَصَرِ مَحَاسِنَهُ، وَبِالسَّمْعِ أَخْبَارَهُ.
فَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ نَزَّلَ (يَسْمَعَ) وَ (يَرَى) مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ؛ أَيْ [مَنْ] (٣) يَصْدُرُ عَنْهُ السَّمَاعُ وَالرُّؤْيَةُ، مِنْ غَيْرِ تَعَلُّقٍ بِمَفْعُوْلٍ مَخْصُوْصٍ.
٢ - أَوْ لَا يُجْعَلَ كَذَلِكَ (٤)؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزّمر: ٩] أَيْ: مَنْ يُوْجَدُ لَهُ حَقِيْقَةُ الْعِلْمِ وَمَنْ لَا يُوْجَدُ لَهُ» اِنْتَهَى كَلَامُهُ مُلَخَّصاً مَعَ زِيَادَةٍ.
وَإِلَّا: أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْغَرَضُ عِنْدَ عَدَمِ ذِكْرِ الْمَفْعُوْلِ مَعَ الْفِعْلِ الْمُتَعَدِّي الْمُسْنَدِ إِلَى فَاعِلِهِ إِثْبَاتَهُ لِفَاعِلِهِ أَوْ نَفْيَهُ عَنْهُ مُطْلَقاً، بَلْ قُصِدَ تَعَلُّقُهُ بِمَفْعُوْلٍ غَيْرِ مَذْكُوْرٍ.
لَزِمَا: بِأَلِفِ الْإِطْلَاقِ. أَيْ: لَزِمَ التَّقْدِيْرُ بِحَسَبِ الْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَى تَعَيُّنِ (٥) الْمَفْعُوْلِ؛ إِنْ عَامّاً فَعَامٌّ، وَإِنْ خَاصّاً فَخَاصٌّ، وَلَمَّا وَجَبَ تَقْدِيْرُ الْمَفْعُوْلِ تَعَيَّنَ أَنَّهُ مُرَادٌ وَمَحْذُوْفٌ مِنَ اللَّفْظِ لِغَرَضٍ، فَأَشَارَ إِلَى تَفْصِيْلِ الْغَرَضِ بِقَوْلِهِ: стр. 216
وَالْحَذْفُ: أَيْ حَذْفُ الْمَفْعُوْلِ مِنَ اللَّفْظِ الْمُقَدَّرِ بَعْدَ قَابِلِيَّةِ الْمَقَامِ - أَيْ وُجُوْدِ الْقَرِيْنَةِ - إِمَّا أَنْ يَكُوْنَ
لِلْبَيَانِ فِيْمَا أُبْهِمَا: كَمَا فِيْ فِعْلِ الْمَشِيْئَةِ وَالْإِرَادَةِ وَنَحْوِهِمَا؛ إِذَا وَقَعَ شَرْطاً فَإِنَّ الْجَوَابَ يَدُلُّ عَلِيْهِ وَيُبَيِّنُهُ، لَكِنَّهُ إِنَّمَا يُحْذَفُ مَا لَمْ يَكُنْ تَعَلُّقُهُ بِهِ - أَيْ تَعَلُّقُ فِعْلِ الْمَشِيْئَةِ بِالْمَفْعُوْلِ - غَرِيْباً؛ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] أَيْ: لَوْ شَاءَ هِدَايَتَكُمْ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِيْنَ، فَإِنَّهُ لَمَّا قِيْلَ: (لَوْ شَاءَ) عَلِمَ السَّامِعُ أَنَّ هُنَاكَ شيْئاً عُلِّقَتِ الْمَشِيْئَةُ عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ مُبْهَمٌ، فَإِذَا جِيْءَ بِجَوَابِ الشَّرْطِ صَارَ مُبَيَّناً، وَهَذَا أَوْقَعُ فِي النَّفْسِ.
بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ تَعَلُّقُ الْمَشِيْئَةِ بِهِ غَرِيْباً؛ فَإِنَّهُ لَا يُحْذَفُ حِيْنَئِذٍ؛ كَقَوْلِهِ: [الطّويل]
وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَبْكِيْ دَماً لَبَكَيْتُهُ ... عَلَيْهِ، وَلَكِنْ سَاحَةُ الصَّبْرِ أَوْسَعُ (١)
فَإِنَّ تَعَلُّقَ فِعْلِ الْمَشِيْئَةِ بِبُكَاءِ الدَّمِ غَرِيْبٌ؛ فَذَكَرَهُ؛ لِيَتَقَرَّرَ فِيْ نَفْسِ السَّامِعِ وَيَأْنَسَ بِهِ.
* * *
٤٨ - أَوْ لِمَجِيْءِ الْذِّكْرِ، أَوْ لِرَدِّ ... تَوَهُّمِ السَّامِعِ غَيْرَ الْقَصْد
أَوْ: يَكُوْنَ
لِمَجِيْءِ الْذِّكْرِ: أَيْ ذِكْرِ الْمَفْعُوْلِ ثَانِياً عَلَى وَجْهٍ يَتَضَمَّنُ إِيْقَاعَ الْفِعْلِ عَلَى صَرِيْحِ لَفْظِهِ لَا عَلَى الضَّمِيْرِ الْعَائِدِ إِلَيْهِ؛ إِظْهَاراً لِكَمَالِ الْعِنَايَةِ стр. 217
بِوُقُوْعِ الْفِعْلِ عَلَى الْمَفْعُوْلِ، حَتَّى كَأَنَّهُ لَا يَرْضَى أَنْ يُوْقِعَهُ عَلَى ضَمِيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ كِنَايَةً عَنْهُ؛ كَقَوْلِ الْبُحْتُرِيِّ: [الخفيف]
قَدْ طَلَبْنَا فَلَمْ نَجِدْ لَكَ فِي السُّؤْ ... دُدِ وَالْمَجْدِ وَالْمَكَارِمِ مِثْلَا
أَيْ: قَدْ طَلَبْنَا لَكَ مِثْلاً، فَحَذَفَ (مِثْلاً)؛ إِذْ لَوْ ذَكَرَهُ لَكَانَ الْمُنَاسِبَ (فَلَمْ نَجِدْهُ) فَيَفُوْتُ الْغَرَضُ؛ أَعْنِي إِيْقَاعَ عَدَمِ الْوِجْدَانِ عَلَى صَرِيْحِ لَفْظِ الْمِثْلِ؛ لِكَمَالِ الْعِنَايَةِ بِعَدَمِ وِجْدَانِ الْمِثْلِ لَهُ.
أَوْ: يَكُوْنَ
لِرَدِّ: أَيْ لِدَفْعِ
تَوَهُّمِ السَّامِعِ غَيْرَ الْقَصْدِ: أَيْ غَيْرَ الْمُرَادِ ابْتِدَاءً؛ كَقَوْلِهِ: [الطّويل]
وَكَمْ ذُدْتَ عَنِّيْ مِنْ تَحَامُلِ حَادِثٍ ... وَسَوْرَةِ أَيَّامٍ حَزَزْنَ إِلَى الْعَظْمِ! (١)
أَيْ: قَطَعْنَ اللَّحْمَ إِلَى الْعَظْمِ، فَحُذِفَ الْمَفْعُوْلُ، أَعْنِي (اللَّحْمَ)؛ إِذْ لَوْ ذُكِرَ اللَّحْمُ، لَرُبَّمَا تُوُهِّمَ - قَبْلَ ذِكْرِ مَا بَعْدَهُ أَيْ (إِلَى الْعَظْمِ) - أَنَّ الْحَزَّ لَمْ يَنْتَهِ إِلَى الْعَظْمِ، وَإِنَّمَا كَانَ فِيْ بَعْضِ اللَّحْمِ، فَحُذِفُ [اللَّحْمُ] (٢)؛ دَفْعاً لِهَذَا التَّوَهُّمِ.
* * *
٤٩ - أَوْ هُوَ لِلتَّعْمِيْمِ، أَوْ لِلْفَاصِلَهْ، ... أَوْ هُوَ لِاسْتِهْجَانِكَ الْمُقابَلَهْ
أَوْ: يَكُوْنَ стр. 218
هُوَ: أَيِ الْحَذْفُ
لِلتَّعْمِيْمِ: أَيْ فِي الْمَفْعُوْلِ مَعَ الِاخْتِصَارِ؛ كَقَوْلِكَ: (قَدْ كَانَ مِنْكَ مَا يُؤْلِمُ)؛ أَيْ: كُلَّ أَحَدٍ، بِقَرِيْنَةِ أَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ الْمُبْالَغَةِ.
وَهَذَا التَّعْمِيْمُ - وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُسْتَفَادَ مِنْ ذِكْرِ الْمَفْعُوْلِ بِصِيغَةِ الْعُمُوْمِ - لَكِنْ يُفَوِّتُ الِاخْتِصَارَ حِيْنَئِذٍ، وَعَلَيْهِ - أَيْ: عَلَى حَذْفِ الْمَفْعُوْلِ لِلتَّعْمِيْمِ مَعَ الِاخْتِصَارِ - وَرَدَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥] أَيْ: عِبَادَهُ كُلَّهُمْ.
فَالْمِثَالُ الْأَوَّلُ يُفِيْدُ الْعُمُوْمَ؛ مُبَالَغَةً - وَالثَّانِي؛ تَحْقِيْقاً.
وَقَدْ يَكُوْنُ الْحَذْفُ لِمُجَرَّدِ الِاخْتِصَارِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْتَبَرَ مَعَهُ فَائِدَةٌ أُخْرَى؛ مِنَ التَّعْمِيْمِ وَغَيْرِهِ؛ نَحْوُ: (أَصْغَيْتُ إِلَيْهِ) أَيْ: أُذْنِيْ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] أَيْ: ذَاتَكَ.
أَوْ لِلْفَاصِلَهْ: أَيْ أَوْ يَكُوْنَ الْحَذْفُ لِمُرَاعَاةِ الْفَاصِلَةِ؛ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضّحى: ٣] أَيْ: مَا قَلَاكَ، فَحُذِفَ الْمَفْعُوْلُ؛ لِأَنَّ فَوَاصِلَ الْآيِ عَلَى الْأَلِفِ.
وَحُصُوْلُ الِاخْتِصَارِ أَيْضاً ظَاهِرٌ؛ إِذْ لَا امْتِنَاعَ فِيْ أَنْ يَجْتَمِعَ فِيْ مِثَالٍ وَاحِدٍ عِدَّةٌ مِنَ الْأَغْرَاضِ الْمَذْكُوْرَةِ.
أَوْ: يَكُوْنَ
هُوَ: أَيِ الْحَذْفُ
لِاسْتِهْجَانِكَ الْمُقابَلَهْ: مِنْكَ لِلْمُخَاطَبِ بِذِكْرِهِ؛ كَقَوْلِ عَائِشَةَ (١) стр. 219
- ﵂ وَعَنْ أَبِيْهَا -: (مَا رَأَيْتُ مِنْهُ وَلَا رَأَى مِنِّيْ) (١) أَيِ: الْعَوْرَةَ.
أَوْ لِنُكْتَةٍ أُخْرَى؛ كَإِخْفَائِهِ (٢)، أَوِ التَّمَكُّنِ مِنْ إِنْكَارِهِ إِنْ مَسَّتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ (٣)، أَوْ تَعَيُّنِهِ (٤)، [أَوِ ادِّعَاءِ تَعَيُّنِهِ] (٥)، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ [الكهف: ٢] أَيْ: لِيُنْذِرَ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا، فَحُذِفَ لِتَعَيُّنِهِ، وَلِأَنَّ الْغَرَضَ هُوَ ذِكْرُ الْمُنْذَرِ بِهِ (٦).
* * *
٥٠ - وَقَدِّمِ الْمَفْعُوْلَ أَوْ شَبِيْهَهُ ... رَدّاً عَلَى مَنْ لَمْ يُصِبْ تَعْيِيْنَهُ
وَقَدِّمِ الْمَفْعُوْلَ: عَلَى الْفِعْلِ стр. 220
أَوْ شَبِيْهَهُ: أَيْ أَوْ شَبِيْهَ الْمَفْعُوْلِ؛ مِنَ الْجَارِّ وَالْمَجْرُوْرِ، وَالظَّرْفِ، وَالْحَالِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ
رَدّاً: أَيْ لِأَجْلِ الرَّدِّ
عَلَى مَنْ: أَيِ الَّذِيْ
لَمْ يُصِبْ تَعْيِيْنَهُ: أَيْ تَعْيِيْنَ الْمَفْعُوْلِ.
- كَقَوْلِكَ: (زَيْداً عَرَفْتُ) لِمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّكَ عَرَفْتَ إِنْسَاناً، وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ غَيْرُ زَيْدٍ، وَأَصَابَ فِي الْأَوَّلِ دُوْنَ الثَّانِي. وَلِهَذَا تَقُوْلُ لِتَأْكِيْدِ هَذَا الرَّدِّ: (زَيْداً عَرَفْتُ لَا غَيْرَهُ).
- وَقَدْ يَكُوْنُ لِرَدِّ الْخَطَأِ فِي الِاشْتِرَاكِ؛ كَقَوْلِكَ: (زَيْداً عَرَفْتُ) لِمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّكَ عَرَفْتَ زَيْداً وَعَمْراً، وَتَقُوْلُ لِتَأْكِيْدِهِ: (زَيْداً عَرَفْتُ وَحْدَهُ) (١).
· وَاعْلَمْ أَنَّ تَقْدِيْمَ الْمَفْعُوْلِ وَنَحْوِهِ يَلْزَمُهُ التَّخْصِيْصُ غَالِباً؛ أَيْ لَا يَنْفَكُّ عَنْ تَقْدِيْمِ الْمَفْعُوْلِ وَنَحْوِهِ فِيْ أَكْثَرِ الصُّوَرِ بِشَهَادَةِ الِاسْتِقْرَاءِ وَحُكْمِ الذَّوْقِ. وَلِهَذَا يُقَالُ فِيْ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]: مَعْنَاهُ: نَخُصُّكَ بِالْعِبَادَةِ وَالِاسْتِعَانَةِ بِمَعْنَى: نَجْعَلُكَ مِنْ بَيْنِ الْمَوْجُوْدَاتِ مَخْصُوْصاً بِذَلِكَ؛ لَا نَعْبُدُ وَلَا نَسْتَعِيْنُ غَيْرَكَ. (٢) стр. 221
٥١ - وَبَعْضَ مَعْمُوْلٍ عَلَى بَعْضٍ كَمَا ... إذَا اهْتِمَامٌ أَوْ لِأَصْلٍ عُلِمَا
وَ: تَقْدِيْمُ
بَعْضَ مَعْمُوْلٍ: الفِعْلِ
عَلَى بَعْضٍ: آخَرَ
كَمَا إذَا اهتِمَامٌ: أَيْ كَمَا إِذَا كَانَ ذِكْرُ ذَلِكَ الْبَعْضِ الْمُقَدَّمِ أَهَمَّ؛ لِاعْتِنَاءِ الْمُتْكَلِّمِ وَالسَّامِعِ بِشَأْنِهِ، وَالِاهْتِمَامِ بِحَالِهِ لِغَرَضٍ مِنَ الْأَغْرَاضِ؛ كَقَوْلِكَ: (قَتَلَ الْخَارِجِيَّ فُلَانٌ)؛ لِأَنَّ الْأَهَمَّ فِيْ تَعَلُّقِ الْقَتْلِ هُوَ الْخَارِجِيُّ الْمَقْتُوْلُ؛ لِيَتَخَلَّصَ النَّاسُ مِنْ شَرِّهِ، وَلَيْسَ لَهُمْ فَائِدَةٌ فِيْ أَنْ يَعْرِفُوْا قَاتِلَهُ.
أَوْ لِأَصْلٍ عُلِمَا: أَيْ أَوْ يَكُوْنُ تَقْدِيْمُ ذَلِكَ الْبَعْضِ هُوَ الْأَصْلَ وَلَا مُقْتَضًى لِلْعُدُوْلِ عَنْهُ؛ كَـ:
- الْفَاعِلِ فِيْ نَحْوِ: (ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْراً)؛ لِأَنَّهُ عُمْدَةٌ فِي الْكَلَامِ، وَحَقُّهُ أَنْ يَلِيَ الْفِعْلَ.
стр. 222
- وَالْمَفْعُوْلِ الْأَوَّلِ فِيْ نَحْوِ: (أَعْطَيْتُ زَيْداً دِرْهِماً) فَإِنَّ أَصْلَهُ التَّقْدِيْمُ؛ لِمَا فِيْهِ مِنْ مَعْنَى الْفَاعِلِيَّةِ؛ وَهُوَ أَنَّهُ عَاطٍ أَيْ آخِذٌ لِلعَطَاءِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. (١)
* * * стр. 223
الباب الخامس
الْقَصْرُ
وَهُوَ في اللُّغَةِ: الْحَبْسُ؛ يُقَالُ: (قَصَرْتُ اللِّقْحَةَ عَلَى فَرَسِي) (١)؛ إِذَا جَعَلْتَ دَرَّهَا لَهُ لَا لِغَيْرِهِ (٢).
وَفِي الِاصْطِلَاحِ: تَخْصِيْصُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ بِطَرِيْقٍ مَعْهُوْدٍ، وَهُوَ أَرْبَعَةُ الطُّرُقِ (٣)، كَمَا سَيَأْتِيْ.
* * *
٥٢ - الْقَصْرُ نَوْعَانِ: حَقِيْقِيٌّ، وَذَا ... نَوْعَانِ: وَالثَّانِي الْإِضَافِيُّ كَذَا
الْقَصْرُ نَوْعَانِ: النَّوْعُ الْأَوَّلُ
حَقِيْقِيٌّ: وَهُوَ تَخْصِيْصُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ - بِحَسَبِ الْحَقِيْقَةِ وَفِيْ نَفْسِ الْأَمْرِ- بِأَلَّا يَتَجَاوَزَهُ إِلَى غَيْرِهِ أَصْلاً؛ نَحْوُ: (مَا زَيْدُ إِلَّا كَاتِبٌ) إِذَا أُرِيْدَ أَنَّهُ لَا يَتَّصِفُ بِغَيْرِهَا (٤). стр. 224
وَذَا: أَيِ الْحَقِيْقِيُّ
نَوْعَانِ:
١ - قَصْرُ صِفَةٍ عَلَى الْمَوْصُوْفِ.
٢ - وَقَصْرُ الْمَوْصُوْفِ عَلَى الصِّفَةِ
وَالثَّانِي: أَيِ النَّوْعُ الثَّانِي
الْإِضَافِيُّ (١): وَهُوَ تَخْصِيْصُ شَيْءٍ بِشَيْءٍ - بِحَسَبِ الْإِضَافَةِ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ (٢) - بِأَلَّا يَتَجَاوَزَهُ إِلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَتَجَاوَزَهُ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ فِي الْجُمْلَةِ (٣)؛ كَقَوْلِكَ: (مَا زَيْدٌ إِلَّا قَائِمٌ) بِمَعْنَى: أَنَّهُ لَا يَتَجَاوَزُ الْقِيَامَ إِلَى الْقُعُوْدِ، لَا بِمَعْنَى: أَنَّهُ لَا يَتَجَاوَزُهُ إِلَى صِفَةٍ أُخْرَى أَصْلاً (٤).
قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ (٥): «وَانْقِسَامُهُ - أَيِ القَصْرِ - إِلَى الْحَقِيْقِيِّ وَالْإِضَافِيِّ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا يُنَافِيْ كَوْنَ التَّخْصِيْصِ - مُطْلَقاً - مِنْ قَبِيْلِ الْإِضَافَاتِ» اِنْتَهَى. стр. 225
وَأَقُوْلُ: إِنَّ قَوْلَهُ: (وَانْقِسَامُهُ إِلَى الْحَقِيْقِيِّ وَالْإِضَافِيِّ .... إِلَى آخِرِهِ) رَدٌّ لِمَا يُقَالُ: إِنَّ تَخْصِيْصَ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ أَمْرٌ مِنَ الْأُمُوْرِ الْإِضَافِيَّةِ، فَتَقْسِيْمُهُ إِلَى الْحَقِيْقِيِّ وَالْإِضَافِيِّ تَقْسِيْمُ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ وَإِلَى غَيْرِهِ.
كَذَا: أَيْ إِنَّ الْإِضَافِيَّ نَوْعَانِ، كَمَا أَنَّ الْحَقِيْقِيَّ نَوْعَانِ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَى نَوْعَيْ كُلٍّ مِنْهُمَا بِقَوْلِهِ:
* * *
٥٣ - فَقَصْرُ صِفَةٍ عَلَى الْمَوْصُوْفِ ... وَعَكْسُهُ مِنْ نَوْعِهِ الْمَعْرُوْف
فَقَصْرُ صِفَةٍ عَلَى الْمَوْصُوْفِ: وَهُوَ أَلَّا تَتَجَاوَزَ الصِّفَةُ ذَلِكَ الْمَوْصُوْفَ إِلَى مَوْصُوْفٍ آخَرَ (١)، لَكِنْ يَجُوْزُ أَنْ يَكُوْنَ لِذَلِكَ الْمَوْصُوْفِ صِفَاتٌ أُخَرُ (٢).
وَالْمُرَادُ بِالصِّفَةِ هُنَا: الصِّفَةُ الْمَعْنَوِيَّةُ؛ أَيِ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالْغَيْرِ؛ كَالْقِيَامِ وَالْقُعُوْدِ وَنَحْوِهِمَا، لَا النَّعْتُ النَّحْوِيُّ؛ أَعْنِي التَّابِعَ الَّذِيْ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى فِيْ مَتْبُوْعِهِ غَيْرِ الشُّمُوْلِ.
وَبَيْنَهُمَا (٣) عُمُوْمٌ مِنْ وَجْهٍ؛ لِتَصَادُقِهِمَا فِي مِثْلِ: (أَعْجَبَنِيْ هَذَا الْعِلْمُ) стр. 226
وَتَفَارُقِهِمَا فِيْ مِثْلِ: (الْعِلْمُ حَسَنٌ) وَ (مَرَرْتُ بِهَذَا الرَّجُلِ).
وَعَكْسُهُ: أَيْ قَصْرِ الْمَوْصُوْفِ عَلَى الصِّفَةِ؛ وَهُوَ أَلَّا يَتَجَاوَزَ الْمَوْصُوْفُ تِلْكَ الصِّفَةَ إِلَى صِفَةٍ أُخْرَى (١)، لَكِنْ يَجُوْزُ أَنْ تَكُوْنَ تِلْكَ الصِّفَةُ لِمَوْصُوْفٍ آخَرَ.
مِنْ نَوْعِهِ الْمَعْرُوْفِ: عِنْدَ أَهْلِ الْمَعَانِيْ، الصَّادِقِ بِفَرْدَيْهِ؛ أَعْنِي: الْحَقِيْقِيَّ، وَالْإِضَافِيَّ.
فَإِنْ قُلْتَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ قَصْرِ الْمَوْصُوْفِ عَلَى الصِّفَةِ، وَقَصْرِ الصِّفَةِ عَلَى الْمَوْصُوْفِ؟
قلتُ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مَا ذَكَرَهُ التَّفْتَازَانِيُّ (٢):
«أَنَّ الْمَوْصُوْفَ فِي الْأَوَّلِ (٣): [لَا] (٤) يَمْتَنِعُ أَنْ يُشَارِكَهُ غَيْرُهُ فِي الصِّفَةِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ هَذَا الْمَوْصُوْفَ لَيْسَ لَهُ غَيْرُ تِلْكَ الصِّفَةِ، لَكِنْ تِلْكَ الصِّفَةُ يَجُوْزُ أَنْ تَكُوْنَ حَاصِلَةً لِمَوْصُوْفٍ آخَرَ.
وَفِي الثَّانِيْ: تَمْتَنِعُ تِلْكَ الْمُشَارَكَةُ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ لَيْسَتْ إِلَّا لِذَلِكَ الْمَوْصُوْفِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ تَكُوْنَ لِغَيْرِهِ، لَكِنْ يَجُوْزُ أَنْ يَكُوْنَ لِذَلِكَ الْمَوْصُوْفِ صِفَاتٌ أُخَرُ» اِنْتَهَى. стр. 227
فَإِنْ قُلْتَ: مَا وَجْهُ الِانْحِصَارِ فِيْهِمَا؟
قُلْتُ: وَجْهُهُ مَا ذَكَرَهُ الشَّرِيْفُ (١): «أَنَّ الْقَصْرَ إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ بَيْنَهُمَا نِسْبَةٌ:
- فَإِمَّا أَنْ يَكُوْنَ قَصْراً لِلْمَنْسُوْبِ إِلَيْهِ عَلَى الْمَنْسُوْبِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَصْرِ الْمَوْصُوْفِ عَلَى الصِّفَةِ.
- وَإِمَّا أَنْ يَكُوْنَ قَصْراً لِلْمَنْسُوْبِ عَلَى الْمَنْسُوْبِ إِلَيْهِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَصْرِ الصِّفَةِ عَلَى الْمَوْصُوْفِ». اِنْتَهَى.
- وَاعْلَمْ أَنَّ قَصْرَ الْمَوْصُوْفِ عَلَى الصِّفَةِ مِنَ الْحَقِيْقِيِّ لَا يَكَادُ يُوْجَدُ؛ لِتَعَذُّرِ الْإِحَاطَةِ بِصِفَاتِ الشَّيْءِ؛ وَمِثَالُهُ: (مَا زَيْدُ إِلَّا كَاتِبٌ) إِذَا أُرِيْدَ أَنَّهُ لَا يُوْصَفُ بِغَيْرِ الْكِتَابَةِ.
وَأَمَّا قَصْرُ الصِّفَةِ عَلَى الْمَوْصُوْفِ مِنَ الْحَقِيْقِيِّ فَكَثِيْرٌ؛ نَحْوُ: (مَا فِي الدَّارِ إِلَّا زَيْدٌ) عَلَى مَعْنَى: أَنَّ الْكَوْنَ فِي الدَّارِ مَقْصُوْرٌ عَلَى زَيْدٍ.
وَقَدْ يُقْصَدُ بِقَصْرِ الصِّفَةِ عَلَى الْمَوْصُوْفِ الْمُبَالَغَةُ، كَمَا يُقْصَدُ بِقَوْلِنَا: (مَا فِي الدَّارِ إِلَّا زَيْدٌ) أَنَّ مَنْ فِي الدَّارِ مِمَّنْ عَدَا زَيْداً فِيْ حُكْمِ الْمَعْدُوْمِ. وَمِنْ هَذَا يُعْلَمُ أَنَّ الْقَصْرَ الْحَقِيْقِيَّ
نَوْعَانِ:
١ - حَقِيْقِيٌّ؛ تَحْقِيْقاً.
٢ - وَحَقِيْقِيٌّ؛ مُبَالَغَةً وَادِّعَاءً.
قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ (٢): «وَيُمْكِنُ أَنْ يُعْتَبَرَ هَذَا فِيْ قَصْرِ الْمَوْصُوْفِ عَلَى стр. 228
الصِّفَةِ أَيْضاً؛ بِنَاءً عَلَى [عَدَمِ] (١) الِاعْتِدَادِ بِبَاقِي الصِّفَاتِ» اِنْتَهَى.
وَأَمَّا قَصْرُ الْمَوْصُوْفِ عَلَى الصِّفَةِ مِنْ غَيْرِ الْحَقِيْقِيِّ: فَهُوَ تَخْصِيْصُ أَمْرٍ بِصِفَةٍ دُوْنَ أُخْرَى، أَوْ مَكَانَهَا (٢).
وَقَصْرُ الصِّفَةِ عَلَى الْمَوْصُوْفِ مِنْهُ: فَهُوَ تَخْصِيْصُ صِفَةٍ بِأَمْرٍ دُوْنَ آخَرَ، أَوْ مَكَانَهُ.
فَكُلٌّ مِنْهُمَا ضَرْبَانِ.
- وَالْمُخَاطَبُ بِالْأَوَّلِ - (أَعْنِيْ تَخْصِيْصَ أَمْرٍ بِصِفَةٍ دُوْنَ أُخْرَى، وَتَخْصِيْصَ صِفَةٍ بِأَمْرٍ دُوْنَ آخَرَ) مِنْ ضَرْبَيْ كُلٍّ (أَعْنِيْ قَصْرَ الْمَوْصُوْفِ عَلَى الصِّفَةِ، وَقَصْرَ الصِّفَةِ عَلَى الْمَوْصُوْفِ) - مَنْ يَعْتَقِدُ الشِّرْكَةَ (أَيِ اتِّصَافَ ذَلِكَ الْأَمْرِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ وَغَيْرِهَا جَمِيْعاً فِي الْأَوَّلِ، وَاتِّصَافَ ذَلِكَ الْأَمْرِ وَغَيْرِهِ جَمِيْعاً بِتِلْكَ الصِّفَةِ فِي الثَّانِيْ).
فَالْمُخَاطَبُ بِقَوْلِنَا: (مَا زَيْدُ إِلَّا كَاتِبٌ) مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ زَيْداً كَاتِبٌ وَشَاعِرٌ، وَالْمُخَاطَبُ بِقَوْلِنَا: (مَا شَاعِرٌ إِلَّا زَيْدٌ) مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ زَيْداً شَاعِرٌ، لَكِنْ يَدَّعِيْ أَنَّ عَمْراً أَيْضاً شَاعِرٌ، وَهَذَا يُسَمَّى: قَصْرَ إِفْرَادٍ؛ لِقَطْعِهِ الشِّرْكَةَ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ فِي الثُّبُوْتِ لِلْمَوْصُوْفِ، أَوْ بَيْنَ الْمَوْصُوْفِ وَغَيْرِهِ فِي الِاتِّصَافِ بِالصِّفَةِ.
- وَالْمُخَاطَبُ بِالثَّانِيْ مِنْ ضَرْبَيْ كُلٍّ (أَعْنِيْ تَخْصِيْصَ أَمْرٍ بِصِفَةٍ مَكَانَ أُخْرَى، أَوْ تَخْصِيْصَ صِفَةٍ بِأَمْرٍ مَكَانَ آخَرَ):
إِمَّا مَنْ يَعْتَقِدُ الْعَكْسَ: أَيْ اتِّصَافَ ذَلِكَ الْأَمْرِ بِغَيْرِ تِلْكَ الصِّفَةِ عِوَضاً عَنْهَا فِي الْأَوَّلِ، وَاتَّصَافَ غَيْرِ ذَلِكَ الْأَمْرِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ عِوَضاً عَنْهُ فِي стр. 229
الثَّانِيْ، وَهَذَا يُسَمَّى: قَصْرَ قَلْبٍ؛ لِقَلْبِهِ حُكْمَ السَّامِعِ.
= وَإِمَّا مَنْ تَسَاوَى عِنْدَهُ الْأَمْرَانِ: أَيِ اتِّصَافُ ذَلِكِ الْأَمْرِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ وَاتِّصَافُهُ بِغَيْرِهَا فِي الْأَوَّلِ، وَاتِّصَافُهُ بِهَا وَاتِّصَافُ غَيْرِهِ بِهَا فِي الثَّانِي، وَهَذَا يُسَمَّى: قَصْرَ تَعْيِيْنٍ.
فَالْمُخَاطَبُ بِقَوْلِنَا: (مَا زَيْدُ إِلَّا قَائِمٌ) مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ زَيْداً قَاعِدٌ لَا قَائِمٌ، أَوْ يَعْلَمُ أَنَّهُ قَائِمٌ أَوْ قَاعِدٌ وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ بِمَاذَا يَتَّصِفُ مِنْهُمَا بِعَيْنِهِ؟
= وَبِقَوْلِنَا: (مَا قَائِمٌ إِلَّا زَيْدٌ) مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ عَمْراً قَائِمٌ لَا زَيْداً، أَوْ يَعْلَمُ أَنَّ الْقَائِمَ أَحَدُهُمَا، دُوْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لَكِنْ لَا يَعْلَمُ مَنْ هُوَ مِنْهُمَا بِعَيْنِهِ.
وَشَرْطُ قَصْرِ الْمَوْصُوْفِ عَلَى الصِّفَةِ:
- إِفْرَاداً: عَدَمُ تَنَافِي الْوَصْفَيْنِ.
- وَقَلْباً: تَنَافِيْهِمَا.
- وَالتَّعْيِيْنُ: أَعَمُّ؛ لِأَنَّ اعْتِقَادَ كَوْنِ الشَّيْءِ مَوْصُوْفاً بِأَحَدِ أَمْريْنِ مُعَيَّنَيْنِ عَلَى الْإِطْلَاقِ لَا يَقْتَضِيْ جَوَازَ اتَّصَافِهِ بِهِمَا مَعاً، وَلَا امْتِنَاعَهُ.
وَبِهَذَا عُلِمَ: أَنَّ كُلَّ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُوْنَ مِثَالاً لِقَصْرِ الْإِفْرَادِ أَوْ قَصْرِ الْقَلْبِ يَصْلُحُ أَنْ يَكُوْنَ مِثَالاً لِقَصْرِ التَّعْيِيْنِ، مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَقْسَامَ الثَّلَاثَةَ - أَعْنِيْ قَصْرَ الْإِفْرَادِ، وَالْقَلْبِ، وَالتَّعْيِيْنِ - لَا تَجْرِيْ فِي الْحَقِيْقِيِّ؛ إِذِ الْعَاقِلُ لَا يَعْتَقِدُ اتِّصَافَ أَمْرٍ بِجَمِيْعِ الصِّفَاتِ، وَلَا اتِّصَافَهُ بِجَمِيْعِ الصِّفَاتِ غَيْرَ وَاحِدَةٍ، وَلَا يُرَدِّدُهُ أَيْضاً بَيْنَ ذَلِكَ، وَكَذَا اشْتِرَاكُ صِفَةٍ بَيْنَ جَمِيْعِ الْأُمُوْرِ. وَاللهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
ثُمَّ لِلْقَصْرِ طُرُقٌ كَثِيْرَةٌ، وَالْمَذْكُوْرُ مِنْهَا فِيْ هَذَا الْبَابِ أَرْبَعَةٌ، أَشَارَ إِلَيْهَا النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ:
стр. 230
٥٤ - طُرُقُهُ: النَّفْيُ وَالِاسْتِثْنَا هُمَا، ... وَالْعَطْفُ، والتَّقْدِيْمُ، ثُمَّ إنَّمَا
طُرُقُهُ النَّفْيُ وَالِاسْتِثْنَا هُمَا: طَرِيْقٌ وَاحِدٌ. فَتَقُوْلُ فِيْ قَصْرِ الْمَوْصُوْفِ عَلَى الصِّفةِ؛ إِفْرَاداً: (مَا زَيْدٌ إِلَّا شَاعِرٌ)، وَقَلْباً: (مَا زَيْدٌ إِلَّا قَائِمٌ).
وَفِيْ قَصْرِ الصِّفَةِ عَلَى الْمَوْصُوْفِ؛ إِفْرَاداً أَوْ قَلْباً: (مَا شَاعِرٌ إِلَّا زَيْدٌ)، وَالْكُلُّ يَصْلُحُ مِثَالاً لِلتَّعْيِيْنِ. وَالتَّفَاوُتُ إِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ اعْتِقَادِ الْمُخَاطَبِ.
وَالْعَطْفُ (١): كَقَوْلِكَ فِيْ قَصْرِ الْمَوْصُوْفِ عَلَى الصِّفَةِ؛ إِفْرَاداً: (زَيْدٌ شَاعِرٌ لَا كَاتِبٌ) وَ (مَا زَيْدٌ كَاتِباً بَلْ شَاعِرٌ) (٢)، وَقَلْباً: (زَيْدٌ قَائِمٌ لَا قَاعِدٌ) وَ (مَا زَيْدٌ قَائِماً بَلْ قَاعِدٌ).
وَفِيْ قَصْرِ الصِّفَةِ عَلَى الْمَوْصُوْفِ: (زَيْدٌ شَاعِرٌ لَا عَمْرٌو) وَ (مَا عَمْرٌو شَاعِراً بَلْ زَيْدٌ).
والتَّقْدِيْمُ: أَيْ تَقْدِيْمُ مَا حَقُّهُ التَّأخْيِرُ؛ كَتَقْدِيْمِ الْخَبَرِ عَلَى الْمُبْتَدَأِ، وَالْمَعْمُوْلَاتِ عَلَى الْفِعْلِ؛ كَقَوْلِكَ فِيْ قَصْرِ الْمَوْصُوْفِ عَلَى الصِّفَةِ:
- إِفْرَاداً: (شَاعِرٌ هُوَ) لِمَنْ يَعتقِدُهُ شَاعِراً وَكَاتِباً.
- وَقَلْباً: (قَائِمٌ هُوَ) لِمَنْ يَعْتَقِدُهُ قَاعِداً.
وَفِيْ قَصْرِ الصِّفَةِ عَلَى الْمَوْصُوْفِ:
- إِفْرَاداً: (أنَا كَفَيْتُ مُهِمَّكَ) بِمَعْنَى: [وَحْدِيْ] (٣)؛ لِمَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّكَ وَغَيْرَكَ كَفَيْتُمَا مُهِمَّهُ. стр. 231
- وَقَلْباً: بِمَعْنَى: لَا غَيْرِيْ؛ لِمَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ غَيْرَكَ كَفَى مُهِمَّهُ دُوْنَكَ.
ثُمَّ إنَّمَا: كَقَوْلِكَ فِيْ قَصْرِ الْمَوْصُوْفِ عَلَى الصِّفَةِ:
- إِفْرَاداً: (إِنَّمَا زَيْدٌ كَاتِبٌ).
- وَقَلْباً: (إِنَّمَا زَيْدٌ قَائِمٌ).
وَالدَّلِيْلُ عَلَى أَنَّهَا تُفِيْدُ الْقَصْرَ كَوْنُهَا بِمَعْنَى (مَا) وَ (إِلَّا).
· وَهَذِهِ الطُّرُقُ الْأَرْبَعَةُ - بَعْدَ اشْتِرَاكِهَا فِيْ إِفَادَةِ الْقَصْرِ - تَخْتَلِفُ مِنْ وُجُوْهٍ أَرْبَعَةٍ:
* * *
٥٥ - دَلَالَةُ التَّقْدِيْمِ بِالْفَحْوَى، وَمَا ... عَدَاهُ بِالْوَضْعِ، وَأَيْضَاً مِثْلَمَا
- فَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَنَّ:
دَلَالَةُ التَّقْدِيْمِ بِالْفَحْوَى: أَيْ بِمَفْهُوْمِ الْكَلَامِ؛ بِمَعْنَى أَنَّهُ إِذَا تَأَمَّلَ فِيْهِ مَنْ لَهُ الذَّوْقُ السَّلِيْمُ فَهِمَ القَصْرَ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفِ اصْطِلَاحَ الْبُلَغَاءِ فِيْ ذَلِكَ.
وَمَا عَدَاهُ: أَيْ مَا عَدَا التَّقْدِيْمِ؛ (وَهُوَ النَّفْيُ وَالِاسْتِثْنَاءُ، وَالْعَطْفُ، وَإِنَّمَا) دَلَالَتُهُ
بِالْوَضْعِ: لِأَنَّ الْوَاضِعَ وَضَعَهَا لِمَعَانٍ تُفِيْدُ الْقَصْرَ.
- وَالْوَجْهُ الثَّانِيْ: أَنَّ الْأَصْلَ فِيْ طَرِيْقِ الْعَطْفِ النَّصُّ عَلَى الْمُثْبَتِ وَالْمَنْفِيِّ (١)، فَلَا يُتْرَكُ إِلَّا كَرَاهَةَ الْإِطْنَابِ (٢)؛ كَمَا إِذَا قِيْلَ: (زَيْدٌ يَعلَمُ النَّحْوَ وَالتَّصْرِيْفَ وَالْعَرُوْضَ)، أَوْ (زَيْدٌ يَعلَمُ النَّحْوَ وَعَمْرٌو وَبَكْرٌ) فَتَقُوْلُ стр. 232
فِيْهِمَا (١): (زَيْدٌ يَعْلَمُ النَّحْوَ لَا غَيْرُ (٢)) (٣)، أَوْ (لَا مَا سِوَاهُ) (٤)، أَوْ (لَا مَا عَدَاهُ)، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَالْأَصْلُ فِي الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ (٥) النَّصُّ عَلَى الْمُثْبَتِ فَقَطْ، دُوْنَ الْمَنْفِيِّ.
- وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ النَّفْيَ بِـ (لَا) الْعَاطِفَةِ لَا يُجَامِعُ النَّفْيَ وَالِاسْتِثْنَاءَ؛ فَلَا يَصِحُّ (مَا زَيْدٌ إِلَّا قَائِمٌ، لَا قَاعِدٌ) (٦)، وَيُجَامِعُ (إِنَّمَا) وَالتَّقْدِيْمَ؛ فَيُقَالُ: (إِنَّمَا أَنَا تَمِيْمِيٌّ لَا قَيْسِيٌّ)، وَ (هُوَ يَأْتِيْنِيْ لَا عَمْرٌو).
- وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ أَصْلَ (النَّفْيِ وَالِاسْتِثْنَاءِ) أَنْ يَكُوْنَ حُكْمُ مَا اسْتُعْمِلَا فِيْهِ مِمَّا يَجْهَلُهُ الْمُخَاطَبُ وَيُنْكِرُهُ (٧) - بِخِلَافِ (إِنَّمَا)؛ فَإِنَّهُ عَلَى стр. 233
الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ - كَقَوْلِكَ لِصَاحِبِكَ - وَقَدْ رَأَيْتَ شَبَحاً مِنْ بَعِيْدٍ -: (مَا هُوَ إِلَّا زَيْدٌ)؛ إِذَا اعْتَقَدَهُ غَيْرَهُ (١).
وَأَيْضاً: مَصْدَرُ (آضَ) إِذَا رَجَعَ
مِثْلَمَا: يَكُوْنُ
* * *
٥٦ - الْقَصْرُ بَيْنَ خَبَرٍ وَمُبْتَدَا ... يَكُوْنُ بَيْنَ فَاعِلٍ، وَمَا بَدَا
الْقَصْرُ بَيْنَ خَبَرٍ وَمُبْتَدَا: كَمَا تَقَدَّمَ
يَكُوْنُ بَيْنَ: فِعْلٍ
وَفَاعِلٍ: نَحْوُ: (مَا قَامَ إِلَّا زَيْدٌ). وَغَيْرِهِمَا:
كَالْفَاعِلِ وَالْمَفْعُوْلِ؛ نَحْوُ: (مَا ضَرَبَ إِلَّاعَمْراً زَيْدٌ) (٢)، أَوْ (مَا ضَرَبَ إِلَّا زَيْدٌ عَمْراً) (٣)، وَالْمَفْعُوْلَيْنِ؛ نَحْوُ: (مَا أَعْطَيْتُ زَيْداً إِلَّا دِرْهِماً)، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُتَعَلَّقاتِ.
وَمَا بَدَا (٤): أَيْ ظَهَرَ стр. 234
٥٧ - مِنْهُ فَمَعْلُوْمٌ، وَقَدْ يُنَزَّلُ ... مَنْزِلَةَ الْمَجْهُوْلِ، أَوْ ذَا يُبْدَلُ
مِنْهُ: أَيْ مِنَ الْقَصْرِ
فَمَعْلُوْمٌ (١): أَيْ جَارٍ عَلَى مُقْتَضَى الظَّاهِرِ
وَقَدْ يُنَزَّلُ: الْمَعْلُوْمُ
مَنْزِلَةَ الْمَجْهُوْلِ: لِاعْتِبَارٍ مُنَاسِبٍ؛ فَيُسْتَعْمَلُ لَهُ النَّفْيُ وَالِاسْتِثْنَاءُ
- إِفْرَاداً: نَحْوُ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤] أَيْ: مَقْصُوْرٌ عَلَى الرِّسَالَةِ، لَا يَتَعَدَّاهَا إِلَى التَّبَرُّؤِ مِنَ الْهَلَاكِ، [فَالْمُخَاطَبُوْنَ بِذَلِكَ - وَهُمُ الصَّحَابَةُ - كَانُوْا عَالِمِيْنَ بِكَوْنِهِ غَيْرَ جَامِعٍ بَيْنَ الرِّسَالَةِ وَالتَّبَرُّؤِ مِنَ الْهَلَاكِ] (٢)، لَكِنَّهُم لَمَّا كَانُوْا يَعُدُّوْنَ هَلَاكَهُ أَمْراً عَظِيْماً، نُزِّلَ اسْتِعْظَامُهُمْ هَلَاكَهُ مَنْزِلَةَ إِنْكَارِهِمْ إِيَّاهُ؛ فَاسْتُعْمِلَ لَهُ النَّفْيُ وَالِاسْتِثْنَاءُ.
وَالِاعْتِبَارُ الْمُنَاسِبُ: هُوَ الْإِشْعَارُ بِعِظَمِ هَذَا الْأَمْرِ فِيْ نُفُوْسِهِمْ وَشِدَّةِ حِرْصِهِمْ عَلَى
بَقَائِهِ ﵊.
- أَوْ قَلْباً: نَحْوُ: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [إبراهيم: ١٠] فَالْمُخَاطَبُوْنُ بِذَلِكَ - وَهُمُ الرُّسُلُ - لَمْ يَكُوْنُوْا جَاهِلِيْنَ بِكَوْنِهِمْ بَشَراً وَلَا مُنْكِرِيْنَ لِذَلِكَ، لَكِنَّهُمْ نُزِّلُوْا مَنْزِلَةَ الْمُنْكِرِيْنَ؛ لِاعْتِقَادِ الْقَائِلِيْنَ - وَهُمُ الْكُفَّارُ - أَنَّ الرَّسُوْلَ لَا يَكُوْنُ بَشَراً، مَعَ إِصْرَارِ الْمُخَاطَبِيْنَ عَلَى دَعْوَى الرِّسَالَةِ، فَنَزَّلَهُمُ الْقَائِلُوْنَ مَنْزِلَةَ الْمُنْكِرِيْنَ لِلْبَشَرِيَّةِ لَمَّا اعْتَقَدُوْا اعْتِقَاداً فَاسِداً؛ مِنَ التَّنَافِي بَيْنَ الرِّسَالَةِ وَالْبَشَرِيَّةِ، فَقَلَبُوْا هَذَا الْحُكْمَ، وَقَالُوْا: (إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ) أَيْ: مَقْصُوْرُوْنَ عَلَى الْبَشَرِيَّةِ، لَيْسَ لَكُمْ وَصْفُ الرِّسَالَةِ الَّتِيْ تَدَّعُوْنَهَا.
أَوْ ذَا يُبْدَلُ: أَيْ قَدْ يُنَزَّلُ الْمَجْهُوْلُ مَنْزِلَةَ الْمَعْلُوْمِ؛ لِادِّعَاءِ ظُهُوْرِهِ، стр. 235
فَيُسْتَعْمَلُ لَهُ (إِنَّمَا) نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالى - حِكَايَةً عَنِ الْيَهُوْدِ، حِيْنَ ﴿قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١]-: ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١] ادَّعَوْا أَنَّ كَوْنَهُمْ مُصْلِحِيْنَ أَمْرٌ ظَاهِرٌ، مِنْ شَأْنِهِ أَلَّا يَجْهَلَهُ الْمُخَاطَبُ وَلَا يُنْكِرَهُ؛ وَلِذَلِكَ جَاءَ ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: ١٢]؛ لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ مُؤَكَّداً بِمَا تَرَى، مِنْ:
١ - [إِيْرَادِ] (١) الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الثَّبَاتِ.
٢ - وَتَعْرِيْفِ الْخَبَرِ الدَّالِّ عَلَى الْحَصْرِ.
٣ - وَتَوْسِيْطِ ضَمِيْرِ الْفَصْلِ الْمُؤَكِّدِ لِذَلِكَ.
٤ - وَتَصْدِيْرِ الْكَلَامِ بِحَرْفِ التَّنْبِيْهِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّ مَضْمُوْنَ الْكَلَامِ مِمَّا لَهُ خَطَرٌ، وَبِهِ عِنَايَةٌ.
ثُمَّ تَعْقِيْبِهِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى التَّقْرِيْعِ وَالتَّوْبِيْخِ؛ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة ١٢]. وَاللهُ أَعْلَمُ.
* * * стр. 236
الباب السادس
الْإِنْشَاءُ (١)
· قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْكَلَامِ الَّذِيْ لَيْسَ لِنِسْبَتِهِ خَارِجٌ تُطَابِقُهُ أَوْ لَا تُطَابِقُهُ؛ كَقَوْلِكَ: (بِعْتُكَ هَذَا بِكَذَا).
· وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَا هُوَ فِعْلُ الْمُتَكَلِّمِ؛ أَعْنِيْ إِلْقَاءَ مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ، كَمَا أَنَّ الْإِخْبَارَ كَذَلِكَ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الثَّانِيْ؛ كَمَا يُشِيْرُ إِلَيْهِ كَلَامُ النَّاظِمِ فِيْ قَوْلِهِ: (يَسْتَدْعِي الِانْشَاءُ .. إِلَخ). وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِنْشَاءَ:
- إِمَّا أَلَّا يَكُوْنَ طَلَباً؛ كَأَفْعَالِ الْمُقَارَبَةِ، وَأَفْعَالِ الْمَدْحِ، وَالذَّمِّ، وَصِيَغِ الْعُقُوْدِ، وَالْقَسَمِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلَا يُبْحَثُ عَنْهُ هُنَا؛ لِقِلَّةِ الْمَبَاحِثِ الْإِنْشَائِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا، وَلِأَنَّ أَكْثَرَهَا أَخْبَارٌ نُقِلَتْ إِلَى مَعْنَى الْإِنْشَاءِ؛ كَالِاسْتِفْهَامِ، وَالْأَمْرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
- وَإِنْ كَانَ طَلَباً اسْتَدْعَى مَطْلُوْباً غَيْرَ حَاصِلٍ وَقْتَ الطَّلَبِ؛ كَمَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ:
* * * стр. 237
٥٨ - يَسْتَدْعِي الِانْشَاءُ إِذَا كَانَ طَلَبْ ... مَا هُوَ غَيْرُ حَاصِلٍ، وَالْمُنْتَخَبْ
يَسْتَدْعِي الِانْشَاءُ إِذَا كَانَ طَلَبْ مَا هُوَ غَيْرُ حَاصِلٍ: لِامْتِنَاعِ طَلَبِ الْحَاصِلِ، فَلَوِ اسْتُعْمِلَ صِيَغُ الطَّلَبِ؛ نَحْوُ: (لَيْتَ لِيْ مَالاً) لِمَطْلُوْبٍ حَاصِلٍ؛ امْتَنَعَ إِجْرَاؤُهَا عَلَى مَعَانِيْهَا الْحَقِيْقِيَّةِ، وَهِيَ الْمَطْلُوْبُ غَيْرُ الْحَاصِلِ.
وَأَنْوَاعُ الطَّلَبِ كَثِيْرَةٌ:
وَالْمُنْتَخَبْ: أَيِ الْمُخْتَارُ
* * *
٥٩ - فِيْهِ التَّمَنِّيْ، وَلَهُ الْمَوْضُوْعُ ... لَيْتَ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الْوُقُوْعُ
فِيْهِ (١) التَّمَنِّيْ: وَهُوَ طَلَبُ حُصُوْلِ شَيْءٍ عَلَى سَبِيْلِ الْمَحَبَّةِ
وَلَهُ الْمَوْضُوْعُ: أَيِ اللَّفْظُ الْمَوْضُوْعُ لَهُ
لَيْتَ: وَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ إِمْكَانُ الْمُتَمَنَّى (٢)، بِخِلَافِ التَّرَجِّيْ؛ تَقُوْلُ: (لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُوْدُ يَوْماً! ) وَلَا تَقُوْلُ: (لَعَلَّهُ يَعُوْدُ)؛ فَلِذَا قَالَ:
وَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الْوُقُوْعُ: لَكِنْ إِذَا كَانَ الْمُتَمَنَّى مُمْكِناً يَجِبُ أَلَّا يَكُوْنَ لَكَ تَوَقُّعٌ وَطَمَاعِيَةٌ فِيْ وُقُوْعِهِ، وَإِلَّا لَصَارَ تَرَجِيّاً، فَيُسْتَعْمَلُ فِيْه حِينَئِذٍ: (لَعَلَّ) أَوْ (عَسَى). стр. 238
٦٠ - وَلَوْ وَهَلْ، مِثْلُ لَعَلَّ الدَّاخِلَهْ ... فِيْهِ وَالِاسْتِفْهَامُ وَالْمَوْضُوْعُ لَهْ
وَلَوْ: أَيْ وَقَدْ يُتَمَنَّى بِـ (لَوْ)؛ نَحْوُ: (لَوْ تَأْتِيْنِيْ فتُحَدِّثَنِيْ) بِالنَّصْبِ، عَلَى تَقْدِيْرِ: فَـ «أَنْ» تُحَدِّثَنِيْ؛ فَإِنَّ النَّصْبَ قَرِيْنَةٌ عَلَى أَنَّ (لَوْ) لَيْسَتْ عَلَى أَصْلِهَا - وَهُوَ الشَّرْطُ - إِذْ لَا يُنْصَبُ الْمُضَارِعُ بَعْدَهَا بِإِضْمَارِ (أَنْ)، وَإِنَّمَا تُضْمَرُ (أَنْ) بَعْدَ الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ الْمُقَرَّرَةِ فِيْ عِلْمِ النَّحْوِ (١).
وَالْمُنَاسِبُ لِـ (لَوْ) هَهُنَا هُوَ التَّمَنِّيْ (٢). стр. 239
وَهَلْ: أَيْ وَقَدْ يُتَمَنَّى بِـ (هَلْ)؛ نَحْوُ: (هَلْ لِيْ مِنْ شَفِيْعٍ! ) حَيْثُ يَعْلَمُ أَنْ لَا شَفِيْعَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ حِيْنَئِذٍ يَمْتَنِعُ حَمْلُهُ عَلَى حَقِيْقَةِ الِاسْتِفْهَامِ؛ لِحُصُوْلِ الْجَزْمِ بِانْتِفَائِهِ (١).
وَالنُّكْتَةُ فِي التَّمَنِّيْ بِـ (هَلْ) وَالْعُدُوْلِ عَنْ (لَيْتَ): هُوَ إِبْرَازُ الْمُتَمَنَّى - لِكَمَالِ الْعِنَايَةِ بِهِ - فِيْ صُوْرَةِ الْمُمْكِنِ الَّذِيْ لَا جَزْمَ بِانْتِفَائِهِ (٢).
مِثْلُ لَعَلَّ: أَيْ مِثْلُ مَا يُتَمَنَّى بِـ (لَعَلَّ)
الدَّاخِلَهْ فِيْهِ: أَيْ فِيْ حُكْمِ التَّمَنِّيْ؛ فَيُعْطَى حُكْمَ (لَيْتَ)، وَيُنْصَبُ فِيْ جَوَابِهِ الْمُضَارِعُ عَلَى إِضْمَارِ (أَنْ)؛ نَحْوُ: (لَعَلِّيْ أَحُجُّ فَأَزُوْرَكَ) بِالنَّصْبِ؛ لِبُعْدِ الْمَرْجُوِّ عَنِ الْحُصُوْلِ، وَبِذَلِكَ أَشْبَهَ الْمُحَالَاتِ وَالْمُمْكِنَاتِ الَّتِيْ لَا طَمَاعِيَةَ فِيْ وُقُوْعِهَا، فَيَتَوَلَّدُ مِنْهُ مَعْنَى التَّمَنِّيْ (٣). стр. 240
وَ: مِنْ أَنْوَاعِ الطَّلَبِ
الِاسْتِفْهَامُ: وَهُوَ طَلَبُ حُصُوْلِ صُوْرَةِ الشَّيْءِ فِي الذَّهْنِ:
- فَإِنْ كَانَتْ وُقُوْعَ نِسْبَةٍ بَيْنَ أَمْرَيْنِ أَوْ لَا وُقُوْعَهَا، فَحُصُوْلُهَا هُوَ التَّصْدِيْقُ؛ نَحْوُ: (هَلْ قَامَ زَيْدٌ؟ ).
- وَإِلَّا فَهُوَ التَّصَوُّرُ؛ نَحْوُ: (مَا الْعَنْقَاءُ؟ ) (١)
وَ: اللَّفْظُ
الْمَوْضُوْعُ لَهْ: أَيْ لِلِاسْتِفْهَامِ أَحَدَ عَشَرَ لَفْظاً أَشَارَ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ:
* * *
٦١ - هَلْ هَمْزَةٌ مَنْ مَا وَأَيٌّ أَيْنَا ... كَمْ كَيْفَ أَيَّانَ مَتَى أَمْ أَنَّى
هَلْ هَمْزَةٌ مَنْ مَا وَأَيٌّ أَيْنَا: بِأَلِفِ الْإِشْبَاعِ
كَمْ كَيْفَ أَيَّانَ مَتَى أَمْ أَنَّى: فَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ - وَإِنِ اشْتَرَكَتْ فِيْ إِفَادَةِ الِاسْتِفْهَامِ - تَخْتَلِفُ بِاعْتِبَارِ مَا يُطْلَبُ بِهَا
* * *
٦٢ - فَهَلْ بِهَا يُطْلَبُ تَصْدِيْقٌ، وَمَا ... هَمْزاً عَدَا تَصَوُّرٌ، وَهْيِ هُمَا
فَهَلْ بِهَا يُطْلَبُ تَصْدِيْقٌ: [التّصديقُ مركَّبٌ من تصوُّرِ المحكوم عليه، وبه، والنِّسبةِ الحكميّةِ الّتي هي مواردُ الإيجاب والسَّلب، والحكمِ؛ فهو مركَّبٌ من أربعةِ تصوُّراتٍ. стр. 241
وعند الحكماء: (التَّصوُّرُ) هو الحكم وما بقي مشروطٌ، فهو بسيطٌ عندَهم] (١).
أَيِ انْقِيَادُ الذِّهْنِ وَإِذْعَانُهُ لِوُقُوْعِ النِّسْبَةِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، فَتَدْخُلُ عَلَى الْجُمْلَتَيْنِ؛ نَحْوُ: (هَلْ قَامَ زَيْدٌ؟ ) وَ (هَلْ عَمْرٌو قَاعِدٌ؟ ) إِذَا كَانَ الْمَطْلُوْبُ حُصُوْلَ التَّصْدِيْقِ بِثُبُوْتِ الْقِيَامِ لِزَيْدٍ وَالْقُعُوْدِ لِعَمْرٍو (٢).
- وَأَصْلُ (هَلْ): (أَهَلْ) وَتُرِكَ الْهَمْزَةُ قَبْلَها؛ لِكَثْرَةِ وُقُوْعِهَا فِي الِاسْتِفْهَامِ، فَأُقِيْمَتْ هِيَ مُقَامَ الْهَمْزَةِ، وَقَدْ جَاءَ دُخُوْلُهَا عَلَيْهَا فِيْ قَوْلِهِ: [البسيط]
سَائِلْ فَوَارِسَ يَرْبُوْعٍ بِشِدَّتِهَا: ... أَهَلْ رَأَوْنَا بِسَفْحِ الْقَاعِ ذِي الْأَكَمِ؟ (٣)
- وَهِيَ تُخَصِّصُ الْمُضَارِعَ بِالِاسْتِقْبَالِ، بِحُكْمِ الْوَضْعِ؛ كَالسَّيْنِ وَسَوْفَ (٤).
- وَهِيَ قِسْمَانِ:
١ - بَسِيْطَةٌ: وَهِيَ الَّتِيْ يُطْلَبُ بِهَا وُجُوْدُ الشَّيْءِ أَوْ لَاوُجُوْدُهُ؛ стр. 242
كَقَوْلِنَا: (هَلِ الْحَرَكَةُ مَوْجُوْدَةٌ أَوْ لَا مَوْجُوْدَةٌ؟ ).
٢ - وَمُرَكَّبَةٌ: وَهِيَ الَّتِيْ يُطْلَبُ بِهَا وُجُوْدُ شَيْءٍ لِشَيْءٍ أَوْ لَاوُجُوْدُهُ لَهُ؛ كَقَوْلِنَا: (هَلِ الْحَرَكَةُ دَائِمَةٌ أَوْ لَا دَائِمَةٌ؟ ).
فَإِنَّ الْمَطْلُوْبَ وُجُوْدُ الدَّوَامِ لِلْحَرَكَةِ أَوْ لَا وُجُوْدُهُ لَهَا، وَقَدِ اعْتُبِرَ فِيْ هَذِهِ شَيْئَانِ غَيْرُ الْوُجُوْدِ؛ وَهُمَا: الدَّوَامُ، وَالْحَرَكَةُ، وَفِي الْأُوْلَى شَيْءٌ وَاحِدٌ، فَكَانَتْ مُرَكَّبَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأُوْلَى، وَهِيَ بَسِيْطَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا (١).
وَمَا: بَقِيَ مِنْ أَلْفَاظِ الِاسْتِفْهَامِ
[عَدَا هَمْزَةً]: (٢) يُطْلَبُ بِهِ
تَصَوُّرٌ: فَقَطْ. وَتَخْتَلِفُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَطْلُوْبَ بِكُلٍّ مِنْهَا تَصَوُّرُ شَيْءٍ آخَرَ، فَيُطْلَبُ بِـ:
- (مَا) (٣): شَرْحُ الِاسْمِ؛ كَقَوْلِنَا: (مَا الْعَنْقَاءُ؟ ) طَالِباً أَنْ يُشْرَحَ هَذَا الِاسْمُ، وَيُبَيَّنَ مَفْهُوْمُهُ، فَيُجَابَ بِلْفِظٍ أَشْهَرَ.
أَوْ مَاهِيَّةُ الْمُسَمَّى؛ كَقَوْلِنَا: (مَا الْحَرَكَةُ؟ ) أَيْ: مَا حَقِيْقَةُ مُسَمَّى هَذَا اللَّفْظِ؟ فَيُجَابُ بِإِيْرَادِ ذَاتِيَّاتِهِ.
- وَيُطْلَبُ بِـ (مَنْ) الْعَارِضُ الْمُشَخِّصُ؛ أَيِ الْأَمْرُ الَّذِيْ يَعْرِضُ لِذِي الْعِلْمِ (٤)؛ فَيُفِيْدُ تَشَخُّصَهُ وَتَعَيُّنَهُ؛ كَقَوْلِنَا: (مَنْ فِي الدَّارِ؟ ) فَيُجَابُ بِـ (زَيْدٍ) وَنَحْوِهِ مِمَّا يُفِيْدُ تَشَخُّصَهُ. стр. 243
وَيُسْأَلُ بِـ (مَنْ) عَنِ الْجِنْسِ مِنْ ذَوِي الْعِلْمِ؛ تَقَوْلُ: (مَنْ جَبْرَائِيْلُ؟ )؛ أَبَشَرٌ هُوَ؟ أَمْ مَلَكٌ؟ أَمْ جِنِّيٌّ؟ فَيُجَابُ بِقَوْلِنَا: (مَلَكٌ)، وَفِيْهِ نَظَرٌ، ذَكَرَهُ فِي الْمُخْتَصَرِ (١).
- وَيُسْأَلُ بِـ (أَيِّ) عَمَّا يُمَيِّزُ أَحَدَ الْمُتَشَارِكَيْنِ فِيْ أَمْرٍ يَعُمُّهُمَا؛ نَحْوُ: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا﴾ [مريم: ٧٣] أَيْ: أَنَحْنُ أَمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ؟
فَالْمُؤْمِنُوْنَ وَالْكَافِرُوْنَ قَدِ اشْتَرَكَا فِي الْفَرِيْقِيَّةِ، وَسَأَلُوْا عَمَّا يُمَيِّزُ أَحَدَهُمَا عَنِ الْآخَرِ.
- وَيُسْأَلُ بِـ (كَمْ) عَنِ الْعَدَدِ؛ نَحْوُ: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ [البقرة: ٢١١] أَيْ: كَمْ آيَةً آتَيْنَاهُمْ؟ أَعِشْرِيْنَ أَمْ ثَلَاثِيْنَ؟
فَـ (كَمْ) هَهُنَا: لِلسُّؤَالِ عَنِ الْعَدَدِ، لَكِنِ الْغَرَضُ مِنْ هَذَا السُّؤَالِ التَّقْرِيْعُ وَالتَّوْبِيْخُ.
- وَيُسْأَلُ بِـ (كَيْفَ) عَنِ الْحَالِ؛ أَيْ عَنِ الصِّفَةِ الَّتِيْ يَكُوْنُ عَلَيْهَا، أَيَّةَ صِفَةٍ كَانَتْ.
فَإِذَا قِيْلَ: (كَيْفَ زَيْدٌ؟ ) فَجَوَابُهُ: صَحِيْحٌ، أَوْ سَقِيْمٌ، أَوْ مَشْغُوْلٌ، أَوْ فَارِغٌ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ.
- وَبِـ (أَيْنَ): عَنِ الْمَكَانِ.
- وَبِـ (مَتَى): عَنِ الزَّمَانِ؛ مَاضِياً أَوْ مُسْتَقْبَلاً.
- وَبِـ (أَيَّانَ): عَنِ الزَّمَانِ الْمُسْتَقْبَلِ، قِيْلَ: وَتُسْتَعْمَلُ فِيْ مَوْضِعِ التَّفْخِيْمِ؛ مِثْلُ: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ٦]. стр. 244
- وَ (أَنَّى): تُسْتَعْمَلُ:
١ - تَارَةً بِمَعْنَى (كَيْفَ)؛ نَحْوُ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] أَيْ: عَلَى أَيِّ حَالٍ، وَمِنْ أَيِّ شِقٍّ أَرَدْتُمْ، بَعْدَ أَنْ يَكُوْنَ الْمَأْتِيُّ مَوْضِعَ الْحَرْثِ (١).
٢ - وَأُخْرَى بِمَعْنَى (مِنْ أَيْنَ)؛ نَحْوُ: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٧]؛ أَيْ: مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذَا الرِّزْقُ الْآتِيْ كُلَّ يَوْمٍ؟ !
وَهْيِ: أَيِ الْهَمْزَةُ يُطْلَبُ بِهَا
هُمَا: أَيِ:
- التَّصْدِيْقُ؛ كَقَوْلِكَ: (أَقَامَ زَيْدٌ؟ ) وَ (أَزِيْدٌ قَائِمٌ؟ ).
- وَالتَّصَوُّرُ؛ كَقَوْلِكَ فِيْ:
أ- طَلَبِ تَصَوُّرِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ: (أَدِبْسٌ فِي الْإِنَاءِ أَمْ عَسَلٌ؟ ) عَالِماً حُصُوْلَ شَيْءٍ فِي الْإِنَاءِ، طَالِباً لِتَعْيِيْنِهِ.
ب- وَفِيْ طَلَبِ تَصَوُّرِ الْمُسْنَدِ: (أَفِي الْخَابِيَةِ دِبْسُكَ أَمْ فِي الزِّقِّ؟ ) عَالِماً بِكَوْنِ الدِّبْسِ فِيْ وَاحِدٍ مِنَ الْخَابِيَةِ وَالزِّقِّ، طَالِباً لِتَعْيِيْنِ ذَلِكَ.
* * *
٦٣ - وَقَدْ لِلِاِسْتِبْطَاءِ، وَالتَّقْرِيْرِ، ... وَغَيْرِ ذَا تَكُوْنُ، وَالتَّحْقِيْر
وَقَدْ: تُسْتَعْمَلُ أَدَوَاتُ الِاسْتِفْهَامِ الْمَذْكُوْرَةُ فِيْ غَيْرِ الِاسْتِفْهَامِ مِمَّا стр. 245
يُنَاسِبُ الْمَقَامَ، بِمَعُوْنَةِ الْقَرَائِنِ؛ قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ فِي الْمُطَوَّلِ (١): «وَتَحْقِيْقُ كَيْفِيَّةِ هَذَا الْمَجَازِ، وَبَيَانُ أَنَّهُ مِنْ أَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِهِ؛ مِمَّا لَمْ يَحُمْ أَحَدٌ حَوْلَه» اِنْتَهَى.
فَتَجِيْءُ:
لِلِاِسْتِبْطَاءِ: كَمَا فِيْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]، وَكَذَلِكَ: (كَمْ دَعَوْتُكَ - أَيْ: كَثِيْراً مَّا دَعَوْتُكَ - فَتَأَخَّرْتَ؟ )، وَهُوَ شِكَايَةٌ عَنِ الْبُطْءِ، وَنِسْبَةُ الْمُخَاطَبِ إِلَى التَّقْصِيْرِ فِي الْإِجَابَةِ.
وَقَوْلُهُ:
وَالتَّقْرِيْرِ: أَيْ وَتَجِيْءُ لِلتَّقْرِيْرِ؛ أَيْ حَمْلِ الْمُخَاطَبِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِمَا يَعْرِفُهُ، وَإِلْجَائِهِ إِلَيْهِ،
بِإيْلَاءِ الْمُقَرَّرِ بِهِ الْهَمْزَةَ؛ أَيْ بِشَرْطِ أَنْ يُذْكَرَ بَعْدَ الْهَمْزَةِ مَا حُمِلَ الْمُخَاطَبُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ، فَإِذَا أَرَدْتَ تَقْرِيْرَ الْمُخَاطَبِ:
- بِالْفِعْلِ تَقُوْلُ: (أَضَرَبْتَ زَيْداً؟ ).
- وَفِيْ تَقْرِيْرِهِ بِالْفَاعِلِ: (أَأَنْتَ ضَرَبْتَ؟ ).
- وَبِالْمَفْعُوْلِ: (أَزَيْداً ضَرَبْتَ؟ ).
- وَفِيْ تَقْرِيْرِهِ بِالْحَالِ: (أَرَاكِباً سِرْتَ؟ ). وَقِسْ عَلَيهِ.
وَ: قَدْ لَا تَكُوْنُ أَدَوَاتُ الِاسْتِفْهَامِ لِمَا ذُكِرَ، بَلْ
لِغَيْرِ ذَا: أَيْ لِغَيْرِ الِاسْتِبْطَاءِ وَالتَّقْرِيْرِ стр. 246
تَكُوْنُ: كَـ:
١ - التَّعَجُّبِ: نَحْوُ: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النّمل: ٢٠]؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَغِيْبُ عَنْ سُلَيمانَ بِلَا إِذْنِهِ، فَلَمَّا لَمْ يُبْصِرْهُ تَعَجَّبَ مِنْ حَالِ نَفْسِهِ؛ فِيْ عَدَمِ إِبْصَارِهِ إِيَّاهُ.
قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ (١): «وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا مَعْنًى لِاسْتِفْهَامِ الْعَاقِلِ عَنْ حَالِ نَفْسِهِ».
٢ - وَالتَّنْبِيْهِ عَلَى الضَّلَالِ: نَحْوُ: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التّكوير: ٢٦] خِطَاباً لِتَارِكِ أَمْرِ الرَّسُوْلِ وَالْقُرْآنِ؛ كَمَا يُقَالُ لِمَنْ يَتْرُكُ الْجَادَّةَ الْوَاضِحَةَ: (إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ؟ ) أَيْ: إِنَّكَ ضَلَلْتَ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ اللهَ - تَعَالَى - يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُوْرُهُمْ وَمَا يُعْلِنُوْنَ، لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ يَسْأَلُ عَنْهَا؛ فَلَا يُرِيْدُ بِهَذَا الْكَلَامِ الِاسْتِفْهَامَ عَنْ مَكَانِ ذَهَابِهِمُ الَّذِيْ هُوَ مُفْهُوْمُ (أَيْنَ؟ ).
٣ - وَالْوَعِيْدِ: كَقَوْلِكَ لِمَنْ يُسِيْءُ الْأَدَبَ: (أَلَمْ أُؤَدِّبْ فُلَاناً؟ ) إِذَا عَلِمَ الْمُخَاطَبُ ذَلِكَ؛ وَهُوَ أَنَّكَ أَدَّبْتَ فُلَاناً، فَيَفْهَمُ مَعْنَى الْوَعِيْدِ وَالتَّخْوِيْفِ، فَلَا يَحْمِلُهُ عَلَى السُّؤَالِ.
٤ - وَالتَّهَكُّمِ: نَحْوُ: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [هود: ٨٧]؛ وَذَلِكَ أَنَّ شُعَيْباً ﵊ كَانَ كَثِيْرَ الصَّلَاةِ، وَكَانَ قَوْمُهُ إِذَا رَأَوْهُ يُصَلِّيْ تَضَاحَكُوْا، فَقَصَدُوْا بِقَوْلِهِمْ: (أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ؟ ) الْهُزْءَ وَالسُّخْرِيَةَ، لَا حَقِيْقَةَ الِاسْتِفْهَامِ.
٥ - وَالتَّحْقِيْرِ: نَحْوُ: (مَنْ هَذَا؟ )؛ اسْتِحْقَاراً بِشَأْنِهِ، مَعَ أَنَّكَ تَعْرِفُهُ. стр. 247
٦ - وَالتَّهْوِيْلِ: كَقِرَاءَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ (١) ﵄: (وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ * مَنْ فِرْعَوْنُ .. ) (٢) [الدّخان: ٣٠ - ٣١]؛ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ أَيْ: (مَنْ؟ ) بِفَتْحِ الْمِيْمِ وَرَفْعِ (فِرْعَوْنُ) عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وَ (مَنْ) الِاسْتِفْهَامِيَّةُ خَبَرُهُ، أَوْ بِالْعَكْسِ، عَلَى اخْتِلَافِ الرَّأْيَيْنِ، فَإِنَّهُ لَا مَعْنَى لِحَقِيْقَةِ الِاسْتِفْهَامِ فِيْهَا، وَهُوَ ظَاهِرٌ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمَّا وَصَفَ الْعَذَابَ بِالشِّدَّةِ وَالْفَظَاعَةِ زَادَهُمْ تَهْوِيْلاً بِقَوْلِهِ: (مَنْ فِرْعَوْنُ؟ ) أَيْ: هَلْ تَعْرِفُوْنَ مَنْ هُوَ فِيْ فَرْطِ عُتُوِّهِ وَشِدَّةِ شَكِيْمَتِهِ؟ فَمَا ظَنُّكُمْ بِعَذَابٍ يَكُوْنُ الْمُعَذَّبُ بِهِ مِثْلَهُ؟ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الدّخان: ٣١]؛ زِيَادَةً لِتَعْرِيْفِ حَالِهِ، وَتَهْوِيْلِ عَذَابِهِ.
٧ - وَالِاسْتِبْعَادِ: نَحْوُ: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ [الدّخان: ١٣] فَإِنَّهُ لَا يَجُوْزُ حَمْلُهُ عَلَى حَقِيْقَةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. بَلِ الْمُرَادُ اسْتِبْعَادُ أَنْ يَكُوْنَ لَهُمُ الذِّكْرَى؛ بِقَرِيْنَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ [الدّخان: ١٣ - ١٤] أَيْ: كَيْفَ يَذَّكَّرُوْنَ وَيَتَّعِظُوْنَ وَيُوْفُوْنَ بِمَا وَعَدُوْهُ مِنَ الْإِيْمَانِ عِنْدَ كَشْفِ الْعَذَابِ عَنْهُمْ، وَقَدْ جَاءَهُمْ مَّا هُوَ أَعْظَمُ وَأَدْخَلُ فِيْ وُجُوْبِ (٣) الِاذِّكَارِ مِنْ كَشْفِ الدُّخَانِ، وَهُوَ مَا ظَهَرَ عَلَى يَدِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ؛ مِنَ الْكِتَابِ الْمُعْجِزِ وَغَيْرِهِ، فَلَمْ يَتَذَكَّرُوْا، وَأَعْرَضُوْا عَنْهُ؟ !
* * *
٦٤ - وَالْأَمْرُ وَهْوَ طَلَبُ اسْتِعْلاءِ ... وَقَدْ لِأَنْوَاعٍ يَكُوْنُ جَاء стр. 248
وَ: مِنْ أَنْوَاعِ الطَّلَبِ
الْأَمْرُ: وَصِيْغَتُهُ تُسْتَعْمَلُ فِيْ مَعَانٍ كَثِيْرَةٍ، وَاخْتَلَفُوْا فِيْ حَقِيْقَتِهِ الْمَوْضُوْعَةِ هِيَ لَهَا؛ اخْتِلَافاً كَثِيْراً.
قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ (١): «وَلَمَّا لَمْ تَكُنِ الدَّلَائِلُ مُفِيْدَةً لِلْقَطْعِ بِشَيْءٍ قَالَ الْمُصَنِّفُ - يَعْنِي الْقَزْوِيْنِيَّ - فِي التَّلْخِيْصِ (٢): وَالْأَظْهَرُ أَنَّ صِيْغَتَهُ مِنَ:
- الْمُقْتَرِنِ بِاللَّامِ؛ نَحْوُ: (لِيَحْضُرْ زَيْدٌ).
- وَغَيْرِهَا؛ نَحْوُ: (أَكْرِمْ زَيْداً).
- وَ (رُوَيْدَ بَكْراً).
فَالْمُرَادُ بِصِيْغَتِهِ: مَا دَلَّ عَلَى طَلَبِ فِعْلٍ - غَيْر كَفٍّ (٣) - اسْتِعْلَاءً، سَوَاءٌ كَانَ اسْماً أَوْ فِعْلاً؛ =مَوْضُوْعَةٌ (٤) لِطَلَبِ الْفِعْلِ اسْتِعْلَاءً؛ أَيْ: عَلَى طَرِيْقِ الْعُلُوِّ، وَعَدِّ الْآمِرِ نَفْسَهُ عَالِياً، (سَوَاءٌ كَانَ عَالِياً فِيْ نَفْسِهِ أَمْ لَا)؛ لِتَبَادُرِ الْفَهْمِ عِنْدَ سَمَاعِهَا - أَيْ: سَمَاعِ الصِّيْغَةِ - إِلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى؛ أَيِ: الطَّلَبِ اسْتِعْلَاءً. وَالتَّبَادُرُ إِلَى الْفَهْمِ مِنْ أَقْوَى أَمَارَاتِ الْحَقِيْقَةِ». اِنْتَهَى
وَهْوَ طَلَبُ اسْتِعْلاءِ: أَيْ طَلَبُ فِعْلٍ - غَيْرَ كَفٍّ - عَلَى جِهَةِ اسْتِعْلَاءِ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَقَدْ لِأَنْوَاعٍ يَكُوْنُ جَاءِ: إِلَى أَنَّ صِيْغَةَ الْأَمْرِ قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِغَيْرِهِ - أَيْ لِغَيْرِ طَلَبِ الْفِعْلِ اسْتِعْلَاءً - بِحَسَبِ مُنَاسِبِ الْمَقَامِ وَقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ؛ فَتُسْتَعْمَلُ: стр. 249
١ - لِلْإِبَاحَةِ: نَحْوُ: (جَالِسِ الْحَسَنَ أَوِ ابْنَ سِيْرِيْنَ (١)) فَيَجُوْزُ لِمَنْ يَطْلُبُ مِنْكَ الْإِذْنَ فِيْ مُجَالَسَتِهِمَا- إِمَّا بِلِسَانِهِ: بِأَنْ يَتَلَفَّظَ، وَإِمَّا بِلِسَانِ حَالِهِ: بِأَنْ تَدُلَّ عَلَيْهِ قَرِيْنَةُ الْحَالِ - أَنْ يُجَالِسَ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، وَأَلَّا يُجَالِسَ أَحَداً مِنْهُمَا أَصْلاً.
٢ - وَلِلتَّهْدِيْدِ: أَيِ التَّخْوِيْفِ (٢)؛ نَحْوُ: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصّلت: ٤٠] لِظُهُوْرِ أَنْ لَيْسَ الْمُرَادُ الْأَمْرَ بِكُلِّ عَمَلٍ شَاؤُوْا.
٣ - وَلِلتَّعْجِيْزِ: وَهُوَ: إِظْهَارُ عَجْزِ الْمُخَاطَبِ؛ نَحْوُ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣] إِذْ لَيْسَ الْمُرَادُ طَلَبَ إِتْيَانِهِمْ بِسُوْرَةٍ مِنْ مِثْلِهِ؛ لِكَوْنِهِ مُحَالاً.
٤ - وَلِلتَّسْخِيْرِ: وَهُوَ: التَّذْلِيْلُ وَالقَهْرُ؛ نَحْوُ: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] أَيْ: لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُوْرَ مَقْهُوْرٌ، لَا إِرَادَةِ (٣) الْأَمْرِ.
٥ - وَالْإِهَانَةِ: نَحْوُ: ﴿كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٥٠]؛ إِذْ لَيْسَ الْغَرَضُ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُمْ كَوْنَهُمْ قِرَدَةً أَوْ حِجَارَةً؛ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلَى ذَلِكَ.
لَكِنْ فِي التَّسْخِيْرِ: يَحْصُلُ الْفِعْلُ؛ أَعْنِيْ صَيْرُوْرَتَهُمْ قِرَدَةً؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوْا قِرَدَةً.
وَفِي الْإِهَانَةِ: لَا يَحْصُلُ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَصِيْرُوْنَ حِجَارَةً؛ إِذِ الْمَقْصُوْدُ قِلَّةُ الْمُبَالَاةِ بِهِمْ. стр. 250
٦ - وَالتَّسْوِيَةِ: نَحْوُ: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ (١) [الطّور: ١٦]
قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ (٢):
- «فَفِي الْإِبَاحَةِ: كَأَنَّ الْمُخَاطَبَ تَوَهَّمَ أَنَّ الْفِعْلَ مَحْظُوْرٌ عَلَيْهِ، فَأُذِنَ لَهُ فِي الْفِعْلِ، مَعَ عَدَمِ الْحَرَجِ فِي التَّرْكِ.
- وَفِي التَّسْوِيَةِ: كَأَنَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّ أَحَدَ الطَّرَفَيْنِ - مِنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ - أَنْفَعُ لَهُ وَأَرْجَحُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، فَرُفِعَ ذَلِكَ (٣) عَنْهُ، وَسُوِّيَ بَيْنَهُمَا».
٧ - وَلِلتَّمَنِّيْ؛ نَحْوُ: [الطّويل]
أَلَا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيْلُ أَلَا انْجَلِيْ ... بِصُبْحٍ، وَمَا الْإِصْبَاحُ مِنْكَ بِأَمْثَلِ (٤)
إِذْ لَيْسَ الْغَرَضُ طَلَبَ الِانْجِلَاءِ مِنَ اللَّيْلِ؛ إِذْ لَيْسَ ذَلِكَ فِيْ وُسْعِهِ، لَكِنَّهُ يَتَمَنَّى ذَلِكَ تَخَلُّصاً عَمَّا عَرَضَ لَهُ فِي اللَّيْلِ؛ مِنْ تَبَارِيْحِ الْجَوَى.
فَإِنْ قُلْتَ: اِنْجِلَاءُ اللَّيْلِ مُمْكِنٌ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ، فَكَيْفَ يُحْمَلُ هَذَا عَلَى التَّمَنِّيْ؟ بَلْ كَانَ الْأَنْسَبُ حَمْلَهُ عَلَى التَّرَجِّيْ.
قُلْتُ: لَمَّا اسْتَطَالَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ صَارَ كَأَنَّهُ لَا طَمَاعِيَةَ لَهُ فِي انْجِلَائِهَا؛ حُمِلَ عَلَى التَّمَنِّيْ لِذَلِكَ. следующие страницы →