← Баляга

Баляга · id 147320

درر الفرائد المستحسنة في شرح منظومة ابن الشحنة

ابن عبد الحق العمري

Полный текст (486 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

الْمَوْضُوْعَةِ لِلْجَارِحَةِ الْمَخْصُوْصَةِ إِذَا اسْتُعْمِلَتْ فِي النِّعْمَةِ (١)؛ لِكَوْنِهَا بِمَنْزِلَةِ الْفَاعِلِيَّةِ لِلنِّعْمَةِ؛ لِأَنَّ النِّعْمَةَ مِنْهَا تَصْدُرُ وَتَصِلُ إِلَى الْمَقْصُوْدِ، وَكَالْيَدِ فِي الْقُدْرَةِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا يَظْهَرُ سُلْطَانُ الْقُدْرَةِ يَكُوْنُ فِي الْيَدِ، وَبِهَا يَكُوْنُ الْأَفْعَالُ الدَّالَّةُ عَلَى الْقُدْرَةِ؛ مِنَ الْبَطْشِ، وَالضَّرْبِ، وَالْقَطْعِ، وَالْأَخْذِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَكَالرَّاوِيَةِ (٢) - الَّتِيْ هِيَ فِي الْأَصْلِ اسْمٌ لِلْبَعِيْرِ الَّذِيْ يَحْمِلُ الْمَزَادَةَ - إِذَا اسْتُعْمِلَتْ فِي الْمَزَادَةِ. أَيْ: فِي الْمِزْوَدِ الَّذِيْ يُجْعَلُ فِيْهِ الزَّادُ (٣)، أَيِ الطَّعَامُ، الْمُتَّخَذُ لِلسَّفَرِ (٤)؛ وَالْعَلَاقَةُ كَوْنُ الْبَعِيْرِ حَامِلاً لَهَا (٥)، وبِمَنْزِلَةِ الْعِلَّةِ الْمَادِّيَّةِ (٦).

стр. 317

أَوِ اسْتِعَارَهْ: أَيْ أَوْ يَكُوْنُ الْمَجَازُ اسْتِعَارَةً إِنْ لَمْ تَكُنْ عَلَاقَتُهُ غَيْرَ الْمُشَابَهَةِ - بَلْ كَانَتِ الْمُشَابَهَةَ بَيْنَهُمَا - فَاسْتِعَارَةٌ مُصَرَّحَةٌ، فَعَلَى هَذَا:

стр. 318

· الِاسْتِعَارَةُ: هِيَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيْمَا شُبِّهَ بِمَعْنَاهُ الْأَصْلِيِّ؛ لِعَلَاقَةِ الْمُشَابَهَةِ؛ كَـ (الْأَسَدِ) فِيْ قَوْلِنَا: (رَأَيْتُ أَسَداً يَرْمِيْ) (١). · وَقِيْلَ: إِنَّهَا - أَيِ الِاسْتِعَارَةَ - مَجَازٌ عَقْلِيٌّ؛ بِمَعْنَى أَنَّ التَّصَرُّفَ فِي أَمْرٍ عَقْلِيٍّ لَا لُغَوِيٍّ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا لَمْ تُطْلَقْ عَلَى الْمُشَبَّهِ إِلَّا بَعْدَ ادِّعَاءِ دُخُوْلِهُ - أَيْ دُخُوْلِ الْمُشَبَّهِ - فِيْ جِنْسِ الْمُشَبَّهِ بِهِ؛ بِأَنْ جُعِلَ الرَّجُلُ الشُّجَاعُ فَرْداً مِنْ أَفْرَادِ الْأَسَدِ كَانَ اسْتِعْمَالُهَا - أَيِ الِاسْتِعَارَةِ فِي الْمُشَبَّهِ - اسْتِعْمَالاً فِيْمَا وُضِعَتْ لَهُ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: (إِنَّهَا لَمْ تُطْلَقْ عَلَى الْمُشَبَّهِ إِلَّا بَعْدَ دُخُوْلِهِ فِيْ جِنْسِ الْمُشَبَّهِ بِهِ (٢))؛ لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ (٣) كَذَلِكَ: - لَمَا كَانِتِ اسْتِعَارَةً؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ نَقْلِ الِاسْمِ لَوْ كَانَ اسْتِعَارَةً لَكَانَتِ الْأَعْلَامُ الْمَنْقُوْلَةُ؛ كَـ (يَزِيْدَ، وَيَشْكُرَ) اسْتِعَارَةً. - وَلَمَا كَانَتِ الِاسْتِعَارَةُ أَبْلَغَ مِنَ الْحَقِيْقَةِ؛ إِذْ لَا مُبَالَغَةَ فِيْ إِطْلَاقِ الِاسْمِ الْمُجَرَّدِ عَارِياً عَنْ مَعْنَاهُ. - وَلَمَا صَحَّ أَنْ يُقَالَ لِمَنْ قَالَ: (رَأَيْتُ أَسَداً)، وَأَرَادَ (زَيْداً): إِنَّهُ جَعَلَهُ أَسَداً؛ كَمَا لَا يُقَالُ لِمَنْ سَمَّى وَلَدَهُ (أَسَداً): إِنَّهُ جَعَلَهُ أَسَداً (٤)؛ إِذْ لَا يُقَالُ: (جَعَلَهُ أَمِيْراً) (٥) إِلَّا وَقَدْ أَثْبَتَ فِيْهِ صِفَةَ الْإِمَارَةِ.

стр. 319

وَإِذَا كَانَ نَقْلُ اسْمِ الْمُشَبَّهِ بِهِ إِلَى الْمُشَبَّهِ تَبَعاً لِنَقْلِ مَعْنَاهُ إِلَيْهِ - بِمَعْنَى أَنَّهُ أُثْبِتَ لَهُ مَعْنَى الْأَسَدِ الْحَقِيْقِيِّ ادِّعَاءً، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْأَسَدِ - كَانَ الْأَسَدُ مُسْتَعْمَلاً فِيْمَا وُضِعَ لَهُ، فَلَا يَكُوْنُ مَجَازاً لُغَوِيّاً، بَلْ عَقْلِيّاً؛ بِمَعْنَى أَنَّ الْعَقْلَ جَعَلَ الرَّجُلَ الشُّجَاعَ مِنْ جِنْسِ الْأَسَدِ. وَجَعْلُ مَا لَيْسَ فِي الْوَاقِعِ وَاقِعاً مَجَازٌ عَقْلِيٌّ. وَعَلَى هَذَا مَشَى النَّاظِمُ فَقَالَ: ٨٦ - بِجَعْلِ ذَا ذَاكَ ادِّعَاءً أَوَّلَهْ ... وَهْيَ إِنِ اسْمُ جِنْسٍ اسْتُعِيْرَ لَهْ ٨٧ - أَصْلِيَّةٌ، أَوْ لَا فَتَابِعِيَّهْ، ... وَإِنْ تَكُنْ ضِدّاً تَهَكُّمِيَّهْ [*] بِجَعْلِ: الْمُسْتَعِيْرِ ذَا: أَيِ الْمُشَبَّهِ ذَاكَ: أَيِ الْمُشَبَّهَ بِهِ ادِّعَاءً: أَنَّ الْمُشَبَّهَ دَاخِلٌ فِيْ جِنْسِ الْمُشَبَّهِ بِهِ، كَمَا بُيِّنَ ذَلكَ آنِفاً أَوَّلَهْ: أَيْ أَوَّلَ الْمُسْتَعِيْرُ ادِّعَاءَ دُخُوْلِ الْمُشَبَّهِ فِيْ جِنْسِ الْمُشَبَّهِ بِهِ بِأَنْ جَعَلَ أَفْرَادَ الْأَسَدِ - بِطَرِيْقِ التَّأْوِيْلِ - قِسْمَيْنِ: - أَحَدُهُمَا الْمُتَعَارَفُ: وَهُوَ الَّذِيْ لَهُ غَايَةُ الْجُرْأَةِ، فِيْ مِثْلِ تِلْكَ الْجُثَّةِ الْمَخْصُوْصَةِ. - وَالثَّانِيْ غَيْرُ الْمُتَعَارَفِ: وَهُوَ الَّذِيْ لَهُ تِلْكَ الْجُرْأَةُ، لَكِنْ لَا فِيْ تِلْكَ الْجُثَّةِ وَالْهَيْكَلِ الْمَخْصُوْصِ. وَلَفْظُ (الْأَسَدِ) إِنَّمَا هُوَ مَوْضُوْعٌ لِلْمُتَعَارَفِ، فَاسْتِعْمَالُهُ فِيْ غَيْرِ الْمُتَعَارَفِ اسْتِعْمَالٌ فِيْ غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ، وَالْقَرِيْنَةُ مَانِعَةٌ عَنْ إِرَادَةِ الْمَعْنَى الْمُتَعَارَفِ؛ [لِيَتَعَيَّنَ الْمَعْنَى غَيْرُ الْمُتَعَارَفِ] (١)؛ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا يُقَالُ: إِنَّ

стр. 320

الْإِصْرَارَ عَلَى دَعْوَى الْأَسَدِيَّةِ لِلرَّجُلِ الشُّجَاعِ تُنَافِيْ نَصْبَ الْقَرِيْنَةِ الْمَانِعَةِ عَنْ إِرَادَةِ السَّبُعِ الْمَخْصُوْصِ (١). وَاعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِعَارَةَ تُفَارِقُ الْكَذِبَ (٢): ١ - بِالْبِنَاءِ عَلَى التَّأْوِيْلِ: فِيْ دَعْوَى دُخُوْلِ الْمُشَبَّهِ فِيْ جِنْسِ الْمُشَبَّهِ بِهِ؛ بِأَنْ يُجْعَلَ أَفْرَادُ الْمُشَبَّهِ بِهِ قِسْمَيْنِ؛ مُتَعَارَفٌ وَغَيْرُ مُتَعَارَفٍ - كَمَا مَرَّ - وَلَا تَأْوِيْلَ فِي الْكَذِبِ. ٢ - وَبِنَصْبِ الْقَرِيْنَةِ عَلَى إِرَادَةِ خِلَافِ الظَّاهِرِ: فِي الِاسْتِعَارَةِ - كَمَا عَرَفْتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْمَجَازِ مِنْ قَرِيْنَةٍ مَانِعَةٍ عَنْ إِرَادَةِ الْمَوْضُوْعِ لَهُ - بِخِلَافِ الْكَذِبِ؛ فَإِنَّ قَائِلَهُ لَا يَنْصِبُ قَرِيْنَةً عَلَى إِرَادَةِ خِلَافِ (٣) الظَّاهِرِ، بَلْ يَبْذِلُ الْمَجْهُوْدَ فِيْ تَرْوِيْجِ ظَاهِرِهِ (٤). ثُمَّ إِنَّ النَّاظِمَ ذَكَرَ بَعْضَ أَقْسَامِ الِاسْتِعَارَةِ، فَقَالَ: وَهْيَ: أَيِ الِاسْتِعَارَةُ (بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ الْمُسْتَعَارِ) قِسْمَانِ (٥)؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْمُسْتَعَارَ

стр. 321

إِنِ: كَانَ اسْمُ جِنْسٍ: (حَقِيْقَةً)، أَوْ (تَأْوِيْلاً)؛ كَمَا فِي الْأَعْلَامِ الْمُشْتَهَرَةِ بِنَوْعِ وَصْفِيَّةٍ (١) اسْتُعِيْرَ لَهْ: أَيْ لِلْمُشَبَّهِ؛ فَهِيَ * * * ٨٧ - أَصْلِيَّةٌ، أَوْ لَا فَتَابِعِيَّهْ، ... وَإِنْ تَكُنْ ضِدّاً تَهَكُّمِيَّهْ أَصْلِيَّةٌ: أَيْ فَالِاسْتِعَارَةُ أَصْلِيَّةٌ؛ كَـ (أَسَدٍ) إِذَا اسْتُعِيْرَ لِلرَّجُلِ الشُّجَاعِ، وَ (قَتْلٍ) إِذَا اسْتُعِيْرَ للضَّرْبِ الشَّدِيْدِ. الْأَوَّلُ: اسْمُ عَيْنٍ، وَالثَّانِي: اسْمُ مَعْنًى (٢). وَإِلَّا (٣): أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكِنِ اللَّفْظُ الْمُسْتَعَارُ اسْمَ جِنْسٍ؛ (٤) كَالْفَعِلِ، وَمَا يُشْتَقُّ مِنْهُ؛ مِثْلُ: (اسْمِ الْفَاعِلِ، وَالْمَفْعُوْلِ، وَالصِّفَةِ الْمُشْبَّهَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ)، وَالْحَرْفِ.

стр. 322

فَـ: الِاسْتِعَارَةُ تَابِعِيَّهْ: أَيْ فَالِاسْتِعَارَةُ تَبَعِيَّةٌ؛ لِجَرَيَانِهَا فِي اللَّفْظِ الْمَذْكُوْرِ (١) بَعْدَ جَرَيَانِهَا فِي الْمَصْدَرِ، إِنْ كَانَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعَارُ مُشْتَقّاً؛ مِثْلُ الْأَفْعَالِ وَالصِّفَاتِ الْمُشْتَقَّةِ مِنْ أَسْمَاءِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْآلَةِ، وَبَعْدَ جَرَيَانِهَا فِيْ مُتَعَلَّقِ مَعْنَى الْحَرْفِ، إِنْ كَانَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعَارُ حَرْفاً، وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاسْتِعَارَةَ بِوَاسِطَةِ تَفَرُّعِهَا عَنِ التَّشْبِيْهِ تَقْتَضِيْ مُلَاحَظَةَ الْمُسْتَعَارِ مِنْهُ ضِمْناً، مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مَوْصُوْفٌ وَمَحْكُوْمٌ عَلَيْهِ بِوَجْهِ الشَّبَهِ وَبِالْمُشَارَكَةِ فِيْهِ مَعَ الْمُسْتَعَارِ لَهُ. وَقَدْ تَحَقَّقَ أَنَّ مَعْنَى الْحَرْفِ - مِنْ حَيْثُ هُوَ مَعْنَاهُ - لَا يَصِحُّ أَنْ يُلَاحَظَ مَحْكُوْماً عَلَيْهِ، وَمَوْصُوْفاً بِشَيْءٍ - عَلَى مَا حَقَّقَهُ الشَّرِيْفُ الْمُرْتَضَى (٢)، قَدَّسَ اللهُ سِرَّهُ، فِيْ بَعْضِ رَسَائِلِهِ (٣) -: «فَلَا يُتَصَوَّرُ جَرَيَانُ الِاسْتِعَارَةِ فِي الْحَرْفِ ابْتِدَاءً؛ لَكِنْ مُتَعَلَّقَاتُ الْحُرُوْفِ؛ (كَالِابْتِدَاءِ، وَالِانْتِهَاءِ، وَالظَّرْفِيَّةِ، وَالْغَرَضِيَّةِ) مَعَانٍ مُسْتَقِلَّةٌ، فَيَقَعُ التَّشْبِيْهُ بِهَا، وَتَجْرِي الِاسْتِعَارَةُ فِيْهَا أَصَالَةً، ثُمَّ تَسْرِي إِلَى مَعَانِي الْحُرُوْفِ؛ لِاشْتِمَالِهَا عَلَيْهَا، وَاسْتَلْزَامِهَا لَهَا، وَكَذَا قَدْ تَحَقَّقَ أَنَّ مَعَانِيَ الْأَفْعَالِ -مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا مَعَانِيْهَا- لَا يَصِحُّ أَنْ تَقَعَ مَحْكُوْماً عَلَيْهَا؛ فَلَا تَجْرِي الِاسْتِعَارَةُ فِيْهَا أَصَالَةً بَلْ تَبَعاً لِمَعَانِيْ مَصَادِرِهَا. وَاعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِعَارَةَ - فِي الْفِعْلِ - إِنَّمَا تُتَصَوَّرُ بِتَبَعِيَّةِ الْمَصْدَرِ، وَلَا تَجْرِيْ فِي النِّسْبَةِ الدَّاخِلَةِ فِيْ مَفْهُوْمِهِ، تَبَعاً عَلَى قِيَاسِ الْحَرْفِ: فَإِنَّ مَعْنَاهُ: نِسْبَةٌ مَخْصُوْصَةٌ تَجْرِيْ فِيْهَا الِاسْتِعَارَةُ تَبَعاً؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ التَّشْبِيْهِ لَمْ يُشْتَهَرْ بِمَعْنًى يَصْلُحُ أَنْ يُجْعَلَ وَجْهَ شَبَهٍ فِي الِاسْتِعَارَةِ.

стр. 323

بِخِلَافِ مُتَعَلَّقَاتِ الْحُرُوْفِ؛ فَإِنَّهَا أَنْوَاعٌ مَخْصُوْصَةٌ، لَهَا أَحْوَالٌ مَشْهُوْرَةٌ. - ثُمَّ إِنَّ الِاسْتِعَارَةَ - فِي الْفِعْلِ - عَلَى قِسْمَيْنِ: - أَحَدُهُمَا: أَنْ يُشَبَّهَ الضَّرْبُ الشَّدِيْدُ مَثَلاً بِالْقَتْلِ وَيُسْتَعَارَ لَهُ اسْمُهُ، ثُمَّ يُشْتَقُّ مِنْهُ (قَتَلَ) بِمَعْنَى (ضَرَبَ ضَرْباً شَدِيْداً). - وَالثَّانِيْ: أَنْ يُشَبَّهَ الضَّرْبُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِالضَّرْبِ فِي الْمَاضِيْ مَثَلاً؛ فِيْ تَحَقُّقِ الْوُقُوْعِ؛ فَيُسْتَعْمَلُ فِيْهِ (ضَرَبَ) فَيَكُوْنُ مَعْنَى الْمَصْدَرِ - أَعْنِي الضَّرْبَ - مَوْجُوْداً فِيْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُشَبَّهِ وَالْمُشَبَّهِ بِهِ، لَكِنَّهُ قَيَّدَ كُلّاً مِنْهُمَا بِقَيْدٍ مُغَايِرٍ لِقَيْدِ الْآخَرِ، فَصَحَّ التَّشْبِيْهُ لِذَلِكَ. وَأَمَّا الصِّفَاتُ، وَاسْمَا الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، وَالْآلَةُ فَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ الدَّلِيْلُ فِيْهَا؛ لِأَنَّ مَعَانِيَهَا تَصْلُحُ أَنْ تَقَعَ مَحْكُوْماً عَلَيْهَا، فَالْوَجْهُ فِيْ كَوْنِ الِاسْتِعَارَةِ فِيْهَا تَبَعِيَّةً مَا ذَكَرَهُ التَّفْتَازَانِيُّ (١) مِنْ «أَنَّ الْمَقْصُوْدَ/ الْأَهَمَّ فِي الصِّفَاتِ، وَأَسْمَاءِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْآلَةِ = هُوَ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالذَّاتِ، لَا نَفْسُ الذَّاتِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ. فَإِذَا كَانَ الْمُسْتَعَارُ صِفَةً أَوِ اسْمَ مَكَانٍ مَثَلاً يَنْبَغِيْ أَنْ يُعتبَرَ [التَّشبيهُ] (٢) فِيْمَا هُوَ الْمَقْصُوْدُ الْأَهَمُّ؛ إِذْ لَوْ لَمْ يُقْصَدْ لَوَجَبَ أَنْ يُذْكَرَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى نَفْسِ الذَّاتِ». قَالَ الشَّرِيْفُ (٣) - قُدِّسَ سِرُّهُ -: «وَتَفْصِيْلُهُ أَنَّ الصِّفَاتِ إِنَّمَا تَدُلُّ عَلَى ذَوَاتٍ مُبْهَمَةٍ، بِاعْتِبَارِ مَعَانٍ مُعَيَّنَةٍ هِيَ الْمَقْصُوْدَةُ مِنْهَا، فَإِنَّ مَعْنَى (قَائِمٌ)

стр. 324

مَثَلاً شَيْءٌ مَّا، أَوْ ذَاتُ مَا لَهُ الْقِيَامُ، وَلَمَّا لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الذَّاتُ الْمُبْهَمَةُ مَقْصُوْدَةً مِنْهَا، وَلَا شُهِرَتْ لِمَا يَصْلُحُ وَجْهَ شَبَهٍ فِي الِاسْتِعَارَةِ = لَمْ يُتَصَوَّرْ جَرَيَانُ الِاسْتِعَارَةِ فِيْهَا، بَلْ يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ بِحَسْبِ مَعَانِيْ مَصَادِرِهَا الْمَقْصُوْدَةِ مِنْهَا، فَكَانَتْ تَبَعِيَّةً. وَأَمَّا أَسْمَاءُ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْآلَةِ، فَإِنَّهَا -وَإِنْ كَانَتْ دَالَّةً عَلَى ذَوَاتٍ مُتَعَيِّنَةٍ بِاعْتِبَارٍ مَّا- فَإِنَّ قَوْلَكَ: (مَقَامٌ) (١) فَمَعْنَاهُ: مَكَانٌ فِيْهِ الْقِيَامُ، لَا شَيْءٌ مَّا، أَوْ ذَاتُ مَا فِيْهِ الْقِيَامُ، إِلَّا أَنَّ الْمَقْصُوْدَ الْأَصْلِيَّ مِنْهَا أَيْضاً مَعَانِي مَصَادِرِهَا الْوَاقِعَةُ فِيْهَا أَوْ بِهَا، فَتَكُوْنُ الِاسْتِعَارَةُ فِيْهَا تَبَعاً لَهَا أَيْضاً، وَلَوْ قُصِدَ التَّشْبِيْهُ وَالِاسْتِعَارَةُ بِحَسْبِ تِلْكَ الذَّاتِ، لَوَجَبَ أَنْ يُذْكَرَ بِأَلْفَاظٍ دَالَّةٍ عَلَى نَفْسِهَا. وَبِهَذَا التَّفْصِيْلِ اتَّضَحَ الْفَرْقُ بَيْنَ الصِّفَةِ كَاسْمِ الْفَاعِلِ وَأَخَوَاتِهِ، وَبَيْنَ اسْمِ الْمَكَانِ وَأَخَوَاتِهِ». · وَالْمُرَادُ بِمُتَعَلَّقِ مَعْنَى الْحَرْفِ (٢): مَا يُعَبَّرُ عَنْهُ - أَيْ: عَنْ مَعْنَى الْحَرْفِ - عِنْدَ تَفْسِيْرِهِ مِنَ الْمَعَانِي الْمُطْلَقَةِ؛ كَالِابْتِدَاءِ، وَنَحْوِهِ؛ حِيْنَ يُقَالُ: (مِنْ) مَعْنَاهَا: ابْتِدَاءُ الْغَايَةِ، وَ (فِيْ) مَعْنَاهَا: الظَّرْفِيَّةُ، وَ (كَيْ) مَعْنَاهَا: الْغَرَضُ (٣). وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ عُرِفَ أَنَّ مَعْنَى لَفْظِ الِابْتِدَاءِ هُوَ الِابْتِدَاءُ الْمُطْلَقُ، وَأَنَّ مَعْنَى (مِنْ) هُوَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الِابْتِدَاءَاتِ الْمَخْصُوْصَةِ الْمُتَصَوَّرَةِ بَيْنَ أَشْيَاءَ مُعَيَّنَةٍ عَلَى أَنَّهَا آلَةٌ لِمُلَاحَظَتِهَا. فَإِذَا أُرِيْدَ التَّعْبِيْرُ عَنْ ذَلِكَ الِابْتِدَاءِ عُبِّرَ عَنْهَا بِالِابْتِدَاءِ الْمُطْلَقِ الَّذِيْ

стр. 325

هُوَ مُشتَرَكٌ بَيْنَهَا، وَلَازِمٌ لَهَا لُزُوْمَ الْمُطْلَقِ لِلْمُقَيَّدِ؛ تَسْهِيْلاً عَلَى الْمُتَعَلِّمِيْنَ؛ فَيُقَالُ: مَعْنَى (مِنْ) هُوَ ابْتِدَاءُ الْغَايَةِ، وَمَعْنَى (كَيْ) الْغَرَضِيَّةُ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ذُكِرَ فِيْ تَفْسِيْرِ مَعَانِي الْحُرُوْفِ (١). فَالْمُرَادُ بِمُتَعَلَّقَاتِ مَعَانِي الْحُرُوْفِ: هِيَ هَذِهِ النِّسْبَةُ الْمُطْلَقَةُ الْمُشْتَرَكَةُ بَيْنَ مَعَانِيْهَا الْمَخْصُوْصَةِ الْمُسْتَلْزِمَةِ لِتِلْكَ النِّسْبَةِ الْمُطْلَقَةِ. وَإِنَّمَا جُعِلَ الْمَعَانِي الْمُطْلَقَةُ مُعَبَّراً بِهَا عَنْ مَعَانِيْ تِلْكَ الْحُرُوْفِ؛ نَظَراً إِلَى أَنَّ الْأَلْفَاظَ الْمَذْكُوْرَةَ عِنْدَ التَّفْسِيْرِ- كَلَفْظِ الِابْتِدَاءِ وَأَخَوَاتِهِ - عِبَارَةٌ عَنْ تِلْكَ الْمُتَعَلَّقَاتِ، فَتَدَبَّرْ. وَاعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِعَارَةَ تَنْقَسِمُ بِاعْتِبَارِ: ١ - الطَّرَفَيْنِ (٢) ٢ - وَبِاعْتِبَارِ الْجَامِعِ (٣) ٣ - وَبِاعْتِبَارِ الثَّلَاثَةِ (أَعْنِي: الطَّرَفَيْنِ وَالْجَامِعَ) (٤) ٤ - وَبِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ (٥)

стр. 326

٥ - وَبِاعْتِبَارٍ آخَرَ غَيْرِ ذَلِكَ (١). فَهِيَ بِاعْتِبَارِ الطَّرَفَيْنِ أَيِ الْمُسْتَعَارِ مِنْهُ، وَالْمُسْتَعَارِ لَهُ - قِسْمَانِ؛ لِأَنَّ اجْتِمَاعَ الطَّرَفَيْنِ فِيْ شَيْءٍ: ١ - إِمَّا مُمْكِنٌ: نَحْوُ (أَحْيَيْنَاهُ) فِيْ: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] أَيْ: ضَالّاً فَهَدَيْنَاهُ، اِسْتَعَارَ الْإِحْيَاءَ مِنْ مَعْنَاهُ الْحَقِيْقِيِّ - وَهُوَ جَعْلُ الشَّيْءِ حَيّاً - لِلْهِدَايَةِ الَّتِيْ هِيَ الدَّلَالَةُ عَلَى طَرِيْقٍ مُوْصِلٍ إِلَى الْمَطْلُوْبِ، وَالْإِحْيَاءُ وَالْهِدَايَةُ مِمَّا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُمَا (٢) فِيْ شَيْءٍ، وَتُسَمَّى هَذِهِ الِاسْتِعَارَةُ الَّتِيْ يُمْكِنُ اجْتِمَاعُ طَرَفَيْهَا فِيْ شَيْءٍ وِفَاقِيَّةً؛ لِمَا بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ مِنَ الِاتِّفَاقِ. ٢ - وَإِمَّا مُمْتَنِعٌ: أَيِ اجْتِمَاعُ الطَّرَفَيْنِ؛ كَاسْتِعَارَةِ اسْمِ الْمَعْدُوْمِ لِلْمَوْجُوْدِ؛ لِعَدَمِ غَنَائِهِ - هُوَ بِالْفَتْحِ [النَّفْعُ] (٣) - أَيْ لِانْتِفَاءِ النَّفْعِ فِيْ ذَلِكَ الْمَوْجُوْدِ، كَمَا فِي الْمَعْدُوْمِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ اجْتِمَاعَ الْوُجُوْدِ وَالْعَدَمِ فِيْ شَيْءٍ مُمْتَنِعٌ، وَكَذَلِكَ اسْتِعَارَةُ (الْمَوْجُوْدِ) لِمَنْ عَدِمَ وَفُقِدَ إِذَا بَقِيَتْ آثَارُهُ الْجَمِيْلَةُ الَّتِيْ تُحْيِيْ ذِكْرَهُ، وَتُدِيْمُ فِي النَّاسِ اسْمَهُ، وَكَذَلِكَ اسْتِعَارَةُ اسْمِ (الْمَيِّتِ) لِلْحَيِّ الْجَاهِلِ أَوِ الْعَاجزِ أَوِ النَّائِمِ؛ فَإِنَّ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُمَا فِيْ شَيْءٍ، وَتُسَمَّى هَذِهِ الِاسْتِعَارَةُ الَّتِيْ لَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُ طَرَفَيْهَا فِيْ شَيْءٍ عِنَادِيَّةً؛ لِتَعَانُدِ الطَّرَفَيْنِ، وَمِنْهَا - أَيْ مِنَ الْعِنَادِيَّةِ - الِاسْتِعَارَةُ التَّهَكُّمِيَّةُ، وَالتَّمْلِيْحِيَّةُ، وَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ:

стр. 327

وَإِنْ تَكُنْ: أَيِ الِاسْتِعَارَةُ ضِدّاً: أَيْ مُسْتَعْمَلَةً فِيْ ضِدِّ مَعْنَاهَا الْحَقِيْقِيِّ أَوْ نَقِيْضِهِ تَهَكُّمِيَّهْ: أَيْ فَهِيَ التَّهَكُّمِيَّةُ وَالتَّمْلِيْحِيَّةُ؛ لِتَنْزِيْلِ التَّضَادِّ وَالتَّنَاقُضِ مَنْزِلَةَ التَّنَاسُبِ بِوَاسِطَةِ تَمْلِيْحٍ أَوْ تَهَكُّمٍ؛ نَحْوُ: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الانشقاق: ٢٤] أَيْ: أَنْذِرْهُمْ. اِسْتُعِيْرَتِ الْبِشَارَةُ - الَّتِيْ هِيَ الْإِخْبَارُ بِمَا يُظْهِرُ سُرُوْرَ الْمُخْبَرِ بِهِ - لِلْإِنْذَارِ الَّذِيْ هُوَ ضِدُّهُ؛ بِإِدْخَالِهِ فِيْ جِنْسِهَا عَلَى سَبِيْلِ التَّهَكُّمِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُكَ: (رَأَيْتُ أَسَداً) وَأَنْتَ تُرِيْدُ جَبَاناً، عَلَى سَبِيْل التَّمْلِيْحِ وَالظَّرَافَةِ وَالِاسْتِهْزَاءِ (١). وَهِيَ بِاعْتِبَارِ الْجَامِعِ أَعْنِيْ مَا قُصِدَ اشْتِرَاكُ الطَّرَفَيْنِ فِيْهِ (٢)، وَهُوَ الَّذِيْ يُسَمَّى فِي التَّشْبِيْهِ: وَجْهاً، وَهَهُنَا: جَامِعاً قِسْمَانِ (٣)؛ لِأَنَّ الْجَامِعَ: ١ - إِمَّا دَاخِلٌ فِيْ مَفْهُوْمِ الطَّرَفَيْنِ: الْمُسْتَعَارِ لَهُ وَالْمُسْتَعَارِ مِنْهُ؛ نَحْوُ قَوْلِهِ ﵊: «خَيْرُ النَّاسِ رَجُلٌ يُمْسِكُ عِنَانَ (٤) فَرَسِهِ، كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً (٥) طَارَ إِلَيْهَا، أَوْ (٦) رَجُلٌ فِيْ شَعْفَةٍ فِيْ غُنِيْمَةٍ [لَهُ، يَعْبُدُ اللهَ حَتَّى] (٧)

стр. 328

يَأْتِيَهُ الْمَوْتُ» (١) وَالْمَعْنَى: خَيْرُ النَّاسِ رَجُلٌ أَخَذَ بِعِنَانِ فَرَسِهِ، فَاسْتَعَدَّ لِلْجِهَادِ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، أَوْ رَجُلٌ اعْتَزَلَ النَّاسَ وَسَكَنَ فِيْ بَعْضِ رُؤُوْسِ الْجِبَالِ، فِيْ غَنَمٍ لَهُ قَلِيْلٍ، يَرْعَاهَا وَيَكْتَفِيْ بِهَا فِيْ أَمْرِ مَعَاشِهِ، وَيَعْبُدُ اللهَ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمَوْتُ. اِسْتَعَارَ الطَّيَرَانَ لِلْعَدْوِ، وَالْجَامِعُ دَاخِلٌ فِيْ مَفْهُوْمِهِمَا؛ فَإِنَّ الْجَامِعَ بَيْنَ الْعَدْوِ وَالطَّيَرَانِ: (قَطْعُ الْمَسَافَةِ بِسُرْعَةٍ)، وَهُوَ دَاخِلٌ فِيْهِمَا، أَيْ فِي الْعَدْوِ وَالطَّيَرَانِ، إِلَّا أَنَّهُ فِي الطَّيَرَانِ أَقْوَى مِنْهُ فِي الْعَدْوِ. ٢ - أَوْ غَيْرُ دَاخِلٍ: كَمَا مَرَّ مِنِ اسْتِعَارَةِ (الْأَسَدِ للرَّجُلِ الشُّجَاعِ)، وَ (الشَّمْسِ لِلْوَجْهِ الْمُتَهَلِّلِ)، وَغَيْرِ ذَلِكَ. · وَأَيْضاً تَقْسِيْمٌ آخَرُ لِلِاسْتِعَارَةِ بِاعْتِبَارِ الْجَامِعِ، وَهُوَ أَنَّهَا: ١ - إِمَّا عَامِّيَّةٌ: وَهِيَ الْمُبْتَذَلَةُ؛ لِظُهُوْرِ الْجَامِعِ فِيْهَا؛ نَحْوُ: (رَأَيْتُ أَسَداً يَرْمِيْ). ٢ - وَإِمَّا خَاصِّيَّةٌ: وَهِيَ الْغَرِيْبَةُ الَّتِيْ لَا يَطَّلِعُ عَلِيْهَا إِلَّا الْخَاصَّةُ الَّذِيْنَ أُوْتُوْا ذِهْناً بِهِ ارْتَفَعُوْا عَنْ طَبَقَةِ الْعَامَّةِ. - وَالْغَرَابَةُ قَدْ تَكُوْنُ فِيْ نَفْسِ الشَّبَهِ؛ بِأَنْ يَكُوْنَ تَشْبِيْهاً فِيْهِ نَوْعُ غَرَابَةٍ؛ كَمَا فِيْ قَوْلِهِ: [الكامل]

стр. 329

وَإِذَا احْتَبَى قَرَبُوْسُهُ [بِعِنَانِهِ] (١) ... عَلَكَ الشَّكِيْمَ إِلَى انْصِرَافِ الزَّائِرِ (٢) شَبَّهَ هَيْئَةَ وُقُوْعِ الْعِنَانِ فِيْ مَوْقِعِهِ مِنْ قَرَبُوْسِ السَّرْجِ مُمْتَدّاً إِلَى جَانِبَيْ فَمِ الْفَرَسِ = بِهَيْئَةِ وُقُوْعِ الثَّوْبِ مَوْقِعَهُ مِنْ رُكْبَةِ الْمُحْتَبِيْ مُمْتَدّاً إِلَى جَانِبَيْ ظَهْرِهِ. فَاسْتَعَارَ الِاحْتِبَاءَ - وَهُوَ أَنْ يَجْمَعَ الرَّجُلُ ظَهْرَهُ وَسَاقَيْهِ بِثَوْبٍ أَوْ غَيْرِهِ - لِوُقُوْعِ الْعِنَانِ فِيْ قَرَبُوْسِ السَّرْجِ، فَجَاءَتِ الِاسْتِعَارَةُ غَرِيْبَةً؛ لِغَرَابَةِ التَّشْبِيْهِ. - وَقَدْ تَحْصُلُ الْغَرَابَةُ بِتَصَرُّفٍ فِي الْعَامِيَّةِ؛ كَمَا فِيْ قَوْلِهِ: [الطّويل] . . . . . . . . . . . . . . . . ... وَسَالَتْ بِأَعْنَاقِ الْمَطِيِّ الْأَبَاطِحُ (٣)

стр. 330

اِسْتَعَارَ سَيَلَانَ السُّيُوْلِ الْوَاقِعَةِ فِي الْأَبَاطِحِ لِسَيْرِ الْإِبِلِ سَيْراً حَثِيْثاً فِيْ غَايَةِ السُّرْعَةِ، الْمُشْتَمِلِ عَلَى لِيْنٍ وَسَلَاسَةٍ، وَالشَّبَهُ فِيْهَا ظَاهِرٌ عَامِّيٌّ، لَكِنْ قَدْ تَصَرَّفَ فِيْهِ بِمَا قَدْ أَفَادَهُ اللُّطْفَ وَالْغَرَابَةَ؛ إِذْ أَسْنَدَ الْفِعْلَ - وَهُوَ (سَالَتْ) - إِلَى الْأَبَاطِحِ دُوْنَ الْمَطِيِّ أَوْ أَعْنَاقِهَا؛ حَتَّى أَفَادَ أَنَّهُ امْتَلَأَتِ الْأَبَاطِحُ مِنَ الْإِبِلِ؛ كَمَا فِيْ: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤]، وَأَدْخَلَ الْأَعْنَاقَ فِي السَّيْرِ؛ لِأَنَّ السُّرْعَةَ أَوِ الْبُطْءَ فِيْ سَيْرِ الْإِبِلِ يَظْهَرَانِ غَالِباً فِي الْأَعْنَاقِ. - وَقَدْ تَحْصُلُ الْغَرَابَةُ بِغَيْرِ ذَلِكَ (١). وَالِاسْتِعَارَةُ بِاعْتِبَارِ الثَّلَاثَةِ أَيِ: الْمُسْتَعَارِ مِنْهُ، وَالْمُسْتَعَارِ لَهُ، وَالْجَامِعِ سِتَّةُ أَقْسَامٍ؛ لِأَنَّ الطَّرَفَيْنِ: · إِنْ كَانَا حِسِّيَّيْنِ: ١ - فَالْجَامِعُ إِمَّا حِسِّيٌّ: نَحْوُ: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا﴾ [طه: ٨٨] فَالْمُسْتَعَارُ مِنْهُ: وَلَدُ الْبَقَرَةِ، وَالْمُسْتَعَارُ لَهُ: الْحَيَوَانُ الَّذِيْ خَلَقَهُ اللهُ مِنْ حُلِيِّ الْقِبْطِ الَّتِيْ سَبَكَتْهَا نَارُ السَّامِرِيِّ عِنْدَ إِلْقَائِهِ فِيْ تِلْكَ الْحُلِيِّ التُّرْبَةَ الَّتِيْ أَخَذَهَا مِنْ مَوْطِئِ فَرَسِ جِبْرِيْلَ ﵇، وَالْجَامِعُ الشَّكْلُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ الْحَيَوَانَ كَانَ عَلَى شَكْلِ وَلَدِ الْبَقَرَةِ، وَهَذَا كَمَا يُقَالُ لِلْفَرَسِ الْمَنْقُوْشَةِ عَلَى الْجِدَارِ: (إِنَّهُ فَرَسٌ) بِجَامِعِ الشَّكْلِ، وَالْجَمِيْعُ - أَيِ: الْمُسْتَعَارُ مِنْهُ، وَالْمُسْتَعَارُ لَهُ، وَالْجَامِعُ (٢) - حِسِّيٌّ يُدْرَكُ بِالْبَصَرِ. ٢ - وَإِمَّا عَقْلِيٌّ: نَحْوُ الِاسْتِعَارَةِ الَّتِيْ طَرَفَاهَا حِسِّيَّانِ وَالْجَامِعُ عَقْلِيٌّ؛

стр. 331

نَحْوُ: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس: ٣٧]؛ فَإِنَّ الْمُسْتَعَارَ مِنْهُ كَشْطُ الْجِلْدِ عَنْ نَحْوِ الشَّاةِ، وَالْمُسْتَعَارَ لَهُ كَشْفُ الضَّوْءِ [مِنْ] (١) مَكَانِ اللَّيْلِ وَمَوضِعِ إِلْقَاءِ ظُلْمَتِهِ (٢)، وَهُمَا حِسِّيَّانِ، وَالْجَامِعَ مَا يُعْقَلُ مِنْ تَرَتُّبِ أَمْرٍ عَلَى آخَرَ؛ أَيْ حُصُوْلِ أَمْرٍ عَقِيْبَ أَمْرٍ دَائِماً أَوْ غَالِباً؛ كَتَرَتُّبِ ظُهُوْرِ اللَّحْمِ عَلَى كَشْطِ الْجِلْدِ، وَتَرَتُّبِ ظُهُوْرِ الظُّلْمَةِ عَلَى كَشْفِ الضَّوْءِ عَنْ مَكَانِ اللَّيْلِ. وَهَذَا مَعْنًى عَقْلِيٌّ. (٣) ٣ - وَإِمَّا مُخْتَلِفٌ أَيْ: (بَعْضُهُ حِسِّيٌّ وَبَعْضُهُ عَقْلِيٌّ): كَقَوْلِكَ: (رَأَيْتُ شَمْساً) وَأَنْتَ تُرِيْدُ إِنْسَاناً كَالشَّمْسِ فِيْ حُسْنِ الطَّلْعَةِ، (وَهُوَ حِسِّيٌّ) وَنَبَاهَةِ الشَّأْنِ (وَهِيَ عَقْلِيَّةٌ). - وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الطَّرَفَانِ حِسِّيَّيْنِ فَهُمَا: ٤ - إِمَّا عَقْلِيَّانِ: نَحْوُ: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢]؛ فَإِنَّ الْمُسْتَعَارَ مِنْهُ الرُّقَادُ (أَيِ النَّوْمُ)، وَالْمُسْتَعَارَ لَهُ الْمَوْتُ، وَالْجَامِعَ عَدَمُ ظُهُوْرِ الْفِعْلِ. وَالْجَمِيْعُ عَقْلِيٌّ. ٥ - وَإِمَّا مُخْتَلِفَانِ: أَيْ أَحَدُ الطَّرَفَيْنِ (٤) حِسِّيٌّ، وَالْآخَرُ عَقْلِيٌّ. فَالْحِسِّيُّ الْمُسْتَعَارُ مِنْهُ نَحْوُ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحِجْر: ٩٤]؛ فَإِنَّ (الْمُسْتَعَارَ مِنْهُ [كَسْرُ] (٥) الزُّجَاجَةِ) وَهُوَحِسِّيٌّ، وَ (الْمُسْتَعَارَ لَهُ التَّبْلِيْغُ)، وَ (الْجَامِعَ: التَّأْثِيْرُ)، وَهُمَا عَقْلِيَّانِ (٦). وَالْمَعْنَى: أَبِنِ الْأَمْرَ إِبَانَةً لَا تَنْمَحِيْ، كَمَا لَا يَلْتَئِمُ صَدْعُ الزُّجَاجَةِ.

стр. 332

٦ - وَأَمَّا عَكْسُ ذَلِكَ؛ أَيِ الطَّرَفَانِ مُخْتَلِفَانِ، وَالْحِسِّيُّ هُوَ الْمُسْتَعَارُ لَهُ؛ نَحْوُ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقّة: ١١]؛ فَإِنَّ (الْمُسْتَعَارَ لَهُ: كَثْرَةُ الْمَاءِ) وَهُوَ حِسِّيٌّ، وَ (الْمُسْتَعَارَ مِنْهُ: التَّكَبُّرُ) (١)، وَ (الْجَامِعَ: الِاسْتِعْلَاءُ الْمُفْرِطُ)، وَهُمَا عَقْلِيَّانِ (٢). وَالِاسْتِعَارَةُ بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ الْمُسْتَعَارِ قِسْمَانِ: لِأَنَّ اللَّفْظَ الْمُسْتَعَارَ إِنْ كَانَ: ١ - اسْمَ جِنْسٍ فَأَصْلِيَّةٌ: كَـ (أَسَدٍ) إِذَا اسْتُعِيْرَ لِلرَّجُلِ الشُّجَاعِ. ٢ - وَإِلَّا فَتَبَعِيَّةٌ: كَالْفِعْلِ وَمَا يُشْتَقُّ مِنْهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِيْنِ الْقِسْمَيْنِ. وَالِاسْتِعَارَةُ بِاعْتِبَارٍ آخَرَ غَيْرِ اعْتِبَارِ الطَّرَفَيْنِ وَالْجَامِعِ وَاللَّفْظِ - ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ؛ لِأَنَّهَا: - إِمَّا أَلَّا تُقْرَنَ بِشَيْءٍ مِمَّا يُلَائِمُ الْمُسْتَعَارَ لَهُ أَوِ الْمُسْتَعَارَ مِنْهُ. - أَوْ تُقْرَنَ بِمَا يُلَائِمُ (٣) الْمُسْتَعَارَ لَهُ. - أَوْ بِمَا يُلَائِمُ الْمُسْتَعَارَ مِنْهُ: ١ - الْأَوَّلُ (مُطْلَقَةٌ): وَهِيَ مَا لَمْ يُقْرَنْ بِصِفَةٍ وَلَا تَفْرِيْعٍ؛ أَيْ: تَفْرِيْعِ كَلَامٍ مِمَّا يُلَائِمُ الْمُسْتَعَارَ لَهُ وَالْمُسْتَعَارَ مِنْهُ؛ نَحْوُ: (عِنْدَنَا أَسَدٌ). وَالْمُرَادُ بِالصِّفَةِ: الْمَعْنَوِيَّةُ، لَا النَّعْتُ النَّحْوِيُّ، عَلَى مَا مَرَّ فِيْ بَابِ الْقَصْرِ.

стр. 333

٢ - وَالثَّانِي (مُجَرَّدَةٌ): وَهِيَ مَا قُرِنَ بِمَا يُلَائِمُ الْمُسْتَعَارَ لَهُ؛ كَقَوْلِهِ؛ أَيْ قَوْلِ كُثَيِّرٍ (١): [الكامل] غَمْرُ الرِّدَاءِ. . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (٢) أَيْ: كَثِيْرُ الْعَطَاءِ. اِسْتَعَارَ الرِّدَاءَ لِلْعَطَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَصُوْنُ عِرْضَ صَاحِبِهِ كَمَا يَصُوْنُ الرِّدَاءُ مَا يُلْقَى عَلَيْهِ، ثُمَّ وَصَفَهُ بِالْغَمْرِ الَّذِيْ يُلَائِمُ الْعَطَاءَ دُوْنَ الرِّدَاءِ؛ تَجْرِيْداً لِلِاسْتِعَارَةِ، وَالْقَرِيْنَةُ سِيَاقُ الْكَلَامِ، أَعْنِيْ قَوْلَهُ: (إِذَا تَبَسَّمَ ضَاحِكاً)؛ أَيْ: شَارِعاً فِي الضَّحِكِ، آخِذاً فِيْهِ، (غَلِقَتْ لِضَحْكَتِهِ رِقَابُ الْمَالِ)؛ يُقَالُ: [غَلِقَ الرَّهْنُ فِيْ يَدِ الْمُرْتَهِنِ: إِذَا لَمْ يُقْدَرْ عَلَى انْفِكَاكِهِ] (٣). يَعْنِيْ: إِذَا تَبَسَّمَ غَلِقَتْ رِقَابُ أَمْوَالِهِ فِيْ أَيْدِي السَّائِلِيْنَ. ٣ - وَالثَّالِثُ (مُرَشَّحَةٌ): وَهِيَ مَا قُرِنَ بِمَا يُلَائِمُ الْمُسْتَعَارَ مِنْهُ؛ نَحْوُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦]؛ فَإِنَّهُ اسْتَعَارَ الِاشْتِرَاءَ لِلِاسْتِبْدَالِ وَالِاخْتِيَارِ، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهَا بِمَا يُلَائِمُ الِاشْتِرَاءَ مِنَ الرِّبْحِ وَالتِّجَارَةِ. * * *

стр. 334

وَلَمَّا كَانَتِ الِاسْتِعَارَةُ بِالْكِنَايَةِ وَالِاسْتِعَارَةُ التَّخْيِيْلِيَّةُ أَمْرَيْنِ مَعْنَوِيَّيْنِ غَيْرَ دَاخِلَيْنِ فِيْ تَعْرِيْفِ الْمَجَازِ أَوْرَدَ لَهُمَا الْقَزْوِيْنِيُّ فِي التَّلْخِيْصِ فَصْلاً عَلَى حِدَةٍ (١)؛ لِيَسْتَوْفِيَ الْمَعَانِيَ الَّتِيْ يُطْلَقُ عَلَيْهَا لَفْظُ الِاسْتِعَارَةِ، وَلَا بَأْسَ بِذِكْرِهِمَا هُنَا؛ تَبَعاً لَهُ، فَنَقُوْلُ: اِعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ يُضْمَرُ التَّشْبِيْهُ فِي النَّفْسِ، فَلا يُصَرَّحُ بِشَيْءٍ مِنْ أَرْكَانِهِ، سِوَى الْمُشَبَّهِ، وَيُدَلُّ عَلَيْهِ - أَيْ عَلَى ذَلِكَ التَّشْبِيْهِ الْمُضْمَرِ فِي النَّفْسِ - بِأَنْ يُثْبَتَ لِلْمُشَبَّهِ أَمْرٌ (٢) مُخْتَصٌّ بِالْمُشَبَّهِ بِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُوْنَ هُنَاكَ أَمْرٌ مُتَحَقِّقٌ حِسّاً أَوْ عَقْلاً يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ ذَلِكَ الْأَمْرِ، فَيُسَمَّى التَّشْبِيْهُ الْمُضْمَرُ فِي النَّفْسِ اسْتِعَارَةً بِالْكِنَايَةِ أَوْ مَكْنِيّاً عَنْهَا. أَمَّا الْكِنَايَةُ: فَلِأَنَّهُ لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ، وَإِنَّمَا دُلَّ عَلَيْهِ؛ بِذِكْرِ خَوَاصِّهِ وَلَوَازِمِهِ. وَأَمَّا الِاسْتِعَارَةُ: فَمُجَرَّدُ تَسْمِيَةٍ. وَيُسَمَّى إِثْبَاتُ ذَلِكَ الْأَمْرِ - الْمُخْتَصِّ بِالْمُشَبَّهِ بِهِ - لِلْمُشَبَّهِ اسْتِعَارَةً تَخْيِيْلِيَّةً؛ لِأَنَّهُ قَدِ اسْتُعِيْرَ لِلْمُشَبَّهِ ذَلِكَ الْأَمْرُ الَّذِيْ يَخُصُّ الْمُشَبَّهَ بِهِ، وَبِهِ يَكُوْنُ كَمَالُ الْمُشَبَّهِ بِهِ، وَقِوَامُهُ فِيْ وَجْهِ الشَّبَهِ؛ لِيُخَيَّلَ أَنَّ الْمُشَبَّهَ مِنْ جِنْسِ الْمُشَبَّهِ بِهِ؛ كَمَا فِيْ قَوْلِ الْهُذَلِيِّ (٣): [الكامل] وَإِذَا الْمَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَهَا ... أَلْفَيْتَ كُلَّ تَمِيْمَةٍ لَا تَنْفَعُ (٤) التَّمِيْمَةُ: الْخَرَزَةُ الَّتِيْ تُجْعَلُ مَعَاذَةً.

стр. 335

أَيْ: إِذَا عَلَّقَ الْمَوْتُ مِخْلَبَهُ فِيْ شَيْءٍ لِيَذْهَبَ بِهِ، بَطَلَتْ عِنْدَهُ الْحِيَلُ. شَّبَّهَ الْهُذَلِيُّ فِيْ نَفْسِهِ الْمَنِيَّةَ بِالسَّبُعِ فِي اغْتِيَالِ النُّفُوْسِ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ، مِنْ غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ نَفَّاعٍ وَضَرَّارٍ، وَلَا رِقَّةٍ لِمَرْحُوْمٍ، وَلَا بُقْيا (١) عَلَى ذِيْ فَضِيْلَةٍ، فَأَثْبَتَ لَهَا (أَيْ: لِلْمَنِيَّةِ) الْأَظْفَارَ الَّتِيْ لَا يَكْمُلُ ذَلِكَ الِاغْتِيَالُ فِيْهِ (أَيْ: فِي السَّبُعِ) بِدُوْنِهَا؛ تَحْقِيْقاً لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّشْبِيْهِ. فَتَشْبِيْهُ الْمَنِيَّةِ بِالسَّبُعِ اسْتِعَارَةٌ بِالْكِنَايَةِ. وَإِثْبَاتُ الْأَظْفَارِ لَهَا اسْتِعَارَةٌ تَخْيِيْلِيَّةٌ (٢). * * * تَتِمَّةٌ لِبَحْثِ الْمَجَازِ (٣) قَالَ الْقَزْوِيْنِيُّ (٤): «وَقَدْ يُطْلَقُ الْمَجَازُ عَلَى كَلِمَةٍ تَغَيَّرَ حُكْمُ إِعْرَابِهَا بِحَذْفِ لَفْظٍ أَوْ زِيَادَةِ لَفْظٍ (٥)؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢]، ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، وَمِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشُّورى: ١١]. أَيْ: أَمْرُ رَبِّكَ، وَأَهلَ الْقَرْيَةِ، وَلَيْسَ مِثْلَهُ شِيْءٌ». اِنْتَهَى ٨٨ - وَمَا بِهِ لَازِمُ مَعْنًى وَهْوَ لَا ... مُمْتَنِعاً كِنَايَةٌ، فَاقْسِمْ إِلَى وَشَرْحُ مَا فِيْ هَذِهِ التَّتِمَّةِ فِي الْمُطَوَّلِ (٦)، فَلْيُرَاجَعْ، فَمَا عَلِيْهِ مَزِيْدٌ. وَاللهُ تَعَالى أَعْلَمُ.

стр. 336

• الْمَقْصِدُ الثَّالِثُ مِنْ مَقَاصِدِ عِلْمِ الْبَيَانِ (الْكِنَايَةُ): وَهِيَ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرٌ؛ كَقَوْلِكَ: (كَنَيْتُ بِكَذَا عَنْ كَذَا، وَكَنَوْتُ) (١)؛ إِذَا تَرَكْتَ التَّصْرِيْحَ بِهِ. وَهِيَ فِي الِاصْطِلَاح: تُطْلَقُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ: - أَحَدُهُمَا: مَعْنَى الْمَصْدَرِ الَّذِيْ هُوَ فِعْلُ الْمُتَكَلِّمِ؛ أَعْنِيْ ذِكْرَ اللَّازِمِ، وَإِرَادَةَ الْمَلْزُوْمِ، مَعَ جَوَازِ إِرَادَةِ اللَّازِمِ أَيْضاً. فَاللَّفْظُ: مَكْنِيٌّ بِهِ، وَالْمَعْنَى: مَكْنِيٌّ عَنْهُ. - وَالثَّانِيْ: نَفْسُ اللَّفْظِ. وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ: * * * ٨٨ - وَمَا بِهِ لَازِمُ مَعْنًى وَهْوَ لَا ... مُمْتَنِعاً كِنَايَةٌ، فَاقْسِمْ إِلَى وَمَا: أَيْ وَاللَّفْظُ الَّذِيْ أُرِيْدَ بِهِ لَازِمُ مَعْنًى: أَيْ مَعْنَى ذَلِكَ اللَّفْظِ وَهْوَ: أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى لَا: يَكُوْنُ مُمْتَنِعاً: أَيْ لَا تَمْتَنِعُ [إِرَادَتُهُ مَعَ ذَلِكَ اللَّازِمِ] (٢) كِنَايَةٌ: وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْقَزْوِيْنِيِّ: «الْكِنَايَةُ: لَفْظٌ أُرِيْدَ بِهِ لَازِمُ مَعْنَاهُ، مَعَ جَوَازِ إِرَادَتِهِ مَعَهُ - أَيْ إِرَادَةِ ذَلِكَ الْمَعْنَى مَعَ لَازِمِهِ - كَلَفْظِ (طَوِيْلُ النِّجَادِ)؛ الْمُرَادُ بِهِ لَازِمُ مَعْنَاهُ؛ أَعْنِيْ: طُوْلَ الْقَامَةِ، مَعَ جَوَازِ أَنْ يُرَادَ حَقِيْقَةُ طُوْلِ النِّجَادِ أَيْضاً.

стр. 337

وَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ الْكِنَايَةَ تُخَالِفُ الْمَجَازَ مِنْ جِهَةِ (إِرَادَةِ الْمَعْنَى الْحَقِيْقِيِّ لِلَّفْظِ، مَعَ إِرَادَةِ لَازِمِهِ)» (١)؛ كَإِرَادَةِ طُوْلِ النِّجَادِ مَعَ إِرَادَةِ طُوْلِ الْقَامَةِ، بِخِلَافِ الْمَجَازِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ فِيْهِ أَنْ يُرَادَ الْمَعْنَى الْحَقِيْقِيُّ. مَثَلاً: لَا يَجُوْزُ فِيْ قَوْلِنَا: (رَأَيْتُ أَسَداً فِي الْحَمَّامِ) أَنْ يُرَادَ بِالْأَسَدِ الْحَيَوَانُ الْمُفْتَرِسُ؛ لِأَنَّهُ (يَلْزَمُ أَنْ يَكُوْنَ فِي الْمَجَازِ قَرِيْنَةٌ مَانِعَةٌ عَنْ إِرَادَةِ الْمَعْنَى الْحَقِيْقِيِّ)؛ فَلَوِ انْتَفَى هَذَا انْتَفَى الْمَجَازُ؛ لِانْتِفَاءِ الْمَلْزُوْمِ بِانْتِفَاءِ اللَّازِمِ (٢). · وَهِيَ - أَيِ الْكِنَايَةُ - ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ؛ أَشَارَ إِلَيْهَا النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ: فَاقْسِمْ إِلَى: أَيِ: اِقْسِمِ الْكِنَايَةَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: * * * ٨٩ - إِرَادَةِ النِّسْبَةِ، أَوْ نَفْسِ الصِّفَهْ ... أَوْ غَيْرِ هَذِيْنِ، اجْتَهِدْ أَنْ تَعْرِفَهْ ١ - الْأَوَّلُ: إِرَادَةِ النِّسْبَةِ: أَيْ إِثْبَاتِ أَمْرٍ لِأَمْرٍ أَوْ نَفْيِهِ عَنْهُ (٣)؛ كَقَوْلِ زِيَادِ الْأَعْجَمِ (٤): [الكامل] إِنَّ السَّمَاحَةَ وَالْمُرُوْءَةَ وَالنَّدَى ... فِيْ قُبَّةٍ ضُرِبَتْ عَلَى ابْنِ الْحَشْرَجِ (٥)

стр. 338

فَإِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُثْبِتَ اخْتِصَاصَ ابْنِ الْحَشْرَجِ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ؛ أَيْ بِثُبُوْتِهَا لَهُ، سَوَاءٌ كَانَ عَلَى طَرِيْقِ الْحَصْرِ أَمْ لَا، فَتَرَكَ التَّصْرِيْحَ بِاخْتِصَاصِهِ بِهَا؛ بِأَنْ يَقُوْلَ: إِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهَا، أَوْ نَحْوِهِ؛ مِثْلُ: (السَّمَاحَةُ لِابْنِ الْحَشْرَجِ)، أَوْ (سَمُحَ ابْنُ الْحَشْرَجِ) أَوْ (اِبْنُ الْحَشْرَجِ سَمْحٌ) إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ إِلَى الْكِنَايَةِ؛ بِأَنْ جَعَلَ تِلْكَ الصِّفَاتِ فِيْ قُبَّةٍ - تَنْبِيْهاً عَلَى أَنَّ مَحَلَّهَا ذُوْ قُبَّةٍ؛ وَهِيَ تَكُوْنُ فَوْقَ الْخَيْمَةِ تَتَّخِذُهَا الرُّؤَسَاءُ - مَضْرُوْبَةٍ عَلَيْهِ؛ أَيْ: عَلَى ابْنِ الْحَشْرَجِ. وَنَحْوُهُ قَوْلُهُمْ: (الْمَجْدُ بَيْنَ ثَوْبَيْهِ، وَالْكَرَمُ بَيْنَ بُرْدَيْهِ)؛ حَيْثُ لَمْ يُصَرَّحْ بِثُبُوْتِ الْمَجْدِ وَالْكَرَمِ، بَلْ كُنِّيَ عَنْ ذَلِكَ بِكَوْنِهِمَا فِيْ بُرْدَيْهِ وَثَوْبَيْهِ. ٢ - وَالثَّانِيْ: مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: أَوْ نَفْسِ الصِّفَهْ: أَيِ الْمَطْلُوْبُ بِهَا صِفَةٌ مِنَ الصِّفَاتِ؛ كَالْجُوْدِ، وَالْكَرَمِ، وَالشَّجَاعَةِ، وَطُوْلِ الْقَامَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ (١)، وَهِيَ ضَرْبَانِ؛ قَرِيْبَةٌ وَبَعِيْدَةٌ (٢): أوَالْقَرِيْبَةُ ضَرْبَانِ: ١ - وَاضِحَةٌ: يَحْصُلُ الِانْتِقَالُ مِنْهَا بِسُهُوْلَةٍ؛ كَقَوْلِهِمْ فِي الْكِنَايَةِ

стр. 339

السَّاذَجَةِ - وَهِيَ الَّتِيْ لَا يَشُوْبُهَا شَيْءٌ مِنَ التَّصْرِيْحِ - كِنَايَةً عَنْ طُوْلِ الْقَامَةِ: (طَوِيْلٌ نِجَادُهُ). وَفِي التَّصْرِيْحِيَّةِ - وَهِيَ الَّتِيْ فِيْهَا تَصْرِيْحٌ - كِنَايَةً عَنْ طُوْلِ الْقَامَةِ أَيْضاً: (طَوِيْلُ النِّجَادِ)؛ لِتَضَمُّنِ الصِّفَةِ الضَّمِيْرَ الرَّاجِعَ إِلَى الْمَوْصُوْفِ ضَرُوْرَةَ احْتِيَاجِهَا إِلَى مَرْفُوْعٍ مُسْنَدٍ إِلَيْهِ، فَيَشْتَمِلُ عَلَى نَوْعِ تَصْرِيْحٍ بِثُبُوْتِ الطُّوْلِ لَهُ. وَالدَّلِيْلُ عَلَى هَذَا أَنَّكَ تَقُوْلُ: (طَوِيْلٌ نِجَادُهُ)، وَ (هِنْدُ طَوِيْلٌ نِجَادُهَا)، وَ (الزَّيْدَانِ طَوِيْلٌ نِجَادُهُمَا)، وَ (الزَّيْدُوْنَ طَوِيْلٌ نِجَادُهُمْ (١)) بِإِفْرَادِ الصِّفَةِ وَتَذْكِيْرِهَا؛ لِكَوْنِهَا مُسْنَدَةً إِلَى الظَّاهِرِ. وَفِي الْإِضَافَةِ تَقُوْلُ: (هِنْدُ طَوِيْلَةُ النِّجَادِ)، وَ (الزَّيْدَانِ طَوِيْلَا النِّجَادِ)، وَ (الزَّيْدُوْنَ طِوَالُ النِّجَادِ) فَتُؤَنِّثُ وَتُثَنِّيْ وَتَجْمَعُ الصِّفَةَ؛ لِكَوْنِهَا مُسْنَدَةً إِلَى ضَمِيْرِ الْمَوْصُوْفِ. ٢ - أَوْ خَفِيَّةٌ: وَخَفَاؤُهَا بِأَنْ يَتَوَقَّفَ الِانْتِقَالُ فِيْهَا عَلَى تَأَمُّلٍ وَإِعْمَالِ رَوِيَّةٍ؛ كَقَوْلِهِمْ كِنَايَةً عَنِ الْأَبْلَهِ: (عَرِيْضُ الْقَفَا)؛ فَإِنَّ عَرْضَ الْقَفَا وَعِظَمَ الرَّأْسِ بِالْإِفْرَاطِ مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى بَلَاهَةِ الرَّجُلِ، فَهُوَ مَلْزُوْمٌ لَهَا بِحَسْبِ الِاعْتِقَادِ، وَلَكِنْ فِي الِانْتِقَالِ مِنْهُ إِلَى الْبَلَاهَةِ نَوْعُ خَفَاءٍ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ، وَلَيْسَ يُنْتَقَلُ مِنْهُ إِلَى أَمْرٍ آخَرَ وَمِنْ ذَلِكَ الْأَمْرِ إِلَى الْمَقْصُوْدِ، بَلْ إِنَّمَا يُنْتَقَلُ مِنْهُ إِلَى الْمَقْصُوْدِ، لَكِنْ لَا فِيْ بَادِئِ النَّظَرِ، وَبِهَذَا تَمْتَازُ عَنِ الْبَعِيْدَةِ. ب - وَالْبَعِيْدَةُ: مَا كَانَ الِانْتِقَالُ مِنَ الْكِنَايَةِ إِلَى الْمَطْلُوْبِ بِهَا بِوَاسِطَةٍ؛ كَقَوْلِهِمْ: (كَثِيْرُ الرَّمَادِ) كِنَايَةً عَنِ الْمِضْيَافِ؛ فَإِنَّهُ يُنْتَقَلُ مِنْ كَثْرَةِ الرَّمَادِ، إِلَى كَثْرَةِ إِحْرَاقِ الْحَطَبِ تَحْتَ الْقِدْرِ، وَمِنْهَا - أَيْ: وَمِنْ كَثْرَةِ الْإِحْرَاقِ - إِلَى كَثْرَةِ الطَّبَائِخِ، وَمِنْ كَثْرَةِ الطَّبَائِخِ، إِلَى كَثْرَةِ الْأَكَلَةِ، وَمِنْهَا

стр. 340

إِلَى كَثْرَةِ الضِّيْفَانِ، وَمِنْ كَثْرَةِ الضِّيْفَانِ إِلَى الْمَقْصُوْدِ، وَهُوَ الْمِضْيَافُ. وَبِحَسْبِ قِلَّةِ الْوَسَائِطِ وَكَثْرَتِهَا تَخْتَلِفُ الدَّلَالَةُ عَلَى الْمَقْصُوْدِ؛ وُضُوْحاً وَخَفَاءً. ٣ - [وَ] (١) الثَّالِثُ: مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: أَوْ غَيْرِ هَذِيْنِ: وَهِيَ الْمَطْلُوْبُ بِهَا غَيْرُ صِفَةٍ وَلَا نِسْبَةٍ (٢)؛ فَمِنْهَا مَا هِيَ: أمَعْنًى وَاحِدٌ: وَهُوَ أَنْ يَتَّفِقَ فِيْ صِفَةٍ مِنَ الصِّفَاتِ اخْتِصَاصٌ بِمَوْصُوْفٍ مُعَيَّنٍ عَارِضٌ، فَتُذْكَرَ تِلْكَ الصِّفَةُ؛ لِيُتَوَصَّلَ بِهَا إِلَى ذَلِكَ الْمَوْصُوْفِ؛ كَقَوْلِهِ: [الكامل] الضَّارِبِيْنَ بِكُلِّ أَبْيَضَ مِخْذَمٍ ... وَالطَّاعِنِيْنَ مَجَامَعَ الْأَضْغَانِ (٣) الْمِخْذَمُ: الْقَاطِعُ، وَالضِّغْنُ: الْحِقْدُ، وَمَجَامِعُ الْأَضْغَانِ: مَعْنًى وَاحِدٌ كِنَايَة عَنِ الْقُلُوْبِ. وَمِنْهَا مَا هُوَ: ب مَجْمُوْعُ مَعَانٍ: وَهُوَ أَنْ تُؤْخَذَ صِفَةٌ، فَتُضَمَّ إِلَى لَازِمٍ آخَرَ وَآخَرَ، فَتَصِيْرَ جُمْلَتُهَا مُخْتَصَّةً بِالْمَوْصُوْفِ، فَيُتَوَصَّلَ بِذِكْرِهَا إِلَيْهِ؛ كَقَوْلِنَا كِنَايَةً عَنِ الْإِنْسَانِ: (حَيٌّ، مُسْتَوِي الْقَامَةِ، عَرِيْضُ الْأَظْفَارِ). وَيُسَمَّى هَذَا خَاصَّةً: مُرَكَّبَةً.

стр. 341

وَشَرْطُهُمَا - أَيْ: شَرْطُ هَاتَيْنِ الْكِنَايَتَيْنِ - الِاخْتِصَاصُ بِالْمَكْنِيِّ عَنْهُ؛ لِيَحْصُلَ الِانْتِقَالُ مِنَ الْخَاصِّ إِلَى الْعَامِّ. وَلَمَّا كَانَ بَحْثُ الْكِنَايَةِ لَطِيْفاً، وَمَعْنَاهُ دَقِيْقاً أَمَرَ الْمَاتِنُ بِالِاجْتِهَادِ فِيْ مَعْرِفَتِهِ، فَقَالَ: اجْتَهِدْ أَنْ تَعْرِفَهْ (١): تَتِمَّةٌ قَالَ الْقَزْوِيْنِيُّ (٢): «أَطْبَقَ الْبُلَغَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَجَازَ وَالْكِنَايَةَ أَبْلَغُ مِنَ الْحَقِيْقَةِ وَالتَّصْرِيْحِ؛ لِأَنَّ الِانْتِقَالَ فِيْهِمَا (٣) مِنَ الْمَلْزُوْمِ إِلَى اللَّازِمِ؛ فَهُوَ كَدَعْوَى الشَّيْءِ بِبَيِّنَةٍ». (٤) قَالَ الشَّارِحُ التَّفْتَازَانِيُّ (٥): «فَإِنَّ وُجُوْدَ الْمَلْزُوْمِ يَقْتَضِيْ وُجُوْدَ اللَّازِمِ؛ لِامْتِنَاعِ انْفِكَاكِ الْمَلْزُوْمِ مِنَ اللَّازِمِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَإِنَّمَا الْإِشْكَالُ فِيْ بَيَانِ اللُّزُوْمِ فِيْ سَائِرِ أَنْوَاعِ الْمَجَازِ». وَأَطْبَقُوْا أَيْضاً عَلَى «أَنَّ الِاسْتِعَارَةَ - التَّحْقِيْقِيَّةَ وَالتَّمْثِيْلِيَّةَ - أَبْلَغُ مِنَ التَّشْبِيْهِ؛ لِأَنَّهَا نَوْعٌ مِنَ الْمَجَازِ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمَجَازَ أَبْلَغُ مِنَ الْحَقِيْقَةِ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا الِاسْتِعَارَةَ بِالتَّحْقِيْقِيَّةِ وَالتَّمْثِيْلِيَّةِ؛ لِأَنَّ التَّخْيِيْلِيَّةَ وَالْمَكْنِيَّ عَنْهَا

стр. 342

لَيْسَتَا مِنْ أَنْوَاعِ الْمَجَازِ». وَاللهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ (١). وَقَدْ تَمَّ الْكَلَامُ عَلَى الْفَنِّ الثَّانِيْ بِعَوْنِ الْمَلِكِ الْعَلَّامِ، وَنَسْأَلُهُ إِتْمَامَ الْكَلَامِ عَلَى الْفَنِّ الثَّالِثِ مَعَ حُسْنِ الْخِتَامِ. * * *

стр. 343

الْفَنُّ الثَّالِثُ عِلْمُ الْبَدِيْعِ (١) ٩٠ - عِلْمُ الْبَدِيْعِ وَهْوَ تَحْسِيْنُ الْكَلَامْ ... بَعْدَ رِعَايَةِ الْوُضُوْحِ وَالْمَقَامْ عِلْمُ الْبَدِيْعِ وَهْوَ: عِلْمٌ يُعْرَفُ بِهِ وُجُوْهُ تَحْسِيْنُ الْكَلَامْ: أَيْ يُتَصَوَّرُ مَعَانِيْهَا، وَيُعْرَفُ أَعْدَادُهَا، وَتَفَاصِيْلُهَا؛ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ. بَعْدَ رِعَايَةِ الْوُضُوْحِ: أَيْ وُضُوْحِ الدَّلَالَةِ؛ أَيِ: الْخُلُوِّ عَنِ التَّعْقِيْدِ الْمَعْنَوِيِّ، فَقَوْلُهُ: (بَعْدَ) مُتَعَلِّقٌ بِالْمَصْدَرِ؛ أَعْنِيْ: (تَحْسِيْنُ الْكَلَامِ). وَالْمَقَامْ: أَيْ وَبَعْدَ رِعَايَةِ الْمَقَامِ - أَيْ: مَقَامِ التَّخَاطُبِ - بِأَنْ يُؤْتَى بِالْكَلَامِ مُطَابِقاً لِمُقْتَضَى الْحَالِ؛ كَمَا بُيِّنَ فِيْ أَوَّلِ عِلْمِ الْمَعَانِيْ، وَفِيْ ذَلِكَ تَنْبِيْهٌ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْوُجُوْهَ إِنَّمَا تُعّدُّ مُحَسِّنَةً لِلْكَلَامِ بَعْدَ رِعَايَةِ الْأَمْرَيْنِ (٢)، وَإِلَّا؛ لَكَانَ كَتَعْلِيْقِ الدُّرَرِ عَلَى أَعْنَاقِ الْخَنَازِيْرِ. وَوُجُوْهُ تَحْسِيْنِ الْكَلَامِ

стр. 344

٩١ - ضَرْبَانِ: لَفْظِيٌّ؛ كَتَجْنِيْسٍ، وَرَدّ، ... وَسَجْعٍ، أَوْ قَلْبٍ وَتَشْرِيْعٍ وَرَدْ ضَرْبَانِ لَفْظِيٌّ: أَيْ رَاجِعٌ إِلَى تَحْسِيْنِ اللَّفْظِ أَوَّلاً وَبِالذَّاتِ؛ أَيْ: وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا قَدْ يُفِيْدُ تَحْسِيْنَ الْمَعْنَى، لَكِنَّ تَحْسِيْنَ اللَّفْظِ مَقْصُوْدٌ بِالذَّاتِ. وَمَعْنَوِيٌّ: أَيْ رَاجِعٌ إِلَى الْمَعْنَى أَوَّلاً وَبِالذَّاتِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يُفِيْدُ بَعْضُهَا تَحْسِيْنَ اللَّفْظِ أَيْضاً. وَقَدَّمَ اللَّفْظِيَّ عَلَى الْمَعْنَوِيِّ لِطُوْلِ الْكَلَامِ عَلَى الْمَعْنَوِيِّ (١)، فَقَالَ: كَتَجْنِيْسٍ: بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، وَيُسَمَّى جِنَاساً وَمُجَانَسَةً (٢). وَ أَنْوَاعُ الْجِنَاسِ: - ذَكَرَ الْقَزْوِيْنِيُّ مِنْهَا خَمْسَةَ عَشَرَ (٣). - وَذَكَرَ ابْنُ السُّبْكِيِّ (٤) فِيْ شَرْحِ التَّلْخِيْصِ الْمُسَمَّى بِعَرُوْسِ الْأَفْرَاحِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِيْنَ نَوْعاً (٥)؛ وَلِبَيَانِهَا طُوْلٌ لَا يَلِيْقُ بِهَذَا الْمُخْتَصَرِ.

стр. 345

- وَذَكَرَ ابْنُ حِجَّةَ (١) فِيْ بَدِيْعِيَّتِهِ لِلْجِنَاسِ ثَلاثَةَ عَشَرَ نَوْعاً (٢). - وَرَأَيْتُ لِلشَّيْخِ عَبْدِ الْعَزِيْزِ الدِّيْرِيْنِيِّ (٣) رِسَالَةً فِي الْجِنَاسِ (٤) ذَكَرَ فِيْهَا سَبْعَةَ عَشَرَ نَوْعاً، فَأُوْرِدُهَا - بِلَفْظِهَا - فِيْ هَذَا الْمُخْتَصَرِ؛ قَالَ ﵀: [«وَبَعْدُ فَهَذِهِ مُقَدِّمَةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى مَعْرِفَةِ أَسْمَاءِ الْجِنَاسِ، وَهِيَ سَبْعَةَ عَشَرَ] (٥): ١ - الْجِنَاسُ الْكَامِلُ. ٢ - الْجِنَاسُ الْمُعْتَدِلُ. ٣ - الْجِنَاسُ التَّامُّ. ٤ - الْجِنَاسُ الْمُخْتَلِفُ الْحَرَكَاتِ. ٥ - الْجِنَاسُ الْمُرَكَّبُ. ٦ - الْجِنَاسُ الْمَرْفُوّ.

стр. 346

٧ - جِنَاسُ التَّحْرِيْفِ. ٨ - جِنَاسُ التَّصْرِيفِ. ٩ - جِنَاسُ الْعَكْسِ وَالْقَلْبِ. ١٠ - الْجِنَاسُ الْمُذَيَّلُ. ١١ - الْجِنَاسُ الْمُذَيَّلُ الْمَعْكُوْسُ. ١٢ - الْجِنَاسُ الْمُرْفَلُ. ١٣ - الْجِنَاسُ الْمَرْدُوْدُ. (١) ١٤ - جِنَاسُ التَّصْحِيْفِ [وَيُسَمَّى جِنَاسَ الْخَطِّ] (٢). ١٥ - جِنَاسُ اللَّفْظِ. (٣) ١٦ - جِنَاسُ الِاشْتِقَاقِ. ١٧ - الْجِنَاسُ الْمُلَفَّقُ. الْجِنَاسُ الْأَوَّلُ (الْكَامِلُ): وَهُوَ أَنْ تَتَّفِقَ حُرُوْفُ الْكَلِمَتَيْنِ، وَحَرَكَاتُهُمَا؛ وَيَكُوْنَا (اسْمِيْنِ) (٤). - كَقَوْلِ أَبِيْ جَعْفَرٍ النَّاشِئِ (٥): [الكامل]

стр. 347

لِشُؤُوْنِ عَيْنِيَ فِي الْبُكَاءِ شُؤُوْنُ ... وَجُفُوْنُ عَيْنِكَ لِلْبَلَاءِ جُفُوْنُ (١) ١ - [فَالشُّؤُوْنُ الْأُوْلَى: مَجَارِي الدَّمْعِ. ٢ - الشُّؤُوْنُ الثَّانِيَةُ: جَمْعُ شَأْنٍ وَهُوَ الْحَالُ. وَمِنْهُ قَوْلُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ ﵃: [الوافر] بِأَيْدِيْنَا صَوَارِمُ مُصْلتَاتٌ ... نَقُدُّ بِهَا الْمَفَارِقَ وَالشُّؤُوْنَا (٢) ١ - وَالْجُفُوْنُ الْأُوْلَى: جُفُوْنُ الْعُيُوْنِ. ٢ - وَالثَّانِيَةُ: أَغْمَادُ السُّيُوْفِ] (٣). · وَفِيْهِ قَوْلُ بَعْضِهِمْ (٤): [الكامل] أَبَداً تَؤُمُّ إِلَى الْفَخَارِ خَمِيْسَا ... وَتَدُوْمُ مَا [نَظَمَ الزَّمَانُ] (٥) خَمِيْسَا (٦) [فَالْجَيْشُ (الْعَرَمْرَمُ) يُسَمَّى الْخَمِيْسَ؛ لِأَنَّهُ مُجْتَمِعٌ مِنْ خَمْسَةِ أَقْسَامٍ: (مَيْمَنَةٍ، وَمَيْسَرَةٍ، وَقَلْبٍ، وَجَنَاحَيْنِ) (٧). وَالْجَيْشُ الصَّغِيْرُ لَا يَشْتَمِلُ عَلَى ذَلِكَ] (٨).

стр. 348

الْجِنَاسُ الثَّانِيْ (الْمُعْتَدِلُ) (١): وَهُوَ أَنْ تَتَّفِقَ حُرُوْفُ الْكَلِمَتَيْنِ، وَحَرَكَاتُهُمَا؛ وَيَكُوْنَا (فِعْلَيْنِ). · كَقَوْلِ التِّهَامِيِّ: [الطّويل] سَأَلْتُكَ سِرْ بِيْ مُسْرِعاً عَنْ دِيَارِهِمْ ... فَإِنِّيَ لَا أَقْوَى عَلَى طَلَلٍ أَقْوَى يَعُزُّ عَلَى الصَّبِّ الْمُتَيَّمِ أَنْ يَرَى ... مَنَازِلَ مَنْ يَهْوَى عَلَى غَيْرِ مَا يَهْوَى (٢) الْجِنَاسُ الثَّالِثُ (التَّامُّ): وَهُوَ أَنْ تَتَّفِقَ حُرُوْفُ الْكَلِمَتَيْنِ، وَحَرَكَاتُهُمَا؛ وَيَكُوْنَا: اِسْماً وَفِعْلاً، أَوْ فِعْلاً وَاسْماً (٣). - فَالِاسْمُ وَالْفِعْلُ؛ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَأَجَادَ: [البسيط] أَطَالَ لَيْلُكَ حَتَّى مَا لَهُ سَحَرُ ... أَمْ نَوْمَ عَيْنَيْكَ أَهْلُ الْحَيِّ قَدْ سَحَرُوْا؟ (٤) - وَأَمَّا الْفِعْلُ وَالِاسْمُ؛ كَقَوْلِ أَبِي تَمَّامٍ الطَّائِيِّ: [الكامل] مَا مَاتَ مِنْ كَرَمِ الزَّمَانِ فَإِنَّهُ ... يَحْيَا لَدَى يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ (٥) - وَمِنْهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: [الطّويل] وَسَوَّفْتَ بِالْوَعْدِ الَّذِيْ كَانَ بَيْنَنَا ... وَأَضْحَيْتَ تَلْوِيْنِيْ عَلَى رَوْمِ تَلْوِيْنِيْ تَلْوِيْنِيْ

стр. 349

رُوَيْدَكَ! لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ؛ فَبُلْغَةٌ ... مِنَ الْعَيْشِ تَكْفِيْنِيْ إِلَى يَوْمِ تَكْفِيْنِيْ (١) الْجِنَاسُ الرَّابِعُ (الْمُخْتَلِفُ الْحَرَكَاتِ): وَهُوَ أَنْ تَتَّفِقَ حُرُوْفُ الْكَلِمَتَيْنِ، وَتَخْتَلِفَ حَرَكَاتُهُمَا (٢). · كَقَوْلِ أَبِي الْعَلَاءِ الْمَعَرِّيِّ: [الطّويل] لِغَيْرِيْ زَكَاةٌ مِنْ جِمَالٍ، فَإِنْ تَكُنْ ... زَكَاةُ جَمَالٍ، فَاذْكُرِي ابْنَ سَبِيْلِ (٣) · وَقَالَ بَعْضُهُمْ: [الطّويل] يَقُوْلُ طَبِيْبِيْ: لَوْ تَدَاوَى مَرِيْضُكُمْ ... بِأَقْرَاصِ كَافُوْرٍ لِهَذَا الْهَوَى سَكَنْ فَقُلْتُ: لَقَدْ أَخْطَا الطَّبِيْبُ، وَإِنَّمَا ... دَوَا دَاءِ قَلْبِيْ مَنْ بِهَذَا الْحِمَى سَكَنْ (٤) · وَكَقَوْلِ الْحَرِيْرِيِّ (٥): [الوافر] فَقُلْتُ لِلَائِمِيْ: أَقْصِرْ، فَإِنِّيْ ... سَأَخْتَارُ الْمَقَامَ عَلَى الْمُقَامِ (٦)

стр. 350

[أَرَادَ هُنَا: مَقَامَ مَكَّةَ، عَلَى مُقَامِ بَلَدِهِ.] (١) · وَمِنْهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: [الخفيف] خَيْرُ مُسْتَظْرَفِ الْفَوَارِسِ طِرْفٌ ... كُلُّ طَرْفٍ لِحُسْنِهِ مَبْهُوْتُ هِيَ فَوْقَ الْجِبَالِ وَعْلٌ، وَفِي السَّهْـ ... ـلِ عُقَابٌ، وَفِي الْمَخَائضِ حُوْتُ (٢) الْجِنَاسُ الْخَامِسُ (الْمُرَكَّبُ): وَيُسَمَّى الْجِنَاسَ، وَالتَّجْنِيْسَ، وَالتَّجَانُسَ. وَهُوَ أَنْ تَتَّفِقَ حُرُوْفُ الْكَلِمَتَيْنِ، وَحَرَكَاتُهُمَا؛ إِلَّا أَنَّ الْوَاحِدَةَ مُتَّصَلَةٌ وَالْأُخْرَى مُنْفَصِلَةٌ (٣). · كَقَوْل أَبِي الْفَتْحِ الْبُسْتِيِّ (٤): [مجزوء الكامل] لِيْ مَدْمَعٌ وَصَبِيْ بِهِ ... مِنْ فَيْضِهِ وَصَبِيْبِه وَجَوًى غَدَا وَلَهِيْ بِهِ ... مِنْ حَرِّهِ وَلَهِيْبِهِ (٥)

стр. 351

- وَفِيْهِ (١): [المتقارب] لَقَدْ قَدَّ مِنْ قَدِّهِ صَعْدَةً ... وَأَشْهَرَ مِنْ لَحْظِهِ صَارِماً وَأَقْبَلَ يَسْعَى، وَلَوْ جَلْمَدٌ ... رَأَى حُسْنَ بَهْجَتِهِ صَارَ مَا (٢) - وَقَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ أيضاً: [دَوْبيت] (٣) /إِنْ كُنْتَ تُرِيْدُ فِي الْهَوَى تَجْرِيْبِيْ ... فَأْمُرْ لِخُيُوْلِ سَلْوَتِيْ تَجْرِيْ بِيْ أَوْ كُنْتَ تُرِيْدُ بِالْجَوَى تَهْذِيْبِيْ ... فَاقْطَعْ بِرِضَاكَ أَلْسُناً تَهْذِيْ بِيْ (٤) · وَلَهُ أَيْضاً: [دوبيت] يَا حَادِيَ الْعِيْسِ نَحْوَ سِرْبِيَ سِرْ بِيْ ... قَدْ زَادَ (٥) مِنَ الْفِرَاق عُجْبِيْ عُجْ بِيْ بِاللهِ وَإِنْ أَتَيْتَ صَحْبِيَ صِحْ بِيْ ... يَا صَاحِ وَإِنْ قَضَيْتُ نَحْبِيْ نُحْ بِيْ؟ (٦) الْجِنَاسُ السَّادِسُ (الْمَرْفُوّ) (٧): وَهُوَ أَنْ تَتَّفِقَ حُرُوْفُ الْكَلِمَتَيْنِ، وَحَرَكَاتُهُمَا؛ إِلَّا أَنَّ الْوَاحِدةَ تَامَّةٌ،

стр. 352

وَالثَّانِيَةَ مَرْفُوَّةٌ بِحَرْفٍ مِنَ الْكَلِمَةِ الَّتِيْ تَقَدَّمَتْهَا أَوِ الَّتِيْ تَلِيْهَا؛ لِاعْتِدَالِ رُكْنَيِ الْجِنَاسِ. · كَقَوْلِ الْحَرِيْرِيِّ: [الطّويل] وَإِنَّ قُصَارَى مَسْكَنِ الْحَيِّ حُفْرَةٌ ... سَيَنْزِلُهَا مُسْتَنْزَلاً عَنْ قِبَابِه فَوَاهاً لِعَبْدٍ سَاءَهُ سُوْءُ فِعْلِهِ ... وَأَبْدَى التَّلافِي قَبْلَ إِغْلَاقِ بَابِهِ (١) · وَمِنْهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: [دوبيت] هَذَا زَمَنُ الرَّبِيْعِ وَالْكَاسِبُ فِيْهْ ... مَنْ نَادَمَهُ الْحَبِيْبُ وَالْكَاسُ بِفِيْهْ وَالْعِلْمُ نَصِيْبُ (٢) كُلِّ مَنْ نَمَّسَ فِيْهْ ... وَالدَّهْرُ يَقُوْلُ: كُلُّ مَنْ نَمَّ سَفِيْهْ (٣) الْجِنَاسُ السَّابِعُ (جِنَاسُ التَّحْرِيْفِ): وَهُوَ أَنْ تُخَالِفَ الْكَلِمَةُ الْكَلِمَةَ فِيْ حَرْفٍ وَاحَدٍ (٤).

стр. 353

- قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٦]. - وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٧ - ٨]. - وَقَالَ الْحَرِيْرِيُّ: [الطّويل] فَمَا رَاقَنِيْ مَنْ لَاقَنِيْ بَعْدَ بُعْدِهِ ... وَلَا شَاقَنِيْ مَنْ سَاقَنِيْ لِوِصَالِهِ (١) الْجِنَاسُ الثَّامِنُ (جِنَاسُ التَّصْرِيْفِ): وَهُوَ أَنْ تَتَّفِقَ حُرُوْفُ الْكَلِمَتَيْنِ، وَحَرَكَاتُهُمَا؛ وَيَخْتَلِفَان فِي التَّرْكِيْبِ (٢). - كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: [المتقارب] عَوَادِي الدُّهُوْرِ دَوَاعِي الْهَوَانِ ... ثِيَابَ الْمَذَلَّةِ قَدْ أَلْبَسَانِي (٣) · وَمِنْهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: [الخفيف] سَالَ فِيْ خَدِّ مَنْ أُحِبُّ عِذَارٌ ... فَهْوَ فِي الْخَدِّ سَائِلٌ مَرْحُوْمُ

стр. 354

وَأَرَادَ الْمُحِبُّ فِيْهِ الْتِثَاماً ... فَأَبَى، فَهْوَ سَائلٌ مَحْرُوْمُ (١) الْجِنَاسُ التَّاسِعُ (جِنَاسُ الْعَكْسِ وَالْقَلْبِ) (٢): وَهُوَ أَنَّكَ إِذَا عَكَسْتَ (الْبَيْتَ، أَوِ الْفَقْرَةَ، أَوِ الْكَلِمَةَ) عَادَتْ إِلَى مِثْلِهَا (٣). · كَقَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ﴾ [الأنبياء: ٣٣]. · وَ (رَبَّكَ فَكَبِّرْ) [المدّثّر: ٣]. · وَمِنْهُ: (دَامَ عُلَا الْعِمَادِ)، (سِرْ، فَلَا كَبَا بِكَ الْفَرَسُ) (٤). · وَقَالَ الْحَرِيْرِيُّ مِنْ ذَلِكَ: (سَاكِبُ كَاسٍ) (٥)، (كَبِّرْ رَجَاءَ أَجْرِ

стр. 355

رَبِّكَ) (١). - وَقَالَ أَيْضاً: [مجزوء الرّجز] أُسْ أَرْمَلاً إِذَا عَرَا ... وَارْعَ إِذَا الْمَرْءُ أَسَا اسْرِ إِذَا هَبَّ مراً ... وَارْمِ بِهِ إِذَا رَسَا أَسْنِدْ أَخَا نَبَاهَةٍ ... أَبِنْ إِخَاءً دَنَّسَا (٢) الْجِنَاسُ الْعَاشِرُ (الْمُذَيَّلُ) (٣): وَهُوَ أَنْ تَتَّفِقَ الْكَلِمَتَانِ فِي الْحُرُوْفِ، وَالْحَرَكَاتِ؛ إِلَّا أَنَّ الْوَاحِدَةَ تَزِيْدُ عَلَى الْأُخْرَى بِحَرْفٍ مِنْ (آخِرِهَا) (٤). - كَقَوْلِ أَبِي تَمَّامٍ (٥): [الطّويل] يَمُدُّوْنَ مِنْ أَيْدٍ عَوَاصٍ عَوَاصِمٍ ... تَصُوْلُ بِأَسْيَافٍ قَوَاضٍ قَوَاضِبِ (٦)
следующие страницы →