ووثيقة أخرى بخط العلامة الشيخ محمد بن عمر بن سليم مؤرخة في عام ١٢٩٤ هـ وهي مداينة، والشاهدان فيها هما الشيخ القاضي سليمان آل علي بن مقبل وعبد العزيز المقبل الذي هو ابن أخي الشيخ القاضي، وقد أدركته شيخًا كبيرا مقعدا في العشر الخمس من القرن الرابع عشر، وكان والدي يزوره في
стр. 10012
بيته قضاء لحقه وهو مقعد.
وتاريخ الوثيقة هو محرم عام ١٢٩٤ هـ.
стр. 10013
الشيخ محمد بن مقبل آل مقبل
стр. 10014
اشتهر الشيخ محمد بن مقبل بن علي بن مقبل فوالده هو مقبل بن علي المقبل أخو الشيخ القاضي سليمان بن علي المقبل بزهده وورعه، ولذلك انتفع أناس كثير من أهل البكيرية بعلمه، بل إن جيلًا كاملًا من طلبة العلم فيها الذين صاروا مشايخ وقضاة تخرجوا بعد أن درسوا عليه.
وما زال كذلك حتى توفي الشيخ عمر بن سليم قاضي بريدة وما يتبعها من القصيم في شهر ذي الحجة من عام ١٣٦٢ هـ فطلب أهل بريدة من الملك عبد العزيز آل سعود أن يوليه عليهم قاضيًا، وكان الناس في نجد آنذاك يبحثون عن القاضي الورع النزيه الذي لا يتطرق إليه الشك فيما يتعلق بحفظ حقوق الناس، وعدم الميل مع أحد دون أحد، وذلك متوفر في الشيخ الزاهد محمد بن مقبل.
فأرسل الملك عبد العزيز برقية إلى الشيخ محمد بن مقبل يعينه فيها في قضاء بريدة خلفًا للشيخ عمر بن سليم، ولكنه كتب إلى الملك عبد العزيز إجابة على ذلك بأنه لا يصلح لقضاء القصيم، وقال للملك عبد العزيز في تلك البرقية من بين ما قاله: لقد ذكرت لك أنني لا أصلح للقضاء المذكور فإن كنتُ صادقًا فقد عوفيت منه، وإن كنت كاذبًا لم يجز لك أن تولي الكاذب.
وهنا عرف الملك عبد العزيز عدم رغبته في القضاء، فأخبر أهل بريدة وقال: إذا أردتم أن تحاولوا إقناعه بأنفسكم فهذا إليكم.
فذهب إليه كبار الجماعة من أهل بريدة على رأسهم فهد بن علي الرشودي وعبد الله بن عبد العزيز بن حمود المشيقح، ومعهم الشيخ عبد الله بن رشيد الفرج خطيب الجامع ممثلًا لطلبة العلم وألحوا عليه بأن يقبل وظيفة القاضي عندهم فلم يقبل.
حدثني من حضر مجلسه معهم أن فهد بن علي الرشودي لما ألح علي الشيخ محمد بن مقبل في الرجاء أن يقبل بتولي القضاء في بريدة، وقال له:
стр. 10015
اليوم القضاء متعين عليك - يا شيخ - لأن الناس محتاجين لك.
قال له: يا أخ فهد أنا في سنك، أنت لك الآن ثمانين سنة، وأنا عمري ثمانين، ولا بعد الثمانين قضاء يا أخ فهد، ما بعد الثمانين إلا التفرغ للاستعداد للقاء الله .
قال الشيخ إبراهيم العبيد في ترجمته:
ولما توفي الشيخ عمر وانتقل إلى رحمة الله اجتمع الأعيان والرؤساء وطفقوا يبحثون في مسألة قضاء بريدة ومن يكون خلفًا للشيخ ومن يصلح لذلك ومن لا يصلح حتى وقع السهم على الشيخ محمد بن مقبل قاضي البكيرية بصفته عالمًا عاقلا ذا أصل ودين وبصيرة وذا تجربة غير أنه كان كبير السن ويشق عليه تحمل أعباء المسألة، ورفعوا إلى صاحب الجلالة يطلبون تنصيبه وأنهم يرتضونه فبعث إليه مباشرة يستحثه على القدوم فاعتذر بكر السن ورقة العظم.
ثم قال الشيخ إبراهيم العبيد في حوادث سنة ١٣٦٨ هـ:
وممن توفي في هذه السنة من الأعيان رجل الدين والعلم والفضل الشيخ محمد بن مقبل رحمة الله تعالى عليه وهذه ترجمته:
هو الشيخ العالم الزاهد ذو الصدق والمعرفة الرزين الألمعي محمد بن مقبل بن علي آل مقبل.
كان المترجم ابن أخي الشيخ سليمان بن علي بن مقبل قاضي بريدة منذ مائة سنة في أيام عبد العزيز بن محمد بن عليان ولد المترجم سنة ١٢٨١ هـ فيكون له من العمر سنة وفاته ٨٨ سنة قضاها في طاعة الله وعبادته فنشأ في طلب العلم وجد واجتهد، وكان يتردد إلى قرية المريدسية المشهورة في القصيم من قرى بريدة للأخذ عن الشيخ الزاهد عبد الله بن حسين، حيث يعلم فيها
стр. 10016
بصفته يدرس وتخرج عليه طلاب كثيرون، فكان الشيخ محمد يعمل في فلاحته ويأكل من كسب يده، فإذا ذري زرعه في البصر والمنسي في فصل الربيع فإنه ينحدر مسافرًا من البصر إلى المريدسية لطلب العلم، وكان يصحبه زميل له يدعى رشيد آل إبراهيم بن محيميد فيأخذان في الدراسة لدى الشيخ المذكور، فأما المترجم فإنه لا يرجع إلا إذا يبس التمر في رؤوس النخل وقت الصرام إذا حلت الشمس في برج الميزان.
وأما رشيد بن إبراهيم فإنه يرجع في آخر نهار الخميس ليؤم جماعة أهل البصر في صلاة الجمعة ثم يعود من آخر النهار.
أما مشايخ المترجم فإنه أخذ العلم عن الشيخ عبد الله بن سليمان العريني، وكان عالمًا من علماء القرية غير أنه خامل الذكر وأخذ عن الشيخ الزاهد الورع عبد الله بن محمد بن فدا، وذلك في حال إقامته في المريدسية أيام آل رشيد وناهيك به علمًا وعبادة وزهادة، وأخذ عن الشيخ عبد الله بن حسين آل أبي الخيل، وأخذ عن الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، وكان من زملائه صالح اللهيمي وعبد العزيز بن عودة السعوي وسليمان بن صالح السعوي، وأخذ عن المترجم خلائق كثيرون.
فمنهم الشيخ عبد العزيز بن سبيل وآل حديثي وأخذ عنه ابنه صالح بن محمد بن مقبل ودرس في البكيرية بعدما توظف في قضائها ودرس في البصر وتولى الخطابة فيها، وتخرج عليه طلاب كثير، وكان يحب عدم الشهرة ولا يحب الجاه والرئاسة.
ولما أن توفي قاضي مقاطعة القصيم الشيخ الفاضل عمر بن محمد بن سليم رغب الأهالي وذو الحل والعقد في أن يكون خلفًا عنه وساروا إليه من بريدة يطلبون منه أن يجيبهم على ما رغبوا فرفض وأبى ذلك فرفعوا إلى
стр. 10017
صاحب الجلالة الملك خطابًا يطلبون منه أن يتولى قضاء المقاطعة فبكى واعتذر بكر سنه ففاز بالعافية.
ولما أن ولاه ابن سعود قضاء البكيرية سنة ١٣٤٧ هـ. أمر وكيل مالية بريدة أن ينفذ له ثمانمائة صاع بر وألفي وزنة تمر وألف ريال سنويًا فأبى أن يقبلها وقال لوكيل المالية ابقها في المالية حتى احتاج إليها، أما اليوم فإنني بغني عنها وأبى أن يقبلها وحج فعلم الملك عبد العزيز بقدومه فبعث إليه بكسوة وأمره أن يأتي إليه السلام، فرد الكسوة وجاء صباحًا للسلام على جلالته فقال له نفرش لك بيتا ونؤثثه فأبى واعتذر بأنه في بيت وكل ما يشتهي فهو عنده فطلب منه الملك أن يبعث إليه بناقة ليشرب لبنها فقبل غير أنه لم يتناوله بل كان يشربه أصحابه (١). انتهى.
وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام:
وُلد الشيخ محمد بن مقبل بن علي بن مقبل، القصيمي بلدًا، في قرية عشيرته (المنسي) اسم مفعول من النسيان - وهي إحدى قرى مدينة بريدة، المسماة (الخبوب)، وولادته في عام ١٢٨١ هـ، فنشأ فيها، وقرأ القرآن حتى حفظه عن ظهر قلب.
ثم شرع في طلب العلم، فقرأ على عمه العلامة الشيخ سليمان بن مقبل، كما قرأ على خاله الشيخ محمد بن عمر بن سليم، والشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، والشيخ عبد الله بن حسين أبا الخيل والشيخ عبد الله بن مفدى، والشيخ عبد الله بن سليمان العريني - وكان شيخه هذا عالمًا لكنه خامل الذكر - والشيخ عبد الله بن بليهد.
стр. 10018
وكان الشيخ المترجَم يعتمد في معيشته على الله تعالى، ثم على زراعته، فكان يعمل في فلاحته، ويأكل من كسب يديه، فإذا ذرى حَبَّ زرعه في قريته (المنسي) في فصل الربيع فإنه ينحدر مسافرًا إلى (المريدسية)، القرية التي يدرِّس فيها العالم الزاهد عبد الله بن حسين أبا الخيل، وهي قرية مشهورة من قرى القصيم، وذلك لطلب العلم عنده، وكان يصحبه زميل له يدعى رشيد آل إبراهيم بن محيميد، فيأخذان في الدراسة عند الشيخ.
وأما المترجم فإنه لا يرجع إلى قريته إلَّا إذا جفَّ التمر في رؤوس النخل وقت الصرام، وقت حلول الشمس في برج الميزان.
وأما زميله رشيد فإنه يرجع في أخر نهار الخميس ليؤم جماعة قريته في صلاة الجمعة، ثم يعود من آخر النهار.
وكان المترجم لا يتناول شيئًا من أحد، حتى من بيت المال، فلا يقبل منه شيئًا، لما هو عليه من الزهد في الدنيا.
وما زال مُجدًا في الطلب حتى صار له مشاركة في العلوم الشرعية، وقد تخصَّص بالفقه الحنبلي، ومع هذا فقد أخبرني بعض تلامذته الخاصين به بأن اطلاعه في الفقه وسط.
وفي عام ١٣٤٧ هـ عيَّنه الملك عبد العزيز قاضيًا في بلدة البكيرية، إحدى بلدان القصيم، فباشر القضاء، وامتنع من أخذ رزق عليه من بيت المال طيلة عمله الطويل فيه.
وكان متواضعًا سهلًا لطيفًا، لا يُعني بمظهره في المسكن واللباس والمعاش، فهو زاهد في زخارف الدنيا، بعيدًا عن مظاهرها.
وكان مع عمله في القضاء صارفًا همه في العلم مطالعة وبحثًا ومراجعة وتدريسًا للطلاب، لا يمل ولا يضجر من طول مجلسه.
стр. 10019
ولما هو عليه من حسن النية، وصفاء السريرة جعل الله في عمله البركة، وفي سعيه الثمرة، فتخرَّج عليه جملة من مشاهير العلماء وكبار الفقهاء حتى صار في هذه القرية - البكيرية - من العلماء ما يفوق أمهات مدن القصيم، والذي يحضرني من كبار أصحابه هم:
- الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن سبيل، من فقهاء نجد الكبار، ولي قضاء البكيرية بعد شيخه المذكور، ودرَّس في المسجد الحرام.
- أولاده: الأكبر الشيخ صالح.
- وابنه الشيخ عبد الرحمن.
- وابنه الشيخ مقبل.
- وآل حديثي.
- الشيخ عبد الرحمن بن محمد المقوشي، عالم كبير وفقيه متبحر، ولي القضاء في الرياض، وآثر اعتزال الأعمال.
- الشيخ الفقيه الزاهد محمد بن صالح الخزيم، قاضي الرس، ثم المذنب، ثم عنيزة.
- الشيخ إبراهيم بن راشد الحديثي، رئيس المحكمة الكبرى بأبها.
- الشيخ محمد بن صالح بن سليم، رئيس هيئة التمييز بالمنطقة الغربية.
- الشيخ الفقيه عبد الله بن عبد العزيز الخضيري، قاضي محكمة عفيف سابقًا، ومدرِّس في معهد المدينة المنورة.
- الشيخ عبد الله بن محمد الخليفي، أحد أئمة المسجد الحرام.
- الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سليمان الخزيم، مدير التربية الإسلامية في وزارة المعارف.
- الشيخ إبراهيم الخضيري.
- الشيخ عبد الله السديس.
стр. 10020
الشيخ عبد الله بن محمد الراجحي.
- الشيخ محمد بن عبد الله بن سبيل، أحد أئمة وخطباء المسجد الحرام.
- الشيخ سليمان بن صالح الخزيم.
- الشيخ صالح بن محيميد.
- الشيخ صالح الشاوي.
- الشيخ عبد الله اليوسف الوابل.
- الشيخ عبد الرحمن الكريديس.
وغير هؤلاء كثير من تلاميذه.
قلت: وعند إعداد هذه الطبعة الثانية كان توفي أكثر هؤلاء التلاميذ، ولهم تراجم في هذا الكتاب، رحمهم الله تعالى.
ولمَّا توفي قاضي مدينة عنيزة الشيخ عبد الله بن محمد المانع عام ١٣٦٠ هـ عيَّنه الملك عبد العزيز آل سعود قاضيًا فيها برغبة من إمارتها وأعيانها، فاعتذر لتقدم سنه.
ولما توفي الشيخ عمر بن سليم، قاضي مدينة بريدة، رغب أعيانها أن يكون قاضيا عندهم، وركبوا إليه ورجوا أن يحقق رغبتهم، فامتنع عن ذلك واعتذر لكبر سنه أيضًا، فرفع أعيان بريدة خطابًا إلى الملك عبد العزيز يلتمسون منه أن يؤكد عليه ذلك، فأصدر أمره عليه بذلك، فاعتذر إليه وكتب في اعتذاره هذا البيت لعوف بن ملحم الخزاعي:
إن الثمانين وبُلِّغْتُها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
فأعفاه الملك عبد العزيز وقبل عذره.
ومما ذكر عن سيرته وحياته، أنه كان وهو صغير محط أنظار مشايخه، فكان مشايخه معجبين بفرط ذكائه ونبله، ويقولون: سيكون لهذا الفتى شأن.
стр. 10021
وكان مُكبًا على المطالعة، مُحبًا لأهل الخير، ويتطلع إلى معالي الأخلاق ومحاسن الأعمال، حتى صار مثالًا فيهما مع استقامة في دينه.
وكان مع ذلك آية في الزهد والورع والعفة وعزة النفس، فإن الملك عبد العزيز ﵀ كان قد أمر وكيل مالية بريدة أن يصرف له ٨٠٠ صاع برًا وألفي وزنة تمر وألف ريال نقدًا، أسوة بقضاة القصيم، وكان قاضيًا على البكيرية، فكان يردها ولا يقبل منها شيئًا.
وقد استمر في ملازمته لمشايخه في الأصول والفروع والحديث والمصطلح والتفسير وعلوم العربية، حتى نبغ في فنون عديدة.
وكان من دعاة الخير والهدى والرشد، وعنده غيرة عظيمة متى انتهكت المحارم، وفيه نخوة، وكان وصولًا للرحم، وكانت مجالسه مجالس علم وبحث ومتعة للجليس، وعنده نكت حسان، وكان يحب إصلاح ذات البين ما أمكن، وكان يحب الإحسان إلى الخلق في كتابة وثائقهم وعقود أنكحتهم لوجه الله.
وكان شغوفًا بكتب الشيخين ابن تيمية وابن القيم، وانتفع منهما انتفاعًا كبيرًا.
وكان عازفًا عن الدنيا مقبلًا إلى الله والدار الآخرة، قليل الخلطة بالناس، لا يحب المظهر والشهرة، دمث الأخلاق متواضعًا.
وكان الملك عبد العزيز إذا زار القصيم ووصل البكيرية يزوره في منزله إكرامًا له وللعلم الذي يحمله والزهد الذي زيَّنه وجمَّله.
وحدثني بعض تلامذته بأنه لا يأكل أي شيء فيه شبهة، وكان يعتمد بعد الله على غلة الزراعة، وله بستان غرس فيه نخلًا، وكان يتولاه بنفسه.
وكان إذا أخذ في التلاوة لا يتمالك نفسه من البكاء، وإذا خطب أو وعظ بكى، وأبكى من حوله.
стр. 10022
وكان إمام الجامع في البكيرية وخطيبه والواعظ فيه منذ أن تولى القضاء فيه بعد عزل الشيخ حمد السليمان البليهد عنها في عام سبع وأربعين من الهجرة، وتعيَّن الشيخ محمد بن مقبل خلفًا له، وكانت القرى المجاورة للبكيرية تتبعها.
وظلَّ في قضائها وإمامة جامعها والخطابة فيه، وكذا كان قائمًا بالوعظ والتدريس إلى قبيل وفاته، ففي شعبان من عام ستين من الهجرة صدر الأمر الملكي بتعيينه قاضيًا بعنيزة، وإعفاء الشيخ عبد الله بن مانع من القضاء، وبعث الملك ساعيًا إليه برسالة، وفيها: (لقد عيَّنّاك قاضيًا في عنيزة وجعلنا مكانك عبد العزيز بن سبيل في البكيرية) فلمَّا قرأ كتاب الملك قال: الحمد لله على السلامة من ولاية قضاء البكيرية، ولا بعد الثمانين قضاء، وحاول أعيان مدينة عنيزة مع الملك تثنيته، ولكنه صمَّم على الإستعفاء.
واستمرَّ على عبادته وزهده وورعه في هذه القرية حتى توفي فيها.
ويذكر من زهده وورعه الشيء الكثير، ومن ذلك ما قاله الشيخ محمد بن سليم وهو يحدث عن المترجم، بأنه كان في طول حياته لم يتناول شيئًا مما جعل للقضاة من التمر والحب، وأن الشيخ عمر بن سليم حاول معه أن يتسلم ذلك، ويفرقه في فقراء آل مقبل، فقال له: إن فقراء آل مقبل لهم الله تعالى.
وأنه حجَّ في إحدى السنين فعلم بحجّته الملك عبد العزيز، فأرسل إليه كسوة ونفقة فردّها، وأنه لمَّا مات قال الملك عبد العزيز: مات أخر أهل الزهد والورع (١).
انتهى كلام الشيخ عبد الله البسام.
أقول: وجدت بيانًا بخط الدكتور عمر بن الشيخ محمد بن سبيل يذكر فيه المشايخ الذين أخذوا عن الشيخ محمد بن مقبل نقلًا عن عمه الشيخ القاضي
стр. 10023
عبد العزيز السبيل قاضي البكيرية سابقًا وهو من أبرز تلاميذ الشيخ ابن مقبل:
- الشيخ محمد بن عبد الله السبيل الرئيس العام للحرمين الشريفين وخطيب وإمام المسجد الحرام في مكة المكرمة.
- الشيخ إبراهيم الراشد الحسيني وأخوه صالح الراشد.
- الشيخ صالح الشاوي.
- الشيخ عبد الله الخضيري.
- الشيخ إبراهيم الخضيري.
- الشيخ عبد الرحمن المقوشي.
- الشيخ عبد الله بن محمد الراجحي قاضي.
- الشيخ عبد الله السليمان السديس (شعيل) قاضي بعفيف ثم الخاصرة.
- الشيخ علي المسلم إمام الملك سعود كان يدرس بالرياض في الصيف وفي الشتاء يأتي البكيرية فيقرأ على المشايخ فيها.
- الشيخ عبد الله الضحيَّان - توفي قضاء الجموم، وهو بدوي.
- الشيخ علي المحمد الحديثي مكفوف وهو طالب علم جيد وقد حصل على شهادة الكلية وهو كبير.
- الشيخ محمد الصالح الخزيم.
- الشيخ سليمان بن صالح الخزيم.
- الشيخ محمد العبد الرحمن الخزيم، فهو طالب علم جيد، إلا أنه يميل إلى عدم الشهرة (وهو والد ناصر المحمد الخزيم) خطيب جامع البكيرية.
- الشيخ صالح بن خزيم - السقماني.
- الشيخ ناصر الخزيم - أبو الحلوش.
- الشيخ ناصر المحمد الخزيم.
- الشيخ عبد الرحمن السالم الكريديس.
стр. 10024
- الشيخ عبد الله المحمد الخليفي.
- الشيخ عبد الله العلي الراجح.
- الشيخ سليمان الزبن - الحمدة.
- الشيخ عبد العزيز البراهيم المزيني - كان محاميًا بالرياض.
- الشيخ علي المحمد المزيني - طالب علم.
- الشيخ سليمان المحمد اليوسف - طالب علم.
- الشيخ صالح اليوسف الدخيل الله.
- الشيخ علي السليمان المقوشي.
- الشيخ سليمان الدهامي إمام جامع الرس.
- الشيخ حمود التلال - تولى قضاء ضرية.
- الشيخ عبد الله الحسين - مأذون الأنكحة الآن.
- علي المحمد المحمود.
- صالح الناصر المحمد الخزيم.
- صالح الناصر الصالح الخزيم (الشاعر).
هذا آخر ما وجدته فيها، وربما كان فقد بعضها.
وترجم له الأستاذ محمد بن عثمان القاضي بترجمة حافلة قال فيها:
محمد بن مقبل من خب المنسي في بريدة:
هو العالم الجليل الورع الزاهد النبيل الشيخ محمد بن مقبل بن علي بن مقبل.
ولد هذا العالم بخب المنسي من أعمال بريدة سنة ١٢٨٣ هـ ورباه والده أحسن تربية نشأة حسنة وقرأ القرآن وجوده، ثم حفظه عن ظهر قلب وعمه سليمان بن علي قاضي بريدة سنين طويلة، وكان يحوطه ويرعاه ويوصيه بطلب العلم والمثابرة عليه، فشرع في طلب العلم بهمة ونشاط ومثابرة فقرأ
стр. 10025
على علماء بلده ومن أبرز مشائخه الشيخان محمد بن عمر بن سليم ومحمد بن عبد الله بن سليم وعبد الله بن حسين أبا الخيل، وعبد الله بن مفدي وعبد الله بن سليمان العريني، وعبد الله بن بليهد لازم هؤلاء العلماء ليله ونهاره، بجد ومثابرة فكان يدخل من خب المنسي كل صباح ومساء وكان مشائخه معجبين بفرط ذكائه ونبله ويقولون سيكون لهذا الفتى شأن وبينه وبين آل سليم مصاهرة وكان مكبا على المطالعة محبًا لأهل الخير ويتطلع إلى معالي الأخلاق ومحاسن الأعمال حتى صار مثالًا فيهما مع استقامة في دينه.
وكان مع ذلك آية في الزهد والورع والعفة وعزة النفس، فإن الملك عبد العزيز ﵀ كان قد أمر وكيل مالية بريدة أن يصرف له ٨٠٠ صاع بُر وألفي وزنة تمرًا وألف ريال نقدًا أسوة بقضاة القصيم، وكان قاضيًا على البكيرية فكان يردها ولا يقبل منها شيئًا.
استمر في ملازمته لمشائخه في الأصول والفروع والحديث والمصطلح والتفسير وعلوم العربية حتى نبغ في فنون عديدة، وكان من دعاة الخير والهدى والرشد، وعنده غيرة عظيمة متى انتهكت المحارم فيه نخوة وكان وصولًا للرجم مجالسة مجالس علم وبحث متعة للجليس وعنده نكت حسان، ويحب إصلاح ذات البين ما أمكنه، والإحسان إلى الخلق في كتابة وثائقهم وعقود أنكحتهم لوجه الله.
وكان مشغوفًا بكتب الشيخين ابن تيمية وابن القيم، وانتفع منهما انتفاعًا كبيرا، وكان عازفًا عن الدنيا مقبلًا إلى الله والدار الآخرة، قليل الخلطة بالناس لا يحب المظهر والشهرة دمث الأخلاق متواضعًا، وكان الملك عبد العزيز إذا زار القصيم ووصل البكيرية يستدعيه الأمير لمواجهة الملك والسلام عليه، فيأبى الحضور فطلبه الملك فأبى الحضور فذهب إلى منزله وطرق الباب فقال لابنه افتح له وقل له إنه نائم وصعد للسطح فنام فقال الملك مقالته المشهورة
стр. 10026
هذا الفُضيل الثاني، وأرسل إليه هدايا وتحفًا فردها، وقال للرسول تجدون لها أحوج مني، وذلك ورعًا منه.
ولما وصل الملك إلى القصيم ثانية قرع بابه فقال لهم افتحوا له، وقدموا له القهوة وقولوا له إني نائم، فقالوا ذلك فقال سأنتظره حتى يستيقظ، فصعد إليه ابنه وقال يا أبتي إن الملك في منزلك وأمره مطاع وله حق واجب فنزل وهو يرتعد فلما صافحه الملك انعجم لسانه عن الرد واستمر ينتفض كما ينتفض الطير، ولما سكن روعه أخذ في وعظ الملك وتخويفه من الظلم وتذكيره سيرة الخلفاء مع الرعية وحثه على العدل وتنفيذ ما أوجب الله عليه، هذا والملك منصت له ساعة ويبكي فلما خرج من عنده بعث له بصلة مع الشايقي عبارة عن كسوة ونقود وتحويل على المالية بمأكول فأبى أن يقبل منها شيئًا.
وحدثني بعض تلامذته بأنه لا يأكل أي شيء فيه شبهة، وكان يعتمد بعد الله على مغلة الزراعة وله بستان غرس فيه نخلًا وكان يتولاه بنفسه، وكان إذا أخذ في التلاوة لا يتمالك نفسه من البكاء، وإذا خطب أو وعظ بكى وأبكى من حوله، وكان إمام الجامع في البكيرية وخطيبه والواعظ فيه منذ أن تولى القضاء فيها بعد عزل حمد السليمان البليهد عنها في عام سبع وأربعين من الهجرة،
وتعين محمد بن مقبل خلفًا له.
وكانت القرى المجاورة للبكيرية تتبعها وظل في قضائها وإمامة جامعها والخطابة فيه وكذا الوعظ والتدريس إلى قبيل وفاه حينما طعن في السن وأرهقته الشيخوخة، ففي شعبان من عام ستين من الهجرة صدر الأمر الملكي بتعيينه قاضيًا بعنيزة وإعفاء الخال عبد الله بن مانع من القضاء، وبعث الملك ساعيًا إليه برسالة، وفيها لقد عيناك قاضيًا في عنيزة وجعلنا مكانك عبد العزيز بن سبيل في البكيرية، فلما قرأ كتاب الملك قال الحمد لله على السلامة من ولاية قضاء البكيرية ولا بعد الثمانين قضاء، وحاول الأهالي مع الملك تثبيته ولكنه صمم على الإستعفاء.
стр. 10027
وفي عام ٦٣ هـ بمحرم بعد وفاة عمر بن سليم طلبه أهالي بريدة فعينه الملك وامتنع رغم الإلحاح، وأنشد بيت عوف الخزاعي:
إن الثمانين وبُلِّغْتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
وتجرد للعبادة وملازمة المسجد والنفع للخلق إفتاء وتدريسًا وصار الذكر له إلفة لا عن كلفة.
وقد تخرج عليه ثلة من طلبة العلم شغلوا وظائف عالية في الدولة.
إلى أن قال:
وأما أوصافه فكان مربوع القامة قمحي اللون متوسط الشعر والجسم أهدف، له أردان، طلق الوجه قليل الخلطة دمث الأخلاق لا يحب المظهر والشهرة، حسن الخلق له نكت حسان ولم تزل هذه حاله تتجدد، وكان ينشد حِكم أبي الطيب وأبي تمام ونظم ابن القيم ورقائق أبي العتاهية في مجلسه ومواعظه التي لها وقع في القلوب، وتوالت عليه الأمراض فوافاه الأجل المحتوم في مدينة البكيرية عام ١٣٦٨ هـ.
وفي مرجع آخر أنه في عام ١٣٦٩ هـ فحزن الناس لفقده حزنًا شديدًا وخرج الأهالي كلهم مع جنازته وصلي عليه صلاة الغائب في القصيم، ورثيت له مراثٍ حسنة، ورُثي بمراثٍ عديدة نظمًا ونثرًا وخلَّف أبناءه الثلاثة صالح وعبد الرحمن ومقبل، وكلهم من خيرة عباد الله الصالحين.
فرحمة الله على الشيخ محمد فقد كان عالما وورعًا زاهدًا (١).
انتهى.
стр. 10028
وقد توفي الشيخ محمد بن مقبل في عام ١٣٦٨ هـ وصليت عليه صلاة الغائب في معظم جوامع المملكة إن لم يكن كلها، وكنت بين الذين صلوا عليه صلاة الغائب.
وأذكر أنه عندما صلي عليه في جامع بريدة صلاة الغائب حزن عليه أكثر الناس، وبعضهم بكوا ترحمًا عليه، ومحبة له ﵀.
أنموذج من خط الشيخ محمد بن مقبل:
стр. 10029
وكانت ولادته في عام ١٢٨١ هـ في خب المنسي قرب البصر، وقد رثاه الشيخ عبد الرحمن بن محمد الجطيلي الذي سبق ذكره في حرف الجيم، في قصيدة قدم لها بقوله:
стр. 10030
الحمد لله الذي خلق من شاء وفهمه لحكمته وأهلك من شاء بعدله وقدرته، كتب القضاء على آدم قبل وجود ذريته وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له له ما أخذ وما أبقى، واشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام الأنبياء، وقائد العلماء صلي الله عليه وعلى آله وأصحابه بدور الهدى ونور الدجي، والعلماء ورثة الأنبياء، فإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم لينتفع به، فمن أخذه أخذ بحظ وافر.
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ لاسيما الربانيون الورعون، وإذا ذكرنا موت المصطفى ﷺ شكرنا الله على محكم القدر والقضاء وبعد:
فهذه مرثية في الشيخ الفاضل الورع الزاهد محمد بن مقبل قاضِي البكيرية، صاحب خب المنسي القصيمي العارف بربه ﵎، فإنه لما كان لم يرثه أحد من أعيان طلاب العلم قلت هذه الأبيات وأنا في السابعة عشر من عمري تسلية لمن طلب مني ذلك، وكنت لست من أهل هذه الصناعة، ولكني أستمد من الله الإعانة ومنها:
على الشيخ بحر العلم نبكي جميعنا ... بما قد دهانا من عزيز وحاكم
علي فقده تبكيه نجد وإنها ... لفي شدة مما دها من عظائم
فإن قيل من للعلم؟ قيل هو الذي ... تسامي له من بين عرب وعاجم
أصولًا وفقهًا عالم وهو عارف ... بتقرير دين الله بين العوالم
هو العالم النحرير شمسٌ لقومه ... إذا أظلم الليل البهيم لقادم
لقد كان أمس بيننا في مقامه ... وأصبح مأسورًا بأيدي الصوارم
علي فقده نبكي الدموع بحرقةٍ ... ويهطل دمع من عيون سواجم
فلما رأيت الناس كلا جميعهم ... يحلونه بين السهى والنعائم
فقلت لهم بالله ماذا الذي أتى ... عن السيد المعصوم أفضل آدمي
стр. 10031
مصيبته تكفي لكم عن مصيبة ... وتدمل جرح البين عن كل عالم
ولكن سلوا الله العظيم بفضله ... سحائب رحماء على كل عالم
برحمته نرجوله من مزيده ... فإنه هو المرجو لأهل المكارم
ويا أيها الإخوان شعري وليته ... بماذا يلاقي من عزيز وحاكم
ويوليه فضلًا واسعًا من مزيده ... بجنات فردوس علون لقادم
ويبقي لنا بدر العلوم وشمسها ... هو الشيخ حبر العلم سامي المعالم
وبحر سما مجدًا وعزًا ومفخرًا ... على سائر الأقران للكل حازم
وأعني به نجل الحميد وفخرهم ... سلالة أمجاد كرام أكارم
ويبقي لنا ظل الهداة وعزهم ... هو الملك السامي على كل حاكم
ومحي لدين الله إذ ظل ضائعًا ... فأحياه من بعد اندراس المعالم
فلا زال محروسًا ولا زال طالعًا ... ولا زال منصورًا على كل ظالم
وأختم قولي بالصلاة على النبي ... نبي كريم من سلالة هاشم
وخلف الشيخ ابن مقبل أربعة أبناء من زوجته بنت عمه الشيخ سليمان بن علي بن مقبل، وهم: صالح، وعبد الرحمن، ومقبل، وسليمان.
أما صالح فهو من طلبة العلم المدركين، وصار إمام وخطيب جامع (البصر) فرحم الله المترجم، وبارك في عقبه.
توفي صالح بن الشيخ الزاهد ابن مقبل في البكيرية وهو من طلبة أبيه في سنة ١٤١٦ هـ.
وأما ابنه عبد الرحمن فقال فيه الشيخ صالح بن محمد السعوي:
عبد الرحمن بن الشيخ محمد المقبل رحمهما الله تعالى، قام بوظيفة الأذان في هذا المسجد بالمريدسية بعد وفاة القائم بالآذان قبله، وتواصل قيامه به حتى وافاه الأجل ومات في كبر سن رحمه الله تعالى، وكانت وفاته في عام ١٤٠٤ هـ.
стр. 10032
إبراهيم بن عبد الرحمن بن محمد المقبل، تولى وظيفة الأذان بهذا المسجد بعد سلفه، ولا يزال يقوم به، ويحافظ عليه لحين كتابة هذه المعلومات (١).
ووجدت في كتابة لأحد أسرة (المقبل) ذكر فيها اسم شيخ متقدم من أسرة المقبل وهو عبد الله بن علي المقبل وقال:
ولد سنة ١١٢٠ هـ في مدينة الهلالية وتولى القضاء مدة عشرين عامًا في منطقة القصيم، ونص كلامه:
"الشيخ العلامة عبد الله بن علي بن مقبل ولد سنة ١١٢٠ في مدينة الهلالية وقد تولى القضاء لمدة عشرين عامًا في منطقة القصيم، ويعتبر هذا الشيخ منشئ مزرعة (المطاوعية) الموجودة بالهلالية التي حتى الآن تعرف بهذا الاسم، والمرقبية التي إلى الآن تحمل نفس الاسم.
ومن شخصيات المقبل حمد بن إبراهيم المقبل الذي باع على عمر بن سليم نخلة شقراء في قصر عبد الكريم آل حماد بيع خيار، وذلك في وثيقة مؤرخة في ٨ من شهر ذي القعدة من عام ١٢٥٩ هـ بخط سليمان بن سيف.
والشاهد فيها هو نصار بن محمد والظاهر أنه من النصار الذين هم من آل أبي عليان لأن المبيع في الصباخ وهم أهله إذ فيه لهم أملاك، ونخيل واسعة.
أما قصر عبد الكريم الحماد فهو في جانب من حائط نخل ومزرعة له مزدهرة ومشهورة تعرف بالعروس دخل جزء منها الآن في الجنوب الشرقي من السوق المركزي في بريدة.
وعبد الكريم الحماد هو من (آل حماد) المتفرعين من أسرة السالم الكبيرة القديمة السكني في بريدة، وتقدم ذكرهم في حرف الحاء.
стр. 10033
ووجدت وثيقة مبايعة بين عبد الله آل عثمان بن مقبل (بائع) وبين عبد الكريم الجاسر (مشتر).
والمبيع قليب بالمتينيات تسمى الحفنة، والمتينيات معروفة في القديم بأنها مزارع جيدة للقمح، وهي منسوبة للمتيني من بني عليان، وقد حددت القليب المذكورة والمراد أرضها الزراعية لأن القليب التي تباع مثل هذا البيع تتبعها
стр. 10034
أرض زراعية مهمة بأنها يحدها من شرق أرض العيدي، والعيدي هو الشاعر الشهير محمد بن عبد الله العيدي، وحمود الحسن من آل أبو عليان.
والثمن أربعون ريالًا.
والشهود مبارك السالم من أسرة السالم الكبيرة القديمة السكني في بريدة وابن البائع وهو محمد بن عبد الله آل عثمان بن مقبل وعلي العبد الكريم الجاسر.
والكاتب محمد بن عبد العزيز بن مفدا وهو والد الشيخ الزاهد الكبير عبد الله بن محمد بن فدا الذي نقلنا عشرات من الوثائق التي بخطه في هذا الكتاب، ويلاحظ الاختلاف باسم الأسرة فهو في كتابة الوالد محمد بن عبد العزيز (المفدا) وفي كتابة الابن (الفدا) وقد قدمت في حرف الباء أيضًا إيضاحًا لذلك.
والتاريخ طلوع شهر ذي الحجة أي خروجه وانتهاؤه في عام ١٢٦٣ هـ.
وردت وثيقة مداينة فيها ثلاث وثائق قصيرة تتعلق بعبدالله العلي المقبل واستدانته من عبد الله بن علي السالم من أسرة السالم الكبيرة القديمة السكني في بريدة، وهي بخط محمد بن سليمان الغصن من الغصن الجرباوي، وليس من
стр. 10035
الغصن السالم، وتاريخها في عام ١٣٣١ هـ.
ومن متأخري المقبل هؤلاء الشيخ حمد بن ناصر المقبل إمام وخطيب الخبراء وهو خطيب رياض الخبراء.
ذكره الشيخ صالح بن سليمان العمري وأثنى عليه.
стр. 10036
المقبل:
على لفظ سابقه.
أسرة أخرى من أهل بريدة كانت تسمى قبل ذلك (العبيد) ولكن ذلك كان انقضى وجهل، ولم يعد الناس يعرفون عنهم إلا (المقبل) عندما سكنوا بريدة أو لنقل إن أولهم كان قد سكن بريدة لأول مرة في نحو العقد السادس من القرن الثالث عشر.
وكانوا يسكنون في التنومة، حتى خربها ثويني آل شبيب وقتل طائفة كبيرة من رجالها في عام ١٢٠١ هـ فنزحوا عنها إلى عنيزة التي كانوا أتوا إلى التنومة منها، وبقوا فيها نحوًا من ستين سنة، غير أن المقام لم يطب لهم فيها فانتقلوا إلى بريدة وسكنوا فيها.
وذكر لي أحد متأخريهم في الزمن أنهم كانوا قبل المقبل يسمون (البزيع) وإن البزيع أبناء عم لهم.
و(البزيع) كان منهم في التنومة، أناس منهم بزيع الذي جاء فيه المثل: (حط عليه ما حط بزيع على جمله)، أو (شال عليه ما شال بزيع على جمله).
إلَّا أن (بزيعًا) هذا كان قديم العهد، و (البزيع) أسرة أخرى من أهل بريدة من الخبوب، ذكر اسمها في الوثائق والمكاتبات، قد ذكرنا ما وصل إلينا من أخبارها في حرف الباء (البزيع).
أكبرهم في الوقت الحاضر سنًّا عبد الله بن عبد العزيز بن علي بن مقبل بن علي بن عبد الله العبيد ولد عام ١٣٠٦ هـ. فهو في سن الثالثة والتسعين وقت تسويد هذا الكلام عام ١٣٩٩ هـ.
стр. 10037
اشتهر منهم الثري المحسن الفذ في إحسانه وتدينه ومحبته لعمل الخير علي بن مقبل بن علي بن عبد الله العبيد.
ومات علي المقبل هذا عام ١٣٣٤ هـ.
وقد وقفت على بعض المداينات له، وهي قليلة جدًّا بالنسبة لما كان يداين به، ويتعامل مع الفلاحين وغيرهم به، ولم أستطع الحصول على دفاتره كلها وإنما وقفت على واحد منها كان يكتب فيه الوثائق ونحوها قبل وفاته بسنوات قليلة.
لقد سمعنا بل تحققنا بأن (علي المقبل) كان يلغي بعض ديونه علي المعسرين الذين يعلم أنهم لا يمكنهم أن يوفوا ديونهم التي عليهم له.
وبعض الناس قال إنه إذا فعل ذلك يخبرهم ثم يتلف الأوراق التي كتبت فيها الديون التي عليهم حتى لا يكون بقاؤها وسيلة قد يطالب ورثته أولئك بما عليهم من الدين.
ومع ذلك وصلتنا جملة من صور مدايناته ومعاملاته سوف أذكرها هنا.
وكنت اعتزمت أن أكتب كتابًا قائمًا بذاته عنه وعن ابنه سليمان الملقب (أبو حنيفة) وذلك لما لعلي بن مقبل من أحسان وأعمال بر وخوف من الله، وقرب من العلماء المشايخ من آل سليم ومن ورع قليل النظير بين التجار، وكنت أحفظ جملة بل جملًا من ذلك.
غير أن حفيده بل حفيد حفيده الدكتور عبد العزيز بن سليمان المقبل أعطاني كراسة ذكر فيها بعض الأشياء عنه، بعضها موجود لديَّ وبعضهم فيه تغيير عما هو موجود لديَّ.
وأخبرته أن لديَّ ما لم يذكره هو، وهذا أمر طبيعي، إلا أنه فتَّ في عضدي معتقدًا أنه ما دام أن حفيده قد كتب ما كتبه عنه، وذلك في أوراق معتادة وليس كتابًا عنه، ولا هو بحث مرتب مبوب فيمكن أن أكتفي به، غير
стр. 10038
أنني ذكرت المثل العامي المصري الذي يقول: (كل شيخ له طريقة) ومرادهم بالشيخ وأحد شيوخ الطرق الصوفية لذلك عزمت على أن أمضي فيما بدأته عنه، أسوة بما أكتبه عن عدد من الأشخاص البارزين في شيء من الأشياء مثل (حمد الصقعبي) (مطوع اللسيب) والنائب (قني) والملا ابن سيف.
وقلت في نفسي: إن طريقتي في التأليف ربما يميل إليها بعض القراء أكثر مما يميلون للطرق الأخرى.
ثم إن هناك شيئًا مهما جدًّا وهو أن الذي يكتب عن شخص ليس من أسرته يكون لكتابته أثر أكثر مما يكتبها أقاربه، لأن بعض الناس يعتبرون الكتابة والتأليف عن شخص بمثابة الشهادة له والشهادة من الأقارب مجروحة - عرفًا - إذا صدرت من قريب لقريبه.
أما أنا فليست لي قرابة به كقرابة حفيد حفيده، وإنما هي القرابة العلمية، ومحبة الفضل والإحسان، وأهله الذين على رأسهم علي المقبل ﵀.
ومع ذلك لن أخلي هذا الموضع من المعجم في ترجمة علي بن مقبل من أشياء كنت كتبتها قبل أن يطرأ على ذهني تأليف كتاب عنه، وقبل أن أعرف أن حفيده المذكور عبد العزيز كتب عنها شيئًا والله الموفق.
أفعال علي بن مقبل الخيرية:
من ذلك أنه سُور مقبرة بريدة القديمة التي كانت موجودة منذ عهد حجيلان بن حمد، وربما قبل ذلك، سوًّرها بسور محكم وذلك فيما يقال: إن أحدهم رأى رؤيا في المنام أن أحد المدفونين فيها خرج من قبره شاكيًا صارخًا بأن الناس أذوهم لأن أهل الحبوب كانوا يجمعون فيها السماد حتى إذا اجتمع نقلوه إلى فلاحاتهم لتسميد البساتين، كما أن بعض الناس يتخذونها ممرًا، إلى جانب إهانات أخرى للقبور،
стр. 10039
فاتفق علي بن مقبل مع صالح الماضي أحد معلمي البناء بالطين المشهورين على أن يسورها على نفقته ولكن شرط عليه إلا يخبر أحدًا بذلك.
قال لي ابنه سليمان بن علي بن مقبل: إن والدي كان يعطي ابن ماضي تمرا من عندنا للحرفية - العمال - ولكنه كان يقول لنا: إنه يعطيه إياه دينًا عليه، وهكذا لم يعلم أحد بذلك إلا من صالح الماضي بعد موت علي المقبل.
وعلي بن مقبل كان مشهورًا بالورع حتى في الكلام، فكانت له معاريض كان يستعمل بعضها أهل نجد، من ذلك أنه كان عندهم في بيتهم صُفَّة أي غرفة جعل اسمها عند أهل بيته (خضيرا) فكان إذا طرق الباب عليه أحد لا يريد لقاءه أو لا يستطيع ذلك لشغله قال لأولاده:
لا تقولون أبونا ماهوب بالبيت تكذبون قولوا إنه (بخضيرا)، يريد بها هذه الصفة، ويوهم سامعه أنه خارج إلى خضيرا الخب الشرقي من خبوب بريدة الشرقية.
ومن ذلك أنه إذا طلب منه أحد نقودًا وهو يستحي من مجابهته بالرد وضع أي علي المقبل يده على فخذه وقال: (والله يا أخي الآن ما تحت يدي شيء من الدراهم) يريد في تلك اللحظة وسامعه يتوهم أنه يريد أنه ليس عنده شيء من النقود.
ومما يذكر لعلي المقبل في محبته للمشايخ وطلبة العلم أنه ذهب وفد من المحبين لطلبة العلم والمشايخ إلى حائل للشفاعة عند الأمير عبد العزيز بن متعب بن رشيد لإطلاق سراح الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم الذي كان نفاه الأمير ابن رشيد إلى (النبهانية) عقابًا له في تحريض الناس على قتال ابن رشيد سنة الطرفية في عام ١٣١٨ هـ، وكان من هذا الوفد الوجيه الثري الثقة ناصر بن سليمان بن سيف، قيل: وجدوا عند ابن رشيد الشاعر علي الحريص من أهل بريدة وقد نظم قصيدة عامية يذم فيها المشايخ وأتباع آل سليم، ويثلبهم لأنه من محبي الشيخ إبراهيم بن جاسر ومن معه، وهم ضد هؤلاء الذين هم من أنصار
стр. 10040
آل سليم، قالوا: فعذلوه ولاموه، وقال له علي المقبل: هذا حمل بعير لقيمي - من الذي يتخذ جريشًا - ولا تسب الإخوان، فقال الحريص: اللي راح راح لكن اتعهد لكم إني ما أبدع بكم شعر جديد، وهكذا كان.
خطب منصور الربيعي ابنة علي المقبل فأعطاه أي وافق، فقال له الرجيعي: وش تبون يا عم - من الجهاز - فذكر له شيئًا ثم قال: ونبي عباءة للبنت، فقال علي المقبل: حنا حريمنا ما تبي عبي: عباءة الواحدة منهن باب الحوش تطلع منه إلى رجلها أو للمقبرة ولا حاجة بها للعباءة.
عندما مرض علي المقبل صار يقرأ دفتره فإذا رأى اسم مدين له فقير أو عاجز شطب على المكتب وهو الوثيقة التي تثبت الدين، فصار أبناؤه يخفون عنه دفتره ثم صاروا لا يفتحون لزواره، لأن الذين عليهم دين له صاروا يزورونه ويطلبون مسامحتهم عن الدين فيسامحهم، وكان منصور الرجيعي مدينا له وهو صهره فدخل الفجر مع (الرواية) التي تروي الماء، فعتب عليه علي المقبل وقال: يا ردئ العزمة ما زرتني في مرضي فأقسم بالله وعلي المقبل يعلم أنه صادق أنه جاء أكثر من مرة، ولكن أبناؤه يغلقون دونه الباب، وأنه دخل اليوم مع الرواية.
ذكر لي الأستاذ سليمان بن عبد الله العيد أن والده عبد الله العيد وعمه علي كان عليهما دين لعلي المقبل ﵀ مات قبل أن يوفياه فقبل أبناءه منهم أن يتنازلوا لهم عن فائدة الدين وأن يكتفوا برأس المال، ويبرون ذمتهم منه ففعلوا.
وهذه نماذج من مداينات علي المقبل (العبيد) وتتضمن مداينة بين حمود الصالح راعي اللسيب وهو من أسرة الحمود المعروفة هناك وبين علي المقبل، والدين كثير فهو أربعة آلاف وزنة تمر أي نحو ستة آلاف كيلو من التمر، ومعه من الدراهم أي الريالات اثنان وأربعون ريالًا، وأربعة أرباع، والربع هو
стр. 10041
ربع الجرش الذي هو ثلث الريال الفرانسي.
والشاهد على ذلك عبد الله بن سليمان الحصان، والكاتب: صالح بن سليمان، والتاريخ ١٦ محرم من عام ١٣١٦ هـ.
стр. 10042
قال إبراهيم بن سليمان الطامي:
قصص علي المقبل وورعه:
علي المقبل من أهالي بريدة رجل أنعم الله عليه وأغناه ووفقه الورع والزهد وحسن معاملة الناس، وله كثير من القصص المثالية لمداينته الفلاحين مداينة صدق وأمانة وحسن نية، حتى إنه يخرج للضواحي ويسأل هناك عن فلاح محتاج ولو كانت معاملته غير حسنة ومماطل فيعطيه ما يحسن حاله، وكانت نظريته في هذا أن لا يوجد مؤمن يماطل إلَّا إذا كان عن فقر، وكان يدرك أمواله فلا تضيع، وهذا ينم عن حسن نية الرجل الصالح وطهارة تجارته وسريرته.
ومن طريف حكاياته الحلوة أنه إذا كان أوان صرام النخل ونضج التمر يخرج لتسلم حقه من الفلاحين فلا يتذوق رطبة واحدة حتى يزنها مع حقه.
وكان يخرج للضواحي البعيدة مشيًا على الأقدام مع وجود الدابة فإذا ألح عليه أن يركب حمارًا تعفف عن ذلك مخافة الإثقال على الغير، وخوفه أن يضع الفلاح لحمارته علفًا من مزرعته أو من نصيب بهائمه.
ومن أعماله الخيرية أنه أمر ببناء مقبرة واسعة كلفته مبلغا طائلًا وأحاطها بسور من الحجر والطين ولم يعلم أحدًا أنه هو الذي دفع النفقة لأنه أحاط الأمر بالكتمان وأوصى أبناءه حين حضرته الوفاة بصيانتها.
وله أيضًا قصة سفره من بريدة إلى البكيرية وهي مسافة تقرب من الرحلة، وكان له صديق يصحبه دائمًا فسارا على أقدامهما متمتعين بالقوة والتجلد فوصلا قبل الظهر واكتفيا بحفنة حبات من الحمص، وكانت بمثابة الغداء، وكان يعتذر عن من يريد أن يضيفه مخافة أن يكلف أحدا، ولما انتهى من زيارة أصحابه قفل راجعًا هو وصاحبه فلما عرجا بطريقهما على إحدى القرى فعرف أن المقبل لا يكلف أحدًا ذبح لهما ذبيحة وأتي برأسها وأخبرهما
стр. 10043
أن لا فائدة من الاعتذار فاضطرا إلى قبول ضيافته فتعشيا عنده ثم عادا إلى حيث يسكنان، فتلك لعمري قصة من قصص التواضع والزهد والله الموفق (١).
وقال الأستاذ ناصر بن سليمان العمري:
التقي علي المقبل برجل من سكان رواق القرية الواقعة جنوبي بريدة سأله عن حالة المادية فقال الرجل: إنه غني لديه إيل ولديه غنم وثمرة النخل مخزونة لديه وهو غير مطلوب فيها ولديه دراهم، فسأله علي المقبل هل هو يؤدي زكاة ماله قال: التمر تأخذ زكاته مالية بريدة، أما الدراهم والإبل والغنم فهو لم يؤد زكاتها، وكان فقيرًا ولم يعتد دفع الزكاة، فقال له علي المقبل: إنك إن مت لا تؤدي الزكاة مت كافرًا نسأل الله العافية، فعليك بتدارك حالك قبل الموت حاسب نفسك حساب الشريك البخيل وادفع الزكاة للفقراء من أقاربك أو غيرهم.
فقال: يا أبا عبد العزيز اسال الله أن يعيني على أداء الزكاة، فقال له علي المقبل أحص زكاتك وأخبرني عن مقدارها وسوف أقرضك مبلغ الزكاة، فأنت حوّل عليَّ من ترى أنه يحتاج الزكاة فشكره وحول عليه الزكاة لعدد من الفقراء، وبعد ذلك في الأعوام التالية تعود على إخراج الزكاة وسدد ما اقترضه من علي المقبل، وعلي المقبل أراد أن يعينه على أداء الزكاة بإقراضه خوفًا من شح النفس (٢).
وقال العمري أيضًا:
طالب علم يقول لزوجته أنت أفقه مني:
علي المقبل من أهل بريدة ومن تجارها في آخر القرن الثالث عشر الهجري والثلث الأول من القرن الرابع عشر الهجري، كان رأس ماله خمسة آلاف ريال يعمل فيها بعلم بالتجارة ويربح ويوسع على الناس، ولا يكتفي
стр. 10044
بإخراج زكاته فله منهج فريد في تجارته فهو يتصدق عما يزيد على الخمسة آلاف ريال رأس ماله مهما كانت أرباحه.
وفي حياته كان الناس يتعرضون لأصناف الطلبات من الحكام مرة باسم الجهاد ومرة طلبات أخرى من الطعام وغيره.
وفي مرة من المرات التي تعرض فيها للضغوط جاء إليه حارسان من رجال قصر الإمارة في بريدة وطلبا منه ثلاث صفائح من التمر من نوع خاص ممتاز، ولم يكن النوع المطلوب موجود لديه فأخذ تمرًا جيدًا لكنه ليس الصنف المطلوب، ووضعه في الصفائح، وبعث بها لقصر الإمارة، وكان ذلك في عهد عبد العزيز بن رشيد وكان موجودا في بريدة وكشف الموظف المختص في القصر على التمر فوجده مخالفًا للوصف المطلوب، فأعادها إلى بيت ابن مقبل مصحوبة بالتهديد إذا لم يستجب لطلب الحاكم وشق الأمر عليه فقامت زوجته وأحضرت قليلًا من التمر المطلوب ووضعته تحت فتحات الصفائح وقالت لزوجها: لقد أحضرت لك التمر المطلوب، ففرح ورحل الصفائح إلى القصر وسافر الأمير عبد العزيز بن رشيد ومعه بالطبع تمر ابن مقبل وأكله في الطريق دون أن يسأل عن صنفه فواضع الصنف موظف في قصر الإمارة في بريدة.
وبعد مدة سأل علي المقبل زوجته من أين جاءت بالتمر المطلوب، وهل دفعت ثمنه؟ فقالت له عندي قليل من الصنف المطلوب أخذت شيئًا من الموجود في الصفائح تحت فتحاتها ووضعت الشيء القليل الذي وجدته في البيت مكانه فقال لها: لقد غشيت الأمير الله يهديك: فقالت وكم دفع الأمير ثمنًا للتمر؟
الأمير يطلب التمر بدون ثمن ولا يعتبر عملنا معه غشًا، فضحك علي المقبل من تصرف زوجته وقال: أنت أفقه مني (١).
стр. 10045
وقال الأستاذ ناصر العمري أيضًا:
علي بن مقبل صنف فريد في معاملته التجارية وصدقاته وإخراجه الزكاة، وقد ذكر بعض أعماله في غير هذا المكان من هذا الكتاب، وفي ضحى يوم خرج علي المقبل إلى السوق في بريدة فلقي فلاحًا من أهل السباخ الضاحية الواقعة جنوبي بريدة واسم الفلاح محمد الهلالي، فسلم كل منهما على الآخر فدعا علي المقبل محمد الهلالي إلى بيته فذهب معه وهو خائف إذ كان مع الهلالي أربعون ريالًا جاءته من ولده ناصر المقيم في الكويت، وقد ظن الهلالي أن ابن مقبل علي علم بالنقود التي جاءته، وأنه سوف يطالبه بتقديمها له ليسد بها بعض الدَّيْن الذي عليه، فقد كان ابن مقبل يسلمه نقودًا بالتمر من ثمرة نخله بالسباخ.
ولكن ابن مقبل أدخله إلى بيته وقدم له طعامًا ولبنًا فأكل ولكنه كان ينظر ما سوف يقول له ابن مقبل، فما كان من علي المقبل إلا أن جاء إليه بخمسة ريالات فرنسية فضية وقال له هذه زكاة الدين الذي عليك خذها لك، ولأهلك، وقد وضعت الدين عن ذمتك.
فخرج الهلالي شاكرًا وهو يضع يده على مكان النقود التي كانت معه خوفًا من أن يسمع ابن مقبل رنينها، وقد توفي علي المقبل في مدينة بريدة عام ١٣٣٤ هـ ﵀ (١).
إطعام طلبة العلم:
علي بن مقبل من كبار طلبة العلم في بريدة، ويعمل في التجارة، وهو يعطف على طلبة العلم في بريدة، ويحسن إليهم، وقد تعاهد طلبة العلم يسكنون في مسجد ناصر وسط مدينة بريدة، فكان يبعث لهم بطعام الغداء والعشاء يوميًا
стр. 10046
من نفس الطعام الذي يأكل منه هو وأهل بيته، وكان يؤمن لهم الفرش من ماله واستمر على هذا المنوال مدة طويلة لم يخلف سيرته مع طلبة العلم، وقد كتبت عن هذا الرجل وسيرته في تجارته وصدقاته أكثر من موضوع في هذا الكتاب رغبة في نشر فضائله واعترافًا بها ورغبة في الدعاء له من القراء، وقد توفي الرجل عام ١٣٣٤ هـ، وقد أوذي في حياته من بعض الأمراء والحكام وصبر على الأذى، وقد لحقه الأذى بسبب محبته لطلبة العلم ومساعدتهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد استدعاه أمير حائل محمد بن عبد الله بن رشيد لغرض تأديبه ولكنه أكرمه وأعاده إلى بريدة محترمًا مكرمًا، ووصي أمير بريدة باحترامه وإكرامه ولا شك أنه قد وشي به، وحينما قابله أمير حائل وجد الرجل أهلا للاحترام والإكرام فاعتذر له وأعاده مكرمًا.
وقال الشيخ صالح بن سليمان العمري ﵀:
العالم العابد والورع الزاهد الشيخ علي بن مقبل العلي العبد الله آل عبيد: (من قبيلة سبيع):
ولد هذا العالم الجليل صاحب المكارم والمفاخر والإحسان بين الناس بمدينة بريدة عام ١٢٤١ هـ ونشأ فيها نشأة صالحة وتلقى علومه على علمائها، ومن أبرز مشايخه الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، والشيخ محمد بن عمر بن سليم، والشيخ سليمان العلي المقبل، والشيخ عبد الله بن فداء.
وكان ﵀ يشتغل بالتجارة والمداينة على الطريقة المشروعة، دون أن يشغله ذلك عن العلم والعبادة، ومن يعرف سيرة الرجل يعتقد بأنه لم يقصد بتجارته استكثار المال، وإنما قصد إنفاق مكسبه في سبيل الله، فقد كان ﵀ عفيفًا، يشتري التمر بالسلم من أهل النخيل، فإذا حضر لاستلام حقه، وبدأ الجذاذ فمن عادة أهل نجد أن من حول الجذاذ يحضرون، ويأكلون، ولكنه
стр. 10047
رحمه الله لا يأكل شيئا من مال صاحب النخيل بل يأخذ تمرات يضعها فوق التمر قبل وزنه فإذا وزن التمر أخذها فأكلها، وكان يسمح للناس بالأكل من تمره، ويجود على الفقراء والمساكين بشيء منه.
ثم إنه يجمع التمر في أحواض فإذا رأى حاجة الناس إليه باعه بسعر سوقه وكان ﵀ ينظر المعسر احتسابًا، وإذا انتهى من معاملة أحد وضع عنه بقية دينه، ولم يكن يتعامل إلا مع الفقراء احتسابًا، ويرفق بهم وإذا عرف أن المستدين يجد من يدينه غيره لم يدينه، فهو يحرص على إدانة من لا يجد من يدينه.
وله قصة مشهورة مع أحد عملائه وهي أنه كان يطلب إنسانًا دينًا قد تأخر عن تسديده وكان للمدين ابن خارج بريدة فأرسل ابنه له بمبلغ، ومن الصدف أن الشيخ علي قابل المدين في اليوم الذي وصل إليه المبلغ من ابنه، فطلب منه الشيخ علي أن يذهب معه إلى منزله، فظن الرجل أنه قد علم بالمبلغ وأنه يريد أن يطالبه بدفع ما وصله من ابنه، ولما دخل معه للمنزل ظل الرجل خائفًا والشيخ علي لم يشعر بذلك، فقدم له الشيخ علي طعامًا طيبًا، فأكل منه الرجل ثم ناوله الشيخ علي بعض النقود وقال له: إنما دعوتك لأخبرك أنني قد شطبت دينك ووضعته عنك، فبكى الرجل من شدة الفرح ودعا للشيخ، وقال: لقد كنت خائفا أنك قد علمت بما وصلني من ابني، وإنك تريد مني أن أسددها لك من الدين، ثم دعا له وانصرف.
وهذه قصة واحدة من قصص عديدة من أعمال هذا الرجل.
وكان من عادته عندما يبلغ رأس ماله مبلغًا معينًا قيل بأنه خمسة آلاف ريال فرانسه (وهي تعادل الملايين الآن) كان من عادته إذا حال الحول أحصي ماله ثم أخرج الزكاة الشرعية، ثم تصدق بما زاد عن رأس المال، وهكذا دأبه.
وبلغني أن رجلًا من أبناء الأعزاء على الشيخ علي طلب منه قرضًا
стр. 10048
فاعتذر عن إعطائه المبلغ، فقال له أحد أبنائه: إن هذا الرجل ووالده أعزاء عليك ونراك تعطي غيرهم القرض، فقال: يا بني إن هذا الرجل يدخل عليه بعض أموال لا أرغب خلطها بمالي ولذلك لم أعطه فعرف ابنه السر.
ومن ورعه ﵀ أنه لا يطعم عند من يتعامل معهم بالدين أو القرض البتة، حدثني ابنه عبد الله قال:
ذهبت مع والدي مرة نريد البدائع، فلما خرجنا من بريدة بعد صلاة الصبح أخرج لي تمرات من جيبه، وقال: كلها فأكلتها ثم أخرج لنفسه مثلها فأكلها، وكان ﵀ سيمر ببعض من يتعامل معهم بالدين أو القرض ولا يريد أن يطعم عندهم، ويتحاشى الكذب بأن يقول قد طعمنا، وهو لم يطعم فطعم هذه التمرات، وأطعم ابنه مثلها عن الحنث بالكذب عندما يعتذر من أكل طعام الناس وقصده بذلك ﵀ الورع والتعفف والبعد عن شبهة جر المنفعة في الدين والقرض لعملائه.
قال ابنه عبد الله: فمررنا بأحد المزارعين وطلب من الوالد أن يطعم عنده فرفض، وقال: قد فكينا الريق، ثم مررنا بقرية أخرى فطلب منه صاحبها مثل الأول فقال قد فككنا الريق، قال عبد الله: ولما وصلنا البصر طلب منه أحد المزارعين أن يقدم له شيئا من الطعام، فقال قد فكينا الريق وهو بذلك صادق لكنه لم يأكل قوتًا يكفيه، ويكفي مرافقه ابنه، يقول عبد الله: فنظرت فإذا وجهته البدائع وأننا لن نصلها إلا بعد ساعتين أو ثلاث وأننا لن نصلها إلا وقد أنهكنا الجوع والتعب فقلت للمزارع: يا عم إنه يقول قد فكينا الريق ولكن بتمرات وأنا جائع.
قال: فغضب والدي علي وقال فضحتنا، وكان لا يريد أن يعرف أحد سره بذلك.
ولقد كان ﵀ يخص طلبة العلم والعلماء ببره وإحسانه، فكأنه والد للجميع، وكان منزله ملجأ لهم فيقدم الطعام والشراب في كل يوم لعدد منهم،
стр. 10049
وفي كل يوم بعد الغداء تعقد جلسة علمية في منزله، فيقرأ بعض الطلبة ويبحثون في موضوع القراءة ثم يتفرقون.
ولقد كان ﵀ أقوى شخصية في طلبة العلم ببريدة، فقد كان له هيبة ووقار واحترام في نفوس الخاص والعام من العلماء والأمراء والوجهاء والأعيان والخاص والعام، وذلك لاستقامته وإنصافه، وكان في زمن الفتن من أقوى المؤيدين لآل سليم وتلامذتهم، ومن أقوى أعوان دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في القصيم، وإذا كثر القيل والقال وضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصار الأمر في غير أهله ابتعد حتى تعود الأمور إلى مجاريها.
ولم يتخذ مجلسًا للتدريس بحيث يكون له تلامذة يعرفون فقد كانت جلساته جلسات مذاكرة وإفادة واستفادة كما ذكرنا في منزله.
وقد توفي ﵀ عام ١٣٣٤ هـ كما ذكر لي ذلك ابنه سليمان، وقد حزن الناس لوفاته حزنًا شديدًا وقد خلف من الأولاد عبد العزيز وعبد الله وسليمان، وللجميع أولاد وأحفاد بعضهم طلبة علم فرحمه الله رحمة الأبرار (١).
وترجم له الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام، فقال:
الشيخ علي بن مقبل بن علي بن عبد الله آل عبيد:
ولد بمدينة بريدة عام ١٢٤١ هـ ونشأ فيها نشأة صالحة، وتلقَّى علومه على علمائها، ومن أبرز مشايخه الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، والشيخ محمد بن عمر بن سليم، والشيخ سليمان العلي المقبل، والشيخ عبد الله بن فداء. وكان المترجم يشتغل بالتجارة والشراء بالسلم على الطريقة المشروعة،
стр. 10050
دون أن يشغله ذلك عن العلم والعبادة، ومن يعرف سيرة المترجم يعلم أنه لم يقصد بتجارته استكثار المال، وإنما قصد إنفاق مكسبه في سبيل الله.
إلى أن قال:
وما زال على حاله الحميدة حتى توفي عام ١٣٣٤ هـ - رحمه الله تعالى (١).
ومنهم عبد الله بن مقبل بن علي بن عبد الله المقبل، وهو أخو الثري المحسن الشهير علي المقبل المذكور قبله.
وعبد الله هذا طالب علم نوه بذكره الشيخ صالح بن سليمان العمري ذاكرًا أنه من تلاميذ المشايخ آل سليم، وأنه طالب علم.
وهو إلى ذلك تاجر ثري يداين الفلاحين مثل أخيه علي، ورأيت وثائق عديدة من مدايناته، ولكنه أقل ثروة من أخيه علي المقبل.
وقد مات في عام قبل أخيه علي، ولم يعقب ذكورًا وإنما كان نسله بنتين فقط هما منيرة ونورة.
وهذه نماذج من مدايناته: