وكانت المنيف هؤلاء صولة وجولة سمعنا ببقاياها يتداولها المسنون ونحن صغار، ثم ذهب ذلك مع ما ذهب من تراث كثير.
منهم علي ... المنيف من الشجعان المعروفين.
مات عام ١٣٤٠ هـ.
ومنهم .... المنيف كان من تجار الإبل المعروفين بعقيل.
وابنه علي صاهر حمد بن عبد المحسن التويجري مدير مالية بريدة، حيث تزوج حمد التويجري أختًا لعلي المنيف.
وجدت شهادة لعلي المنيف القديم ربما كان جد المذكور قبله، في وثيقة مؤرخة في ٢٤ شعبان من عام ١٣١٢ هـ بخط يوسف بن عبد الله المزيني، وتتضمن مداينة بين صالح العلي الخراز، ومحمد الرشيد الحميضي، والدين هو أربعة أريل إلا قرش، والجرش هنا هو ثلث الريال.
والشاهد الوحيد فيها هو علي المنيف.
стр. 10222
ووقفت على وثيقة مختصرة فيها مرابحة وهي البضاعة التي هي المضاربة عند الفقهاء أو شبيهة بها وطرف الوثيقة رجلان من جهة وهما علي المنيف وعبد الله المنصور الصانع ورجل ثالث من جهة أخرى هو صاحب
стр. 10223
المال وهو إبراهيم بن محمد الربدي فقد أعطى الرجلين أربعمائة ريال فرانسة وهي مبلغ كبير في ذلك الوقت على طريق المضاربة، وذكرت الوثيقة أن الفائدة وهي ما يربحانه من المتاجرة بهذا المال أو لنقل إنها استثماره أنصاف بينهم بمعنى أن نصفها الذي أعطاهما المال وهو إبراهيم بن محمد الربدي ونصفها لهما لقاء عملهما في استثمارها.
والشاهد على ذلك دخَيِّل العبد الله وهي بفتح الخاء وتشديد الياء المكسورة وتقدم ذكره في حرف الدال.
والكاتب هو الثري الوجيه عبد العزيز الحمود المشيقح
والتاريخ ١٥ شوال سنة ١٣١١ هـ.
ووجدت ذكرًا لإبراهيم بن علي المنيف في وثيقة مداينة بينه وبين الثري الكبير إبراهيم بن علي الرشودي أحد زعماء بريدة.
وهي بشهادة محمد بن عبد الرحمن الحميضي، وخط عبد الرحمن بن محمد الحميضي كتبها في ١٥ جمادى الأولى عام ١٣٥٠ هـ.
стр. 10224
وهذه وثيقة أخرى مختصرة الشاهد فيها هو علي المنيف ومعه إبراهيم العبد المحسن العبادي والد الشيخ الجليل عبد العزيز العبادي ﵀.
وهي مؤرخة في ٢٥ جمادى الثانية سنة ١٣١٦ هـ بخط الثري الوجيه عبد العزيز بن حمود المشيقح
وتتضمن مداينة بين محمد العبد الله المجيدل وبين إبراهيم المحمد الربدي.
стр. 10225
المَوَّاش:
بفتح الميم وفتح الواو مع تشديدها فألف ثم شين في آخره.
أسرة صغيرة من أهل بريدة.
اشتهر منهم سلطان بن محمد المواش بإجادته إصلاح السلاح كالبنادق ونحوها وهو رجل كريم يفرح أهل الحوانيت بمروره عليهم لأنه لا يستقصي في البيع والشراء.
مات عام ١٣٧٦ هـ.
وكان بيت سلطان المواش عامرًا بالأضياف والزائرين وله قصص في هذا الصدد كثيرة.
وقد ذكره بعض الشعراء منهم محمد بن خرشت العنزي من أهل الأسياح قال:
وآعزتي وآجبرتي لابن مواش ... كان الحبيصي صار عنده فداوي
ما زلّ يوم ما ارتحل صار طَرَّاش ... نجنِّب الطرقان يمشي خلاوي
لي رفقة - يا أبو محمد - على ماش ... يستاهل الرفقة خطاة النداوي
وأبو محمد: كنية سلطان المواش لأن أكبر أولاده اسمه محمد.
وقال علي الناصر السهلي في سلطان بن مواش:
يا دحيم بن مرزوق ضاق الصدر ضاق ... من عقب ابن (مواش) صرنا دراويش
وين الذي لي جيت للبن مشتاق ... قلط ثلاث زاهيات الطرابيش
والثلاث الزاهيات الطرابيش هي دلال القهوة التي هي الأباريق التي تصنع فيها القهوة، والطرابيش أعناق الدلال وهي التي تكون في رأس أغطيتها.
стр. 10226
كتب إليَّ الأستاذ سليمان بن عبد الله بن شريدة بهذه الترجمة لسلطان المواش فقال:
سلطان بن محمد المواش (١٣٠٠ - ١٣٧٢ هـ) تقريبًا:
هو أبو بدر سلطان بن محمد المواش من كملة الرجال مروءة وشهامة ورجولة وشجاعة، وله صداقات كثيرة مع أعداد وفيرة من الشيوخ والأفراد وذوي الوجاهة - في الرياض - والقصيم والزلفي - والكويت وقد عاش عدة سنين في الكويت وأيام كان الملك عبد العزيز ﵀ وأسرته يعيش هناك، وله أكثر من قصة مع الملك عبد العزيز - ومع أخيه الأمير محمد بن عبد الرحمن، كما له قصص مع أمراء الكويت، وقد جرى بينه وبين أحد أعمامه في الكويت - حادثة - تدخل فيها أمير الكويت وحاول الإصلاح بينهما، وكان العم حاقدًا على ابن أخيه سلطان بسبب شهرته ومكانته عند المجتمع الكويتي، وفي القصيم كان بيته في العجيبة من عام ١٣٥٠ هـ تقريبًا، إلى عام ١٣٧٠ هـ محطًا للضيوف ومجمعًا ليليًا لأعداد كبيرة من الأمراء والشعراء وكان أمراء الأسياح والمذنب والربيعية والشماسية وقصيباء ومدرج وقصرابن عقيل - وغيرهم له صداقات متينة معهم وكان منديل الفهيد وسليمان بن شريم رحمهما الله - ممن لا تفقدهما في هذا المجمع الليلي ويقول ابن شريم:
اللي يبي فنجال يقعد له الرأس ... ينصي لابن مواش راع العجيبه
يلقى معاميل ونجر ومحماس ... وادلال من ميّ القليّب جذيبه
وأخبار ربع للتعاليل جلّاس ... علمٍ اتعلّم به وعلسم تجي به
جلسات أبو بدر عز ونوماس ... سلطان بن مواش يا طيب طيبه
ويقول الرواة - كما سمعتها من ابنه محمد - إنه في ليلة من ليال الفقر والجوع والبرد والمطر وجد سلطان المواش ثلاثة رجال أو أربعة من إحدى قرى القصيم وجدهم قرب أحد المساجد، قد ضاقت بهم السُّبل في ليلة ليلاء،
стр. 10227
فاصطحبهم معه إلى بيته، وهناك أكرمهم وقهواهم وعشاهم وناموا عنده تلك الليلة وطيَّب خواطرهم في الصباح، وخرجوا من عنده شاكرين.
وانطلق الثلاثة أو الأربعة مع العقيلات وبعد سنتين أو ثلاث سنوات رزقهم الله فعادوا غانمين، فكان أول شيء عملوه أن التقوا سلطان المواش وأهدى كل واحد منهم لهذا الرجل الشهم هدية - فأعطاه أحدهم ناقة أو ناقتين، وأعطاه الآخر فرسًا وأعطاه الثالث نقودًا، والرابع .. إلخ.
وكان لا يعرفهم حتى عرفوه بأنفسهم وقالوا نحن ضيوفك في تلك الليلة المذكورة.
وسلطان المواش من المولعين جدًّا بمتابعة الصيد والخروج للمقناص.
له عدد من البنات، وأربعة ذكور بدر، وقد توفي صغيرًا، ومحمد وعبد الرحمن وعبد الغفور.
أما محمد ١٣٤٠ هـ - ١٤١٨ هـ فله ترجمة خاصة.
وأما عبد الرحمن فهو الآن في الرياض من مواليد ١٣٤٧ هـ تقريبًا يعمل بأمانة مدينة الرياض، ثم تقاعد وله عدد من الأولاد ذكورًا وإناثًا.
وعبد العزيز من مواليد ١٣٥٠ هـ تقريبًا ويعمل في أمانة مدينة الرياض وتقاعد وله عدد من الأولاد. انتهى.
وأقول أنا مؤلف هذا الكتاب: إن كل ما ذكره الأستاذ سليمان الشريدة عن سلطان المواش أعرفه بنفسي وهو فوق ما ذكره، فهو جميل المنظر، بهي الطلعة سمح النفس، رأيت أرباب الحوانيت إذا مر يعرضون عليه ما لديهم من بضاعة نفيسة لا يشتريها إلّا هو وأمثاله.
стр. 10228
وسمعت أحد أصحاب الدكاكين في (قبة رشيد) قبل هدمها يقول وهو يذكر تمرًا فاخرًا عنده: هذا ما يشريه إلَّا إبراهيم العلي الرشودي أو سلطان المواش.
وقال الأستاذ ناصر بن سليمان العمري:
الإحسان وأثره في النفوس:
سلطان بن محمد المواش من أهل بريدة وله أبناء عم في الأفلاج رأيتهم في ليلي وسألتهم عنه فوجدتهم يعرفونه ويقولون: هو ابن عمنا، ولم أسألهم إلى أية قبيلة من قبائل العرب يرجعون في نسبهم، وسلطان المواش رجل كريم النفس ضخم الجسم حسن الصورة جميل الملابس، وهو يصلح أسلحة البنادق ويأخذ على إصلاحها أجرة، وربما باع واشترى السلاح وقتما كان البيع والشراء في السلاح مباحًا من قبل الحكومة.
هطلت أمطار على مدينة بريدة عدة أيام فبقي حبيسًا في بيته لا يخرج إلى دكانه بسبب الأمطار، وكانت عنده بندق يصلحها لرجل من البادية فجاء إليه البدوي في بيته وقال له: يا سلطان أنا انتظرتك حتى تفتح الدكان من مدة لأخذ بندقي فما جئت إلى الدكان.
قال له سلطان: كما ترى الأمطار حبستنا في البيوت، فأكرم البدوي وقدم له القهوة وشيئًا من الطعام ثم ذهب معه تحت وابل المطر إلى الدكان وسلمه بندقه وأخذ أجرته، وعندما أراد إغلاق دكانه اقترب منه رجل يرتعد من البرد ومن الجوع وسلم عليه متوسمًا فيه الخير، فرد عليه سلطان السلام فقال الرجل: يا أخي نحن طراقي ونشعر بالبرد ونحتاج إلى الراحة والدفء، فقال له سلطان، تفضل معي إلى البيت، قال الرجل: لي رفاق ثلاثة، فنحن أربعة، قال سلطان أحضر رفاقك وأنا في انتظارك هنا في الدكان، فغاب الرجل وأحضر رفاقه من مكان قريب فسلم عليهم سلطان ودعاهم إلى داره فأوقد النار لتدفئتهم فأدفأهم وأطعمهم وقدم لهم القهوة فبقوا عنده يومًا وليلة، ثم أحضر لهم
стр. 10229
كسوة وكساهم وقال لهم: الدار داركم لا نملكم، فشكروه وانصرفوا من عنده دون أن يسألهم عن أسمائهم وبلادهم.
فسافروا من بريدة إلى الحجاز والتحقوا بجيش الشريف حسين بن علي الشريف إبان حكمه للحجاز وبعد مدة عادوا إلى بلادهم وهي الخبراء من بلدان القصيم وبقوا عند أهلهم برهة ارتاحوا ثم ركبوا نياقهم واتجهوا إلى بريدة، ولما وصلوا إليها سألوا عن بيت سلطان المواش، فصادفهم رجل من أهل بريدة اسمه فهد الدحيم فذهب بهم إلى بيته وأكرمهم ثم ذهب بهم إلى سلطان المواش فوجدوه في داره وسلموا عليه فأنزلهم في داره ولم يسألهم من هم ولم يعرف أنهم ضيوفه السابقون فأكرمهم بضيافته وسالوه هل تعرفنا؟ قال: لا، فقالوا: نحن ضيوفك يوم كذا من شهر كذا من عام كذا، قال: الله يحييكم مرة أخرى فقدم كل واحد منهم له (بقشة) فيها ملابس هدية له وقدموا له بقشة خامسة قالوا هذه الأم أولادك وقدموا له أربعين جنيهًا ذهبًا وقالوا هذه هديتنا لك يا سلطان، فقال: أنا قمت بواجبي ولا أريد منكم مالًا فحلفوا عليه أن يأخذها فأخذها إكرامًا لهم ثم انصرفوا، وهذا أثر الإحسان في النفوس رحم الله الجميع (١).
وترجم له الأستاذ الطويان في كتابه (رجال من الذاكرة) فكان مما قاله:
وصاحب هذه السيرة فيه كثير من الصفات الطيبة، التي يُتَوِجُها بالظرافة والكرم المعهود به.
وقد ولد المرحوم سلطان بن محمد المواش ببريدة سنة ١٢٩٨ هـ وترعرع بها، وخالط أكابرها من العقيلات وغيرهم، وسافر إلى الكويت والدول المجاورة حتى عركته الحياة، وصار خريجها.
стр. 10230
وكان ابن مواش ﵀ شغوفًا بمعرفة الرجال المميزين، ويحرص كثيرًا على معرفتهم والاستفادة من تجاربهم حتى صار من الرواة الحافظين للشعر والقصص وسير الرجال، وكان أيضًا من المولعين بالصيد والقنص ومطاردة الظباء، والحبارى في كل مكان.
وله علاقات وطيدة مع أمراء القصيم المشهورين أمثال الرعوجي، وابن عُقَيل والمطرودي، وله علاقات مع آل سديري، وابن جميعة، وشلهوب، وغيرهم من رجالات نجد الذين يتشرف بهم من يعرفهم.
لذا تأثر بهؤلاء الرجال وصار ﵀ علما معروفًا لدى الجميع، ومنزله لا يغلق عن معارفه وزواره، وعن الشعراء أمثال لويحان وسليمان بن شريم.
وكان منزله بالعجيبة كما ذكره الشاعر المرحوم سليمان بن شريم عز ونوماس، قال أحدهم: لقد رأيت في منزله سبعة أمراء في يوم واحد، ولا شك أن هذا دليل واضح على أريحية هذا الرجل ووجاهته التي يزينها الكرم (١). انتهى.
وابنه محمد بن سلطان الموَّاش، كان إلى جانب عنايته بإصلاح البنادق مغرمًا بالصيد، وهو خال سليمان بن عبد الله بن محمد الشريدة، بمعنى والد زوجته، وليس خاله من الرحم، فبنت محمد بن سلطان المواش هي زوجة سليمان بن عبد الله الشريدة، ولذلك كان يسميه في مرثيته له عندما توفي بالخال، بمعنى والد الزوجة.
كتب لي ترجمته كما يلي:
стр. 10231
محمد بن سلطان المواش (١٣٤٠ هـ - ١٤١٨ ه ـ):
رجلٌ لا يقل عن والده شهامة ورجولة وكرما، ومن المولعين جدًّا بالقنص ومتابعة الصيد صيفًا وشتاء، والرجل ذو أخلاق عالية وإذا جلست إليه لا تمل مجلسه أبدًا، فهو يضفي على المجلس أي مجلس بهجة وفرحًا وسعادة، وإذا كان رفيقك في السفر أو المقناص تتمنى أن تطول الأيام والليالي معه لأنه دائمًا مرح لا يعرف الضيق أو الكدر، وحين فقده أصحابه تأثروا جدًّا، ولا يزالون يذكرونه إذا ذكروا الرجال المغادرين، بل وأطلق عليه بعضهم - اسم مونّس - لأن من يكون معه دائمًا يشعر بالأنس والسعادة، هذا جانب من جوانب شخصيته، أما الجانب العجيب فهو راوية لكثير من الأخبار أو الأحداث والقصص النادرة، ويحفظ كثيرًا من القصائد التي لها مناسبات تاريخية أو اجتماعية، أو أحداث غريبة، وله من الأولاد خمسة بنين وأربع إناث، منهم:
أحمد من مواليد ١٣٦٤ هـ. ويعمل مدرسًا وقد تقاعد.
مواش من مواليد ١٣٧٤ هـ ويعمل مديرًا لإحدى المدارس.
مرثية بالخال محمد بن سلطان المواش - ١٤١٨ هـ:
ناح الحمام وروَّعن في هديلهْ ... ونور العيون الدمع في خدها سال (١)
الخال روّح وين ابلقى مثيلهْ ... دنيا الغثا وش لون ابي اسلي بلا الخال
قلبي على فرقاه زايد جفيلهْ ... ما عاد أنا ناسيه لو عصرنا طال
فيه السموحه والحبابه أصيلهْ ... وعنده علوم ما تجي لك على البال
موته كوى قلبي ونفسي عليلهْ ... واسهر طوال الليل والدمع همَّال
يا ما استفدنا من علوم جليلهْ ... عنده خبرها من طرافات الأجيال
وراعي كرم وقت السنين المحيلهْ ... وشباب نار للطواريق مدهال
الله من يومٍ مضى باثر ليلهْ ... قنصت أنا واياه في صيهدٍ خال
стр. 10232
شرق وشمال الصيد نلقى جزيلهْ ... وغرب وجنوب إليا كل وادي سال
دوّجت انا واياه بدنيًا جميلهْ ... عشر وعشرين مضت كنه ليال
بالقايلهْ يم الاطلاع الظليلهْ ... وفوق الأطعوس النايفه وقت الآصال
وفصل الشتا بين الفياض العليلهْ ... تلقى لنا بتلاعها كيف فنجال
وليل المطر والثلج بلغف الطويلهْ ... بين الطعوس الذارية خوش منزال
تلقى لنا نار ضواها دليلهْ ... إدلالها ودخانها يرشد الضال
وياما علينا السحب تنثر هميلهْ ... بذيك الفيافي القاصية خلو الأزوال
وياما نتفنا الريش كنه ثميلهْ ... إحبارها وقمريها إدقاق وجلال
في سهلة ما دلها الا الدليلهْ ... وذيك الحزوم اللي عليها القطا جال
وياما كبسنا بالشغاية المسيلهْ ... على القطا والوز وأنواع وأشكال
وياما طردنا من افروق إمهيلهْ ... وجول الحبارى لي زرقناه نزال
وياما نسفنا التيس وسط الجميلهْ ... تيس الظبا فوق الصوالين ينشال
يا رب يا معطي العطايا الجزيلهْ ... تنعم على خالي بجنات واظلال
وصلاة ربي والثنسا والفضيلهْ ... على رسول الله والصحب والآل
وقال سليمان بن عبد الله بن شريدة في مدح خاله بمعنى والد زوجته محمد بن سلطان المواش هذا:
إليا طلع خالي فلا انشد عن الناس ... اللي يجي واللي يروح بسلاما
الخال نادر ما لقيته بالأجناس ... وما شفت مثله يا ربوعي تماما
أسري أنا وإياه والناس غطّاس ... وناردْ على جوٍّ جهيل العلاما
وتطلع لنا شمس على ذيك الأطعاس ... وذيك الحزوم اللي كستها الخزامى
يا ما وردنا البير ندليه بطياس ... وياما شربنا من نظيف الغماما
وياما نزلنا في جميلات الأغراس ... وياما ركزنا بالفياض الخياما
وياما قنصنا بالمطرْ زودِ نوماس ... والسّحب سُودٍ مثقلاتٍ من الما
وياما شعلنا النار والثلج مقباس ... في ليلةٍ خدرٍ وبردٍ وظلاما
راحت ليالينا كما ثابتٍ ماس ... وقت الربيع وتالي الصيف إرماما
стр. 10233
الموالي:
من أهل بريدة.
آخر من عرفته منهم إبراهيم بن عبد العزيز الموالي صاهر آل هلال الفدعاني فكان خال أولاد محمد الهلال.
منهم إبراهيم بن عبد العزيز الموالي ذكر الأمير فهد بن فيصل نائب أمير القصيم اسمه في كتاب موجه منه إلى علي بن هديب كبير الفردة ومقره القوارة بأنه - أي الموالي - رأي هلال شهر شعبان مع رجلين آخرين أحدهما في جازان والثاني في نجران لذلك يعتمد دخول شهر بعد انقضاء ثلاثين يومًا على رؤية شعبان.
ووجدت ذكر (عبد الله المشاري الموالي) في وثيقة إقطاع صادر له من الأمير حسن المهنا أمير بريدة، وسماها الأمير (بقعة) وهي من أرض حكومية.
وقد قيل في أسفلها إن الذي كتبها هو عبد الله بن صقيه، وذلك بإملاء حسن المهنا، وهذا غير صحيح، بل لا يمكن أن يكون صحيحًا، لأن الشيخ
стр. 10234
عبد الله بن صقيه قد توفي قبل أن يتولى حسن المهنا الإمارة بأربعين سنة.
كما أن الخط ليس خطه الذي نعرفه.
وربما كان يقصد كاتبًا آخر من أسرة (الصقيه) اسمه عبد الله، فذلك وارد لأن في أسرة الصقيه أكثر من كاتب.
ولذلك ذكر في تاريخها عام ١٢٩ ولم يذكر الرقم الرابع وهو الذي بعد سنة ١٢٩٠ هـ.
ومن الجائز أن كاتبها نقل ما كتبه من خط الشيخ ابن صقيه فعلًا ولكنه لم ينوه بذلك جريًا على عادة بعضهم في هذا الأمر، ولكن تبقى مشكلة الأمير الذي قيل إنه منح (الموالي) تلك الأرض، لابد أن يكون على هذا التخريج - غير حسن المهنا.
стр. 10235
من الوثائق المتعلقة بالموالي هذه المؤرخة في العمر أي محرم عام ١٢٩٢ هـ وهي مداينة بين عبد الكريم الراشد الموالي وبين حمد المحمد بن خضير.
والدين: ألف وخمسمائة وثلاثون وزنة تمر منها خمسمائة وثلاثون حالَّات - بتشديد اللام - أي واجبة الدفع عند كتابة هذه الوثيقة والباقي يحلن في شوال سنة ١٢٩٢ هـ.
وأيضًا في ذمته لحمد (الخضير) اثنان وعشرون ريالًا يحلن حلول التمر المذكور.
وأيضًا في ذمته لحمد ثمانون صاع حب أي قمح يحلن إنسلاخ ربيع الأول سنة ١٢٩٣ هـ.
стр. 10236
ثم ذكر الرهن بهذا الدين.
والشاهد عبد الله بن فرحان.
والكاتب عبد الله المقبل، وهو من المقبل (العبيد) وليس من المقبل الذين منهم المشايخ القضاة المعروفون.
والتاريخ أول العمر وهو شهر محرم مبتدأ سنة ١٢٩٢ هـ.
стр. 10237
وبعدها وثيقة مختصرة تتضمن مداينة بين عبد الكريم الموالي وبين حمد الخضير، والدين فيها ثلاثون ريالًا، وهي تالي أي آخر ثمن الذلول وهي سلف أي غير مؤجلة الدفع.
والشاهد عبد الله السليمان العمري.
والكاتب راشد السليمان بن سبيهين وهو المعروف براشد أبو رقيبة ثم عرفت أسرته بعده بالرقيبة.
وتحتها وثيقة أخرى قصيرة تذكر بأن حمد الخضير أقر بأنه وصله من (الموالي) موسم عام ١٢٩٤ هـ أربعة وستون ريالًا وأربعة أرباع، والأرباع جمع ربع وهو ربع القرش الذي هو ثلث الريال الفرانسي.
وذكرت الوثيقة أن تلك الريالات هي أصله وعمارته.
والشاهد على ذلك عبد العزيز المجيدل.
والكاتب صالح بن محمد الضبيعي.
стр. 10238
ووجدت وثيقة ذكرت (حماد الموالي) مكتوبة بخط الشيخ صعب بن عبد الله التويجري في محرم سنة ١٢٨٣ هـ.
وتقول: إن سلطان بن إبراهيم باع على سعيد الحمد (المنفوحي) ملكه المعروف بالخضر، وهو الذي درج على سلطان من (حماد الموالي).
الشاهدان على ذلك عثمان الخضير وعبد العزيز السليمان المطوع، وقد كتب الشيخ صعب كلمة المطوع هكذا (الموطوع).
الموسى:
أسرة صغيرة جدًّا من أهل بريدة متفرعة من أسرة الدّحَّام التي سبق ذكرها في باب الدال.
стр. 10239
الموسى:
أسرة صغيرة جدًّا من أهل بريدة.
منهم ناصر بن موسى الموسى كان يبيع علفًا في سوق العلف القديم الواقع شرقًا من المقصب، وهو الآن سوق مزدهر بالحوانيت الغالية البضايع.
ثم انتقل ناصر إلى بسطة الجردة يبيع في البقولات الخضراء، مات عام ١٣٩٥ هـ.
وله أولاد ثلاثة منهم من صاهروا أسرة الدغيري.
وأخوه موسى الموسى كان يحرج في سوق بريدة، ثم انتقل للرياض، توفي عام ١٤٠٩ هـ في الرياض.
المْهاوش:
من أهل خب (العريمضي) أسرة صغيرة، منهم الأستاذ غانم بن عبد الله المهاوش مدير مدرسة حارة السالمية في بريدة - ١٤٠٠ هـ.
كان جدهم أعرابيًّا عنزيًّا نزل في خب العريمضي وتزوج حضرية ثم صار يذهب مع عقيل تجار المواشي.
وغانم بن عبد الله المهاوش مدرس متقاعد في بريدة - ١٤٢٧ هـ.
ومنهم عبد الله بن غانم المهاوش مؤذن في مسجد الونيان في حي الخليج غرب بريدة.
وسليمان بن محمد المهاوش مدرس في بريدة - ١٤٢٨ هـ.
стр. 10240
المْهَرِّف:
بإسكان الميم ثم هاء مفتوحة فراء مشددة مكسورة وآخره فاء، ومعنى المْهَرِف بإسكان الهاء وكسر الراء هو الذي يسير سيرًا عجلًا لذلك يقال أهرف الذئب فهو مُهْرِف، لأن الذئب لا يرى إلا مهرفًا أي مسرعًا في مشيه، دون الركض، وأهرف الشخص فهو مهرف كذلك.
أما مْهَرِّف بفتح الهاء وتشديد الراء فإن معناه كثير الإهراف أي الذي يفعل ما ذكر بكثرة.
والمهرف: أسرة من أهل بريدة.
منهم محمد بن مهرف ورد اسمه في وثيقة بخط إبراهيم بن محمد بن سالم أحد كتبة (السالم) أهل بريدة القدماء وقد عاش معظم القرن الثالث عشر.
وهي مداينة بين سليمان بن صالح (السالم) من أسرة الكاتب نفسها وبين محمد السالم من الأسرة نفسها أيضًا، والشاهدان (محمد المهرِّف) ومحمد الدخيل.
стр. 10241
ومنهم إبراهيم بن عبد الله المَهرِّف فارس شجاع معروف قتله ابن رشيد بعد سنة الطرفية في الرفيعة شرقي بريدة.
وكان يعرفه فرآه مصادفة خارجًا من ملك حسن المهنا بالرفيعة يمشي، وقتله وهو ليس معه سلاح.
وقد غيروا اسم أسرته الآن إلى (الرعوجي) بديلة من (المهرف).
سجلت الوثائق أسماء عدد من المهَرِّف في مكاتبات مداينات، من ذلك ما جاء في مكاتبة مداينة بين إبراهيم آل محمد المهَرِّف وسليمان الصالح (ابن سالم) بمبلغ قليل ومع ذلك أرخت في عام ١٢٦٨ هـ.
ووثيقة أخرى مداينة بين أم محمد البراهيم المهَرِّف وبين سليمان الصالح (السالم) كتبت بخط محمد آل حمد بن دهيِّم، والدين يحل أجل وفائه بالضحية أي ذي الحجة من عام ٦٨ (١٢) هـ والشاهد فيها هو حمود العتيك، أما الشاهد ابن دهيِّم فإن الدهيم هم أبناء عم الجاسر.
стр. 10242
والوثيقة التالية وثيقة مبايعة بين محمد الناصر الرسيني وأخيه عبد الرحمن وبين محمد بن إبراهيم آل محمد المهرف.
والمبيع أرضه الكائنة في خب القبر.
стр. 10243
والثمن أربعة عشر ريالًا منها اثنا عشر ريالًا وصلت لعبد الكريم الجاسر بدين على محمد الابراهيم أي أنه كان لعبد الكريم الجاسر دين على محمد بن إبراهيم المهرف سابق، وريالان أفضلهن أي تفضل بهما بمعنى أنه أسقطهما عن ذمة إبراهيم تبرعًا، وذلك من أجل أن يفسخ عبد الكريم رهنه الذي سبق أن أرتهن به هذه الأرض على المهرف، لأنه إذا لم يفسخ رهنه لم يستطع صاحبها وهو هنا (المهرِّف) أن يبيعها إلا عليه، والشاهد إبراهيم بن عبد الله راع السادة وسليمان العبد الكريم.
وهذان الاسمان لا يعرفان بتشديد الراء وكسرها.
وكتبه وشهد به عمر بن سليم، وهو عمر بن عبد العزيز بن سليم أول من سكن بريدة من آل سليم قادمًا إليها من الدرعية.
وتاريخها في ثاني من جمادى الثاني سنة ست وسبعين أي بعد المائتين والألف.
وتحتها مبيع الأرض المذكورة من الرسيني على إبراهيم السليمان الضبيعي وتاريخها ٢٢/ ٦/ ١٢٧٦ هـ.
стр. 10244
وهاتان ورقتا مداينة بين (أم محمد البراهيم المهرِّف) لم يذكر اسمها ولا اسم أسرتها وبين سليمان الصالح (ابن سالم) والدين مائة وزنة تمر يحل أجلهن بالضحية وهي شهر ذي الحجة كانوا يسمونه الضحية أو شهر الضحية لكون عيد الأضحى وما فيه من الأضاحي يقع فيه.
والسنة التي يحل فيها ذلك الدين هي سنة ثمان وستين (بعد المائتين والألف).
وهي بخط محمد آل حمد بن دهيِّم وأرخ حلول الدين فيها بالسنة نفسها ١٢٦٨ هـ.
ووثيقة أخرى مختصرة استدانت بموجبها (أم محمد البراهيم المهرِّف) من سليمان الصالح (ابن سالم) ريالين يحل أجل وفائهما في دخول العُمر وهو شهر محرم من عام ١٢٦٩ هـ. وهي أيضًا بخط محمد آل حمد بن دهيِّم.
стр. 10245
المْهَنَّا:
بإسكان الميم وفتح الهاء ثم نون مشددة فألف.
وهو صيغة المفعول من هنَّاه يهنيه بالعامية فهو مْهَنَّا بشيء جيد أو محبوب.
أسرة من أهل بريدة رأسها مهنا بن صالح بن حسين أبا الخيل، فالأسرة متفرعة من أسرة (أبا الخيل).
والمهنا مُسمَّون على اسم مهنا هذا فهو رأس الأسرة، وجميع أسرة (المهنا) هؤلاء من ذريته.
وهي من الأسر المهمة المؤثرة في القصيم، تولوا الإمارة بعد آل أبي عليان.
أبرزهم الذي تولى الإمارة لأول مرة وهو رأس الأسرة مهنا بن صالح أبا الخيل.
كان في مبدأ أمره تاجرًا ثم أخذ يسافر إلى العراق والكويت، ويسيِّر القوافل في التجارة وينقل الحجاج الأثرياء من العراق وغيره، ثم سعى لنفسه بالإمارة حتى أدركها فتولى أميرًا على بريدة وتوابعها من القصيم في عام ١٢٨٠ هـ. واستمر في الإمارة إلى أن قتله نفر من آل أبي عليان عام ١٢٩٢ هـ.
وكان قوي الشخصية، رفيع الهمة، صبورًا على مشاق السفر والغربة وتبعاتها، ولذلك قيل فيه المثل: (فلان غازي مع مهنا) للمجرب الصبور علي تحمل وعثاء السفر ومشقته في ذلك الوقت ولمن كان عكس ذلك رخوًا أو غير مجرب (فلان ما غزا مع مهنا).
وكان لبعد همته يطمح إلى تولي الإمارة ويفكر فيها حتى إذا كان عام ١٢٧٧ هـ. وقتل عبد العزيز بن محمد آل أبو عليان آخر الأمراء الأقوياء من بني عليان سعى مهنا للإمارة فتولاها عام ١٢٨٠ هـ. فقيل فيه المثل (جاك يا مهنا ما تمنى) فأصبح مثلًا سائرًا في نجد كلها، أي هو نال ما كان يطمح إليه من أمر صعب.
стр. 10246
وهناك مثل يدل على قوة شكيمته وعظمة حيلته وبعد همته وهو قولهم للشيء الذي لا ينقضي أو لمن ذهب ولم يعد (روحة مهنا) وذلك أن مهنا الصالح أبا الخيل هذا يكون أمير القافلة التجارية أو التي تذهب للحج فيمر بمشايخ الأعراب فلا يعطيهم ما يريدون، وأحيانًا يتخلص منهم فلا يمر بهم، وفي مرة من المرات أمسكوا به ولم يكن معه من الرفقة إلَّا عدد قليل فأمسك به أمير القبيلة في ذلك الوقت وطلب منه الإتاوة التي يأخذها على أمثاله، فاعتذر بأنه ليس معه شيء من النقود كافٍ، وكان ذلك صحيحًا، وطلب من البدوي أن يطلقه حتى يحضر له ما يريد منه.
فأجابه: بأنني أعرفك يا مهنا، لذلك لن أطلقك حتى تعطيني ما أريد، وسوف أرهنك وأترك أصحابك يبلغون قومك ويعودون بالنقود، ولن يضيق بك البر حتى ذلك الموعد.
ثم أطلق مرافقي مهنا واعتقله عنده، فلبث أيامًا وكان الوقت شتاء طويل الليل وبخاصة في شمال الجزيرة على حدود العراق.
فلما كان في الليل قال مهنا للحارس الموكل بحراسته إنني أريد أن أقضي بعض الحاجة، وكان على مهنا ثوب أبيض قد لبسه فوق ثيابه المعتادة اتقاء للبرد فيما يظهر للحارس ومعه عصاه الذي لا يفارق المسافر مثله.
فابعد مهنا قليلًا في الخلاء ثم خلع ثوبه الأبيض، ونصب عصاه، ووضع ثوبه عليه، وانطلق هاربًا في ظلام الليل على قدميه.
أما الحارس فإنه ظلَّ ينتظره يظنه لا يزال يقضي حاجته لأنه كان يشاهد ثوبه الأبيض فيظنه هو.
فلما أبطأ عليه قرب منه فلم يجد إلا العصا، فأخبر أمير الأعراب ومن معه فضحكوا منه وقالوا: هذا الحضري أين يذهب في هذا الليل البهيم المظلم؟ لابد من أن
стр. 10247
يعود إلينا أو يموت عطشًا أو جوعًا أو يهده التعب، وفي الصباح سوف ندركهـ.
فلما أصبحوا ركبوا خيلهم وجعلوا يبحثون عنه بدون جدوى لأنه كان قد قطع مسافة طويلة في الليل.
ثم كمن في مكان خفي حتى ولى النهار ثم عاود المسير في الليل حتى وصل إلى مكان فيه غير أولئك فأعطاهم أجرة ركوبه.
ولم يستطع أولئك أن يأخذوا منه شيئًا، وسار المثل بفعلته تلك عند العامة فقالوا (راح روحة مهنا) وبعضهم يلفظ لفظًا صريحًا بقوله: (بولة مهنا).
إننا نعرف تاريخ وفاته ضبطًا لأنه توفي وهو أمير، ولكونه توفي قتيلًا، ولكننا لا نعرف تاريخ ولادته إلا من تقدير عمره حين وفاته، وقد أجمع من لهم معرفة به، ومنهم حفيده وسميُّه مهنا بن عبد الرحمن المهنا على أن عمره حين قتل يزيد على الثمانين.
وعلى هذا يكون مولده في نحو عام ١٢١٠ هـ.
وبعضهم ذكر أنه يزيد سنة أو سنتين على وجه التقدير.
ومثلما دخلت سيرة مهنا الصالح في الأمثال والمأثورات الشعبية دخلت
في الشعر العامي، فقال أحدهم:
قبلك غزينا مع مهنا ... يوم المغازي والإنكاف
والمغازي - كما هو معروف - الذهاب إلى القتال، والإنكاف الرجوع من الغزو إلى الأهل.
يشير هذا الشاعر إلى أنه مجرب، متمرس بالصعاب.
وقال آخر، وهو ابن فلَّاج من قصيدة:
стр. 10248
عِزِّي لمن خَلَّنه الشِّقر طوَّاف ... ذاق العنا والجوع باطرافنه
اللي يريد الكيف يزرع بالأطراف ... وإلَّا فيركب فاطره مع مهنا
والشقر في البيت الأول: جمع شقراء، وهي النخلة المعروفة، وطوَّاف: سائل، وذلك أن الفلاحة في تلك العصور لابد فيها من المداينة بأرباح فاحشة للتجار.
والكيف: المال الذي يجلب الكيف والانبساط، والأطراف في أطراف مدينة بريدة وفيها حقول واسعة لزراعة الحبوب كالقمح والشعير جيدة وافرة المحصول.
يقول: إن طلب الثروة هو في الزراعة في أطراف بريدة وفي ركوب الراحلة مع مهنا وقال: فاطره، يعني راحلته، وإلا فالفاطر هي البعير المسنّ.
وأخوال مهنا الصالح أبا الخيل هم من العناقر أهل ثرمداء، وأخوال أمه من بني عليان.
وذلك أن رجلًا من العناقر أهل ثرمداء اسمه مهنا العنقري جاء إلى بريدة فلما أراد أن يتزوج رغب في الزواج بامرأة من آل أبو عليان لأنهم من العناقر أولًا، ولأنهم من أمراء بريدة في عهده، غير أنه لم يستطع أن يتزوج من الأمراء أنفسهم بسبب كونه غريبًا من البلد، وإنما تزوج من (العَبُّود) إحدى الأسر المتفرعة من (آل أبو عليان) فولدت له بنتًا سماها هيلة، فتزوج هذه البنت صالح الحسين أبا الخيل فولدت له مهنا الصالح، وبذلك يكون أخواله من العناقر الذين منهم آل أبو عليان، ويكون أخوال أمه هم من آل أبو عليان بالذات.
ولذلك حينما طمحت نفسه إلى الإمارة وكان أهلها قبله هم من آل أبو عليان قال بعض الناس: إنه أخذها من أخواله، بل لم يكتف بعضهم حتى عَدَّ ذلك عقوقًا منه، ونظم بعضهم شعرًا في هذا الصدد ناسين ومتناسين المثل القديم الحديث (الملك عقيم) وأن آل أبو عليان أنفسهم كانوا يتقاتلون فيما بينهم
стр. 10249
على الإمارة وهذه هي الأبيات وقائلها هو سليمان الجمل من أهل عنيزة:
ترى البخيت اللي نصوح لجاره ... إلى بدر شيّ والى الكل مستور
انظر مهنا لا بلينا بعاره ... غدار بارحامه وهو مقدم الشور
ولَّمْ نطا طيقه، وحَقَّر خباره ... وأدرك بها نسل المحمد على الدور
أدرك بها ساس الندى والخياره ... يا حيف سيف الهند بدل بصاطور
و(نسل المحمد) هم أمير بريدة والقصيم عبد العزيز بن محمد آل حسن آل أبو عليان وأهله.
ولو أنصف هذا الشاعر لما تفوه بمثل ما تفوه به من كون مهنا الصالح كان عاقًّا لأخواله عندما أخذ الإمارة منهم، بل نستطيع أن نقول: إنها الملك منهم، لأن أخواله المذكورين الذين هم من (آل أبو عليان) أكثر الأسر الحاكمة في نجد قتلًا وقتالًا بينهم حول الإمارة، وقد فعلوا أكثر مما فعله غيرهم كي يحصلوا على الإمارة فكانوا يتقاتلون منذ دهر عليها حتى إنه قتل منهم مرة في جامع بريدة ثمانية رجال.
يتحدث أهالي بريدة أن سليمان القفاري من أهل بريدة كان قد نصح مهنا أبا الخيل عن السعي إلى الإمارة وقال له: يا مهنا خل عنك الإمارة اللي من وراها (بني عليان) خلَّ عيالك ينامون بالساقي آمنين مطمئنين.
وبطبيعة الحال لم يلتفت مهنا إلى نصحه، وتم له ما أراد من الإمارة، ولكن كان ذلك بمثابة حكم بالإعدام على أكثر رجال أسرته لمدة تقارب (٣٥) عامًا فمات مهنا نفسه قتيلًا بيد نفر من (آل أبو عليان) ومات ابنه الأمير حسن حبيسًا مقيدًا في سجن آل رشيد في حائل عام ١٣٢٠ هـ.
ومات ابنه الأمير صالح بن حسن المهنا قتيلًا في عام ١٣٢٤ هـ. كما مات معه أخوه مهنا قتيلًا أيضًا في العام نفسه.
стр. 10250
كما قتل من المهنا ثمانية رجال في وقعة الصريف التي كان بعض الناس يسميها وقعة الطرفية، لأن الوقعة الحربية جرت في مكان بين الصريف والطرفية.
وقتل من أولاد حسن المهنا عدد منهم مهنا الذي قتل في الرياض مع أخيه الأمير صالح بن حسن كما قتل أبناء إبراهيم المهنا في الربيعية قتلهم ابن رشيد، وقيل غيره.
كما قتل محمد المهنا في شعيب العود إلى الجنوب الشرقي من بريدة، قتله أناس من قبيلة عتيبة هو والعقيلي أحد أفراد أسرة العقيلي أهل بريدة، وكان معه.
وقتل ابنه إبراهيم في الحرب، وكان مع الإمام عبد الرحمن الفيصل والد الملك عبد العزيز، قتله محمد بن عبد الله الرشيد في وقعة حدثت قرب بلدة (حريملاء) وذلك في عام ١٣٠٩ هـ أي بعد وقعة المليدا التي كانت في عام ١٣٠٨ هـ واستولى بسببها محمد بن رشيد على القصيم.
قتلى المليدا من المهنا:
- عبد العزيز العبد الله المهنا الصالح.
- عبد العزيز المحمد آل مهنا.
- عبد العزيز بن صالح من آل مهنا.
- عبد الرحمن بن حسين الصالح أبا الخيل.
مهنا والعلم:
لم يذكر لنا شيء يتعلق بموقف مهنا من العلم والعلماء ولا شيء يذكر تحصيله العلمي إن كان حصل منه شيئًا، وظني أنه لم يتعلم أبدًا بمعنى أنه لم يجلس على المشايخ لطلب العلم في المساجد، بدليل ما نعرفه من أنه كان يعمل بالتجارة، والتنقل فيها أي النقل على الإبل بين العراق ونجد والحجاز، وذلك ما لا يمكنه من طلب العلم.
стр. 10251
ودليل آخر وهو أن خطه رديء جدًّا، ولو كان قد تعلم لدى العلماء لكانت قراءته للكتب تفيده في الخط عن طريق تقليد الحروف كما كانت تفيده في الإملاء.
وسوف نورد في آخر هذا الفصل نماذج من خطه.
كما أننا لا نحفظ احتكاكًا بينه وبين أي عالم من العلماء كما حدث بين ابنه حسن المهنا، وبين الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم.
ومع ذلك وقفنا على أوراق تثبت أنه كان وَقَّافًا عند الأحكام الشرعية، في المبايعات والخصومات وأنه كان يتعامل فيها كما يتعامل سائر الناس.
وظني أن الرجل كما عرفنا من سيرته كان من دهاة الرجال، ومن حسن حظه أن كان قاضي بريدة في وقت إمارته شخصًا عالمًا عاملًا عارفًا بالأمور القضائية مجربًا فيها، فكان مهنا الصالح ينفذ ما يأمر به الشرع الشريف وما يصدر عن القاضي من أحكام.
وهذه صفة اتصف بها حكام بريدة كلهم سواء منهم من حكم من أسرة آل أبي عليان أو من أسرة المهنا بعده.
أي كونهم يقفون عند أحكام الشرع الشريف ويعظمون القضاة، وقد أشرت إلى أمثلة على ذلك عرضًا في هذا الكتاب.
أما ما يتعلق بالأمير مهنا الصالح من ذلك فإن الرسالة التي سنورد صورتها قد تدل على شيء من ذلك وهي موجهه من الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ كبير علماء آل الشيخ في وقته وفيها يقول يخاطب الشيخ محمد بن عمر بن سليم الذي هو تلميذ له ومن أكبر علماء القصيم:
ولا تذخرون النصيحة لـ (مهنا) وأمثاله من جماعتكم حذروهم بأس الله، وعقوبته لمن يعرض عن ذكره وهو القرآن، وذاكروهم بالتوحيد والكتب التي فيها الانتصار للحق، وقمع الباطل، وبيان ضلال من ضل عن الهدى،
стр. 10252
وحذروهم من الإقبال على الدنيا والإعراض عن العلم النافع، ففي بعض الآثار عن بعض السلف الصالح أنه قال: من ركن إلى الدنيا أحرقته بنارها حتى يكون رمادًا تذروه الرياح.
وتاريخ هذه الرسالة في شهر جمادى الأولى عام ١٢٨٢ هـ.
أي بعد تولي مهنا الصالح على الإمارة بزمن يسير.
وحتى قبل توليه الإمارة وكان أصبح ذا مال وفير، ونفوذ عظيم، وقد قتل آخر الأمراء الأقوياء من بني عليان وهو الأمير عبد العزيز بن محمد أمير القصيم.
وجدنا ما يشبه الصلح بين مهنا الصالح وبين رجل من أهل الشماسية اسمه عبد الله بن دويحس، ويتضمن ذلك أن ابن دويحس وأبناءه يدعون نفوذهم أو ملكهم على روضة الربيعي وهي بلدة الربيعية الآن، وأن عبد الله بن دويحس باع قولهم، بمعنى دعواهم على مهنا، ومعنى باع هنا: تنازل، وقبل أن يلغي مطالبته بما ذكر في مقابل صلح مع مهنا الصالح الذي كان في يده ذلك الشيء
стр. 10253
المدعي به، وذلك بأن يدفع له مهنا الصالح خمسين ريالًا قبضها عبد الله حال العقد، أي حال الاتفاق على هذا الصلح.
وقد شهد على هذا الصلح وانتهاء الخصومة شاهدان معروفان لنا هما سليمان بن رشيد الحجيلاني من آل أبي عليان وصلطان بن رشيد العمرو واسم والده مصغرًا بإسكان الراء وفتح الشين على حين كون اسم والد الشاهد الثاني وهو سليمان بن رشيد مكبر ينطق به بكسر الراء والشين، وكتب هذا الصلح حمد بن سويلم، وتاريخه في ٢٢ جمادى الأولى من سنة ١٢٧٨ هـ أي قبل الإمارة بمدة يسيرة.
وهذا أنموذج من خط مهنا الصالح في ورقتين إحداهما تتضمن إقرار (مهيد السليمان) الذي نعتقد أنه من (المهيد) الآتي ذكرهم قريبًا وهو أن عنده وفي ذمته لعلي (بن ناصر السالم) سبعة عشر ريالًا وقرش، القرش هنا: هو ثلث الريال، إلى طلوع ربيع سنة ١٢٥٧ هـ.
стр. 10254
والمراد أن ذلك الدين يحل أجل سداده في ربيع، ولم يبين أيَّ الربيعين، وربما كان ذلك لعدم أهمية تأخر السداد لمدة شهر شهد على ذلك عبد الرحيم ولم يذكر اسم والده ولا اسم أسرته، ولكننا نعرف أنه عبد الرحيم الحمود من وجهاء آل أبي عليان في وقته، وهو رأس أسرة (العبدالرحيم) من آل أبي عليان الذين لا يزالون يعرفون بهذا الاسم، وهو جد أسرة السابح الذين نسبوا إلى ابنه سابح بن عبد الرحيم.
وشهد به وكتبه مهنا الصالح.
وتحته: عبارة مختصرة تقول: أقر الدريبي أن عنده تسعة عشر ريالًا ثمن الذلول، شهد به مهنا.
والأنموذج الثاني كتاب كتبه بخطه إلى إبراهيم بن محمد السويح من أهل الخبراء: ننقل أوله بحروف الطباعة:
"من مهنا الصالح للأخ إبراهيم بن محمد السويح.
стр. 10255
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته والخط وصل وصلك الله إلى خير".
ويتعلق الكتاب بزكاة إبل عليه لم نستطع قراءة كلماته قراءة واضحة.
ولكننا وجدنا كتابًا آخر موجهًا من مهنا إلى محمد بن إبراهيم السويح بخط كاتب واضح الخط وليس بخط مهنا الصالح نفسه رأيت نقله هنا للقارئ.
وتاريخه في ٢٧ ربيع الثاني سنة ١٢٨٠ هـ أي قبل أن يتولى مهنا الصالح الإمارة بمدة يسيرة.
стр. 10256
وهذا نص كتاب مهنا كما كتبه بخطه بحروف الطباعة:
"بسم الله الرحمن الرحيم
من مهنا الصالح إلى الأخ محمد البراهيم السويّح سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وموجب الخط إبلاغك السلام وغير ذلك الخط وصل وصلك الله إلى خير.
وسلم لنا على العيال والجماعة والعيال بعافية ويسلمون عليك والسلام في ربيع الثاني ٢٧/ ١٢٨٠ هـ.
كتاب آخر:
هذا كتاب من مهنا الصالح بخط كاتب آخر:
стр. 10257
لقد قلنا إن ولادة مهنا الصالح على وجه التقريب في عام ١٢١٠ هـ لأنه عندما قتل في عام ١٢٩٢ هـ كان عمره فوق الثمانين بقليل ولذلك تكون الوثائق التي ورد ذكره فيها مهمة لنا لمعرفة تطورات حياته، إذ لم نجد غيرها قد تعرض لذلك.
وهي قليلة بالنسبة إلى قوة شخصية الرجل، وكثرة ماله، وأهمية مقامه في المجتمع.
стр. 10258
ومنها هذه المؤرخة في عامه ١٢٥٥ هـ أي قبل أن يتولى الإمارة بخمس وعشرين سنة، وتتضمن إثبات شهادة لمهنا الصالح على دين لعلي الناصر (السالم) من زعماء بريدة وأثريائها في منتصف القرن الثالث عشر وسبق ذكره في حرف السين، والمدين محمد آل فهيد.
والكاتب هو عبد الرحمن بن حنيشل.
ودين آخر بخط صلطان بن عمرو، من العمرو الذين صار اسمهم (الرشيد) بفتح الشين.
стр. 10259
إمارة مهنا الصالح:
ذكر المؤرخون في كتبهم أن الإمام فيصل بن تركي استعمل مهنا الصالح أبا الخيل أميرًا في بريدة في ربيع الأول من عام ١٢٨٠ هـ.
وذكروا أن أمير بريدة آنذاك هو محمد بن أحمد السديري فأمره الإمام فيصل أن يسير أميرًا على الأحساء، وذلك في عام ١٢٨٠ هـ.
وكان محمد بن أحمد السديري قد عين أميرًا على بريدة منذ ستة شهور عينه الإمام فيصل بن تركي في عام ١٢٧٩ هـ أي قبل ستة شهور أميرًا على بريدة حيث كان أميرًا عليها قبله عبد الرحمن بن إبراهيم من أهل إبا الكباش قرب الرياض.
وكان تعيين ابن إبراهيم في عام ١٢٧٥ هـ. ولم يلبث فيها طويلًا (١).
ويظهر من هذا أن الإمام فيصل لم يجد أميرًا مناسبًا لبريدة إذ كان غضب من عبد العزيز بن محمد آل أبو عليان وأبقاه عنده في الرياض وعين في بريدة بدلًا منه عبد الله بن عبد العزيز بن عبدوان من آل أبو عليان.
وآل عدوان من فرع الدريبي الذي كان يناصب آل سعود في القرن الماضي العداء، كما قيل لي، أما عبد العزيز المحمد فإنه من فرع (الحسن) الذين كانوا قاموا مع آل سعود وانسجموا معهم واستقر القصيم في عهدهم، ولكن يظهر أن غضب الإمام فيصل على عبد العزيز بن محمد هو الذي حمله على ذلك.
ولم يلبث عبد الله بن عدوان في الإمارة طويلًا، إذ قتله جماعة من فرع الحسن المنافسين لفرع الدريبي في قهوة الضبيعي في بريدة، فاضطر الإمام إلى تعيين أمير من فرع الحسن وهو محمد آل غانم وذكر ابن عيسى أنه من الذين تمالوا على قتل ابن عبدوان.
стр. 10260
أقول: الذين تمالوا على قتل ابن عبدوان صدر ضدهم حكم شرعي يلزمهم بدفع ديته، فكان منهم آل غانم، وقد نقلت صورة من ذلك الحكم في رسم (العدوان) من حرف العين.
وذكر المؤرخون أن الإمام فيصل غضب على عبد العزيز آل محمد أكثر من مرة ورأى في آخرها أن يجرب تعيين أمير من الفرع الثاني من (آل أبو عليان) وهم فرع الدريبي ثم عاد إلى تعيين محمد الغانم وهو من آل حسن.
ثم جرب تعيين أميرين من غير أهل القصيم وهما ابن إبراهيم والسديري، وكل هذه التطورات حدثت في سنين قليلة فرأى أنه لابد من أن يكون أمير القصيم شخصًا مهمًّا من أهلها قادرًا على ضبط البلاد، وإرضاء الناس فلم يجد لذلك أنسب من مهنا الصالح آل أبا الخيل.
وكان مهنا الصالح قوي الشخصية كثير المال طموحًا إلى الإمارة، بل كان يسعى إليها منذ دهر، لذلك قال الناس عندما وكلت إليه الإمارة (جاك يا مهنا ما تمنى) أي حصلت على ما كنت تتمناه يا مهنا، كما تقدم ذكر ذلك!
ولقد أثبت مهنا الصالح أنه كان رجلًا حازمًا قويًّا في إمارته يكفي أن نتذكر أنه حكم البلاد مدة إحدى عشرة سنة حكمًا قويًّا، ولكنه لم يكن قائمًا على البطش والسيطرة، واستطاع في مدة حكمه الطويلة نسبيًّا - أي بالنسبة إلى حكام ذلك العصر الحافل بالفتن والقتال والأحداث الجسيمة التي تقض مضاجع الحكام من دون بطش، أو سفك دماء، أو خارجين أشداء عليه حتى مقتله.
وكان نجاحه مضاعفًا لأنه استطاع أن يبقى في الحكم تلك المدة الطويلة مع وجود آل أبي عليان الأقوياء في إرادتهم وشجاعتهم المشهورين باستهانتهم بالموت والإقدام على المخاطر، وكانوا حكام بريدة قبله لمدة تبلغ مائتي سنة أو نحو ذلك، وقد بلغوا من الكثرة في العدد مبلغًا كبيرًا.