Полный текст (486 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
تَكُوْنُ: كَـ:
١ - التَّعَجُّبِ: نَحْوُ: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النّمل: ٢٠]؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَغِيْبُ عَنْ سُلَيمانَ بِلَا إِذْنِهِ، فَلَمَّا لَمْ يُبْصِرْهُ تَعَجَّبَ مِنْ حَالِ نَفْسِهِ؛ فِيْ عَدَمِ إِبْصَارِهِ إِيَّاهُ.
قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ (١): «وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا مَعْنًى لِاسْتِفْهَامِ الْعَاقِلِ عَنْ حَالِ نَفْسِهِ».
٢ - وَالتَّنْبِيْهِ عَلَى الضَّلَالِ: نَحْوُ: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التّكوير: ٢٦] خِطَاباً لِتَارِكِ أَمْرِ الرَّسُوْلِ وَالْقُرْآنِ؛ كَمَا يُقَالُ لِمَنْ يَتْرُكُ الْجَادَّةَ الْوَاضِحَةَ: (إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ؟ ) أَيْ: إِنَّكَ ضَلَلْتَ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ اللهَ - تَعَالَى - يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُوْرُهُمْ وَمَا يُعْلِنُوْنَ، لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ يَسْأَلُ عَنْهَا؛ فَلَا يُرِيْدُ بِهَذَا الْكَلَامِ الِاسْتِفْهَامَ عَنْ مَكَانِ ذَهَابِهِمُ الَّذِيْ هُوَ مُفْهُوْمُ (أَيْنَ؟ ).
٣ - وَالْوَعِيْدِ: كَقَوْلِكَ لِمَنْ يُسِيْءُ الْأَدَبَ: (أَلَمْ أُؤَدِّبْ فُلَاناً؟ ) إِذَا عَلِمَ الْمُخَاطَبُ ذَلِكَ؛ وَهُوَ أَنَّكَ أَدَّبْتَ فُلَاناً، فَيَفْهَمُ مَعْنَى الْوَعِيْدِ وَالتَّخْوِيْفِ، فَلَا يَحْمِلُهُ عَلَى السُّؤَالِ.
٤ - وَالتَّهَكُّمِ: نَحْوُ: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [هود: ٨٧]؛ وَذَلِكَ أَنَّ شُعَيْباً ﵊ كَانَ كَثِيْرَ الصَّلَاةِ، وَكَانَ قَوْمُهُ إِذَا رَأَوْهُ يُصَلِّيْ تَضَاحَكُوْا، فَقَصَدُوْا بِقَوْلِهِمْ: (أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ؟ ) الْهُزْءَ وَالسُّخْرِيَةَ، لَا حَقِيْقَةَ الِاسْتِفْهَامِ.
٥ - وَالتَّحْقِيْرِ: نَحْوُ: (مَنْ هَذَا؟ )؛ اسْتِحْقَاراً بِشَأْنِهِ، مَعَ أَنَّكَ تَعْرِفُهُ. стр. 247
٦ - وَالتَّهْوِيْلِ: كَقِرَاءَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ (١) ﵄: (وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ * مَنْ فِرْعَوْنُ .. ) (٢) [الدّخان: ٣٠ - ٣١]؛ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ أَيْ: (مَنْ؟ ) بِفَتْحِ الْمِيْمِ وَرَفْعِ (فِرْعَوْنُ) عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وَ (مَنْ) الِاسْتِفْهَامِيَّةُ خَبَرُهُ، أَوْ بِالْعَكْسِ، عَلَى اخْتِلَافِ الرَّأْيَيْنِ، فَإِنَّهُ لَا مَعْنَى لِحَقِيْقَةِ الِاسْتِفْهَامِ فِيْهَا، وَهُوَ ظَاهِرٌ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمَّا وَصَفَ الْعَذَابَ بِالشِّدَّةِ وَالْفَظَاعَةِ زَادَهُمْ تَهْوِيْلاً بِقَوْلِهِ: (مَنْ فِرْعَوْنُ؟ ) أَيْ: هَلْ تَعْرِفُوْنَ مَنْ هُوَ فِيْ فَرْطِ عُتُوِّهِ وَشِدَّةِ شَكِيْمَتِهِ؟ فَمَا ظَنُّكُمْ بِعَذَابٍ يَكُوْنُ الْمُعَذَّبُ بِهِ مِثْلَهُ؟ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الدّخان: ٣١]؛ زِيَادَةً لِتَعْرِيْفِ حَالِهِ، وَتَهْوِيْلِ عَذَابِهِ.
٧ - وَالِاسْتِبْعَادِ: نَحْوُ: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ [الدّخان: ١٣] فَإِنَّهُ لَا يَجُوْزُ حَمْلُهُ عَلَى حَقِيْقَةِ الِاسْتِفْهَامِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. بَلِ الْمُرَادُ اسْتِبْعَادُ أَنْ يَكُوْنَ لَهُمُ الذِّكْرَى؛ بِقَرِيْنَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ [الدّخان: ١٣ - ١٤] أَيْ: كَيْفَ يَذَّكَّرُوْنَ وَيَتَّعِظُوْنَ وَيُوْفُوْنَ بِمَا وَعَدُوْهُ مِنَ الْإِيْمَانِ عِنْدَ كَشْفِ الْعَذَابِ عَنْهُمْ، وَقَدْ جَاءَهُمْ مَّا هُوَ أَعْظَمُ وَأَدْخَلُ فِيْ وُجُوْبِ (٣) الِاذِّكَارِ مِنْ كَشْفِ الدُّخَانِ، وَهُوَ مَا ظَهَرَ عَلَى يَدِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ؛ مِنَ الْكِتَابِ الْمُعْجِزِ وَغَيْرِهِ، فَلَمْ يَتَذَكَّرُوْا، وَأَعْرَضُوْا عَنْهُ؟ !
* * *
٦٤ - وَالْأَمْرُ وَهْوَ طَلَبُ اسْتِعْلاءِ ... وَقَدْ لِأَنْوَاعٍ يَكُوْنُ جَاء стр. 248
وَ: مِنْ أَنْوَاعِ الطَّلَبِ
الْأَمْرُ: وَصِيْغَتُهُ تُسْتَعْمَلُ فِيْ مَعَانٍ كَثِيْرَةٍ، وَاخْتَلَفُوْا فِيْ حَقِيْقَتِهِ الْمَوْضُوْعَةِ هِيَ لَهَا؛ اخْتِلَافاً كَثِيْراً.
قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ (١): «وَلَمَّا لَمْ تَكُنِ الدَّلَائِلُ مُفِيْدَةً لِلْقَطْعِ بِشَيْءٍ قَالَ الْمُصَنِّفُ - يَعْنِي الْقَزْوِيْنِيَّ - فِي التَّلْخِيْصِ (٢): وَالْأَظْهَرُ أَنَّ صِيْغَتَهُ مِنَ:
- الْمُقْتَرِنِ بِاللَّامِ؛ نَحْوُ: (لِيَحْضُرْ زَيْدٌ).
- وَغَيْرِهَا؛ نَحْوُ: (أَكْرِمْ زَيْداً).
- وَ (رُوَيْدَ بَكْراً).
فَالْمُرَادُ بِصِيْغَتِهِ: مَا دَلَّ عَلَى طَلَبِ فِعْلٍ - غَيْر كَفٍّ (٣) - اسْتِعْلَاءً، سَوَاءٌ كَانَ اسْماً أَوْ فِعْلاً؛ =مَوْضُوْعَةٌ (٤) لِطَلَبِ الْفِعْلِ اسْتِعْلَاءً؛ أَيْ: عَلَى طَرِيْقِ الْعُلُوِّ، وَعَدِّ الْآمِرِ نَفْسَهُ عَالِياً، (سَوَاءٌ كَانَ عَالِياً فِيْ نَفْسِهِ أَمْ لَا)؛ لِتَبَادُرِ الْفَهْمِ عِنْدَ سَمَاعِهَا - أَيْ: سَمَاعِ الصِّيْغَةِ - إِلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى؛ أَيِ: الطَّلَبِ اسْتِعْلَاءً. وَالتَّبَادُرُ إِلَى الْفَهْمِ مِنْ أَقْوَى أَمَارَاتِ الْحَقِيْقَةِ». اِنْتَهَى
وَهْوَ طَلَبُ اسْتِعْلاءِ: أَيْ طَلَبُ فِعْلٍ - غَيْرَ كَفٍّ - عَلَى جِهَةِ اسْتِعْلَاءِ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَقَدْ لِأَنْوَاعٍ يَكُوْنُ جَاءِ: إِلَى أَنَّ صِيْغَةَ الْأَمْرِ قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِغَيْرِهِ - أَيْ لِغَيْرِ طَلَبِ الْفِعْلِ اسْتِعْلَاءً - بِحَسَبِ مُنَاسِبِ الْمَقَامِ وَقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ؛ فَتُسْتَعْمَلُ: стр. 249
١ - لِلْإِبَاحَةِ: نَحْوُ: (جَالِسِ الْحَسَنَ أَوِ ابْنَ سِيْرِيْنَ (١)) فَيَجُوْزُ لِمَنْ يَطْلُبُ مِنْكَ الْإِذْنَ فِيْ مُجَالَسَتِهِمَا- إِمَّا بِلِسَانِهِ: بِأَنْ يَتَلَفَّظَ، وَإِمَّا بِلِسَانِ حَالِهِ: بِأَنْ تَدُلَّ عَلَيْهِ قَرِيْنَةُ الْحَالِ - أَنْ يُجَالِسَ أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، وَأَلَّا يُجَالِسَ أَحَداً مِنْهُمَا أَصْلاً.
٢ - وَلِلتَّهْدِيْدِ: أَيِ التَّخْوِيْفِ (٢)؛ نَحْوُ: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصّلت: ٤٠] لِظُهُوْرِ أَنْ لَيْسَ الْمُرَادُ الْأَمْرَ بِكُلِّ عَمَلٍ شَاؤُوْا.
٣ - وَلِلتَّعْجِيْزِ: وَهُوَ: إِظْهَارُ عَجْزِ الْمُخَاطَبِ؛ نَحْوُ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣] إِذْ لَيْسَ الْمُرَادُ طَلَبَ إِتْيَانِهِمْ بِسُوْرَةٍ مِنْ مِثْلِهِ؛ لِكَوْنِهِ مُحَالاً.
٤ - وَلِلتَّسْخِيْرِ: وَهُوَ: التَّذْلِيْلُ وَالقَهْرُ؛ نَحْوُ: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] أَيْ: لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُوْرَ مَقْهُوْرٌ، لَا إِرَادَةِ (٣) الْأَمْرِ.
٥ - وَالْإِهَانَةِ: نَحْوُ: ﴿كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٥٠]؛ إِذْ لَيْسَ الْغَرَضُ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُمْ كَوْنَهُمْ قِرَدَةً أَوْ حِجَارَةً؛ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلَى ذَلِكَ.
لَكِنْ فِي التَّسْخِيْرِ: يَحْصُلُ الْفِعْلُ؛ أَعْنِيْ صَيْرُوْرَتَهُمْ قِرَدَةً؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوْا قِرَدَةً.
وَفِي الْإِهَانَةِ: لَا يَحْصُلُ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَصِيْرُوْنَ حِجَارَةً؛ إِذِ الْمَقْصُوْدُ قِلَّةُ الْمُبَالَاةِ بِهِمْ. стр. 250
٦ - وَالتَّسْوِيَةِ: نَحْوُ: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ (١) [الطّور: ١٦]
قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ (٢):
- «فَفِي الْإِبَاحَةِ: كَأَنَّ الْمُخَاطَبَ تَوَهَّمَ أَنَّ الْفِعْلَ مَحْظُوْرٌ عَلَيْهِ، فَأُذِنَ لَهُ فِي الْفِعْلِ، مَعَ عَدَمِ الْحَرَجِ فِي التَّرْكِ.
- وَفِي التَّسْوِيَةِ: كَأَنَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّ أَحَدَ الطَّرَفَيْنِ - مِنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ - أَنْفَعُ لَهُ وَأَرْجَحُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، فَرُفِعَ ذَلِكَ (٣) عَنْهُ، وَسُوِّيَ بَيْنَهُمَا».
٧ - وَلِلتَّمَنِّيْ؛ نَحْوُ: [الطّويل]
أَلَا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيْلُ أَلَا انْجَلِيْ ... بِصُبْحٍ، وَمَا الْإِصْبَاحُ مِنْكَ بِأَمْثَلِ (٤)
إِذْ لَيْسَ الْغَرَضُ طَلَبَ الِانْجِلَاءِ مِنَ اللَّيْلِ؛ إِذْ لَيْسَ ذَلِكَ فِيْ وُسْعِهِ، لَكِنَّهُ يَتَمَنَّى ذَلِكَ تَخَلُّصاً عَمَّا عَرَضَ لَهُ فِي اللَّيْلِ؛ مِنْ تَبَارِيْحِ الْجَوَى.
فَإِنْ قُلْتَ: اِنْجِلَاءُ اللَّيْلِ مُمْكِنٌ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ، فَكَيْفَ يُحْمَلُ هَذَا عَلَى التَّمَنِّيْ؟ بَلْ كَانَ الْأَنْسَبُ حَمْلَهُ عَلَى التَّرَجِّيْ.
قُلْتُ: لَمَّا اسْتَطَالَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ صَارَ كَأَنَّهُ لَا طَمَاعِيَةَ لَهُ فِي انْجِلَائِهَا؛ حُمِلَ عَلَى التَّمَنِّيْ لِذَلِكَ. стр. 251
٨ - وَلِلدُّعَاءِ: أَيْ الطَّلَبِ عَلَى سَبِيْلِ التَّضَرُّعِ؛ نَحْوُ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ [الأعراف: ١٥١].
٩ - وَلِلالتِمَاسِ: كَقَوْلِكَ لِمَنْ يُسَاوِيْكَ رُتْبَةً: (اِفْعَلْ) بِدُوْنِ الِاسْتِعْلَاءِ وَالتَّضَرُّعِ.
قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ (١): «فَإِنْ قُلْتَ: أَيُّ حَاجَةٍ إِلَى قَوْلِهِ: (بِدُوْنِ الِاسْتِعْلَاءِ) مَعَ قَوْلِهِ: (لِمَنْ يُسَاوِيْكَ)؟
قُلْتُ: قَدْ سَبَقَ أَنَّ الِاسْتِعْلَاءَ [لَا يَسْتَلْزِمُ] (٢) الْعُلُوَّ، فَيَجُوْزُ أَنْ يَتَحَقَّقَ مِنَ الْمُسَاوِيْ، بَلْ مِنَ الْأَدْنَى أَيْضاً» اِنْتَهَى (٣).
* * *
٦٥ - وَالنَّهْيُ وَهْوَ مِثْلُهُ بِلَا بَدَا ... وَالشَّرطُ بَعْدَهَا يَجُوْزُ، وَالنِّدَا
وَ: مِنْ أَنْوَاعِ الطَّلَبِ стр. 252
النَّهْيُ وَهْوَ مِثْلُهُ: أَيْ مِثْلُ الْأَمْرِ فِي الِاسْتِعْلَاءِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادِرُ إِلَى الْفَهْمِ، فَهُوَ: (طَلَبُ الْكَفِّ عَنِ الْفِعْلِ اسْتِعْلَاءً) (١). وَقَوْلُهُ:
بِلَا بَدَا: أَيْ ظَهَرَ. أَيْ: إِنَّ لَهُ حَرْفاً وَاحِداً، وَهُوَ (لَا) الْجَازِمَةُ؛ نَحْوُ: (لَا تَفْعَلْ).
وَفِيْ عُرْفِ النُّحَاةِ تُسَمَّى نَفْسُ هَذِهِ الصِّيْغَةِ نَهْياً - فِيْ أَيْ مَعْنًى استُعْمِلَ - كَمَا يُسَمَّى (اِفْعَلْ) أَمْراً (٢).
وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيْ غَيْرِ طَلَبِ الْكَفِّ:
١ - كَالتَّهْدِيْدِ: كَقَوْلِكَ لِعَبْدٍ لَا يَمْتَثِلُ أَمْرَكَ: (لَا تَمْتَثِلْ أَمْرِيْ! ) فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ أَنْ لَيْسَ الْمُرَادُ طَلَبَ كَفِّهِ عَنِ الِامْتِثَالِ.
٢ - وَكَالدُّعَاءِ: نَحْوُ: (اللَّهُمَّ لَا تُشَمِّتْ بِيْ أَعْدَائِيْ) فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِيْ أَنَّهُ تَضَرُّعٌ.
٣ - وَالِالْتِمَاسِ: كَقَوْلِكَ عَلَى سَبِيْلِ التَّلَطُّفِ لِمَن يُسَاوِيْكَ: (لَا تَفْعَلْ كَذَا أَيُّهَا الْأَخُ).
قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ (٣): «وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ لِطَلَبِ الدَّوَامِ وَالثَّبَاتِ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْمُخَاطَبُ مِنَ الْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ؛ نَحْوُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ стр. 253
[إبراهيم: ٤٢] أَيْ: دُمْ وَاثْبُتْ عَلَى ذَلِكَ» اِنْتَهَى (١).
وَالشَّرْطُ بَعْدَهَا: أَيْ بَعْدَ الْأَنْوَاعِ الْأَرْبَعَةِ؛ أَيِ: التَّمَنِّيْ، وَالِاسْتِفْهَامِ، وَالْأَمْرِ، وَالنَّهْيِ
يَجُوْزُ: تَقْدِيْرُهُ، وَإِيْرَادُ الْجَزَاءِ عَقِيْبَهَا مَجْزُوْماً بِـ (إِنْ) مُضْمَرَةً مَعَ الشَّرْطِ (٢)؛ فَتَقُوْلُ
- فِي التَّمَنِّيْ: (لَيْتَ لِيْ مَالاً أُنفِقْهُ) أَيْ: إِنْ أُرْزَقْهُ أُنْفِقْهُ.
- وَفِي الِاسْتِفْهَامِ: (أَيْنَ بَيْتُكَ أَزُرْكَ؟ ) أَيْ: إِنْ تُعَرِّفْنِيْهِ أَزُرْكَ.
- وَفِي الْأَمْرِ: (أَكْرِمْنِيْ أُكْرِمْكَ) أَيْ: إِنْ تُكْرِمْنِيْ أُكْرِمْكَ.
- وَفِي النَّهْيِ: (لَا تَشْتُمْنِيْ يَكُنْ خَيْراً لَكَ) أَيْ: إِنْ لَا تَشْتُمْنِيْ يَكُنْ خَيْراً لَكَ.
وَ: مِنْ أَنْوَاعِ الطَّلَبِ
النِّدَا: وَهُوَ طَلَبُ الْإِقْبَالِ بِحَرْفٍ نَائِبٍ مَنَابَ (أَدْعُوْ)؛ لَفْظاً أَوْ تَقْدِيْراً (٣): стр. 254
- فَـ (أَيَا) وَ (هَيَا) لِلْبَعِيْدِ، أَوْ مَا نُزِّلَ مَنْزِلَتَهُ (١).
- وَ (أَيْ) وَ (الْهَمْزَةُ) لِلْقَرِيْبِ (٢).
وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي الْبَعِيْدِ؛ تَنْبِيْهاً عَلَى أَنَّهُ حَاضِرٌ فِي الْقَلْبِ لَا يَغِيْبُ عَنْهُ أَصْلاً؛ كَقَوْلِهِ: [الطّويل]
أَسُكَّانَ نَعْمَانِ الْأَرَاكِ تَيَقَّنُوْا ... بِأَنَّكُمُ فِيْ رَبْعِ قَلْبِيَ سُكَّانُ (٣)
- وَأَمَّا (يَا) فَقِيْلَ: حَقِيْقَةٌ فِي الْقَرِيْبِ وَالْبَعِيْدِ؛ لِأَنَّها لِطَلَبِ الْإِقْبَالِ مُطْلَقاً. وَقِيْلَ بَلْ لِلْبَعِيْدِ. (٤)
وَاسْتِعْمَالُهَا فِي الْقَرِيْبِ (٥):
- إِمَّا لِاسْتِحْقَارِ الدَّاعِيْ نَفْسَهُ وَاسْتِبْعَادِهِ عَنْ مَرْتَبَةِ الْمَدْعُوِّ؛ نَحْوُ: (يَا أَللهُ! ).
- وَإِمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَذْكُوْرٌ فِي الْمُطَوَّلِ (٦)،
فَرَاجِعْهُ.
* * * стр. 255
٦٦ - وَقَدْ لِلِاخْتِصَاصِ وَالْإِغْرَاءِ ... يَجِيْءُ. ثُمَّ مَوْقِعَ الْإِنْشَاء
وَقَدْ: تُسْتَعْمَلُ صِيْغَةُ النِّدَاءِ فِيْ غَيْرِ مَعْنَاهُ (١) - وَهُوَ طَلَبُ الْإِقْبَالِ - بِأَنْ تَجِيْءَ
لِلِاخْتِصَاصِ: كَمَا فِيْ قَوْلِهِمْ: (أَنَا أَفْعَلُ كَذَا أَيُّهَا الرُّجُلُ) (٢).
فَإِنَّ قَوْلَنَا: (أَيُّهَا الرَّجُلُ) أَصْلُهُ تَخْصِيْصُ الْمُنَادَى بِطَلَبِ إِقْبَالِهِ عَلَيْكَ، ثُمَّ جُعِلَ مُجَرَّداً عَنْ طَلَبِ الْإِقْبَالِ، وَنُقِلَ إِلَى تَخْصِيْصِ مَدْلُوْلِهِ مِنْ بَيْنِ أَمْثَالِهِ بِمَا نُسِبَ إِلَيْهِ، وَهُوَ إِمَّا فَيْ مَعْرِضِ:
١ - التَّفَاخُرِ: نَحْوُ: (أَنَا أُكْرِمُ الضَّيْفَ أَيُّهَا الرَّجُلُ) أَيْ: مُخْتَصّاً مِنْ بَيْنِ الرِّجَالِ بِإِكْرَامِ الضَّيْفِ.
٢ - أَوِ التَّصَاغُرِ: نَحْوُ: (أَنَا الْمِسْكِيْنُ أَيُّها الرَّجُلُ) أَيْ: مُخْتَصّاً بِالْمَسْكَنَةِ.
٣ - أَوْ لِمُجَرَّدِ بَيَانِ الْمَقْصُوْدِ لِذَلِكَ الضَّمِيْرِ- أَيْ: (أَنَا (٣)، ونَحْنُ، وَأَمْثَالِهِمَا) (٤)، لَا لِلتَّفَاخُرِ وَلَا لِلتَّصَاغُرِ- نَحْوُ: (أَنَا أَدْخُلُ أَيُّها الرَّجُلُ) وَ (نَحْنُ نَقْرَأُ أَيُّهَا الْقَوْمُ). стр. 256
وَالْإِغْرَاءِ: كَقَوْلِكَ لِمَنْ أَقْبَلَ يَتَظَلَّمُ: (يَا مَظْلُوْمُ! )؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِطَلَبِ الْإِقْبَالِ؛ لِكَوْنِهِ حَاصِلاً، وَإِنَّمَا الْغَرَضُ إِغْرَاؤُهُ عَلَى زِيَادَةِ التَّظَلُّمِ وَبَثِّ الشَّكْوَى (١).
وَقَوْلُهُ: (لِلِاخْتِصَاصِ وَالْإِغْرَاءِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ:
يَجِيْءُ: وَقَدْ بَيَّنَاهُ (٢).
ثُمَّ مَوْقِعَ (٣) الإِنْشَاءِ: مَفْعُوْلُ (يَقَعُ) مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ. أَيْ:
* * *
٦٧ - قَدْ يَقَعُ الْخَبَرُ للتَّفَاؤُلِ ... وَالْحِرْصِ، أَوْ بِعَكْسِ ذَا تَأَمَّل
قَدْ يَقَعُ الْخَبَرُ: مَوْقِعَ الْإِنْشَاءِ
للتَّفَاؤُلِ: بِلَفْظِ الْمَاضِيْ؛ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْأُمُوْرِ الْحَاصِلَةِ الَّتِيْ حَقُّهَا أَنْ يُخْبَرَ عَنْهَا بِأَفْعَالٍ مَاضِيَةٍ؛ كَقَوْلِكَ: (وَفَّقَكَ اللهُ لِلتَّقْوَى).
وَ: لِإِظْهَارِ
الْحِرْصِ: فِيْ وُقُوْعِهِ؛ لِأَنَّ الطَّالِبَ إِذَا عَظُمَتْ رَغْبَتُهُ فِيْ شَيْءٍ كَثُرَ стр. 257
تَصَوُّرُهُ إِيَّاهُ، فَرُبَّمَا يُخَيَّلُ إِلَيْهِ حَاصِلاً، فَيُوْرِدُهُ بِلَفْظِ الْمَاضِي؛ كَقَوْلِهِ: (رَزَقَنِي اللهُ لِقَاءَكَ).
قَالَ الْقَزْوِيْنِيُّ (١): «وَالدُّعَاءُ بِصِيْغَةِ الْمَاضِيْ مِنَ الْبَلِيْغِ - نَحْوُ: ﵀ - يَحْتَمِلُهُمَا - أَيِ: التَّفَاؤُلَ وَإِظْهَارَ الْحِرْصِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْبَلِيْغِ فَهُوَ ذَاهِلٌ عَنْ هَذِهِ الِاعْتِبَارَاتِ - أَوْ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ صُوْرَةِ الْأَمْرِ- كَقَوْلِ الْعَبْدِ لِلْمَوْلَى: (يَنْظُرُ الْمَوْلَى إِلَيَّ سَاعَةً) دُوْنَ (اُنْظُرْ)؛ لِأَنَّهُ فِيْ صُوْرَةِ الْأَمْرِ، وَإِنْ قَصَدَ بِهِ الدُّعَاءَ أَوِ الشَّفَاعَةَ - أَوْ لِحَمْلِ الْمُخَاطَبِ عَلَى الْمَطْلُوْبِ [بِأَنْ يَكُوْنَ - الْمُخَاطَبُ - مِمَّنْ لَا يُحِبُّ أَنْ يُكَذِّبَ الطَّالِبَ- أَيْ: أَنْ يَنْسُبَهُ إِلَى الْكَذِبِ] (٢)؛ كَقَوْلِكَ لِصَاحِبِكَ الَّذِيْ لَا يُحِبُّ تَكْذِيْبَكَ: (تَأْتِيْنِيْ غَداً) مَكَانَ (ائْتِنِيْ)؛ لِحَمْلِهِ بِأَلْطَفِ وَجْهٍ عَلَى الْإِتْيَانِ؛ لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَأْتِكَ غَداً صِرْتَ كَاذِباً مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّ كَلَامَكَ فِيْ صُوْرَةِ الْخَبَرِ».
ثُمَّ قَوْلُ الْمَاتِنِ:
أَوْ بِعَكْسِ ذَا: أَيْ عَكْسِ قَوْلِنَا: (قَدْ يَقَعُ الْخَبَرُ مَوْقِعَ الْإِنْشَاءِ) أَيْ: قَدْ يَقَعُ الْإِنْشَاءُ مَوْقِعَ الْخَبَرِ؛ وَمَعْنَاهُ: أَنَّ الْإِنْشَاءَ حُكْمُهُ حُكْمُ الْخَبَرِ فِيْ كَثِيْرٍ مِنَ الْأَبْوَابِ الْخَمْسَةِ السَّابِقَةِ (٣).
تَأَمَّلِ: أَيْ تَأَمَّلْ فِي الِاعْتِبَارَاتِ الَّتِيْ تَقَدَّمَتْ فِيْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ.
قَالَ فِي الْمُطَوَّلِ (٤): «فَإِنَّ الْإِسْنَادَ الْإِنْشَائِيَّ - أَيْضاً - إِمَّا مُؤَكَّدٌ أَوْ خَالٍ عَنِ التَّأْكِيْدِ، وَكَذَا الْمُسْنَدُ إِلَيْهِ؛ إِمَّا مَذْكُوْرٌ أَوْ مَحْذُوْفٌ، مُقَدَّمٌ أَوْ مُؤَخَّرٌ، مُعَرَّفٌ أَوْ مُنَكَّرٌ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. стр. 258
وَكَذَا الْمُسْنَدُ؛ إِمَّا اسْمٌ أَوْ فِعْلٌ، مُطْلَقٌ أَوْ مُقَيَّدٌ بِمَفْعُوْلٍ أَوْ بِشَرْطٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَالْمُتَعَلَّقَاتُ [إِمَّا مُتَقَدِّمَةٌ] (١) أَوْ مُتَأَخِّرَةٌ، مَذْكُوْرَةٌ أَوْ مَحْذُوْفَةٌ، وَإِسْنَادُهُ وَتَعَلُّقُهُ إِمَّا بِقَصْرٍ أَوْ بِغَيْرِ قَصْرٍ. وَالِاعْتِبَارَاتُ الْمُنَاسِبَةُ فِيْ ذَلِكَ مِثْلُ مَا مَرَّ فِي الْخَبَرِ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ اعْتِبَارُهُ بَعْدَ الْإِحَاطَةِ بِمَا سَبَقَ. وَاللهُ الْمُوَفِّقُ» اِنْتَهَى.
* * * стр. 259
الباب السابع
الْفَصْلُ وَالْوَصْلُ
بَدَأَ بِالْفَصْلِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَالْوَصْلُ طَارٍ عَارِضٌ حَاصِلٌ بِزِيَادَةِ حَرْفٍ.
لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْوَصْلُ بمَنزِلَةِ الْمَلَكَةِ وَالْفَصْلُ بِمَنْزِلَةِ عَدَمِهَا، وَالأَعْدَامُ إِنَّمَا تُعْرَفُ بِمَلَكَاتِهَا = جَرَتْ عَادَةُ عُلَمَاءِ الْمَعَانِيْ بِتَقْدِيْمِ تَعْرِيْفِ الْوَصْلِ؛ فَقَالُوْا: «الْوَصْلُ: عَطْفُ بَعْضِ الْجُمَلِ عَلَى بَعْضٍ، وَالْفَصْلُ: تَرْكُهُ».
فَإِذَا تَوَالَتْ جُمْلَتَانِ؛ فَـ
* * *
٦٨ - إِنْ نُزِّلَتْ تَالِيَةٌ مِنْ ثَانِيَهْ ... كَنَفْسِهَا، أَوْ نُزِّلَتْ كَالْعَارِيَهْ
إِنْ نُزِّلَتْ تَالِيَةٌ (١) مِنْ ثَانِيَهْ (٢): أَيْ نُزِّلَتِ الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ مِنَ الْأُوْلَى
كَنَفْسِهَا: بِأَنْ كَانَ بَيْنَهُمَا: стр. 260
١ - كَمَالُ الِانْقِطَاعِ (١): لِاخْتِلَافِهِمَا خَبَراً وَإِنْشَاءً، لَفْظاً وَمَعْنًى؛ بِأَنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا خَبَراً لَفْظاً وَمَعْنًى، وَالْأُخْرَى إِنْشَاءً لَفْظاً وَمَعْنًى؛ نَحْوُ: [البسيط]
وَقَالَ رَائِدُهُمْ: أَرْسُوْا نَزَاوِلُهَا ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (٢)
لَمْ يَعْطِفْ (نُزَاوِلُهَا) عَلَى (أَرْسُوْا)؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ لَفْظاً وَمَعْنًى، وَ (أَرْسُوْا) إِنْشَاءٌ لَفْظاً وَمَعْنًى. (٣)
٢ - أَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا كَمَالُ الِاتِّصَالِ:
١ - لِكَوْنِ الثَّانِيَةِ مُؤَكِّدَةً؛ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ﴾ [البقرة: ٢]؛ فَـ (لَا رَيْبَ فِيْهِ) تَابِعٌ لِـ (ذَلِكَ الْكِتَابُ) فَوِزَانُهُ وِزَانُ (نَفْسُهُ) مَعَ (زَيْدٌ) فِيْ: (جَاءَنِيْ زَيْدٌ نَفْسُهُ) (٤).
٢ - أَوْ لِكَوْنِ الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ بَدَلاً مِنَ الْأُوْلَى؛ لِأَنَّ: стр. 261
الْأُوْلَى: غَيْرُ وَافِيَةٍ بِتَمَامِ الْمُرَادِ، أَوْ كَغَيْرِ الْوَافِيَةِ، حَيْثُ يَكُوْنُ فِي الْوَفَاءِ قُصُوْرٌ مَّا أَوْ خَفَاءٌ، بِخِلَافِ الثَّانِيَةِ؛ فَإِنَّهَا وَافِيَةٌ كَمَالَ الْوَفَاءِ، وَالْمَقَامُ يَقْتَضِي اعْتِنَاءً بِشَأْنِهِ- أَيْ شَأْنِ الْمُرَادِ - لِنُكْتَةٍ؛ كَكَوْنِهِ مَطْلُوْباً فِيْ نَفْسِهِ؛ نَحْوُ: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الشّعراء: ١٣٢ - ١٣٤]؛ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّنْبِيْهُ عَلَى نِعَمِ اللهِ تَعَالَى.
وَالثَّانِيَ - أَعْنِيْ: (أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ) - أَوْفَى بِتَأْدِيَةِ الْمُرَادِ الَّذِيْ هُوَ التَّنْبِيْهُ لِدَلَالَتِهِ عَلَى نِعَمِ اللهِ بِالتَّفْصِيْلِ مِنْ غَيْرِ إِحَالَةٍ عَلَى عِلْمِ الْمُخَاطَبِيْنَ الْمُعَانِدِيْنَ، فَوِزَانُهُ وِزَانُ (وَجْهُهُ) فِيْ: (أَعْجَبَنِيْ زَيْدٌ وَجْهُهُ)؛ لِدُخُوْلِ الثَّانِيْ فِي الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ (مَا تَعْلَمُوْنَ) يَشْمَلُ (الْأَنْعَامَ) وَغَيْرَهَا (١).
٣ - أَوْ لِكَوْنِ الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ بَيَاناً لَهَا - أَيْ لِلْأُوْلَى - لِخَفَائِهَا؛ نَحْوُ: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠]؛ فَإِنَّ وِزَانَ (قَالَ: يَا آَدَمُ) وِزَانُ (عُمَرَ) فِيْ قَوْلِهِ: [الرّجز]
أَقْسَمَ بِاللهِ أَبُوْ حَفْصٍ عُمَرْ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (٢) стр. 262
حَيْثُ جُعِلَ الثَّانِي بَيَاناً وَتَوْضِيْحاً لِلْأَوَّلِ، فَظَاهِرٌ أَنَّ لَفْظَ (قَالَ) لَيْسَ بَيَاناً وَتَفْسِيْراً
لِلَفْظِ (وَسْوَسَ) أَيْ دُوْنَ فَاعِلِهِ، حَتَّى يَكُوْنَ هَذَا مِنْ بَابِ بَيَانِ الْفِعْلِ دُوْنَ الْجُمْلَةِ، بَلِ الْمُبَيِّنُ هُوَ مَجْمُوْعُ الْجُمْلَةِ.
٣ - أَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا شِبْهُ كَمَالِ الِانْقِطَاعِ: لِكَوْنِ عَطْفِ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأُوْلَى مُوْهِماً لِعَطْفِهَا عَلَى غَيْرِهَا مِمَّا لَيْسَ بِمَقْصُوْدٍ (١). مِثَالُهُ: [الكامل]
وَتَظُنُّ سَلْمَى أَنَّنِيْ أَبْغِيْ بِهَا ... بَدَلاً، أُرَاهَا فِي الضَّلَالِ تَهِيْمُ (٢)
تُرِكَ الْعَطْفُ لِجُمْلَةِ (أُرَاهَا)؛ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى (أَبْغِيْ) فَيَكُوْنَ مَظْنُوْنُ سَلْمَى (٣).
وَشُبِّهَ هَذَا بِكَمَالِ الِانْقِطَاعِ؛ بِاعْتِبَارِ اشْتِمَالِهِ عَلَى مَانِعٍ مِنَ الْعَطْفِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ خَارِجِيّاً (٤) - يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِنَصْبِ قَرِيْنَةٍ - لَمْ يُجْعَلْ هَذَا مِنْ كَمَالِ الِانْقِطَاعِ. стр. 263
٤ - أَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا شِبْهُ كَمَالِ الاِتِّصَالِ: كَكَوْنِ الثَّانِيَةِ جَوَاباً لِسُؤَالٍ اقْتَضَتْهُ الْأُوْلَى، فَتُنَزَّلُ الْأُوْلَى مَنْزِلَةَ السُّؤَالِ؛ لِكَوْنِهَا مُشْتَمِلَةً عَلَيْهِ وَمُقْتَضِيَةً لَهُ، فَتُفْصَلُ الثَّانِيَةُ عَنِ الْأُوْلَى كَمَا يُفْصَلُ الْجَوَابُ عَنِ السُّؤَالِ؛ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الِاتِّصَالِ (١)، وَيُسَمَّى الْفَصْلُ لِذَلِكَ (اسْتِئْنَافاً)، وَكَذَا الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ تُسَمَّى اسْتِئْنَافاً ومُسْتَأْنَفَةً؛ نَحْوُ: [الخفيف]
قَالَ لِيْ: كَيْفَ أَنْتَ؟ قُلْتُ: عَلِيْلُ ... سَهَرٌ دَائِمٌ وَحُزْنٌ طَوِيْلُ
أَيْ: مَا بَالُكَ عَلِيْلاً؟ أَوْ مَا سَبَبُ عِلَّتِكَ؟ . وَلِلِاسْتِئْنَافِ أَقْسَامٌ تُطْلَبُ مِنَ الْمُطَوَّلَاتِ. (٢)
أَوْ نُزِّلَتْ: الجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ مِنَ الْأُوْلَى
كَالْعَارِيَهْ: بِأَنْ لَمْ يُقْصَدْ تَشْرِيْكُ الثَّانِيَةِ لِلْأُوْلَى فِيْ حُكْمِ إِعْرَابِهَا؛ نَحْوُ: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٤ - ١٥].
لَمْ يُعْطَفُ (اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) عَلَى (إِنَّا مَعَكُمْ)؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ قَوْلِهِمْ، فَلَوْ عُطِفَ عَلَيْهِ لَزِمَ تَشْرِيْكُهُ لَهُ فِيْ كَوْنِهِ مَقُوْلَ (قَالُوْا)، فيَلْزَمُ أَنْ يَكُوْنَ مَقُوْلَ قَوْلِ الْمُنَافِقِيْنَ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
أَوْ كَانَ لِلْأُوْلَى حُكْمٌ لَمْ يُقْصَدْ إِعْطَاؤُهُ لِلثَّانِيَةِ، فَالْفَصْلُ وَاجِبٌ؛ لِئَلَّا يَلْزَمَ مِنَ الْوَصْلِ التَّشْرِيْكُ فِيْ ذَلِكَ الْحُكْمِ؛ نَحْوُ: (وَإِذَا خَلَوْا .... الْآَيَةَ) لَمْ يُعْطَفْ (اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) عَلَى (قَالُوْا)؛ لِئَلَّا يُشَارِكَهُ فِي الِاخْتِصَاصِ بِالظَّرْفِ الْمُتَقَدِّمِ؛ وَهُوَ قَوْلُهُ: (وَإِذَا خَلَوْا إِلَى стр. 264
شَيَاطِيْنِهِمْ)؛ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ تَقْدِيْمَ الْمَفْعُوْلِ وَنَحْوِهِ مِنَ الظَّرْفِ وَغَيْرِهِ يُفِيْدُ الِاخْتِصَاصَ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُوْنَ اسْتِهْزَاءُ اللهِ بِهِمْ مُخْتَصّاً بِحَالِ خُلُوِّهِمْ إِلَى شَيَاطِيْنِهِمْ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ مُتَّصِلٌ لَا انْقِطَاعَ لَهُ بِحَالٍ.
فَفِيْ جَمِيْعِ مَا تَقَدَّمَ
* * *
٦٩ - اِفْصِلْ، وَإِنْ تَوَسَّطَتْ فَالْوَصْلُ ... بِجَامِعٍ أَرْجَحُ. ثُمَّ الْفَصْلُ
٧٠ - لِلْحَالِ حَيْثُ أَصْلُهَا قَدْ سَلِمَا ... أَصْلٌ، وَإِنْ مُرَجِّحٌ تَحَتَّمَا
اِفْصِلْ (١): أَيِ الْفَصْلُ وَاجِبٌ (٢).
وَإِنْ تَوَسَّطَتْ: الجُمْلَتَانِ بَيْنَ كَمَالِ الِاتَّصَالِ وَكَمَالِ الِانْقِطَاعِ؛ بِأَنِ اتَّفَقَتَا خَبَراً أَوْ إِنْشَاءً، لَفْظاً وَمَعْنًى، أَوْ مَعْنًى فَقَطْ. وَلَهُمَا أَقْسَامٌ تُطْلَبُ مِنَ الْمُطَوَّلَاتِ (٣). وَمِنْ مِثْلِهِمَا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النّساء: ١٤٢].
فَالْوَصْلُ بِجَامِعٍ: بَيْنَ الجُمْلَةِ الْأُوْلَى وَالثَّانِيَةِ. وَهُوَ (٤) فِي الْآيَةِ الِاتِّحَادُ فِي الْمُسْنَدِ. стр. 265
أَرْجَحُ: ظَاهِرُ كَلَامِ النَّظْمِ يُشْعِرُ بِجَوَازِ الْوَصْلِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الْفَصْلُ (١) مُتَعَيِّنٌ فِيْ هَذِهِ الْحَالَةُ. (٢)
وَكَذَا إِذَا كَانَ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ كَمَالُ الِانْقِطَاعِ يَقَعُ الْوَصْلُ؛ لِدَفْعِ الْإِيْهَامِ؛ كَقَوْلِهِمْ: (لَا وَأَيَّدَكَ اللهُ)؛ فَقَوْلُهُمْ: (لَا) رَدٌّ لِلْكَلَامِ السَّابِقِ؛ كَمَا إِذَا قِيْلَ: (هَلِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؟ ) فَقَالُوْا: (لَا) - أَيْ: لَيْسَ كَذَلِكَ، فَهَذِهِ الْجُمْلَةُ إِخْبَارِيَّةٌ - (وَأَيَّدَكَ اللهُ) جُمْلَةٌ إِنْشَائِيَّةٌ دُعَائِيَّةٌ، فَبَيْنَهُمَا كَمَالُ الِانْقِطَاعِ، لَكِنْ عُطِفَتْ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْعَطْفِ مُوْهِمٌ أَنَّهُ دُعَاءٌ عَلَى الْمُخَاطَبِ بِعَدَمِ التَّأْيِيْدِ، مَعَ أَنَّ الْمَقْصُوْدَ الدُّعَاءُ لَهُ بِالتَّأْيِيْدِ.
وَلَمَّا كَانَتِ الْجُمْلَةُ [الْحَالِيَّةُ] (٣) تَأْتِيْ بِالْوَاوِ تَارَةً، وَبِدُوْنِهَا أُخْرَى عَقَّبَ (الْفَصْلَ وَالْوَصْلَ) بِذِكْرِهَا؛ لِمَقَامِ التَّنَاسُبِ (٤)؛ فَقَالَ:
ثُمَّ الْفَصْلُ لِلْحَالِ (٥): الْمُنْتَقِلَةِ (٦)؛ أَيْ: تَرْكُ الْوَاوِ مَعَهَا (٧) стр. 266
حَيْثُ أَصْلُهَا: وَهُوَ الْإِفْرَادُ
قَدْ سَلِمَا أَصْلٌ: لِأَنَّهَا مُعْرَبَةٌ بِالْأَصَالَةِ لَا بِالتَّبَعِيَّةِ، وَالْإِعْرَابُ فِي الْأَسْمَاءِ إِنَّمَا جِيْءَ بِهِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْمَعَانِي الطَّارِئَةِ عَلَيْهَا بِسَبَبِ تَرْكِيْبِهَا مَعَ الْعَوَامِلِ، فَهُوَ دَالٌّ عَلَى التَّعَلُّقِ الْمَعْنَوِيِّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ عَوَامِلِهَا (١)، فَيَكُوْنُ مُغْنِياً عَنْ تَكَلُّفِ تَعَلُّقٍ آخَرَ؛ كَالْوَاوِ.
وَاسْتَدَلَّ الْقَزْوِيْنِيُّ عَلَى ذَلِكَ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْخَبَرِ وَالنَّعْتِ؛ فَقَالَ (٢): «لِأَنَّهَا فِي الْمَعْنَى حُكْمٌ عَلَى صَاحِبِهَا كَالْخَبَرِ، وَوَصْفٌ لَهُ كَالنَّعْتِ» اِنْتَهَى.
وَإِذَا كَانَ الْحَالُ مِثْلَ الْخَبَرِ وَالنَّعْتِ؛ فَكَمَا أَنَّهُمَا يَكُوْنَانِ بِدُوْنِ الْوَاوِ، فَكَذَلِكَ الْحَالُ (٣).
وَاحْتَرَزْنَا بِالْمُنْتَقِلَةِ عَنِ (٤) الْمُؤَكِّدَةِ لِمَضْمُوْنِ الْجُمْلَةِ (٥)؛ فَإِنَّهَا يَجِبُ أَنْ تَكُوْنَ بِغَيْرِ الْوَاوِ الْبَتَّةَ؛ لِشِدَّةِ ارْتِبَاطِهَا بِمَا قَبْلَهَا؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النّساء: ٧٩] فَهَذِهِ الْحَالُ مُؤَكِّدَةٌ لِعَامِلِهَا لَفْظاً وَمَعْنًى.
وَإِنْ: يَكُنْ ثَمَّ
مُرَجِّحٌ: لِلْفَصْلِ عَلَى الْوَصْلِ
تَحَتَّمَا: بِأَلِفِ الْإِطْلَاقِ. أَيْ: وَجَبَ الْفَصْلُ، وَامْتَنَعَ دُخُوْلُ الْوَاوِ؛ стр. 267
وَذَلِكَ بِأَنْ كَانَتِ الْجُمْلَةُ فِعْلِيَّةً - وَالْفِعْلُ مُضَارِعٌ مُثْبَتٌ - فَيَجِبُ الِاكْتِفَاءُ بِالضَّمِيْرِ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ فِي الرَّبْطِ؛ نَحْوُ: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدّثّر: ٦] أَيْ: لَا تُعْطِ حَالَ كَوْنِكَ تَعُدُّ مَا تُعْطِيْهِ كَثِيْراً، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْحَالِ هِيَ الْحَالُ الْمُفْرَدَةُ؛ لِعَرَاقَةِ الْمُفْرَدِ فِي الْإِعْرَابِ وَتَطَفُّلِ الْجُمْلَةِ عَلَيْهِ؛ بِسَبَبِ وُقُوْعِهَا مَوْقِعَهُ.
وَالْمُفْرَدَةُ (١) تَدُلُّ عَلَى حُصُوْلِ صِفَةٍ غَيْرِ ثَابِتَةٍ (٢) مُقَارِنٍ ذَلِكَ الْحُصُوْل لِمَا جُعِلَتِ الْحَالُ قَيْداً لَهُ - وَهُوَ الْعَامِلُ - لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنَ الْحَالِ تَخْصِيْصُ وُقُوْعِ مَضْمُوْنِ عَامِلِهَا بِوَقْتِ حُصُوْلِ مَضْمُوْنِ الْحَالِ، وَهَذَا مَعْنَى الْمُقَارَنَة.
وَالْمُضَارِعُ الْمُثْبَتُ يَدُلُّ - أَيْضاً - عَلَى حُصُوْلِ صِفَةٍ غَيْرِ ثَابِتَةٍ مُقَارِنٍ لِمَا جُعِلَتْ قَيْداً لَهُ كَالْمُفْرَدِ، فَيَمْتَنِعُ فِيْهِ دُخُوْلُ الْوَاوِ، كَمَا يَمْتَنِعُ فِي الْمُفْرَدِ (٣).
أَمَّا دَلَالَتُهُ عَلَى حُصُوْلِ صِفَةٍ غَيْرِ ثَابِتَةٍ؛ فَلِكَوْنِهِ فِعْلاً مُثْبَتاً؛ فَالْفِعْلِيَّةُ تَدُلُّ عَلَى التَّجَدُّدِ وَعَدَمِ الثُّبُوْتِ، وَالْإِثْبَاتُ يَدُلُّ عَلَى الْحُصُوْلِ.
وَأَمَّا الْمُقَارَنَةُ: فَلِكَوْنِهِ مُضَارِعاً، وَالْمُضَارِعُ كَمَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِقْبَالِ يَصْلُحُ لِلْحَالِ أَيْضاً.
وَإِنْ يَكُنْ مُرَجِّحٌ لِلْوَصْلِ تَحَتَّمَ - أَيْضاً - الْوَصْلُ فَيُؤْتَى بِالْوَاوِ.
وَالْعُجْبُ مِنَ الشَّارِحِ كَيْفَ قَصَرَ عِبَارَةَ الْمَتْنِ عَلَى الْفَصْلِ فَقَطْ (٤)؟ !
وَاعْلَمْ أَنَّ الْجُمْلَةَ [الَّتِيْ تَقَعُ حَالاً إنْ خَلَتْ عَنْ ضَمِيْرِ صَاحِبِهَا الَّذِيْ стр. 268
تَقَعُ حَالاً عَنْهُ وَجَبَتِ الْوَاوُ؛ لِتَكُوْنَ مُرْتَبِطَةً بِهِ غَيْرَ مُنْقَطِعَةٍ؛ نَحْوُ: (قَامَ زَيْدٌ وَقَعَدَ عَمْرٌو).
وَكُلُّ جُمْلَةٍ خَالِيَةٍ عَنْ ضَمِيْرِ مَا يَجُوْزُ أَنْ يَنْتَصِبَ عَنْهُ حَالٌ (١) - وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُوْنَ فَاعِلاً أَوْ مَفْعُوْلاً مُعَرَّفاً أَوْ مُنَكَّراً مَخْصُوْصاً - يَصِحُّ أَنْ تَقَعَ تِلْكَ الْجُمْلَةُ حَالاً عَنْهُ، أَيْ: عَمَّا يَجُوْزُ أَنْ يَنْتَصِبَ عَنْهُ حَالٌ، بِالْوَاوِ.
وَإِنْ كَانَتِ الْجُمْلَةُ فِعْلِيَّةً، وَفِعْلُهَا: (مُضَارِعٌ مَنْفِيٌّ)، أَوْ (مَاضٍ لَفْظاً وَمَعْنًى) جَازَ الْأَمْرَانِ:
١ - وَإِنْ رُمْتَ الْمَثَلَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُتْلَى عَلَيْكَ؛ كَقِرَاءَةِ ابْنِ ذَكْوَانَ (٢): ﴿فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتْبَعَانِ﴾ (٣) [يونس: ٨٩] بِالتَّخْفِيْفِ (٤)؛ فَهَذِهِ فِعْلُهَا مُضَارِعٌ مَنْفِيٌّ بِـ (لَا) مَعَهَا الْوَاوُ.
٢ - وَبِغَيْرِ وَاوٍ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ٨٤]؛ الْمَعْنَى: مَا نَصْنَعُ حَالَ كَوْنِنَا غَيْرَ مُؤْمِنِيْنَ بِاللهِ؟
٣ - وَالْمَاضِي لَفْظاً: (بِالْوَاوِ)؛ نَحْوُ: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ [آل عمران: ٤٠] وَ (بِدُوْنِهَا): ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ (٥) [النّساء: ٩٠]. стр. 269
٤ - وَأَمَّا الْمَاضِي مَعْنًى: فَيُعْنَى بِهِ الْمُضَارِعُ الْمَنْفِيُّ بِـ «لَمْ» أَوْ «لَمَّا» (فَبِالْوَاوِ)؛ نَحْوُ: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [مريم: ٢٠]، وَ (بِغَيْرِ وَاوٍ): ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: ١٧٤]. وَمَنْ رَامَ الزِّيَادَةَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَلْيُرَاجِعِ الْمُطَوَّلَ (١). واللهُ أَعْلَمُ.
* * * стр. 270
الباب الثامن
الْإِيْجَازُ وَالْإِطْنَابُ
وَسَكَتَ عَنِ الْمُسَاوَاةِ:
٧١ - تَوْفِيَةُ الْمَقْصُوْدِ بِالنَّاقِصِ مِنْ ... [لَفْظٍ] لَهُ الْإِيْجَازُ، وَالْإِطْنَابُ إِنْ
٧٢ - بِزَائِدٍ عَنْهُ، وَضَرْبَا الْأَوَّلِ: ... قِصَرٌ، وَحَذْفُ جُمْلَةٍ أَوْ جُمَل
- لِلْعِلْمِ بِهَا مِمَّا ذَكَرَهُ فِيْ حَدِّ الْإِيْجَازِ وَالْإِطْنَابِ؛ كَمَا يَظْهَرُ لِلْمُتَأَمِّلِ.
- وَأَيْضاً لِقِلَّةِ الْأَبْحَاثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمُسَاوَاةِ لَمْ يَذْكُرْهَا.
فَنَقُوْلُ: الْمَقْبُوْلُ مِنْ طُرُقِ التَّعْبِيْرِ عَنِ الْمُرَادِ:
١ - تَأْدِيَةُ أَصْلِهِ بِلَفْظٍ مُسَاوٍ لَهُ. أَيِ: لِأَصْلِ الْمُرَادِ.
٢ - أَوْ بِلَفْظٍ نَاقِصٍ عَنْهُ، وَافٍ.
٣ - أَوْ بِلَفْظٍ زَائِدٍ عَلِيْهِ؛ لِفَائِدَةٍ.
- فَالْمُسَاوَاةُ: أَنْ يَكُوْنَ اللَّفْظُ بِمِقْدَارِ أَصْلِ الْمُرَادِ.
- وَالْإِيْجَازُ: أَنْ يَكُوْنَ نَاقِصاً عَنْهُ، (وَافِياً بِهِ).
стр. 271
- وَالْإِطْنَابُ: أَنْ يَكُوْنَ زَائِداً عَلَيْهِ؛ (لِفَائِدَةٍ) (١).
فَالْمُسَاوَاةُ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]، وَقَوْلِهِ: [الطّويل]
فَإِنَّكَ كَاللَّيْلِ الَّذِيْ هُوَ مُدْرِكِيْ ... وَإِنْ خِلْتُ أَنَّ الْمُنْتَأَىْ عَنْكَ وَاسِعُ (٢)
أَيْ: مَوْضِعُ الْبُعْدِ عَنْكَ ذُوْ سَعَةٍ، وَشَبَّهَهُ فِيْ حَالِ سُخْطِهِ وَهَوْلِهِ بِاللَّيْلِ.
وَأَشَارَ النَّاظِمُ إِلَى تَعْرِيْفِ كُلٍّ مِنَ الْإِيْجَازِ وَالْإِطْنَابِ بِقَوْلِهِ:
تَوْفِيَةُ الْمَقْصُوْدِ بِالنَّاقِصِ مِنْ ... لَفْظٍ لَهُ الْإِيْجَازُ وَالْإِطْنَابُ
إِنْ بِزَائِدٍ عَنْهُ
فَالْإِيْجَازُ: التَّعْبِيْرُ عَنِ الْمَقْصُوْدِ بِلَفْظٍ نَاقِصٍ عَنْهُ، وَافِياً بِهِ.
وَالْإِطْنَابُ: التَّعْبِيْرُ عَنِ الْمَقْصُوْدِ بِلَفْظٍ زَائِدٍ عَلَيْهِ؛ لِفَائِدَةٍ.
وَاحْتَرَزْنَا بِقَوْلِنَا: (لِفَائِدَةٍ) عَنِ التَّطْوِيْلِ وَالْحَشْوِ، فَكَانَ عَلَى النَّاظِمِ أَنْ стр. 272
يَقُوْلَ - بَعْدَ (بِزَائِدٍ عَنْهُ) -: (لِفَائِدَةٍ) (١).
وَإِنْ أَرَدْتَ إِيْضَاحَ ذَلِكَ فَرَاجِعِ الْمُطَوَّلَاتِ (٢).
وَلَمَّا كَانَ الْإِيْجَازُ مُنْقَسِماً إِلَى قِسْمَيْنِ أَشَارَ إِلَيْهِمَا بِقَوْلِهِ:
وَضَرْبَا الْأَوَّلِ: أَيِ الْإِيْجَازِ؛ أَحَدُهُمَا
قِصَرٌ: أَيْ إِيْجَازُ قِصَرٍ: وَهُوَ مَا لَيْسَ بِحَذْفٍ؛ نَحْوُ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]؛ فَإِنَّ مَعْنَاهُ كَثِيْرٌ، وَلَفْظَهُ قَلِيْلٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَاهُ: إِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ مَتَى قَتَلَ قُتِلَ كَانَ ذَلِكَ دَاعِياً عَلَى أَنْ لَا يُقْدِمَ عَلَى الْقَتْلِ، فَارْتَفَعَ بِالْقَتْلِ - الَّذِيْ هُوَ قِصَاصٌ - كَثِيْرٌ مِنْ قَتْلِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وَكَانَ ارْتِفَاعُ الْقَتْلِ حَيَاةً لَهُمْ، مَعَ أَنَّهُ لَا حَذْفَ فِيْهِ لِشَيْءٍ مِمَّا يُؤَدَّى بِهِ أَصْلُ الْمُرَادِ.
وَ: الثَّانِي
حَذْفُ: أَيْ إِيْجَازُ حَذْفٍ
جُمْلَةٍ: وَالْمُرَادُ بِهَا الْكَلَامُ الْمُسْتَقِلُّ الَّذِيْ لَا يَكُوْنُ جُزْءاً مِنْ كَلَامٍ آخَرَ، وَهِيَ إِمَّا:
١ - مُسَبَّبةٌ عَنْ سَبَبٍ مَذْكُوْرٍ: نَحْوُ: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ [الأنفال: ٨]؛ فَهَذَا سَبَبٌ مَذْكُوْرٌ حُذِفَ مُسَبَّبُهُ: أَيْ: فَعَلَ مَا فَعَلَ. стр. 273
٢ - أَوْ سَبَبٌ لِمَذْكُوْرٍ: نَحْوُ: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ [البقرة: ٦٠]؛ [إِنْ] (١) قُدِّرَ (فَضَرَبَهُ بِهَا) فَيَكُوْنُ قَوْلُهُ: (فَضَرَبَهُ بِهَا) جُمْلَةً مَحْذُوْفَةً، هِيَ سَبَبٌ لِقَوْلِهِ: (فَانْفَجَرَتْ).
٣ - أَوْ غَيْرُهُمَا: أَيْ غَيْرُ الْمُسَبَّبِ وَالسَّبَبِ؛ نَحْوُ: ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ [الذّاريات: ٤٨].
أَيْ: (هُمْ نَحْنُ) عَلَى حَذْفِ الْمُبْتَدَأِ/ وَالْخَبَرِ؛ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُ الْمَخْصُوْصَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوْفٍ (٢).
أَوْ: حَذْفُ
جُمَلِ: نَحْوُ: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ﴾ [يوسف: ٤٥ - ٤٦]؛ أَيْ: فَأَرْسِلُوْنِ إِلَى يُوْسُفَ؛ لِأَسْتَعْبِرَهُ الرُّؤْيَا، فَفَعَلُوْا، فَأَتَاهُ، وَقَالَ لَهُ: يَا يُوْسُفُ.
* * *
٧٣ - أَوْ جُزْءِ جُمْلَةٍ، وَمَا يَدُلُّ ... عَلَيْهِ أَنْوَاعٌ وَمِنْهَا الْعَقْلُ
أَوْ: حَذْفُ
جُزْءِ جُمْلَةٍ:
١ - مُضَافٍ؛ نَحْوُ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]؛ أَيْ: أَهْلَ الْقَرْيَةِ.
٢ - أَوْ مَوْصُوْفٍ؛ نَحْوُ: [الوافر] стр. 274
أَنَا ابْنُ جَلَا و. . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . الْبَيْت (١)
أَيْ: أَنَا ابْنُ رَجُلٍ جَلَا.
٣ - أَوْ صِفَةٍ؛ نَحْوُ: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩].
أَيْ: صَحِيْحَةٍ، أَوْ سَلِيْمَةٍ، أَوْ غَيْرِ مَعِيْبَةٍ.
٤ - أَوْ جَوَابِ شَرْطٍ؛ نَحْوُ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [يس: ٤٥]؛ فَهَذَا شَرْطٌ حُذِفَ جَوَابُهُ؛ أَيْ: (أَعْرَضُوْا).
٥ - أَوْ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ - أَيْ جَوَابَ الشَّرْطِ - شَيْءٌ لَا يُحِيْطُ بِهِ الْوَصْفُ، أَوْ لِتَذْهَبَ نَفْسُ السَّامِعِ كُلَّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ؛ مِثَالُهُمَا: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧]؛ أَيْ: لَرَأَيْتَ (٢) أَمْراً عَظِيْماً شَنِيْعاً؛ فَحُذِفَ جَوَابُ الشَّرْطِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُحِيْطُ بِهِ الْوَصْفُ أَوْ لِتَذْهَبَ نَفْسُ السَّامِعِ كُلَّ مَذْهَبٍ مُمْكِنٍ.
وَالْحَذْفُ عَلَى وَجْهَيْنِ:
١ - أحَدُهُمَا: أَلَّا يُقَامَ شَيْءٌ مُقَامَ الْمَحْذُوْفِ، بَلْ يُكْتَفَى بِالْقَرِيْنَةِ؛ كَمَا مَرَّ فِي الْأَمْثِلَةِ السَّابِقَةِ.
٢ - الثَّانِي: أَنْ يُقَامَ؛ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فاطر: ٤]؛ فَقَوْلُهُ: (فَقَدْ كُذِّبَتْ) لَيْسَ جَزَاءَ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ تَكْذِيْبَ стр. 275
الرُّسُلِ مُتَقَدِّمٌ عَلَى تَكْذِيْبِهِ، بَلْ هُوَ سَبَبٌ لِمَضْمُوْنِ الْجَوَابِ الْمَحْذُوْفِ، أُقِيْمَ مُقَامَهُ؛ أَيْ: (فَلَا تَحْزَنْ، وَاصْبِرْ) (١).
ثُمَّ الْحَذْفُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيْلٍ، وَأَدِلَّتُهُ كَثِيْرَةٌ؛ أَشَارَ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ:
وَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ: أَيْ عَلَى الْحَذْفِ
أَنْوَاعٌ: مُتَعَدِّدَةٌ
وَمِنْهَا الْعَقْلُ: أَيْ مِنْهَا: أَنْ يَدُلَّ الْعَقْلُ عَلَى الْحَذْفِ، وَالْمَقْصُوْدُ الْأَظْهَرُ عَلَى تَعْيِيْنِ الْمَحْذُوْفِ؛ نَحْوُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ ..... ﴾ الآية [المائدة: ٣].
· فَالْعَقْلُ: دَلَّ عَلَى أَنَّ هَهُنَا حَذْفاً؛ إِذِ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ إِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْأَفْعَالِ دُوْنَ الْأَعْيَانِ (٢).
· وَالْمَقْصُوْدُ الْأَظْهَرُ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُوْرَةِ فِي الْآيَةِ: تَنَاوُلُهَا الشَّامِلُ لِلْأَكْلِ وَشُرْبِ الْأَلْبَانِ ... ؛ فَدَلَّ عَلَى تَعْيِيْنِ الْمَحْذُوْفِ (٣). стр. 276
وَمَنْ رَامَ اسْتِيْفَاءَ الْأَدِلَّةِ فَعَلَيْهِ بِالْمُطَوَّلَاتِ (١).
وَالْإِطْنَابُ:
١ - إِمَّا بِالْإِيْضَاحِ بَعْدَ الْإِبْهَامِ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥]؛ فَإِنَّ (اِشْرَحْ لِيْ) يُفِيْدُ طَلَبَ (٢) شَرْحٍ لِشَيْءٍ مَّا لِلطَّالِبِ، وَ (صَدْرِيْ) يُفِيْدُ تَفْسِيْرَ ذَلِكَ الشَّيْءِ.
وَمِنَ الْإِيْضَاحِ بَعْدَ الْإِبْهَامِ التَّوْشِيْعُ؛ وَأَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ:
* * *
٧٤ - وَجَاءَ لِلتَّوْشِيْعِ بِالتَّفْصِيْلِ ... ثَانٍ، وَالِاعْتِرَاضِ، وَالتَّذْيِيْل
وَجَاءَ لِلتَّوْشِيْعِ بِالتَّفْصِيْلِ ثَانٍ: أَيْ جَاءَ الثَّانِيْ - وَهُوَ الْإِطْنَابُ - لِلتَّوْشِيْعِ.
وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: لَفُّ الْقُطْنِ الْمَنْدُوْفِ.
وَفِي الِاصْطِلَاحِ: أَنْ يُؤْتَى فِي عَجُزِ الْكَلَامِ بِمُثَنًّى مُفَسَّرٍ بِاسْمَيْنِ؛ ثَانِيْهِمَا مَعْطُوْفٌ عَلَى الْأَوَّلِ؛ نَحْوُ: «يَشِيْبُ ابْنُ آدَمَ وَيَشِيْبُ (٣) مَعَهُ (٤) خَصْلَتَانِ: الْحِرْصُ، وَطُوْلُ الْأَمَلِ» (٥).
٢ - وَإِمَّا بِذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ: لِلتَّنْبِيْهِ عَلَى فَضِيْلَةِ الْخَاصِّ؛ حَتَّى стр. 277
كَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْعَامِّ؛ نَحْوُ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]؛ أَيِ الْوُسْطَى مِنَ الصَّلَوَاتِ، أَوِ الْفُضْلَى؛ مِنْ قَوْلِهِمْ لِلْأَفْضَلُ: الْأَوْسَطُ. وَهِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ (١). وَمِنْهُ: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ (٢) [البقرة: ٩٨].
٣ - وَإِمَّا بِالتَّكْرَارِ لِنُكْتَةٍ: لِيَكُوْنَ إِطْنَاباً لَا تَطْويْلاً، وَتِلْكَ النُّكْتَةُ؛ كَتَأْكِيْدِ الْإِنْذَارِ فِي: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣ - ٤]؛ فَقَوْلُهُ: (كَلَّا) رَدْعٌ عَنِ الِانْهِمَاكِ فِي الدُّنْيَا وَتَنْبِيْهٌ، وَ (سَوْفَ تَعْلَمُوْنَ) إِنْذَارٌ وَتَخْوِيْفٌ؛ أَيْ: سَوْفَ تَعْلَمُوْنَ الْخَطَأَ فِيْمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ إِذَا عَايَنْتُمْ مَا قُدَّامَكُمْ مِنْ هَوْلِ الْمَحْشَرِ، وَفِيْ تَكْرِيْرِهِ التَّأْكِيْدُ لِلرَّدْعِ وَالْإِنْذَارِ.
٤ - وَإِمَّا بِالْإِيْغَالِ: وَهُوَ خَتْمُ الْبَيْتِ بِمَا يُفِيْدُ نُكْتَةً يَتِمُّ الْمَعْنَى بِدُوْنِهَا (٣)؛ كَزِيَادَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي قَوْلِ الْخَنْسَاءِ (٤): [البسيط]
وَإِنَّ صَخْراً لَتَأْتَمُّ الْهُدَاةُ بِهِ ... كَأَنَّهُ عَلَمٌ فِيْ رَأْسِهِ نَارُ (٥)
فَقَوْلُهَا: (كَأَنَّهُ عَلَمٌ) وَافٍ بِالْمَقْصُودِ؛ أَعْنِي التَّشْبِيْهَ بِمَا يُهْتَدَى بِهِ، إِلَّا أَنَّ فِيْ قَوْلِهَا: (فِيْ رَأْسِهِ نَارُ) زِيَادَةَ مُبَالَغَةٍ (٦). стр. 278
٥ - وَإِمَّا بِالِاعْتِرَاضِ: الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ:
وَالِاعْتِرَاضِ: وَهُوَ أَنْ يُؤْتَى - فِيْ أَثْنَاءِ الْكَلَامِ، أَوْ بَيْنَ كَلَامَيْنِ مُتَّصِلَيْنِ مَعْنًى - بِجُمْلَةٍ أَوْ أَكْثَرَ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ؛ لِنُكْتَةٍ:
١ - كَالتَّنْزِيْهِ: فِيْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النّحل: ٥٧]؛ فَقَوْلُهُ: «سُبْحَانَهُ» جُمْلَةٌ - لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ بِتَقْدِيْرِ الْفِعْلِ - وَقَعَتْ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: «وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُوْنَ» عَطْفٌ/ عَلَى قَوْلِهِ: «لِلهِ الْبَنَاتِ»؛ وَالنُّكْتَةُ فِيْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ تَنْزِيْهُ اللهِ تَعَالَى وَتَقْدِيْسُهُ.
٢ - وَالدُّعَاءِ: كَقَوْلِهِ: [السّريع]
إِنَّ الثَّمَانِيْنَ، وَبُلِّغْتَهَا، ... قَدْ أَحْوَجَتْ سَمْعِيْ إِلَى تُرْجُمَانِ (١)
أَيْ: مُفَسِّرٍ وَمُكَرِّرٍ.
فَقَوْلُهُ: «بُلِّغْتَهَا» اعْتِرَاضٌ فِيْ أَثْنَاءِ الْكَلَامِ؛ لِقَصْدِ الدُّعَاءِ، وَالْوَاوُ فِي مْثِلِه (٢) تُسَمَّى اعْتِرَاضِيَّةً، لَيْسَتْ بِعَاطِفَةٍ، وَلَا حَالِيَّةٍ.
وَ: إِمَّا بِـ
التَّذْيِيْلِ: وَهُوَ تَعْقِيْبُ جُمْلَةٍ بِجُمْلَةٍ تَشْتَمِلُ عَلَى مَعْنَاهَا - أَيْ مَعْنَى стр. 279
الْجُمْلَةِ الْأُوْلَى - لِلتَّوْكِيْدِ، وَهُوَ ضَرْبَانِ:
١ - ضَرْبٌ لَمْ يُخْرَجْ مُخْرَجَ الْمَثَلِ: بِأَنْ لَمْ يَسْتَقِلَّ بِإِفَادَةِ الْمُرَادِ، بَلْ تَوَقَّفَ عَلَى مَا قَبْلَهُ؛ نَحْوُ: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٧] عَلَى وَجْهٍ؛ وَهُوَ أَنْ يُرَادَ (وَهَلْ يُجَازَى ذَلِكَ الْجَزَاءَ الْمَخْصُوْصَ؟ ) فَيَتَعَلَّقَ بِمَا قَبْلَهُ.
٢ - وَضَرْبٌ أُخْرِجَ مُخْرَجَ الْمَثَلِ: بِأَنْ يُقْصَدَ بِالْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ حُكْمٌ كُلِّيٌّ مُنْفَصِلٌ عَمَّا قَبْلَهُ جَارٍ مَجْرَى الْأَمْثَالِ فِي الِاسْتِقْلَالِ وَفُشُوِّ الِاسْتِعْمَالِ؛ نَحْوُ: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ حُكْمٌ كُلِّيٌّ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَا قَبْلَهُ.
قَالَ فِي الْمُطَوَّلِ (١): «وَقَدِ اجْتَمَعَ الضَّرْبَانِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [الأنبياء: ٣٤ - ٣٥].
- فَقَوْلُهُ: «أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُوْنَ؟ » تَذْيَيْلٌ مِنَ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ.
- وَقَوْلُهُ: «كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ» مِنَ الضَّرْبِ الثَّانِي.
فَكُلٌّ مِنْهُمَا تَذْيِيْلٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ». اِنْتَهَى.
وَثَمَّ أَبْحَاثٌ جَلِيْلَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْإِطْنَابِ، فَمَنْ رَامَهَا فَعَلَيْهِ بِالْمُطَوَّلِ (٢)، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَهُنَا انْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى الْفَنِّ الْأَوَّلِ بِعَوْنِ اللهِ وَحُسْنِ تَوْفِيْقِهِ، وَنَسْأَلُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْفَنَّيْنِ الآتِيَيْنِ هِدَايَةَ طَرِيْقِهِ. стр. 280
الْفَنُّ الثَّانِي: عِلْمُ الْبَيَانِ
٧٥ - عِلْمُ الْبَيَانِ مَا بِهِ يُعَرَّفُ ... إِيْرَادُ مَا طُرُقُهُ تَخْتَلِفُ
٧٦ - فِيْ كَوْنِهَا وَاضِحَةَ الدَّلَالَهْ ... فَمَا بِهِ لَازِمُ مَوْضُوْعٍ لَهْ
عِلْمُ الْبَيَانِ: قَدَّمَهُ عَلَى الْبَدِيْعِ لِلِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ فِي نَفْسِ الْبَلَاغَةِ، وَتَعَلُّقِ الْبَدِيْعِ بِالتَّوَابِعِ (١).
مَا: أَيْ عِلْمٌ، أَيْ: مَلَكَةٌ يُقْتَدَرُ بِهَا عَلَى إِدْرَاكَاتٍ جُزْئِيَّةٍ وَ (٢) أُصُوْلٍ وَقَوَاعِدَ مَعْلُوْمَةٍ.
بِهِ يُعَرَّفُ: بِالتَّشْدِيْدِ لِلنَّظْمِ. وَفِي تَقْدِيْمِ الْجَارِّ إِيْمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يُعْلَمُ (٣) - غَالِباً - إِلَّا بِعِلْمِ الْبَيَانِ، وَقَوْلِي: «غَالِباً» مُخْرَجٌ بِهِ الْعَرَبُ الْعَرْبَاءُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مَرْكُوْزٌ فِي طَبَائِعِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَلَّمُوا الْبَيَانَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُوْنَ تَقْدِيْمُ الْجَارِّ لِمُجَرَّدِ الضَّرُوْرَةِ. стр. 281
إِيْرَادُ مَا: أَيْ: مَعْنًى وَاحِدٍ. وَهُوَ (١) مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ الَّذِيْ رُوْعِيَ فِيْهِ الْمُطَابَقَةُ لِمُقْتَضَى الْحَالِ. وَتَقْيِيْدُ الْمَعْنَى بِـ (الْوَاحِدِ)؛ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أُوْرِدَ مَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٌ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْبَيَانِ فِيْ شَيْءٍ.
طُرُقُهُ: أَيْ تَرَاكِيْبُهُ
تَخْتَلِفُ: وَاخْتِلَافُهَا
فِيْ كَوْنِهَا وَاضِحَةَ الدَّلَالَهْ: عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى أَوْ أَوْضَحَ؛ فَالْوَاضِحُ خَفِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَوْضَحِ؛ فَلَا حَاجَةَ إِلَى ذِكْرِ الْخَفَاءِ.
وَتَقْيِيْدُ الِاخْتِلَافِ بِأَنْ يَكُوْنَ وَاضِحَ الدَّلَالَةِ (٢)؛ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّهُ لَوْ أُوْرِدَ الْمَعْنَى الْوَاحِدُ فِيْ طُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي اللَّفْظِ وَالْعِبَارَةِ - دُوْنَ الْوُضُوْحِ وَالْخَفَاءِ، كَأَنْ يُوْرِدَهُ بِأَلْفَاظٍ مُتَرَادِفَةٍ - لَا يَكُوْنُ مِنْ عِلْمِ الْبَيَانِ (٣).
وَدَلَالَةُ اللَّفْظِ:
١ - إِمَّا عَلَى تَمَامِ مَا وُضِعَ لَهُ: كَدَلَالَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى الْحَيَوَانِ النَّاطِقِ.
٢ - أَوْ عَلَى جُزْئِهِ: كَدَلَالَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى الْحَيَوَانِ.
٣ - أَوْ عَلَى خَارِجٍ عَنْهُ: كَدَلَالَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى الضَّاحِكِ.
وَتُسَمَّى:
١ - الْأُوْلَى: أَيِ الدَّلَالَةُ عَلَى مَا وُضِعَ لَهُ = وَضْعِيَّةً؛ لِأَنَّ الْوَاضِعَ стр. 282
إِنَّمَا وَضَعَ اللَّفْظَ لِتَمَامِ الْمَعْنَى (١).
٢ - وَيُسَمَّى كُلٌّ مِنَ الْأَخِيْرَتَيْنِ - أَيِ الدَّلَالَةِ عَلَى الْجُزْءِ أَوِ الْخَارِجِ - عَقْلِيَّةً؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ اللَّفْظِ عَلَى الْجُزْءِ وَالْخَارِجِ إِنَّمَا هِيَ مِنْ جِهَةِ حُكْمِ الْعَقْلِ بِأَنَّ حُصُوْلَ الْكُلِّ أَوِ الْمَلْزُوْمِ يَسْتَلْزِمُ حُصُوْلَ الْجُزْءِ أَوِ اللَّازِمِ (٢).
وَالْمَنْطِقِيُّوْنَ يُسَمُّوْنَ الثَّلَاثَةَ وَضْعِيَّةً؛ بِاعْتِبَارِ أَنَّ لِلْوَضْعِ مَدْخَلاً فِيْهَا، وَيَخُصُّوْنَ الْعَقْلِيَّةَ بِمَا يُقَابِلُ الْوَضْعِيَّةَ وَالطَّبِيْعِيَّةَ؛ كَدَلَالَةِ الدُّخَانِ عَلَى النَّارِ.
وَتُخَصُّ:
١ - الْأُوْلَى: بِالْمُطَابَقَةِ؛ لِتَطَابُقِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى.
٢ - وَالثَّانِيَةُ: بِالتَّضَمُّنِ؛ لِكَوْنِ الْجُزْءِ فِيْ ضِمْنِ الْمَعْنَى الْمَوْضُوْعِ لَهُ.
٣ - وَالثَّالِثَةُ: بِالِالْتِزَامِ؛ لِكَوْنِ الْخَارِجِ لَازِماً لِلْمَوْضُوْعِ لَهُ.
- وَالْإِيْرَادُ الْمَذْكُوْرُ (٣) لَا يَتَأَتَّى بِالْوَضْعِيَّةِ - أَيْ: بِالدَّلَالَةِ الْمُطَابِقِيَّةِ - لِأَنَّ السَّامِعَ إِنْ كَانَ عَالِماً بِوَضْعِ الْأَلْفَاظِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى؛ لَمْ يَكُنْ بَعْضُهَا أَوْضَحَ دَلَالَةً عَلَيْهِ مِنْ بَعْضٍ. وَإِلَّا (٤)؛ لَمْ يَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَلْفَاظِ دَالّاً عَلَيْهِ؛ لِتَوَقُّفِ الْفَهْمِ عَلَى الْعِلْمِ بِالْوَضْعِ.
- وَيَتَأَتَّى الْإِيْرَادُ الْمَذْكُوْرُ بِالْعَقْلِيَّةِ مِنَ الدَّلَالَاتِ؛ لِجَوَازِ أنْ تَخْتَلِفَ مَرَاتِبُ لُزُوْمِ الْأَجْزَاءِ لِلْكُلِّ فِي التَّضَمُّنِ (٥)، وَمَرَاتِبُ لُزُوْمِ اللَّوَازِمِ لِلْمَلْزُوْمِ стр. 283
فِي الِالْتِزَامِ (١).
فَـ: إِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ؛ فَاعْلَمْ أَنَّ
مَا: أَيِ اللَّفْظَ الْمُرَادَ
بِهِ لَازِمُ: مَعْنًى
مَوْضُوْعٍ لَهْ (٢): سَوَاءٌ كَانَ اللَّازِمُ دَاخِلاً (كَمَا فِي التَّضَمُّنِ)، أَوْ خَارِجاً (كَمَا فِي الِالْتِزَامِ)
٧٧ - إِمَّا مَجَازاً مِنْهُ اسْتِعَارَهْ ... تُنْبِيْ عَنِ التَّشْبِيْهِ أَوْ كِنَايَهْ
إِمَّا: أَنْ تَقُوْمَ قَرِيْنَةٌ عَلَى عَدَمِ إِرَادَةِ مَا وُضِعَ لَهُ، وَيُسَمَّى
مَجَازاً (٣): قَدَّمَهُ عَلَى الْكِنَايَةِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ كَجُزْءِ مَعْنَاهَا (٤)؛ لِأَنَّ:
- مَعْنَى الْمَجَازِ: هُوَ اللَّازِمُ فَقَطْ.
- وَمَعْنَى الْكِنَايَةِ: يَجُوْزُ أَنْ يَكُوْنَ هُوَ اللَّازِمَ، وَالْمَلْزُوْمَ جَمِيْعاً.
وَالْجُزْءُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْكُلِّ طَبْعاً (٥). ثُمَّ الْمَجَازُ стр. 284
مِنْهُ اسْتِعَارَهْ: وَهِيَ
تُنْبِيْ عَنِ التَّشْبِيْهِ: الَّذِيْ كَانَ أَصْلَهَا؛ أَيْ: تُخْبِرُ عَنْهُ وَتَدُلُّ عَلَيْهِ؛ فَذُكِرَ الْمُشَبَّهُ بِهِ وَأُرِيْدَ الْمُشَبَّهُ فَصَارَ اسْتِعَارَةً، فَتَعَيَّنَ التَّعَرُّضُ لَهُ أَيْضاً (١) قَبْلَ الْمَجَازِ الَّذِيْ أَحَدُ أَقْسَامِهِ الِاسْتِعَارَةُ.
وَلِكَثْرَةِ فَوَائِدِ التَّشْبِيْهِ لَمْ يُجْعَلْ مُقَدِّمَةً لِلِاسْتِعَارَةِ، وَإِنَّمَا جُعِلَ مَقْصِداً بِرَأْسِهِ، وَقُدِّمَ التَّشْبِيْهُ عَلَى الْمَجَازِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ إِنْبَاءِ الِاسْتِعَارَةِ - الَّتِي هِيَ مَجَازٌ - عَنْهُ (٢).
أَوْ كِنَايَهْ: عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: (إِمَّا مَجَازاً).
فَانْحَصَرَ الْمَقْصُوْدُ مِنْ عِلْمِ البَيَانِ فِي:
١ - التَّشْبِيْهِ.
٢ - وَالْمَجَازِ.
٣ - وَالْكِنَايَةِ.
* * * стр. 285
الْمَقْصِدُ الْأَوَّلُ: (التَّشْبِيْهُ)
وَهُوَ: الدَّلَالَةُ عَلَى مُشَارَكَةِ أَمْرٍ لِآخَرَ فِيْ مَعْنًى (١). وَلَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ:
١ - الِاسْتِعَارَةِ التَّحْقِيْقِيَّةِ (٢): وَهِيَ ذِكْرُ الْمُشَبَّهِ بِهِ وَإِرَادَةُ الْمُشَبَّهِ؛ نَحْوُ: (رَأَيْتُ أَسَداً فِي الْحَمَّامِ).
٢ - وَلَا الِاسْتِعَارَةِ بِالْكِنَايَةِ: وَهِيَ ذِكْرُ الْمُشَبَّهِ وَإِرَادَةُ الْمُشَبَّهِ بِهِ؛ نَحْوُ: (أَنْشَبَتِ الْمَنِيَّةُ أَظْفَارَهَا).
٣ - وَلَا التَّجْرِيْدِ: نَحْوُ: (لَقِيْتُ بِزَيْدٍ أَسَداً) و (لَقِيَنِيْ مِنْهُ أَسَدٌ). وَسَيَأْتِيْ بَيَانُهُ فِيْ عِلْمِ الْبَدِيْعِ. فَدَخَلَ فِيْهِ مَا يُسَمَّى تَشْبِيْهاً بِلِا خِلَافٍ؛ وَهُوَ:
- مَا دَخَلَ فِيْهِ أَدَاةُ التَّشْبِيْهِ؛ كَقَوْلِنَا: (زَيْدٌ كَالْأَسَدِ).
- وَنَحْوِ: (زَيْدٌ أَسَدٌ) بِحَذْفِ أَدَاةِ التَّشْبِيْهِ.
- وَنحْوِ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] بِحَذْفِ الْأَدَاةِ وَالْمُشَبَّهِ. أَيْ: هُمْ صُمٌّ.
ثُمَّ النَّظَرُ فِيْ أَرْكَانِهِ؛ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: следующие страницы →