← Баляга

Баляга · id 147320

درر الفرائد المستحسنة في شرح منظومة ابن الشحنة

ابن عبد الحق العمري

Полный текст (486 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

إِيْرَادُ مَا: أَيْ: مَعْنًى وَاحِدٍ. وَهُوَ (١) مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ الَّذِيْ رُوْعِيَ فِيْهِ الْمُطَابَقَةُ لِمُقْتَضَى الْحَالِ. وَتَقْيِيْدُ الْمَعْنَى بِـ (الْوَاحِدِ)؛ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أُوْرِدَ مَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٌ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْبَيَانِ فِيْ شَيْءٍ. طُرُقُهُ: أَيْ تَرَاكِيْبُهُ تَخْتَلِفُ: وَاخْتِلَافُهَا فِيْ كَوْنِهَا وَاضِحَةَ الدَّلَالَهْ: عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى أَوْ أَوْضَحَ؛ فَالْوَاضِحُ خَفِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَوْضَحِ؛ فَلَا حَاجَةَ إِلَى ذِكْرِ الْخَفَاءِ. وَتَقْيِيْدُ الِاخْتِلَافِ بِأَنْ يَكُوْنَ وَاضِحَ الدَّلَالَةِ (٢)؛ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّهُ لَوْ أُوْرِدَ الْمَعْنَى الْوَاحِدُ فِيْ طُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي اللَّفْظِ وَالْعِبَارَةِ - دُوْنَ الْوُضُوْحِ وَالْخَفَاءِ، كَأَنْ يُوْرِدَهُ بِأَلْفَاظٍ مُتَرَادِفَةٍ - لَا يَكُوْنُ مِنْ عِلْمِ الْبَيَانِ (٣). وَدَلَالَةُ اللَّفْظِ: ١ - إِمَّا عَلَى تَمَامِ مَا وُضِعَ لَهُ: كَدَلَالَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى الْحَيَوَانِ النَّاطِقِ. ٢ - أَوْ عَلَى جُزْئِهِ: كَدَلَالَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى الْحَيَوَانِ. ٣ - أَوْ عَلَى خَارِجٍ عَنْهُ: كَدَلَالَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى الضَّاحِكِ. وَتُسَمَّى: ١ - الْأُوْلَى: أَيِ الدَّلَالَةُ عَلَى مَا وُضِعَ لَهُ = وَضْعِيَّةً؛ لِأَنَّ الْوَاضِعَ

стр. 282

إِنَّمَا وَضَعَ اللَّفْظَ لِتَمَامِ الْمَعْنَى (١). ٢ - وَيُسَمَّى كُلٌّ مِنَ الْأَخِيْرَتَيْنِ - أَيِ الدَّلَالَةِ عَلَى الْجُزْءِ أَوِ الْخَارِجِ - عَقْلِيَّةً؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ اللَّفْظِ عَلَى الْجُزْءِ وَالْخَارِجِ إِنَّمَا هِيَ مِنْ جِهَةِ حُكْمِ الْعَقْلِ بِأَنَّ حُصُوْلَ الْكُلِّ أَوِ الْمَلْزُوْمِ يَسْتَلْزِمُ حُصُوْلَ الْجُزْءِ أَوِ اللَّازِمِ (٢). وَالْمَنْطِقِيُّوْنَ يُسَمُّوْنَ الثَّلَاثَةَ وَضْعِيَّةً؛ بِاعْتِبَارِ أَنَّ لِلْوَضْعِ مَدْخَلاً فِيْهَا، وَيَخُصُّوْنَ الْعَقْلِيَّةَ بِمَا يُقَابِلُ الْوَضْعِيَّةَ وَالطَّبِيْعِيَّةَ؛ كَدَلَالَةِ الدُّخَانِ عَلَى النَّارِ. وَتُخَصُّ: ١ - الْأُوْلَى: بِالْمُطَابَقَةِ؛ لِتَطَابُقِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى. ٢ - وَالثَّانِيَةُ: بِالتَّضَمُّنِ؛ لِكَوْنِ الْجُزْءِ فِيْ ضِمْنِ الْمَعْنَى الْمَوْضُوْعِ لَهُ. ٣ - وَالثَّالِثَةُ: بِالِالْتِزَامِ؛ لِكَوْنِ الْخَارِجِ لَازِماً لِلْمَوْضُوْعِ لَهُ. - وَالْإِيْرَادُ الْمَذْكُوْرُ (٣) لَا يَتَأَتَّى بِالْوَضْعِيَّةِ - أَيْ: بِالدَّلَالَةِ الْمُطَابِقِيَّةِ - لِأَنَّ السَّامِعَ إِنْ كَانَ عَالِماً بِوَضْعِ الْأَلْفَاظِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى؛ لَمْ يَكُنْ بَعْضُهَا أَوْضَحَ دَلَالَةً عَلَيْهِ مِنْ بَعْضٍ. وَإِلَّا (٤)؛ لَمْ يَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَلْفَاظِ دَالّاً عَلَيْهِ؛ لِتَوَقُّفِ الْفَهْمِ عَلَى الْعِلْمِ بِالْوَضْعِ. - وَيَتَأَتَّى الْإِيْرَادُ الْمَذْكُوْرُ بِالْعَقْلِيَّةِ مِنَ الدَّلَالَاتِ؛ لِجَوَازِ أنْ تَخْتَلِفَ مَرَاتِبُ لُزُوْمِ الْأَجْزَاءِ لِلْكُلِّ فِي التَّضَمُّنِ (٥)، وَمَرَاتِبُ لُزُوْمِ اللَّوَازِمِ لِلْمَلْزُوْمِ

стр. 283

فِي الِالْتِزَامِ (١). فَـ: إِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ؛ فَاعْلَمْ أَنَّ مَا: أَيِ اللَّفْظَ الْمُرَادَ بِهِ لَازِمُ: مَعْنًى مَوْضُوْعٍ لَهْ (٢): سَوَاءٌ كَانَ اللَّازِمُ دَاخِلاً (كَمَا فِي التَّضَمُّنِ)، أَوْ خَارِجاً (كَمَا فِي الِالْتِزَامِ) ٧٧ - إِمَّا مَجَازاً مِنْهُ اسْتِعَارَهْ ... تُنْبِيْ عَنِ التَّشْبِيْهِ أَوْ كِنَايَهْ إِمَّا: أَنْ تَقُوْمَ قَرِيْنَةٌ عَلَى عَدَمِ إِرَادَةِ مَا وُضِعَ لَهُ، وَيُسَمَّى مَجَازاً (٣): قَدَّمَهُ عَلَى الْكِنَايَةِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ كَجُزْءِ مَعْنَاهَا (٤)؛ لِأَنَّ: - مَعْنَى الْمَجَازِ: هُوَ اللَّازِمُ فَقَطْ. - وَمَعْنَى الْكِنَايَةِ: يَجُوْزُ أَنْ يَكُوْنَ هُوَ اللَّازِمَ، وَالْمَلْزُوْمَ جَمِيْعاً. وَالْجُزْءُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْكُلِّ طَبْعاً (٥). ثُمَّ الْمَجَازُ

стр. 284

مِنْهُ اسْتِعَارَهْ: وَهِيَ تُنْبِيْ عَنِ التَّشْبِيْهِ: الَّذِيْ كَانَ أَصْلَهَا؛ أَيْ: تُخْبِرُ عَنْهُ وَتَدُلُّ عَلَيْهِ؛ فَذُكِرَ الْمُشَبَّهُ بِهِ وَأُرِيْدَ الْمُشَبَّهُ فَصَارَ اسْتِعَارَةً، فَتَعَيَّنَ التَّعَرُّضُ لَهُ أَيْضاً (١) قَبْلَ الْمَجَازِ الَّذِيْ أَحَدُ أَقْسَامِهِ الِاسْتِعَارَةُ. وَلِكَثْرَةِ فَوَائِدِ التَّشْبِيْهِ لَمْ يُجْعَلْ مُقَدِّمَةً لِلِاسْتِعَارَةِ، وَإِنَّمَا جُعِلَ مَقْصِداً بِرَأْسِهِ، وَقُدِّمَ التَّشْبِيْهُ عَلَى الْمَجَازِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ إِنْبَاءِ الِاسْتِعَارَةِ - الَّتِي هِيَ مَجَازٌ - عَنْهُ (٢). أَوْ كِنَايَهْ: عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: (إِمَّا مَجَازاً). فَانْحَصَرَ الْمَقْصُوْدُ مِنْ عِلْمِ البَيَانِ فِي: ١ - التَّشْبِيْهِ. ٢ - وَالْمَجَازِ. ٣ - وَالْكِنَايَةِ. * * *

стр. 285

الْمَقْصِدُ الْأَوَّلُ: (التَّشْبِيْهُ) وَهُوَ: الدَّلَالَةُ عَلَى مُشَارَكَةِ أَمْرٍ لِآخَرَ فِيْ مَعْنًى (١). وَلَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ: ١ - الِاسْتِعَارَةِ التَّحْقِيْقِيَّةِ (٢): وَهِيَ ذِكْرُ الْمُشَبَّهِ بِهِ وَإِرَادَةُ الْمُشَبَّهِ؛ نَحْوُ: (رَأَيْتُ أَسَداً فِي الْحَمَّامِ). ٢ - وَلَا الِاسْتِعَارَةِ بِالْكِنَايَةِ: وَهِيَ ذِكْرُ الْمُشَبَّهِ وَإِرَادَةُ الْمُشَبَّهِ بِهِ؛ نَحْوُ: (أَنْشَبَتِ الْمَنِيَّةُ أَظْفَارَهَا). ٣ - وَلَا التَّجْرِيْدِ: نَحْوُ: (لَقِيْتُ بِزَيْدٍ أَسَداً) و (لَقِيَنِيْ مِنْهُ أَسَدٌ). وَسَيَأْتِيْ بَيَانُهُ فِيْ عِلْمِ الْبَدِيْعِ. فَدَخَلَ فِيْهِ مَا يُسَمَّى تَشْبِيْهاً بِلِا خِلَافٍ؛ وَهُوَ: - مَا دَخَلَ فِيْهِ أَدَاةُ التَّشْبِيْهِ؛ كَقَوْلِنَا: (زَيْدٌ كَالْأَسَدِ). - وَنَحْوِ: (زَيْدٌ أَسَدٌ) بِحَذْفِ أَدَاةِ التَّشْبِيْهِ. - وَنحْوِ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] بِحَذْفِ الْأَدَاةِ وَالْمُشَبَّهِ. أَيْ: هُمْ صُمٌّ. ثُمَّ النَّظَرُ فِيْ أَرْكَانِهِ؛ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ:

стр. 286

١ - طَرَفَاهُ. ٢ - وَوَجْهُهُ. ٣ - وَأَدَاتُهُ. ٤ - وَالْغَرَضُ مِنْهُ. وَفِيْ تَقْسِيْمِهِ بِهَذِهِ الِاعْتِبَارَاتِ. (١) وَلَمَّا كَانَ الطَّرَفَانِ هُمَا الْأَصْلَ وَالْعُمْدَةَ فِي التَّشْبِيْهِ؛ لِكَوْنِ الْوَجْهِ مَعْنًى قَائِماً بِهِمَا، وَالْأَدَاةِ آلَةً فِيْ ذَلِكَ قَدَّمَ بَحْثَهُمَا فَقَالَ: * * * ٧٨ - وَطَرَفَا التَّشْبِيْهِ حِسِّيَّانِ ... وَلَوْ خَيَالِيّاً، وَعَقْلِيَّان وَطَرَفَا (٢) التَّشْبِيْهِ: أَيِ الْمُشَبَّهُ وَالْمُشَبَّهُ بِهِ، إِمَّا حِسِّيَّانِ: أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا حِسِّيٌّ. وَالْمُرَادُ بِالْحِسِّيِّ: الْمُدْرَكُ هُوَ - أَوْ مَادَّتُهُ - بِإِحْدَى الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ الظَّاهِرَةِ الَّتِيْ هِيَ: (الْبَصَرُ، وَالسَّمْعُ، وَالشَّمُّ، وَالذَّوْقُ، وَاللَّمْسُ). فَالْأَوَّلُ: كَتَشْبِيْهِ الْخَدِّ بِالْوَرْدِ. وَالثَّانِي: كَتَشْبِيْهِ الصَّوْتِ الضَّعِيْفِ بِالْهَمْسِ؛ دَلَالَةً عَلَى غَايَةِ ضَعْفِهِ؛ حَتَّى كَأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ فَضَاءِ الْفَمِ، كَمَا أَنَّ الْهَمْسَ كَذَلِكَ.

стр. 287

وَالثَّالِثُ: كَتَشْبِيْهِ النَّكْهَةِ بِالْعَنْبَرِ؛ فِيْ طِيْبِ الرَّائِحَةِ (١). وَالرَّابِعُ: كَتَشْبِيْهِ الرِّيْقِ بِالْخَمْرِ؛ فِي اللَّذَّةِ، أَوْ فِيْ إِزَالَةِ عَقْلِ الشَّارِبِ. وَالْخَامِسُ: كَتَشْبِيْهِ الْجِلْدِ النَّاعِمِ بِالحَرِيْرِ؛ فِيْ لِيْنِ اللَّمْسِ. وَدَخَلَ فِي الْحِسِّيِّ - بِزِيَادَةِ قَوْلِهِمْ: «أَوْ مَادَّتُهُ» - الْخَيَالِيُّ (٢)؛ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَلَوْ خَيَالِيّاً (٣): وَهُوَ الْمَعْدُوْمُ الَّذِيْ فُرِضَ مُجْتَمِعاً مِنْ أُمُوْرٍ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا مِمَّا يُدْرَكُ بِالْحِسِّ؛ كَمَا (٤) فِيْ قَوْلِهِ: [مجزوء الكامل] وَكَأَنَّ مُحْمَرَّ الشَّقِيْـ ... ـقِ إِذَا تَصَوَّبَ أَوْ تَصَعَّدْ أَعْلَامُ يَاقُوْتٍ نُشِرْ ... نَ عَلَى رِمَاحٍ مِنْ زَبَرْجَدْ (٥) فَإِنَّ كُلّاً مِنَ (الْعَلَمِ، وَالْيَاقُوْتِ) وَ (الرُّمْحِ، وَالزَّبَرْجَدِ) مَحْسُوْسٌ، لَكِنِ الْمُرَكَّبُ الَّذِيْ هَذِهِ الْأُمُوْرُ مَادَّتُهُ لَيْسَ بِمَحْسُوْسٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْجُوْدٍ؛ وَالْحِسُّ لَا يُدْرِكُ إِلَّا مَا هُوَ مَوْجُوْدٌ فِي الْمَادَّةِ، حَاضِرٌ عِنْدَ الْمُدْرِكِ عَلَى هَيْئَةٍ مَخْصُوْصَةٍ. وَ: إِمَّا

стр. 288

عَقْلِيَّانِ: وَهُوَ مَا عَدَا ذَلِكَ؛ أَيْ مَا لَا يَكُوْنُ هُوَ وَلَا مَادَّتُهُ مُدْرَكاً بِإِحْدَى الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ الظَّاهِرَةِ؛ كَمَا فِيْ تَشْبِيْهِ (الْعِلْمِ بِالْحَيَاةِ)، وَوَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَهُمَا كَوْنُهُمَا جِهَتَيْ إِدْرَاكٍ. * * * ٧٩ - وَمِنْهُ بِالْوَهْمِ، وَبِالْوِجْدَانِ ... أَوْ فِيْهِمَا تَخْتَلِفُ الْجُزْآن وَمِنْهُ: أَيْ مِنَ الْعَقْلِيِّ «الْوَهْمِيُّ»: وَهُوَ مَا يُدْرَكُ بِالْوَهْمِ: الَّذِيْ لَا يَكُوْنُ لِلْحِسِّ مُدْخَلٌ فِيْهِ (١)، مَعَ أَنَّهُ (لَوْ أُدْرِكَ لَمْ يُدْرَكْ إِلَّا بِهَا). وَبِهَذَا الْقَيْدِ يَتَمَيَّزُ عَنِ الْعَقْلِيِّ؛ كَمَا فِيْ قَوْلِهِ: [الطّويل] أَيَقْتُلُنِيْ، وَالْمَشْرَفِيُّ مُضَاجِعِيْ ... وَمَسْنُوْنَةٌ زُرْقٌ كَأَنْيَابِ أَغْوَالِ! (٢) أَيْ: أَيَقْتُلُنِيْ ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِيْ يُوْعِدُنِيْ، وَالْحَالُ أَنَّ مُضَاجِعِيْ سَيْفٌ

стр. 289

مَنْسُوْبٌ إِلَى مَشَارِفِ الْيَمَنِ، وَسِهَامٌ مُحَدَّدَةُ النِّصَالِ صَافِيَةٌ مَجْلُوَّةٌ؟ ! (١) وَأَنْيَابُ الْأَغْوَالِ مِمَّا لَا يُدْرِكُهُ الْحِسُّ؛ لِعَدَمِ تَحَقُّقِهَا، مَعَ أَنَّهَا لَوْ أُدْرِكَتْ لَمْ تُدْرَكْ إِلَّا بِحِسِّ الْبَصَرِ. وَ: كَذَا مِنَ الْعَقْلِيِّ مَا يُدْرَكُ بِالْوِجْدَانِ: أَيْ مَا يُدْرَكُ بِالْقُوَى الْبَاطِنَةِ، وَيُسَمَّى «وِجْدَانِيَّاتٍ»؛ كَاللَّذَّةِ وَالْأَلَمِ الْحِسِّيَّيْنِ، وَالْجُوْعِ، وَالشَّبَعِ، وَالْفَرَحِ، وَالغَمِّ، وَالْغَضَبِ (٢)، وَالْخَوْفِ، وَمَا شَاكَلَ ذَلِكَ (٣). أَوْ فِيْهِمَا: أَيْ فِيْ طَرَفَي التَّشْبِيْهِ تخْتَلِفُ الْجُزْآنِ: بِأَنْ يَكُوْنَ الْمُشَبَّهُ عَقْلِيّاً وَالْمُشَبَّهُ بِهِ حِسِّيّاً؛ كَتَشْبِيْهِ

стр. 290

(الْمَنِيَّةِ بِالسَّبُعِ)، أَوْ يَكُوْنَ الْمُشَبَّهُ حِسِّيّاً وَالْمُشَبَّهُ بِهِ عَقْلِيّاً؛ كَتَشْبِيْهِ (الْعِطْرِ بِخُلُقٍ كَرِيْمٍ). وَقَوْلُ الشَّارِحِ (١): «وَقِيْلَ: إِنَّ تَشْبِيْهَ الْمَحْسُوْسِ بِالْمَعْقُوْلِ غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّ الْعُلُوْمَ الْعَقْلِيَّةَ مُسْتَفَادَةٌ مِنَ الْحَوَاسِّ، وَمُنْتَهِيَةٌ إِلَيْهَا». قَدْ أَشَارَ فِي الْمُخْتَصَرِ (٢) إِلَى جَوَابِهِ بِقَوْلِهِ: «وَالْوَجْهُ فِيْ تَشْبِيْهِ الْمَحْسُوْسِ بِالْمَعْقُولِ أَنْ يُقَدَّرَ الْمَعْقُوْلُ مَحْسُوْساً، وَيُجْعَلَ كَالْأَصْلِ لِذَلِكَ الْمَحْسُوْسِ عَلَى طَرِيْقِ الْمُبَالَغَةِ، وَإِلَّا فَالْمَحْسُوْسُ أَصْلٌ لِلْمَعْقُوْلِ؛ لِأَنَّ الْعُلُوْمَ الْعَقْلِيَّةَ مُسْتَفَادَةٌ مِنَ الْحَوَاسِّ وَمُنْتَهِيَةٌ إِلَيْهَا، فَتَشْبِيْهُهُ بِالْمَعْقُوْلِ؛ أَيْ قَبْلَ تَقْدِيْرِ الْمَعْقُوْلِ مَحْسُوْساً يَكُوْنُ جَعْلاً لِلْفَرْعِ أَصْلاً، وَالْأَصْلِ فَرْعاً». * * * ٨٠ - وَوَجْهُهُ مَا اشْتَرَكَا فِيْهِ وَجَا ... ذَا فِيْ حَقِيْقَتَيْهِمَا، وَخَارِجَا وَ: أَمَّا وَجْهُهُ: أَيْ؛ وَجْهُ التَّشْبِيْهِ. مَا: أَيْ؛ مَعْنًى. اشْتَرَكَا: أَيْ؛ الطَّرَفَانِ. فِيْهِ: أَيْ فِي الْمَعْنَى الَّذِيْ قُصِدَ اشْتِرَاكُ الطَّرَفَيْنِ فِيْهِ. وَالْمُرَادُ: الْمَعْنَى الَّذِيْ لَهُ زِيَادَةُ اخْتِصَاصٍ بِهِمَا، وَقُصِدَ بَيَانُ اشْتِرَاكِهِمَا فِيْهِ. وَلِهَذَا قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَاهِرِ (٣): التَّشْبِيْهُ الدَّلَالَةُ عَلَى اشْتِرَاكِ شَيْئَيْنِ

стр. 291

فِيْ وَصْفٍ هُوَ مِنْ أَوْصَافِ شَيْءٍ فِيْ نَفْسِهِ خَاصَّةً؛ كَالشَّجَاعَةِ فِي الْأَسَدِ، وَالنُّوْرِ فِي الشَّمْسِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ زَيْداً وَالْأَسَدَ يَشْتَرِكَانِ فِي كَثِيْرٍ مِنَ الذَّاتِيَّاتِ وَغَيْرِهَا؛ كَالْحَيَوَانِيَّةِ، وَالْجِسْمِيَّةِ، وَالْوُجُوْدِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، مَعَ أَنَّ شَيْئاً مِنْهَا لَيْسَ وَجْهَ الشَّبَهِ. وَذَلِكَ الِاشْتِرَاكُ يَكُوْنُ تَحْقِيْقاً أَوْ تَخْيِيْلاً: وَالْمُرَادُ بِالتَّخْيِيْلِ: أَلَّا يُوْجَدَ ذَلِكَ الْمَعْنَى (فِيْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ) أَوْ (فِيْ كِلَيْهِمَا) إِلَّا عَلَى سَبِيْلِ التَّخْيِيْلِ وَالتَّأْوِيْلِ؛ كَمَا فِيْ قَوْلِ الْقَاضِي التَّنُوْخِيِّ (١): [الخفيف] وَكَأَنَّ النُّجُوْمَ بَيْنَ دُجَاهُ ... سُنَنٌ لَاحَ بَيْنَهُنَّ ابْتِدَاعُ (٢) فَإِنَّ وَجْهَ الشَّبَهِ فِيْهِ: (هُوَ الْهَيْئَةُ الْحَاصِلَةُ مِنْ حُصُوْلِ أَشْيَاءَ مُشْرِقَةٍ فِيْ جَوَانِبِ شَيْءٍ مُظْلِمٍ أَسْوَدَ)؛ فَهِيَ غَيْرُ مَوْجُوْدَةٍ فِي الْمُشَبَّهِ بِهِ إِلَّا عَلَى طَرِيْقِ التَّخْيِيْلِ (٣). وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتِ الْبِدْعَةُ وَالضَّلَالَةُ وَكُلُّ مَا هُوَ جَهْلٌ تَجْعَلُ

стр. 292

صَاحِبَهَا فِيْ حُكْمِ مَنْ مَشَى فِي الظُّلْمَةِ، فَلَا يَهْتَدِيْ إِلَى الطَّرِيْقِ، وَلَا يَفْصِلُ الشَّيْءَ مِنْ غَيْرِهِ، فَلَا يَأْمَنُ أَنْ يَتَرَدَّى فِيْ مَهْوَاةٍ، أَوْ يَعْثُرَ عَلَى قَاتِلٍ = شُبِّهَتْ بِالظُّلْمَةِ، وَلَزِمَ عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ أَنْ تُشَبَّهَ السُّنَّةُ وَالْهُدَى وَكُلُّ مَا هُوَ عِلْمٌ بِالنُّوْرِ، وَقَدْ شَاعَ ذَلِكَ (١) حَتَّى وُصِفَ: ١ - الصِّنْفُ الْأَوَّلُ: بِالسَّوَادِ؛ كَمَا فِي قَوْلِ الْقَائِلِ: (شَاهَدْتُ سَوَادَ الْكُفْرِ مِنْ (٢) جَبِيْنِ فُلَانٍ). ٢ - [وَالصِّنْفُ الثَّانِيْ] (٣): بِالْبَيَاضِ؛ كَمَا فِيْ قَوْلِهِ ﵊ (٤) -: «أَتَيْتُكُمْ بِالْحَنِيْفِيَّةِ [الْبَيْضَاءِ]» (٥). -[وَإِذَا عُلِمَ] (٦) أَنَّ وَجْهَ التَّشْبِيْهِ مَا يَشْتَرِكُ فِيْهِ [الطَّرَفَانِ؛ عُلِمَ] (٧) فَسَادُ جَعْلِهِ فِيْ قَوْلِ الْقَائِلِ: «النَّحْوُ فِي الْكَلَامِ كَالْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ»؛ (كَوْنَ الْقَلِيْلِ مُصْلِحاً وَالْكَثِيْرِ مُفْسِداً)؛ لِأَنَّ الْقِلَّةَ وَالْكَثْرَةَ إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ جَرَيَانُهَا: فِي الْمِلْحِ: وَذَلِكَ أَنْ تَجْعَلَ مِنْهُ فِي الطَّعَامِ الْقَدْرَ الْمُصْلِحَ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ. دُوْنَ النَّحْوِ: فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ مِنْ حُكْمِهِ رَفْعُ الْفَاعِلِ وَنَصْبُ الْمَفْعُوْلِ، مَثَلاً، فَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ فَقَدْ حَصَلَ النَّحْوُ فِيْهِ، وَانْتَفَى الْفَسَادُ عَنْهُ، وَصَارَ مُنْتَفَعاً بِهِ فِيْ فَهْمِ الْمُرَادِ مِنْهُ. وَإِلَّا، لَمْ يَحْصُلْ، وَكَانَ فَاسِداً، لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ.

стр. 293

فَالْوَجْهُ فِيْهِ: (كَوْنُ الِاسْتِعْمَالِ مُصْلِحاً وَالْإِهْمَالِ مُفْسِداً)؛ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِيْ ذَلِكَ (١). وَجَا: بِالْقَصْرِ؛ لِلضَّرُوْرَةِ ذَا: أَيْ وَجْهُ التَّشْبِيْهِ غَيْرَ خَارِجٍ عَنْ حَقِيْقَةِ الطَّرَفَيْنِ؛ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: فِيْ حَقِيْقَتَيْهِمَا (٢): أَيْ حَقِيْقَةِ الطَّرَفَيْنِ؛ إِمَّا: - تَمَامُ حَقِيْقَتَيْهِمَا: كَمَا فِيْ تَشْبِيْهِ (إِنْسَانٍ بِإِنْسَانٍ فِيْ كَوْنِهِ إِنْسَاناً) (٣). - أَوْ جُزْؤُهَا: كَمَا فِيْ تَشْبِيْهِ (بَعْضِ الْحَيَوَانَاتِ الْعُجْمِ بِالْإِنْسَانِ فِيْ كَوْنِهِ حَيَوَاناً) (٤). وَ: جَاءَ وَجْهُ الشَّبَهِ خَارِجَا: عَنْ حَقِيْقَةِ الطَّرَفَيْنِ

стр. 294

٨١ - وَصْفاً فَحِسِّيٌّ: وَعَقْلِيٌّ وَذَا ... وَاحِدٌ أَوْ فِيْ حُكْمِهِ، أَوْ لَا كَذَا وَصْفاً: أَيْ صِفَةً، وَتِلْكَ الصِّفَةُ: إِمَّا حَقِيْقِيَّةٌ (١)، أَوْ إِضَافِيَّةٌ (٢). - وَالْحَقِيْقِيَّةُ: إِمَّا: ١ - حِسِّيَّةٌ (٣). ٢ - أَوْ عَقْلِيَّةٌ (٤). فَالْحِسِّيَّةُ الْمُشَارُ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ: فَحِسِّيٌّ: أَيْ مُدْرَكٌ بِالْحِسِّ؛ كَالْكَيْفِيَّاتِ الْجِسْمِيَّةِ؛ مِمَّا يُدْرَكُ: ١ - بِالْبَصَرِ: مِنَ الْأَلْوَانِ، وَالْأَشْكَالِ، وَالْمَقَادِيْرِ، وَالْحَرَكَاتِ، وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا؛ كَالْحُسْنِ، وَالْقُبْحِ (٥)، وَالضَّحِكِ، وَالْبُكَاءِ (٦). ٢ - أَوْ بِالسَّمْعِ مِنَ الْأَصْوَاتِ الضَّعِيْفَةِ، وَالْقَوِيَّةِ، وَالَّتِيْ بَيْنَ بَيْنَ. ٣ - أَوْ بِالذَّوْقِ مِنَ الطُّعُوْمِ. ٤ - أَوْ بِالشَّمِّ مِنَ الرَّوَائِحِ. ٥ - أَوْ بِاللَّمْسِ مِنَ الْحَرَارَةِ وَالْبُرُوْدَةِ وَنَحْوِها. وَالْعَقْلِيَّةُ الْمُشَارُ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ: وَعَقْلِيٌّ: كَالْكَيْفِيَّاتِ النَّفْسَانِيَّةِ؛ مِنَ الذَّكَاءِ، وَالتَّيَقُّظِ، وَالْمَعْرِفَةِ،

стр. 295

وَالْعِلْمِ، وَالْقُدْرَةِ، وَالْكَرَمِ، وَالسَّخَاءِ، وَالْحِلْمِ، وَالْغَضَبِ، وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا مِنَ الْغَرَائِزَ وَالْأَخْلَاقِ. · وَالْإِضَافِيَّةُ: كَـ (إِزَالَةِ الْحِجَابِ) فِيْ تَشْبِيْهِ الْحُجَّةِ بِالشَّمْسِ (١). ثُمَّ ذَكَرَ تَقْسِيْماً آخَرَ لِوَجْهِ التَّشْبِيْهِ (٢)؛ فَقَالَ: وَذَا: أَيْ وَجْهُ الشَّبَهِ إِمَّا وَاحِدٌ أَوْ فِيْ حُكْمِهِ: أَيْ فِيْ حُكْمِ الْوَاحِدِ، نُزِّلَ مَنْزِلَتَهُ؛ لِكَوْنِهِ مُرَكَّباً مِنْ أَمْرَيْنِ أَوْ أُمُوْرٍ مُتَعَدِّدَةٍ (٣). وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (٤): (حِسِّيٌّ)، أَوْ (عَقْلِيٌّ). أَوْ لَا كَذَا: عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: «وَاحِدٌ أَوْ فِيْ حُكْمِهِ». أَيْ: لَا يَكُوْنُ

стр. 296

وَاحِداً وَلَا فِيْ حُكْمِ الْوَاحِدِ؛ بِأَنْ يَكُوْنَ مُتَعَدِّداً (١). وَهُوَ: (حِسِّيٌّ)، أَوْ (عَقْلِيٌّ)، أَوْ (مُخْتَلِفٌ)؛ أَيْ: بَعْضُهُ حِسِّيٌّ وَبَعْضُهُ عَقْلِيٌّ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ وَجْهَ التَّشْبِيْهِ، إِمَّا: - وَاحِدٌ. - أَوْ مُرَكَّبٌ. - أَوْ مُتَعَدِّدٌ. وَكُلٌّ مِنَ الْوَاحِدِ وَالْمُرَكَّبِ (٢) إِمَّا حِسِّيٌّ أَوْ عَقْلِيٌّ، وَالْمُتَعَدِّدُ إِمَّا حِسِّيٌّ أَوْ عَقْلِيٌّ أَوْ مُخْتَلِفٌ، فَتَصِيْرُ الْأَقْسَامُ سَبْعَةً (٣). وَكُلٌّ مِنْهَا إِمَّا طَرَفَاهُ حِسِّيَّانِ أَوْ عَقْلِيَّانِ، أَوِ الْمُشَبَّهُ حِسِّيٌّ وَالْمُشَبَّهُ بِهِ عَقْلِيٌّ، أَوْ بِالْعَكْسِ، فَتَصِيْرُ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِيْنَ، لَكِنْ وُجُوْبُ كَوْنِ طَرَفَيِ الْحِسِّيِّ حِسِّيَّيْنِ أَسْقَطَ اثْنَيْ عَشَرَ قِسْماً، فَبَقِيَ سِتَّةَ عَشَرَ قِسْماً. - الْوَاحِدُ الحِسِّيُّ: كَالْحُمْرَةِ، وَالْخَفَاءِ، وَطِيْبِ الرَّائِحَةِ، وَلَذَّةِ الطَّعْمِ، وَلِيْنِ الْمَلْمَسِ ... ؛ فِيْ تَشْبِيْهِ الْخَدِّ بِالْوَرْدِ، وَالصَّوْتِ الضَّعِيْفِ بِالْهَمْسِ، وَالنَّكْهَةِ بِالْعَنْبَرِ (٤)، وَالرِّيْقِ بِالْخَمْرِ، وَالْجِلْدِ النَّاعِمِ بِالْحَرِيْرِ.

стр. 297

- وَالْوَاحِدُ الْعَقْلِيُّ: كَالْعَرَاءِ عَنِ الْفَائِدَةِ، وَالْجُرْأَةِ، وَالْهِدَايَةِ، وَاسْتِطَابَةِ النَّفْسِ ... ؛ فِيْ تَشْبِيْهِ الشَّيْءِ الْعَدِيْمِ النَّفْعِ بِعَدَمِهِ، فِيْمَا طَرَفَاهُ عَقْلِيَّانِ؛ إِذِ الْوُجُوْدُ وَالْعَدَمُ مِنَ الْأُمُوْرِ الْعَقْلِيَّةِ. وَتَشْبِيْهِ (الرَّجُلِ الشُّجَاعِ بِالْأَسَدِ) فِيْمَا طَرَفَاهُ حِسِّيَّانِ. وَتَشْبِيْهِ (الْعِلْمِ بِالنُّوْرِ) فِيْمَا الْمُشَبَّهُ عَقْلِيٌّ وَالْمُشَبَّهُ بِهِ حِسِّيٌّ؛ فَوَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَهُمَا الْهِدَايَةُ. وَتَشْبِيْهِ الْعِطْرِ بِخُلُقِ شَخْصٍ كَرِيْمٍ فِيْمَا الْمُشَبَّهُ حِسِّيٌّ وَالْمُشَبَّهُ بِهِ عَقْلِيٌّ. - وَالْمُرَكَّبُ الْحِسِّيُّ، طَرَفَاهُ: ١ - إِمَّا مُفْرَدَانِ: كَالْهَيْئَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ تَقَارُنِ الصُّوَرِ الْبِيْضِ الْمُسْتَدِيْرَةِ الصِّغَارِ الْمَقَادِيْرِ فِي الْمَرْأَى - عَلَى كَيْفِيَّةٍ مَخْصُوْصَةٍ - إِلَى مِقْدَارٍ مَخْصُوْصٍ فِيْ قَوْلِهِ: [الطّويل] وَقَدْ لَاحَ فِي الصُّبْحِ الثُّرَيَّا كَمَا تَرَى ... كَعُنْقُوْدِ مُلَّاحِيَّةٍ حِيْنَ نَوَّرَا (١) ٨١ - وَصْفاً فَحِسِّيٌّ: وَعَقْلِيٌّ وَذَا ... وَاحِدٌ أَوْ فِيْ حُكْمِهِ، أَوْ لَا كَذَا ٢ - وَإِمَّا مُرَكَّبَانِ: كَالْهَيْئَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ هُوِيِّ أَجْرَامٍ مُشْرِقَةٍ مُسْتَطِيْلَةٍ، مُتَنَاسِبَةِ الْمِقْدَارِ مُتَفَرِّقَةٍ فِيْ جَوَانِبِ شَيْءٍ مُظْلِمٍ، فِيْ قَوْلِ بَشَّارٍ (٢): [الطّويل] كَأَنَّ مُثَارَ النَّقْعِ فَوْقَ رُؤُوْسِنَا ... وَأَسْيَافَنَا، لَيْلٌ تَهَاوَى كَوَاكِبُهْ (٣)

стр. 298

٣ - وَإِمَّا مُخْتَلِفَانِ: كَمَا مَرَّ فِيْ تَشْبِيْهِ (الشَّقِيْقِ بِأَعْلَامِ يَاقُوْتٍ نُشِرَنَ عَلَى رِمَاحٍ مِنْ زَبَرْجَدٍ)، مِنَ الْهَيْئَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ نَشْرِ أَجْرَامٍ حُمْرٍ مَبْسُوْطَةٍ عَلَى رُؤُوْسِ أَجْرَامٍ خُضْرٍ مُسْتَطِيْلَةٍ. فَالْمُشَبَّهُ مُفْرَدٌ وَهُوَ (الشَّقِيْقُ) (١)، وَالْمُشَبَّهُ بِهِ مُرَكَّبٌ (٢). وَعَكْسُهُ، كَمَا فِيْ تَشْبِيْهِ نَهَارٍ مُشْمِسٍ شَابَهُ زَهْرُ الرُّبَا بِلَيْلٍ مُقْمِرٍ؛ كَقَوْلِ أَبِيْ تَمَّامٍ: [الكامل] يَا صَاحِبَيَّ تَقَصَّيَا نَظَرَيْكُمَا ... تَرَيَا وُجُوْهَ الْأَرْضِ كَيْفَ تَصَوَّرُ (٣) تَرَيا نَهَاراً مُشْمِساً قَدْ شَابَهُ ... زَهْرُ الرُّبَا فَكَأَنَّمَا هُوَ مُقْمِرُ (٤) شَبَّهَ (النَّهَارَ الْمُشْمِسَ - الَّذِيْ اخْتَلَطَ بِهِ أَزْهَارُ الرُّبُوَاتِ فَنَقَّصَتْ بِاخْضِرَارِهَا مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ حَتَّى صَارَ يَضْرِبُ إِلَى السَّوَادِ) - بِـ (اللَّيْلِ الْمُقْمِرِ). فَالْمُشَبَّهُ مُرَكَّبٌ وَالْمُشَبَّهُ بِهِ مُفْرَدٌ. - وَالْمُرَكَّبُ الْعَقْلِيُّ مِنْ وَجْهِ الشَّبَهِ: كَحِرْمَانِ الِانْتِفَاعِ بِأَبْلَغِ نَافِعٍ مَعَ تَحَمُّلِ التَّعَبِ فِي اسْتِصْحَابِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ

стр. 299

يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] فَإِنَّهُ (١) أَمْرٌ عَقْلِيٌّ مُنْتَزَعٌ مِنْ عِدَّةِ أُمُوْرٍ؛ لِأَنَّهُ رُوْعِيَ مِنَ الْحِمَارِ فِعْلٌ مَخْصُوْصٌ، وَهُوَ الْحَمْلُ وَأَنْ يَكُوْنَ الْمَحْمُوْلُ أَوْعِيَةَ الْعُلُوْمِ، وَأَنَّ الْحِمَارَ جَاهِلٌ بِمَا فِيْهَا، وَكَذَا فِيْ جَانِبِ الْمُشَبَّهِ (٢). - وَالْمُتَعَدِّدُ الْحِسِّيُّ: كَاللَّوْنِ وَالطَّعْمِ وَالرَّائِحَةِ فِيْ تَشْبِيْهِ فَاكِهَةٍ بِأُخْرَى. - وَالْمُتَعَدِّدُ الْعَقْلِيُّ: كَحِدَّةِ النَّظَرِ، وَكَمَالِ الْحَذَرِ، وَإِخْفَاءِ السِّفَادِ: أَيْ نَزْوِ الذَّكَرِ عَلَى الْأُنْثَى فِيْ تَشْبِيْهِ طَائِرٍ بِالْغُرَابِ. - وَالْمُتَعدِّدُ الْمُخْتَلِفُ: الَّذِيْ بَعْضُهُ حِسِّيٌّ، وَبَعْضُهُ/ عَقْلِيٌّ؛ كَحُسْنِ الطَّلْعَةِ الَّذِيْ هُوَ حِسِّيٌّ، وَنَبَاهَةِ الشَّأْنِ - أَيْ شَرَفِهِ وَاشْتِهَارِهِ - الَّذِيْ هُوَ عَقْلِيٌّ فِيْ تَشْبِيْهِ (إِنْسَانٍ بِالشَّمْسِ). فَفِي (الْمُتَعدِّدِ) يُقْصَدُ اشْتِرَاكُ الطَّرَفَيْنِ فِيْ كُلٍّ مِنَ الْأُمُوْرِ الْمَذْكُوْرَةِ، وَلَا يُعْمَدُ إِلَى انْتِزَاعِ هَيْئَةٍ مِنْهَا يَشْتَرِكَانِ فِيْهَا. * * * ٨٢ - وَالْكَافُ أَوْ كَأَنَّ أَوْ كَمِثْلِ ... أَدَاتُهُ وَقَدْ بِذِكْرِ فِعْل وَ: أَمَّا أَدَاتُهُ فَهِيَ: الْكَافُ أَوْ كَأَنَّ: أَيْ وَ (كَأَنَّ). وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ (كَأَنَّ) عِنْدَ الظَّنِّ بِثُبُوْتِ الْخَبَرِ، مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَى

стр. 300

التَّشْبِيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْخَبَرُ جَامِداً أَوْ مُشْتَقّاً؛ نَحْوُ: (كَأَنَّ زَيْداً أَخُوْكَ) وَ (كَأَنَّهُ قَدِمَ) (١). أَوْ كَمِثْلِ: أَيْ وَ (مِثْلُ)؛ نَحْوُ قَوْلِكَ: (زَيْدٌ مِثْلُ الْأَسَدِ)، وَمَا كَانَ فِيْ مَعْنَى (مِثْلُ)؛ كَلَفْظَةِ (نَحْوُ)، وَمَا يُشْتَقُّ مِنْ لَفْظَةِ (مِثْلُ) وَ (شِبْهِ) وَنَحْوِهِمَا. وَالْأَصْلُ فِي الْكَافِ وَنَحْوِهَا؛ كَلَفْظِ (نَحْوٍ، وَشِبْهٍ، وَمِثْلٍ) بِخِلَافِ (كَأَنَّ، وَتُمَاثِلُ، وَتُشَابِهُ) = أَنْ يَلِيَهَا الْمُشَبَّهُ بِهِ: - لَفْظاً نَحْوُ: (زَيْدٌ كَالْأَسَدِ). - أَوْ تَقْدِيْراً نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩] عَلَى تَقْدِيْرِ: (أَوْ كَمَثَلِ ذَوُيْ صَيِّبٍ) (٢). وَقَدْ يَلِيْهَا غَيْرُ الْمُشَبَّهِ بِهِ نَحْوُ: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف: ٤٥]؛ إِذْ لَيْسَ الْمُرَادُ تَشْبِيْهَ حَالِ الدُّنْيَا بِالْمَاءِ، وَلَا بِمُفْرَدٍ آخَرَ يُتَمَحَّلُ (٣) تَقْدِيْرُهُ؛ بَلِ الْمُرَادُ تَشْبِيْهُ حَالِهَا فِيْ نَضْرَتِهَا وَبَهْجَتِهَا وَمَا يَتَعَقَّبُهَا مِنَ الْهَلَاكِ وَالْفَنَاءِ بِحَالِ النَّبَاتِ الْحَاصِلِ مِنَ الْمَاءِ يَكُوْنُ أَخْضَرَ نَاضِراً شَدِيْدَ الْخُضْرَةِ، ثُمَّ يَيْبَسُ فَتُطَيِّرُهُ الرِّيَاحُ، كَأَنْ لَمْ يَكُنْ (٤). وَالْكَافُ، أَوْ كَأَنَّ، أَوْ كَمِثْلِ أَدَاتُهُ: أَيْ أَدَاةُ التَّشْبِيْهِ وَقَدْ: يَكُوْنُ التَّشْبِيْهُ بِذِكْرِ فِعْلِ: يُنْبِئُ عَنْهُ، أَيْ عَنِ التَّشْبِيْهِ، كَمَا فِيْ:

стр. 301

١ - (عَلِمْتُ زَيْداً أَسَداً) إِنْ قُرِّبَ التَّشْبِيْهُ، وَادُّعِيَ كَمَالُ الْمُشَابَهَةِ؛ لِمَا فِيْ (عَلِمْتُ) مِنْ مَعْنَى التَّحْقِيْقِ. ٢ - وَأَمَّا إِذَا بُعِّدَ أَدْنَى تَبْعِيْدٍ قِيْلَ: (حَسِبْتُ زَيْداً أَسَداً)؛ لِمَا فِي (الْحُسْبَانِ) مِنَ الْإِشْعَارِ بِعَدَمِ التَّحقيقِ والتَّيَقُّنِ. * * * ٨٣ - وَغَرَضٌ مِنْهُ عَلَى الْمُشَبَّهِ ... يَعُوْدُ، أَوْ عَلَى مُشَبَّهٍ بِه وَ: أَمَّا غَرَضٌ مِنْهُ: أَيْ مِنَ التَّشْبِيْهِ فَإِنَّهُ عَلَى الْمُشَبَّهِ (١) يَعُوْدُ: فِي الْأَغْلَبِ، وَيَرْجِعُ إِلَى أُمُوْرٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ مِنْهَا: ١ - بَيَانُ إِمْكَانِ وُجُوْدِ الْمُشَبَّهِ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ أَمْراً غَرِيْباً يُمْكِنُ أَنْ يُخَالَفَ فِيْهِ، وَيُدَّعَى امْتِنَاعُهُ، كَمَا فِيْ قَوْلِ أَبِي الطَّيِّبِ (٢): [الوافر] فَإِنْ تَفُقِ الْأَنَامَ، وَأَنْتَ مِنْهُمْ، ... فَإِنَّ الْمِسْكَ بَعْضُ دَمِ الْغَزَالِ (٣) فَإِنَّهُ لَمَّا ادَّعَى أَنَّ الْمَمْدُوْحَ فَاقَ النَّاسَ حَتَّى صَارَ أَصْلاً بِرَأْسِهِ، وَجِنْساً بِنَفْسِهِ، وَكَانَ هَذَا فِي الظَّاهِرِ كَالْمُمْتَنِعِ احْتَجَّ لِهَذِهِ الدَّعْوَى، وَبَيَّنَ إِمْكَانَهَا؛ بِأَنْ شَبَّهَ هَذَا الْحَالَ بِحَالِ الْمِسْكِ الَّذِيْ هُوَ مِنَ الدِّمَاءِ، ثُمَّ إِنَّهُ لَا يُعَدُّ مِنَ الدِّمَاءِ؛ لِمَا فِيْهِ مِنَ الْأَوْصَافِ الشَّرِيْفَةِ الَّتِيْ لَا تُوْجَدُ فِي الدَّمِ.

стр. 302

٢ - وَمِنْهَا بَيَانُ حَالِ الْمُشبَّهِ أَنَّهُ عَلَى أَيِّ وَصْفٍ مِنَ الْأَوْصَافِ؛ كَمَا فِيْ تَشْبِيْهِ (ثَوْبٍ بِآخَرَ فِي السَّوَادِ) إِذَا عَلِمَ السَّامِعُ لَوْنَ (١) الْمُشَبَّهِ بِهِ دُوْنَ الْمُشَبَّهِ. ٣ - وَمِنْهَا بَيَانُ مِقْدَارِ حَالِ الْمُشَبَّهِ فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ؛ كَمَا فِيْ تَشْبِيْهِ (الثَّوْبِ الْأَسْوَدِ بِالْغُرَابِ) فِيْ شِدَّةِ السَّوَادِ. ٤ - وَمِنْهَا تَقْرِيْرُ حَالِ الْمُشَبَّهِ فِيْ نَفْسِ السَّامِعِ وَتَقْوِيَةُ شَأْنِهِ؛ كَمَا فِيْ تَشْبِيْهِ (مَنْ لَا يَحْصُلُ مِنْ سَعْيِهِ عَلَى طَائِلٍ) بِـ (الرَّاقِمِ عَلَى الْمَاءِ)؛ فَإِنَّكَ تَجِدُ فِيْهِ مِنْ تَقْرِيْرِ عَدَمِ الْفَائِدَةِ وَتَقْوِيَةِ شَأْنِهِ مَا لَا تَجِدُهُ فِيْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْفِكْرَ فِي الْحِسِّيَّاتِ أَتَمُّ مِنْهُ فِي الْعَقْلِيَّاتِ؛ لِتَقَدُّمِ الْحِسِّيَّاتِ وَفَرْطِ إِلْفِ النَّفْسِ بِهَا. وَهَذِهِ الْأَغْرَاضُ الْأَرْبَعَةُ تَقْتَضِيْ أَنْ يَكُوْنَ وَجْهُ الشَّبَهِ [فِي الْمُشَبَّهِ] (٢) بِهِ أَتَمَّ، وَهُوَ بِهِ أَشْهَرُ. ٥ - وَمِنْهَا تَزْيِيْنُ الْمُشَبَّهِ فِيْ عَيْنِ السَّامِعِ؛ لِلتَّرْغِيْبِ فِيْهِ؛ كَمَا فِيْ تَشْبِيْهِ (وَجْهٍ أَسْوَدَ بِمُقْلَةِ الظَّبْيِ)؛ فَإِنَّ مُقْلَةَ الظَّبْيِ قَدِ اشْتُهِرَتْ بِالْبَهَاءِ، وَعُرِفَتْ بِالْحُسْنِ. ٦ - وَمِنْهَا تَشْوِيْهُهُ؛ لِلتَّنْفِيْرِ عَنْهُ؛ كَمَا فِيْ تَشْبِيْهِ (وَجْهٍ مَجْدُوْرٍ بِسلْحَةٍ (٣) جَامِدَةٍ قَدْ نَقَرَتْها الدِّيَكَةُ). ٧ - وَمِنْهَا اسْتِطْرَافُ الْمُشَبَّهِ؛ أَيْ عَدِّهِ طَرِيْفاً حَدِيْثاً بَدِيْعاً؛ كَمَا فِيْ تَشْبِيْهِ (فَحْمٍ فِيْهِ جَمْرٌ مُوْقَدٌ بِبَحْرٍ مِنَ الْمِسْكِ مَوْجُهُ الذَّهَبُ)، وَإِنَّمَا اسْتُطْرِفَ الْمُشَبَّهُ بِهِ فِيْ هَذَا التَّشْبِيْهِ؛ لِإِبْرَازِهِ فِيْ صُوْرَةِ الْمُمْتَنِعِ عَادَةً، وَإِنْ

стр. 303

كَانَ مُمْكِناً عَقْلاً، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُمْتَنِعَ عَادَةً مُسْتَطْرَفٌ غَرِيْبٌ. أَوْ: يَعُوْدُ الْغَرَضُ مِنَ التَّشْبِيْهِ عَلَى مُشَبَّهٍ بِهِ: عَلَى قِلَّةٍ. وَهُوَ ضَرْبَانِ: ١ - أَحَدُهُمَا: إِيْهَامُ أَنَّهُ أَتَمُّ مِنَ الْمُشَبَّهِ فِيْ وَجْهِ الشَّبَهِ؛ وَذَلِكَ فِي التَّشْبِيْهِ الْمَقْلُوْبِ الَّذِيْ يُجْعَلُ فِيْهِ النَّاقِصُ مُشَبَّهاً بِهِ؛ قَصْداً إِلَى ادِّعَاءِ أَنَّهُ أَكْمَلُ؛ كَقَوْلِهِ: [الكامل] وَبَدَا الصَّبَاحُ، كَأَنَّ غُرَّتَهُ ... وَجْهُ الْخَلِيْفَةِ حِيْنَ يُمْتَدَحُ (١) فَإِنَّهُ قَصَدَ إِيْهَامَ أَنَّ وَجْهَ الْخَلِيْفَةِ (٢) أَتَمُّ مِنَ الصَّبَاحِ فِي الْوُضُوْحِ وَالضِّيَاءِ. الثَّانِيْ مِنْ ضَرْبَيِ الْغَرَضِ الْعَائِدِ إِلَى الْمُشَبَّهِ بِهِ: بَيَانُ الِاهْتِمَامِ بِهِ؛ أَيْ بِالْمُشَبَّهِ بِهِ؛ كَتَشْبِيْهِ الْجَائِعِ: (وَجْهاً كَالْبَدْرِ فِي الْإِشْرَاقِ وَالِاسْتِدَارَةِ) بِـ (الرَّغِيْفِ). وَيُسَمَّى هَذَا النَّوْعُ مِنَ الْغَرَضِ - أَعْنِيْ بَيَانَ الِاهْتِمَامِ - إِظْهَارَ الْمَطْلُوْبِ. هَذَا الَّذِيْ ذُكِرَ مِنْ جَعْلِ أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ مُشَبَّهاً وَالْآخَرِ مُشَبَّهاً بِهِ إِنَّمَا يَكُوْنُ إِذَا أُرِيْدَ إِلْحَاقُ النَّاقِصِ فِيْ وَجْهِ الشَّبَهِ؛ حَقِيْقَةً: كَمَا فِي الْغَرَضِ الْعَائِدِ إِلَى الْمُشبَّهِ، أَوِ ادِّعَاءً: كَمَا فِي الْغَرَضِ الْعَائِدِ إِلَى الْمُشَبَّهِ بِهِ بِالزَّائِدِ فِيْ وَجْهِ الشَّبَهِ.

стр. 304

فَإِنْ أُرِيْدَ الْجَمْعُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فِيْ أَمْرٍ مِنَ الْأُمُوْرِ، مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَى كَوْنِ أَحَدِهِمَا نَاقِصاً وَالْآخَرِ زَائِداً، سَوَاءٌ أَوُجِدَتِ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ أَمْ (١) لَمْ تُوْجَدْ = فَالْأَحْسَنُ تَرْكُ التَّشْبِيْهِ إِلَى الْحُكْمِ بِالتَّشَابُهِ؛ لِيَكُوْنَ كُلٌّ مِنَ الشَّيْئَيْنِ مُشَبَّهاً وَمُشَبَّهاً بِهِ؛ احْتِرَازاً مِنْ تَرْجِيْحِ أَحَدِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ فِيْ وَجْهِ الشَّبَهِ؛ كَقَوْلِهِ: [الطّويل] تَشَابَهَ دَمْعِيْ - إِذْ جَرَى - وَمُدَامَتِيْ ... فَمِنْ مِثْلِ مَا فِي الْكَأْسِ عَيْنِيَ تَسْكُبُ فَوَاللهِ مَا أَدْرِيْ أَبِالْخَمْرِ أَسْبَلَتْ ... جُفُوْنِيْ، أَمْ مِنْ عَبْرَتِيْ كُنْتُ أَشْرَبُ؟ (٢) لَمَّا اعْتَقَدَ التَّسَاوِيَ بَيْنَ الْخَمْرِ وَالدَّمْعِ تَرَكَ التَّشْبِيْهَ إِلَى التَّشَابُهِ. وَيَجُوْزُ عِنْدَ إِرَادَةِ جَمْعِ شَيْئَيْنِ فِيْ أَمْرِ التَّشْبِيْهِ أَيْضاً؛ لِأَنَّهُمَا وَإِنْ تَسَاوَيَا فِيْ وَجْهِ التَّشْبِيْهِ - بِحَسْبِ قَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ - إِلَّا أَنَّهُ يَجُوْزُ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ أَحَدَهُمَا مُشَبَّهاً وَالْآخَرَ مُشَبَّهاً بِهِ لِغَرَضٍ مِنَ الْأَغْرَاضِ؛ مِثْلُ زِيَادَةِ الِاهْتِمَامِ كَتَشْبِيْهِ (غُرَّةِ الْفَرَسِ بِالصُّبْحِ)، وَتَشْبِيْهِ (الصُّبْحِ بِغُرَّةِ الْفَرَسِ) مَتَى أُرِيْدَ ظُهُوْرُ مُنِيْرٍ فِيْ مُظْلِمٍ أَكْثَرَ مِنْهُ - أَيْ مِنْ ذَلِكَ الْمُنِيْرِ - مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَى الْمُبَالَغَةِ فِيْ وَصْفِ غُرَّةِ الْفَرَسِ بِالضِّيَاءِ وَالِانْبِسَاطِ وَفَرْطِ التَّلَأْلُؤِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. إِذْ لَوْ قُصِدَ ذَلِكَ لَوَجَبَ جَعْلُ الْغُرَّةِ (٣) مُشَبَّهاً وَالصُّبْحِ مُشَبَّهاً بِهِ. وَأَمَّا تَقْسِيْمُ التَّشْبِيْهِ

стр. 305

٨٤ - فَبِاعْتِبَارِ كُلِّ رُكْنٍ اقْسِمِ ... أَنْوَاعَهُ. ثُمَّ الْمَجَازُ فَافْهَم فَبِاعْتِبَارِ كُلِّ رُكْنٍ: مِنْ أَرْكَانِهِ الْأَرْبَعَةِ، أَعْنِي: (الطَّرَفَيْنِ، وَالْوَجْهَ، وَالْأَدَاةَ، وَالْغَرَضَ مِنْهُ). اقْسِمِ أَنْوَاعَهُ: أَيْ أَنْوَاعَ ذَلِكَ الرُّكْنِ. وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ التَّشْبِيْهَ بِاعْتِبَارِ طَرَفَيْهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ لِأَنَّهُ إِمَّا: ١ - تَشْبِيْهُ مُفْرَدٍ بِمُفْرَدٍ: وَهُمَا أَيِ الْمُفْرَدَانِ: أغَيْرُ مُقَيَّدَيْنِ: كتشبيهِ الخَدِّ بالوردِ. ب أَوْ مُقَيَّدَانِ: كَقَوْلِهِمْ لِمَنْ لَا يَحْصُلُ مِنْ سَعْيِهِ عَلَى طَائِلٍ: (هُوَ كَالرَّاقِمِ عَلَى الْمَاءِ). فَالْمُشَبَّهُ هُوَ: السَّاعِي الْمُقَيَّدُ بِأَنْ لَا يَحْصُلَ مِنْ سَعْيِهِ عَلَى شَيْءٍ. وَالْمُشَبَّهُ بِهِ هُوَ: الرَّاقِمُ الْمُقَيَّدُ بِكَوْنِ رَقْمِهِ عَلَى الْمَاءِ. لِأَنَّ وَجْهَ الشَّبَهِ هُوَ: التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْفِعْلِ وَعَدَمِهِ (فِيْ عَدَمِ الْفَائِدَةِ)، وَهُوَ مَوْقُوْفٌ عَلَى اعْتِبَارِ هَذِيْنِ الْقَيْدَيْنِ. ج- أَوْ مُخْتَلِفَانِ: أَحَدُهُمَا مُقَيَّدٌ، وَالْآخَرُ غَيْرُ مُقَيَّدٍ؛ كَقَوْلِهِ: [الرّجز] وَالشَّمْسُ كَالْمِرْآةِ فِيْ كَفِّ الْأَشَلّ (١)

стр. 306

فَالْمُشَبَّهُ بِهِ (أَعْنِيْ: الْمِرْآةَ) مُقَيَّدٌ بِكَوْنِهِ فِيْ كَفِّ الْأَشَلِّ، بِخِلَافِ الْمُشَبَّهِ (أَعْنِيْ: الشَّمْسَ). وَعَكْسِهِ (١): أَيْ تَشْبِيْهِ الْمِرْآةِ فِيْ كَفِّ الْأَشَلِّ بِالشَّمْسِ؛ فَالْمُشَبَّهُ مُقَيَّدٌ دُوْنَ الْمُشَبَّهِ بِهِ. ٢ - وَإِمَّا تَشْبِيْهُ مُرَكَّبٍ بِمُرَكَّبٍ: بِأَنْ يَكُوْنَ كُلٌّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ كَيْفِيَّةً حَاصِلَةً مِنْ مَجْمُوْعِ أَشْيَاءَ قَدْ تَضَامَّتْ وَتَلَاصَقَتْ حَتَّى عَادَتْ شَيْئاً وَاحِداً؛ كَمَا فِيْ بَيْتِ بَشَّارٍ: [الطّويل] كَأَنَّ مُثَارَ النَّقْعِ ..... الْبَيْتَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. ٣ - وَإِمَّا تَشْبِيْهُ مُفْرَدٍ بِمُرَكَّبٍ: كَمَا مَرَّ مِنْ تَشْبِيْهِ الشَّقِيْقِ (وَهُوَ مُفْرَدٌ) بِأَعْلَامِ يَاقُوْتٍ نُشِرْنَ عَلَى رِمَاحٍ مِنْ زَبَرْجَدَ (وَهُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ عِدَّةِ أُمُوْرٍ). ٤ - وَإِمَّا تَشْبِيْهُ مُرَكَّبٍ بِمُفْرَدٍ: كَقَوْلِهِ: [الكامل] يَا صَاحِبَيَّ تَقَصَّيَا نَظَرَيْكُمَا ... تَرَيَا وُجُوْهَ الْأَرْضِ كَيْفَ تَصَوَّرُ تَرَيا نَهَاراً مُشمِساً قد شابَهُ ... زَهْرُ الرُّبا فكأنَّما هو مُقْمِرُ (٢) فَالْمُشَبَّهُ: مُرَكَّبٌ، وَهُوَ الْهَيْئَةُ الْحَاصِلَةُ مِنِ اجْتِمَاعِ النَّبَاتِ الشَّدِيْدِ الْخُضْرَةِ مَعَ ضَوْءِ الشَّمْسِ، وَهُوَ مُرَكَّبٌ. وَالْمُشَبَّهُ بِهِ: ضَوْءُ الْقَمَرِ، وَهُوَ مُفْرَدٌ. وَأَيْضاً تَقْسِيْمٌ آخَرُ لِلتَّشْبِيْهِ بِاعْتِبَارِ الطَّرَفَيْنِ، وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ تَعَدَّدَ طَرَفَاهُ فَهُوَ:

стр. 307

١ - إِمَّا (مَلْفُوْفٌ): وَهُوَ مَا أُتِيَ فِيْهِ بِالْمُشَبَّهَيْنِ ثُمَّ بِالْمُشَبَّهِ بِهِمَا؛ كَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ: [الطّويل] كَأَنَّ قُلُوْبَ الطَّيْرِ رَطْباً وَيَابِساً ... لَدَى وَكْرِهَا الْعُنَّابُ وَالْحَشَفُ الْبَالِيْ (١) ٢ - أَوْ (مَفْرُوْقٌ): وَهُوَ أَنْ يُؤْتَى بِمُشبَّهٍ وَمُشبَّهٍ بِهِ ثُمَّ آخَرَ وَآخَرَ؛ كَقَوْلِ الْمُرَقِّشِ الْأَكْبَرِ (٢): [السّريع] النَّشْرُ مِسْكٌ، وَالْوُجُوْهُ دَنَا ... نِيْرٌ، وَأَطْرَافُ الْأَكُفِّ عَنَمْ (٣) ٣ - وَإِنْ تَعَدَّدَ طَرَفُهُ الْأَوَّلُ - يَعْنِي الْمُشَبَّهَ - دُوْنَ الثَّانِي، سُمِّيَ (تَشْبِيْهَ التَّسْوِيَةِ)؛ كَقَوْلِهِ: [المجتَثّ]

стр. 308

صُدْغُ الْحَبِيْبِ وَحَالِيْ ... كِلَاهُمَا كَاللَّيَالِيْ (١) ٤ - وَإِنْ تَعَدَّدَ طَرَفُهُ الثَّانِيْ - يَعْنِي الْمُشَبَّهَ بِهِ - دُوْنَ الْأَوَّلِ، سُمِّيَ (تَشْبِيْهَ الْجَمْعِ)؛ كَقَوْلِ الْبُحْتُرِيِّ: [السّريع] كَأَنَّمَا يَبْسِمُ عَنْ لُؤْلُؤٍ ... مُنَضَّدٍ، أَوْ بَرَدٍ، أَوْ أَقَاحْ (٢) شَبَّهَ ثَغْرَهُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ. وَبِاعْتِبَارِ وَجْهِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: (تَمْثِيْلٌ، وَغَيْرُ تَمْثِيْلٍ)، (وَمُجْمَلٌ، وَمُفَصَّلٌ)، (وَقَرِيْبٌ، وَبَعِيْدٌ). ١ - فَالتَّمْثِيْلُ: وَهُوَ التَّشْبِيْهُ الَّذِيْ وَجْهُهُ وَصْفٌ مُنْتَزَعٌ مِنْ مُتَعَدِّدٍ؛ أَمْرَيْنِ، أَوْ أُمُوْرٍ؛ كَمَا مَرَّ مِنْ: - تَشْبِيْهِ الثُّرَيَّا (٣).

стр. 309

- وَتَشْبِيْهِ مُثَارِ النَّقْعِ مَعَ الْأَسْيَافِ (١). - وَتَشْبِيْهِ الشَّمْسِ بِالْمِرْآةِ فِيْ كَفِّ الْأَشَلِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. ٢ - وَغَيْرُ التَّمْثِيْلِ: وَهُوَ مَا لَا يَكُوْنُ وَجْهُهُ مُنْتَزَعاً مِنْ مُتَعَدِّدٍ؛ كَتَشْبِيْهِ (الْخَدِّ بِالْوَرْدِ فِي الْحُمْرَةِ) مَثَلاً. ٣ - وَالْمُجْمَلُ: وَهُوَ مَا لَمْ يُذْكَرْ وَجْهُهُ؛ فَمِنْهُ مَا هُوَ: أظَاهِرٌ يَفْهَمُهُ كُلُّ أَحَدٍ؛ نَحْوُ: (زَيْدٌ كَالْأَسَدِ) (٢). ب وَمِنْهُ خَفِيٌّ لَا يُدْرِكُهُ إِلَّا الْخَاصَّةُ؛ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: (هُمْ كَالْحَلْقَةِ الْمُفْرَغَةِ، لَا يُدْرَى أَيْنَ طَرَفَاهَا) أَيْ: هُمْ مُتَنَاسِبُوْنَ فِي الشَّرَفِ، يَمْتَنِعُ تَعْيِيْنُ بَعْضِهِمْ فَاضِلاً وَبَعْضِهِمْ أَفْضَلَ مِنْهُ. كَمَا أَنَّ الْحَلْقَةَ الْمُفْرَغَةَ مُتناسِبَةُ الْأَجْزَاءِ فِي الصُّوْرَةِ، يَمْتَنِعُ تَعْيِيْنُ بَعْضِهَا طَرَفاً وَبَعْضِهَا وَسَطاً. وَوَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَهُمَا هُوَ التَّنَاسُبُ الَّذِيْ يَمْتَنِعُ مَعَ التَّعَاقُبِ، إِلَّا أَنَّهُ فِي الْمُشَبَّهِ فِي الشَّرَفِ وَالْفَضْلِ، وَفِي الْمُشَبَّهِ بِهِ فِي الصُّوْرَةِ (٣). ٤ - وَالْمُفَصَّلُ: وَهُوَ مَا ذُكِرَ وَجْهُهُ؛ كَقَوْلِهِ: [المجتَثّ] وَثَغْرُهُ فِيْ صَفَاءٍ ... وَأَدْمُعِيْ كَالْلَّآلِيْ (٤) ٥ - وَالْقَرِيْبُ مُبْتَذَلٌ مُتَنَاوَلٌ مَشْهُوْرٌ: وَهُوَ مَا يُنْتَقَلُ فِيْهِ مِنَ الْمُشَبَّهِ إِلَى

стр. 310

الْمُشَبَّهِ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَدْقِيْقِ نَظَرٍ؛ لِظُهُوْرِ وَجْهِهِ فِيْ بَادِئِ الرَّأْيِ (أَيْ: فِيْ ظَاهِرِهِ): - إِمَّا لِكَوْنِهِ أَمْراً جُمْلِيّاً لَا تَفْصِيْلَ فِيْهِ (١). - أَوْ لِكَوْنِ وَجْهِ الشَّبَهِ قَلِيْلَ التَّفْصِيْلِ، مَعَ غَلَبَةِ حُضُوْرِ الْمُشَبَّهِ بِهِ فِي الذِّهْنِ: (عِنْدَ حُضُوْرِ الْمُشَبَّهِ)؛ لِقُرْبِ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الْمُشَبَّهِ وَالْمُشَبَّهِ بِهِ؛ (كَتَشْبِيْهِ الْجَرَّةِ الصَّغِيْرَةِ بِالكُوْزِ فِي الْمِقْدَارِ وَالشَّكْلِ)، فَإِنَّهُ قَدِ اعْتُبِرَ فِيْ وَجْهِ الشَّبَهِ تَفْصِيْلٌ - أَعْنِي الْمِقْدَارَ وَالشَّكْلَ - إِلَّا أَنَّ الْكُوْزَ غَالِبُ الْحُضُوْرِ عِنْدَ حُضُوْرِ الْجَرَّةِ. (أَوْ مُطْلَقاً) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: (عِنْدَ حُضُوْرِ الْمُشَبَّهِ) أَيْ: سَوَاءٌ حَضَرَ الْمُشَبَّهُ أَوْ لَا؛ لِتَكَرُّرِهِ - أَيِ الْمُشَبَّهِ بِهِ - عَلَى الْحِسِّ؛ كَتَشْبِيْهِ الشَّمْسِ بِالْمِرْآةِ الْمَجْلُوَّةِ فِيْ الِاسْتِدَارَةِ وَالِاسْتِنَارَةِ؛ فَإِنَّ فِيْ وَجْهِ الشَّبَهِ تَفْصِيْلاً مَّا، لَكِنَّ الْمُشَبَّهَ بِهِ - أَعْنِي الْمِرْآةَ - غَالِبُ الْحُضُوْرِ فِي الذِّهْنِ مُطْلَقاً. ٦ - وَالْبَعِيْدُ غَرِيْبٌ: وَهُوَ مَا لَا يُنْتَقَلُ فِيْهِ مِنَ الْمُشَبَّهِ إِلَى الْمُشَبَّهِ بِهِ إِلَّا بَعْدَ فِكْرٍ وَتَدْقِيْقِ نَظَرٍ؛ لِعَدَمِ الظُّهُورِ: ١ - إِمَّا لِكَثْرَةِ التَّفْصِيْلِ؛ كَقَوْلِهِ: [الرّجز] وَالشَّمْسُ كَالْمِرْآةِ فِيْ كَفِّ الْأَشَلّ (٢) ٢ - وَإِمَّا لِنُدُوْرِ حُضُوْرِ الْمُشَبَّهِ بِهِ فِي الذِّهْنِ (إِمَّا عِنْدَ حُضُوْرِ

стр. 311

الْمُشَبَّهِ؛ لِبُعْدِ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَهُمَا؛ كَمَا مَرَّ (١). وَإِمَّا لِكَوْنِهِ وَهْمِيّاً (٢)، أَوْ مُرَكَّباً خَيَالِيّاً (٣)، أَوْ مُرَكَّباً عَقْلِيّاً (٤))، كَمَا تَقَدَّمَ. ٣ - أَوْ لِقِلَّةِ تَكَرُّرِهِ عَلَى الْحِسِّ؛ كَمَا مَرَّ مِنْ تَشْبِيْهِ (الْمِرْآةِ فِيْ كَفِّ الْأَشَلِّ) فَإِنَّهُ رُبَّمَا يَقْضِي الرَّجُلُ عُمْرَهُ وَلَا يَرَى مِرْآةً فِيْ كَفِّ الْأَشَلِّ. وَبِاعْتِبَارِ أَدَاتِهِ أَيْ: وَالتَّشْبِيْهُ (بِاعْتِبَارِ أَدَاتِهِ) نَوْعَانِ؛ لِأَنَّهُ: ١ - إِمَّا مُؤَكَّدٌ: وَهُوَ مَا حُذِفَتْ أَدَاتُهُ؛ نَحْوُ: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النّمل: ٨٨] أَيْ: مِثْلَ مَرِّ السَّحَابِ، وَمِنَ الْمُؤَكَّدِ مَا أُضِيْفَ الْمُشَبَّهُ بِهِ إِلَى الْمُشَبَّهِ بَعْدَ حَذْفِ الْأَدَاةِ؛ نَحْوُ قَوْلِهِ: [الكامل] وَالرِّيْحُ تَعْبَثُ بِالْغُصُوْنِ، وَقَدْ جَرَى ... ذَهَبُ الْأَصِيْلِ عَلَى لُجَيْنِ الْمَاءِ (٥) أَيْ: عَلَى مَاءٍ كَاللُّجَيْنِ - أَيِ الْفِضَّةِ - فِي الصَّفَاءِ وَالْبَيَاضِ. فَهَذَا تَشْبِيْهٌ مُؤَكَّدٌ أَيضاً. ٢ - أَوْ مُرْسَلٌ: وَهُوَ مَا ذُكِرَ أَدَاتُهُ فَصَارَ مُرْسَلاً مِنَ التَّأْكِيْدِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ حَذْفِ الْأَدَاةِ الْمُشْعِرِ- بِحَسَبِ الظَّاهِرِ- بِأَنَّ الْمُشبَّهَ عَيْنُ الْمُشَبَّهِ بِهِ؛ كَمَا مَرَّ فِي الْأَمْثِلَةِ الْمَذْكُوْرَةِ فِيْهَا أَدَاةُ التَّشْبِيْهِ.

стр. 312

وَبِاعْتِبَارِ الْغَرَضِ أَيْ: وَالتَّشْبِيْهُ (بِاعْتِبَارِ الْغَرَضِ) قِسْمَانِ: ١ - إِمَّا مَقْبُوْلٌ: وَهُوَ الْوَافِي بِإِفَادَتِهِ (أَيْ: بِإِفَادَةِ الْغَرَضِ): أ- كَأَنْ يَكُوْنَ الْمُشَبَّهُ بِهِ أَعْرَفَ شَيْءٍ بِوَجْهِ التَّشْبِيْهِ فِيْ بَيَانِ الْحَالِ. ب- أَوْ كَأَنْ يَكُوْنَ الْمُشَبَّهُ بِهِ أَتَمَّ شَيْءٍ فِيْهِ - أَيْ فِيْ وَجْهِ التَّشْبِيْهِ - فِيْ إِلْحَاقِ النَّاقِصِ، أَيْ فِيْ تَشْبِيْهٍ يَكُوْنُ الْغَرَضُ فِيْهِ إِلْحَاقَ الْمُشَبَّهِ النَّاقِصِ بِالْكَامِلِ ج- أَوْ كَأَنْ يَكُوْنَ الْمُشَبَّهُ بِهِ مُسَلَّمَ الْحُكْمِ فِيْهِ - أَيْ فِيْ وَجْهِ الشَّبَهِ - مَعْرُوْفَهُ عِنْدَ الْمُخَاطَبِ فِيْ بَيَانِ الْإِمْكَانِ؛ أَيْ فِيْ تَشْبِيْهٍ يَكُوْنُ الْغَرَضُ فِيْهِ بَيَانَ إِمْكَانِ وُجُوْدِ الْمُشَبَّهِ. ٨٤ - فَبِاعْتِبَارِ كُلِّ رُكْنٍ اقْسِمِ ... أَنْوَاعَهُ. ثُمَّ الْمَجَازُ فَافْهَم ٢ - أَوْ مَرْدُوْدٌ: وَهُوَ بِخِلَافِ الْمَقْبُوْلِ؛ وَهُوَ مَا يَكُوْنُ قَاصِراً عَنْ إِفَادَةِ الْغَرَضِ؛ بِأَنْ لَا يَكُوْنَ عَلَى شَرْطِ (١) الْقَبُوْلِ، كَمَا سَبَقَ. وَاللهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ لَمَّا أَنْهَى النَّاظِمُ الْكَلَامَ عَلَى الْمَقْصِدِ الْأَوَّلِ مِنْ عِلْمِ الْبَيَانِ - وَهُوَ التَّشْبِيْهُ (٢) - شَرَعَ فِيْ الثَّانِيْ، وَهُوَ: (الْحَقِيْقَةُ وَالْمَجَازُ) فَالْحَقِيْقَةُ: الْكَلِمَةُ الْمُسْتَعْمَلَةُ فِيْمَا وُضِعَتْ لَهُ فِي اصْطِلَاحِ التَّخَاطُبِ.

стр. 313

أَيْ: وُضِعَتْ لَهُ فِي اصْطِلَاحٍ بِهِ يَقَعُ التَّخَاطُبُ بِالْكَلَامِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى تِلْكَ الْكَلِمَةِ، فَاحْتَرَزَ: - بِـ (الْمُسْتَعْمَلَةِ): عَنِ الْكَلِمَةِ قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ؛ فَإِنَّهَا لَا تُسَمَّى حَقِيْقَةً وَلَا مَجَازاً. - وَبِقَوْلِهِ: (فِيْمَا وُضِعَتْ لَهُ): ١ - عَنِ الْغَلَطِ؛ نَحْوُ: (خُذْ هَذَا الْفَرَسَ) مُشِيْراً إِلَى كِتَابٍ. ٢ - وَعَنِ الْمَجَازِ الْمُسْتَعْمَلِ فِيْمَا لَمْ يُوْضَعْ لَهُ لَا فِي اصْطِلَاحِ التَّخَاطُبِ وَلَا فِيْ غَيْرِهِ؛ كَـ (الْأَسَدِ فِي الرَّجُلِ الشُّجَاعِ) فِيْ نَحْوِ قَوْلِكَ: (رَأَيْتُ أَسَداً يَتَكَلَّمُ)؛ لِأَنَّ الِاسْتِعَارَةَ، وَإِنْ كَانَتْ مَوْضُوْعَةً بِالتَّأْوِيْلِ، إِلَّا أَنَّ الْمَفْهُوْمَ مِنْ إِطْلَاقِ الْوَضْعِ إِنَّمَا هُوَ الْوَضْعُ بِالتَّحْقِيْقِ (١). - وَاحْتَرَزُوْا بِقَوْلِهِمْ: (فِي اصْطِلَاحِ التَّخَاطُبِ): عَنِ الْمَجَازِ الْمُسْتَعْمَلِ فِيْمَا وُضِعَ لَهُ فِي اصْطِلَاحٍ آخَرَ غَيْرِ الِاصْطِلَاحِ الَّذِيْ بِهِ التَّخَاطُبُ؛ كَ (الصَّلَاةِ) إِذَا اسْتَعْمَلَهَا الْمُخَاطِبُ - بِعُرْفِ الشَّرْعِ - فِي الدُّعَاءِ؛ فَإِنَّهَا تَكُوْنُ مَجَازاً؛ لِاسْتِعْمَالِهِ فِيْ غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ فِي الشَّرْعِ - أَعْنِي الْأَرْكَانَ الْمَخْصُوْصَةَ - وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَعْمَلَةً فِيْمَا وُضِعَتْ لَهُ فِي اللُّغَةِ. وَلَمَّا كَانَ الْمَقْصُوْدُ الْأَصْلُ فِيْ عِلْمِ الْبَيَانِ إِنَّمَا هُوَ الْمَجَازُ؛ إِذْ بِهِ يَتَأَتَّى اخْتِلَافُ الطُّرُقِ دُوْنَ الْحَقِيْقَةِ اقْتَصَرَ النَّاظِمُ عَلَيْهِ فَقَالَ: ثُمَّ الْمَجَازُ: وَهُوَ فِي الْأَصْلِ (مَفْعَلٌ) مِنْ (جَازَ الْمَكَانَ يَجُوْزُهُ) إِذَا تَعَدَّاهُ. نُقِلَ إِلَى الْكَلِمَةِ الْمَجَازِيَّةِ الْمُتَعَدِّيَةِ مَكَانَهَا الْأَصْلِيَّ وَالْمَجُوْزِ بِهَا؛ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُمْ جَازُوْا بِهَا وَعَدَّوْهَا مَكَانَهَا الْأَصْلِيَّ. فَافْهَمِ: أَنَّ الْمَجَازَ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: (مُفْرَدٌ، وَمُرَكَّبٌ) وَهُمَا يَخْتَلِفَانِ؛ فَلِهَذَا قَسَّمَهُ إِلَى قِسْمَيْنِ، ثُمَّ عَرَّفَ كُلَّ قِسْمٍ عَلَى حِدَةٍ؛ لِتَعَذُّرِ جَمْعِ الْمَعَانِي

стр. 314

الْمُخْتَلِفَةِ غيْرِ الْمُشْتَرِكَةِ فِيْ أَمْرٍ يَعُمُّهَا فِيْ تَعْرِيْفٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ: ٨٥ - مُفْرَدٌ، أَوْ مُرَكَّبٌ، وَتَارَهْ ... يَكُوْنُ مُرْسَلاً. أَوِ اسْتِعَارَهْ مُفْرَدٌ: وَهُوَ الْكَلِمَةُ الْمُسْتَعْمَلَةُ فِيْ غَيْرِ مَا وُضِعَتْ لَهُ فِي اصْطِلَاحِ التَّخَاطُبِ، عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ مَعَ قَرِيْنَةِ عَدَمِ إِرَادَتِهِ. - فَاحتَرَزَ بِـ (الْمُسْتَعْمَلَةِ) عَنِ الْكَلِمَةِ قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ؛ كَمَا تَقَدَّمَ. - وَقَيْدُ (فِيْ غَيْرِ مَا وُضِعَتْ لَهُ): يُدْخِلُ الْمَجَازَ الْمُسْتَعْمَلَ فِيْمَا وُضِعَ لَهُ فِي اصْطِلَاحٍ آخَرَ؛ كَلَفْظِ الصَّلَاةِ إِذَا اسْتَعْمَلَهُ الْمُخَاطِبُ - بِعُرْفِ الشَّرْعِ - فِي الدُّعَاءِ مَجَازاً، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ مُسْتَعْمَلاً فِيْمَا وُضِعَ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ، فَلَيْسَ بِمُسْتَعْمَلٍ فِيْمَا وُضِعَ لَهُ فِي الِاصْطِلَاحِ الَّذِيْ وَقَعَ بِهِ التَّخَاطُبُ، أَعْنِي الشَّرْعَ. - وَقَوْلُنَا: (عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ مَعَ قَرِيْنَةِ عَدَمِ إِرَادَتِهِ): أَيْ إِرَادَةِ الْمَوْضُوْعِ لَهُ. فَلَا بُدَّ لِلْمَجَازِ مِنَ الْعَلَاقَةِ - أَيْ بَيْنَ مَا وُضِعَتْ لَهُ وَغَيْرِ مَا وُضِعَتْ لَهُ (١) - وَإِلَّا لَصَحَّ إِطْلَاقُ كُلِّ لَفْظٍ عَلَى كُلِّ مَا لَا يَكُوْنُ مُسَمَّاهُ، وَهُوَ بَاطِلٌ. وَيُخْرِجُ الْغَلَطَ عَنْ تَعْرِيْفِ الْمَجَازِ (٢)؛ كَقَوْلِنَا: (خُذْ هَذَا الْفَرَسَ) مُشِيْراً إِلَى كِتَابٍ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاسْتِعْمَالَ لَيْسَ عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ. - وَإِنَّمَا قَيَّدَ التَّعْرِيْفَ بِقَيْدٍ (مَعَ قَرِيْنَةِ عَدَمِ إِرَادَتِهِ) (٣) لِيُخْرِجَ الْكِنَايَةَ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَعْمَلَةٌ فِيْ غَيْرِ مَا وُضِعَتْ لَهُ، مَعَ جَوَازِ إِرَادَةِ مَا وُضِعَ لَهُ (٤).

стр. 315

أَوْ مُرَكَّبٌ: وَالْمَجَازُ الْمُرَكَّبُ: هُوَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيْمَا شُبِّهَ بِمَعْنَاهُ [الْأَصْلِيِّ] (١) - أَيْ بِالْمَعْنَى الَّذِيْ يَدُلُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ اللَّفْظُ بِالْمُطَابَقَةِ - تَشْبِيْهَ التَّمْثِيْلِ؛ وَهُوَ مَا يَكُوْنُ وَجْهُهُ مُنْتَزَعاً مِنْ مُتَعَدِّدٍ لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّشْبِيْهِ؛ كَمَا يُقَالُ لِلْمُفْتِيْ - إِذَا تَرَدَّدَ فِي الْجَوَابِ عَمَّا اسْتُفْتِيَ فِيْهِ؛ فَيَهُمُّ تَارَةً بِأَنْ يُطْلِقَ لِسَانَهُ لِيُجِيْبَ عَنْ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، وَلَا يَهُمُّ تَارَةً أُخْرَى؛ فَيَقْبِضُ-: (إِنِّيْ أَرَاكَ تُقَدِّمُ رِجْلاً وَتُؤَخِّرُ أُخْرَى) (٢). شُبِّهَ تَرَدُّدُهُ بِصُوْرَةِ مَنْ قَامَ لِيَذْهَبَ؛ فَتَارَةً يُرِيْدُ الذَّهَابَ فَيُقَدِّمُ رِجْلاً، وَتَارَةً لَا يُرِيْدُ فَيُؤَخِّرُ أُخْرَى. فَاسْتُعْمِلَ فِي الصُّوْرَةِ الْأُوْلَى الْكَلَامُ الدَّالُّ بِالْمُطَابَقَةِ عَلَى الصُّوْرَةِ الثَّانِيَةِ، وَوَجْهُ الشَّبَهِ - وَهُوَ الْإِقْدَامُ تَارَةً وَالْإِحْجَامُ أُخْرَى - مُنْتَزَعٌ مِنْ عِدَّةِ أُمُوْرٍ، كَمَا تَرَى. وَهَذَا الْمَجَازُ الْمُرَكَّبُ يُسَمَّى التَّمْثِيْلَ؛ لِكَوْنِ وَجْهِهِ مُنْتَزَعاً مِنْ مُتَعَدِّدٍ، عَلَى سَبِيْلِ الِاسْتِعَارَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ذُكِرَ فِيْهِ الْمُشَبَّهُ بِهِ وَأُرِيْدَ الْمُشَبَّهُ (٣)، كَمَا هُوَ شَأْنُ الِاسْتِعَارَةِ (٤). وَتَارَهْ يَكُوْنُ: أَيِ الْمَجَازُ مُرْسَلاً: وَهُوَ مَا كَانَتِ الْعَلَاقَةُ فِيْهِ غَيْرَ الْمُشَابَهَةِ بَيْنَ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ وَالْحَقِيْقِيِّ، كَالْيَدِ

стр. 316

الْمَوْضُوْعَةِ لِلْجَارِحَةِ الْمَخْصُوْصَةِ إِذَا اسْتُعْمِلَتْ فِي النِّعْمَةِ (١)؛ لِكَوْنِهَا بِمَنْزِلَةِ الْفَاعِلِيَّةِ لِلنِّعْمَةِ؛ لِأَنَّ النِّعْمَةَ مِنْهَا تَصْدُرُ وَتَصِلُ إِلَى الْمَقْصُوْدِ، وَكَالْيَدِ فِي الْقُدْرَةِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا يَظْهَرُ سُلْطَانُ الْقُدْرَةِ يَكُوْنُ فِي الْيَدِ، وَبِهَا يَكُوْنُ الْأَفْعَالُ الدَّالَّةُ عَلَى الْقُدْرَةِ؛ مِنَ الْبَطْشِ، وَالضَّرْبِ، وَالْقَطْعِ، وَالْأَخْذِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَكَالرَّاوِيَةِ (٢) - الَّتِيْ هِيَ فِي الْأَصْلِ اسْمٌ لِلْبَعِيْرِ الَّذِيْ يَحْمِلُ الْمَزَادَةَ - إِذَا اسْتُعْمِلَتْ فِي الْمَزَادَةِ. أَيْ: فِي الْمِزْوَدِ الَّذِيْ يُجْعَلُ فِيْهِ الزَّادُ (٣)، أَيِ الطَّعَامُ، الْمُتَّخَذُ لِلسَّفَرِ (٤)؛ وَالْعَلَاقَةُ كَوْنُ الْبَعِيْرِ حَامِلاً لَهَا (٥)، وبِمَنْزِلَةِ الْعِلَّةِ الْمَادِّيَّةِ (٦).

стр. 317

أَوِ اسْتِعَارَهْ: أَيْ أَوْ يَكُوْنُ الْمَجَازُ اسْتِعَارَةً إِنْ لَمْ تَكُنْ عَلَاقَتُهُ غَيْرَ الْمُشَابَهَةِ - بَلْ كَانَتِ الْمُشَابَهَةَ بَيْنَهُمَا - فَاسْتِعَارَةٌ مُصَرَّحَةٌ، فَعَلَى هَذَا:

стр. 318

· الِاسْتِعَارَةُ: هِيَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيْمَا شُبِّهَ بِمَعْنَاهُ الْأَصْلِيِّ؛ لِعَلَاقَةِ الْمُشَابَهَةِ؛ كَـ (الْأَسَدِ) فِيْ قَوْلِنَا: (رَأَيْتُ أَسَداً يَرْمِيْ) (١). · وَقِيْلَ: إِنَّهَا - أَيِ الِاسْتِعَارَةَ - مَجَازٌ عَقْلِيٌّ؛ بِمَعْنَى أَنَّ التَّصَرُّفَ فِي أَمْرٍ عَقْلِيٍّ لَا لُغَوِيٍّ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا لَمْ تُطْلَقْ عَلَى الْمُشَبَّهِ إِلَّا بَعْدَ ادِّعَاءِ دُخُوْلِهُ - أَيْ دُخُوْلِ الْمُشَبَّهِ - فِيْ جِنْسِ الْمُشَبَّهِ بِهِ؛ بِأَنْ جُعِلَ الرَّجُلُ الشُّجَاعُ فَرْداً مِنْ أَفْرَادِ الْأَسَدِ كَانَ اسْتِعْمَالُهَا - أَيِ الِاسْتِعَارَةِ فِي الْمُشَبَّهِ - اسْتِعْمَالاً فِيْمَا وُضِعَتْ لَهُ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: (إِنَّهَا لَمْ تُطْلَقْ عَلَى الْمُشَبَّهِ إِلَّا بَعْدَ دُخُوْلِهِ فِيْ جِنْسِ الْمُشَبَّهِ بِهِ (٢))؛ لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ (٣) كَذَلِكَ: - لَمَا كَانِتِ اسْتِعَارَةً؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ نَقْلِ الِاسْمِ لَوْ كَانَ اسْتِعَارَةً لَكَانَتِ الْأَعْلَامُ الْمَنْقُوْلَةُ؛ كَـ (يَزِيْدَ، وَيَشْكُرَ) اسْتِعَارَةً. - وَلَمَا كَانَتِ الِاسْتِعَارَةُ أَبْلَغَ مِنَ الْحَقِيْقَةِ؛ إِذْ لَا مُبَالَغَةَ فِيْ إِطْلَاقِ الِاسْمِ الْمُجَرَّدِ عَارِياً عَنْ مَعْنَاهُ. - وَلَمَا صَحَّ أَنْ يُقَالَ لِمَنْ قَالَ: (رَأَيْتُ أَسَداً)، وَأَرَادَ (زَيْداً): إِنَّهُ جَعَلَهُ أَسَداً؛ كَمَا لَا يُقَالُ لِمَنْ سَمَّى وَلَدَهُ (أَسَداً): إِنَّهُ جَعَلَهُ أَسَداً (٤)؛ إِذْ لَا يُقَالُ: (جَعَلَهُ أَمِيْراً) (٥) إِلَّا وَقَدْ أَثْبَتَ فِيْهِ صِفَةَ الْإِمَارَةِ.

стр. 319

وَإِذَا كَانَ نَقْلُ اسْمِ الْمُشَبَّهِ بِهِ إِلَى الْمُشَبَّهِ تَبَعاً لِنَقْلِ مَعْنَاهُ إِلَيْهِ - بِمَعْنَى أَنَّهُ أُثْبِتَ لَهُ مَعْنَى الْأَسَدِ الْحَقِيْقِيِّ ادِّعَاءً، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْأَسَدِ - كَانَ الْأَسَدُ مُسْتَعْمَلاً فِيْمَا وُضِعَ لَهُ، فَلَا يَكُوْنُ مَجَازاً لُغَوِيّاً، بَلْ عَقْلِيّاً؛ بِمَعْنَى أَنَّ الْعَقْلَ جَعَلَ الرَّجُلَ الشُّجَاعَ مِنْ جِنْسِ الْأَسَدِ. وَجَعْلُ مَا لَيْسَ فِي الْوَاقِعِ وَاقِعاً مَجَازٌ عَقْلِيٌّ. وَعَلَى هَذَا مَشَى النَّاظِمُ فَقَالَ: ٨٦ - بِجَعْلِ ذَا ذَاكَ ادِّعَاءً أَوَّلَهْ ... وَهْيَ إِنِ اسْمُ جِنْسٍ اسْتُعِيْرَ لَهْ ٨٧ - أَصْلِيَّةٌ، أَوْ لَا فَتَابِعِيَّهْ، ... وَإِنْ تَكُنْ ضِدّاً تَهَكُّمِيَّهْ [*] بِجَعْلِ: الْمُسْتَعِيْرِ ذَا: أَيِ الْمُشَبَّهِ ذَاكَ: أَيِ الْمُشَبَّهَ بِهِ ادِّعَاءً: أَنَّ الْمُشَبَّهَ دَاخِلٌ فِيْ جِنْسِ الْمُشَبَّهِ بِهِ، كَمَا بُيِّنَ ذَلكَ آنِفاً أَوَّلَهْ: أَيْ أَوَّلَ الْمُسْتَعِيْرُ ادِّعَاءَ دُخُوْلِ الْمُشَبَّهِ فِيْ جِنْسِ الْمُشَبَّهِ بِهِ بِأَنْ جَعَلَ أَفْرَادَ الْأَسَدِ - بِطَرِيْقِ التَّأْوِيْلِ - قِسْمَيْنِ: - أَحَدُهُمَا الْمُتَعَارَفُ: وَهُوَ الَّذِيْ لَهُ غَايَةُ الْجُرْأَةِ، فِيْ مِثْلِ تِلْكَ الْجُثَّةِ الْمَخْصُوْصَةِ. - وَالثَّانِيْ غَيْرُ الْمُتَعَارَفِ: وَهُوَ الَّذِيْ لَهُ تِلْكَ الْجُرْأَةُ، لَكِنْ لَا فِيْ تِلْكَ الْجُثَّةِ وَالْهَيْكَلِ الْمَخْصُوْصِ. وَلَفْظُ (الْأَسَدِ) إِنَّمَا هُوَ مَوْضُوْعٌ لِلْمُتَعَارَفِ، فَاسْتِعْمَالُهُ فِيْ غَيْرِ الْمُتَعَارَفِ اسْتِعْمَالٌ فِيْ غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ، وَالْقَرِيْنَةُ مَانِعَةٌ عَنْ إِرَادَةِ الْمَعْنَى الْمُتَعَارَفِ؛ [لِيَتَعَيَّنَ الْمَعْنَى غَيْرُ الْمُتَعَارَفِ] (١)؛ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا يُقَالُ: إِنَّ

стр. 320

الْإِصْرَارَ عَلَى دَعْوَى الْأَسَدِيَّةِ لِلرَّجُلِ الشُّجَاعِ تُنَافِيْ نَصْبَ الْقَرِيْنَةِ الْمَانِعَةِ عَنْ إِرَادَةِ السَّبُعِ الْمَخْصُوْصِ (١). وَاعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِعَارَةَ تُفَارِقُ الْكَذِبَ (٢): ١ - بِالْبِنَاءِ عَلَى التَّأْوِيْلِ: فِيْ دَعْوَى دُخُوْلِ الْمُشَبَّهِ فِيْ جِنْسِ الْمُشَبَّهِ بِهِ؛ بِأَنْ يُجْعَلَ أَفْرَادُ الْمُشَبَّهِ بِهِ قِسْمَيْنِ؛ مُتَعَارَفٌ وَغَيْرُ مُتَعَارَفٍ - كَمَا مَرَّ - وَلَا تَأْوِيْلَ فِي الْكَذِبِ. ٢ - وَبِنَصْبِ الْقَرِيْنَةِ عَلَى إِرَادَةِ خِلَافِ الظَّاهِرِ: فِي الِاسْتِعَارَةِ - كَمَا عَرَفْتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْمَجَازِ مِنْ قَرِيْنَةٍ مَانِعَةٍ عَنْ إِرَادَةِ الْمَوْضُوْعِ لَهُ - بِخِلَافِ الْكَذِبِ؛ فَإِنَّ قَائِلَهُ لَا يَنْصِبُ قَرِيْنَةً عَلَى إِرَادَةِ خِلَافِ (٣) الظَّاهِرِ، بَلْ يَبْذِلُ الْمَجْهُوْدَ فِيْ تَرْوِيْجِ ظَاهِرِهِ (٤). ثُمَّ إِنَّ النَّاظِمَ ذَكَرَ بَعْضَ أَقْسَامِ الِاسْتِعَارَةِ، فَقَالَ: وَهْيَ: أَيِ الِاسْتِعَارَةُ (بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ الْمُسْتَعَارِ) قِسْمَانِ (٥)؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْمُسْتَعَارَ
следующие страницы →