بحيرية فيها مياه غزيرةٌ ... كذا عين نجم ماؤها العذب فوار
بلاد بها الخيرات إذ كان غيرها ... بضيق وفي الأرزاق شح وإعسار
وفاقت بذاك الوقت ما كان حولها ... بخيرات خلق الله في الأرض إيسار
من الله للزوجين نرجو مودة ... بها يسعدان العمر والخير مدرار
قال الأستاذ صالح بن سليمان المقيطيب:
بمناسبة مرور مائة عام على فتح الرياض على يد الملك عبد العزيز طيب الله ثراه واستعادة ملك آبائه وأجداده وما حصل بعد ذلك من أمن ورخاء قلت هذه الأبيات الآتية مساهمة مني لذكرى مرور مائة عام وبما أن أهالي بريدة قد أعجبوا بالملك عبد العزيز دينًا وعقلا وحنكة وما زالوا يعطرون مجالسهم بأخباره المثيرة للعجب في عبقريته وبعد نظره وفراسته التي لا تكاد تخطي وقد وقفوا معه في كثير من مواقفه البطولية وكثيرًا ما يذكرهم في مجالسه ذكرت شيئًا عنهم ضمن هذه الأبيات إجمالًا:
بريدة يا أم القصيم وموطني ... لقد طبت ذكرًا بالرجال الأفاضل
كما ظبت أرضا كنت للخير مصدرًا ... وأهلوك قد نالوا رفيع المنازل
وأنجبت أفذاذًا من الناس كثرة ... بهم كنت نجمًا ساطعًا غير آفل
متى يسكن الأخيار أرضا فإنها ... ستعلو بهم رغم الحسود وخاذل
وهل تسكن الحكام إلَّا بأرضهم ... هواها نقي بين قوم أصائل
يُكُنُّون للحكام أعلى مودة ... ومنهاجهم نهج الجدود الأوائل
ورثنا ولاء للسعود مُؤصلًا ... سنبقيه حيًّا ثابتًا غير زائل
ونوصي به الأبناء في كل لحظة ... ليجنوا به كل الرضا والوصائل
وملك له تسعون عامًا وعشرة ... ومرت بخير ماله من مماثل
حري بأن يعطي الولاء محبة ... وأن يمنح الإخلاص من كل عاقل
فكم ناصروا عبد العزيز بفعلهم ... فأثنى عليهم في جميع المحافل
به أعجبوا دينًا وعقلًا وحنكة ... فجادوا له يوم الوغى والغوائل
سلوا عنهم التاريخ تلقوا فعالهم ... تدل على أصل تليد وحافل
стр. 10082
سما ذكرهم في الدين والصدق والوفا ... وأفعالهم تغنيك عن كل قائل
وقد طوفوا الدنيا طلابًا لرزقهم ... وقد أتعبوا بالسير نجب الرواحل
إذا فارفعوا ذكر العقيلات عاليًا ... فقد بينوا للناس حسن التعامل
على دينهم مهما تناءت ديارهم ... تواصوا بضبط النفس عن كل خامل
فأضحت لهم سيما الرجال علامة ... بأخبارهم تعتز بين القبائل
ففيهم على الأسفار عزم وقوة ... فلم يثنهم بعد ولا خوف صائل
وممشاهمُ خلف الركاب تنقلًا ... على بلقع ما بين حاف وناعل
هداة إذا ما الليل أرخى ظلامه ... لهم من نجوم الليل خير الدلائل
وقد عطر التاريخ حسنُ فعالهم ... فهم عدة الأوطان عن كل عائل
إذا قيل أولاد عليٍّ تجمعوا ... على الحق دومًا لا لجور وباطل
إذا ما دعوا يومًا إلى البذل أسرعوا ... ولسنا نرى فيهم غنيًّا بباخل
لذا كلفوا التاريخ يحكي فِعالهم ... فأكرم بشخص في الحياة مناضل
ولما حبا الله البلاد برزقها ... وألقوا عصا الأسفار بين العوائل
وقرت عيون بعد طول عنائها ... لأسفارهم زوجاتهم كالأرامل
وقال هذه أبيات قلتها عزاء للأسرة المالكة أعزها الله ولشعبها الوفي ولأسرة آل باز وللأمة الإسلامية بوفاة الوالد الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز وتأبينا الفقيد قدس الله روحه وجعله في الرفيق الأعلى:
عزائي إلى آل السعود وشعبهم ... بشيخ له في القلب قدر وإعظام
عزاءٌ لكم يا آل باز بشيخنا ... فأحزاننا جُلَّي وفي القلب آلام
حمدنا إله الخلق فيما أصابنا ... إلهًا له في الخلق عدل وأحكام
فكم يرزا الإسلام في موت عالم ... ولله في المخلوق نقض وإبرام
فقدناك يا حبر العلوم وبحرها ... لقد نِلت علمًا قصرت عنه أفهام
بكيناك يا عبد العزيز بأدمع ... ويبكيك طلاب وتبكيك حكام
ويبكيك محراب ويبكيك منصب ... وتبكيك أوطان وتبكيك أقوام
стр. 10083
فقدنا أبا برًا كريمًا عطاؤه ... له فضله بالبذل تبكيه أيتام
رحلتم عن الدنيا وما زال ذكركم ... سيبقى وإن مرت عصور وأعوام
وفارقت دنيانا وبالله جبرنا ... فكم فارق الدنيا من الناس أعلام
تحملت أمراضًا قليلًا شفاؤها ... وحانت وفاة الشيخ والشيخ بسَّام
ولما بدا للناس جُثمانُ شيخهم ... رأي الكل أن الحمل للشيخ إلزام
وساروا به وسط الزحام تدافُعا ... وطال انتظار الوضع والناس قد قاموا
وصلوا على بدر التمام وودعوا ... فقيدًا له في الخير دور وإسهام
أيا شيخنا واروك في القبر وانثنوا ... وفي القلب أهات على الشيخ ما داموا
فنم يا فقيد الصدق والزهد آمنًا ... ففي الصدق منجاة وللروع كمَّام
أيا قبرُ رحِّب بالنزيل لفضله ... عن القيل صوام وللخير قوام
لنا في رحيل الشيخ خير نصيحة ... نعت شيخنا للموت عرب وأعجام
سلام على روح الفقيد ورحمة ... من الله للمفقود في القبر إكرام
لقد كنت ذا علم وحلم ورأفة ... كما كنت قواما إذا الناس قد ناموا
وأمضيت كل العمر للدين خادمًا ... ولا زلت حتى ما انتهت منك أيام
فلم تعشق الدنيا ولكن عشقكم ... جهاد به يعتز دين وإسلام
ولم يثنكم عن خدمة الدين منصب ... لكم في سبيل الله جهد وإتمام
غيور إذا ما الدين نيسل جنابُه ... فما خافكم عن دعوة الحق لوَّام
لكم دعوة للحق في كل محفل ... لديكم لما تدعون علم وإلمام
وطهرت سمعًا عن كلام بغائب ... فلم تستمع ما قال واشٍ ونمام
وأعرضت عن دنيا الغرور ترفعًا ... ترى أنما الدنيا غرور وأحلام
فذاك الوري بالنفس لما تبلغوا ... رحيلًا له في النفس تقل وأوهام
فكم شبهة في الدين بينت حكمها ... لكم في بيان الحق عزم وإقدام
تصدرت الفتيا وأنت خبيرها ... ومن كثرة للرد قد كلَّ أقلام
بدا النقص في الأخيار والله حسبنا ... وربي بما يخفى على الناس علام
ثمانون عمر الشيخ تُتلى بتسعة ... مضت بين كتب العلم والشيخ فهَّام
فأضحى بفضل الله علامة الوري ... له في علوم الشرع باع وإلمام
стр. 10084
فكن يا كتاب الله في القبر مؤنسًا ... فشيخي لما يتلو من الآي مفهام
وكن يا قيام الليل للشيخ واقيًا ... بيوم به تحفي من الناس أقدام
صلاتي وتسليمي على خير مرسل ... كتعداد من حجوا وتعداد من صاموا
هذه أبيات قلتها بمناسبة الرحلة المقامة يوم الأربعاء ٢٦/ ٧/ ١٤١٨ هـ والتي قام بتكلفتها الأستاذ عليّ المشوح المدرس بمدرسة العباس ببريدة وذلك بمناسبة قدوم المولود الأول (منصور بن عليّ المشوح):
أيا رب قد أعطيتنا خير مطلب ... ألا إنه غيث عميم وشامل
فكم منة تسدى على الخلق جهرة ... وتعطي جزيلا فوق ما العبد سائل
وقد خاب من يدعو سواك لنيله ... فهذا لعمر الله جهل وباطل
ونعماؤك الجلسي علينا وفيرة ... وسترك ضاف والشكور قلائل
ألا إنما المحروم من ظل هائمًا ... ولم يشكر النعماء والقلب غافل
فيا رب سخرت السماء فأمطرت ... وتقصيرنا يزداد والخير نازل
فيا رب غيثا للقلوب فإنها ... لكالأرض تحييها المزون الهواطل
ألا فاشكروا من كان للخير مانحًا ... لتبقى لكم نعماؤه والوصائل
تخفف من الأوزار بالبذل والندى ... ولا ترحلن بالذم فالعمر زائل
ولما توالى الغيث تاقت نفوسنا ... إلى البر لما جاد بالمال باذل
فشكرًا لمن لبى وقوم رحلة ... وسدد خطا من المهمات حامل
وأكثر إله الخلق من مثل صحبنا ... فما حال من دون الإجابة حائل
ورغب بنا من يطلب الخير عمره ... فكل إلى حسن الثناء يحاول
ولابد للرحلات شخص يديرها ... له خبرة في البر شهم وعاقل
وقد حددوا بعد الدوام مسيرهم ... وأكل الغدا في الشبك ثم نواصل
ولما انتهت أعمال كل توجهوا ... أقلتهمُ بعد الدوام القوافل
وبعد الندا ساروا وتم وصولهم ... قبيل غروب الشمس والظل طائل
إذا ما همُ حطوا الرحال توزعوا ... وكل إلى جزء من العفش شائل
стр. 10085
وعما قليل قد أقاموا خيامهم ... وبعض من الإخوان للنار شاعل
ودارت أحاديث الطريق وإنها ... أحاديث سفر لا يكذب قائل
وظلوا بأطراف الأحاديث بينهم ... أحاديثهم صدق ومنها هوازل
ومالت رؤوس القوم للنوم بعدما ... أطالوا لذيذ القول والليل سادل
ويسعى لتقديم العشاء موفق ... ألا إن أكفاء الرجال قلائل
وبساتوا بخير شاكرين لربهم ... على نعمة أسدى له الحمد كامل
ولما بدا فجر النهار تيقظوا ... وأدوا صلاة الفجر والصبح ماثل
يلبون من يدعو إلى الخير أقبلوا ... ألا إن شخصًا لا يلبي لعاطل
وأدوا صلاة الصبح ثم تيمموا ... مكانًا به ما طاب للنفس حاصل
وشخص من الإخوان قدم خدمة ... أباريقه ملاى وللكاس غاسل
وبيض من البغداد بالبن هُيئت ... إذا ذاقه النعسان فالنوم آفل
ضحوك إذا الصحب جاوا بنكتة ... وإن يمزحوا يمزح بمزح يماثل
وسل عن فريق الاحتطاب فإنهم ... ليوث على جزل الجذوع صوائل
ولما رأت تلك الجذوع فؤوسهم ... تواصت بضبط النفس فالفرد راحل
وقد أظهرت تلك الجذوع صلابة ... وقد أرغمتها للخضوع المعاول
بأيدي رجال يسبق القول فعلهم ... وفأس إذا ما مر بالجذع قاتل
ودارت رحى حرب ضروس نتاجها ... جذوع على ساح القتال جنادل
وعادوا وألقوا بالغنائم كلها ... لتقسيمها فيهم إذا القسم عادل
وقالت رجال تعرف القسم جيدًا ... ألا إن وضع الكل في النار فاصل
سلامي لمن للصحب قدَّم خدمة ... حميد أنكم شهم شجاع وباسل
ترى الكبش مجترًا بلوك طعامه ... وبعد هنيهات إذا السدم سائل
وقد كان مرتاحًا ويأكل هادئًا ... ولما يذق طعما لما هو أكل فهل
ألا فارفعوا صوتًا وحيوا صنيعه ... يفعل المعروف إلَّا أفاضل
ألا إن عبد الله في القلب ساكن ... وعندي له قدر وللمدح قابل
وسعد خطًّا من كان للطبخ متقنًا ... له طبخة ما زاولتها الأوائل
متى ما بدا ريح الطعام لنضجه ... إذا الرأس من كل إلى القدر مائل
стр. 10086
وما فيهم جوع ولا من جشاعةٍ ... ولكنما طبخ الدغيريِّ هائل
خبير إذا ما كان للحم شاويًا ... تجد أن طعم اللحم بالشوي كامل
أحمراء لون الخد هذي نصيحتي ... فلا يلمسنَّ ثوبيك وحش وفاشل
ولا تجعلي خديك مرآة وجهه ... ولا يغربن ميناء بحرك سافل
ولا تقبلي إلَّا كمثل رفاقنا ... ففيهم لمن ترجو الفلاح بدائل
زواج من الأخيار يدني لفرحة ... وينسيك وحشا للمعاصي يزاول
ألا جربي من بين صحبي صغيرهم ... ألا إنه الجربوع فذ وصامل
تقولي جزاك خيرًا هديتني ... فلا حبذا زوج أكول وخامل
ومرت بنا أيام أنس وودعت ... ألا ليت أيام السرور تطاول
ألا ودعوا هذا المكان وسلموا ... وصلوا على من أيدته الدلائل
قال الدكتور عبد الله بن محمد الرميان:
مسجد المقيطيب: يقع غرب شارع الحبيب وجنوب شارع التغيرة، بني المسجد سنة ١٣٨٤ هـ على نفقة محمد المنصور.
يسمى مسجد المقيطيب نسبة لإمامه منذ تأسيسه حتى سنة ١٤٠٨ هـ وهو سليمان المقيطيب ﵀، ويسمى كذلك مسجد المنصور نسبة لمن قام ببنائه.
وسليمان بن محمد المقيطيب: تولى إمامة هذا المسجد منذ تأسيسه سنة ١٣٨٤ هـ حتى توفي ﵀ سنة ١٤٠٨ هـ فتكون إمامته في الفترة (١٣٨٤ هـ - ١٤٠٨ هـ).
ولد ﵀ في بريدة سنة ١٣٢٤ هـ تقريبًا وتعلم القراءة والكتابة على الشيخ تركي الشاوي ثم أخذ العلم عن المشايخ عمر بن سليم، وعبد العزيز العبادي، ومحمد المطوع وغيرهم، تعين عضوًا في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأحساء، ثم انتقل إلى هيئات القصيم توفي ﵀ في شهر ذي القعدة سنة ١٤٠٨ هـ.
стр. 10087
كان ابنه الشيخ صالح يؤم في مسجده عامة الصلوات الجهرية، ويتولى عنه قراءة الحديث قبل صلاة العشاء، والإمامة في صلاة التراويح والقيام في شهر رمضان، وهو حسن الصوت جيد القراءة، كان مسجده مقصدا لكثير من الناس في شهر رمضان، وهو من رجال التربية والتعليم حيث تولى إدارة مدرسة العباس بن عبد المطلب سنوات ثم صار مفتشا في إدارة التعليم بالقصيم حتى أحيل على التقاعد وهو الآن إمام مسجد في حي البشر، شمال بريدة.
ومنهم عليّ بن سليمان المقيطيب: تولى إمامة المسجد بعد وفاة والده سنة ١٤٠٨ هـ. وبقي في إمامته حتى استقال سنة ١٤٢٠ هـ لبعد مسكنه ولظروفه الصحية، فتكون إمامته في هذا المسجد في الفترة (١٤٠٨ هـ - ١٤٢٠ هـ).
وهو أيضًا من رجال التربية والتعليم تولى إدارة مدرسة العباس لسنوات طويلة حتى تقاعد.
حق العلم:
كان الشيخ صالح المقيطيب يجلس للطلبة في هذا المسجد يدرس القرآن الكريم واللغة العربية.
وقد توفي عليّ بن سليمان المقيطيب فرثاه الأستاذ صالح بن سليمان المقيطيب بقوله:
هذه أبيات قلتها تأبينا لفقيد أسرة المقيطيب ببريدة الأخ عليّ بن سليمان المقيطيب الذي وافته المنية بعد مرض شديد أقعده وألزمه الفراش، وكان صابرًا محتسبًا حتى توفاه الله يوم الثلاثاء ١٧/ ٣/ ١٤٢٦ هـ (١):
لقد نلت في الدنيا ثناء من الوري ... فأكرم بشخص يحمد الناس ذكراه
فقدناك يا شيخ المقيطيب بعدما ... تواريت في الحد مخوف رأيناه
стр. 10088
لقد كنت ذا عقل يزينك في الدنا ... لأخلاقك المثلي ثناء سمعناه
عزفت عن الدنيا إلى الله مقبلًا ... إذا قدم الإنسان خيرًا فعقباه
أينسى فقيد طار في الناس ذكره ... سيبقى مع الأحياء والقبر غطاه
لقد كان محبوبًا وللشمل جامعًا ... عرفنا له فضلًا لذا الناس تنعاه
فقدنا أبًا شيخًا وقورًا نحبه ... فأكرم بشيخ يُعجب الناس مرآه
بكينا عليًّا والقلوب حزينة ... وهل يرجع المحبوب إذ ما بكيناه
فيا رب عبد من عبيدك قادم ... كضيف فأحسن عندك اليوم مثواه
وثبته بالقول السديد فإنه ... ضعيف إذا ما لم يثبته مولاه
وأصلح له ذرية حان نفعها ... لترعي له ذكرًا مجيدًا ألفناه
علينا له حق سيبقى مكانه ... وننشر تاريخًا له قد فهمناه
لقد صان عن قول رديء لسانه ... ولا أبصرت ما حرم الله عيناه
عفيف نقي العرض ما مر ريبة ... ولم تستمع يومًا إلى السوء أذناه
ولا سار في درب دنيء يشينه ... وما اعتاد أن تسعى على الشر رجلاه
سلوا عنه جيرانًا فهل طاب جيرة؟ ... يقولوا لنعم الجار إنا وجدناه
وقد زاحم الأشياخ يطلب علمهم ... فكان له حظ من العلم أعلاه
على وجهه نور العبادة ساطع ... يمثل علما ناله عند ممشاه
وصلى إمامًا أعجب الناس فعله ... فعد من الأفذاذ والفعل زكاه
حريص على المأموم والرفق دأبه ... إذا ما ناي شخص عن الصف أدناه
وظل إمام الحي يحمد سيرة ... إذا ما بدا فالكل بالود حياه
سخي إذا أعطى ففيه جزالة ... وذو الخير عند الله يجزى بحسناه
خدوم إذا الإخوان هموا برحلة ... يرى خدمة الإخوان رفعًا لمعناه
وفي خدمة التعليم أمضى شبابه ... وقد زانه التعليم فضلًا عرفناه
قدير على الأعمال قد نال شهرة ... مهيب ترى كل التلاميذ تخشاه
وقد غادر التعليم والكل شاكر ... وذا الشكر مطلوب لذا قد تحراه
شكور على النعماء يرجو مزيدها ... صبور على الضراء للأجر يجزاه
لقد واجه الأمراض بالصبر والرضا ... فلم يشك ما يؤذيه إذ ما مررناه
стр. 10089
ومن شدة الأوجاع قد ضاع فكره ... وهذا لأهل الصبر خير علمناه
بدا فضله يوم الجنازة أقبلت ... حشود من الأخبار بالروح تفداه
زحام على حمل الفقيد لقبره ... وتنزيله في القبر والكل واراه
فبوركت من لحد تضم رفاته ... نزيلك ذو فضل وفي العلم منشاه
فيا رب إن القبر للضيف موحش ... فآنسه بالغفران في القبر، رباه
وأبدله دارًا في جوارك ربنا ... تكن داره دومًا وتنسيه مرباه
وعوضه أهلًا في الجنان بأهله ... ووسع له قبرًا به قد دفناه
ونوره وافرش قبره منك تكرمًا ... وحقق له ما كان حيًّا تمناه
ووفر له ما كان يرجوك إنه ... عفيف عن الدنيا وللخير مسعاه
وبيض له وجهًا وخفف حسابه ... وناوله يا ربي كتابًا بيمناه
فما ضاق عفو الله يومًا بتائب ... ولا خاب من يدعو كريمًا وينصاه
لقد كنت غفارًا لمن جاء نادمًا ... وعاد إلى المولى وبالليل ناجاه
فكم مذنب خاض المهالك كلها ... فحقق بالغفران ما قد ترجاه
وضاعف لنا أجرًا ووفر نصيبنا ... وبارك لنا في كل أمر سلكناه
ختاما لهذا القول صلوا وسلموا ... على خير مبعوث وربي تولاه
قال الأستاذ عبد الله بن سليمان المرزوق:
ولد الأستاذ صالح المقيطيب في مدينة بريدة عام ثمانية وأربعين وثلاثمائة وألف من الهجرة النبوية، وقد حصل على الشهادة الابتدائية من المدرسة الفيصلية ببريدة الملك فيصل حاليًا) بالانتساب، وذلك في عام ١٣٧٦ هـ، ثم درس دراسة ليلية في معهد المعلمين الابتدائي ببريدة، وتخرج منه عام ١٣٧٩ هـ ثم انتسب إلى كلية اللغة العربية في الرياض، وأنهى دراسته الجامعية عام ١٣٨٦/ ١٣٨٧ هـ.
وإضافة إلى دراسته النظامية، فقد درس على كل من الشيخ عليّ السالم، والشيخ صالح السكيتي، والشيخ صالح الخريصي، والشيخ عبد الله بن محمد بن حميد، ﵏ جميعًا.
стр. 10090
ابتدأ الأستاذ صالح حياته العملية عام ١٣٧٤ هـ حين عين مدرسًا في مدرسة البصر الابتدائية، ثم عمل مدرسًا ومديرا بمدرسة خب روضان عام ١٣٧٨ هـ وفي عام ١٣٨٠ هـ عين قائما بعمل المدرسة الزراعية ببريدة، وفي عام ١٣٨٣ هـ عين مديرًا لمدرسة الشماس الابتدائية ببريدة (مدرسة العباس حاليًا)، واستمر فيها حتى تم ترشيحه للتوجيه (الإشراف) التربوي.
وقد ابتدأ عمله موجهًا (مشرفًا) تربويًا في شعبة (وحدة) اللغة العربية في إدارة تعليم القصيم (الإدارة العامة حاليًا) في ٢/ ١ / ١٣٩٠ هـ، واستمر كذلك حتى تقاعده في ١/ ٧ / ١٤٠٨ هـ.
زاول أبو محمد الإمامة منذ عام ١٣٨٤ هـ في مسجد المنصور ببريدة بالتعاون مع والده ﵀ الذي كان الإمام الرسمي في المسجد المذكور، ثم تعين إمامًا رسميًا بمسجد المقيطيب ببريدة منذ عام ١٤٠٩ هـ حتى الآن (١). انتهى.
ومنهم زميلنا الأستاذ محمد بن عبد الرحمن المقيطيب كان مدير إدارة التعاون الدولي في وزارة المالية، وهي إدارة كان يتولاها قبله ابني خالد العبودي.
وكان محمد المقيطيب يحضر معنا في لجان عديدة ممثلا لوزارة المالية ومنها اللجنة التحضيرية للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، واستمر كذلك سنوات، فكان سديد الرأي، رغم كونه يمثل وزارة المالية التي لا تسرع، بل تمانع في العادة في اعتماد المساعدات للجمعيات والمشروعات الإسلامية، وقد رفع أخيرًا إلى وظيفة مدير عام المصروفات في وزارة المالية في المرتبة الرابعة عشر التي هي رتبة وكيل وزارة مساعد - ١٤٢٤ هـ.
стр. 10091
المْكَيْرِش:
من أهل بريدة.
كان أحدهم وهو محمد المكيرش من تجار المواشي الذين يسمون عقيلا والذين كانوا يشترون الإبل من نجد وبادية العراق ويذهبون بها إلى الشام وفلسطين ومصر وأحيانًا يتاجرون بالخيل والغنم في تلك البلدان وقد بارت تلك التجارة منذ أن قامت دولة اليهود في فلسطين.
إلَّا أن (المكيرش) لم يتركوها ولكن بطريقة أخرى أخذوا يتاجرون باستيراد المواشي وجلبها من خارج المملكة مثل السودان والصومال، وفتحوا لهم مكاتب في جدة لهذا الغرض ثم اتسعت تجارتهم حتى اشتروا بواخر النقل المواشي ملكوا منها ثلاثا هي الباخرة مكيرش رقم (١) والباخرة مكيرش رقم والباخرة مكيرش رقم (٣)، وهناك باخرة رابعة عندهم ولكنها مستأجرة غير مملوكة لهم، وأعلنوا ذلك في الصحف وعرفوا به - ١٤٠٢ هـ.
ثم زادت تجارتهم واتسعت وصار اسم (المكيرش) علمًا على تجارة الماشية، ثم جعلوها شركة عامة إذ طرحوا بأمر من الحكومة قسمًا من أسهمها في سوق الأسهم للجمهور فاشترك بها الناس وتداولوها كما يتداولون أسهم الشركات الكبرى، وقد سجلت في شاشات التلفاز والجرائد باسم (مواشي المكيرش) فصار هذا الاسم الغريب يتردد على الألسنة، ويقرأ في الصحف ويرى من التلفاز حتى صار مألوفًا للناس، وإن لم يعرفوا أصله.
وقد عرفنا منهم أول الأمر حمد المكيرش كان من تجار الإبل في سوق بريدة.
وخلف أولادا أكبرهم سليمان اشتغل بالتجارة في المواشي من الخارج حتى أثرى وهو الذي صارت له شركة عرفت بمواشي المكيرش، وكان يقيم في الرياض ثم انتقل إلى جدة ومات في حدود ١٤٠٠ هـ.
واستمر عمله بعده من أولاده في الشركة المذكورة التي ذكرناها قبلًا.
стр. 10092
المَلَاحي:
بفتح الميم واللام مع تخفيفها أي عدم تشديدها فحاء مكسورة فياء نسبة من أهل المريدسية جاءوا إليها من جهة حائل وهم من أهل قفار.
منهم الشيخ عيسى بن محمد بن عبد الله الملاحي توفي عام ١٣٥٣ هـ.
وعيسى بن محمد (الملاحي) هو الذي قدم إلى المريدسية من قفار في حائل.
وكان من كبار الذين خالفوا المشايخ من الإخوان في الموقف من بعض الأعراب الذين انتقدوا أشياء على الملك عبد العزيز آل سعود فيما زعموه تساهلا في الدين، إلى أن اتضح لهم أمر الأعراب.
وكان عيسى الملاحي ومعه طائفة من طلبة العلم من أهل القصيم قد رأوا أن مشايخهم آل سليم قد تساهلوا مع الحكام، وأن المشايخ من آل عبد اللطيف أي آل الشيخ في الرياض مثلهم، فهم من هذه الناحية عكس جماعة الشيخ إبراهيم بن جاسر من طلبة العلم الذين يرون أن المشايخ قد شددوا في الدين، وحرموا السفر إلى بلاد المسلمين.
غير أن الملاحي اشتهر بإنشائه نظمًا ينكر به على أستاذه الشيخ صالح السالم كونه يتولى القضاء لآل رشيد وهم ظلمة، بل إنهم خارجون عن تعاليم الدين، عند أولئك المشددين رغم كون الشيخ صالح من كبار العلماء المناصرين لآل سليم وآل الشيخ.
وقد وقفت على القصيدة المذكورة وعلى بعض الردود عليها، ونقلتها من خط الشيخ عبد المحسن بن عبيد الذي ذكر أنه نقلها من خط عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عويد، وذلك بين أوراق لي قديمة كنت قد جمعتها في أول أيام طلب العلم.
стр. 10093
وقد رأيت أن أذكرها هنا لا حبا في بيان حال نظمها أو رغبة في سماع الردود عليها لمجرد الرغبة في ذلك، ولكن لكونها حدثت نتيجة حركة عقلية في وقتها إن هي من النظم القليل الذي وقفت عليه بلسان هؤلاء الذين رأوا أن مشايخهم قد تساهلوا في القيام بالواجب، ومن ثم كانت الردود عليها، وتحريك الأذهان والأفهام عند طلبة العلم والعامة في تخطئتهم أو تبرئتهم.
ولأن كتابتها وكتابة الردود عليها تدخل في باب كتابة التاريخ العلمي، أو على الأدق الجدل العلمي في القصيم في فترة من الفترات، وهي فترة تستحق الكتابة لأنها أتت بعد أن انتصرت حركة التمسك الكامل حرفا وفقها بالعقيدة السلفية وهي التي كان عليها آل الشيخ وآل سليم على الحركة الأخرى التي لا تخالفها في الأصول الرئيسية للعقيدة وإنما في بعض الفروع، ولكن السياسة دخلتها فألبستها رداء الأهمية البالغة، وهي حركة الشيخ إبراهيم الجاسر وأتباعه الذين من أهمهم الشيخ عبد الله بن عمرو، فكانوا إلى ذلك يناصرون آل رشيد ضد ابن سعود، علي حين كان المشايخ آل سليم بطبيعة تفكيرهم يناصرون آل سعود.
إضافة إلى ما عهدنا من الأهمية بالنسبة إلى معرفة الأسلوب الأدبي الذي يعبر به عن التفكير العلمي عند طلبة العلم في ذلك الوقت.
وهذه أبيات عيسى بن محمد الملاحي، قال:
ألا قل لأهل العلم من ساكني الجبل ... اجيبوا سؤال سائل لكم سأل (١)
فما حكم أهل بلدة قد أسلموا ... ثم سلموا الأمر بما دقّ وجلَّ
للمخالفين دين الرسل جميعهم ... وملتزمي أقبح الطرق والملِلْ
أعني بهم عصبة الأتراك وحزبهم ... من آل رشيد لا أطيل لهم أجل
فالله بقطع منهم عنا دابرهم ... وكل حبل منهم بالخير اتصل
стр. 10094
ومن أعانهم من قس فاتن ... ممن غوى فضل ثم لهم أضل
ومقاتل لنصر رايات ... لهم ومن بكتبهم قد تولى وسجل
وممدهم بالمال اللسان، ثم ... بالنتفنيد للأمر بالعقد والحل
ومداهن لهم والحالة هذه ... ايسوغ ذا من الحنيفية انتحل؟
ألا يا هؤلاء مني فاشهدوا ... أني برئ ممن لذا الإفك فعل
في الحكم إذ صرتم ثلاث طوائف ... فصل وان لم تدرك الذي علم فسل
ألا منصف منكم مجيب سوالنا ... قد اختصرنا ولو اطلنا لاحتمل
لاسيما منكم الشيخ صالح ... إذا هو بالدعوى قد اعتل وانتهل
لكنه أخلد إلى الأرض واهنا ... لاهٍ بلذة العيش مع طول الأمل
مستجلبًا للقرب منهم بعدما ... قد كان ينهي وينأى عن هذا العمل
ما أشنع الدعوى لكل من ادعى ... إذ لم يتحقق لها التقوى والعمل
إن قد تجيبوا بالسداد وتنصحوا ... والا فانتم إذا أضل واجهل
فأجابه الشيخ سليمان بن سحمان ﵀ بجواب طويل أوله:
ألا قل لأهل العلم من ساكني الجبل ... وصفوة أهل الخير من ذلك المحلَ
نظرنا إلى قول الملاحي وقولكم ... فلم نر قول ( .... ) إلَّا من الزلل
وهو مذكور في ديوانه المطبوع ومنه:
وأنشد شعرًا واهيا متهافتا ... عيوبًا كساها حلة الجهل والخطل
وضمنه تيهًا وعجبًا، وليته ... نحا الصدق واستوفى القريض بما احتمل
وليس بنظم مستقيم ولم يكن ... على أبحر الشعر الطويل ولا الرمل
ولا وزنه بالمستقيم ولفظه ... ركيك ولا معناه حقًّا فيُحتمل
стр. 10095
وكما قلنا إن (الملاحي) هو من تلاميذ المشايخ آل سليم ومن زملائهم وهو ضد المتساهلين في بعض المسائل موضع الخلاف كالسفر إلى بلاد الكفار، وهجر من فعل ذلك مثل الشيخ ابن عمرو وبقية جماعة الشيخ ابن جاسر، فهو أي الملاحي، يمثل أقصى اليمين بتعبير الصحفيين الآن.
فرد الشيخ صالح السالم عليه وعلى من اتخذ من قول الملاحي وشعره سلمًا للرد على المشايخ الذين ذكر أنهم متشددون، وعلى من مدح الشيخ عبد الله بن عمرو الرجل الثاني في جماعة الشيخ إبراهيم بن جاسر.
ونظم الشيخ صالح السالم قصيدة طويلة احببنا إيرادها لما ذكرته في أكثر من موضع في هذا الكتاب، وهو أنني أعتني بالحياة العقلية في القصيم - إن صح التعبير - أي بالخلاف العلمي ولا يترتب على ذلك ذم أو تشهير بأحد المشايخ أو طلبة العلم فلست القائل لذلك ولا أقول إنني أحبذه أو أخالفه، وإنما أعرضه لأوضح أن منطقتنا منطقة خصبة من حيث البحث والرأي في المسائل الدينية.
إلَّا أنه يلاحظ أن الشيخ صالح السالم تداخل في نظمه وكلامه على عيسى الملاحي وهو قليل قصير في القصيدة بالكلام الطويل الذي ذم فيه ناظمًا آخر معارضا للملاحي، ويفهم منه أنه من أتباع الشيخ ابن جاسر لأنه أنكر تحريم السفر إلى بلاد المشركين، كما أنكر هجر من يفعل ذلك أي عدم الكلام معه أو التعامل معه، وذكر الشيخ عبد الله بن عمرو بالمدح، فينبغي التنبه لذلك.
فكان رد الشيخ صالح السالم آل بينان:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الشيخ صالح بن سالم:
أحمدك يا من نصبت على الحق دليلًا واستهديك حتى لا أكون تائهًا ذليلًا وأسألك التوفيق والحكم بالحكم والصدق في كل أمر من وفقته فقد اهتدى سبيلًا
стр. 10096
وسبحانك يا من قلت: ومن أضل ممن اتبع هواه، ومن أصدق منك قيلا.
أما بعد فإن محمد بن إبراهيم ( ... ) أنشأ جوابات معناهما واحد لتشابه قلوبهما بسوء الطوية على أبيات الملاحي الناقصة، فعارضاه معارضة لبسا فيه وزادا عليه ركاكة في الألفاظ ووقاحة في المعنى وكذبا في الدعوى فذهبا إلى جانب التفريط كما ذهب ذاك إلى جانب الإفراط، وهذا والله أعلم ناشئ عن سوء قصد واتباع هوى منهم لا لبيان الحق وإتباعه، وأن تكون كلمة الله العليا ويكون الدين كله لله فلهذا نبرأ إلى الله من بعض ما عرض به الملاحي ونعوذ بالله من بعض ما قاله ( ... ) ومحمد.
فأما الملاحي فقد أجيب بالجواب السديد لأن شبهه راجت على ضعفاء البصائر وصدقوه فيما ادعاه من التخرص والافتراء وحسبك في الرد عليه قول حسان زمانه وسحبان أوطانه سليمان بن سحمان حيث يقول في أول رده عليه.
وأنشد شعرًا واهيًا متهافتًا ... عيوبًا كساها حلة الجهل والخطل
وما أحسن أن يقال لحجي:
وزدت على قول المُبَرسم ضعفه ... وملت عن الأنصاف بل جئت بالزلل
وأظن جهل ( .... ) وركاكة كلامه وبعده عن الصدق وإفادة الحق وخروجه عن محل النزاع وظهور قصده فيه لا يخفى على العوام فلا يحتاج إلى الانتقاد، فإن رأى منشيه أن ترك عرضه على النقاد وأهل البصيرة لتزييف الباطل وتحقيق الحق استر له فالمؤمن يستر وينصح وإلَّا فلا تجني براقش إلَّا على نفسها وقد سمعت أنه بعث به ليطبع ولم يحقق فإن طبع تعين رده لأن نسبة نظم الرجلين إلى أهل نجد وأنهما من رجالها في الحلم والصدق والأمناء على حمله والنصحاء يكسبها احتقارا، واستهانة بأهل العلم منهم عند أرباب المطابع فضلًا عن حملة العلم الأذكياء.
стр. 10097
و ( ... ) عمي عن هذا وإن أعجب بنفسه ولم ير ما تفوه به وفعله خطأ وضلالة فليطلب جوابه ممن يحتقر ويعرض بهم من الإخوان، كما هو دأب الملاحي ليرى مجادلتهم له في الميدان وتظهر الحال لمن له عيينان ناظرتان من هو السابق يوم الرهان، فالخبر ليس كالعيان.
فدونك جوابات أهل الأنصاف من الأحباب والأصحاب فهي المقبولة عندنا وعند مريد الصواب، إن الله لا يهدي من هو مسرف مرتاب، لهذا الرجل الثالث الذي نحن بصدد الرد عليه وننظمهما معه لأنه عليم اللسان المتسلق الفصيح الذي فري بنات فصاحته وشقشقته ما هوته نفسه مع البغي والعناد فزبر كلامًا قاله بألطف العبارة، وحاكه بمغزل فكره ورصنه بافصح البلاغة فسرق من كلام الشيخ سليمان فصاغه له برونق الغبي المحاذق ليستدل به علينا وهو لنا عليه، ويزعم أنه اللبيب الحاذق ويظهر فيما تكلم به بان هذه دخول بيننا وبين الملاحي لا دخل له فيها ولا مجال وإنه تساوت بنا الأهواء فيمن ينتحل خير الملل، فيغضبنا الرد عليه.
وإنه لعبد الله الكاذب فلسنا بحمد الله على دخول الجاهلية نتناصر ونتغاضب عليها حماية فيها ولها فلم تتساوي بنا الأهواء على من ينتحل خير الملل فنحن بحمد الله على صراط مستقيم ميزنا به ما سلكتم من التزوير والمذهب الوخيم وما أبديتم من الشبه والتلبيس وقد خاب من افترى وقال الردى يوم يبعث من في القبور ويحصل ما في الصدور ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾.
وهذا نص الجواب ولا حول ولا قوة إلَّا بالله:
إلى الله أشكو حادثات بها حصل ... علينا افتراق قد دهانا به الخلل
وذلك بين المنتمين بدينهم ... إلى العلم دهرًا في ذري عرصة الجبل
стр. 10098
وبانت خروق جهرة عز رفيها ... وضحت بها حمقاء عن واضح السبل
وأحدث ترويجًا وشكًا وحيرة ... على أهل ضعف في البصيرة والعمل
ومصداقه قد جاء في غير آية ... وما قاله المولى فلا شك قد نزل
فكل اختلاف كان أو يات بعده ... تراه فبعد العلم ذا حكم من عدل
فسل ربك التثبيت أي موحد ... لينجيك من أهواء من زاغ أو عطل
وإياك والإفراط فيما تقوله ... ودع عنك تفريطًا فيلقيك في السفل
فلما رأيت المذهبين بدا لنا ... وكل يرى أن الصواب بما انتحل
أجبت بما يشفي ويكشف غمه ... يبيم جهارا للرؤس وللخول
عسى من أراد الحق يهدي ويهتدي ... لينطمس الميل القبيح ويضمحل
وبالله حولي واعتصامي وقوتي ... به مستعينا مستعيذا من الخطل
* * * *
فأما الملاحي فاستطال بقوله ... وأقذع في ذم المقيمين في الجبل
وعلل في هذا بأنَّ ملوكها ... بها سلموا للترك ما دق أو جلل
ورام به التكفير بغيًا وفرية ... بلا مرية فانهار في زبية الوحل
أراد بذا أن يرتقي ذروة العلا ... فعاد حسيرًا قاصر البساع وانخزل
تصدى له قس الزمان وحبره ... سليمان من ينشى القريض بلا خجل
ويرمي أخا الإلحاد في ثغر نحره ... ولا سيما إن فوَّق السهم وانتضل
وقرر حكم الدار تقرير منصف ... وفصل ما ابداه من مطلق الجمل
وأوضح حكم الترك في ذا وكفرهم ... وحكم التولي والموالاة للدول
وكم من ردود واضحات فكن بها ... ضنينًا وحاول فهم ما قال واشتغل
وكم عارض رمح الضلالة يعتدي .... نكاه بمسلول من العلم فانجدل
فلا زال فينا واطا هامة العدي ... ومقعده اعلي نرى الشم والقلل
واخوان صدق وافقوه واوضحوا ... بنثر ونظم بهت ما قاله الأقل
стр. 10099
وليس بما قالوه فيها تجازف ... تأمل هداك الله إن كنت ذا جهل
* * * *
فقام أناس قد أبانوا رؤسهم ... بهم حقد من سالف الدهر قد وغل
يرون صوابا من سفاهة رأيهم ... مصاحبة الأغيار حقًّا بلا هزل
وسكني ديار الشرك والقصد نحوها ... فليس به نقص يكون ولا خلل
ولكن هذا لاجتلاب مصالح ... وليس له في الدين أمر ولا دخل
وابدوا كلامًا ضمنوه تناقضًا ... وجورًا وإلحادًا لدى كل من عقل
وصالوا على من لا يوافق فعلهم ... ويرمونهم شزر العيون من الدغل
* * * *
فصار الملاحي منجنيقًا لبغيهم ... وبهتانهم يا ويح من ضل أو اضل
فأعرضت عن رد لهجنة قولهم ... فليسوا بأهل للجواب ولا محل
ولا واحد للعلم فيه اثارة ... وليس بذي عقد من الأمر أو حلل
* * * *
ومن عجب أن كفر الترك جهرة ... واثنى عليهم في سنين من الأول
وفاه بمدح لابن سحمان ذي التقى ... وحب ابن عمرو ذي الدغائل
والحيل واجناس هذا لا اقوِّم بعده ... كثير فما هذا التناقض في النحل
واعجب من هذا واعظم فرية ... إذا ما رأى من لم يصاحبه في العمل
تمثل في قول ابن سحمان منشدًا ... يصيح به جهرًا مجيبًا على عجل
وإن لدينا كالذين لديهمُ ... إلى آخر الأبيات فاعجب لما حصل
يجعجع في هذا الصنيع لعلة ... يروج تزويرًا قبيحًا ومفتعل
فيا فرقة عاثت بهذا واجلبت ... فما الله عما تعملون بذي غفل
ففي كل يوم نظهرون سفاسفا ... من النثر والنظم المطرز بالحيل
стр. 10100
وأبديتموا للناس هذا التلبسوا ... عليهم به والحق قد بان وانفصل
إلى ربنا نمضي جميعًا وتنجلي ... سرائر من قال القبيح ومن فعل
فيفصل بين العالمين بعدله ... جهارًا فياويح الظلوم إذا فصل
ويا صاحب النظم الأخير، ابن لنا ... لنعرف شخصًا من سوادك يا رجل
تهورت بالإفك الصريح فجوزيت ... يمينك بالفلج الطويل وبالشلل
وجازت بك النفس الجموح فما ونت ... على أن صرعت الآن في حفرة الوحل
تشبهنا بالمارقين وإننا ... نكفر من لم يفعل الشرك أو يقل
وتلزمنا تكفير أمة أحمدٍ ... ولم تخش ايقاع العقوبة في العجل
ولم تأت في هذا بحجة صادق ... تفوز بها يوم الحساب من الزلل
سوى أنهم عند اللقا يهجرونني ... أرى الوجه منهم عند ذلك ينفتل
فقد عاملوك اليوم فيما فعلته ... ولست بميزان على الدين والملل
بأي كتاب أم بآية سنةٍ ... ترى الهجر تكفيرًا؟ أجبنا بلا مهل
فهل يقتضي الهجران تكفير واحدٍ ... وهل قاله أهل الدراية بالنحل
وهل يقتضي هجر الرسول لعصبة ... من الصخب تكفيرًا وهل قيل يحتمل؟
وهجر ذوي الأهواء حق وسنة ... فهل يقتضي تكفيرهم يا أخا الجهل؟
وهل هجر الزوج يومًا لزوجه ... يكفرها في ذاك إن موجب حصل
وكل غوي بالفسوق مجاهرٌ ... فيهجر تأديبًا ليرتدع السفل
ولكن هذا عند كل محقِّقٍ ... محل اجتهاد أن رأى الميل يعتدل
وجملته: فالهجر ليس مكفرًا ... على أي حال إن صوابًا وإن خطل
ونبرًا من تكفير من كان مسلمًا ... كما قاله أهل الغواية والزلل
ونمشي بمضمون النصيحة بينهم ... بتعليم مستهد ونصح لمن غفل
نعود لمرضاهم ومن مات منهم ... نصلي عليه فاتبع الحق واستدل
وإن صدر التقصير في حق ربنا ... وحقهموا فالله أكرم من سُئل
ومن يأت شركًا، أو يصوِّب اهله ... فذا ردة إن لم يراجع فقد قتل
ومن قد يواليهم ويركن نحوهم ... فذاك فسوق في هدي أفضل الرسل
стр. 10101
فهل لك في هذا جواب تقوله ... من الحق أم زور الأراذل قد بطل
نصبت من التلبيس والإفك سلمًا ... لترقي به جهلا إلى كوكب الزحل
فخريت من أوج الحقيقة ساقطًا ... على أم رأس منك في أسفل السفل
وكنت كعنز السوء قامت بظلفها ... إلى مدية تبدي بها الحتف والشلل
وما قلت في أثناء نظمك مادحًا ... بذاك ملوك الدار فاسمع بلا ملل
فلا شك أن الملك خير ورحمة ... ولطف واحسان على ساكني المحل
به يدفع الله الشرور من العدا ... وينقمع الخصم الظلوم إذا اشتعل
وينتصف المظلوم من كل ظالم ... ولولاه ما أعطى حقوقًا ولا امتثل
وكم واجب في الدين قام بأمره ... وكم منكر قد زال من ذاك واضمحل
وكم من صلاح يعجز النظم عده ... وان رمت تعدادا فسائرة المثل
وان أمروا يومًا بطاعة ربهم ... فطاعتهم حتم على كل من عقل
وإن أخذوا الأمول فالصبر واجب ... على كل حال جار في الحكم أو عدل
وان صدرت منهم ذنوب كبيرة ... فنكرهها إذ لا نشارك في العمل
وندعو لهم أن يجمع الله شملهم ... على الدين ازمانًا جميعًا بلا دخل
فهذي تفاصيل الأئمة كلهم ... وراجع لشمس الحق فالحق ما أفل
وانصف ودع عنك التكبر والهوى ... وجانب حماقات العناد مع العيل
ولكن قصدت المدح والزور والمرا ... كفعل ذوي الشعر المجدين في الغزل
تمنيت أن تلقى بما قلت طائلًا ... تنال به فخرًا وهيهات لم تنل
فلا نلت عند القوم عزًا ورفعة ... ولا نلت دنيا ولا درهم حصل
تردد في أبيات نظمك مدحهم ... لتذبحهم يا سيد القول والعمل
وهلا قلبت المدح نصحًا بحكمة ... تنال به الزلفى إذا ضلت الحيل
وما قلت من تجويز ما كان من ... مكاتبة الأتراك فالأمر محتمل
فان كان دفعًا للشرور وهدنة ... وسلمًا فذا لا يمتري فيه من عقل
وإن كان لاستصحاب صدق مودة ... فهذا ركون من أتاه قد اختبل
وإن كان لاستجلاب دنيا دنية ... فذلك ميل عن طريقة من عدل
стр. 10102
وجرهموا قصدًا لهم من بلادهم ... على بيضة الإسلام من أكبر العضل
فهل تقبل التفريق فيما ذكرته ... أم الفرق يا أعمى البصيرة مضمحل؟
وتحكم في تجويز هذا وإنه ... سياسة ملك مابذلك من خلل
ولا يستقيم الأمر إلَّا بهذه ... عياذا بك اللهم من زيغ من عطل
وتزعم أنا و (الملاحي) ورهطه ... تساوت بنا الأهواء في بعض ما حصل
وهذي دخول بيننا غاب علمنا ... على حزبكم في صرفها ضاقت الحيل
أصدقا قصدت الحق أم أنت كاذب ... أم النذل أعمى القلب أم زاغت المقل
فلسنا غضابا من ردود صحيحة ... أتانا بها الإنصاف والحق قد قبل
ويغضبنا التلبيس فيما تقوله ... وبهتك للاخوان زورًا مع الجدل
ومن يأت في علم صحيح بحجة ... فأهلًا بها يا صاح، أهلًا وَجَيَّهَلْ
فهذا اعتقادي، واعتقاد أحبتي ... ولو كنت أكثرت الأكاذيب والجدل
فخذها نبالًا من حنيف موحد ... تمزق من سوء العقيدة ما بطل
وكن ناظرًا فيها بعين صحيحة ... ودع عنك عينًا قد أضر بها الحول
وإن رمت فاستنشق أريج عبيرها ... ولا تقصد الأوضار والنتن كالجعل
وإن شئت فاقراها نهارًا وبُحْ بها ... واسمر بها ليلًا ولو كان في مهل
وإن شئت فاقبلها وكن عاملًا بها ... وان شئت فارددها كفعل ذوي العذل
وصنف كراريسًا بنقض جوابها ... وسود طروسًا من شقاشقك الرُّذل
وإن لا يكن فاجعل بشدقيك كثكثا ... ومت كمدا يبقى إلى منتهى الأجل
وبعد اللتي ثم اللتيَّا فهذه ... بضاعة عبد قد تخلى من العلل
فما عرضت في وصف سعدى وزينب ... ولا وصفت بيض الثغور مع الرثل
ولا قصدت مدحًا وذمًا أصالة ... ولا شببت في العشق يومًا مع الغزل
ولكنها تحمي حمى خير معشر ... ذوي العلم والتحقيق في الحزن والسهل
* * * *
فيا راكبًا من فوق قوداء ضامر ... صبور على الشدات في الخصب والمحل
стр. 10103
تجوب مطاويح السباسب عندما ... يظل بها الخريت حيران ذو وجل
* * * *
فبلغهموا مني سلامًا مضاعفًا ... بعدِّ وميض البرق أوعَدّ ما هطل
واستغفر الله العظيم لزلتي ... وعمدي، وما يجري به السهو والخلل
وصَلِّ إلهي كلما فاه ناطق ... وما ناح قمري على الغصن أو هدل
وما انفلق الإصباح، أو ذرّ شارق ... وما ناءَ نجمٌ في الطلوع وما أقل
على المصطفى أتقى البرية كلهم ... كذا الآل والأصحاب والسادة الأول
تمت بحمد الله ومعونته وصلى الله على محمد وعلى آل محمد وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
نقلتها أنا مؤلف الكتاب من خط الشيخ عبد الرحمن بن عويد.
فأنت ترى أن الشيخ (صالح بن سالم) أنشأ قصيدته في الأصل في الرد على الشيخ عيسى الملاحي، وأوضح أنه من الذين اتهموا المشايخ آل سليم ومن معهم من طلبة العلم بالتسامح واللين في الأمور الدينية، ولكنه صرف معظمها إلى الرد على الجهة المقابلة وهم أتباع الشيخ ابن جاسر ومن معهم من طلبة العلم الذين يتهمون المشايخ آل سليم ومن معهم من طلبة العلم بالتشدد، فصح أن القوم ثلاث فرق في التفريق والتشديد، والوسط وفيه المشايخ آل سليم والتساهل.
وقد رأيت رسالة من الملك عبد العزيز آل سعود كان وجهها إلى أهل القصيم وهي تشير إلى ما ذكرته من الاتجاهات الثلاثة هذه، وإن لم تذكر أشخاصا بأعيانهم، وقد أرخت في ٨ جمادي الثانية سنة ١٣٣٥ هـ.
وهذه صورتها:
стр. 10104
الشيخ عيسى الملاحي يرد على منتقديه:
لم يقف الشيخ عيسى الملاحي مكتوف اليدين عما قيل فيه، ولو كان القائلون من المشايخ أو طلبة العلم المحترمين عند الناس فقد انبرى للرد عليهم بأسلوب واضح وكتب رسالة في ذلك حصلت عليها بخطه، ورأيت نقل صفحات منها بالتصوير لأن خطه واضح وعباراته مستقيمة، من ناحية الأسلوب والطريقة.
وهذا أفضل من أن نكتبها، وربما يحصل فيها غلط غير مقصود والأمانة تحتم علينا، وقد قدم هو إلى ربه إذ انتقل إلى الدار الآخرة أن نحفظ له من كلامه ما أراد، ونذكر من آرائه ما أراد، وذلك بنقل كلامه نصا وصورة، وقد وجه ذلك إلى من يصل إليه كتابه من كافة المسلمين، خصوصًا من له خبرة ومعرفة في مدارك الأحكام، ومباني الإسلام وقواعد الشرع والدين.
وينبغي الإحاطة بأنني لم أنقلها كلها لطولها ولأن في بعض صفحاتها تعرضا بالتجريح لأشخاص بأسمائهم.
стр. 10105
إلى أن قال:
стр. 10106
إلى أن قال:
стр. 10107
إلى أن قال:
стр. 10108
إلى أن قال:
стр. 10109
ولم يقتصر الشيخ عيسى الملاحي على هذه الرسالة التي وجهها إلى العوام بقوله: إلى من يصل إليه هذا الكتاب من عموم المسلمين، وإنما أرسل رسائل خاصة إلى بعض العلماء كالشيخ حمد بن فارس من علماء الرياض، وهي طويلة لا يحتمل هذا الموضع إيرادها وقد رأيت الاكتفاء بتصوير الصفحتين الأوليين منها، وهي بخطه الجميل.
стр. 10110
وعدد صفحاتها الموجودة ٣٥ صفحة.
стр. 10111
وعندي للشيخ عيسى الملاحي أيضًا رسالة مخطوطة عنوانها: "تسجيل القصور والغي، على المعترض من أهل جبلي طيء".
وهي مخطوطة كسائر كتبه ومكتوبة بخطه، ومضمونها الكلام على ذلك الخلاف حول حكام آل رشيد وحول النزاع الذي كانت آثارته أبياته السابقة.
وللشيخ عيسى بن محمد الملاحي مقطوعة نونية وقفت عليها بخطه هذه صورة الصفحة الأولى منها وصفحة أخرى من أثنائها وهي بخطه:
стр. 10112
ومنهم الشيخ يوسف بن عيسى الملاحي:
وهو ابن الشيخ عيسى بن محمد الملاحي من زملائنا من طلبة العلم، وكان أسن منا قليلًا عرفناه بطلب العلم ومحبة الدعوة إلى الله والترفع عن سفاسف الدنيا.
وقد كتب لنفسه بنفسه ترجمة حافلة مفيدة تمنيت لو أن إخواننا طلبة العلم من الذين كانوا في أسنائنا والذين قبلهم كتبوا مثلها لأنفسهم لأن فيها تفصيلات وأمورًا لا يعرفها على حقيقتها إلَّا صاحب الترجمة.
ولولا خوف الإطالة لأوردتها كلها ولكنني ألخصها هنا، نقلتها من خطه ولم تطبع.
قال الشيخ يوسف بن عيسى الملاحي فيما اختصرناه من ترجمته لنفسه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد فهذه نبذة يسيرة عن شيء من ترجمة حياة العبد الفقير إلى الله يوسف بن عيسى الملاحي كتبتها بناء على طلب بعض الأصدقاء والأقارب وفقهم الله ونبدؤها ببيان مكان وتاريخ ولادته:
ولد في قرية تدعى الشبيكية تقع هذه القرية غرب جنوب الرس من القصيم، وكان والده الشيخ عيسى بن محمد الملاحي قدعين في هذه البلدة قاضيًا.
تاريخ ولادته: حسب إخبار الوالدة بعد فتح حائل ويغلب على الظن أنه في عام ١٣٤١ هـ.
نسبه من جهة أبيه هو يوسف بن عيسى بن محمد بن عبد الله بن بركة بن ليفان وهذا ليس اسمه أظن أن اسمه (عقيل) ولكنه سمي ليفان لسبب أنه مرت
стр. 10113
حدأة فذرقت فسلحت شيئًا فيه رجل جرادة فتوقع أن يأتي جراد ويأكل الأشجار والثمار فقال لأهل بلده قفار: كموا من الجراد نخلكم بالليف حتى لا يأكل الجراد الثمر فضحكوا عليه ولم يلفوا على طلع النخل الليف ولكنه وضع الليف على ثمار نخله فجاء سحاب من الجراد بكثرة هائلة فأكل كل ما قدر عليه من الثمر والورق ولم يسلم إلَّا نخله فسموه ليفان وهو من آل عيادة.
وبعد أن بلغ من العمر سنتين انتقل مع أمه وبقية الأسرة إلى القصيم قرب بريدة فسكنوا في قرية تسمى (المريدسية) غرب بريدة وبهذه القرية عرفت نفسي وتعلمت بها يسيرا من القراءة والقراءة والدين، أما الوالد فظل مترددًا بين القصيم والشبيكية.
ثم رأى الوالد ﵀ أن ينقل العائلة إلى بريدة وأغلب الظن أنه إنما أراد من السكني في بريدة أن يتعلم بها أولاده لأن بريدة كان بها كثير من العلماء والكتاتيب، وفعلا أدخلني أنا والأخ سليمان في أشهر مدرسة في بريدة ألا وهي مدرسة الشيخ صالح الصقعبي ﵀ ولا أستطيع أن أحدد سني حين انتقلنا إلى بريدة وأدخلت في الكتاب لكن يغلب على ظني أني قد تجاوزت الثامنة من عمري فدرست في مدرسة الصقعبي وعرفت شيئًا لا بأس به من الكتابة والإملاء والقراءة والحساب إلَّا أن الوالد ﵀ لم تطل به الحياة بعد انتقالنا إلى بريدة حيث توفي بعد سنة من سكني بريدة في عام ١٣٥٣ هـ تقريبًا.
وبعد وفاة الوالد ﵀ عشت يتيما مع والدتي رحمها الله ومع أخي سليمان الذي كان أكبر مني بما يقرب من أربع سنين ومع أختي لطيفة التي كانت أصغر مني بثلاث سنوات تقريبًا، وبعد أن مضى ما يقرب من مدة غير محددة أصابتنا شدة حاجة مادية فسافرت مع الأخ سليمان إلى الرياض وذلك في عام ١٣٥٤ هـ أو ١٣٥٥ هـ فاشتغلت عند الدكتور مدحَتْ شيخ الأرض وكان حينئذ هو
стр. 10114
الطبيب الخاص للملك عبد العزيز رحمهما الله تعالى فبقيت عنده قريب سنتين حتى سافر إلى سوريا وهي بلده في الأصل وكان ﵀ معجبا بخدمتي وأمانتي، وكان يشتغل بعلاج قصر الملك عبد العزيز فرأى ﵀ أن يجعلني عند إحدى زوجات الملك مع أولادها كأمانة حتى يرجع من سوريا.
ولكنني رغبت في الدراسة ولم أرجع للطبيب مدحت، فواصلت الدراسة حتى أكملت ثلاث سنوات فكملت السنة الثالثة وكان الدافع للدارسة ذاتيا لم يلزمني أحد في الدراسة، وقد درست وانتظمت بحمدالله في كل هذه الحلقات مدة ليست بالقصيرة، وكان النظام المتبع أو الشرط الواجب لقبول الطالب في الحلقة المتوسطة أن يكون الطالب حافظا للقرآن كله عن ظهر قلب حتى أني لما استأذنت الشيخ عبد الله بن حميد للدخول في حلقته سألني هل حفظت القرآن فذكرت أني لم أكمله فقال: ﵀ أكمله أولًا ثم يتم قبولك فكررت عليه الطلب وتعهدت له أن أكمله فوافق بعد الإلحاح ووثق بوعدي والحمدلله وفيت بوعدي وأكملته، وكنت ملازمًا بحمد الله لهذه الحلقات في حين أني لم أترك العمل التجاري.
وفي عام ١٣٦٠ هـ سافرت إلى بريدة فتزوجت أول زواج بحصة بنت إبراهيم بن محمد الحسون ﵀ فأنجبت مني سبعة أكبرهم نورة وزينب والباقون ماتوا صغارًا وهم عيسى ومحمد وعبد الله وخديجة ولطيفة.
وفي عام ١٣٦٢ هـ اشتغلت موظفًا في الشرطة كاتبا مدنيا وبقيت فيها مدة تقرب من سنتين وأشهر ثم تركتها.
وفي هذه الفترة تعرفت على الإخوان الذين ينتسبون للحديث ولا يرون تقليد المذاهب، وكان من أبرزهم الشيخ عبد الله بن سعدي العبدلي الغامدي وكان لي معه جلسات كثيرة وقد تأثرت به حتى كنت أحرص على طلب الدليل على الأحكام ومع ذلك لم أترك المذهب الحنبلي وشاركت في بعض الزيارات
стр. 10115
والرحلات حتى زرنا شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، وكان إذ ذاك قاضيًا في الدلم (تبع الخرج) وكان الشيخ عبد العزيز ﵀ في هذا الوقت له شهرة بارزة لاسيما أنه كان هو الوحيد من مشايخنا الذي يفتي بأن الطلاق بالثلاث بلفظ واحد عن واحدة كما هو المشهور عن شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله ولعله مذهب أهل الحديث أو كثير منهم.
كما تعرفت في هذه الفترة على الشيخ عمر بن حسن آل الشيخ ﵀ وكان حينئذ هو الرئيس العام لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولزمته مدة طويلة حتى انتظمت عضوًا في الهيئة مدة تقرب من أربع سنوات وأشهر وكان الشيخ عمر ﵀ في هذه الفترة هو المسؤول عن المساجد وتعيين الأئمة والمؤذنين فعينني إمامًا في مسجد الإمام عبد الرحمن بن فيصل ﵀ الذي على شارع الملك فيصل جنوبا وكان يطلق عليه سابقًا شارع الوزير، وذلك قبل أن يبني مسلحا وبعد أن عمر مسلحًا أصبح جامعًا فكنت أخطب فيه ومكثت إمامًا به قريب اثني عشر سنة من عام ١٣٦٤ هـ - ١٣٧٦ - وكنت ألقي الخطب ارتحالًا بحماسة وبغيرة شديدة حيث قد ثارت في نفسي فورة الشباب الحريص على تغيير المنكرات عن طريق الخطب والكلام الأمر الذي أدى إلى إغضاب ولاة الأمر من الحكام والمشائخ وبعض المصريين نتج عنه إعفائي من إمامة المسجد جمعة وجماعة.
والأسباب التي أحفظت المسؤولين كثيرة ومن أهمها هذا الموضوع وهو أنني ذات مرة في إحدى الخطب تكلمت عن بعض حقائق التوحيد بأسلوب شديد وصريح حيث قلت عن هذا الموضوع: إن المصريين لهم حق أن يقولوا نحن وإن كنا نغلو كثيرًا في عبادة القبور وأن كثيرًا منهم يدور حول القبر كما يدور الحمار في الرحى وأنتم يا معشر أهل نجد نرى كثيرًا منكم قد عبد الدنيا واتخذتم ملوككم ومشايخكم أربابا من دون الله.
стр. 10116
وقد جن جنون بعض إخواننا المصريين حتى اشتكوا إلى الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ فاستدعاني وطلب مني الخطبة إذا كانت مكتوبة فأخبرته أني ألقيتها ارتجالا فأنكر عليّ ما بلغه عني من هذه الخطب، فسألته يا ش يخ هل ترى أننا ما عبدنا الدنيا فقال ﵀: ما قلت لك إننا ما عبدنا الدنيا.
وبعد مدة قليلة من هذه المحادثة جاءني الأمر بالتخلي عن المسجد.
وفي أثناء هذه المدة التي كنت فيها إمامًا لهذا المسجد توثقت الصلة ببعض الإخوان من أهل الزلفي وكان من أبرزهم الشيخ أحمد بن عليّ الحميدان والشيخ أحمد بن ناصر الغنيم والشيخ مقبل العصيمي وغيرهم، وكنا جميعًا في هذه الفترة لا نزال نطلب العلم على الشيخ محمد بن إبراهيم وكان هؤلاء الإخوة أسن مني، وكان الشيخ أحمد الحميدان يميل كثيرًا إلى علم الأدب وكان يقول الشعر ومن أجل إحساسه بأنني أحب اللغة العربية وعلومها وآدابها فكان يحمسني على قول الشعر، وفي يوم من الأيام ضمني معه مجلس في بيت الشيخ مقبل بن عبد الله العصيمي فألقى عليّ أنا والشيخ مقبل بيتًا من الشعر في الغزل قديمة وطلب أن يقول كل منا بيتين على منوال هذا البيت القديم الذي هو:
حواجبنا تقضي الحوائج بيننا ... ونحن سكوت والهوى يتكلم
وبعد أسبوع تم الاجتماع حسب الوعد فقال الشيخ مقبل:
وأعلم ما تهوى وتعلم أنني ... أريد بها أخلو إذا القوم نُوَّمُ
فلا واشيا نخشى ولا عين مبصر ... سوى عين من هُوْ بالسرائر يعلمُ
ثم قلت أنا (يوسف):
ولما منعنا أن نبوح بحبنا ... مشافهة إذ ذا لدُنَّا محرَّمُ
стр. 10117
عمدنا إلى الطرف اعتبارًا بكونه ... بديلًا كما يجزي عن الما تيممُ
كان الحكم بيننا الشيخ أحمد الحميدان فحكم لي بالسبق والتفوق على الشيخ مقبل ولكنه عفا الله عنه - وجه إليَّ تهمة مؤلمة لنفسي شديدة حيث زعم بأن هذين البيتين ليسا من نظمي وأنني سرقتهما من بعض كتب الأدب. فقلت من بحر الرجز:
أهلًا بذلك الصديق الأفضل ... صدقني في النظم أم لم يفعل
لما نظمت الشعر استغربته ... مهلًا أبا حميد لاتستعجل
فهالك نظمي لقريض مبتكر ... في حليه قبلي لم يستعمل
لي فكرة تستدعي المعنى البعيـ ... ـد درْكهـ عفوًا ولا أستنحلِ
ثم إن الشيخ أحمد الحميدان عين قاضيًا في بلد (ثادق) ثم كان - جزاه الله خيرًا - يكاتبني مكاتبة تفيض بالود والمحبة ويضمنها بعض الأبيات الشعرية المعبرة عن حبه وإعجابه بي فقال في بعض رسائله الموجهة لي:
سلام الله يا زمنًا مضى لي ... مع الأحباب في بلد الرياض
زمان أبيض منه الليالي ... مع الأيام ناصعة البياض
لأني كنت من أصحاب صدق ... ذوي الآداب والنكت الغماض
وفيهم يوسف كمثل بازٍ ... تراه للغوامض ذا انقضاض
وقد بدلت بعدهمو بقوم ... من الآداب خالية الوفاض
هذه الأبيات أرسلها الشيخ ضمن خطاب بعثه لي من البلد الذي هو مقيم فيه وقد سبق أن أرسل أيضًا خطابًا ضمنه هذه الأبيات:
أراك الشيخ يوسف قد بدأنا ... نقول الشعر فاحرص أن تجيدا
وخذ ما جاء إن تره مُطيعًا ... ودع ما كاد إن تره عنيدا
стр. 10118
وعانق ما تيسر واحفظنه ... وزايل كل ما تره بعيدًا
وقد بأدلته بالمثل وضمنت بعض رسائلي هذه الأبيات:
فاحمد قدركم أصلًا وفرعًا ... ويسمو في الفخار على الطباق
أنيس قربه لا يستمل ... ظريف طبعه أسنى الرفاق
فساعته كحول في الفراق ... كما حول كساع في التلاق
وفي عام ١٣٦٨ هـ عينت مدرسًا في المدرسة الأهلية الواقعة على البطحاء شرق مبنى البلدية، وكان مديرها في هذا الوقت الشيخ عبد الله بن إبراهيم السليم ﵀ والشيخ خليل الهندي كان مساعدًا له وجلبوا لها عدة مدرسين من مكة وغيرها، وكانت هذه المدرسة أول ما فتح في الرياض بعد مدرسة الأمراء ومدرسة الأيتام المسماة السعودية.
وقد استمريت مدرسًا فيها قريب خمس سنوات حتى فتحت المعاهد العلمية فاستقلت من وظيفة التدريس والتحقت طالبًا في معهد الرياض العلمي الذي في البطحاء في الرياض، وبعد أن تخرجت من المعهد واصلت الدراسة في كلية الشريعة وقد تعرفت فيها على كثير من الزملاء.
وفي عطلة الدراسة في عام ١٣٧٧ هـ قمت برحلة لسوريا ومكثت في دمشق مدة وقد وفقت فيها بالتعرف على الشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني، وقد أعجبت بنشاطه وعمله وتنظيمه للوقت، ففي أثناء الأسبوع يجتمع معه مجموعة من الطلبة ليتلقوا منه دروسا في الحديث وبعض وقته يذهب للمكتبة الظاهرية في دمشق لينقل من المخطوطات وله دكان يذهب إليه يشتغل فيه لكسب العيش، وكانت مهنته في الدكان إصلاح الساعات إذ كان مهندسًا للساعات، ثم في كل شهر يسافر من دمشق إلى حلب فيمكث فيها أربعة أيام
стр. 10119
يلقي فيها دروسًا في الحديث على بعض الطلاب في حلب ويذهب إلى مكتبة كبيرة فيها فينقل من الكتب المخطوطة ثم يذهب بعد ذلك إلى اللاذقية فيبقى فيها يومين يقيم فيها حلقات لتعليم الحديث.
وقد سافرت معه ولازمته في هذا السفر أسبوعًا كاملًا واستفدت منه - ولله الحمد - وقد كانت مواصلاته الوحيدة في هذا الوقت الدراجة العادية داخل دمشق.
بعد التخرج من الكلية:
ثم بعد التخرج من الكلية كلية الشريعة عام ١٣٧٩ هـ و ١٣٨٠ هـ تم تعييني من قبل الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم ﵀ مدرسًا في معهد الرياض العلمي واستمريت مدرسًا في المعهد، وكان مسمى الوظيفة أنني مدرس في كلية الشريعة إلَّا أنني لم أرغب الانتقال من المعهد بل بقيت مدرسًا في المعهد.
ولما شكلت نشاطات الجمعيات في المعهد أسند إليَّ الإشراف على جمعية التوعية الإسلامية فكنت أخرج معهم في جميع الرحلات التي يقومون بها والمخيمات.
ولم أزل أمارس عمل التدريس في معهد الرياض العلمي حتى طلبت الإحالة إلى التقاعد المبكر فتم لي ذلك في ١٠/ ١/ ١٤٠٢ هـ.
ثم بعد هذا من سيرته ذكر الشيخ يوسف الملاحي رحلاته الدعوية إلى خارج بلادنا وأطال في ذلك وقال في آخر الترجمة:
أما الأعمال من عام ١٤٠٨ هـ إلى تحرير هذا فكانت رحلات خاصة أكثرها داخل المملكة إلى مكة وإلى المدينة مع الأولاد والأهل وكنا في الغالب في أول هذه المدة إلى قريب فيها نصوم رمضان في مكة وكنت أقضي الوقت في القراءة في عام الكتب الإسلامية كالتفسير والحديث والتوحيد والفقه واللغة العربية وكتابة بعض الرسائل القصيرة ومن أشهرها الرسالة المسماة (إصلاح وإنصاف لا هدم ولا اعتساف) وهذه الرسالة هي الوحيدة التي طبعت وقدم لها
стр. 10120
سماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ أما بقية الرسائل فلم يطبع منها شيء إلى هذا التاريخ حرر في ليلة الخميس ٢١/ ٢/ ١٤٢٩ هـ. انتهى.
وللشيخ يوسف بن الشيخ عيسى الملاحي رسالة مطبوعة في ٢٢ صفحة عن حال جماعة التبليغ الهندية مضمونها الدفاع عنهم في أكثر مواقفهم قدم لها الشيخ عبد العزيز بن باز الرئيس العام الإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.
وعنوانها: (إصلاح وإنصاف لا هدم ولا اعتساف) كتبه راجي عفو ربه: يوسف بن عيسى الملاحي، طبع على نفقة بعض المحسنين (الطبعة الأولى: رمضان سنة ١٤٠٧ هـ).
ونعود إلى ذكر الشيخ عيسى الملاحي فنقول:
كان الشيخ عيسى الملاحي يكتب للناس التعاقدات من البيوع ونحوها كما يكتب وثائق الوصايا والأوقاف، وخطه في ذلك جميل متقن.