← Ансаб

Ансаб · id 147374

معجم أسر بريدة

محمد بن ناصر العبودي

Полный текст (11 097 стр.). Показаны 9976–10015 · переход к 9981.

стр. 9976

يزال فيها طائفة من علماء الحنابلة النشطين، منهم شيخه حسن بن عمر الشطي، ويقال إنه لبث في طلب العلم في الشام عشر سنين، وقيل: بقي فيها سبع سنوات، وحصل كتبًا كثيرة مخطوطة، كلها بطبيعة الحال لأن طباعة الكتب لم تكن قد انتشرت آنذاك. وعندما رأى نفسه أنه قد حصل على العلم الذي يطمح إليه وحصل أيضًا على كتب كثيرة حمل كتبه على بعيرين وتوجه إلى البصر الذي كان يقيم فيه، وكان فيه والده علي المقبل فلاحًا ملاكًا أي ليس أجيرًا، ولا عاملًا في نخل غيره. وقبل وصوله جاء البشير إلى والده يبشره بأن ابنه سليمان قد توجه إليه، وأن معه حمل بعيرين لا يدرون ما هو الحمل، فظن أن ذلك شيء مادي مالي ينفعه من الناحية المالية. ووصل الابن الشيخ سليمان إلى البصر وكان في استقباله والده الذي كان على لهفة من معرفة هذين الحملين اللذين أحضرهما ابنه، لذا أسرع يجسهما ويلمس ما فيهما، ولكن ابنه الشيخ سليمان يعاجله بقوله بفرح ونشوة: يا ابه هذولي كتب يسرهن الله، جبتهن من الشام ولا هنب موجودات بنجد، فتغير مزاج الأب وقال لابنه: أنا ظنيت أنك تجيب لي ريالات وإلا أنت جايب لي قرطاس! ! فقال الابن معتذرًا: يا أبتي أنت تعرف أني رايح للشام أطلب العلم ما رحت أدور الريالات. ولما لم يقتنع الأب قال الابن: يا أبتي الله يعظم أجرك، كم عالم كان ما عنده إلا الكتب وبعدين يسر الله له وجته الدراهم بسبب العلم! عاد سليمان بن مقبل بعد أن مكث في الشام تلك المدة الطويلة إلى الاتصال بشيخه (قرناس) واطلعه على المهم من الكتب التي أحضرها وقرأ عليه أيضًا فوجده الشيخ قرناس قد صار شيخًا عديم النظير في المنطقة في وقته، وقد

стр. 9977

أجازه إجازة وصلت إلينا وسبقني الشيخ صالح بن سليمان العمري ﵀ إلى نشرها في كتابه (علماء آل سليم وتلامذتهم) فجزاه الله خيرًا. وهذا لا يمنع إثبات صورتها هنا فهي مهمة في أسلوبها وفي إخراجها وهي شهادة من عالم جليل ليس كالعلماء الذين لا يعرفون إلا علوم الدين، بل هي من عالم وصفه إبراهيم باشا بقوله: أنت خطيب ذيب، وذلك عندما سأله إبراهيم باشا عن عمله، فقال: أنا خطيب المسجد في هذه البلدة - يعني الرس. ونقل الناس عن إبراهيم باشا من أقواله الكثيرة قوله: ما شفت بنجد عاقل يتحرز للأمور إلا اثنين (الجربوع وقرناس). وذلك أن الجربوع وهو اليربوع في الفصحى ذلك الحيوان البري الصغير الطويل الرجلين القصير اليدين فهو يحفر جحره ويعمقه ويجعل له بابًا إضافيا مستورا بقليل من التراب حتى إذا فاجأه عدو بالدخول من الباب الرئيس من الجحر كالحية التي تتطلب أكله فر من الباب الآخر غير الواضح. ولم يبين الشيخ قرناس تاريخ كتابة الإجازة تلك ولكنه ذكر تاريخ قراءة ابن مقبل عليه في الفقه، وإنها من عدة مجالس آخرها في شهر جماد الأول سنة ١٢٥٧ هـ. وهذه صورتها:

стр. 9978

توليه القضاء: ثقل الشيخ قرناس بن عبد الرحمن لتقدمه في السن، وكثر العمل الذي يحتاج إلى قاض عند أهل بريدة فركب أعيانهم إليه أي إلى الشيخ قرناس في الرس ليأتي إليهم ويقضي بينهم فاعتذر منهم عن ذلك، وقال: لابد يكون لكم قاض مقيم عندكم، ولا أعرف أصلح للقضاء عندكم ولا أعلم ولا أعقل من

стр. 9979

سليمان بن علي المقبل، وكان يقيم آنذاك في البصر، فاذهبوا إليه واطلبوه أن يكون قاضيًا لكم، فذهبوا إليه فلم يمانع ولم يستجب حتى استشار شيخه قرناس الذي أخبره أن القضاء الآن متعين عليه لأنه لا يعلم وهو الذي يعرف طلبة العلم في القصيم من هو أولى بأن يكون قاضيًا هناك غيره. فصدع ابن مقبل بالأمر، وجاء إلى بريدة قاضيًا، وجلس للناس في بريدة، وكما هو معروف، بأن قرى وخبوب نواحي لا يصل إليها الماشي على قدميه، ليس عندهم قضاة فكانوا يحضرون إلى الشيخ ابن مقبل على ركايبهم فينيخونها عند بابه، وهذه علامة طلب الضيافة لأنه لا توجد في ذلك الوقت مطاعم ولا مخابز ولا فنادق. فكان الشيخ يضطر إلى استضافة المتخاصمين الذين يأتون من تلك القرى البعيدة عن بريدة، وبعد فترة رأى فيه أهل بريدة القاضي العادل والرجل العاقل النزيه فازدادوا محبة فيه، وتمسكًا باستمراره قاضيًا عليهم، ولكنه ليس كذلك فهو من ناحية عمل القضاء وعلاقته بالناس مرتاح ومطمئن إلا أنه من ناحية المالية ليس كذلك، فقد انفق ما عنده وما كان يصل إيه من تخلهم في البصر حتى لحقه الدين، لأنه ليست للقضاة رواتب في تلك العصور. فغادر بريدة من دون أن يخبر أحدًا بقصده، وذهب إلى شيخه قرناس في الرس وأخبره بالواقع، فقال له قرناس: اذهب إلى البصر وأتركهم حتى يأتوا إليك. وجاء أعيان جماعة أهل بريدة إلى الشيخ ابن مقبل في البصر يطلبون منه أن يعود إليهم، فذكر لهم أن نخيله وأهله في البصر تحتاج إلى عناية، وأنه قد يبقى في البصر، ولكنه لم يردهم ردًّا واضحًا مما جعلهم يركبون إلى الشيخ قرناس في الرس يطلبون منه أن يستعمل نفوذه لإعادة الشيخ ابن مقبل لهم.

стр. 9980

فقال الشيخ قرناس لهم: الرجل لحقه الدين عندكم، ولا يستطيع أن يتحمل أكثر من ذلك فإذا أردتم أن يعود إليكم فافعلوا فعلًا يكون له ولقضاة بريدة من بعده، وذلك أن توقفوا أوقافًا على إمام جامع بريدة والقاضي هو إمام الجامع، تكون فيها مساعدة للقاضي وليست للقاضي ابن مقبل وحده، بل لأي قاض آخر يأتي بعده. وقد رأي أهل بريدة ذلك رأيا صحيحًا فانتدب منهم ثلاثة رجال، ... وبدؤا بالصباخ جنوب بريدة، وكان مزدهرًا وكثير النخل والمزروعات الأخرى فكانوا يسألون ملاك النخل بعد أن يشرحوا لهم الأمر بأن (جامع بريدة) ليس عليه أوقاف أن يعينوا مبلغًا من التمر في أملاكهم من النخيل بمثابة الوقف على إمام الجامع. قالوا: فكان الناس يسارعون في ذلك. وبعد الصباخ ذهبوا للخبوب القريبة من بريدة، ولم يذهبوا إلى البعيدة ولا إلى القرى لأنهم وجدوا أن تجاوب ملاك النخيل القريبة من بريدة كان كافيًا فكان بعضهم يوقف نخيلًا بعينها، كان يقول الرجل الذي يملك حائطًا من النخل: إن النخلة الفلانية أو النخلات فيه ريعها وقف على إمام الجامع، وأحيانًا يقول بعضهم: إن في نخله مائة وزنة أو أكثر للمسجد الجامع حتى اجتمع من لك شيء كثير أرضاهم. قالوا: فلما فرغوا من النخيل وتمرها اتجهوا إلى المزارع التي تزرع الحبوب كالقمح والشعير والذرة وأكثرها في شرق بريدة وشمالها كالنقع والحافة والمتينيات والوطاة فوجدوا التجاوب العظيم الذي لم يكونوا يظنونه من أهلها. وكان من عادتهم في مزارع الحبوب أن تكون على قلبان - جمع قليب - تكون حولها حقول وأراض صالحة لزراعة الحبوب، وكان صاحبها إما أن يزرعها بنفسه، أو يعطيها لمن يزرعها بما يشبه الإجارة، كان يقول: إنه يؤجرها له بجزء مما تنتجه من الحب كالربع أو الثلث أو الخمس ويسمون ذلك

стр. 9981

ديوانًا أي ما يكون لصاحب القليب أو أن يؤجرها لمن يزرع عليها بأصواع معينة من القمح والشعير والذرة معينة. فكان الجماعة الذين خرجوا إلى أهل القلبان هذه يسالون أهلها عن المبلغ من العيش وهو الحب الذي يريدون أن يتبرعوا به الإمام المسجد الجامع مستمرا بمثابة الوقف في الغلة، وليس لمرة واحدة فيسجلونه. وكان والدي - أنا مؤلف الكتاب - قد ذكر لي أسماء بعض هؤلاء الذين ذهبوا إلى أهل النخيل والمزارع وأنسيت ذلك. قالوا: وعندما وصلوا إلى الوطاة إلى قليب تسمي فريجة، نسبة إلى صاحبها المسمى (فريج) وقد عرفوه بأنه كان عبدًا اسود وإن لم يعرفوا أنه كان مملوكًا، ولكن هكذا كانوا يسمون الأسود العبد، فقالوا له: يا فريج نبي منك شيء تجعله وقف للمسجد الجامع فينفعك في يوم القيامة. قالوا: فتأثر من ذلك، وقالوا: كلها لكم خذوها كلها وقفًا لله، فامتنعوا من ذلك وقالوا: ليس من عادتنا أن نأخذ إلا مقدرًا معينًا من الحبوب، وقد اتفق معهم بعد جدال على أن يوقف نصف ما يأتيه منها من حبوب على المسجد الجامع! . جاء الشيخ ابن مقبل بعد أن تم ذلك وصار يقبض تلك الغلات من التمر والحبوب والعيش منها، وقد حصل أيضًا ثروة لا أدري، أهي مما فاض من ذلك أو من البيع والشراء أين تلك الأوقاف ؟ تلك الأوقاف ليست أعيانًا قائمة بذاتها في الغالب، وإنما هي مقادير مقدرة من غلة بعض النخيل وأبار الزرع. ولا أدري أسجل ذلك في سجل محفوظ في وقته، ولا أظن ذلك لأن

стр. 9982

الناس كانوا يعتمدون وبخاصة في هذه الأعمال الخيرية على شهامتهم ومحبتهم للخير، وكان أصحاب الأملاك إذا باعوها أو ماتوا عنها نوهوا بأن فيها مقدار كذا وكذا من التمر أو من الحب لإمام جامع بريدة. وبعد ذلك بنحو قرن أو نحوه سجل الشيخ عمر بن محمد بن سليم قاضي بريدة ﵀ بعض تلك الأوقاف. نقل ذلك الدكتور عبد العزيز بن سليمان المقبل، وهو من أسرة المقبل الأخرى الذين كان يقال لهم العبيد وليس من أسرة الشيخ القاضي سليمان بن علي المقبل في بحث له لم يطيع بعد عن الأوقاف في مدينة بريدة. وهذا بعض تسجيل تلك الأوقاف:

стр. 9983

وقال الدكتور عبد العزيز بن سليمان المقبل: الأوقاف على مساجد مدينة بريدة: حظيت المساجد في مدينة بريدة بنصيب وافر من الأوقاف منذ القدم - لأسباب يأتي ذكرها - وأوقاف بناء المساجد وترميمها في مدينة بريدة وضواحيها قديمًا وحديثًا أكثر من أن تحصى، وعندي من الصكوك الخاصة بأراضي المساجد أو بنائها أو ترميمها أو بناء بيوت خاصة بها للإمام والمؤذن قرابة ثلاثمائة صك، وهذه فقط التي أثبتت في صكوك حديثة، أما القديمة وما لم يثبت من أوقاف حديثة على المساجد فلا تحصى، ويكفي أن نعلم أن الشيخ علي بن محمد المطلق لوحده كان من ضمن وصيته بناء وترميم مائة مسجد منها خمسة عشر جامعًا، ولم أدرج وقفيات بناء المساجد وما يتعلق بها من ترميم أو بيوت ونحوها، لكثرتها وتشابهها، وهذه بعض النماذج في الوقفيات على المساجد: أوقاف متفرقة على الجامع الكبير بمدينة بريدة: وقد جمع بعضها في وثيقة مهمة وهذا نصّها: "بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله تعالى وصلى الله على سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، أما بعد فهذا ما سَبَّلُوا ووقفوا أهل بريدة تقبل الله من محسنهم وتجاوز عن مسيئهم، وهو على إمام الجامع المعروف في بريدة خاصة: - الأمير عبد العزيز المحمد سبل مائة وزنة تمر مشاع في نصيبه من النهير قادمات فيه. - صالح الحسين سبَّل ووقف نصف الحافة، القليب المعروفة بعصيفره بعدما استأذن شركاه فيها، خارج منه ثلث ربعه وهو للشايع يدفع إلى ناصر الروضان.

стр. 9984

- وشقرا (١) في نخله بالصباخ، وهي اللي مقابلة شقرا عبد الرزاق من شرق، عمارتها ثلثها. - ومحمد الصالح الحسين وقف شقراوين بغريسه جنوب عن شقرا أمه أصلهن نصفهن. - والعودة عبد الكريم وإخوانه سبلوا شقرا الزي (٢) عمارتها سدسها. - وناصر الجربوع سبّل مائة وأربعين وزنة تمر بالسلميّة وعشرين صاع بنصيبه في قليب الطعمية. - وعبد العزيز المجيدل سبّل خمسين وزنة تمر من ربع أبيه في ملكهم. - وسبل شقراوين من صيبته من المقطر اللي بمكان الحامد. - ومحمد السليمان سبّل خمسين وزنة وشاع (٣) في ملكهم. - وعبد الله الرّشودي سبّل خمسين وزنة تمر وشاع بمكانهم. - وسبل الحسن ابن بريمي أربع النخلات المعروفات بمكان سليمان الهاشل بين ساقي الرُّوق وساقي النّصَّار. - ومبارك بن حمد آل حمَيْد سبّل خمسين وزنة تمر وشاع بمكانه. - وعبد الكريم بن صالح آل حميد سبّل شقراء بمكان أبيه على البركة شمال عن الحلوه. - وناصر العجاجي سبّل في صيبته من نخل أبيه بالحمر أربعين وزنة تمر وشاع. - ووقف علي الغانم خمسين وزنة تمر وشاع في نخله بالصباخ.

стр. 9985

- ووقف حسن بن راشد آل حميد أربعين وزنة تمر وشاع في غريسه المعروف. - وسبّل عبد الله الحمد الباحوث أربعين وزنة تمر في نخله المعروف في هميل بريدة (١) قادمات به. - وسبّل فهد البطي خمسين وزنة تمر وشاعًا في ملكه بالصباخ قادمات به، وعشرة أصواع قادمات بديوان قليبه بالنقعة. - وسبلوا عبد الله الغانم ومحمد أخيه (النخلة) الشقراء المعروفة وهي الرابعة من المقطر الشمالي. - وسبّل حمد بن محمد الضبيعي النخلة الشقرا من مقطر جده على ساقي عبد الله الغانم. - وسبّل عبد الكريم الحمَّاد من ربع أبيه في ملك نصار أخيه ثلاثين وزنة تمر. - وسبّل سليمان بن راشد مكتومية، وسبّل الشقراء المعروفة في نخل أبيه على لزى القليب الجنوبية. - وسبّل حمد العبد الله الضبيعي الشقراء الخيار اللي عن الفحل شمال. - سبّل إبراهيم بن شريّف شقراء في ملكهم بالصباخ. - وسبّل فهد التويجري خمسين وزنة من مكانه. - وسبّل عبد الرحمن الحمد وإخوته خمسين وزنة تمر في سبيل أبيهم بالنهير. - وسبّل علي العجلاني وولده محمد المكتومية المعروفة عند الخارّه (٢) في غريسهم بالنقيعة.

стр. 9986

- وقليب مطلق ابن حصين المعروفة الكائنة في خبهم شرق عن المقبرة قبلة عن قليب آل خزيم وقف على إمام الجامع. - ووقفت لولوة بنت حمد الفيروز المكتومية المعروفة على البركة في ملك الفيروز، وفي ملك آل عثمان السلامة ثلاثين وزنة. - اشترى عبد الله العلي الرشودي نصيب الشايع من الحافة المذكورة صدر القائمة وهو ثلث الربع اشتراه من أهله الروضان وشركائهم وسبّل تبعًا لما سبله صالح الحسين فكمل .... الإمام حتى لا تخفي الحال. بارك الله لنا وللمسلمين في الحسنات ورفع منازلنا وإياهم في الجنات أعلا الدرجات آمين. نقله من الورقة القديمة قائمة أسبال إمام الجامع كاتبه عبد الله الرشيد الفرج ١٣٧١ هـ. أقول كل هذه الأسبال على المسجد سببها الرغبة في الخير التي أثارها امتناع الشيخ سليمان بن علي المقبل عن القضاء في أول مرة، ورأي الشيخ قرناس السديد في تعيين أوقاف وأسبال على جامع بريدة، يتصرف فيها إمامه، وهو هنا القاضي سليمان بن علي المقبل ﵏ جميعًا. وللجامع الكبير أيضًا أكثر من أربعة وعشرين دُكانا موقوفة عليه، تقع في جهتيه الغربية والشمالية، وقد أدخل معظمها في توسعات الجامع وخاصة توسعة خادم الحرمين الشريفين الأخيرة. وقف قليب فريجة: دون معرفة الواقف (١)، ونص وثيقة الوقف:

стр. 9987

"بسم الله بيان السبيل الذي في القليب المسماة فريجة. وهو ربع فريجة وسديس الربع الثاني تكون عمارته على النصف، يكون الثابت فيها من السبيل ثمن القليب ونصف سديس الربع صح للجميع من السبيل من ثمان وأربعين سهمًا سبعة أسهم، ومصرف السبيل نصفه بين إمام الجامع وبين إمام مسجد ابن سيف، والنصف الثاني يكون ثلاثة أسهم: ثلث للصوام في المسجدين وثلث للمدرسة ودلو الجامع والثلث الأخر لسراج الخلوة ومؤذن الجامع وسراج مسجد ابن سيف، هذا ما نقل من إملاء الشيخ عبد الله بن صقيه، قال ذلك وأملاه عمر بن محمد ابن سليم وصلى الله على محمد، حرر سنة ١٢٥٨ هـ. انتهى ما نقلته حرفًا بحرف وأنا الفقير إلى الله صالح البراهيم الرسيني، وذلك في ١٣ رمضان سنة ١٣٦٧ هـ.

стр. 9988

مواصلة الحديث عن الشيخ سلميان المقبل: تولى القضاء الشيخ ابن مقبل في بريدة أطول مدة تولاها قاض نعرفه حتى الآن. إذ كان قاضيًا قبل وقعة بقعا في عام ١٢٥٧ هـ واستمر في ذلك إلى حدود عام ١٢٩٧ هـ، ومات في عام ١٣٠٥ هـ. وقد غلط الشيخ عبد الله بن بسام في سنة توليته القضاء فذكر أن ذلك في عام

стр. 9989

١٢٦٥ هـ (١)، مع أنه ذكر أنه الذي رشحه لقضاء بريدة هو شيخه الشيخ قرناس عالم الرس والشيخ قرناس وفاته في عام ١٢٦٢ هـ، كما ذكرها الشيخ عبد الله البسام نفسه في ترجمة الشيخ قرناس فكيف يشير به وهو قد توفي قبل ثلاث سنين؟ والصحيح أنه تولى القضاء في التاريخ الذي ذكرناه، أو قبله بسنة أو سنتين. قال ابن عيسى: وفي سنة ١٢٦٢ هـ في سادس وعشرين رجب توفي الشيخ قرناس بن عبد الرحمن بن قرناس في الرس ﵀ (٢). إخلاص الشيخ وورعه: في العقد السادس من القرن الثالث عشر كان الحكم السعودي ضعيفًا قد فقد إشرافه على القصيم، وكان القصيم مزدهرًا يؤتي غلاته من النخيل والزروع ما لم يخطر ببال أحد من أهل نجد، وكان أمراؤه مستقلين به، وكان أهل عنيزة قد انضموا إلى أهل بريدة بغية تقوية القصيم، فوردت على أمير بريدة آنذاك عبد العزيز بن محمد بن عبد الله بن حسن من كبار (آل أبو عليان) أمراء بريدة السابقين أن يسرع أهل القصيم بضربة وقائية لأمير حائل ومن معه من شمر حتى لا يفكروا في غزو القصيم، وبعض الشيوخ الذين سمعناهم يتحدثون يقولون: أمير حائل كان أغار على قوم من عنزة الذين هم حلفاء طبيعيون لأهل القصيم. فأراد أهل القصيم أن يغزوا حائل، وكان الشيخ سليمان بن مقبل آنذاك هو القاضي، فلما علم بنية الأمير غزو حائل عرف أن ذلك ليس في مصلحة أهل القصيم، لاسيما أن القصيم مزدهر، وأهله لا يوجد لهم عدو يعرفونه، ولكن الأمير لو نصحه الشيخ سرًّا لما عرف الناس موقف الشيخ فأراد الشيخ ابن

стр. 9990

مقبل أن يعلن استنكاره لفكرة غزو حائل وإنكاره على الأمير عبد العزيز بن محمد ذلك فلما كان في خطبة الجمعة قال الشيخ ابن مقبل في الخطبة على المنبر: الفتنة راقدة، الفتنة راقدة، الفتنة راقدة لعن الله موقظها، لو بغى جبل على جبل لجعل الله الباغي منهما دكًا. وذلك كله لكي يفهم الناس موقفه من الغزو المزمع، ثم قال يشير إلى أن ذلك ظلم، ويحذر من أفعال الظلمة، أين الظلمة؟ يريد أن الله أبادهم ومحا آثارهم يحذر بهذا من الظلم، وكان بين المصلين رجلً أسود يسمونه عبدًا واسمه سَبْت وإنْ لم يكن مملوكًا لما سمع الشيخ ابن مقبل يقول: أين الظلمة؟ قال: حَوِّل زلفة. والزلفة هي الدرجة من درجات المنبر يقصد أن أمير بريدة الذي يجلس تحت منبرك هو من الظلمة، واستمر الشيخ، ولم يبال بقول ذلك الرجل الذي يعرف عنه النقص في عقله قائلا: أين أعوان الظلمة؟ فقال: سبت: تكلم يا نحيط، ونحيط رجل من رجال عبد العزيز بن محمد. وقيل للأمير عبد العزيز بعد انقضاء الصلاة: إنه يجب أن يؤدب سبتًا هذا على كلامه، فقال: هذا عبد ما يسوي ربعين، والربع سبق أن ذكرناه وأنه ربع ثلث الريال الفرانسي. وبعد انتهاء الصلاة: مر الأمير على منزل الشيخ القاضي، وكان من المعتاد عندهم أن يمر الأمير بعد صلاة كل جمعة على بيت القاضي يجلس إليه ويشرب القهوة عنده وقد استمرت هذه العادة حتى أدركتها، وآخر قاضٍ تركت في عهده هو شيخنا الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد. قالوا: فلما اطمأن الجلوس بالأمير عبد العزيز بن محمد في قهوة الشيخ ابن مقبل قال له: يا شيخ أظنك تعنينا ما ودك نغزي حائل.

стр. 9991

فقال الشيخ ابن مقبل: نعم، فضرب عبد العزيز بن محمد بيده على سافه وقال وهو يشير إلى قدمه، والله يا هذي إن توقف بسوق حائل. فقال له الشيخ ابن مقبل: قل إن شاء الله. قال الرواة: فلم يسمع الحاضرون أنه قالها. إن هذه الواقعة حفظناها وسمعناها كما سمعناها من أشياخ ثقات أخذوها عمن قبلهم ممن حضرها، لأن الأمر أمر صلاة وخطبة في الجامع الذي يكون عامرًا بالناس، ولكنني وجدت الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام قد ذكر في كتابه (علماء نجد في ستة قرون) أن الأمير عبد العزيز بن محمد عندما فهم أن الشيخ يعنيه بقوله، وأنه ينهاه عن ذلك وقف في الجامع، وقال للجماعة: لا يغركم هالعبد الحمر اللي ما يسوى له ربعين! ! ! وهذا ظاهر البطلان عقلا فضلًا عن كونه باطلًا واقعيًا، فالشيخ ابن مقبل لم يذكر عبد العزيز بن محمد بالاسم ولا بالصفة، أو العمل حتى يستحق أن يسبه الأمير كما زعم الزاعمون ذلك. ثم إن كون أمير القصيم يقف في المسجد المكتظ بالناس ويتكلم غير مبال بالخطبة ولا بحرمة المكان، ولا بتحريم الكلام فيه، أمر لا يمكن تصديقه، ثم كيف يقول عن الشيخ ابن مقبل: إنه عبد حمر أي أحمر أمام الناس؟ وهل يعقل أن يحدث ذلك من أمير كبير لقاض جليل وفي أثناء إلقاء الخطبة في المسجد الجامع؟ وقد بينت وجهة نظري تلك في الرد على الشيخ عبد الله البسام في (معجم بلاد القصيم): رسم بريدة. ثم لم نعرف ولم يذكر لنا من كانوا يعرفون الأمور، ولم ينقل المؤرخون أن الأمير قد عاقب الشيخ ابن مقبل على قوله الذي يزعم الزاعم أنه تفوه به، وهذا غير معقول أن يبلغ التأثر بالأمير هذه الدرجة ولا يعاقب القاضي بعد ذلك.

стр. 9992

ولو عاقبه أو نوى أن يعاقبه هل من المعقول أن يستمر القاضي في القضاء والأمر بالنسبة له كذلك. وقد سألت الشيخ عبد الله بن بسام عن مصدره في ذلك، فلم يذكره وإنما قال: الأمير قال ذلك، الأمير قال ذلك. فقلت له: هل لديك مصدر موثوق يثبت هذا الشيء غير المستساغ عقلًا؟ فذكر أنه ليس لديه شيء من ذلك. وقد بلغ الشيخ سليمان بن علي المقبل من الإجلال والاحترام والمنزلة الكبيرة في النفوس درجة يمتنع فيها تصديق ما ذكر، فقد ذكر الأستاذ إبراهيم المعارك في كتابه في ترجمة الشيخ ابن مقبل من (أعلام القصيم) فقال وهو يذكر مثل هذا عن والده الشيخ عبد العزيز المعارك وهو إخباري معروف: عرف الشيخ سليمان بن علي المقبل واشتهر بالعدل، وله محبة خاصة عند الجميع، حتى إن الشيخ حسن الشطي مفتي الحنابلة بالشام قد أجازه في التدريس والإفتاء بالشام. وضرب به المثل في الورع ومهابة الملوك والأمراء (له) فقد حج فعلم به شريف مكة، فدعاه فعانقه الشريف، وأراد إجلاسه على كرسي بجانبه، فقال الشيخ: (والله جعل لكم الأرض بساطًا) وجلس على الأرض فجلس الجميع على الأرض، فأمر له بمال، فاعتذر عن أخذه، وقال: ستجدون من هو أحوج مني. ولم تقتصر وجاهة الشيخ سليمان المقبل على صلاته بالآخرين، بل كان لها مظاهر أخرى منها وجاهة بيته الذي يسكن فيه في بريدة فحين عقلت الأمور إلى أن مضى لي من العمر نحو ١٥ سنة لم أكن أعرف بوجود بيت في بريدة من الطين، وجميع بيوتها من الطين مؤلف من ثلاث طبقات العليا منها سطحها مستور

стр. 9993

بسترة طويلة، إلا بيتين هما بيت الثري الشهير محمد بن عبد الرحمن الربدي والشيخ القاضي سليمان بن مقبل، ولا أعرف لهما ثالثًا في بريدة. أما بيت الربدي فإنه كان حافلًا بالسكان وأما بيت ابن مقبل فإنه ليس فيه إلا ابن أخيه عبد العزيز الذي له ابنان أحدهما عبد الرحمن، والثاني سليمان. كثرة كتابات الشيخ سليمان المقبل: خلف الشيخ سليمان بن علي المقبل ثروة واسعة من الكتابات من وصايا وأوقاف للناس ومكاتبات بينهم، وتسجيل أحكام لم يكن يقصد منها التسجيل المعروف للأحكام، وإنما كان يكتبها لإثبات حق لأحد المتخاصمين أو لإثبات صلح بينهما. ومن تسجيلاته على مكاتبات أو تعاقدات يحكم بصحتها أو يوثقها. والغريب في مثل حالته وهو القاضي المهيب أنه كان يكثر من كتابة المبايعات ونحوها للآخرين، ويظهر من ذلك أنه يمثل هذا النوع الذي يمكن أن يقوم به بعض الكتبة وأن بعض الناس يريدون من كتابته هو بالذات أنها أكثر توثيقًا، وأنه معروف الخط والأسلوب، وهذا صحيح. وخطه جيد وإملاؤه أجود منه. وهذه نماذج من خطه:

стр. 9994

والبائع هو من آل بداح التواجر والمشتري هو سليمان بن مبارك العمري وهو جد والد الأستاذ الشيخ صالح بن سليمان العمري أول مدير التعليم في القصيم، والشهود كلهم معروف لنا منهم حميدان البداح التويجري ومحمد بن ناصر المقبل ابن عم الشيخ القاضي كاتب هذه المبايعة، وإبراهيم آل عمر ولم يتضح لي اسمه واسم أسرته أهو إبراهيم من أسرة العمري. والكلام على هذه الوثيقة في ذكر العمري أولى من الكلام عليها هنا إلا فيما يتعلق بما ذكرناه من عرض خط الشيخ سليمان بن مقبل وإملائه. وهذه نماذج من تصديقاته على العقود والمبايعات:

стр. 9995

وهذه رسالة من محمد بن إبراهيم السويح من أهل الخبراء إلى الشيخ سليمان بن علي المقبل تدل على ما كنا نعرفه من كون الشيخ ابن مقبل يعتبر قاضيًا للقصيم - ما عدا عنيزة -.

стр. 9996

الشيخ سليمان بن علي المقبل بأقلام العلماء: حظي الشيخ سليمان بن علي المقبل باهتمام العلماء والمؤرخين، بل باهتمام الكتبة والمدونين - على قلتهم - بالتنويه والثناء، وحق له ذلك.

стр. 9997

قال الشيخ إبراهيم بن محمد بن ناصر بن سيف من أهل بريدة، وعادته أن يستوعب أخبار من يترجم لهم ويجمعها من المصادر التي اطلع عليها. الشيخ سليمان بن مقبل (١٢٢٠ - ١٣٠٥ ه ـ) (١): نَسَبُه ودِرَاسَتُه: القاضي الشيخ الزاهد الورع الداعية العلامة سليمان بن علي بن مقبل، قاضي مدينة بريدة. ولد عام ١٢٢٠ هـ، وتولى قضاء بريدة مدة بلغت تسعة وثلاثين عامًا، تخللها فترات قليلة ينوب عنه فيها الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، كان ﵀ ورعًا ناسكًا مسددًا في أقضيته، ويُعتبر من خيرة أهل زمانه، وبلده قرية البصر جنوب غرب بريدة، وقد ثقل آخر عمره وتخلي عن القضاء، وجاور في مكة ثم انتقل إلى بلده البصر، ومات فيها عن عمر ناهز خمسة وثمانين عامًا، وذلك عام ١٣٠٥ هـ ﵀. وقد جاء في كتاب الشيخ صالح العمري (علماء آل سليم وتلامذتهم وعلماء القصيم) له ترجمة في الجزء الأول ننقل ملخصًا لها هنا، لكونها أولى مما لدينا فيما يلي: ولد ﵀ في البصر (٢)، وقرأ القران وتعلم مبادئ الكتابة ثم طلب التعلم على علماء في القصيم، ومنهم الشيخ قرناس بن عبد الرحمن الذي أعطاه إجازة، رصد صورتها العمري في كتابه بخط الشيخ قرناس. رحلة العلم الشريف: سافر الشيخ سليمان بن مقبل إلى الشام وقدم دمشق، فأقام بالمسجد

стр. 9998

الأموي، والتحق بالشيخ حسن بن عمر الشطي مفتي الحنابلة بالشام. يقول الأخ العمري: وقد بلغني من بعض أسباط الشيخ سليمان أن الشيخ حسنًا كان مدة إقامة الشيخ سليمان بالشام قد انقطع للعبادة والتعليم، واعتزل الدنيا وبقي في حجرة بالمسجد الأموي لا يخرج منها إلا للصلاة والتدريس في المسجد الأموي، وأنه لمَّا رأى في الشيخ سليمان النجابة والرغبة في العلم وتحصيله، أكرمه وأنزله في إحدى غرف الجامع الأموي قريبًا منه، وقال له: يا بني إنه يأتيني في كل يوم طعام من أولادي وإنه يكفيني وإياك. قال محدثي: وكان أولاد الشيخ حسن أربعة كل واحدٍ منهم يرسل له الطعام يومًا، واستمر الشيخ في ضيافته مدة إقامته لتعليم العلم في الشام عنده مدة تقارب عشر سنوات ملازمًا له ليلًا ونهارًا كأحد أبنائه فاستفاد منه فائدة عظيمة، وصار ينسخ بخطه بعض الكتب العلمية من مكتبات دمشق التي كانت تزخر بنفائس المخطوطات، وخاصة فقه الحنابلة، وكتب الحديث من رواية المقادسة، كان يشتري ما يمكنه شراؤه من المخطوطات، ولم تكن المطابع قد وجدت في البلاد العربية في ذلك الوقت، وقد أحضر معه حملين ومنها كتاب (الهداية) لأبي الخطاب، بخط الشيخ أحمد بن محمد بن قدامة، كتبت عام ٥٤٣، ولا تزال عند آل مقبل أو عند الشيخ عبد المحسن بن عبيد النسخة التي طبعنا عليها كتاب (الهداية) بمطابعنا مطابع القصيم عام ١٣٩٠ هـ (١). وقد أجازه الشيخ حسن الشطي في التدريس والإفتاء وأثنى عليه، وقال في مطلع إجازته في روايتي عن الشيخ عبد الرحمن المحمد آل مقبل الذي قد اطلع على الإجازة: ووصفها، وقال: إنها في ورقة خضراء صغيرة قال في مطلع الإجازة "سليمان بن علي النجدي ... الخ" ولم يقل آل مقبل، ويبدو أنه قد اشتهر

стр. 9999

بهذا الاسم واللقب مدة إقامته في الشام، والإجازة بخط الشيخ حسن، وقد فقدت، وربما وجدت في بطن أحد كتب آل مقبل. أعماله: لما عاد إلى القصيم كان أهل بريدة بحاجة إلى قاضٍ لكبر سن قاضيهم الشيخ قرناس، فجمع الشيخ قرناس جماعتهم وقال لهم: لقد هيأ الله لكم قاضيًا منكم هو الشيخ سليمان بن مقبل. فقال الجماعة: هذا تعلم بالشام ولا نعرف علمه ومعتقده، فقال لهم: عينوه على مسؤوليتي، فوافقوا وتولى القضاء، ولما بلغ المشايخ بالرياض تعيينه قاضيًا لبريدة كتبوا له يطلبون مقابلته لمعرفة معتقده وعلمه، حيث أخذ العلم بالشام وعدم اطمئنانهم لذلك، فأجاب لطلبهم وسافر إلى الرياض. ولما عرف الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ مكانته العلمية وحسن معتقده جرى إقراره قاضيًا لبريدة، ولما كان القضاة آنذاك لا مرتبات لهم ولا قواعد، ولما كان الشيخ قد فتح منزله للأقرباء والغرباء، وابن السبيل حتى قيل: إنه كان يطعم الخصماء الوافدين مدة بقائهم في بريدة، وبعد فترة من قيامه بالقضاء لكثرة المصاريف المترتبة عليه، وقلة ذات يده تخلى عن القضاء دون إبداء الأسباب للجماعة. ولما علم الشيخ قرنان واجتمع عنده جماعة بريدة قال لهم: أنا أعرف سبب تخلي قاضيكم عن العمل، فقاضيكم متعفف وليس عنده شيء ينفق منه، ولم يستطع تحمل المصاريف، واقترح أن تجعلوا أوقافًا على المسجد الجامع يكون ريعها للإمام، وسيكون القاضي هو إمام الجامع، فتم ذلك وكتبت الوقفية وتسلم الشيخ سليمان أوراق الوقفية (١). وقال الأستاذ محمد بن عثمان القاضي:

стр. 10000

سليمان بن علي بن مقبل من خب المنسي في بريدة: هو العالم الجليل الورع الزاهد في الدنيا المحقق الشيخ سليمان بن علي بن مقبل من أهالي خب المنسي التابع لبريدة إلى أن قال: ولد هذا العالم الجليل في خب المنسي اسم مفعول سنة ١٢٢١ هـ، ورباه والده أحسن تربية (١)، ونشأ نشأة حسنة وقرأ القرآن وحفظه تجويدًا ثم حفظه عن ظهر قلب على مقرئ وشرع في طلب العلم بهمة ونشاط ومثابرة فقرأ على علماء القصيم، ففي عنيزة قرأ على العلامة عبد الله بن عبد الرحمن بابطين ولازمه، وفي الرس قرأ على الشيخ قرناس بن عبد الرحمن القرناس لازمهما ملازمة تامة في جميع جلساتهما كما قرأ في بريدة على قاضيها عبد الله بن صقيه وكان أحد زملائه على قرناس ثم سمت همته للتزود من العلم فحج وجاور في مكة ولازم علماء المسجد الحرام مدة حتى برع في كثير من فنون العلم، وأخذ الإجازة منهم ثم راسله أهالي بريدة مرشحينه لمنصب قضائها فوصل إليها وتعين في القضاء وسدد فيه. وكان مثالًا في الورع والزهد والنزاهة واستمر زهاء تسع وثلاثين سنة تخللها فترات يستنيب عنه تلميذه محمد بن عبد الله بن سليم ثم طلب الإعفاء من منصبه فعين محمد بن عبد الله سليم خلفًا له ثم عزل محمد ونفي إلى النبهانية وأعيد ابن مقبل (٢)، ثم عزل وأعيد محمد بن سليم ثم عزل محمد بن سليم وأعيد ابن مقبل واستمر قاضيًا عادلًا، وله مكانة مرموقة عندهم ومحبة في قلوبهم ولا تزال أحكامه في بريدة مثار إعجابهم بل لم يتول بريدة قبله ولا بعده أحسن منه. هكذا حدثني أهل الخبرة من بريدة، وكان لا يعرف الهوى ولا يقوم الخصمان إلا وهما مقتنعان لما يعرفان من ورعه وعدالته ونزاهته، وكان ذلك بعد إمارة عبد العزيز

стр. 10001

بن محمد آل أبو عليان، ولا يزال ذكره على لسان كل فرد منهم. ولم تسكن بريدة على قاض سكونها عليه، فهو أمثل قضائها وأطولهم مدة، ومتى ذكروه أخذوا يترحمون عليه، وكان واسع الاطلاع في فنون عديدة وآية في الورع والزهد وعزة النفس جلس للتدريس زمنًا فألتف إلى حلقته طلبة كثيرون، وانتهى الإفتاء والتدريس في بريدة إليه، وكان حسن التعليم إلا أن تدريسه على الطريقة القديمة سم بركة. وتخرج على يديه طلبة لا حصر لعددهم، ومن أبرزهم محمد بن عبد الله بن سليم، ومحمد بن عمر بن سليم وعبد الله بن مفدى، ومن عنيزة الجد صالح بن عثمان القاضي وعلي بن ناصر أبو وادي، ومن الرس صالح القرناس، ومن المذنب عبد الله بن دخيّل في آخرين. ولما أرهقته الشيخوخة طلب الإعفاء من منصبه فأعفي منه بعد حوالي أربعين سنة أمضاها في العلم تعلما وتعليمًا، ونفعًا للخلق وخدمة للشرع المطهر وكان قد استناب الشيخ محمد بن سليم (١)، وعزم على المجاورة في مكة، فلما لبوا طلبه وأعفوه عزل نائبه ابن سليم، وقال هم يختارون من يرتضونه لهم قاضيًا، فاختاروا محمدًا (٢)، وجاور سليمان بن مقبل ﵀ في مكة ولازم الحرم زمنًا طويلًا ثم توالت عليه الأمراض فعاد من الحجاز إلى خب البصر، وكان له فيه أملاك فبقي فيه حتى وافاه أجله المحتوم وذلك سنة ١٣٠٥ هـ فحزن الناس لموته ورثي بمراثٍ عديدة وبكاه الخاص والعام لما كان يتمتع به من أخلاق عالية وصفات جليلة خلدت ذكراه، وكانت مجالسه مجالس علم ممتعة للجليس مستقيم للديانة مرحًا للجليس متواضعًا ﵀ وهو عم محمد بن مقبل قاضي البكيرية (٣).

стр. 10002

والد الشيخ سليمان بن علي المقبل

стр. 10003

أما والد الشيخ سليمان بن علي المقبل فإنه كان - كما ذكرنا - فلاحًا في خب البصر، وكان يستدين مثل عامة الفلاحين لذا ورد اسمه (مدينًا) أو لنقل إن اسمه ورد في أوراق مداينة عديدة، بعضها بخط ابنه الشيخ القاضي سليمان، ومنها محاسبة أي مخالصة حساب بينه وبين الدائن عمر بن سليم. وهذه صورتها:

стр. 10004

واجتمعت في الوثيقة التالية والتي بعدها شهادة (علي المقبل) والد الشيخ سليمان بن علي المقبل وكتابة ابنه القاضي. وهي وثيقة مؤرخة في ٣ شعبان سنة ١٢٥٤ هـ، والشاهد فيها سليمان الميهلب فيما يذكر من قراءة اسمه، والوثيقة تتضمن تراضيًا أو صلحًا بين عثمان بن محمد بن محيميد وبين عمر بن سليم عن دين حالٍّ لعمر على عثمان. والتراضي على أن عثمان يدفع لعمر خمسمائة وزنة (تمر) تزيد خمسين وزنة ويرد عثمان العمر ربع الصبخة، والصبخة بمعنى السبخة: نخيل في البصر تكرر ذكرها مرارًا، ونقلنا ذلك في هذا الكتاب. وقد ضمن سليمان الشعيب أي ابن شعيب (المحيميد) على عمه لعمر ها التمر المذكور كل سنة الخ. والشاهدان فهيد الحمود وعلي آل مقبل والكاتب سليمان آل علي المقبل.

стр. 10005

وهذه مداينة على (علي المقبل) والد الشيخ القاضي سليمان بخط صالح بن محمد بن سيف ذي الخط الجميل الذي لا يحتاج إلى نقل وتاريخها نهار الختمة من ربيع الأول - والختمة هي اليوم العشرون من الشهر - سنة أربعين، ولم يذكر المائتين والألف لوضوح ذلك في أذهانهم، وقد عهدنا هذا الكاتب صالح بن سيف بأنه لا يهتم كثيرًا بتاريخ كتابته في عدة مواضع.

стр. 10006

ومن مشايخ المقبل هؤلاء الشيخ علي بن علي المقبل أخو الشيخ القاضي سليمان بن علي، وقد تولى القضاء رسميًا في الخبراء، وكان يخاطب بقاضي الخبراء ويوقع بقاضي الخبراء، وله أحكام ومكاتبات في الخبراء، وبقي بعض أولاده هناك. من ذلك هذه الكتابة التي كتب عليها الشيخ علي بن علي المقبل بأنه نزيل الخبراء، وأرخ ذلك بعام ١٢٩٦ هـ.

стр. 10007

وبحروف الطباعة: "وأنا أيضًا وكلت علي على الغايبين من ورثة إبراهيم فأنت يا سليمان فيَّض على علي السويح وما وصله وصول وانت بري الذمة، ولا توقف جزاك الله خير، قال ذلك وأثبته علي آل علي بن مقبل نزيل الخبرى وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم، وقع ذلك في غرة رمضان ١٢٩٦. وهذا خط علي بن علي المقبل:

стр. 10008

ومن الأشخاص البارزين في المقبل هؤلاء محمد بن ناصر المقبل ورد اسمه شاهدا في وثيقة بخط سليمان بن سيف مؤرخة في عام ١٢٤٧ هـ لأن الدين المذكور فيها يحل في عام ١٢٤٨ هـ. كما تقدم ذكر شهادته في الوثيقة التي كتبها أخوه الشيخ سليمان بن علي المقبل وقدمنا ذكرها. وهذه وثيقة أخرى فيها شهادة محمد بن ناصر المقبل - أيضًا - مع شهادة مهنا الجهني الذي تقدم ذكره في حرف الجيم، وكتبها سليمان بن سيف في عام ١٢٤٦ هـ فيما يظهر من حلول الدين المذكور فيها عام ١٢٤٧ هـ.

стр. 10009

ومن الكتبة من أسرة المقبل هذه إبراهيم بن علي المقبل وهو أخو الشيخ القاضي سليمان بن علي المقبل. من كتاباته المختصرة هذه المداينة بين غصن بن ناصر (السالم) وزايد العَشْوا، والدين كثير رغم قصر الكلام في الورقة فهو ألف وأربعمائة وزنة تمر وهو ما عبرت عنه الكتابة بأنه أربع عشر مائة وزنة تمر مؤجلات يحل أجلهن في ربيع الأول سنة ١٢٧٥ هـ. والشاهد شخصية معروفة بل مشهورة في وقته وهو عودة الرديني أحد رجالات بريدة وأصله من أهل الشماس القدماء. وهذه المداينة التي كتبها إبراهيم بن علي المقبل بين مشاري المبارك وغصن بن ناصر (السالم) وشهد عليها عبد الكريم بن حمد العليط، ويحل أجل الدين فيها في شوال عام ١٢٧٧ هو الغالب أن تكون كتابة الوثيقة في العام

стр. 10010

الذي قبل عام الكتابة.

стр. 10011

ووثيقة أخرى بخط العلامة الشيخ محمد بن عمر بن سليم مؤرخة في عام ١٢٩٤ هـ وهي مداينة، والشاهدان فيها هما الشيخ القاضي سليمان آل علي بن مقبل وعبد العزيز المقبل الذي هو ابن أخي الشيخ القاضي، وقد أدركته شيخًا كبيرا مقعدا في العشر الخمس من القرن الرابع عشر، وكان والدي يزوره في

стр. 10012

بيته قضاء لحقه وهو مقعد. وتاريخ الوثيقة هو محرم عام ١٢٩٤ هـ.

стр. 10013

الشيخ محمد بن مقبل آل مقبل

стр. 10014

اشتهر الشيخ محمد بن مقبل بن علي بن مقبل فوالده هو مقبل بن علي المقبل أخو الشيخ القاضي سليمان بن علي المقبل بزهده وورعه، ولذلك انتفع أناس كثير من أهل البكيرية بعلمه، بل إن جيلًا كاملًا من طلبة العلم فيها الذين صاروا مشايخ وقضاة تخرجوا بعد أن درسوا عليه. وما زال كذلك حتى توفي الشيخ عمر بن سليم قاضي بريدة وما يتبعها من القصيم في شهر ذي الحجة من عام ١٣٦٢ هـ فطلب أهل بريدة من الملك عبد العزيز آل سعود أن يوليه عليهم قاضيًا، وكان الناس في نجد آنذاك يبحثون عن القاضي الورع النزيه الذي لا يتطرق إليه الشك فيما يتعلق بحفظ حقوق الناس، وعدم الميل مع أحد دون أحد، وذلك متوفر في الشيخ الزاهد محمد بن مقبل. فأرسل الملك عبد العزيز برقية إلى الشيخ محمد بن مقبل يعينه فيها في قضاء بريدة خلفًا للشيخ عمر بن سليم، ولكنه كتب إلى الملك عبد العزيز إجابة على ذلك بأنه لا يصلح لقضاء القصيم، وقال للملك عبد العزيز في تلك البرقية من بين ما قاله: لقد ذكرت لك أنني لا أصلح للقضاء المذكور فإن كنتُ صادقًا فقد عوفيت منه، وإن كنت كاذبًا لم يجز لك أن تولي الكاذب. وهنا عرف الملك عبد العزيز عدم رغبته في القضاء، فأخبر أهل بريدة وقال: إذا أردتم أن تحاولوا إقناعه بأنفسكم فهذا إليكم. فذهب إليه كبار الجماعة من أهل بريدة على رأسهم فهد بن علي الرشودي وعبد الله بن عبد العزيز بن حمود المشيقح، ومعهم الشيخ عبد الله بن رشيد الفرج خطيب الجامع ممثلًا لطلبة العلم وألحوا عليه بأن يقبل وظيفة القاضي عندهم فلم يقبل. حدثني من حضر مجلسه معهم أن فهد بن علي الرشودي لما ألح علي الشيخ محمد بن مقبل في الرجاء أن يقبل بتولي القضاء في بريدة، وقال له:

стр. 10015

اليوم القضاء متعين عليك - يا شيخ - لأن الناس محتاجين لك. قال له: يا أخ فهد أنا في سنك، أنت لك الآن ثمانين سنة، وأنا عمري ثمانين، ولا بعد الثمانين قضاء يا أخ فهد، ما بعد الثمانين إلا التفرغ للاستعداد للقاء الله . قال الشيخ إبراهيم العبيد في ترجمته: ولما توفي الشيخ عمر وانتقل إلى رحمة الله اجتمع الأعيان والرؤساء وطفقوا يبحثون في مسألة قضاء بريدة ومن يكون خلفًا للشيخ ومن يصلح لذلك ومن لا يصلح حتى وقع السهم على الشيخ محمد بن مقبل قاضي البكيرية بصفته عالمًا عاقلا ذا أصل ودين وبصيرة وذا تجربة غير أنه كان كبير السن ويشق عليه تحمل أعباء المسألة، ورفعوا إلى صاحب الجلالة يطلبون تنصيبه وأنهم يرتضونه فبعث إليه مباشرة يستحثه على القدوم فاعتذر بكر السن ورقة العظم. ثم قال الشيخ إبراهيم العبيد في حوادث سنة ١٣٦٨ هـ: وممن توفي في هذه السنة من الأعيان رجل الدين والعلم والفضل الشيخ محمد بن مقبل رحمة الله تعالى عليه وهذه ترجمته: هو الشيخ العالم الزاهد ذو الصدق والمعرفة الرزين الألمعي محمد بن مقبل بن علي آل مقبل. كان المترجم ابن أخي الشيخ سليمان بن علي بن مقبل قاضي بريدة منذ مائة سنة في أيام عبد العزيز بن محمد بن عليان ولد المترجم سنة ١٢٨١ هـ فيكون له من العمر سنة وفاته ٨٨ سنة قضاها في طاعة الله وعبادته فنشأ في طلب العلم وجد واجتهد، وكان يتردد إلى قرية المريدسية المشهورة في القصيم من قرى بريدة للأخذ عن الشيخ الزاهد عبد الله بن حسين، حيث يعلم فيها
следующие страницы →