من نفس الطعام الذي يأكل منه هو وأهل بيته، وكان يؤمن لهم الفرش من ماله واستمر على هذا المنوال مدة طويلة لم يخلف سيرته مع طلبة العلم، وقد كتبت عن هذا الرجل وسيرته في تجارته وصدقاته أكثر من موضوع في هذا الكتاب رغبة في نشر فضائله واعترافًا بها ورغبة في الدعاء له من القراء، وقد توفي الرجل عام ١٣٣٤ هـ، وقد أوذي في حياته من بعض الأمراء والحكام وصبر على الأذى، وقد لحقه الأذى بسبب محبته لطلبة العلم ومساعدتهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد استدعاه أمير حائل محمد بن عبد الله بن رشيد لغرض تأديبه ولكنه أكرمه وأعاده إلى بريدة محترمًا مكرمًا، ووصي أمير بريدة باحترامه وإكرامه ولا شك أنه قد وشي به، وحينما قابله أمير حائل وجد الرجل أهلا للاحترام والإكرام فاعتذر له وأعاده مكرمًا.
وقال الشيخ صالح بن سليمان العمري ﵀:
العالم العابد والورع الزاهد الشيخ علي بن مقبل العلي العبد الله آل عبيد: (من قبيلة سبيع):
ولد هذا العالم الجليل صاحب المكارم والمفاخر والإحسان بين الناس بمدينة بريدة عام ١٢٤١ هـ ونشأ فيها نشأة صالحة وتلقى علومه على علمائها، ومن أبرز مشايخه الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، والشيخ محمد بن عمر بن سليم، والشيخ سليمان العلي المقبل، والشيخ عبد الله بن فداء.
وكان ﵀ يشتغل بالتجارة والمداينة على الطريقة المشروعة، دون أن يشغله ذلك عن العلم والعبادة، ومن يعرف سيرة الرجل يعتقد بأنه لم يقصد بتجارته استكثار المال، وإنما قصد إنفاق مكسبه في سبيل الله، فقد كان ﵀ عفيفًا، يشتري التمر بالسلم من أهل النخيل، فإذا حضر لاستلام حقه، وبدأ الجذاذ فمن عادة أهل نجد أن من حول الجذاذ يحضرون، ويأكلون، ولكنه
стр. 10047
رحمه الله لا يأكل شيئا من مال صاحب النخيل بل يأخذ تمرات يضعها فوق التمر قبل وزنه فإذا وزن التمر أخذها فأكلها، وكان يسمح للناس بالأكل من تمره، ويجود على الفقراء والمساكين بشيء منه.
ثم إنه يجمع التمر في أحواض فإذا رأى حاجة الناس إليه باعه بسعر سوقه وكان ﵀ ينظر المعسر احتسابًا، وإذا انتهى من معاملة أحد وضع عنه بقية دينه، ولم يكن يتعامل إلا مع الفقراء احتسابًا، ويرفق بهم وإذا عرف أن المستدين يجد من يدينه غيره لم يدينه، فهو يحرص على إدانة من لا يجد من يدينه.
وله قصة مشهورة مع أحد عملائه وهي أنه كان يطلب إنسانًا دينًا قد تأخر عن تسديده وكان للمدين ابن خارج بريدة فأرسل ابنه له بمبلغ، ومن الصدف أن الشيخ علي قابل المدين في اليوم الذي وصل إليه المبلغ من ابنه، فطلب منه الشيخ علي أن يذهب معه إلى منزله، فظن الرجل أنه قد علم بالمبلغ وأنه يريد أن يطالبه بدفع ما وصله من ابنه، ولما دخل معه للمنزل ظل الرجل خائفًا والشيخ علي لم يشعر بذلك، فقدم له الشيخ علي طعامًا طيبًا، فأكل منه الرجل ثم ناوله الشيخ علي بعض النقود وقال له: إنما دعوتك لأخبرك أنني قد شطبت دينك ووضعته عنك، فبكى الرجل من شدة الفرح ودعا للشيخ، وقال: لقد كنت خائفا أنك قد علمت بما وصلني من ابني، وإنك تريد مني أن أسددها لك من الدين، ثم دعا له وانصرف.
وهذه قصة واحدة من قصص عديدة من أعمال هذا الرجل.
وكان من عادته عندما يبلغ رأس ماله مبلغًا معينًا قيل بأنه خمسة آلاف ريال فرانسه (وهي تعادل الملايين الآن) كان من عادته إذا حال الحول أحصي ماله ثم أخرج الزكاة الشرعية، ثم تصدق بما زاد عن رأس المال، وهكذا دأبه.
وبلغني أن رجلًا من أبناء الأعزاء على الشيخ علي طلب منه قرضًا
стр. 10048
فاعتذر عن إعطائه المبلغ، فقال له أحد أبنائه: إن هذا الرجل ووالده أعزاء عليك ونراك تعطي غيرهم القرض، فقال: يا بني إن هذا الرجل يدخل عليه بعض أموال لا أرغب خلطها بمالي ولذلك لم أعطه فعرف ابنه السر.
ومن ورعه ﵀ أنه لا يطعم عند من يتعامل معهم بالدين أو القرض البتة، حدثني ابنه عبد الله قال:
ذهبت مع والدي مرة نريد البدائع، فلما خرجنا من بريدة بعد صلاة الصبح أخرج لي تمرات من جيبه، وقال: كلها فأكلتها ثم أخرج لنفسه مثلها فأكلها، وكان ﵀ سيمر ببعض من يتعامل معهم بالدين أو القرض ولا يريد أن يطعم عندهم، ويتحاشى الكذب بأن يقول قد طعمنا، وهو لم يطعم فطعم هذه التمرات، وأطعم ابنه مثلها عن الحنث بالكذب عندما يعتذر من أكل طعام الناس وقصده بذلك ﵀ الورع والتعفف والبعد عن شبهة جر المنفعة في الدين والقرض لعملائه.
قال ابنه عبد الله: فمررنا بأحد المزارعين وطلب من الوالد أن يطعم عنده فرفض، وقال: قد فكينا الريق، ثم مررنا بقرية أخرى فطلب منه صاحبها مثل الأول فقال قد فككنا الريق، قال عبد الله: ولما وصلنا البصر طلب منه أحد المزارعين أن يقدم له شيئا من الطعام، فقال قد فكينا الريق وهو بذلك صادق لكنه لم يأكل قوتًا يكفيه، ويكفي مرافقه ابنه، يقول عبد الله: فنظرت فإذا وجهته البدائع وأننا لن نصلها إلا بعد ساعتين أو ثلاث وأننا لن نصلها إلا وقد أنهكنا الجوع والتعب فقلت للمزارع: يا عم إنه يقول قد فكينا الريق ولكن بتمرات وأنا جائع.
قال: فغضب والدي علي وقال فضحتنا، وكان لا يريد أن يعرف أحد سره بذلك.
ولقد كان ﵀ يخص طلبة العلم والعلماء ببره وإحسانه، فكأنه والد للجميع، وكان منزله ملجأ لهم فيقدم الطعام والشراب في كل يوم لعدد منهم،
стр. 10049
وفي كل يوم بعد الغداء تعقد جلسة علمية في منزله، فيقرأ بعض الطلبة ويبحثون في موضوع القراءة ثم يتفرقون.
ولقد كان ﵀ أقوى شخصية في طلبة العلم ببريدة، فقد كان له هيبة ووقار واحترام في نفوس الخاص والعام من العلماء والأمراء والوجهاء والأعيان والخاص والعام، وذلك لاستقامته وإنصافه، وكان في زمن الفتن من أقوى المؤيدين لآل سليم وتلامذتهم، ومن أقوى أعوان دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في القصيم، وإذا كثر القيل والقال وضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصار الأمر في غير أهله ابتعد حتى تعود الأمور إلى مجاريها.
ولم يتخذ مجلسًا للتدريس بحيث يكون له تلامذة يعرفون فقد كانت جلساته جلسات مذاكرة وإفادة واستفادة كما ذكرنا في منزله.
وقد توفي ﵀ عام ١٣٣٤ هـ كما ذكر لي ذلك ابنه سليمان، وقد حزن الناس لوفاته حزنًا شديدًا وقد خلف من الأولاد عبد العزيز وعبد الله وسليمان، وللجميع أولاد وأحفاد بعضهم طلبة علم فرحمه الله رحمة الأبرار (١).
وترجم له الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام، فقال:
الشيخ علي بن مقبل بن علي بن عبد الله آل عبيد:
ولد بمدينة بريدة عام ١٢٤١ هـ ونشأ فيها نشأة صالحة، وتلقَّى علومه على علمائها، ومن أبرز مشايخه الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، والشيخ محمد بن عمر بن سليم، والشيخ سليمان العلي المقبل، والشيخ عبد الله بن فداء. وكان المترجم يشتغل بالتجارة والشراء بالسلم على الطريقة المشروعة،
стр. 10050
دون أن يشغله ذلك عن العلم والعبادة، ومن يعرف سيرة المترجم يعلم أنه لم يقصد بتجارته استكثار المال، وإنما قصد إنفاق مكسبه في سبيل الله.
إلى أن قال:
وما زال على حاله الحميدة حتى توفي عام ١٣٣٤ هـ - رحمه الله تعالى (١).
ومنهم عبد الله بن مقبل بن علي بن عبد الله المقبل، وهو أخو الثري المحسن الشهير علي المقبل المذكور قبله.
وعبد الله هذا طالب علم نوه بذكره الشيخ صالح بن سليمان العمري ذاكرًا أنه من تلاميذ المشايخ آل سليم، وأنه طالب علم.
وهو إلى ذلك تاجر ثري يداين الفلاحين مثل أخيه علي، ورأيت وثائق عديدة من مدايناته، ولكنه أقل ثروة من أخيه علي المقبل.
وقد مات في عام قبل أخيه علي، ولم يعقب ذكورًا وإنما كان نسله بنتين فقط هما منيرة ونورة.
وهذه نماذج من مدايناته:
стр. 10051
وكتب عبد الله بن مقبل هذا كتابات عديدة بخطه وصلت إلينا، وخطه لا بأس به وإملاؤه جيد.
منها هذا الأنموذج:
стр. 10052
وعبد الله المقبل يدل إملاؤه الذي كتبه في وثيقة مبايعة المقطر نخل وهو الصف المتصل من النخل والبائع هو ناصر بن عمر الصقعبي والمشتري هو عبد الكريم الجاسر يدل ذلك على أنه طالب علم.
وقد أرخ كتابته في رجب عام ١٢٩٣ هـ.
وهذه وثيقة أخرى بخط عبد الله المقبل، كتبها في ٥ من صفر سنة ١٢٨٢ هـ.
стр. 10053
وورقة أخرى فيها وثيقتان تتعلقان بعبد الله المقبل هذا، هما في نهاية الاختصار، العليا منهما في الورقة ورقة مداينة بين إبراهيم العبادي والد الشيخ الجليل عبد العزيز العبادي وبين سليمان المبارك وهو العمري جد جد الدكاترة المعروفين الآن في جامعات المملكة.
والدين فيها ثلاثون ريالًا مؤجلات لدخول رجب سنة ست وسبعين (ومائتين وألف).
والشاهد: عبد الله المقبل.
стр. 10054
والثانية ورقة مداينة بين عبد الله المقبل وبين سليمان المبارك (العمري) المذكور في التي قبلها والدين فيها ستة وعشرون ريالًا مؤجلات يحل أجلها دخول رجب سنة ست وسبعين (ومائتين وألف).
والشاهد هو كاتبه إبراهيم العبادي.
стр. 10055
النائب عبد العزيز بن عليّ المقبل
стр. 10056
ومنهم عبد العزيز بن عليّ المقبل نائب بريدة الذي قضى في النيابة وقتًا طويلًا والنائب بمثابة (المحتسب) الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
ولذلك عرف بابن مقبل النائب.
وقد ورث النيابة بعده ثلاثة من أبنائه منهم سليمان الذي صار (نائبًا) في حياة والده ومن بعد ذلك عبد الكريم ثم علي.
لقد أدركت النائب عبد العزيز العلي المقبل شيخًا كبيرًا قد كف بصره، وثقل عن الحركة، ومع ذلك كان يخرج إلى دكان لهم في السوق يقوده أحد أحفاده.
وقد عمر النائب عبد العزيز بن عليّ المقبل مسجد حمد بن خضير الواقع إلى الشمال من المسجد عمره وأبناؤه بالصلاة والذكر والعبادة، فعندما عقلت الأمور كان إمام المسجد المذكور هو صالح ابن (النائب) عبد العزيز المقبل، وكان مؤذنه عبد الكريم ابن النائب أيضًا، وكان أخوه سليمان نائبًا في المدينة كلها ولكنه من جملة من النواب وليس كأبيه (نائبًا) واحدًا.
مات النائب عبد العزيز المقبل عام ١٣٦٩ هـ.
وقد صار عبد العزيز العلي المقبل مرجعًا لنظراء الحارة القريبة منه من حارات بريدة وذلك أن أمير بريدة كان قد عين بالتشاور أو بالأمر من الشيخ القاضي عبد الله بن سليم النظراء في كل حارة من الحارات اثنين أو ثلاثة، كان يرسل إليهم كتابًا بذلك وذكر أن عليهم ملاحظة مسجدهم والذي ما تكفي فيه النصيحة من الجماعة يرفع أمره للنائب عبد العزيز المقبل - هذا - وتاريخ هذا الكتاب في ٥ ربيع الأول من عام ١٣٣٨ هـ.
وهذه صورته:
стр. 10057
وفهد بن معمر هو أمير بريدة في ذلك التاريخ وهو عام ١٣٣٨ هـ
نماذج من كتابة (النائب) عبد العزيز بن عليّ المقبل:
كتب عبد العزيز المقبل وثائق عديدة من المبايعات والإيجارات والوكالات وغيرها بخطه وهو واضح لنا وأمثالنا، والمهم عند المعاصرين له أن يكون الكاتب مثله ثقة عدلا مقبول الخط والشهادة عند القضاة والحكام.
و(النائب) عبد العزيز المقبل من هذه الفئة المقبولة لعدالته ومكانته عند الناس، بخاصة عند القضاة والمشايخ من آل سليم.
стр. 10058
وهذه ورقة مداينة مختصرة تتعلق بدين على عبد العزيز العلي المقبل النائب لسليمان الحمد العمري.
والدين قليل، بل ضئيل فهو أربعة ونصف ثمن تسعة أرطال شاهي، والشاهي هو الشاي كما هو معروف، ولكن من غير المعروف لبعض الناس أن كلمة (شاهي) هو ملكي، لأن (الشاه) في الفارسية ملك، وهي أداة نسبة أو تقوم مقامها، وقد سمي الشاي بذلك لنفاسته عند من أسماه بهذه التسمية.
ومع قلة هذا الدين فإن الوثيقة ذكرت أنه مؤجل إلى النصف من محرم سنة ١٣٢٥ هـ.
стр. 10059
والشاهد حمود العلي المشيقح.
والكاتب عبد العزيز بن عليّ المقبل نفسه.
والتاريخ ١٥ ذي القعدة سنة ١٣٢٤ هـ.
стр. 10060
سليمان بن عليّ المقبل (أبو حنيفة)
стр. 10061
ومنهم سليمان بن عليّ المقبل من الرجال ذوي النباهة والفصاحة، والبصيرة في الحديث حتى سماه طلبة العلم (أبو حنيفة) فلحقه هذا اللقب، وبقي يعرف به حتى الآن.
وأصله أنه كان في شبابه يجلس مع عدد من كبار طلبة العلم تلاميذ المشايخ آل سليم مثل الشيخ عبد العزيز العبادي والشيخ عبد الله بن رشيد الفرج فكانوا يتباحثون في المسائل العلمية في غياب شيخهم فيبدي بعضهم وهم من طلبة العلم - المحصلين - رأيه في مسئلة فينبري سليمان المقبل وهو صغير السن ومن الذين يستمعون للدرس فقط، فيبدي رأيه فيسألونه: كيف تبدي رأيك وأنت ما قرأت؟
فيجيبهم: صحيح أنا ما قرأت هذه المسئلة ولكني أقيسها على المسائل التي سبق أن سمعت بها، فيقول الشيخ العبادي ﵀:
نعم أنت يا أبو حنيفة، يريد الإمام أبا حنيفة لشهرته بالقياس.
وقد جلست مرارًا مع الشيخ سليمان العلي المقبل وبخاصة بعد أن أسن وزادت سنه على الثمانين وهو حاضر الذهن، فصيح اللسان قوي العارضة، كثير المحفوظ من الآيات والأحاديث، والقصص والأخبار، ولقد انتفعت به من ناحية حفظه لأخبار بعض أهالي بريدة الذين سبق عصرهم عصرنا جزاه الله خيرًا.
فأما حفظه للنصوص الشرعية فإن هذا ليس غريبا عليه مع عدم ملازمته لطلب العلم كما فعل المشايخ لأن والده (عليّ بن مقبل) ﵀ كان محبًا للمشايخ وطلبة العلم من آل سليم وأتباعهم، وكان يحضر مجالس الذكر، ويذب عن المشايخ.
وعندما حدث الخلاف بين الشيخ ابن جاسر ومن تبعه وبين آل سليم كان عليّ المقبل من المعروفين غير المتهاونين في الذب عن آل سليم وتلامذتهم.
стр. 10062
ومن الشواهد على ذكاء سليمان بن عليّ المقبل وقوة حجته أنه كان في أحد مواسم الحج في مكة المكرمة في درس لأحد المشايخ في المسجد الحرام أظنه صالحة الفلسطيني فوقف عليه أحد المصريين وكان البحث يدور حول حالة رسول الله ﷺ في قبره فقال المصري:
إن الرسول لم يمت، بل هو حيٌّ في قبره فبين له الشيخ أن حياته في قبره هي حياة برزخية ليست من جنس حياتنا.
ولكنه لم يقتنع فسكت عنه الشيخ وهنا انبرى سليمان المقبل، وقال وهو يرفع صوته الجهوري:
يا أيها المسلمون هذا الرجل يقول: إن الرسول لم يمت والله يقول (إنك ميت وإنهم ميتون) وأبو بكر يقول (من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت) ثم تلا قوله تعالى ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾.
فأيهما نصدق، ولكن الرجل أصر على قوله ولم يقتنع بهذه النصوص.
وهنا قال سليمان العلي المقبل للرجل: ماذا تقول فيمن دفن رسول الله صلي الله عليه وسلم أهم الصاحبة أم غيرهم أم نقول إنه لم يدفن؟
فأجاب: بل هو مدفون في قبره في المدينة وقد دفنه الصحابة ﵃ وهنا رفع سليمان صوته للناس وهو يشير إلى سقاء كان يحمل على ظهره قربة مليئة بماء زمزم وقال: ما تقول فيمن قام الآن إلى هذا السقاء ودفنه وهو حي؟
فقال: يكون قتله.
فقال سليمان المقبل: إذا أشهدوا أيها المسلمون أن هذا الرجل يتهم أصحاب رسول الله ﷺ بأنهم قتلوا الرسول ﷺ ، لأنهم - على حد قولهم - دفنوه في الأرض وهو حيّ، فبهت الرجل وانقطع.
стр. 10063
مات سليمان بن عليّ المقبل يوم الخميس ٩/ ١٠/ ١٤١٠ هـ عن مائة سنة إلَّا سنتين.
النائب عبد الله بن عليّ المقبل:
أقول: لقد عرفت النائب عبد الله بن عليّ المقبل بقربه من المشايخ ومن أمير بريدة وقيامه بمهمات كلف بها مثل توزيع الصدقات التي كان الملك عبد العزيز يرسلها إلى القرى والبوادي معاونة لهم على شئون الحياة إذا ألمت بهم ملمة من الجدب أو النقص في الثمار.
وقد أخبرني صديقنا الأستاذ سليمان بن عبد الله العيد أن عبد الله بن عليّ المقبل وأخاه سليمان اقتديا بأبيهما (عليّ المقبل) ﵀ في الرأفة بمن كان مدينا لهما فأسقطا عن والده عبد الله العيد ربح دين كان لهما عليه واكتفيا بالحصول على رأس المال.
قال الشيخ إبراهيم العبيد في تاريخه توفي فيها من الأعيان في مدينة جدة، الهمام عبد الله بن عليّ بن مقبل العلي، كان والده الرجل الصالح الورع ذا الديانة والمروءة.
أما عن المترجم فقد ولد ١٣١٠ هـ وكان شجاعًا شهمًا كريمًا ذا عبادة وصلاح وله معرفة ومقدرة فتوسد إليه الحكومة بعض المهام من عمارات المساجد والنظر في حل المشكلات وله همة في معالي الأمور ويترفع عن سفاسفها.
كما أنه رجل وجيه لدى الأمراء والعلماء وله خبرة بالزراعة والفلاحة ولديه في قرية قصيباء عيون جارية وغراس، وقد اختطفته المنية وهو في نشاطه وصحته بحزم وعزم وعمره يناهز الثانية والسبعين ﵀ وعفا عنه.
وكان ثالث أخويه الذين هم عبد العزيز وكان رئيسًا لهيئة الحسبة أيام الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم، وأيام الشيخ عمر بن محمد بن سليم معروفًا كان بنصرة الحق ودفع الباطل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بقوة ولا
стр. 10064
تأخذه في الله لومة لائم، وثالثهم رجل الدين والبصيرة ويدعى في الفهم والمعرفة بهذا اللقب أبي حنيفة لما لديه من المعرفة والرواية، وهو سليمان بن عليّ بن مقبل لا يزال في نشاطه بالخير والدعوة إلى الله حيًّا مستقيمًا، ونرجو له التوفيق، أما عن عبد العزيز فتقدم ذكر وفاته (١).
وقال الأستاذ ناصر العمري:
عبد الله بن عليّ المقبل من أهل بريدة يعمل في تجارة الطعام وتكلفه إمارة القصيم بتوزيع الصدقة في هجر وقرى القصيم كما تبعثه الإمارة مع غيره في مهمات في بلدان القصيم، وقد كلفته إمارة القصيم بالإشراف علي بناء قصر إمارة قبة في منطقة القصيم، وقام بالإشراف بعد ذلك علي بناء جزء من قصر الإمارة في بريدة عام ١٣٦٤ هـ وهو رجل قوي الجسم قوي الحجة كريم النفس.
كان يقيم في قرية من القرى مدة طويلة، وسكان القرية يعملون في الزراعة، وكان في وقت الصيف ولاحظ أن السلام بين سكان القرية مصافحة وتقبيل وقد ضايقه التقبيل من هؤلاء الكادحين الذين يتصبب العرق من أجسامهم نتيجة التعب في العمل وأراد الخلاص من القبل والتقبيل، ولكن كيف الخلاص من عادة متأصلة في نفوس هؤلاء؟
ولما انتهت الصلاة في المسجد قال للمصلين لا يخرج منكم أحد فانتظروا في المسجد لأنهم يحترمونه وظنوا أنه في حاجة إليهم، فقال في نصيحة لهم: اسمعوا إذا مر أحدكم على مزرعة وفيها شجر بطيخ فياخذ من البطيخ الذي قد صلح للأكل على قدر حاجته بدون زيادة، وإذا مر أحدكم على مزرعة وفيها خضرة صالحة للأكل فليأخذ من الخضرة على قدر حاجته بدون زيادة وإذا مر أحدكم على نخل وفيه ثمرة ناضجة فليأخذ من التمر ما يأكله هو
стр. 10065
بدون زيادة لا يأخذ معه شيئًا، واسمعوا ما أقول لكم التقبيل ممنوع لا يقبل الرجل الرجل بل إذا سلم عليه يكتفي بالمصافحة باليد.
وقد أعجبت نصيحته سكان القرية الذين حضروا لأداء صلاة العصر جماعة في المسجد فانصرفوا شاكرين له نصيحته، وبعد ذلك تركوا الحب والقبل واكتفوا بالمصافحة فاستراحوا وأراحوا أخانا أبا عليّ من الرائحة التي عافتها نفسه.
وقد اشتغل عبد الله العلي في آخر حياته بغرس النخل لنفسه، وترك التجارة (١). انتهى.
وكان آل سليم قضاة بريدة ومشايخها يؤثرون عليّ المقبل وأولاده ويثقون بهم، فيكلون إليهم بعض الأعمال ويولونهم في بعض الأحيان على تركات القصار.
ومن ذلك أن الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم عندما توفي جدي لأمي موسى بن عبد الله بن عضيب في عام ١٣٣٨ هـ وكان ثريًا بل كثير الثراء جعل عبد العزيز بن عليّ المقبل وصيا على أولاد الصغار، وعلى تصفية تركته فحصل من ذلك على شيء كثير من الذهب الخالص وغيره كما سبق في ترجمة (العضيب).
كما ولي الحسبة التي يسمونها (النوابة) والذي يقوم بها يسمى (نائبًا) إلى جانب إمامته في (مسجد ابن مقبل) لأن أولاده استمروا بعده في المسجد فصالح أكبرهم كان هو الإمام وعبد الكريم هو المؤذن فيه.
ومنهم الأستاذ سليمان الصالح المقبل تخرج من كلية الشريعة في الرياض، واشتغل بالتدريس في المعهد العلمي في بريدة ولا يزال - ١٣٩٧ هـ.
ومنهم الدكتور عبد العزيز بن سليمان بن عبد الكريم بن عبد العزيز بن رأس الأسرة (عليّ المقبل).
стр. 10066
معجم أسر بريدة - الجزء الواحد والعشرون - باب الميم (المقبل) ويعمل الآن برتبة أستاذ مساعد في قسم التاريخ بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة.
عيناه في عام ١٤٢١ هـ مديرًا للمركز الإسلامي في مدينة كوناكري - عاصمة غينيا - وهو المركز الذي تشرف عليه رابطة العالم الإسلامي التي أعمل فيها الآن وهي المسئولة عن إدارته، فقام بالعمل قياما جيدًا، غير أن بعض الجهات في تلك البلاد أرادت الاستفادة - ماليًا - من المركز فحصل نزاع مع إدارة المركز التي كانت على حق وأيدناها في ذلك فلاقى الدكتور عبد العزيز المقبل عناء في ذلك، ولكن ذلك لم يثنه عن القيام بواجبه حتى رأت رابطة العالم الإسلامي قفل المركز ورأت الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة إنهاء إعارة خدمة الدكتور المقبل للرابطة في عام ١٤٢٣ هـ.
كتب الدكتور عبد العزيز بن سليمان المقبل بحثًا بعنوان (الأوقاف العامة في مدينة بريدة: دراسة وثائقية).
وهو بحث جيد جديد في بابه ذكر فيه طائفة من وثائق الأوقاف فيها فأفاد بذلك فوائد عديدة من أهمها الفوائد الفقهية والفائدة التاريخية.
أهداني منه نسخة مكتوبة على الآلة الكاتبة في عام ١٤٢١ هـ تقع في ٥٨ صفحة من القطع الكبير، وذلك غير صور الوثائق التي ربطها بالبحث وتعتبر جزءًا مهما منه.
ومنهم صالح بن عبد العزيز بن عليّ المقبل: تولى الإمامة في مسجد ابن خضير بعد وفاة والده، وكان ينوب عن والده حال غيابه وعند عجزه، وبقي في الإمامة نيابة وأصالة مدة تزيد على أربعين سنة، وتكون فترة إمامته أصالة في الفترة (١٣٦٩ هـ - ١٣٩٨ هـ) إذ ترك الإمامة قبل وفاته ﵀.
стр. 10067
المِقْحم:
من أهل خضيرا.
وقال لي أحد المهتمين بهذا الأمر إنهم من عتيبة وقد صاهروا أسرة (الباحوث).
كان لهم ملك أي حائط نخل في خضيرا انتقل للتويجري.
منهم مقحم بن جار الله المقحم انتقل إلى الرياض وصار يبيع ويشتري بالخشب، وكذلك كان أخوه صالح من تجار الخشب عندما كانت تجارة الخشب رائجة.
المقرن:
من أهل بريدة.
أسرة صغيرة جاءوا إلى بريدة - من خيبر.
أكبرهم في الوقت الحاضر صالح بن مقرن بن ظاهر بن صالح المقرن عمره الآن - ١٤١٥ هـ ٨٤ سنة.
منهم الأستاذ عبد الكريم بن صالح المقرن مذيع في الإذاعة السعودية ومقدم البرنامج المشهور في الإذاعة (نور على الدرب) - ١٤١٦ هـ -.
هكذا قال لي أحدهم.
وأخبرني عدد من كبار السن من أهل الخضر أن (المقرن) هؤلاء هم من أهل الخضر.
كانت لهم فلاحة في الخضر انتقلت فلاحتهم إلى الجدعان.
وهم من أهل الخضر القدماء.
стр. 10068
المقرن:
أسرة أخرى من أهل اللسيب.
منهم عبد الله بن عليّ المقرن انتقل إلى الرياض وصار مؤذنًا في جامع حلة القصمان منذ عام ١٣٩٢ هـ. ولا يزال - ١٤٢٢ هـ -.
جاء ذكر سليمان بن عبد الله المقرن في مداينة بينه وبين الشيخ العلامة محمد بن عمر بن سليم والدين أربعة أريل ثمن تمر، وهذا الدين - على ضآلته - داخل في دين سابق فيه رهن للشيخ الدائن.
والشاهد على هذه الوثيقة هو محمد بن سلامة الهمش وسيأتي ذكر الهمش في حرف الهاء، والكاتب عليّ بن عبد الرحمن بن سعيد.
والتاريخ آخر شعبان سنة ٩٨ (١٢) هـ.
стр. 10069
المقرن:
أسرة أخرى يرجع نسبهم إلى بني خالد وهم أبناء عم للخريف والطويان، والقصير أهل الأسياح.
جاء منهم أناس إلى بريدة وسكنوها في العهد الأخير.
المقصورة:
بفتح الميم فقاف ساكنة، بعدها صاد مضمومة فواو ساكنة فراء فتاء مربوطة.
على لفظ (المقصورة) وأحدة المقاصير.
أسرة من أهل المريدسية أبناء عم للغفيص والرقيعي، وكان يقال لهم جميعًا (الناصر) أي آل ناصر قبل أن تحدث لهم هذه الأسماء التي يعتبرونها ألقابًا لا يحبونها، ولكنها لزمتهم بحيث لا يستطيعون تغييرها الآن وهي الغفيص والمقصورة والرقيعي.
وهم من جبور بني خالد، ولكنهم ليسوا من أهل الجناح، وإنما هم من الذين جاءوا من بلدة تسمى (الحلوة) في جنوب نجد، مثلهم في ذلك مثل الدبيخي والسحيم والعمر.
وقد فلحوا في أول الأمر في القويع ثم انتقلوا منه إلى عدد من الخبوب أهمها المريدسية.
ويقولون: إنهم كانوا مع أبناء عمهم الأدنين يقال لهم المعامرة.
وأول من جاء منهم إلى القويع في قصة مشهورة عند أوائلهم ذكرتها في رسم الدبيخي من حرف الدال رجل جاء من الحلوة ولا يدرون في أي مكان هي، ولكنني أعرف الحلوة في الأفلاج ولا أدري أهي المقصودة أم غيرها، والأغلب أنها هي.
فهم إذا من (بني خالد) الذين لم يأتوا إلى بريدة من الجناح، بل لم يسكنوا في الجناح من قبل.
стр. 10070
المْقَيْذِل:
بإسكان الميم وفتح القاف ثم ياء ساكنة فذال مكسورة فلام في أخره، على لفظ تصغير المقال، ولا أعرف أصل التسمية، إلَّا أن تكون لذلك علاقة بالقذلة التي هي الجمة من الشعر فالمقذل وتصغيره المقيذل: مكان القذلة من شعر الإنسان وهو ما فوق رأسه ورقبته من شعره.
أسرة من أهل الصباخ يرجع نسبهم إلى قبيلة عنزة أقرب الأسر إليهم (المطرفي) أهل الحمر.
وتفرعت منهم أسرة اسمها (الزيد).
قدموا من الشمال.
وجدت ذكرا لعبد الله بن زيد المقيذل في وثيقة مدينة بينه وبين عليّ العبد العزيز بن سالم، والدين ثلاثة وخمسون ريالًا، وربع قرش، وربع القرش عملة نحاسية ضئيلة القيمة تعادل الأربع منها ثلث ريال فرانسه وهو (الجرش) عندهم أو القرش كما يكتبها بعضهم، مع أن القرش المعروف الآن غير معروف لهم إطلاقا في تلك العصور.
وهذا الدين مؤجل الوفاء يحل أجله بطلوع شهر ذي الحجة آخر سنة ١٢٩٧ هـ.
والرهن ملكه من إرث أبيه من أم جصيصه بالنقعة والنقعة: أماكن نخيل كانت مزدهرة في الصباخ جنوبي بريدة.
وكذلك رهن حصته من غرسهم في خب (الوجيعان) الخ، والشاهد هو الثري الشهير بعيبان، واسمه عبد الرحمن بن عبد الله الصوينع.
أما الكاتب فإنه الشيخ العالم صالح بن دخيل (الجار الله) والتاريخ ٢٤ شعبان سنة ١٢٩٧ هـ.
стр. 10071
ومن المقيذل المعاصرين: سليمان بن عبد الرحمن بن زيد بن عبد الله الزيد المقيذل.
ومنهم: عبد الله المقيذل، وعبد الرحمن المقيذل، من المعروفين الآن.
стр. 10072
المقيرشه:
على لفظ تصغير المقرشه، وهي بإسكان الميم وفتح القاف بعدها يساء ساكنة فراء مكسورة ثم شين فتاء مربوطة.
من أهل بريدة كان لهم ملك قديم في العكيرشة.
منهم عبد الله بن حمد المقيرشه، انتقل إلى الرياض ومات فيها في عام ١٣٩٣ هـ.
وهم من أهل بريدة القدماء.
منهم حمد بن عبد الله المقيرشه، كان أحد نواب بريدة توفي في حدود عام ١٣٣٥ هـ تقريبًا.
ومنهم الشيخ عبد الله بن حمد المقيرشه، طالب علم.
قتل فيما يظهر في عام ١٣٠٨ هـ.
ولا يزال ابنه سليمان وابنته منيرة أم آل يحيى موجودين الآن ١٤٠٥ هـ.
وله أخ سمي له أسماه أبوه بذلك لأنه ولد بعد وفاة الشيخ عبد الله.
وقد توفي عبد الله الثاني هذا في حدود عام ١٤٠٠ هـ.
ورد ذكر عبد الله بن محمد المقيرشة في وثيقة مؤرخة في عام ١٢٧٤ هـ بخط محمد الحمود، وتتضمن إقرار عبد الله المذكور بدين لسليمان الصالح (السالم) وهو ثلثمائة وثلاثة أصواع عوض ستة عشر ريالًا مؤجلات إلى طلوع رمضان سنة ١٢٧٤ هـ وأرهنه بذلك نصف غربه، وهو ربع الزرع والبقرة وداره المعروفة عن دار الضيعه شمال، وما تحت يده وأقر ولده رشيد بأنه ضامن لسليمان المذكور من سالم حلاله شهد على ذلك عليّ العثيمين وسعد (العمار؟ ) وشهد به كاتبه محمد آل حمود، وتاريخه ٥ ربيع الآخر سنة ١٢٧٤ هـ. وصلى الله على محمد وآله.
стр. 10073
وتحتها كتابة ناقصة فيها ذكر عبد الله المقيرشه.
ومنهم إبراهيم بن صالح المقيرشه، صاحب محل في شارع الصناعة في بريدة الآن - ١٤٢٤ هـ -.
стр. 10074
المقيطيب:
بإسكان الميم في أوله فقاف مفتوحة فياء ساكنة فطاء مكسورة فياء أخرى ساكنة وآخره باء.
على لفظ تصغير المقطب أو المقطب، ولا أعرف أصل الاسم المكبر منه.
أسرة من أهل بريدة جاءوا إليها في الأصل من أشيقر واستقروا في المريدسية والغاف أول الأمر، ثم نزلوا إلى بريدة.
أول من جاء منهم إلى بريدة هو عبد العزيز بن محمد بن عبد العزيز بن مقيطيب، في آخر القرن الثالث عشر، وكان عمره آنذاك ٢٢ سنة، وقد رزق بابنين أحدهما توفي دون أن يكون له عقب، والثاني واسمه محمد خَلَّف تسعة أبناء وست بنات.
فكل الذين في بريدة من المقيطيب والذين جاءوا من (المقيطيب) من بريدة إلى الرياض أو غيرها هم من عقب محمد هذا.
وقد عرفت محمدًا هذا رجلًا طويلًا، أسمر اللون قليلًا نحيفا ومعه عدد كبير من الأولاد الذكور وكانوا جاءوا من المريدسية أو الغاف إلى بريدة وظلوا فترة في بريدة من دون أن تتحسن أحوالهم المالية.
وقد عمر محمد هذا حتى توفي في ذي الحجة عام ١٣٦٣ هـ -.
حدثني ابنه منصور بن محمد المقيطيب أنهم أحصوا الذكور من ذريته من أبناء وبنين وحفدة في عام ١٤٠٠ هـ. فبلغوا ٨٤ رجلًا.
منهم (سليمان بن محمد المقيطيب) عينه قاضي بريدة مع النواب، وبقي في هذه الوظيفة زمنًا طويلًا.
стр. 10075
وابنه صالح بن سليمان المقيطيب شاعر له قصائد عديدة، بل كثيرة.
ولد عام ١٣٤٨ هـ في مدينة بريدة.
ذكر ترجمة حياته بقوله:
درست في المدرسة الابتدائية عام ١٣٥٦ هـ. ولما نجحت من الصف الثالث تركت الدراسة ودرست في الكتاتيب مدة قليلة واشتغلت مع الوالد في الأعمال الحرة، ولم يكن الناس يهتمون بالدراسة بل التوجه للأعمال الحرة الموجودة في ذلك الوقت، ولما فتحت المدرسة الليلية ببريدة عام ١٣٧٤ هـ التحقت بها ونجحت من الصف الرابع، وكان المعتمد في بريدة صالح العمري وكان مواطنًا صادقًا حاول جاهدًا العمل على توسيع المدارس في المدينة والقرية فبحث عن مدرسين فلم يجد العدد الكافي من حملة الشهادة الابتدائية، إذ لم يكن ثم من يحمل الشهادة المتوسطة أحد.
وتقدمت لطلب التدريس فوقع عليّ الاختيار وعينت مدرسًا بمدرسة البصر عام ١٣٧١ هـ ومن ذلك الوقت واصلت الدراسة منتسبًا حتى تخرجت من الجامعة قسم اللغة العربية عام ١٣٨٦ - ١٣٨٧ هـ وأنا على رأس العمل.
واصلت دراستي على المشايخ فجلست على الشيخ عليّ السالم والشيخ صالح الخريصي والشيخ صالح السكيتي ودرست على شيخي عبد الله بن حميد ثمان سنوات متواصلة.
عملت مدرسًا ثم مديرًا ثم موجهًا للغة العربية من عام ١٣٩٠ هـ حتى نهاية ١٤٠٨ هـ.
ولي جلسات التدريس النحو في المسجد منذ كنت على رأس العمل إليَّ تاريخ كتابة هذه الأسطر ودرَّست الأجرومية وقطر الندى وألفية ابن مالك.
стр. 10076
وعملت إمامًا منذ عام ١٣٨٤ هـ إلى الآن وأسال الله أن يديم الرغبة في العمل الصالح.
أما الشعر: أنا لم أحاول أن أقول شعرًا إلَّا بعد تركي للعمل ولم أكن شاعرا وما قلته محاولة والله الموفق.
وبمناسبة تكريم رواد التعليم الذين أنهوا خدماتهم وتركوا خلفهم ذكرًا حسنًا وبما أني من رجال التعليم ومن تلامذة أولئك الرجال وقد خدمت في التعليم طويلًا وتمت إحالتي التقاعد بعد إكمال المدة النظامية وبهذه المناسبة الكريمة أحببت المشاركة بهذه الأبيات المتواضعة أبديت فيها شعوري نحو التعليم الذي أمضيت فيه زهرة العمر وإليكم الأبيات:
أيا ليلة التكريم حيي لقاءنا ... فهذا لقاء للجميع محبب
وحيي أميرًا للقصيم مبجلًا ... سلالة أبطال على الخير دربوا
سلالة صقر لم شملا ممزقًا ... وحقق أمنا بالشريعة يعجب
ألا إنه عبد العزيز فرحمة ... من الله تزجى للمليك وتوهب
وحيي رجالًا قدموا خير خدمة ... بها يرفع الإنسان رأسًا وينسب
ألا يا رجال العلم أهلًا ومرحبًا ... فأنتم ضياء الأرض شمس وكوكب
وأنتم رعاة للشباب هداتها ... وأنتم دواء للجهالة يذهب
ألا فانشروا التعليم تلقوا كرامة ... وأجرًا على مر الزمان سيحسب
فأنتم بفضل العلم كنتم أعزة ... فلن يرفع الإنسان جاهُ ومنسب
وفي خدمة التعليم فخر لأهله ... لهم فضل نشر العلم والأجر مكسب
مضى العمر في التعليم إلَّا أقله ... وهذا لعمر الله فضل ومطلب
أحن إلى التعليم بعد فراقه ... أحن لماضينا دوامًا وأندب
تذكرت وقتًا كنت في الفصل واقفًا ... إلى الخير للطلاب أسعى وأدأب
فلم أبك بنيانًا ولم أبك منصبًا ... ولكنما أبكي رجالًا تغيبوا
стр. 10077
ألا إن للتعليم في القلب نكهة ... وكل لما يهوى يميل ويطرب
إذا ما سمعت الدارسين رأيتني ... لأنغامهم ينجر قلبي ويُجذبُ
متى مر للتعليم ركب سألتهم ... ألا هل لمشتاق إلى الفصل مركب
أجابوا ألا فاركب فإن قلوبنا ... إلى خادم التعليم ترنو وترغب
ألا يا رجال العلم أهلًا ومرحبًا ... فأنتم ضياء الأرض شمس وكوكب
بنيتم عقول النشء بالعلم والتقى ... فأضحت بها الأمثال بالعلم تضرب
فمنهم طبيب ماهر في مجاله ... ومنهم خطيب مصقع حين يخطب
لهم في مجال الشعر باع طويلة ... وأشعارهم نظم من الدر يثقب
وفي الجو طيار يصول بهمة ... عن الدين ذواد وللخصم يعطب
فسل عنهم حرب الخليج وفعلهم ... أذاقوا جنود البغي ذلًا وأرعبوا
بتخطيط شجعان وفهد يقودهم ... أبو فيصل فهد الفهود وأطيب
له حنكة الآباء قبلًا وخبرة ... تحطم تخطيط البغاة مجرب
وقلم أظفار الذئاب فأذعنت ... وصارت مع الأغنام ترعى وتسرب
كذا الأسد لا تغشى الذئاب عرينها ... وفهد كبير الأسد من ذا سيقرب
ستبقى بلاد الفهد مأوي ومأمنًا ... فلا العرض مهنوكًا ولا المال يسلب
بفضل من المولى علينا ومنَّة ... فتحكيم شرع الله للأمن يجلب
له قلب خير للمسالم لينٌ ... وقلب حديد للعدو وأصلب
فبالنفس والأولاد أفدي مليكنا ... ينام الوري والفهد للأمن يرقب
أيا موطني فافخر بفهد وحكمه ... سيبقى له التاريخ يثنى ويكتب
فدم سالمًا يا فهد تسمو بهمة ... تذود الردى والخير للشعب تطلب
ألا يا ولي العهد أنت لفهدنا ... أمين ورود للمهمات تندب
عزيز على كل القلوب محبب ... نشأت على خير وللخير تنسب
فأنتم فروع يعرف الناس أصلهم ... ففيكم صفات الحر والحر يجذب
وأفعالكم لا تعدم الدهر عزكم ... تدل على حسن النوايا وتعجب
كذا النائب الثاني وفي بعهده ... جواد ومن رام المباراة يتعب
стр. 10078
قريب إلى قلب الفقير ببذله ... وإخفاء إفضال الأمير سيصعب
وسلطان ذو رأي سديد ... ممحص ... إذا قال رأيًا للصواب يواكب
وعودًا إلى التعليم أذكر فضله ... به يرتقي الإنسان دومًا يحبب
إذا العمر في التعليم ولي فإنه ... سيبقيه فضل العلم حبًّا يقرب
وما خدمة الأجيال إلَّا فريضة ... بها يوزن الإنسان والخير
توجب فكن حامدا لله دومًا وشاكرًا ... على خدمة طالت بها الأجر يحسب
فكن مخلصًا إذ ما توليت منصبًا ... وحاذر فإن الناس تثني وتشجب
وأحسن صنيعًا تجز بالخير مثله ... فعما قريب للمحالين تصحب
فكم لابس بعد الإحالة عزة ... وكم لابس ثوب الندامة يسحب
قد كنت بالأمس القريب معلمًا ... وكرمت والأمثال بالند تضرب
هذه أبيات متواضعة قلتها محاكيًا بها صديقًا حميمًا هو صالح بن محمد اللهيب قدم شكره وثناءه لأحد مدرسيه أبياتا تطيب قراءتها لحسن ألفاظها وجودة عرضها غير أني ألمس فيها مبالغة في الثناء وهذه صفات الطالب الوفي يرى في أستاذه ما لا يراه غيره فجزاه الله خيرًا:
تلقيت من شهم كريم رسالة ... بها من عبير الزهر كمّ ومقدار
منابن اللهيب الفاضل الفذ صالح ... له عند أهل الخير ذكر وأخبار
قرأنا له نظمًا كان أريجه أريج ... الخزامى قد أثارته أمطار
نسيم الصبا يزجي من الشيخ عطره ... وتحذيك من أفواهها الطيب أزهار
وأتحفتنا شعرًا كثيرًا ثناؤه ... ففي النفس من تلك الثناءات آثار
فكشرا لكم طبتم حديثًا فمرحبًا ... نحييكم نثرًا وحيتك أشعار
رضعتم لبان الخير عشتم أعزة ... لكم وزنكم قد قاله الصحب والجار
وهل يدرك المعروف إلَّا أصوله ... لأهل الوفا عند المحبين أذكار
تنورت فيك العزم وكنت ناشئًا ... فلم يثتكم عن مطلب العز مشوار
стр. 10079
سموتم باخلاق تليق بمثلكم ... علوتم به والله للعبد يختار
وقدمتمو برًا قطفتم ثماره ... فأبناؤكم بروا كذا الرزق مدرار
فعش سالمًا وأشكر لمسديك فضله ... ألا إنما الشكران للخير جرار
وقال أيضًا:
هذه أبيات قلتها بمناسبة رحلة قمنا بها في عطلة الربيع في شهر شوال من عام ١٤١٧ هـ ومررنا بالدهناء وما جاورها من الأماكن الجميلة:
أيا ليلة طابت وطاب نسيمها ... بأرض من الدهناء والليل مقمر
نسينا بها الأولاد من أنس أرضها ... وأشجارها الغناء والغصن مثمر
كساها آله الخلق نبتا وأصبحت ... لها بعد بل الطل مرأى ومنظر
وقد زقزق الأطيار في الروض فرحة ... وقد لاعب الأزهار والزهر منور
وطابت نفوس الصحب إذ كان جوها ... لطيفًا به سحب تمر فتمطر
فيزداد مرأى الروض في النفس بهجة ... تزيل عن القلب الهموم فيسفر
تحيط بنا خيرات أرض تبسمت ... أزاهير نبت بالسرور تبشر
وطير سمان شنف الأذن صوته ... به متعة للصيد تغري وتجبر
نسيم الصبا قد حرك النور فازدها ... إذا ما به مر النسيم يُعطر
وجمر تلظى بعد نار تصرمت ... به نصطلي والشكر لله نكثر
على جنبه من طيب البن دلة ... وقد صاغها شهم وللصحب يحضر
ومرت بنا أيام أنس وأديرت ... ولا زال كل القوم للأنس يذكر
والنقل صالون من الجيب جيدٌ ... إذا اشتد مشوار على الجور يصبر
تساوي لديه السهل والوعر إن جرى ... على متنه حر على السير يجبر
يبدد أدعاص الرمال بعزمه ... ومن قوة في السير للرمل ينثر
ويطوي مديد الأرض مهما تباعدت ... يمر على الأشجار كالريح يصفر
إذا ما أراد الصيد يغدو مبكرًا ... لوديان أرض بالبعينة تغمر
стр. 10080
له بين أشجار الطلاح تداخل ... يشق دقيق الرمل عزمًا ويمخر
فيغشى بها القمري قبل تيقظ ... فيستيقظ القمري بالرمي يزجر
إذا رأي فرخا يطير رأيته ... له تحت ظل الطير سير يساير
فيرمي بوزن يمطر الجو إثره ... طيورًا لها في الأرض مرأى ومنظر
فعاشت يمين يشبع الصحب صيدها ... وعاشت عيون للقمري تسبر
ونظم هذه القصيدة لمناسبة زفاف ابن عمه عبد العزيز بن إبراهيم المقيطب على كريمة ابن عمه الآخر محمد بن منصور المقيطب ترحيبا بالضيوف القادمين من الأحساء وهم أبناء عمه إبراهيم ﵀ وذلك في ٢١/ ٣/ ١٤٢١ هـ:
أيا ليلة الأفراح بالضيف رحبي ... فقد جاءت الأحساء والضيف والجار
وقولي لهم أهلا قدمتم فمرحبًا ... لكم منزل ماحله قبلُ زَوَّار
ومدي لهم باقات زهر تفتحت ... بها من عبير الحب كمٍّ ومقدار
أيا حفلنا حيوا العريس وأهله ... فأهلا بهم أهلا تحييهم الدار
ألا فارفعوا الترحاب أهلًا ضيوفنا ... ألا إنكم للحفل نَوْرَّ وأنوار
وأهلًا بكم آل المقيطب أهلنا ... بكم فخرنا والفخرَ بالأهل نختار
وأهلا بكم أبناء شيخ نعزه ... هو الجد إبراهيم والفرع أخيار
لقد تم جمع الشمل بعد شتاته ... فما أجمل الأقراب جمعًا وقد صاروا
إذا مر للأحساء ذكر أعاد لي ... زمان الصبا يا ليت ذاكم سيندار
وعشنا مع الأهلين والسعدُ فوقنا ... ولكنما اللذات كالطيف مرار
وأني لي النسيان أحياء عشتها ... صغيرًا لها في النفس ذكر وأخبار
وما عشقنا أرضًا ولكن أهلها ... كرام ذوو فضل وللحب أسرار
ومرت بنا وسط النعاثل فترة ... وفي الكوت ثم القرب والوقت دوار
عيون على واحاتها النخل باسق ... ومن كل أنواع الفواكه أشجار
وعين بها تدعي بعين أم سبعة ... وعين الخدود الأم نبع وأنهار
стр. 10081
بحيرية فيها مياه غزيرةٌ ... كذا عين نجم ماؤها العذب فوار
بلاد بها الخيرات إذ كان غيرها ... بضيق وفي الأرزاق شح وإعسار
وفاقت بذاك الوقت ما كان حولها ... بخيرات خلق الله في الأرض إيسار
من الله للزوجين نرجو مودة ... بها يسعدان العمر والخير مدرار
قال الأستاذ صالح بن سليمان المقيطيب:
بمناسبة مرور مائة عام على فتح الرياض على يد الملك عبد العزيز طيب الله ثراه واستعادة ملك آبائه وأجداده وما حصل بعد ذلك من أمن ورخاء قلت هذه الأبيات الآتية مساهمة مني لذكرى مرور مائة عام وبما أن أهالي بريدة قد أعجبوا بالملك عبد العزيز دينًا وعقلا وحنكة وما زالوا يعطرون مجالسهم بأخباره المثيرة للعجب في عبقريته وبعد نظره وفراسته التي لا تكاد تخطي وقد وقفوا معه في كثير من مواقفه البطولية وكثيرًا ما يذكرهم في مجالسه ذكرت شيئًا عنهم ضمن هذه الأبيات إجمالًا:
بريدة يا أم القصيم وموطني ... لقد طبت ذكرًا بالرجال الأفاضل
كما ظبت أرضا كنت للخير مصدرًا ... وأهلوك قد نالوا رفيع المنازل
وأنجبت أفذاذًا من الناس كثرة ... بهم كنت نجمًا ساطعًا غير آفل
متى يسكن الأخيار أرضا فإنها ... ستعلو بهم رغم الحسود وخاذل
وهل تسكن الحكام إلَّا بأرضهم ... هواها نقي بين قوم أصائل
يُكُنُّون للحكام أعلى مودة ... ومنهاجهم نهج الجدود الأوائل
ورثنا ولاء للسعود مُؤصلًا ... سنبقيه حيًّا ثابتًا غير زائل
ونوصي به الأبناء في كل لحظة ... ليجنوا به كل الرضا والوصائل
وملك له تسعون عامًا وعشرة ... ومرت بخير ماله من مماثل
حري بأن يعطي الولاء محبة ... وأن يمنح الإخلاص من كل عاقل
فكم ناصروا عبد العزيز بفعلهم ... فأثنى عليهم في جميع المحافل
به أعجبوا دينًا وعقلًا وحنكة ... فجادوا له يوم الوغى والغوائل
سلوا عنهم التاريخ تلقوا فعالهم ... تدل على أصل تليد وحافل
стр. 10082
سما ذكرهم في الدين والصدق والوفا ... وأفعالهم تغنيك عن كل قائل
وقد طوفوا الدنيا طلابًا لرزقهم ... وقد أتعبوا بالسير نجب الرواحل
إذا فارفعوا ذكر العقيلات عاليًا ... فقد بينوا للناس حسن التعامل
على دينهم مهما تناءت ديارهم ... تواصوا بضبط النفس عن كل خامل
فأضحت لهم سيما الرجال علامة ... بأخبارهم تعتز بين القبائل
ففيهم على الأسفار عزم وقوة ... فلم يثنهم بعد ولا خوف صائل
وممشاهمُ خلف الركاب تنقلًا ... على بلقع ما بين حاف وناعل
هداة إذا ما الليل أرخى ظلامه ... لهم من نجوم الليل خير الدلائل
وقد عطر التاريخ حسنُ فعالهم ... فهم عدة الأوطان عن كل عائل
إذا قيل أولاد عليٍّ تجمعوا ... على الحق دومًا لا لجور وباطل
إذا ما دعوا يومًا إلى البذل أسرعوا ... ولسنا نرى فيهم غنيًّا بباخل
لذا كلفوا التاريخ يحكي فِعالهم ... فأكرم بشخص في الحياة مناضل
ولما حبا الله البلاد برزقها ... وألقوا عصا الأسفار بين العوائل
وقرت عيون بعد طول عنائها ... لأسفارهم زوجاتهم كالأرامل
وقال هذه أبيات قلتها عزاء للأسرة المالكة أعزها الله ولشعبها الوفي ولأسرة آل باز وللأمة الإسلامية بوفاة الوالد الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز وتأبينا الفقيد قدس الله روحه وجعله في الرفيق الأعلى:
عزائي إلى آل السعود وشعبهم ... بشيخ له في القلب قدر وإعظام
عزاءٌ لكم يا آل باز بشيخنا ... فأحزاننا جُلَّي وفي القلب آلام
حمدنا إله الخلق فيما أصابنا ... إلهًا له في الخلق عدل وأحكام
فكم يرزا الإسلام في موت عالم ... ولله في المخلوق نقض وإبرام
فقدناك يا حبر العلوم وبحرها ... لقد نِلت علمًا قصرت عنه أفهام
بكيناك يا عبد العزيز بأدمع ... ويبكيك طلاب وتبكيك حكام
ويبكيك محراب ويبكيك منصب ... وتبكيك أوطان وتبكيك أقوام
стр. 10083
فقدنا أبا برًا كريمًا عطاؤه ... له فضله بالبذل تبكيه أيتام
رحلتم عن الدنيا وما زال ذكركم ... سيبقى وإن مرت عصور وأعوام
وفارقت دنيانا وبالله جبرنا ... فكم فارق الدنيا من الناس أعلام
تحملت أمراضًا قليلًا شفاؤها ... وحانت وفاة الشيخ والشيخ بسَّام
ولما بدا للناس جُثمانُ شيخهم ... رأي الكل أن الحمل للشيخ إلزام
وساروا به وسط الزحام تدافُعا ... وطال انتظار الوضع والناس قد قاموا
وصلوا على بدر التمام وودعوا ... فقيدًا له في الخير دور وإسهام
أيا شيخنا واروك في القبر وانثنوا ... وفي القلب أهات على الشيخ ما داموا
فنم يا فقيد الصدق والزهد آمنًا ... ففي الصدق منجاة وللروع كمَّام
أيا قبرُ رحِّب بالنزيل لفضله ... عن القيل صوام وللخير قوام
لنا في رحيل الشيخ خير نصيحة ... نعت شيخنا للموت عرب وأعجام
سلام على روح الفقيد ورحمة ... من الله للمفقود في القبر إكرام
لقد كنت ذا علم وحلم ورأفة ... كما كنت قواما إذا الناس قد ناموا
وأمضيت كل العمر للدين خادمًا ... ولا زلت حتى ما انتهت منك أيام
فلم تعشق الدنيا ولكن عشقكم ... جهاد به يعتز دين وإسلام
ولم يثنكم عن خدمة الدين منصب ... لكم في سبيل الله جهد وإتمام
غيور إذا ما الدين نيسل جنابُه ... فما خافكم عن دعوة الحق لوَّام
لكم دعوة للحق في كل محفل ... لديكم لما تدعون علم وإلمام
وطهرت سمعًا عن كلام بغائب ... فلم تستمع ما قال واشٍ ونمام
وأعرضت عن دنيا الغرور ترفعًا ... ترى أنما الدنيا غرور وأحلام
فذاك الوري بالنفس لما تبلغوا ... رحيلًا له في النفس تقل وأوهام
فكم شبهة في الدين بينت حكمها ... لكم في بيان الحق عزم وإقدام
تصدرت الفتيا وأنت خبيرها ... ومن كثرة للرد قد كلَّ أقلام
بدا النقص في الأخيار والله حسبنا ... وربي بما يخفى على الناس علام
ثمانون عمر الشيخ تُتلى بتسعة ... مضت بين كتب العلم والشيخ فهَّام
فأضحى بفضل الله علامة الوري ... له في علوم الشرع باع وإلمام
стр. 10084
فكن يا كتاب الله في القبر مؤنسًا ... فشيخي لما يتلو من الآي مفهام
وكن يا قيام الليل للشيخ واقيًا ... بيوم به تحفي من الناس أقدام
صلاتي وتسليمي على خير مرسل ... كتعداد من حجوا وتعداد من صاموا
هذه أبيات قلتها بمناسبة الرحلة المقامة يوم الأربعاء ٢٦/ ٧/ ١٤١٨ هـ والتي قام بتكلفتها الأستاذ عليّ المشوح المدرس بمدرسة العباس ببريدة وذلك بمناسبة قدوم المولود الأول (منصور بن عليّ المشوح):
أيا رب قد أعطيتنا خير مطلب ... ألا إنه غيث عميم وشامل
فكم منة تسدى على الخلق جهرة ... وتعطي جزيلا فوق ما العبد سائل
وقد خاب من يدعو سواك لنيله ... فهذا لعمر الله جهل وباطل
ونعماؤك الجلسي علينا وفيرة ... وسترك ضاف والشكور قلائل
ألا إنما المحروم من ظل هائمًا ... ولم يشكر النعماء والقلب غافل
فيا رب سخرت السماء فأمطرت ... وتقصيرنا يزداد والخير نازل
فيا رب غيثا للقلوب فإنها ... لكالأرض تحييها المزون الهواطل
ألا فاشكروا من كان للخير مانحًا ... لتبقى لكم نعماؤه والوصائل
تخفف من الأوزار بالبذل والندى ... ولا ترحلن بالذم فالعمر زائل
ولما توالى الغيث تاقت نفوسنا ... إلى البر لما جاد بالمال باذل
فشكرًا لمن لبى وقوم رحلة ... وسدد خطا من المهمات حامل
وأكثر إله الخلق من مثل صحبنا ... فما حال من دون الإجابة حائل
ورغب بنا من يطلب الخير عمره ... فكل إلى حسن الثناء يحاول
ولابد للرحلات شخص يديرها ... له خبرة في البر شهم وعاقل
وقد حددوا بعد الدوام مسيرهم ... وأكل الغدا في الشبك ثم نواصل
ولما انتهت أعمال كل توجهوا ... أقلتهمُ بعد الدوام القوافل
وبعد الندا ساروا وتم وصولهم ... قبيل غروب الشمس والظل طائل
إذا ما همُ حطوا الرحال توزعوا ... وكل إلى جزء من العفش شائل
стр. 10085
وعما قليل قد أقاموا خيامهم ... وبعض من الإخوان للنار شاعل
ودارت أحاديث الطريق وإنها ... أحاديث سفر لا يكذب قائل
وظلوا بأطراف الأحاديث بينهم ... أحاديثهم صدق ومنها هوازل
ومالت رؤوس القوم للنوم بعدما ... أطالوا لذيذ القول والليل سادل
ويسعى لتقديم العشاء موفق ... ألا إن أكفاء الرجال قلائل
وبساتوا بخير شاكرين لربهم ... على نعمة أسدى له الحمد كامل
ولما بدا فجر النهار تيقظوا ... وأدوا صلاة الفجر والصبح ماثل
يلبون من يدعو إلى الخير أقبلوا ... ألا إن شخصًا لا يلبي لعاطل
وأدوا صلاة الصبح ثم تيمموا ... مكانًا به ما طاب للنفس حاصل
وشخص من الإخوان قدم خدمة ... أباريقه ملاى وللكاس غاسل
وبيض من البغداد بالبن هُيئت ... إذا ذاقه النعسان فالنوم آفل
ضحوك إذا الصحب جاوا بنكتة ... وإن يمزحوا يمزح بمزح يماثل
وسل عن فريق الاحتطاب فإنهم ... ليوث على جزل الجذوع صوائل
ولما رأت تلك الجذوع فؤوسهم ... تواصت بضبط النفس فالفرد راحل
وقد أظهرت تلك الجذوع صلابة ... وقد أرغمتها للخضوع المعاول
بأيدي رجال يسبق القول فعلهم ... وفأس إذا ما مر بالجذع قاتل
ودارت رحى حرب ضروس نتاجها ... جذوع على ساح القتال جنادل
وعادوا وألقوا بالغنائم كلها ... لتقسيمها فيهم إذا القسم عادل
وقالت رجال تعرف القسم جيدًا ... ألا إن وضع الكل في النار فاصل
سلامي لمن للصحب قدَّم خدمة ... حميد أنكم شهم شجاع وباسل
ترى الكبش مجترًا بلوك طعامه ... وبعد هنيهات إذا السدم سائل
وقد كان مرتاحًا ويأكل هادئًا ... ولما يذق طعما لما هو أكل فهل
ألا فارفعوا صوتًا وحيوا صنيعه ... يفعل المعروف إلَّا أفاضل
ألا إن عبد الله في القلب ساكن ... وعندي له قدر وللمدح قابل
وسعد خطًّا من كان للطبخ متقنًا ... له طبخة ما زاولتها الأوائل
متى ما بدا ريح الطعام لنضجه ... إذا الرأس من كل إلى القدر مائل