← Баляга

Баляга · id 147320

درر الفرائد المستحسنة في شرح منظومة ابن الشحنة

ابن عبد الحق العمري

Полный текст (486 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

- كَقَوْلِهِ: [الخفيف] مَا نَوَالُ الْغَمَامِ يَوْمَ رَبِيْعٍ ... كَنَوَالِ الْأَمِيْرِ يَوْمَ سَخَاء فَنَوَالُ الْأَمِيْرِ بَدْرَةُ عَيْنٍ ... وَنَوَالُ الْغَمَامِ قَطْرَةُ مَاءِ (١) فَأَوْقَعَ التَّبَايُنَ بَيْنَ نَوَالَيْنِ (٢). وَالْبَدْرَةُ: عَشْرَةُ آلَاف دِرْهَمٍ. - وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ: [المنسرح] مَنْ قَاسَ جَدْوَاكَ بِالْغَمَامِ فَمَا ... أَنْصَفَ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ شَيْئَيْن أَنْتَ إِذَا جُدْتَ ضَاحِكاً أَبَداً ... وَهْوَ إِذَا جَادَ دَامِعَ الْعَيْنِ (٣) وَالتَّقْسِيْمِ: وَهُوَ ذِكْرُ مُتَعَدِّدٍ، ثُمَّ إِضَافَةُ مَا لِكُلٍّ إِلَيْهِ عَلَى التَّعْيِيْنِ (٤)؛ كَقَوْلِ أَبِيْ تَمَّامٍ: [الطّويل] فَمَا هُوَ إِلَّا الْوَحْيُ، أَوْ حَدُّ مُرْهَفٍ ... تُمِيْلُ ظُبَاهُ أَخْدَعَيْ كُلِّ مَائِل

стр. 387

فَهَذَا دَوَاءُ الدَّاءِ مِنْ كُلِّ عَالِمٍ ... وَهَذَا دَوَاءُ الدَّاءِ مِنْ كُلِّ جَاهِلِ (١) وَكَقَوْلِ الْآخَرِ: [البسيط] وَلَا يُقِيْمُ عَلَى ضَيْمٍ يُرَادُ بِهِ ... إِلَّا الْأَذَلَّانِ؛ عَيْرُ الْحَيِّ وَالْوَتِدُ هَذَا عَلَى الْخَسْفِ مَرْبُوْطٌ بِرُمَّتِهِ ... وَذَا يُشَجُّ فَلَا يَرْثِيْ لَهُ أَحَدُ (٢) تَتِمَّةٌ يَجْتَمِعُ الْجَمْعُ مَعَ التَّفْرِيْقِ، وَمَعَ التَّقْسِيْمِ، وَمَعَهُمَا. فَالْأَوَّلُ (٣): أَنْ يُدْخَلَ شَيْئَانِ فِيْ مَعْنًى وَاحِدٍ، وَيُفَرَّقَ بَيْنَ جِهَتَيِ الْإِدْخَالِ. · كَقَوْلِهِ: [المتقارب] فَوَجْهُكَ كَالنَّارِ فِيْ ضَوْئِهَا ... وَقَلْبِيَ كَالنَّارِ فِيْ حَرِّهَا (٤) شَبَّهَ وَجْهَ الْحَبِيْبِ وَقَلْب نَفْسِهِ بِالنَّارِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ وَجْهَيِ الْمُشَابَهَةِ. (٥)

стр. 388

- وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢]. وَالثَّانِيْ (١): وَهُوَ جَمْعُ مُتَعَدِّدٍ تَحْتَ حُكْمٍ ثُمَّ تَقْسِيْمُهُ، أَوْ تَقْسِيْمُهُ ثُمَّ جَمْعُهُ (٢): - فَالْأَوَّلُ (٣): كَقَوْلِ أَبِي الطَّيِّبِ: [البسيط] حَتَّى أَقَامَ عَلَى أَرْبَاضِ خَرْشَنَةٍ ... تَشْقَى بِهِ الرُّوْمُ وَالصُّلْبَانُ وَالْبِيَعُ لِلسَّبْيِ مَا نَكَحُوا، وَالْقَتْلِ مَا وَلَدُوْا ... وَالنَّهْبِ مَا جَمَعُوْا، وَالنَّارِ مَا زَرَعُوْا (٤) جَمَعَ فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ شَقَاءَ الرُّوْمِ بِالْمَمْدُوْحِ عَلَى سَبِيْلِ الْإِجْمَالِ، حَيْثُ قَالَ: (تَشْقَى بِهِ الرُّوْمُ)، ثُمَّ قَسَّمَ فِي الثَّانِي وَفَصَّلَهُ. - وَالثَّانِي (٥): كَقَوْلِ حَسَّانَ: [البسيط] قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوْا، ضَرُّوْا عَدُوَّهُمُ ... أَوْ حَاوَلُوْا النَّفْعَ فَيْ أَشْيَاعِهِمْ، نَفَعُوْا سَجِيَّةٌ تِلْكَ مِنْهُمْ غَيْرُ مُحْدَثَةٍ ... إِنَّ الْخَلَائِقَ - فَاعْلَمْ - شَرُّهَا الْبِدَعُ (٦)

стр. 389

قَسَّمَ فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ صِفَةَ الْمَمْدُوْحِيْنَ إِلَى: ضَرِّ الْأَعْدَاءِ، أَوْ نَفْعِ الْأَوْلِيَاءِ، ثُمَّ جَمَعَهَا فِي الثَّانِيْ، حَيْثُ قَالَ: «سَجِيَّةٌ تِلْكَ مِنْهُمْ غَيْرُ مُحْدَثَةٍ». وَالثَّالِثُ (١): وَهُوَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ مُتَعَدِّدٍ، ثُمَّ يُوْقِعَ التَّبَايُنَ بَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ، ثُمَّ يُضِيْفَ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَى التَّعْيِيْنِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٥ - ١٠٨]. فَأَمَّا الْجَمْعُ: فَفِيْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ فَإِنَّ قَوْلَهُ: (نَفْسٌ) مُتَعَدِّدُ مَعْنًى؛ لِأَنَّ النَّكِرَةَ فِيْ سِيَاقِ النَّفْيِ تَعُمُّ. وَأَمَّا التَّفْرِيْقُ: فَفِيْ قَوْلِهِ: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾. وَأَمَّا التَّقْسِيْمُ: فَفِيْ قَوْلِهِ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ ..... إِلَى آخِرِ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ. وَقَدْ يُطْلَقُ التَّقْسِيْمُ عَلَى أَمْرَيْنِ آخَرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُذْكَرَ أَحْوَالُ الشَّيْءِ مُضَافاً إِلَى كُلِّ حَالٍ مَّا يَلِيْقُ بِهَا؛ كَقَوْلِ أَبِي الطَّيِّبِ: [الطّويل] سَأَطْلُبُ حَقِّيْ بِالْقَنَا وَمَشَايِخٍ ... كَأَنَّهُمُ مِنْ طُوْلِ مَا الْتَثَمُوْا مُرْدُ ثِقَالٌ إِذَا لَاقَوْا، خِفَافٌ إِذَا دُعُوْا ... كَثِيْرٌ إِذَا شَدُّوْا، قَلِيْلٌ إِذَا عُدُّوْا (٢) ذَكَرَ أَحْوَالَ الْمَشَايِخِ، وَأَضَافَ إِلَى كُلِّ حَالٍ مَّا يُنَاسِبُهَا؛ إِذْ أَضَافَ إِلَى الثِّقَلِ حَالَ الْمُلَاقَاةِ، وَإِلَى الْخِفَّةِ حَالَ الدُّعَاءِ، وَهَكَذَا إِلَى الْآخِرِ.

стр. 390

وَالثَّانِيْ: اِسْتِيْفَاءُ أَقْسَامِ الشَّيْءِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ [الشّورى: ٤٩ - ٥٠]؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إِمَّا أَلَّا يَكُوْنَ لَهُ وَلَدٌ، أَوْ يَكُوْنَ لَهُ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى، أَوْ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، وَقَدِ اسْتُوْفِيَ فِي الْآيَةِ جَمِيْعُ الْأَقْسَامِ. * * * ٩٣ - وَالْقَوْلِ بِالْمُوْجَبِ، وَالتَّجْرِيْدِ ... وَالْجِدِّ، وَالطِّبَاقِ، وَالتَّأْكِيْد وَالْقَوْلِ بِالْمُوْجَبِ: (١) وَهُوَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَقَعَ صِفَةٌ فِي كَلَامِ الْغَيْرِ؛ كِنَايَةً عَنْ شَيْءٍ أُثْبِتَ لَهُ حُكْمٌ، فَتُثْبِتَ فِي كَلَامِكَ تِلْكَ الصِّفَةَ لِغَيْرِ ذَلِكَ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِثُبُوتِ ذَلِكَ الْحُكْمِ لَهُ أَوِ انْتِفَائِهِ عَنْهُ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]؛ فَإِنَّهُمْ كَنَّوْا بِـ (الْأَعَزِّ) عَنْ فَرِيْقِهِمْ، وَبِـ (الْأَذَلِّ) عَنْ فَرِيْقِ الْمُؤْمِنِيْنَ، وَأَثْبَتُوا لِلْأَعَزِّ الْإِخْرَاجَ، فَأَثْبَتَ اللهُ تَعَالَى - فِي الرَّدِّ - صِفَةَ الْعِزَّةِ للهِ وَلِرَسُوْلِهِ وَلِلْمُؤْمِنِيْنَ، مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِثُبُوْتِ حُكْمِ الْإِخْرَاجِ لِلْمَوْصُوْفِيْنَ بِصِفَةِ الْعِزَّةِ وَلَا لِنَفْيِهِ عَنْهُمْ. وَالثَّانِيْ: حَمْلُ لَفْظٍ وَقَعَ فِيْ كَلَامِ الْغَيْرِ عَلَى خِلَافِ مُرَادِهِ مِمَّا يَحْتَمِلُهُ بِذِكْرِ مُتَعَلَّقِهِ (٢)؛ كَقَوْلِهِ: [الخفيف]

стр. 391

قُلْتُ: ثَقَّلْتُ إِذْ أَتَيْتُ مِرَاراً ... قَالَ: ثَقَّلْتَ كَاهِلِيْ بِالْأَيَادِيْ (١) فَلَفْظُ (ثَقَّلْتُ) وَقَعَ فِيْ كَلَامِ الْغَيْرِ بِمَعْنَى (حَمَّلْتُكَ) الْمَؤُوْنَةَ، فَحَمَلَهُ عَلَى تَثْقِيْلِ عَاتِقِهِ بِالْأَيَادِيْ وَالنِّعَمِ؛ بِأَنْ ذَكَرَ مُتَعَلَّقَهُ، أَعْنِيْ قَوْلَهُ: (كَاهِلِيْ بِالْأَيَادِيْ). وَالتَّجْرِيْدِ: وَهُوَ أَنْ يُنْتَزَعَ مِنْ أَمْرٍ ذِيْ صِفَةٍ أَمْرٌ آخَرُ مِثْلُهُ فِيْهَا؛ مُبَالَغَةً لِكَمَالِهَا فِيْهِ (٢). وَهُوَ أَقْسَامٌ: ١ - مِنْهَا مَا يَكُوْنُ بِـ (مِنْ) التَّجْرِيْدِيَّةِ؛ نَحْوُ قَوْلِهِمْ: «لِيْ مِنْ فُلَانٍ صَدِيْقٌ حَمِيْمٌ» أَيْ: بَلَغَ مِنَ الصَّدَاقَةِ حَدّاً صَحَّ مَعَهُ أَنْ يُسْتَخْلَصَ مِنْهُ صَدِيْقٌ آخَرُ مِثْلُهُ فِي الصَّدَاقَةِ. ٢ - وَمِنْهَا مَا يَكُوْنُ بِالْبَاءِ التَّجْرِيْدِيَّةِ الدَّاخِلَةِ عَلَى الْمُنْتَزَعِ مِنْهُ؛ كَقَوْلِهِمْ: «لَئِنْ سَأَلْتَ فُلَاناً لَتَسْأَلَنَّ بِهِ الْبَحْرَ»؛ بَالَغَ فِي اتِّصَافِهِ بِالسَّمَاحَةِ حَتَّى انْتَزَعَ مِنْهُ بَحْراً فِي السَّمَاحَةِ. ٣ - وَمِنْهَا مَا يَكُوْنُ بِدُخُوْلِ بَاءِ الْمَعِيَّةِ فِي الْمُنْتَزَعِ؛ نَحْوُ قَوْلِهِ: [الطّويل] وَشَوْهَاءَ تَعْدُوْ بِيْ إِلَى صَارِخِ الْوَغَى ... بِمُسْتَلْئِمٍ مِثْلِ الْفَنِيْقِ الْمُرَحَّلِ (٣)

стр. 392

بَالَغَ فِي اسْتِعْدَادِهِ لِلْحَرْبِ حَتَّى انْتَزَعَ مِنْهُ آخَرَ. ٤ - وَمِنْهَا مَا يَكُوْنُ بِدُخُوْلِ (فِي) فِي الْمُنْتَزَعِ مِنْهُ؛ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصّلت: ٢٨] أَيْ: فِي جَهَنَّمَ، وَهِيَ دَارُ الْخُلْدِ، لَكِنَّهُ انْتَزَعَ مِنْهَا دَاراً أُخْرَى، وَجَعَلَهَا مُعَدَّةً فِي جَهَنَّمَ لِأَجْلِ الْكُفَّارِ؛ تَهْوِيْلاً لِأَمْرِهَا، وَمُبَالَغَةً فِي اتِّصَافِهَا بِالشِّدَّةِ. ٥ - وَمِنْهَا مَا يَكُوْنُ بِدُوْنِ تَوَسُّطِ حَرْفٍ؛ نَحْوُ قَوْلِهِ: [الكامل] فَلَئِنْ بَقِيْتُ لَأَرْحَلَنَّ بِغَزْوَةٍ ... تَحْوِي الْغَنَائِمَ أَوْ يَمُوْتَ كَرِيْمُ (١) يَعْنِيْ نَفْسَهُ. اِنْتَزَعَ مِنْ نَفْسِهِ كَرِيْماً؛ مُبَالَغَةً فِيْ كَرَمِهِ. ٦ - وَمِنْهَا مَا يَكُوْنُ بِطَرِيْقِ الْكِنَايَةِ؛ نَحْوُ قَوْلِهِ: [المنسرح] يَا خَيْرَ مَنْ يَرْكَبُ الْمَطِيَّ وَلَا ... يَشْرَبُ كَأْساً بِكَفِّ مَنْ بَخِلَا (٢) أَيْ: تَشْرَبُ الْكَأْسَ بِكَفِّ الْجَوَادِ. اِنْتَزَعَ مِنْهُ جَوَاداً يَشْرَبُ هُوَ بِكَفِّهِ عَلَى طَرِيْقِ الْكِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا نَفَى عَنْهُ الشُّرْبَ بِكَفِّ الْبَخِيْلِ فَقَدْ أَثْبَتَ لَهُ الشُّرْبَ بِكَفِّ كَرِيْمٍ، وَمَعْلُوْمٌ أَنَّهُ يَشْرَبُ بِكَفِّهِ، فَهُوَ ذَلِكَ الْكَرِيْمُ.

стр. 393

٧ - وَمِنْهَا مُخَاطَبَةُ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ. وَبَيَانُ التَّجْرِيْدِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يَنْتَزِعُ مِنْ نَفْسِهِ شَخْصاً آخَرَ مِثْلَهُ فِي الصِّفَةِ الَّتِيْ سِيْقَ لَهَا الْكَلَامُ، ثُمَّ يُخَاطِبُهُ؛ كَقَوْلِهِ: [البسيط] لَا خَيْلَ عِنْدَكَ تُهْدِيْهَا وَلَا مَالُ ... فَلْيُسْعِدِ النُّطْقُ إِنْ لَمْ تُسْعِدِ الْحَالُ (١) أَيِ: الْغِنَى. اِنْتَزَعَ مِنْ نَفْسِهِ شَخْصاً آخَرَ مِثْلَهُ فِي فَقْدِ الْخَيْلِ وَالْمَالِ، وَخَاطَبَهُ. وَالْجِدِّ: أي: الهَزْل الَّذي يُرَادُ به الجِدُّ (٢). قالَ ابنُ حِجَّةَ (٣): «هُوَ أَنْ يَقْصِدَ الْمُتَكَلِّمُ مَدْحَ إِنْسَانٍ أَوْ ذَمَّهُ، فَيَخْرُجَ مِنْ ذَلِكَ الْمَقْصِدِ مَخْرَجَ الْهَزْلِ الْمُعْجِبِ وَالْمُجُوْنِ اللَّائِقِ بِالْحَالِ (٤)؛ كَقَوْلِ أَبِي الْعَتَاهِيَةِ: [البسيط] أَرْقِيْكَ أَرْقِيْكَ بِسْمِ اللهِ أَرْقِيْكَ ... مِنْ بُخْلِ نَفْسِكَ عَلَّ اللهَ يَشْفِيْكَا مَا سَلْمُ كَفِّكَ إِلَّا مَنْ يُنَاوِلُهَا ... وَلا عَدُوُّكَ إِلَّا مَنْ يُرَجِّيْكَا (٥) وَالْفَاتِحُ لَهِذَا الْبَابِ امْرُؤُ الْقَيْسِ، وَقَوْلُهُ أَبْلَغُ مَا سُمِعَ فِيْهِ وَأَلْطَفُ: [الطّويل]

стр. 394

وَقَدْ عَلِمَتْ سَلْمَى، وَإِنْ كَانَ بَعْلَهَا ... بِأَنَّ الْفَتَى يَهْذِيْ وَلَيْسَ بِفَعَّالِ (١) قَالَ زَكِيُّ الدِّيْنِ بْنُ أَبِي الْإِصْبَعِ (٢): مَا رَأَيْتُ أَحْسَنَ مِنْ قَوْلِهِ مُلْتَفِتاً: (وَإِنْ كَانَ بَعْلَهَا)» اِنْتَهَى. وَالطِّبَاقِ: وَيُسَمَّى الْمُطَابَقَةَ وَالتَّضَادَّ أَيْضاً، وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ مُتَضَادَّيْنِ، أَيْ: مَعْنَيَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ فِي الْجُمْلَةِ، وَيَكُوْنُ ذَلِكَ الْجَمْعُ بِلَفْظَيْنِ: - مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ: اِسْمَيْنِ: نَحْوُ ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف: ١٨]. أَوْ فِعْلَيْنِ: نَحْوُ ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]. أَوْ حَرْفَيْنِ: نَحْوُ ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]. - أو مِن نوعينِ: نحوُ ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٨]. - هذا طباق الإيجاب. - وَأَمَّا طِبَاقُ السَّلْبِ؛ فَنَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الرّوم: ٦ - ٧] فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ فِعْلَيْ مَصْدَرٍ وَاحِدٍ، أَحَدُهُمَا مُثْبَتٌ، وَالآخَرُ مَنْفِيٌّ. وَقَدْ يَكُوْنُ أَحَدُهُمَا أَمْراً وَالآخَرُ نَهْياً؛ نَحْوُ: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤]. وَمِنَ الطِّبَاقِ التَّدْبِيْجُ: وَهُوَ أَنْ يُذْكَرَ فِيْ مَعْنًى مِنَ الْمَدْحِ وَغَيْرِهِ أَلْوَانٌ؛ لِقَصْدِ الْكِنَايَةِ أَوِ التَّوْرِيَةِ. - فَالْأَوَّلُ: نَحْوُ قَوْلِهِ: [الطّويل]

стр. 395

تَرَدَّى ثِيَابَ الْمَوْتِ حُمْراً، فَمَا أَتَى ... لَهَا اللَّيْلُ إِلَّا وَهْيَ مِنْ سُنْدُسٍ خُضْرُ (١) فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ (الْحُمْرَةِ، وَالْخُضْرَةِ)، وَقَصَدَ بِالْأَوَّلِ الْكِنَايَةَ عَنِ: الْقَتْلِ، وَبِالثَّانِي الْكِنَايَةَ عَنْ: دُخُوْلِ الْجَنَّةِ (٢). - وَالثَّانِيْ: كَقَوْلِ الْحَرِيْرِيِّ: «فَمُذِ اغْبَرَّ الْعَيْشُ الْأَخْضَرُ، وَازْوَرَّ الْمَحْبُوْبُ الْأَصْفَرُ؛ اِسْوَدَّ يَوْمِيَ الْأَبْيَضُ، وَابْيَضَّ فَوْدِيَ الْأَسْوَدُ، حَتَّى رَثَى لِيَ الْعَدُوُّ الْأَزْرَقُ، فَيَا حَبَّذَا الْمَوْتُ الْأَحْمَرُ» (٣) فَالْمَعْنَى الْقَرِيْبُ لِلْمَحْبُوْبِ الْأَصْفَرِ: إِنْسَانٌ لَهُ صُفْرَةٌ، وَالْبَعِيْدُ: الذَّهَبُ، وَهُوَ الْمُرَادُ هَهُنَا، فَيَكُوْنُ تَوْرِيَةً. · ويَلحَقُ بالطِّباقِ شيئانِ: أحدُهما: الجمعُ بينَ معنيينِ يتعلَّقُ أحدُهما بما يقابلُ الآخرَ نوعَ تَعَلُّقٍ، مثلُ السَّببيَّةِ واللُّزومِ؛ نحوُ: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] فإنَّ الرَّحمةَ مُسبَّبَةٌ عن اللِّينِ الَّذي هو ضِدُّ الشِّدَّةِ. وَالثَّانِي: الْجَمْعُ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ غَيْرِ مُتَقَابِلَيْنِ، عُبِّرَ عَنْهُمَا بِلَفْظَيْنِ يَتَقَابَلُ مَعْنَاهُمَا الْحَقِيْقِيَّانِ؛ نَحْوُ قَوْلِهِ: [الكامل]

стр. 396

لَا تَعْجَبِيْ يَا سَلْمُ مِنْ رَجُلٍ ... ضَحِكَ الْمَشِيْبُ بِرَأْسِهِ فَبَكَى (١) فَظُهُوْرُ الشَّيْبِ لَا يُقَابِلُ الْبُكَاءَ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ عَبَّرَ عَنْهُ بِالضَّحِكِ الَّذِيْ مَعْنَاهُ الْحَقِيْقِيُّ مُقَابِلٌ لِلْبُكَاءِ، وَيُسَمَّى هَذَا الثَّانِيَ إِيْهامَ التَّضَادِّ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَيَيْنِ قَدْ ذُكِرَا بِلَفْظَيْنِ مُوْهِمَيْنِ بِالتَّضَادِّ؛ نَظَراً إِلَى الظَّاهِرِ. وَيَدْخُلُ فِي الطِّبَاقِ مَا يَخْتَصُّ بِاسْمِ الْمُقَابَلَةِ: وَقَدْ جَعَلَهُ السَّكَّاكِيُّ وَغَيْرُهُ قِسْماً بِرَأْسِهِ مِنَ الْمُحَسِّنَاتِ الْبَدِيْعِيَّةِ (٢). وَهُوَ: أَنْ يُؤْتَى بِمَعْنَيَيْنِ مُتَوَافِقَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، ثُمَّ يُؤْتَى بِمَا يُقَابِلُ ذَلِكَ الْمَذْكُوْرَ مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ الْمُتَوَافِقَيْنِ أَوِ الْمَعَانِي الْمُتَوَافِقَةِ عَلَى التَّرْتِيْبِ، فَيَدْخُلُ فِي الطِّبَاقِ؛ لِأَنَّهُ جَمْعٌ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ فِي الْجُمْلَةِ. - فَمُقَابَلَةُ الِاثْنَيْنِ بِالِاثْنَيْنِ: نَحْوُ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التّوبة: ٨٢] أَتَى بِالضَّحِكِ وَالْقِلَّةِ الْمُتَوَافِقَيْنِ، ثُمَّ بِالْبُكَاءِ وَالْكَثْرَةِ الْمُقَابِلَيْنِ لَهُمَا. - وَمُقَابَلَةُ الثَّلَاثَةِ بِالثَّلَاثَةِ: كَقَوْلِهِ: [البسيط] مَا أَحْسَنَ الدِّيْنَ وَالدُّنْيَا إِذَا اجْتَمَعَا ... وَأَقْبَحَ الْكُفْرَ وَالْإِفْلَاسَ بِالرَّجُلِ (٣) أَتَى بِـ (الْحُسْنِ، وَالدِّيْنِ، وَالْغِنَى)، ثُمَّ بِمَا يُقَابِلُهَا مِنَ (الْقُبْحِ، وَالْكُفْرِ، وَالْإِفْلَاسِ) عَلَى التَّرْتِيْبِ.

стр. 397

- وَمُقَابَلَةُ الْأَرْبَعَةِ بِالْأَرْبَعَةِ: نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [اللّيل: ٥ - ١٠]. قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ (١): «وَالتَّقَابُلُ بَيْنَ الْجَمِيْعِ ظَاهِرٌ إِلَّا بَيْنَ الِاتِّقَاءِ وَالِاسْتِغْنَاءِ، فَبَيَّنَهُ (٢) بِقَوْلِهِ: المُرَادُ بِـ (اسْتَغْنَى) أَنَّهُ زَهَدَ فِيْمَا عِنْدَ اللهِ كَأَنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ؛ أَيْ: عَمَّا عَنْدَ اللهِ، فَلَمْ يَتَّقِ. [أَوِ الْمُرَادُ بِـ (اسْتَغْنَى) اِسْتَغْنَى بِشَهَوَاتِ الدُّنْيَا عَنْ نَعِيْمِ الْجَنَّةِ، فَلَمْ يَتَّقِ، فَيَكُوْنُ الِاسْتِغْنَاءُ مُسْتَتْبِعاً لِعَدَمِ الِاتِّقَاءِ، وَهُوَ مُقَابِلٌ لِلاتِّقَاءِ] (٣)، فَيَكُوْنُ مِنْ قَبِيْلِ قَوْلِه تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]» اِنْتَهَى. (٤) وَالتَّأْكِيْدِ: وَهُوَ قِسْمَانِ: الْأَوَّلُ: تَأْكِيْدُ الْمَدْحِ بِمَا يُشْبِهُ الذَّمَّ (٥) وَهُوَ ضَرْبَانِ: · أَفْضَلُهُمَا أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْ صِفَةِ ذَمٍّ مَنْفِيَّةٍ عَنِ الشَّيْءِ صِفَةُ مَدْحٍ لِذَلِكَ الشَّيْءِ، بِتَقْدِيْرِ دُخُوْلِهَا فِيْهَا؛ كَقَوْلِهِ: [الطّويل] وَلَا عَيْبَ فِيْهِمْ، غَيْرَ أَنَّ سُيُوْفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُوْلٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ (٦)

стр. 398

أَيْ: إِنْ كَانَ فُلُوْلُ السَّيْفِ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ مِنْ قَبِيْلِ الْعَيْبِ. فَأَثْبَتَ شَيْئاً مِنَ الْعَيْبِ عَلَى تَقْدِيْرِ أَنَّ فُلُوْلَ السَّيْفِ مِنْهُ، وَذَلِكَ مُحَالٌ؛ فَهُوَ فِي الْمَعْنَى تَعْلِيْقٌ بِالْمُحَالِ؛ كَقَوْلِهِ: (حَتَّى يَبْيَضَّ الْقَارُ)، فَالتَّأْكِيْدُ فِيْهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: كَدَعْوَى الشَّيْءِ بِبَيِّنَةٍ. وَالثَّانِيْ: أَنَّ الْأَصْلَ فِيْ مُطْلَقِ الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَكُوْنَ مُتَّصِلاً، فَإِذَا نَطَقَ الْمُتَكَلِّمُ بِـ (إِلَّا) وَنَحْوِهَا، تَوَهَّمَ السَّامِعُ - قَبْلَ أَنْ يَنْطِقَ بِمَا بَعْدَهَا -[أَنْ يَأْتِيَ] (١) بَعْدَهَا مُخْرَجٌ مِمَّا قَبْلَهَا، فَيَكُوْنَ شَيْءٌ مِنْ صِفَةِ الذَّمِّ ثَابِتاً، وَهَذَا ذَمٌّ، فَإِذَا أَتَتْ بَعْدَهَا صِفَةُ مَدْحٍ تَأَكَّدَ الْمَدْحُ؛ لِكَوْنِهِ مَدْحاً عَلَى مَدْحٍ، وَكَانَ فِيْهِ نَوْعٌ مِنَ الْخِلَابَةِ (٢). - وَالثَّانِي: أَنْ يُثْبَتَ لِشَيْءٍ صِفَةُ مَدْحٍ، وَيُعَقَّبَ بِأَدَاةِ اسْتِثْنَاءٍ يَلِيْهَا صِفَةُ مَدْحٍ أُخْرَى لَهُ؛ كَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «أَنَا أَفْصَحُ الْعَرَبِ، بَيْدَ أَنِّي مِنْ قُرَيْش» (٣)؛ فَـ (بَيْدَ) بِمَعْنَى غَيْر، وَهُوَ أَدَاةُ الِاسْتِثْنَاءِ. وَأَصْلُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي هَذَا الضَّرْبِ أَنْ يَكُوْنَ مُنْقَطِعاً، لَكِنَّهُ بَاقٍ عَلَى حَالِهَ لَمْ يُقَدَّرْ مُتَّصِلاً، فَلَا يُفِيْدُ التَّأْكِيْدَ إِلَاّ مِنَ الْوَجْهِ الثَّانِي مِنَ الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُوْرَيْنِ؛ (وَهُوَ أَنَّ ذِكْرَ

стр. 399

أَدَاةِ الِاسْتِثْنَاءِ قَبْلَ ذِكْرِ الْمُسْتَثْنَى يُوْهِمُ إِخْرَاجَ شَيْءٍ مِمَّا قَبْلَهَا، مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْأَصْلَ فِي مُطْلَقِ الِاسْتِثْنَاءِ هُوَ الِاتِّصَالُ، فَإِذَا ذُكِرَ بَعْدَ الْأَدَاةِ صِفَةُ مَدْحٍ أُخْرَى جَاءَ التَّأْكِيْدُ). وَلَا يُفِيْدُ التَّأْكِيْدَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ كَدَعْوَى الشَّيْءِ بِبَيِّنةٍ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّعْلِيْقِ بِالْمُحَالِ الْمَبْنِيِّ عَلَى تَقْدِيْرِ الِاسْتِثْنَاءِ مُتَّصِلاً، وَلِكَوْنِ التَّأْكِيْدِ - فِي هَذَا الضَّرْبِ - مِنَ الْوَجْهِ الثَّانِي فَقَط كَانَ الضَّرْبُ الْأَوَّلُ الْمُفِيْدُ لِلتَّأْكِيْدِ مِنْ وَجْهِيْنِ أَفْضَلَ. الثَّانِي مِنْ قِسْمَيِ التَّأْكِيْدِ: تَأْكِيْدُ الذَّمِّ بِمَا يُشْبِهُ المَدْحَ (١) وَهُوَ ضَرْبَانِ: - أَحَدُهُمَا: أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْ صِفَةِ مَدْحٍ مَنْفِيَّةٍ عَنِ الشَّيْءِ صِفَةُ ذَمٍّ، بِتَقْدِيْرِ دُخُوْلِهَا فِيْهَا؛ كَقَوْلِكَ: «فُلَانٌ لَا خَيْرَ فِيْهِ إِلَّا أَنَّهُ يُسِيْءُ إِلَى مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ». - وَثَانِيْهِمَا: أَنْ يُثْبَتَ لِلشَّيْءِ صِفَةُ ذَمٍّ، وَيُعَقَّبَ بِأَدَاةِ اسْتِثْنَاءٍ، تَلِيْهَا صِفَةُ ذَمٍّ أُخْرَى لَهُ؛ كَقَوْلِكَ: «فُلَانٌ فَاسِقٌ إِلَّا أَنَّهُ جَاهِلٌ». فَالضَّرْبُ الْأَوَّلُ يُفِيْدُ التَّأْكِيْدَ مِنْ وَجْهِيْنِ، وَالثَّانِيَ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَتَحْقِيْقُهُمَا عَلَى قِيَاسِ مَا مَرَّ فِي تَأْكِيْدِ الْمَدْحِ بِمَا يُشْبِهُ الذَّمَّ. * * * ٩٤ - وَالْعَكْسِ، وَالرُّجُوْعِ، وَالْإِبْهَامِ، ... وَاللَّفِّ، وَالنَّشْرِ، وَالِاسْتِخْدَام وَالْعَكْسِ (٢): وَهُوَ أَنْ يُقَدَّمَ فِي الْكَلَامِ جُزْءٌ ثُمَّ يُعْكَسُ، فَتُقَدِّمُ مَا

стр. 400

أَخَّرْتَ وَتُؤَخِّرُ مَا قَدَّمْتَ، وَيَقَعُ عَلَى وُجُوْهٍ، مِنْهَا: ١ - أَنْ يَقَعَ بَيْنَ أَحَدِ طَرَفَيِ الْجُمْلَةِ وَمَا أُضِيْفَ إِلَيْهِ ذَلِكَ الطَّرَفُ؛ نَحْوُ: (عَادَاتُ السَّادَاتِ سَادَاتُ الْعَادَاتِ)؛ فَالْعَادَاتُ أَحَدُ طَرَفَيِ الْكَلَامِ، وَالسَّادَاتُ مُضَافٌ إِلَيْهِ، أَيْ إِلَى ذَلِكَ الطَّرَفِ، وَقَدْ وَقَعَ الْعَكْسُ بَيْنَهُمَا؛ فَقُدِّمَ أَوَّلاً العَادَاتُ عَلَى السَّادَاتِ، ثُمَّ السَّادَاتُ عَلَى الْعَادَاتِ. ٢ - وَمِنْهَا أَنْ يَقَعَ بَيْنَ مُتَعَلَّقَيْ فِعْلَيْنِ فِي جُمْلَتَيْنِ؛ نَحْوُ: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الرّوم: ١٩] فَالْحَيُّ وَالْمَيِّتُ مُتَعَلَّقَا (يُخْرِجُ)، وَقَدْ قُدِّمَ أَوَّلاً الحَيُّ عَلَى الْمَيِّتِ، وَثَانِياً الْمَيِّتُ عَلَى الحَيِّ. ٣ - وَمِنْهَا أَنْ يَقَعَ بَيْنَ لَفْظَيْنِ فِي طَرَفَيْ جُمْلَتِيْنِ؛ نَحْوُ: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] قُدِّمَ أوَّلاً: (هُنَّ) عَلَى (لَهُمْ)، وَثَانِياً: (لَهُمْ) عَلَى (لَهُنَّ)، وَهُمَا لَفْظَانِ وَقَعَ أَحَدُهُمَا فِي جَانِبِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ، وَالْآخَرُ فِي جَانِبِ الْمُسْنَدِ. وَالرُّجُوْعِ: وَهُوَ الْعَوْدُ إِلَى الْكَلَامِ السَّابِقِ بِالنَّقْضِ وَالْإِبْطَالِ لِنُكْتَةٍ (١)؛ كَقَوْلِهِ: [البسيط] قِفْ بِالدِّيَارِ الَّتِيْ لَمْ يَعْفُهَا الْقِدَمُ ... بَلَى، وَغَيَّرَهَا الْأَرْوَاحُ وَالدِّيَمُ (٢) أَيِ: الرِّيَاحُ وَالْأَمْطَارُ.

стр. 401

وَالنُّكْتَةُ إِظْهَارُ التَّحَيُّرِ وَالتَّدَلُّهِ كَأَنَّهُ أَخْبَرَ أَوَّلاً بِمَا لَا تَحَقُّقَ لَهُ، ثُمَّ أَفَاقَ بَعْضَ الْإِفَاقَةِ فَنَقَضَ الْكَلَامَ السَّابِقَ قَائِلاً: (بَلَى، عَفَاهَا الْقِدَمُ وَغَيَّرَهَا الْأَرْوَاحُ وَالدِّيَمُ). وَالْإِبْهَامِ: قَالَ ابْنُ حِجَّةَ «بِبَاءٍ مُعْجَمَةٍ بِوَاحِدَةٍ، وَهُوَ: أَنْ يَقُوْلَ الْمُتَكَلِّمُ كَلَاماً مُبْهَماً، يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ، لَا يَتَمَيَّزُ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ، وَلَا يَأْتِيْ فِيْ كَلَامِهِ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّمْيِيْزُ فِيْمَا بَعْدُ، بَلْ يَقْصِدُ إِبْهَامَ الْأَمْرِ فِيْهِمَا. وَالْإِبْهَامُ يَخْتَصُّ بِالْفُنُوْنِ؛ كَالْمَدِيْحِ، وَالْهِجَاءِ، وَغَيْرِهِمَا، وَلَكِنْ لَا يُفْهَمُ مِنْ أَلْفَاظِهِ مَدْحٌ وَلَا هِجَاءٌ الْبَتَّةَ، بَلْ يَكُوْنُ لَفْظُهُ صَالِحاً لِلْأَمْرَيْنِ. وَمِنْ غَرِيْبِ مَا وَقَعَ فِيْ هَذَا الْبَابِ: أَنَّ بَعْضَ حُذَّاقِ الْأَدَبِ فَصَّلَ قَبَاءً عِنْدَ خَيَّاطٍ أَعْوَرَ اسْمُهُ زَيْدٌ، فَقَالَ الْخَيَّاطُ - عَلَى طَرِيْقِ الْعَبَثِ بِهِ -: (سَآتِيْكَ بِهِ، لَا تَدْرِيْ: أَقَبَاءٌ هُوَ أَمْ دُوَّاجٌ؟ )، فَقَالَ لَهُ الشَّاعِرُ: (لَئِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لَأَنْظِمَنَّ فِيْكَ بَيْتاً، لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مِمَّنْ سَمِعَهُ أَدَعَوْتُ لَكَ أَمْ دَعَوْتُ عَلَيْكَ)، فَفَعَلَ الْخَيَّاطُ، فَقَالَ الشَّاعِرُ: [مجزوء الرّمل] جَاءَ مِنْ زَيْدٍ قَبَاءُ ... لَيْتَ عَيْنَيْهِ سَوَاءُ (١)

стр. 402

فَمَا عَلِمَ أَحَدٌ أَنَّ الصَّحِيْحَةَ تُسَاوِي السَّقِيْمَةَ أَوْ بِالْعَكْسِ» (١) اِنْتَهَى. هَذَا مَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّارِحُ. وَالْأَوْلَى أَنْ يُضْبَطَ لَفْظُ النَّاظِمِ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتٍ، أَيْ: الْإِيْهَامِ، وَهُوَ التَّوْرِيَةُ؛ لِأَنَّ الْإِبْهَامَ بِالْبَاءِ جَعَلَهُ الْقَزْوِيْنِيُّ وَغَيْرُهُ دَاخِلاً فِي التَّوْجِيْهِ (٢). وَالتَّوْرِيَةُ: هُوَ أَنْ يُطْلَقَ لَفْظٌ لَهُ مَعْنَيَانِ؛ قَرِيْبٌ وَبَعِيْدٌ، وَيُرَادُ الْبَعِيْدُ اعْتِمَاداً عَلَى قَرِيْنَةٍ خَفِيَّةٍ، وَهِيَ ضَرْبَانِ (٣): الْأُوْلَى: مُجَرَّدَةٌ: وَهِيَ الَّتِي لَا تُجَامِعُ شَيْئاً مِمَّا يُلَائِمُ الْمَعْنَى الْقَرِيْبَ؛ نَحْوُ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] أَرَادَ بِـ «اِسْتَوَى» مَعْنَاهُ الْبَعِيْدَ؛ وَهُوَ: «اِسْتَوْلَى»، وَلَمْ يُقْرَنْ بِهِ شَيْءٌ مِمَّا يُلَائِمُ الْمَعْنَى الْقَرِيْبَ؛ الَّذِيْ هُوَ: (الِاسْتِقْرَارُ). وَالثَّانِيَةُ: مُرَشَّحَةٌ: وَهِيَ الَّتِيْ تُجَامِعُ شَيْئاً مِمَّا يُلَائِمُ الْمَعْنَى الْقَرِيْبَ؛ نَحْوُ: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذّاريات: ٤٧]؛ أَرَادَ بِالْأَيْدِي مَعْنَاهَا الْبَعِيْدَ؛ وَهُوَ: (الْقُدْرَةُ)، وَقَدْ قُرِنَ بِمَا يُلَائِمُ الْمَعْنَى الْقَرِيْبَ الَّذِيْ هُوَ: (الْجَارِحَةُ الْمَخْصُوْصَةُ)، وَهُوَ قَوْلُهُ: (بَنَيْنَاهَا) إِذِ الْبِنَاءُ يُلَائِمُ الْيَدَ. وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا اشْتُهِرَ بَيْنَ أَهْلِ الظَّاهِرِ مِنَ المُفَسِّرِيْنَ، وَإِلَّا فَالتَّحْقِيْقُ أَنَّ هَذَا تَمْثِيْلٌ وَتَصْوِيْرٌ لِعَظَمَتِهِ، وَتَوْقِيْفٌ عَلَى كُنْهِ جَلَالِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُتَمَحَّلَ لِلْمُفْرَدَاتِ حَقِيْقَةً أَوْ مَجَازاً، وَاللهُ أَعْلَمُ.

стр. 403

وَاللَّفِّ وَالنَّشْرِ: وَهُوَ ذِكْرُ مُتَعَدِّدٍ عَلَى جِهَةِ التَّفْصِيْلِ أَوِ الْإِجْمَالِ، ثُمَّ ذِكْرُ مَا لِكُلٍّ مِنْ آحَادِ هَذَا الْمُتَعَدِّدِ، مِنْ غَيْرِ تَعْيِيْنٍ؛ ثِقَةً بِأَنَّ السَّامِعَ يَرُدُّ مَا لِكُلٍّ إِلَى مَا هُوَ لَهُ؛ لِعِلْمِهِ بِذَلِكَ بِالْقَرَائِنِ اللَّفْظِيَّةِ أَوِ الْمَعْنَوِيَّةِ (١). فَالْأَوَّلُ (٢) ضَرْبَانِ: لِأَنَّ النَّشْرَ: ١ - إِمَّا عَلَى تَرْتِيْبِ اللَّفِّ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣]؛ ذَكَرَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلَى التَّفْصِيْلِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا لِلَّيْلِ وَهُوَ: السُّكُوْنُ، وَمَا لِلنَّهَارِ وَهُوَ: الِابْتِغَاءُ مِنْ فَضْلِ اللهِ فِيْهِ، عَلَى التَّرْتِيْبِ. ٢ - وَإِمَّا عَلَى غَيْرِ تَرْتِيْبِهِ؛ كَقَوْلِ ابْنِ حَيُّوْسٍ (٣): [الخفيف] كَيْفَ أَسْلُو؟ وَأَنْتَ حِقْفٌ وَغُصْنٌ ... وَغَزَالٌ؛ لَحْظاً، وَقَدّاً، وَرِدْفَا (٤) أَوْ مُخْتَلِطاً؛ كَقَوْلِكَ: هُوَ شَمْسٌ، وَأَسَدٌ، وَبَحْرٌ؛ جُوْداً، وَبَهَاءً، وَشَجَاعَةً. وَالثَّانِي: وَهُوَ ذِكْرُ الْمُتَعَدِّدِ عَلَى الْإِجْمَالِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]؛ فَإِنَّ الضَّمِيْرَ فِي

стр. 404

(قَالُوا) لِأَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُوْدِ وَالنَّصَارَى، وَالْمَعْنَى: وَقَالَتِ الْيَهُوْدُ: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوْداً، وَقَالَتِ النَّصَارَى: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ نَصَارَى. فَلُفَّ بَيْنَ الْفَرِيْقَيْنِ؛ ثِقَةً بِأَنَّ السَّامِعَ يَرُدُّ إِلَى كُلِّ فَرِيْقٍ قَوْلَهُ، وَأَمْناً مِنَ الْإِلْبَاسِ؛ لِمَا عُلِمَ مِنَ التَّعَادِيْ بَيْنَ الْفَرِيْقَيْنِ وَتَضْلِيْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِصَاحِبِهِ (١). وَالِاسْتِخْدَامِ: وَهُوَ أَنْ يُرَادَ بِلَفْظٍ لَهُ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا، ثُمَّ يُرَادَ بِضَمِيْرِهِ: الْآخَرُ. أَوْ يُرَادَ بِأَحَدِ ضَمَيْرَيْهِ: أَحَدُهُمَا، ثُمَّ يُرَادَ بِضَمِيْرِهِ الْآخَرِ: مَعْنَاهُ الْآخَرُ (٢). فَالْأَوَّلُ: كَقَوْلِهِ: [الوافر] إِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ ... رَعَيْنَاهُ، وَإِنْ كَانُوْا غِضَابَا (٣) أَرَادَ بِالسَّمَاءِ: الغَيْثَ، وَبِضَمِيْرِهِ فِيْ رَعَيْنَاهُ: النَّبْتَ. وَالثَّانِيْ: كَقَوْلِهِ: [الكامل]

стр. 405

فَسَقَى الْغَضَا وَالسَّاكِنِيْهِ، وَإِنْ هُمُ ... شَبُّوْهُ بَيْنَ جَوَانِحِيْ وَضُلُوْعِيْ (١) أَرَادَ بِأَحَدِ ضَمِيْرَي الْغَضَا - أَعْنِي الْمَجْرُوْرَ فِي السَّاكِنِيْهِ - الْمَكَانَ الَّذِيْ فِيْهِ شَجَرَةُ الْغَضَا. وَبِالْآخَرِ - أَعْنِي الْمَنْصُوْبَ فِيْ شَبُّوْهُ - النَّارَ الْحَاصِلَةَ مِنْ شَجَرَةِ الْغَضَا. * * * ٩٥ - وَالسَّوْقِ، وَالتَّوْجِيْهِ، وَالتَّوْفيْقِ، ... وَالْبَحْثِ، وَالتَّعْلِيْلِ، وَالتَّعْلِيْق وَالسَّوْقِ: سَمَّاهُ بِهِ السَّكَّاكِيُّ (٢). أَيْ: سَوْقِ الْمَعْلُوْمِ مَسَاقَ غَيْرِهِ؛ لِنُكْتَةٍ. وَسَمَّاهُ الْقَزْوِيْنِيُّ: تَجَاهُلَ الْعَارِفِ (٣). وَقَالَ السَّكَّاكِيُّ: «لَا أُحِبُّ تَسْمِيَتَهُ بِالتَّجَاهُلِ؛ لِوُرُوْدِهِ فِيْ كَلَامِ اللهِ تَعَالَى»؛ كَـ: ١ - التَّوْبِيْخِ فِيْ قَوْلِ الْخَارِجِيَّةِ: [الطّويل] أَيَا شَجَرَ الْخَابُوْرِ، مَا لَكَ مُوْرِقاً؟ ... كَأَنَّكَ لَمْ تَجْزَعْ عَلَى ابْنِ طَرِيْفِ! (٤)

стр. 406

٢ - وَالْمُبَالَغَةِ فِي الْمَدْحِ؛ كَقَوْلِهِ: [البسيط] أَلَمْعُ بَرْقٍ سَرَى أَمْ ضَوْءُ مِصْبَاحِ؟ ... أَمِ ابْتِسَامَتُهَا بِالْمَنْظَرِ الضَّاحِيْ؟ (١) ٣ - أَوِ الْمُبَالَغَةِ فِي الذَّمِّ؛ كَقَوْلِهِ: [الوافر] وَمَا أَدْرِيْ - وَسَوْفَ إِخَالُ أَدْرِيْ - أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ؟ (٢) فِيْهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْقَوْمَ هُمُ الرِّجَالُ -خَاصَّةً- أَيْ: لَا يُطْلَقُ عَلَى النِّسَاءِ. ٣ - أَوِ التَّدَلُّهِ فِي الْحُبِّ: فِيْ قَوْلِهِ: [البسيط] بِاللهِ يَا ظَبَيَاتِ الْقَاعِ قُلْنَ لَنَا ... لَيْلَايَ مِنْكُنَّ أَمْ لَيْلَى مِنَ الْبَشَرِ؟ (٣) وَالتَّوْجِيْهِ (٤): قَالَ ابْنُ حِجَّةَ: «التَّوْجِيْهُ - هُوَ فِي الِاصْطِلَاحِ - أَنْ يَحْتَمِلَ الْكَلَامُ وَجْهَيْنِ مِنَ الْمَعْنَى احْتِمَالاً مُطْلَقاً (٥). وَالتَّوْجِيْهُ هُوَ إِبْهَامُ

стр. 407

الْمُتَقَدِّمَيْنِ؛ لِأَنَّ الِاصْطِلَاحَ بَيْنَهُمَا وَاحِدٌ، غَيْرَ أَنَّ الشَّوَاهِدَ الَّتِيْ يُسْتَشْهَدُ بِهَا عَلَى التَّوْجِيْهِ الِإبْهَامُ أَحَقُّ بها، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ الشَّاعِرِ فِي الْخَيَّاطِ: [مجزوء الرَّمل] جَاءَ مِنْ زَيْدٍ قَبَاءُ ... لَيْتَ عَيْنَيْهِ سَوَاءُ (١) وَهَذَا مَذْهَبُ زَكِيِّ الدِّيْنِ بْنِ أَبِي الْإِصْبَعِ؛ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِيْ تَخَيَّرَ الْإِبْهَامَ، وَنَزَّلَ عَلِيْهِ هَذِهِ الشَّوَاهِدَ، وَاخْتُصِرَ التَّوْجِيْهُ مِنْ كِتَابِهِ، وَقَالَ فِي دِيْبَاجَتِهِ: «وَرُبَّمَا أَثْبَتُّ اسْمَ الْبَابِ، وَغَيَّرْتُ مُسَمَّاهُ، إِذَا رَأَيْتُ اسْمَهُ لَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنَاهُ» (٢). وَأَمَّا التَّوْجِيْهُ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِيْنَ فَقَدْ قَرَّرُوا أَنْ يُوَجِّهَ الْمُتَكَلِّمُ بَعْضَ كَلَامِهِ أَوْ جُمْلَتَهُ إِلَى أَسْمَاءٍ مُلَائِمَةٍ اصْطِلَاحاً؛ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ، أَوْ قَوَاعِدِ عُلُوْمٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَشَعَّبُ لَهُ مِنَ الْفُنُوْنِ تَوْجِيْهاً مُطْلَقاً لِمَعْنَى اللَّفْظِ الثَّانِي مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاكٍ حَقِيْقِيٍّ بِخِلَافِ التَّوْرِيَةِ، وَقَدْ أَدْخَلَ جَمَاعَةٌ نَوْعَ التَّوْجِيْهِ فِي التَّوْرِيَةِ (٣)، وَلَيْسَ مِنْهَا. والفرقُ بينَهما من وجهينِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّوْرِيَةَ تَكُوْنُ بِاللَّفْظَةِ الْوَاحِدَةِ، وَالتَّوْجِيْهُ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِعِدَّةِ أَلْفَاظٍ مُلَائِمَةٍ؛ كَقَوْلِ الشَّيْخِ عَلَاءِ الدِّيْنِ عَلِيِّ بْنِ الْمُظَفَّرِ الْكِنْدِيِّ الْوَدَاعِيِّ: [البسيط] مَنْ أَمَّ بَابَكَ لَمْ تَبْرَحْ جَوَارِحُهُ ... تَرْوِيْ أَحَادِيْثَ مَا أَوْلَيْتَ مِنْ مِنَن

стр. 408

فَالْعَيْنُ عَنْ قُرَّةٍ، وَالْكَفُّ عَنْ صِلَةٍ ... وَالْقَلْبُ عَنْ جَابِرٍ، وَالسَّمْعُ عَنْ حَسَنِ (١)» اِنْتَهَى (٢). وَالتَّوْفيْقِ: وَيُسَمَّى التَّنَاسُبَ وَالِائْتِلَافَ وَالتَّلْفِيْقَ. وَعَبَّرَ عَنْهُ الْقَزْوِيْنِيُّ بِـ (مُرَاعَاةِ النَّظِيْرِ) (٣). وَهُوَ: جَمْعُ أَمْرٍ وَمَا يُنَاسِبُهُ لَا بِالتَّضَادِّ. (وَالْمُنَاسَبَةُ بِالتَّضَادِّ: أَنْ يَكُوْنَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُقَابِلاً لِلْآخَرِ)؛ وَبِهَذَا الْقَيْدِ يُخْرَجُ الطِّبَاقُ. ١ - وَذَلِكَ قَدْ يَكُوْنُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ؛ نَحْوُ: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرّحمن: ٥]. ٢ - وَقَدْ يَكُوْنُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أُمُوْرٍ؛ نَحْوُ قَوْلِ الْبُحْتُرِيِّ فِيْ صِفَةِ الْإِبِلِ: [الخفيف] كَالْقِسِيِّ الْمُعَطَّفَاتِ، بَلِ الْأَسْـ ... ـهُمِ مَبْرِيَّةً، بَلِ الْأَوْتَارِ (٤)

стр. 409

جَمَعَ بَيْنَ: (الْقَوْسِ، وَالسَّهْمِ، وَالْوَتَرِ). ٣ - وَقَدْ يَكُوْنُ بَيْنَ أَكْثَرَ، كَمَا هُوَ مَذْكُوْرٌ فِي الْمُطَوَّلِ (١)، فَلْيُرَاجَعْ. - وَمِنْ مُرَاعَاةِ النَّظِيْرِ مَا يُسَمِّيْهِ بَعْضُهُمْ: (تَشَابُهَ الْأَطْرَافِ) (٢). وَهُوَ: أَنْ يُخْتَمَ الْكَلَامُ بِمَا يُنَاسِبُ ابْتِدَاءَهُ فِي الْمَعْنَى؛ نَحْوُ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]؛ فَإِنَّ اللَّطِيْفَ يُنَاسِبُ كَوْنَهُ غَيْرَ مُدْرَكٍ بِالْأَبْصَارِ، وَالْخَبِيْرَ يُنَاسِبُ كَوْنَهُ مُدْرِكاً لِلْأَبْصَارِ؛ لِأَنَّ الْمُدْرِكَ لِلشَّيْءِ يَكُوْنُ خَبِيْراً عَالِماً. - وَيَلْحَقُ بِمُرَاعَاةِ النَّظِيْرِ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ غَيْرِ مُتَنَاسِبَيْنِ بِلَفْظَيْنِ يَكُوْنُ لَهُمَا مَعْنَيَانِ مُتَنَاسِبَانِ، وَإِنْ لَمْ يَكُوْنَا مَقْصُوْدَيْنِ هَهُنَا؛ نَحْوُ: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرّحمن: ٥ - ٦]: يَنْقَادَانِ للهِ تَعَالَى فِيْمَا خُلِقَا لَهُ، فَالنَّجْمُ بِهَذَا الْمَعْنَى (٣)، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنَاسِباً لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، لَكِنَّهُ قَدْ يَكُوْنُ بِمَعْنَى الْكَوْكَبِ، وَهُوَ مُنَاسِبٌ لَهُمَا. وَيُسَمَّى: (إِيْهَامَ التَّنَاسُبِ (٤)) كَمِثْلِ مَا مَرَّ فِيْ إيْهَامِ التَّضَادِّ. وَالْبَحْثِ: وَعَبَّرَ عَنْهُ الْقَزْوِيْنِيُّ بِـ (الْمَذْهَبِ الْكَلَامِيِّ) وَهُوَ: إِيْرَادُ حُجَّةٍ لِلْمَطْلُوْبِ عَلَى طَرِيْقَةِ أَهْلِ الْكَلَامِ. وَهُوَ أَنْ تَكُوْنَ بَعْدَ تَسْلِيْمِ الْمُقَدِّمَاتِ

стр. 410

مُسْتَلْزِمَةً لِلْمَطْلُوْبِ (١)؛ نَحْوُ: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وَاللَّازِمُ - وَهُوَ فَسَادُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ - بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ (٢) خُرُوْجُهُمَا عَنِ النِّظَامِ الَّذِيْ هُمَا عَلَيْهِ، فَكَذَا الْمَلْزُوْمُ، وَهُوَ تَعَدُّدُ الْآلِهَةِ (٣)، وَهَذِهِ الْمُلَازَمَةُ مِنَ الْمَشْهُوْرَاتِ الَّتِيْ يُكْتَفَى بِهَا فِي الْخِطَابِيَّاتِ دَوْنَ الْقَطْعِيَّاتِ الْمُعْتَبَرَةِ في الْبُرْهَانِيَّاتِ (٤). وَالتَّعْلِيْلِ: أَيْ: (حُسْنِ التَّعْلِيْلِ)، وَهُوَ: أَنْ يُدَّعَى لِوَصْفٍ عِلَّةٌ مُنَاسِبَةٌ لَهُ، بِاعْتِبَارٍ لَطِيْفٍ غَيْرِ حَقِيْقِيٍّ، أَيْ لَا يَكُوْنُ مَا اعْتُبِرَ عِلَّةً (٥) لَهُ فِي الْوَاقِعِ؛ كَمَا إِذَا قُلْتَ: (قَتَلَ فُلَانٌ أَعَادِيَهُ؛ لِدَفْعِ ضَرَرِهِمْ)، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ حُسْنِ التَّعْلِيْلِ. وَهَذَا أَرْبَعَةُ أَضْرُبٍ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ الَّتِي ادُّعِيَ لَهَا [عِلَّةٌ] (٦) مُنَاسِبَةٌ، إِمَّا ثَابِتَةٌ قُصِدَ بَيَانُ عِلَّتِهَا، أَوْ غَيْرُ ثَابِتَةٍ أُرِيْدَ إِثْبَاتُهَا. وَالْأُوْلَى (٧): ١ - إِمَّا أَلَّا يَظْهَرَ لَهَا فِي الْعَادَةِ عِلَّةٌ؛ كَقَوْلِهِ: [الكامل]

стр. 411

لَمْ يَحْكِ نَائِلَكَ السَّحَابُ، وَإِنَّمَا ... حُمَّتْ بِهِ، فَصَبِيْبُهَا الرُّحَضَاءُ (١) أَيِ: الْمَصْبُوْبُ مِنَ السَّحَابِ هُوَ عَرَقُ الْحُمَّى. فَنُزُوْلُ الْمَطَرِ مِنَ السَّحَابِ صِفَةٌ ثَابِتَةٌ، لَا يَظْهَرُ لَهَا فِي الْعَادَةِ عِلَّةٌ، وَقَدْ عَلَّلَهُ الشَّاعِرُ: بِأَنَّهُ عَرَقُ حُمَّاهَا الْحَادِثَةِ بِسَبَبِ عَطَاءِ الْمَمْدُوْحِ. ٢ - أَوْ يَظْهَرَ لِتِلْكَ الصِّفَةِ عِلَّةٌ غَيْرُ الْعِلَّةِ الْمَذْكُوْرَةِ؛ لِيَكُوْنَ الْمَذْكُوْرُ غَيْرَ حَقِيْقَةٍ، فَيَكُوْنَ مِنْ حُسْنِ التَّعْلِيْلِ (٢)؛ كَقَوْلِهِ: [الرّمل] مَا بِهِ قَتْلُ أَعَادِيْهِ، وَلَكِنْ ... يَتَّقِيْ إِخْلَافَ مَا تَرْجُو الذِّئَابُ (٣) فَإِنَّ قَتْلَ الْأَعْدَاءِ - فِي الْعَادَةِ - لِدَفْعِ مَضَرَّتِهِمْ، وَصُفُوِّ الْمَمْلَكَةِ عَنْ مُنَازَعَتِهِمْ، لَا لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ طَبِيْعَةَ الْكَرَمِ قَدْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ، وَمَحَبَّتَهُ صِدْقَ رَجَاءِ الرَّاجِيْنَ بَعَثَتْهُ عَلَى قَتْلِ أَعَادِيْهِ، لَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ إِذَا تَوَجَّهَ إِلَى الْحَرْبِ صَارَتِ/ الذِّئَابُ تَرْجُو اتِّسَاعَ الرِّزْقِ عَلَيْهَا بِلُحُوْمِ مَنْ يَقْتُلُ مِنَ الْأَعَادِيْ، وَهَذَا مَعَ أَنَّهُ وَصْفٌ بِكَمَالِ الْجُوْدِ، وَصْفٌ بِكَمَالِ الشَّجَاعَةِ، حَتَّى ظَهَرَ لِلْحَيَوَانَاتِ الْعُجْمِ. وَالثَّانِيَةُ: أَيِ الصِّفَةُ غَيْرُ الثَّابِتَةِ الَّتِي أُرِيْدَ إِثْبَاتُهَا: ١ - إِمَّا مُمْكِنَةٌ؛ كَقَوْلِهِ: [البسيط]

стр. 412

يَا وَاشِياً حَسُنَتْ فِيْنَا إِسَاءَتُهُ ... نَجَّى حِذَارُكَ إِنْسَانِيْ مِنَ الْغَرَقِ (١) فَإِنَّ اسْتِحْسَانَ إِسَاءَةِ الْوَاشِي مُمْكِنٌ، لَكِنْ لَمَّا خَالَفَ الشَّاعِرُ النَّاسَ فِيْهِ - إِذْ لَا تَسْتَحْسِنُهُ النَّاسُ - عَقَّبَ الشَّاعِرُ اسْتِحْسَانَ إِسَاءَةِ الْوَاشِي بِأَنَّ حِذَارَهُ مِنَ الْوَاشِي نَجَّى إِنْسَانَهُ مِنَ الْغَرَقِ فِي الدُّمُوْعِ؛ حَيْثُ تَرَكَ الْبُكَاءَ خَوْفاً مِنْهُ. ٢ - أَوْ غَيْرُ مُمْكِنَةٍ: كَقَوْلِهِ: [البسيط] لَوْ لَمْ تَكُنْ نِيَّةُ الْجَوْزَاءِ خِدْمَتُهُ ... لَمَا رَأَيْتَ عَلَيْهَا عِقْدَ مُنْتَطِقِ (٢) فَنِيَّةُ الْجَوْزَاءِ خِدْمَةَ الْمَمْدُوْحِ صِفَةٌ غَيْرُ مُمْكِنَةٍ، قُصِدَ إِثْبَاتُهَا. وَأُلْحِقَ بِحُسْنِ التَّعْلِيْلِ مَا بُنِيَ عَلَى الشَّكِّ، وَلَمْ يُجْعَلْ مِنْهُ؛ لِأَنَّ فِيْهِ ادِّعَاءً وَإِصْرَاراً، وَالشَّكُّ يُنَافِيْهِ؛ كَقَوْلِهِ: [الطّويل] كَأَنَّ السَّحَابَ الْغُرَّ غَيَّبْنَ تَحْتَهَا ... حَبِيْباً، فَمَا تَرْقَا لَهُنَّ مَدَامِعُ (٣)

стр. 413

عَلَّلَ - عَلَى سَبِيْلِ الشَّكِّ - نُزُوْلَ الْمَطَرِ مِنَ السَّحَابِ؛ بِأَنَّهَا غَيَّبَتْ حَبِيْباً تَحْتَ تِلْكَ الرُّبَا، فَهِيَ تَبْكِيْ عَلَيْهِ. وَالتَّعْلِيْقِ: وَعَبَّرَ عَنْهُ الْقَزْوِيْنِيُّ بِـ (التَّفْرِيْعِ) وَهُوَ: أَنْ يُثْبَتَ لِمُتَعَلَّقِ أَمْرٍ حُكْمٌ بَعْدَ إِثْبَاتِهِ لِمُتَعَلَّقٍ لَهُ آخَرَ، عَلَى وَجْهٍ يُشْعِرُ بِالتَّفْرِيْعِ وَالتَّعْقِيْبِ؛ كَقَوْلِهِ: [البسيط] أَحْلَامُكُمْ لِسَقَامِ الْجَهْلِ شَافِيَةٌ ... كَمَا دِمَاؤُكُمْ تَشْفِيْ مِنَ الْكَلَبِ (١) وَهُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ: شِبْهُ جُنُوْنٍ يَحْدُثُ لِلْإِنْسَانِ مِنْ عَضِّ الْكَلْبِ الْكَلِبِ، وَلَا دَوَاءَ لَهُ أَنْجَعُ مِنْ شُرْبِ دَمِ مَلِكٍ، فَفَرَّعَ عَلَى وَصْفِهِمْ بِشِفَاءِ أَحْلَامِهِمْ مِنْ دَاءِ الْجَهْلِ وَصْفَهُمْ بِشِفَاءِ دِمَائِهِمْ مِنْ دَاءِ الْكَلَبِ، يَعْنِيْ: أَنْتُمْ مُلُوْكٌ وَأَشْرَافٌ وَأَرْبَابُ الْعُقُوْلِ الرَّاجِحَةِ (٢). * * *

стр. 414

تَتِمَّة مِنْ وُجُوْهِ تَحْسِيْنِ الْكَلَامِ الْمَعْنَوِيَّةِ: المُشاكَلَةُ: وَهِيَ ذِكْرُ الشَّيْءِ بِلَفْظِ غَيْرِهِ؛ لِوُقُوْعِهِ فِيْ صُحْبَتِهِ، تَحْقِيْقاً أَوْ تَقْدِيْراً. (١) ١ - فَالْأَوَّلُ: كَقَوْلِهِ: [الكامل] قَالُوْا: اقْتَرِحْ شَيْئاً نُجِدْ لَكَ طَبْخَهُ ... قُلْتُ: اطْبُخُوْا لِيْ جُبَّةً وَقَمِيْصَا (٢) أَيْ: خَيِّطُوْا. وَذَكَرَ خِيَاطَةَ الْجُبَّةِ بِلَفْظِ الطَّبْخِ؛ لِوُقُوْعِهَا فِيْ صُحْبَةِ طَبْخِ الطَّعَامِ (٣). ٢ - وَالثَّانِيْ: نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٨]،

стр. 415

فَـ (صِبْغَةَ اللهِ) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِـ (آمَنَّا بِاللهِ) أَيْ: تَطْهِيْرَ اللهِ؛ لِأَنَّ الْإِيْمَانَ يُطَهِّرُ النُّفُوْسَ. وَالْأَصْلُ فِيْهِ أَنَّ النَّصَارَى كَانُوْا يَغْمِسُوْنَ أَوْلَادَهُمْ فِيْ مَاءٍ أَصْفَرَ، يُسَمُّوْنَهُ الْمَعْمُوْدِيَّةَ، وَيَقُوْلُوْنَ: إِنَّهُ تَطْهِيْرٌ لَهُمْ. فَعُبِّرَ عَنِ الْإِيْمَانِ بِاللهِ بِـ (صِبْغَةِ اللهِ) لِلْمُشَاكَلَةِ؛ لِوُقُوْعِهِ فِيْ صُحْبَةِ صِبْغَةِ النَّصَارَى؛ تَقْدِيْراً، بِهَذِهِ الْقَرِيْنَةِ الْحَالِيَّةِ، الَّتِيْ هِيَ سَبَبُ النُّزُوْلِ فِيْ غَمْسِ النَّصَارَى أَوْلَادَهُمْ فِي الْمَاءِ الْأَصْفَرِ، وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ لَفْظاً (١). وَمِنْهَا (٢) (الْمُزَاوَجَةُ): وَهِيَ أَنْ يُزَاوَجَ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ فِي الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ؛ كَقَوْلِهِ: [الطّويل] إِذَا مَا نَهَى النَّاهِيْ، فَلَجَّ بِيَ الْهَوَى ... أَصَاخَتْ إِلَى الْوَاشِيْ، فَلَجَّ بِهَا الْهَجْرُ (٣) زَاوَجَ بَيْنَ (نَهْيِ النَّاهِيْ) وَ (إِصَاخَتِهَا إِلَى الْوَاشِيْ)، فِي الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ؛ بِأَنْ رَتَّبَ عَلَيْهِمَا لِجَاجَ شَيْءٍ. (٤) وَمِنْهَا (الْمُبَالَغَةُ) (٥): وَهِيَ أَنْ يُدَّعَى لِوَصْفٍ بُلُوْغُهُ فِي الشِّدَّةِ أَوِ

стр. 416

الضَّعْفِ حَدّاً مُسْتَحِيْلاً أَوْ مُسْتَبْعَداً؛ لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّهُ غَيْرُ مُتَنَاهٍ فِيْهِ (١). وَتَنْحَصِرُ فِي (التَّبْلِيْغِ، وَالْإِغْرَاقِ، وَالْغُلُوِّ)؛ لَا بِمُجَرَّدِ الِاسْتِقْرَاءِ، بَلْ بِالدَّلِيْلِ الْقَطْعِيِّ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ: ١ - الْمُدَّعَى إِنْ كَانَ مُمْكِناً عَقْلاً وَعَادَةً: فَتَبْلِيْغٌ؛ كَقَوْلِهِ: [الطّويل] فَعَادَى عِدَاءً بَيْنَ ثَوْرٍ وَنَعْجَةٍ ... دِرَاكاً فَلَمْ يُنْضَحْ بِمَاءٍ فَيُغْسَل (٢) أَيْ: لَمْ يَعْرَقْ، فَلَمْ يُغْسَلْ. اِدَّعَى: أَنَّ فَرَسَهُ أَدْرَكَ ثَوْراً وَنَعْجَةً فِي مِضْمَارٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَعْرَقْ. وَهَذَا مُمْكِنٌ عَقْلاً وَعَادَةً. ٢ - فَإِنْ كَانَ مُمْكِناً عَقْلاً لَا عَادَةً: فَإِغْرَاقٌ؛ كَقَوْلِهِ: [الوافر] وَنُكْرِمُ جَارَنَا مَا دَامَ فِيْنَا ... وَنُتْبِعُهُ الْكَرَامَةَ حَيْثُ مَالَا (٣) وَهَذَا مُمْكِنٌ عَقْلاً لَا عَادَةً، بَلْ فِيْ زَمَانِنَا يَكَادُ يَلْحَقُ بِالْمُمْتَنِعِ عَقْلاً!

стр. 417

وَالتَّبْلِيْغُ وَالْإِغْرَاقُ مَقْبُوْلَانِ. ٣ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُمْكِناً عَقْلاً وَلَا عَادَةً: فَغُلُوٌّ؛ كَقَوْلِهِ: [الكامل] /وَأَخَفْتَ أَهْلَ الشِّرْكِ حَتَّى إِنَّهُ ... لَتَخَافُكَ النُّطَفُ الَّتِي لَمْ تُخْلَقِ (١) فَإِنَّ خَوْفَ النُّطَفِ غَيْرِ الْمَخْلُوْقَةِ مُمْتَنِعٌ عَقْلاً وَعَادَةً. وَالْمَقْبُوْلُ مِنَ الْغُلُوِّ أَصْنَافٌ مِنْهَا: أمَا أُدْخِلَ عَلَيْهِ مَا يُقَرِّبُهُ إِلَى الصِّحَّةِ؛ كَلَفْظِ (يَكَادُ) فِيْ: (يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ) [النّور: ٣٥]؛ فَإِنَّ الْإِضَاءَةَ فِي الزَّيْتِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَمْسَسْهُ النَّارُ مُمْتَنِعَةٌ عَادَةً وَعَقْلاً، لَكِنْ لَمَّا أُدْخِلَ (يَكَادُ) قرَّبَتْهُ إِلَى الصِّحَّةِ. ب وَمِنْهَا مَا تَضَمَّنَ نَوْعاً حَسَناً مِنَ التَّخْيِيْلِ؛ كَقَوْلِهِ: [الكامل] عَقَدَتْ سَنَابِكُهَا عَلَيْهَا عِثْيَراً ... لَوْ تَبْتَغِيْ عَنَقاً عَلَيْهِ لَأَمْكَنَا (٢) ادَّعَى أَنَّ تَرَاكُمَ الْغُبَارِ الْمُرْتَفِعِ مِنْ سَنَابِكِ الْخَيْلِ فَوْقَ رُؤُوْسِهَا، بِحَيْثُ صَارَ أَرْضاً يُمْكِنُ سَيْرُهَا عَلَيْهَا، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ عَقْلاً وَعَادَةً، لَكِنَّهُ تَخْيِيْلٌ حَسَنٌ.

стр. 418

وَقَدِ اجْتَمَعَ مَا يُقَرِّبُهُ إِلَى الصِّحَّةِ، وَتَضَمُّنُ التَّخْيِيْلِ الْحَسَنِ فِيْ قَوْلِهِ: [الطّويل] يُخَيَّلُ لِيْ أَنْ سُمِّرَ الشُّهْبُ فِي الدُّجَى ... وَشُدَّتْ بِأَهْدَابِيْ إِلَيْهِنَّ أَجْفَانِيْ (١) أَيْ: يُوْقَعُ فِيْ خَيَالِي أَنَّ الشُّهُبَ مُحْكَمَةٌ بِالْمَسَامِيْرِ، لَا تَزُوْلُ عَنْ مَكَانِهَا، وَأَنَّ أَجْفَانَ عَيْنِي قَدْ شُدَّتْ بِأَهْدَابِهَا إِلَى الشُّهُبِ؛ لِطُوْلِ ذَلِكَ اللَّيْلِ وَغَايَةِ سَهَرِيْ فِيْهِ. وَهَذَا تَخْيِيْلٌ حَسَنٌ، وَلَفْظَةُ (يُخَيَّلُ) تَزِيْدُهُ حُسْناً. ت وَمِنْهَا مَا أُخْرِجَ مُخْرَجَ الْهَزَلِ وَالْخَلَاعَةِ؛ كَقَوْلِهِ: [المنسرح] أَسْكَرُ بِالْأَمْسِ، إِنْ عَزَمْتُ عَلَى الشْـ ... شُرْبِ غَداً، إِنَّ ذَا مِنَ الْعُجْبِ (٢) وَمِنْهَا: (الِاسْتِتْبَاعُ) (٣): وَهُوَ الْمَدْحُ بِشَيْءٍ عَلَى وَجْهٍ يَسْتَتْبِعُ الْمَدْحَ بِشَيْءٍ آخَرَ؛ كَقَوْلِهِ: [الطّويل] نَهَبْتَ مِنَ الْأَعْمَارِ مَا لَوْ حَوَيْتَهُ ... لَهُنِّئَتِ الدُّنْيَا بِأَنَّكَ خَالِدُ (٤)

стр. 419

مَدَحَهُ بِالنِّهَايَةِ فِي الشَّجَاعَةِ؛ حَيْثُ جَعَلَ قَتْلَاهُ بِحَيْثُ يَخْلُدُ وَارِثُ أَعْمَارِهِمْ، عَلَى وَجْهٍ اسْتَتْبَعَ مَدْحَهُ بِكَوْنِهِ سَبَباً لِصَلَاحِ الدُّنْيَا وَنِظَامِهَا؛ إِذْ لَا تَهْنِئَةَ لِأَحَدٍ بِشَيْءٍ لَا فَائِدَةَ لَهُ فِيْهِ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ عِيْسَى الرَّبْعِيُّ (١): «وَفِي الْبَيْتِ وَجْهَانِ آخَرَانِ مِنَ الْمَدْحِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ نَهَبَ الْأَعْمَارَ دُوْنَ الْأَمْوَالِ، كَمَا هُوَ مُقْتَضَى عُلُوِّ الْهِمَّةِ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ظَالِماً فِيْ قَتْلِهِمْ، وَإِلَّا لَمَا كَانَ لِلدُّنْيَا سُرُوْرٌ بِخُلُوْدِهِ» (٢). وَمِنْهَا: (الْإِدْمَاجُ) (٣): وَهُوَ أَنْ يُضَمَّنَ كَلَامٌ سِيْقَ لِمَعْنًى - مَدْحاً كَانَ أَوْ غَيْرَهُ - مَعْنًى آخَرَ، فَهُوَ لِشُمُوْلِهِ الْمَدْحَ وَغَيْرَهُ أَعَمُّ مِنَ الِاسْتِتْبَاعِ؛ لِاخْتِصَاصِ الِاسْتِتْبَاعِ بِالْمَدْحِ؛ كَقَوْلِهِ: [الوافر] أُقَلِّبُ فِيْهِ أَجْفَانِيْ، كَأَنِّيْ ... أَعُدُّ بِهَا عَلَى الدَّهْرِ الذُّنُوْبَا (٤) فَإنَّهُ ضَمَّنَ وَصْفَ اللَّيْلِ بِالطُّوْلِ الشِّكَايَةَ مِنَ الدَّهْرِ.

стр. 420

= وَمِنْهَا: (الِاطِّرَادُ) (١): وَهُوَ أَنْ يُؤْتَى بِأَسْمَاءِ الْمَمْدُوْحِ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ أَسْمَاءِ آبَائِهِ عَلَى تَرْتِيْبِ الْوِلَادَةِ، مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ فِي السَّبْكِ؛ كَقَوْلِهِ: [الكامل] إِنْ يَقْتُلُوْكَ فَقَدْ ثَلَلْتَ عُرُوْشَهَمْ ... بِعُتَيْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ شِهَابِ (٢) يَعْنِيْ: إِنْ تَبَجَّحُوْا بِقَتْلِكَ، وَفَرِحُوْا بِهِ، فَقَدْ أَثَّرْتَ فِيْ عِزِّهِمْ، وَهَدَمْتَ أَسَاسَ مَجْدِهِمْ؛ بِقَتْلِ رَئِيْسِهِمْ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ : «الْكَرِيْمُ، بْنُ الْكَرِيْمِ، بْنِ الْكَرِيْمِ، بْنِ الْكَرِيْمِ، يُوْسُفُ، بْنُ يَعْقُوْبَ، بْنِ إِسْحَاقَ، بْنِ إِبْرَاهِيْمَ» (٣). وَمِنْهَا (الِاسْتِطْرَادُ) (٤): قَالَ ابْنُ حِجَّةَ (٥): «الِاسْتِطْرَادُ فِي الِاصْطِلَاحِ: هُوَ أَنْ تَكُوْنَ فِي غَرَضٍ مِنْ أَغْرَاضِ الشِّعْرِ، تُوْهِمُ أنَّكَ مُسْتَمِرٌّ فِيْهِ، فَتَخْرُجُ

стр. 421

مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ؛ لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا - وَلَا بُدَّ مِنَ التَّصْرِيْحِ بِاسْمِ الْمُسْتَطْرَدِ بِهِ، بِشَرْطِ أَلَّا يَكُوْنَ قَدْ تَقَدَّمَ لَهُ ذِكْرٌ - ثُمَّ تَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ، وَتَقْطَعُ الْكَلَامَ، فَيَكُوْنُ الْمُسْتَطْرَدُ بِهِ آخِرَ كَلَامِكَ. وَقَالَ صَاحِبُ الْإِيْضَاحِ (١): الِاسْتِطْرَادُ: هُوَ الِانْتِقَالُ مِنْ مَعْنًى إِلَى مَعْنًى آخَرَ مُتَّصِلٍ بهِ. وَقِيْلَ: إِنَّ أوَّلَ شَاهِدٍ وَرَدَ فِي هَذَا النَّوْعِ قَوْلُ السَّمَوْءَلِ (٢): [الطّويل] وَإِنَّا لَقَوْمٌ لَا نَرَى الْقَتْلَ سُبَّةً ... إِذَا مَا رَأَتْهُ عَامِرٌ وَسَلُوْلُ فَانْظُرْ إِلَى خُرُوْجِهِ الدَّاخِلِ مِنَ الِافْتِخَارِ إِلَى الْهَجْوِ، وَحُسْنِ عَوْدِهِ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الِافْتِخَارِ؛ بِقَوْلِهِ: يُقَرِّبُ حُبُّ الْمَوْتِ آجَالَنَا لَنَا ... وَتَكْرَهُهُ آجَالُهُمْ فَتَطُوْلُ (٣)» اِنْتَهَى. وَمِنْهَا (الِاحْتِبَاكُ): قَالَ الْبُرْهَانُ الْبِقَاعِيُّ (٤): «وَهُوَ: أَنْ يُحْذَفَ مِنَ الْأَوَّلِ مَا أُثْبِتَ نَظِيْرُهُ فِي الثَّانِي، وَمِنَ الثَّانِي مَا أُثْبِتَ نَظِيْرُهُ فِي الْأَوَّلِ» (٥).

стр. 422

وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ (١): هُوَ: (أَنْ يَجْتَمِعَ فِي الْكَلَامِ مُتَقَابِلَانِ، فَيُحْذَفَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا مُقَابِلُهُ؛ لِدَلَالَةِ الْآخَرِ عَلَيْهِ) اِنْتَهَى (٢). قَالَ: وَالْمُتَحَقِّقُ هَهُنَا مَا عَرَّفَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَعَلِيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ / وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]، وَأَظْهَرُ آيَةٍ فِي الِاحْتِبَاكِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ [آل عمران: ١٣]: - فَحُذِفَ مِنَ الْأَوَّلِ: (مُؤْمِنَةٌ)؛ لِدَلَالَةِ (كَافِرَةٌ) عَلَيْهِ. - وَحُذِفَ مِنَ الثَّانِيَةِ: (فَلَا تُقَاتِلُ)؛ لِدَلَالةِ (تُقَاتِلُ) - فِي الْأَوَّلِ - عَلَيْهِ. وَاللهُ أَعْلَمُ (٣). الْخَاتِمَةُ فِي: السَّرِقَاتُ الشِّعْرِيَّةُ قَالَ النَّاظِمُ: ٩٦ - السَّرِقَاتُ: ظَاهِرٌ فَالنَّسْخُ ... يُذَمُّ، لَا إِنِ اسْتُطِيْبَ الْمَسْخُ

стр. 423

السَّرِقَاتُ الشِّعْرِيَّةُ: هَذِهِ خَاتِمَةٌ لِلْفَنِّ الثَّالِثِ، وَهِيَ: أ-السَّرِقَاتُ الشِّعْرِيَّةُ، وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنَ الِاقْتِبَاسِ، وَالتَّضْمِيْنِ، وَالْعَقْدِ، وَالْحَلِّ، وَالتَّلْمِيْحِ. ب- وَالْقَوْلُ فِي الِابْتِدَاءِ، وَالتَّخَلُّصِ، وَالِانْتِهَاءِ. قَالَ الْقَزْوِيْنِيُّ (١): «اِتِّفَاقُ الْقَائِلَيْنِ إِنْ كَانَ فِي الْغَرَضِ عَلَى الْعُمُوْمِ - كَالْوَصْفِ بِالشَّجَاعَةِ وَالسَّخَاءِ - فَلَا يُعَدُّ سَرِقَةً؛ لِتَقَرُّرِهِ فِي الْعُقُوْلِ وَالْعَادَاتِ. وَإِنْ كَانَ فِي وَجْهِ الدَّلَالَةِ - كَالتَّشْبِيْهِ، وَالْمَجَازِ، وَالْكِنَايَةِ، وَكَذِكْرِ هَيْئَاتٍ تَدُلُّ عَلَى الصِّفَةِ؛ لِاخْتِصَاصِهَا بِمَنْ هِيَ لَهُ؛ كَوَصْفِ الْجَوَادِ بِالتَّهَلُّلِ عِنْدَ وُرُوْدِ الْعُفَاةِ (٢)، وَالْبَخِيْلِ بِالْعُبُوْسِ عِنْدَ ذَلِكَ مَعَ سَعَةِ ذَاتِ الْيَدِ - فَإِنِ اشْتَرَكَ النَّاسُ فِي مَعْرِفَتِهِ؛ لِاسْتِقْرَارِهِ فِي الْعُقُوْلِ وَالْعَادَاتِ؛ كَتَشْبِيْهِ الشُّجَاعِ بِالْأَسَدِ، وَالْجَوَادِ بِالْبَحْرِ، فَهُوَ كَالْأَوَّلِ، أَيْ: فالاتِّفاقُ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنْ وَجْهِ الدَّلَالَةِ، كَالِاتِّفَاقِ فِي الْغَرَضِ الَعَامِّ؛ فِي أَنَّهُ لَا يُعَدُّ سَرِقَةً وَلَا أَخْذاً. وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِكِ النَّاسُ فِي مَعْرِفَتِهِ؛ جَازَ أَنْ يُدَّعَى فِيْهِ السَّبْقُ وَالزِّيَادَةُ، وَهُوَ (٣) ضَرْبَانِ: أ-خَاصِّيٌّ فِي نَفْسِهِ غَرِيْبٌ، لَا يُنَالُ إِلَّا بِفِكْرٍ. ب- وَالآخَرُ عَامِّيٌّ؛ تُصُرِّفَ فِيْهِ، بِمَا أَخْرَجَهُ مِنَ الِابْتِذَالِ إِلَى الْغَرَابَةِ، كَمَا مَرَّ (٤)» اِنْتَهَى.

стр. 424

السَّرِقَاتُ: جَمْعُ سَرِقَةٍ - وَهِيَ الْأَخْذُ - نَوْعَانِ: ظَاهِرٌ: وَغَيْرُ ظَاهِرٍ. أَمَّا الظَّاهِرُ: فَهُوَ أَنْ يُؤْخَذَ الْمَعْنَى كُلُّهُ مَعَ اللَّفْظِ كُلِّهِ، أَوْ يُؤْخَذَ بَعْضُ الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ أَخْذِ شَيْءٍ مِنَ اللَّفْظِ. (١) فَإِنْ أُخِذَ اللَّفْظُ كُلُّهُ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيْرٍ لِنَظْمِهِ أَيْ: لِكَيْفِيَّةِ التَّرْتِيْبِ وَالتَّأْلِيْفِ الْوَاقِعِ بَيْنَ الْمُفْرَدَاتِ فَهُوَ النَّسْخُ يُذَمُّ: أَيْ: هُوَ مَذْمُوْمٌ؛ لِأَنَّهُ سَرِقَةٌ مَحْضَةٌ؛ كَمَا حُكِيَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ (٢) - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِقَوْلِ مَعْنِ بْنِ أَوْسٍ (٣): [الطّويل] إِذَا أَنْتَ لَمْ تُنْصِفْ أَخَاكَ وَجَدْتَهُ ... عَلَى طَرَفِ الْهِجْرَانِ، إِنْ كَانَ يَعْقِلُ وَيَرْكَبُ حَدَّ السَّيْفِ مِنْ أَنْ تَضِيْمَهُ ... إِذَا لَمْ يَكُنْ عَنْ شَفْرَةِ السّيْفِ مَزْحَلُ (٤) أَيْ: مَبْعَدُ. فَقَدْ حُكِيَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ دَخَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَأَنْشَدَ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: لَقَدْ شَعَرْتَ بَعْدِيْ يَا أَبَا بَكْرٍ! ، وَلَمْ يُفَارِقْ عَبْدُ اللهِ الْمَجْلِسَ حَتَّى دَخَلَ مَعْنُ بْنُ أَوْسٍ الْمُزَنِيُّ، فَأَنْشَدَ قَصِيْدَتَهُ الَّتِيْ أَوَّلُهَا:

стр. 425

لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِيْ - وَإِنِّيْ لَأَوْجَلُ - عَلَى أَيِّنَا تَعْدُو الْمَنِيَّةُ أَوَّلُ؟ حَتَّى أَتَمَّهَا- وَفِيْهَا هَذَانِ الْبَيْتَانِ - فَأَقْبَلَ مُعَاوِيَةُ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَقَالَ: أَلَمْ تُخْبِرْنِيْ أَنَّهُمَا لَكَ؟ فَقَالَ: (اللَّفْظُ لَهُ، وَالْمَعْنَى لِيْ) (١)، وَبَعْدُ فَهُوَ أَخِيْ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَأَنَا أَحَقُّ بِشِعْرِهِ. وَإِنْ كَانَ أُخِذَ اللَّفْظُ كُلُّهُ مَعَ تَغْيِيْرٍ لِنَظْمِهِ، أَوْ أُخِذَ بَعْضُ اللَّفْظِ لَا كُلُّهُ، يُسَمَّى هَذَا الْأَخْذُ إِغَارَةً وَمَسْخاً. وَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُوْنَ الثَّانِي أَبْلَغَ مِنَ الْأَوَّلِ، أَوْ دُوْنَهُ، أَوْ مِثْلَهُ. ١ - فَإِنْ كَانَ الثَّاني أَبْلَغَ مِنَ الْأَوَّلِ؛ لِاخْتِصَاصِهِ بِفَضِيْلَةٍ لَا تُوْجَدُ فِي الْأَوَّلِ؛ كَحُسْنِ السَّبْكِ، أَوِ الِاخْتِصَارِ، أَوِ الْإِيْضَاحِ، أَوْ زِيَادَةِ مَعْنًى، فَمَمْدُوْحٌ. أَيْ: فَالثَّاني مَقْبُوْلٌ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: لَا إِنِ اسْتُطِيْبَ (٢) الْمَسْخُ: فَلَا يُذَمُّ؛ كَقَوْلِ بَشَّارٍ: [البسيط] مَنْ رَاقَبَ النَّاسَ لَمْ يَظْفَرْ بِحَاجَتِهِ ... وَفَازَ بِالطَّيِّبَاتِ الْفَاتِكُ اللَّهِجُ (٣) وَقَوْلِ سَلْمٍ (٤) بَعْدَهُ: [مخلَّع البسيط]
следующие страницы →