وهذا نص كتاب مهنا كما كتبه بخطه بحروف الطباعة:
"بسم الله الرحمن الرحيم
من مهنا الصالح إلى الأخ محمد البراهيم السويّح سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وموجب الخط إبلاغك السلام وغير ذلك الخط وصل وصلك الله إلى خير.
وسلم لنا على العيال والجماعة والعيال بعافية ويسلمون عليك والسلام في ربيع الثاني ٢٧/ ١٢٨٠ هـ.
كتاب آخر:
هذا كتاب من مهنا الصالح بخط كاتب آخر:
стр. 10257
لقد قلنا إن ولادة مهنا الصالح على وجه التقريب في عام ١٢١٠ هـ لأنه عندما قتل في عام ١٢٩٢ هـ كان عمره فوق الثمانين بقليل ولذلك تكون الوثائق التي ورد ذكره فيها مهمة لنا لمعرفة تطورات حياته، إذ لم نجد غيرها قد تعرض لذلك.
وهي قليلة بالنسبة إلى قوة شخصية الرجل، وكثرة ماله، وأهمية مقامه في المجتمع.
стр. 10258
ومنها هذه المؤرخة في عامه ١٢٥٥ هـ أي قبل أن يتولى الإمارة بخمس وعشرين سنة، وتتضمن إثبات شهادة لمهنا الصالح على دين لعلي الناصر (السالم) من زعماء بريدة وأثريائها في منتصف القرن الثالث عشر وسبق ذكره في حرف السين، والمدين محمد آل فهيد.
والكاتب هو عبد الرحمن بن حنيشل.
ودين آخر بخط صلطان بن عمرو، من العمرو الذين صار اسمهم (الرشيد) بفتح الشين.
стр. 10259
إمارة مهنا الصالح:
ذكر المؤرخون في كتبهم أن الإمام فيصل بن تركي استعمل مهنا الصالح أبا الخيل أميرًا في بريدة في ربيع الأول من عام ١٢٨٠ هـ.
وذكروا أن أمير بريدة آنذاك هو محمد بن أحمد السديري فأمره الإمام فيصل أن يسير أميرًا على الأحساء، وذلك في عام ١٢٨٠ هـ.
وكان محمد بن أحمد السديري قد عين أميرًا على بريدة منذ ستة شهور عينه الإمام فيصل بن تركي في عام ١٢٧٩ هـ أي قبل ستة شهور أميرًا على بريدة حيث كان أميرًا عليها قبله عبد الرحمن بن إبراهيم من أهل إبا الكباش قرب الرياض.
وكان تعيين ابن إبراهيم في عام ١٢٧٥ هـ. ولم يلبث فيها طويلًا (١).
ويظهر من هذا أن الإمام فيصل لم يجد أميرًا مناسبًا لبريدة إذ كان غضب من عبد العزيز بن محمد آل أبو عليان وأبقاه عنده في الرياض وعين في بريدة بدلًا منه عبد الله بن عبد العزيز بن عبدوان من آل أبو عليان.
وآل عدوان من فرع الدريبي الذي كان يناصب آل سعود في القرن الماضي العداء، كما قيل لي، أما عبد العزيز المحمد فإنه من فرع (الحسن) الذين كانوا قاموا مع آل سعود وانسجموا معهم واستقر القصيم في عهدهم، ولكن يظهر أن غضب الإمام فيصل على عبد العزيز بن محمد هو الذي حمله على ذلك.
ولم يلبث عبد الله بن عدوان في الإمارة طويلًا، إذ قتله جماعة من فرع الحسن المنافسين لفرع الدريبي في قهوة الضبيعي في بريدة، فاضطر الإمام إلى تعيين أمير من فرع الحسن وهو محمد آل غانم وذكر ابن عيسى أنه من الذين تمالوا على قتل ابن عبدوان.
стр. 10260
أقول: الذين تمالوا على قتل ابن عبدوان صدر ضدهم حكم شرعي يلزمهم بدفع ديته، فكان منهم آل غانم، وقد نقلت صورة من ذلك الحكم في رسم (العدوان) من حرف العين.
وذكر المؤرخون أن الإمام فيصل غضب على عبد العزيز آل محمد أكثر من مرة ورأى في آخرها أن يجرب تعيين أمير من الفرع الثاني من (آل أبو عليان) وهم فرع الدريبي ثم عاد إلى تعيين محمد الغانم وهو من آل حسن.
ثم جرب تعيين أميرين من غير أهل القصيم وهما ابن إبراهيم والسديري، وكل هذه التطورات حدثت في سنين قليلة فرأى أنه لابد من أن يكون أمير القصيم شخصًا مهمًّا من أهلها قادرًا على ضبط البلاد، وإرضاء الناس فلم يجد لذلك أنسب من مهنا الصالح آل أبا الخيل.
وكان مهنا الصالح قوي الشخصية كثير المال طموحًا إلى الإمارة، بل كان يسعى إليها منذ دهر، لذلك قال الناس عندما وكلت إليه الإمارة (جاك يا مهنا ما تمنى) أي حصلت على ما كنت تتمناه يا مهنا، كما تقدم ذكر ذلك!
ولقد أثبت مهنا الصالح أنه كان رجلًا حازمًا قويًّا في إمارته يكفي أن نتذكر أنه حكم البلاد مدة إحدى عشرة سنة حكمًا قويًّا، ولكنه لم يكن قائمًا على البطش والسيطرة، واستطاع في مدة حكمه الطويلة نسبيًّا - أي بالنسبة إلى حكام ذلك العصر الحافل بالفتن والقتال والأحداث الجسيمة التي تقض مضاجع الحكام من دون بطش، أو سفك دماء، أو خارجين أشداء عليه حتى مقتله.
وكان نجاحه مضاعفًا لأنه استطاع أن يبقى في الحكم تلك المدة الطويلة مع وجود آل أبي عليان الأقوياء في إرادتهم وشجاعتهم المشهورين باستهانتهم بالموت والإقدام على المخاطر، وكانوا حكام بريدة قبله لمدة تبلغ مائتي سنة أو نحو ذلك، وقد بلغوا من الكثرة في العدد مبلغًا كبيرًا.
стр. 10261
استقرار القصيم في وقته:
وفي وقت (مهنا الصالح) استقر القصيم، بل ازدهر من الناحية الزراعية والعمرانية، وتحاشي اللصوص من المنتهبين والمغيرين بريدة وأهلها فنعم الناس بالأمن، وحتى السرقات والاختلاسات ذهبت.
فالرجل القوي الشخصية حازم في السياسة وهو إلى ذلك رجل عمراني له أماكن سميت باسمه مثل روضة مهنا التي اشتهرت بمقتل عبد العزيز بن رشيد فيها عام ١٣٢٤ هـ.
وتقع إلى الشرق من النبقية، وزادت شهرتها حينما قتل فيها عبد العزيز بن متعب بن رشيد على يد الملك عبد العزيز ومن معه من أهل القصيم:
قال العوني في قتل عبد العزيز بن متعب بن رشيد:
ساعتين يشيب اللي حَضَرْها ... مطلع (الجدي) عن (روضة مهنا)
يوم ربي هل الدنيا حَشَرْها ... لابتي يوم غاب البدر أكَنَّا
وقد ذكرت روضة مهنا في (معجم بلاد القصيم).
لابتي: جماعتي، وأكنا: هجمنا في الحرب من أكان عليهم بمعنى حاربهم.
وقال العوني وهو في الكويت:
يسقي القصيم بنفلته عقب الإمحال ... ويخص دارٍ ضدَّها يسهر الليل
دار المهنا متعبة كل مشوال ... دار الثنا دار الصخا والمشاكيل
وجدي عليها والتوجد ردا الحال ... وجد الخليل بشوفة ابنه إسماعيل
فذكر أنها دار المهنا يعني بريدة.
стр. 10262
استقلال القصيم:
عاش القصيم شبه مستقل بعد وفاة الإمام فيصل بن تركي في ظل حكم مهنا الصالح، ومثل ذلك في الأهمية أن الدولة السعودية الثانية قد ضعفت بسبب سياسة الأمير عبد الله بن فيصل خليفة الإمام، فلم يعين آل سعود بعد تعيين مهنا الصالح وقتله أي أمير من جهتهم عليه، بل استقل القصيم وتولى الأمير حسن المهنا على القصيم بعد مقتل والده الأمير مهنا في عام ١٢٩٢ هـ.
ونورد هنا ما ذكره المؤرخ إبراهيم بن عيسى عن بعض الاضطرابات والفتن التي حدثت في نجد بالقرب من عاصمة الدولة السعودية الثانية، الرياض، ومن أسبابها تصرف الأمير عبد الله بن الإمام فيصل بن تركي.
قال ابن عيسى:
ثم دخلت السنة الثامنة والثمانون بعد المائتين والألف، وفيها في المحرم خرج سعود بن فيصل بجنوده من الأحساء وترك فيه فرحان بن خير الله أميرًا، وقصد بلد الرياض، فلما قرب منها خرج الإمام عبد الله الفيصل منها وقصد بوادي قحطان.
وكان قد أرسل قبل خروجه من الرياض أمتعته وأثاثه ومدافعه وقبوسه مع سرية كبيرهم حطاب بن مقبل العطيفة وأمرهم أن يتوجهوا بذلك إلى عربان قحطان فصادفهم سعود بن فيصل في الجزعة فحصل بينه وبين السرية المذكورة قتال شديد وصارت الهزيمة على حطاب المذكور وأصحابه، وأخذ سعود ركابهم وسلاحهم وجميع ما معهم، وقتل منهم عدة قتلى.
ومن مشاهيرهم حطاب بن مقبل العطيفة وفلاح بن صقر العطيفة وعويّد ابن حطاب العطيفة ومحمد بن راشد الفقيه.
ثم دخل سعود بلد الرياض ومعه خلائق كثيرة من العجمان، وغيرهم
стр. 10263
فعاثوا في البلد ونهبوا بلد الجبيلة وقتلوا جماعة من أهلها وقطعوا نخيلها وأخربوها وتفرق باقي أهلها في بلدان العارض، ولم يبق فيها ساكن.
وانحل نظام الملك وكثر في نجد الهرج والمرج، واشتد الغلاء والقحط، وأكلت جيف الحمير، ومات خلائق كثيرة جوعًا وحل بأهل نجد من القحط والجوع والمحن والنهب والقتل والفتن والموت الذريع أمر عظيم وخطب جسيم، فنعوذ بالله من غضبه وعقابه.
ثم إن سعود بن فيصل لما استقر في الرياض كتب إلى رؤساء البلدان وأمرهم بالقدوم عليه للمبايعة فقدموا عليه وبايعوه وأمرهم بالتجهز للغزو.
فلما كان في ربيع الأول من السنة المذكورة خرج من الرياض غازيًا ومعه خلائق من العجمان وآل مرة وسبيع والسهول والدواسر وأهل الرياض والجنوب والخرج، ومعه عمه عبد الله بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود، وكان يميل إلى عبد الله بن فيصل وتوجه إلى قحطان وهم على الأنجل ومعهم عبد الله بن فيصل، فلما وصل إلى ثرمدا جاءه الخبر بأنهم ارتحلوا من الأنجل ونزلوا في البرة القرية المعروفة، فسار سعود بمن معه من الجنود إلى البرة لقتال أخيه عبد الله بن فيصل ومن معه من قحطان، وأرسل عمه عبد الله بن تركي إلى شقراء ومعه عدة رجال من الخدام وأمرهم بالمقام فيها، وكان بين سعود وبين عمه وحشة.
ولما كان في اليوم السابع من جمادى الأولى من السنة المذكورة وصل سعود ومن معه من الجنود إلى البرة فاقتتل الفريقان قتالًا شديدًا وصارت الهزيمة على عبد الله بن فيصل ومن معه من قحطان وغيرهم وقتل منهم قتلى كثيرة، منهم عبد العزيز بن محمد بن ناهض وبراك بن عبد الله بن براك، وقتل من أتباع سعود عدة رجال منهم منصور الطويل من رؤساء العجمان، ونهبت تلك الجنود بلد البرة.
وتوجه عبد الله بن فيصل ومن معه إلى بلد الرويضة ونزلوا عليها.
стр. 10264
وأما سعود بن فيصل فإنه استلحق عمه عبد الله من شقراء بعد انتهاء الوقعة المذكورة، وكان قد تركه فيها كما تقدم ثم قفل إلى الرياض، وأذن لمن معه من أهل النواحي بالرجوع إلى أوطانهم.
وفي ربيع الأول من هذه السنة سارت العساكر من البصرة إلى الأحساء والقطيف ومقدمهم يقال له فريق باشا، ومعهم عبد العزيز بن الشيخ عبد الله أبا بطين، فلما وصلوا إلى الأحساء والقطيف أطلقوا محمد بن فيصل من الحبس وكان محبوسًا في القطيف بعد وقعة جودة كما تقدم في السنة التي قبلها وأخرجوا فرحان بن خير الله من الأحساء وكان سعود بن فيصل قد جعله أميرًا كما تقدم.
وأظهروا أنهم جاءوا لنصرة عبد الله بن فيصل والقيام معه والمساعدة له على حرب أخيه سعود بن فيصل، وأرسلوا إلى عبد الله بن فيصل وهو إذ ذاك مع عربان قحطان على رويضة العرض يأمرونه بالقدوم عليهم فسار إليهم وقدم عليهم في بلد الأحساء فأكرموه ظاهرًا وهم بضد ذلك وأقام عندهم هناك.
وأما سعود بن فيصل فإنه لما أذن لمن معه من الجنود بالرجوع إلى أهليهم بعد وقعة البرة المذكورة ولم يبق عنده في الرياض غير خدامه وشرذمة من العجمان قام عليه أهل الرياض، وعمه عبد الله بن تركي فحصروه في قصره وثار الحرب بينه وبينهم أيامًا ثم إنهم أخرجوه هو ومن معه من القصر بالأمان وتوجهوا إلى بلد الدلم وتولي عبد الله بن تركي على الرياض وقبل خروج سعود من الرياض كان قد أذن لوفود قد اجتمعوا عنده بالرجوع إلى أهليهم منهم إبراهيم بن سليمان الصبي ومحمد بن سعد بن معيقل وسعود بن حمد من أهل الشعراء وعبد الله بن إبراهيم بن نشوان من رؤساء أهل أشيقر وعبد الله بن عثمان من أهل الدوادمي وغيرهم فخرجوا من الرياض.
فلما وصلوا إلى البكرات بالقرب من ثادق صادفهم ركب من آل عاطف
стр. 10265
من قحطان كبيرهم فريج بن بلد الرياض، فلما وصلوا إليه استبشر بهم أهل الرياض وحصل لهم الفرح والسرور.
وفي هذه السنة نزل ثقل بن رويضان ومن معه من عربان السهول بالقرب من بلد شقراء وكثر منهم النهب والفساد فخرج عليهم أهل شقراء وحصل بينهم وبين السهول قتال شديد وصارت الهزيمة على السهول وقتل منهم عدة رجال، منهم كبيرهم ثقل بن رويضان وأخذ منهم أهل شقراء من الأغنام والأمتعة كثيرًا وقتل من أهل شقراء في هذه الوقعة محمد بن سعد البواردي.
وفي ذي الحجة من هذه السنة غزا الإمام عبد الله بن فيصل بأهل الرياض وضرما وأخذ آل شامر بالقرب من عليا، وقتل منهم عدة رجال، وقتل في هذه الوقعة محمد بن عبد الله بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود.
ثم دخلت السنة التاسعة والثمانون بعد المائتين والألف.
وفيها اشتد الغلاء والقحط في نجد، وأكل الناس الميتة وجيفة الحمير، وعظم الأمر ومات خلائق كثيرة جوعًا، وصار كثير من الناس يأكلون الجلود البالية بعد حرقها بالنار ويدقون العظام ويأكلونها، ويأكلون الرطبة وهو القت بلسان العامة، ويأكلون ورق الزرع، فأثر ذلك في وجوه الناس وأرجلهم نفخًا وأورامًا، ثم يموتون بعد ذلك، واستمر الغلاء والقحط إلى آخر السنة التي بعدها.
وفي هذه السنة في المحرم حصل وقعة بين حاج أهل شقراء وبين ناصر بن عمر بن قرملة ومن معه من قحطان قتل فيها من أهل شقراء عبد الله بن عبيد، وفيها حصل وقعة بين أهل شقراء وبين أهل بلد وثيثية، وسبب ذلك أن عيال محمد بن عبد الكريم البواردي جاءوا بأمتعة لهم من شقراء يريدون بلد وثيثية وهم إذ ذاك ساكنون فيها، فلما وصلوا إلى البلد صادفهم ركب من السهول خارجين من البلد، فأخذوهم خارج البلد فدخل أولاد محمد البواردي
стр. 10266
البلد فوجدوا فيه رجلًا من الركب فأمسكوه وربطوه في المال الذي أخذه لهم أصحابه فقام بعض أهل البلد يريدون إطلاقه وقد كثر الكلام فسار أحد عيال محمد البواردي إلى شقراء وجاء بعدة رجال منها ليسيروا بالرجل المذكور إلى شقراء، إلى أن يأتي المال الذي أخذه لهم أصحابه، فمنعهم أهل البلد من المسير به، وحصل بين أهل شقراء، وبين أهل وثيثية وقعة في وسط البلد (١).
أقول: في خضم هذه الفتن والشدائد بل المصائب التي حلت في نجد وبخاصة في منطقة نفوذ الأمير عبد الله بن الإمام فيصل بن تركي كان القصيم تحت حكم مهنا بن صالح أبا الخيل مستقلًّا، وكان مزدهرًا آمنًا يتطور في أكثر مناحي الحياة وبخاصة الحياة العمرانية والزراعية.
عود إلى الحديث عن مهنا:
مهنا الصالح موفد لأهل القصيم إلى الإمام فيصل بن تركي:
قال ابن بشر في حوادث عام ١٢٦٥ هـ:
ثم إن الإمام أعزه الله تعالى أرسل إلى رؤساء أهل القصيم يدعوهم إلي الطاعة وذكر لهم أنه لا يستقيم دين إلا بجماعة، ولا يكون إلا بالسمع والطاعة، وقال: أنتم نبذتم أمرنا وخرجتم عن طاعتنا، وأن الحرب نار وقودها الرجال، وأنه يعز عليّ أن يقتل رجل واحد من المسلمين، فلا تكونوا سببًا في إهراق دمائكم، وادخلوا فيما دخلتم فيه أنتم وآبائكم، فأرسلوا إليه رجلًا من رؤساء أهل بريدة يقال له مهنا بن صالح، فلما جاء إلى فيصل ذكر له أنه إنما جاء لطلب الصلح، فلم يزل يتودد إليه ويذكر له الأمر الذي عمدوه عليه، فكتب لهم إنهم يدفعون الزكاة ويركبون معه غزاة ويدخلون في الجماعة والسمع والطاعة.
فرجع إليهم الرسول بذلك وتحقق عند الإمام قبولهم بما بلَّغهم به رسولهم،
стр. 10267
وأنهم قبلوا منه النصح الذي دعاهم إليه وأطاعوا للصلح واتفقوا عليه (١).
وأقول: هذا قبل أن يتولى مهنا الصالح الإمارة، وهو يدل على مكانته وقوة شخصيته.
والتعليق على التعليق:
علق محقق تاريخ ابن بشر (الطبعة الرابعة) على ذكر مهنا بن صالح أبا الخيل، فقال:
مهنا الصالح هذا عينه الإمام فيصل فيما بعد أميرًا لبريدة عام ١٢٨٠ هـ وبعد وفاة الإمام فيصل عزله الإمام عبد الله بن فيصل عن إمارة بريدة، ولما كان في سنة ١٢٩٣ هـ ثار مهنا الصالح المذكور على آل عليان أمراء بريدة القديمين واغتصب منهم الإمارة وأجلاهم إلى بلدة عنيزة، وتولى إمارة بريدة، ولكنه لم يلبث أن قتل في السنة نفسها حيث رجع بعض من أجلاهم من آل أبي عليان إلى بريدة خفية، ورصدوا لمهنا في مكان يمر به في طريقه إلى المسجد الجامع لصلاة الجمعة، فلما مر يريد مسجد الجامع قتلوه، ولكن أنصار مهنا وابنه حسن قتلوا هؤلاء القتلى وتولى إمارة بريدة حسن المهنا الصالح خلفًا من أبيه المقتول، وبعد حسن تولاها ابنه صالح الحسن وهكذا حتى تبدي طالع اليمن على هذه الجزيرة بإعادة صاحب الجلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ملك آبائه وأجداده فلم شعث العرب بتوحيد الجزيرة العربية وربط أجزائها فنعمت في ظل ملكهـ بنعمة الأمن والرخاء والطمأنينة والاستقرار ﵀ وغفر له.
وهذا تخليط في الوقائع أهم ما فيه أن مهنا الصالح استمر على إمارة القصيم منذ أن ولاه الإمام فيصل الإمارة عام ١٢٨٠ هـ حتى قتله جماعة من آل أبو عليان في عام ١٢٩٢ هـ ولم ينفصل عن الإمارة وبالتالي لم يقم علي
стр. 10268
(آل أبو عليان) عام ١٢٩٢ هـ لأنه لا يزال في الإمارة، وإنما قاموا عليه وقتلوه في ذلك العام لكي يستعيدوا إمارة بريدة إليهم، ومن ذلك ذكره لإمارة حسن بن مهنا وأنه تولاها بعده ابنه صالح الحسن، والواقع أن محمد بن عبد الله بن رشيد أخذ إمارة القصيم من حسن المهنا وحكمه ثم حكمه بعده ابن أخيه عبد العزيز بن متعب، ثم لما هجم الملك عبد العزيز آل سعود معه آل مهنا وأهل بريدة على عامل ابن رشيد وطردوه منها صار صالح الحسن أميرًا عليها.
ثروة مهنا الصالح:
قالت نشرة يصدرها بعض أسرة (أبا الخيل) الذين منهم مهنا الصالح:
مهنا الصالح شخصية معروفة تولى إمارة القصيم (ما عدا عنيزة) من أواخر سنة ١٢٨٠ هـ حتى محرم سنة ١٢٩٢ هـ، ولذلك فأخباره في هذه المدة التي وليها متداولة في المصادر والمراجع التاريخية، وفي الأسطر التالية سوف نلقي أضواء على شخصيته في بعض جوانبها التي لم تُعنى بها المصادر والمراجع، وأكثر ذلك قبل ولايته الإمارة.
فمهنا هو أحد أبناء صالح الحسين أبا الخيل الأربعة الذين سبق ذكرهم في الحلقة الماضية (١)، وكان أصغرهم، وهو من زوجة صالح: هيلة بنت مهنا العنقري، وكان صالح تزوجها في إحدى رحلاته - كما قيل - على الرياض، حيث حصلت له قصة معروفة لدى الرواة لما مر على منطقة سدير وبالتحديد عند المجمعة، وعلى إثر ذلك اقترنت به هذه الزوجة، فكانت آخر زوجاته، وقد تزوجها في كبره، فصارت أعز زوجاته عليه، ولذلك فإنها ما أن ولدت له ولدًا ذكرًا طلبت منه أن يسميه (مهنا) على اسم والدها مهنا العنقري، فحقق رغبتها فسماه بهذا الاسم، ومن المرجح أن مولده في حدود سنة ١٢٣٠ هـ أو قبلها بقليل أو بعدها بقليل كما سيتبين لنا من خلال ما سنعرضه مما بقي من وثائقه،
стр. 10269
وكذلك الأحداث التي شارك فيها (١).
وقالت النشرة:
ومن المشهور أن مهنا كان من كبار التجار قبل ولايته الإمارة، والظاهر أن أصل ثروته تكونت في البداية إما في أواخر حياة والده، أو من إرثه من والده الذي علمنا سابقًا حجم ما كان يملكه من أموال طائلة، (وحسب ما عندنا من وثائق فإن من أقدم السندات التي سجل فيها دين لمهنا كان في محرم سنة ١٢٥٩ هـ، وكان عوض ٥٢ غازي (عملة عثمانية في ذلك الزمن) كذلك فإن من أقدم الممتلكات التي اشتراها كان نصف مزرعة تقع في إحدى القرى الجنوبية لبريدة، وقد تم ذلك في ربيع الأول سنة ١٢٦٠ هـ، وكانت بقيمة مائتين وخمسين فرانسي دفعها نقدًا، وكتب اسمه في السند: مهنا بن صالح آل حسين، بينما صار بعد ذلك يكتفي بـ (مهنا الصالح) فقط، ولعل هذا يؤكد أن المشتري كان في بداية حياته العملية، فشهرته لدى الناس ما زالت غير واسعة، فاقتضى أن يربط اسمه بشهرة والده المعروف صالح الحسين.
ولقد قام مهنا بتنمية أمواله حتى صار يمتلك ثروة ضخمة جدًّا، حيث قام بالتجارة بنفسه، فرحل إلى خارج الجزيرة العربية في الشام والعراق، كما دفع أمواله إلى بعض الناس على سبيل المضاربات التجارية، كما وظف جزءًا من ماله في قروض على شكل ديون.
على أن أهم العوامل في زيادة ثروته كونه تولى تجهيز حملة حجاج العراق لسنوات غير قليلة، فمن خلال وصف الرواة لتلك الحملة يتبين قدراته المالية في تجهيزها ثم فيما يكسبه من أرباح بعد انتهائها، فقد قيل إن عدد الإبل التي حملت الحجاج في قوافله عام ١٢٦٥ هـ وصل إلى خمسين ألف بعير،
стр. 10270
وبينما بلغ عدد الحرس فيها إلى عشرين ألف رجل (١)، وقد حددت مسؤولية مهنا بجانب توفير هذه الإبل - تأمين أيضًا الخيام والأثاث والهوادج والمواد الغذائية والطهي والحراسة وخاوات القبائل، ولدينا سند سجل فيه دين لمهنا على أحد الناس جاءت فيه عبارة (عقب ركبة مهنا في ثامن شوال ١٢٧٢) ربما أنها تعني ذهابه لحمل الحجاج، ولقد استمر يحمل هؤلاء الحجاج إلى أن نافسه متعب بن رشيد، فوقع بينهما خلاف أوشك أن يفضي إلى قتال في حدود سنة ١٢٧٥ هـ، فتدخل أحمد بن عبد الله الرواف، وأصلح بين الجانبين، ومن يومها ترك مهنا حمل الحجاج.
والناظر في وثائق مهنا يراه أقرض أموالًا كثيرة بديون على كثير من الناس سواء في بريدة وقراها ومدن القصيم الأخرى، أو خارج القصيم كالزلفي، كما أقرض رجالًا من زعماء البادية، بل يلاحظ أنه كان أحيانًا يقرض قروضًا حسنة بدون دين.
ومن الملفت للنظر شراؤه الكثير من الأملاك والمزارع، والشيء الذي نحب التنبيه عليه أن أكثر تلك القروض التي أقرضها للناس وكذلك الممتلكات التي اشتراها كانت قبل سنة ١٢٨٠ هـ، أي قبل ولايته الإمارة.
ولقد برز مهنا بين جماعته أهل بريدة، فصار من أعيانها، بل صار شخصية معروفة عند أهل القصيم قبل أن يشتهر أمره في نقل حجاج العراق، بدليل أنه في عام ١٢٦٥ هـ لما حصلت ثورة أهل القصيم (في بريدة وعنيزة) بزعامة عبد العزيز آل محمد آل أبي عليان، قدم الإمام فيصل بن تركي إلى القصيم لإخمادها، اتصل به مهنا بصفته مندوبًا لأهل القصيم، وتفاوض معه في الصلح، فقبل منه الإمام واشترط أن يقدموا السمع والطاعة، ويدخلوا في
стр. 10271
الجماعة، ويدفعوا الزكاة ويركبوا معه في المغازي، فاختيار جماعته له لمثل هذه المهمة ثم نجاحه فيها يدل على ذلك. انتهى.
أقول: نقلت ما جاء في هذه النشرة، وإن كان بعضه متداخلًا مع ما ذكرته أو سأذكره عن حال (مهنا الصالح) وذلك لكونهم يتكلمون عن أناس من كبار السن من الأسرة وغيرها.
ويلاحظ أن في عبارة النشرة كلمات غير دقيقة مثل تعبيرهم عن المداينة بالإقراض كقولها:
والناظر في وثائق مهنا يراه أقرض أموالًا كثيرة بديون على كثير من الناس سواء في بريدة أو قراها ومدن القصيم الأخرى.
ويريدون بالإقراض هنا المداينة وهو غير المداينة كما هو معروف، فالإقراض هو دفع القرض وهو تسليم مبلغ من المال إلى شخص من دون ربح أو فائدة مالية للمقرض، ولا يدخله التأجيل.
وأما المداينة فإنها البيع إلى أجل أو دفع المال إلى شخص ليعيده للدائن بعد مدة معينة ويكون مشتملًا على ربح للدائن مقابل تأجيل دفع المبلغ كما هو ظاهر.
نماذج من بيان ثروة مهنا الصالح:
مهنا الصالح كما قلنا وقال غيرنا وكرروا القول بأنه ثري حتى قبل أن يتولى الإمارة، وظني أن الإمارة لم تزده ثراء، فقد اعتدنا من أمراء بريدة وآل مهنا خاصة أن يعتبروا المال الذي للإمارة مالًا عامًّا لا يجوز لهم التصرف فيه إلا في مصارف خاصة.
ويعتبرون أنه غير المال الخاص بهم.
стр. 10272
والدليل على ذلك أن مهنا لم يكن يذكر في تعاقداته في الأغلب وصفه بالأمير رغم كونه في بعض تلك التعاقدات كان أميرًا للقصيم بالفعل.
وبين يدي الآن وثيقة مطولة مهمة بدين لمهنا الصالح علي عبد العزيز المجيدل، بمبلغ كبير جدًّا بالنسبة إلى ثروات الناس في ذلك العهد، وهو ثلاثة آلاف ريال فرانسه وستة عشر ربع.
و(الربع) فسرته فيما سبق بأنه ربع ثلث الريال.
وهذا الدين هو في حال كون مهنا الصالح أميرًا على بريدة وهو دين استثماري وليس استهلاكيًّا.
ونقصد بالدين الاستثماري أن المقصود منه استثمار المال وليس مجرد العيش منه.
وذلك أن هذا المبلغ الكبير كان ثمن هدم، والهدم بكسر الهاء وإسكان الدال عندهم هو العباءات والأقمشة التي تفصل ملابس، ورأينا في هذه الوثيقة ما كان مهنا الصالح اختطه لنفسه من محبته لتأجيل الدين آجالًا عديدة حتى يزيد الربح منه، وذلك لكونه بطبيعة الحال - لا يحتاج في تسيير أموره المالية لذلك المال في وقته الحاضر.
والوثيقة مكتوبة بخط محمد بن أحمد آل حميده - من بني عليان - وشهادة أحمد بن عبد الله بن حميدة، وأحمد بن عبد الله الرواف.
وتاريخها: ٢٢ شعبان من عام ١٢٨٦ هـ.
стр. 10273
والوثيقة التالية وثيقة مضاربة بمبلغ كبير بالنسبة إلى الثروات في ذلك الزمن، فهي ستمائة وأربعة وخمسون ريالًا إلَّا ربعًا، والدافع للمال هو مهنا الصالح، والمشتغل فيها هو عمر ابن الشيخ العلامة عبد الله أبا بطين.
والشاهد عليها حمد بن إبراهيم بن جاسر والد الشيخ الشهير إبراهيم بن جاسر والكاتب هو صلطان الرشيد العمرو عام ١٢٧٨ هـ.
وهذه نماذج من مداينات مهنا الصالح معتادة بمبالغ معتادة أيضًا وهي مكتوبة بتواريخ متفاوتة، ولم أتكلم على كل واحدة منها بمفردها لكونها معتادة، وقد تكلمت على ما يشبهها من قبل في هذا الكتاب.
стр. 10274
مقتل مهنا الصالح:
قتل مهنا الصالح في عام ١٢٩٢ هـ. وتسمى العامة مقتله بـ (ذبحة مهنا) وقد سمعت والدي أكثر من مرة يقول تزوج والدي بأمي قبل (ذبحة مهنا) بسنة وولدت أنا عقب (ذبحة مهنا) بسنة أي عام ١٢٩٣ هـ.
وذلك مثلما جرت العامة عليه من كونهم يؤرخون بالوقعات الفاصلة، وبخاصة في الوقائع الحربية، أو بالنكبات مثل سنة الجوع التي هي ١٣٢٧ هـ و (سنة الرحمة) التي هي سنة ١٣٣٧ هـ.
ونظرًا لأهمية مقتل مهنا من الناحية التاريخية ذكرت الأوراق التاريخية في القصيم ذلك، كما سمعناه من الشيوخ والإخباريين، وقد رأيت أن أذكر ما سمعته في الروايات الشفهية عنها، ثم أتبعه بما قاله المؤرخون أو هم كتاب الورقات التاريخية المختصرة.
لا يستغرب الإخباريون أن يقتل (آل أبو عليان) الأمير مهنا الصالح أبا الخيل، بل إنهم يستغربون أن يتأخر ذلك إلى أن يمضي في الحكم إحدى عشرة سنة، لأنهم الذين كانوا يحكمون بريدة سواء كان ذلك بصفة مستقلة أم كانوا معينين من الدولة السعودية لمدة مائتي سنة أو نحوها.
стр. 10275
ولا شك في أنهم لم يغفلوا عن ذلك وإن كان مهنا الصالح حذرًا وقويًّا إلى درجة لا يستطاع معها إسقاطه أو إبعاده عن الحكم بسهولة.
بدأ ذلك بالعزم الشفهي من (آل أبي عليان) الذين كانوا فروا إلى عنيزة وبقوا فيها، وقد كتب بعض الذين كانوا موجودين منهم في بريدة إليهم بما يشبه الشفرة أو الكلام المعمى عن قصدهم.
فذهبوا إلى كاتب معروف في بريدة بسرعة استجابته لمن يطلب منه أن يكتب له رسالة، وذلك من باب الشهامة والمساعدة وهو (علي بن عبد العزيز آل سالم) من أسرة السالم الكبيرة قديمة السكني في بريدة، وسبق ذكره في حرف السين فأملوا عليه كتابًا فيه معميات منها قولهم: ترى الجمل العور - الأعور - عازب بالبر يقصدون بذلك حسن بن مهنا الصالح الذي كانت قد ذهبت عينه في بعض المعارك الحربية، وقولهم: والحمار الشهري يبي يجلب يوم الجمعة، وهو تعمية عن اسم (مهنا) نفسه، ومعنى يجلب يوم الجمعة أي أن قتله سيكون يوم الجمعة.
وهكذا كان فقد اغتنموا فرصة غياب حسن المهنا عن بريدة كما ستأتي قصة غيابه، ورصدوا لمهنا الصالح عند خروجه لصلاة الجمعة فذهب أناس منهم إلى بيت لآل غصن الجرياوي وهم غير الغصن الذين هم من آل سالم كما تقدم، والبيت ملك للهذال من آل مزيد أهل الدعيسة استأجره، الغصن منهم صبرة، ويشرف على وسعة بريدة التي تقع شمالًا من الجامع، فكمنوا فيه وهم مسلحون بالبنادق والذين كمنوا في هذا البيت منهم اثنان أو ثلاثة.
ولما جاء الأمير مهنا الصالح إلى المسجد الجامع ليصلي الجمعة، ومن عادته أن يدخل مع الباب الشمالي الشرقي للمسجد لأن بيته واقع إلى الشمال الشرقي من الجامع وآل في عصرنا إلى (الشويرخ)، ولا أدري ما فعل الله به بعد ذلك إلا أن يكون دخل في ميدان المسجد الجامع بعد توسعته.
فلما صار تحت المنارة التي تقع في الركن الشمالي الشرقي من الجامع،
стр. 10276
وقد عهدناها كذلك أطلقوا عليه النار فأردوه قتيلًا، ثم فروا حسب اتفاق بينهم وبين باقيهم الذين جاءوا من عنيزة إلى ما كان يعرف بالقلعة، وهو موضع قصر بريدة الشهير، الذي كان في شمال الجردة، وكانت القلعة آنذاك حوشًا واسعًا فيه مقصورة حصينة، وذلك قبل أن يبني حسن المهنا قصر بريدة، فتحصنوا فيها مع بقية جماعتهم.
أما الأمير مهنا الصالح فإنه بعد أن سقط برصاصهم لم يعرف الذين نزلوا إليه من سائر الناس ما إذا كانت إصابته قاتلة أم لا فنادوا (الحوطي) وهو رجل يحفر القبور، ويغسل الموتى ويعرف لذلك ما إذا كان الأمير قد مات.
قالت الرواية: فكان الحوطي يدخل يده في جيب مهنا يتحسس فيه النقود الصغيرة التي كان مهنا الصالح قد اعتاد على أن يأخذها معه، لكي يمنحها لمن يعترض طريقه يسأله المعونة من المال، قالوا: بعد ذلك جس جسمه ونظر إليه، وقال: الأمير مات.
فزع أهل بريدة وفيهم أبناء مهنا ورجاله علي بني عليان بقيادة ابنه عبد الله المهنا، ولكنهم كانوا متحصنين في برج القلعة وهذا هو اسمها، إلا أنها ليست قلعة كالقلاع المحصنة فهي مبنية بالطين، ولذلك يسميها بعض الناس المقصورة، وأحاطوا بهم ولكنهم كانوا مسلحين وقتلوا اثنين أو ثلاثة من المهاجمين فتوقف الجميع عن الهجوم، وهابوا الاقتراب من البرج.
قالوا: وكان شخص اسمه (ابن نصار) وليس من النصار آل أبو عليان وبينه وبينهم عداوة وبينه وبين مهنا الصالح علاقة صداقة ومحبة، فقال: تراكم ما تقدرون عليهم إلا إذا أوصلتم تحت البرج تنكة بارود أي صفيحة مملؤة بالبارود وفجرتوها، فأحضروا التنكة المليئة بالبارود، وقالوا: شاغلوهم بالرمي عليهم بينما كان اثنان منهم وقد حل الظلام يتسللان إلى ما تحت البرج، ويضعان البارود ثم نثروا في الأرض بارودًا متصلًا على هيئة حبل وأشعلوا
стр. 10277
النار في طرفه فسرت النار فيه حتى وصلت الصفيحة تحت البرج فانفجرت وانهدم ورموهم بالرصاص وقضوا على أكثرهم، ولم يفلت منهم إلَّا من اختفى في الظلام وهم ثلاثة أو أربعة هربوا من حيث جاءوا إلى عنيزة.
وتقول الروايات الشعبية: إنه لم يسلم منهم إلا واحد متدين كان يقرأ القرآن ويورد على نفسه أي يدعو فسهل الله له خشبة في البرج لم تسقط فتعلق بها ثم وصل إلى الأرض سالمًا وهرب.
وبهذا انتهت خطة مقتله من دون أن يتحقق شيء مما أرادوه إلَّا موت الأمير مهنا ولكنهم لم يحصلوا على طائل فيما يتعلق بعودة الحكم إليهم.
أما غياب حسن بن مهنا الذي أشاروا إليه فإنه كان في غزوة معهم فيها جدي عبد الرحمن بن عبد الكريم العبودي، وكان من عادة الذين يقومون بمثل هذه الغزوة التي تكون كبيرة وعدد أفرادها كثير وتكون بإمرة أمير البلد أو من يقرب منه في المكانة أن لا يذهبوا من البلد دفعة واحدة، بل يظهرون أول الأمر ثقلهم ويبقون غير بعيد منه حتى يتلاحق الغزو ويكتمل.
حدثني والدي عن جدي، قال: كنا غازين مع حسن المهنا وقد نزلنا في الخسف، وينطقون بها بإسكان الخاء وفتح السين، جمع خسف وهو الغائر من الأرض يكون سببه انخفاض أو ما يسمى بالانكسار في الأرض ويكون ذلك قديمًا في العادة أو يكون سببه ما تسمية العامة (مضراب نجم) أي موضع وقوع نيزك من السماء.
قال جدي: بينما كنا بعد العصر جالسين مع حسن المهنا ومع كبار الغزو إذا بأخيه محمد المهنا قد أقبل على فرسه التي كان قد (لزها) أي حملها على أن تجري بأقصى ما تستطيع، فنزل من الفرس مسرعًا ووقف على أخيه الأمير حسن، فبادره حسن بقوله: عسى ما شر؟
فقال له محمد: أبيك بالشراع.
стр. 10278
وذهبا معًا إلى داخل شراع الأمير حسن، ولم يكن بعيدًا من مجلسنا في الصحراء قال: أما نحن فقد عرفنا أنه جاء لأمر مهم لأن الفرس التي تحته كانت عندما وصلنا صفراء ثم انقلبت إلى دهماء بمعنى تغير لونها في رأي العين، فعرفنا أنه كان يجعلها تجري بأقصى سرعتها، لأن الذي جعلها تبدو (دهماء) بمعنى كذات اللون البني هو العرق الذي جللها وتصبب منها.
قال جدي: ثم خرج إلينا الأمير حسن وقال: الأخ محمد يقول: إن ها الأشقياء بني عليان ذبحوا الوالد وأنهم هاالحين محصورين بالقلعة، والجماعة محيطين بهم ولا لهم مطير، لكن ترانا نكيف، اللي معنا يبقى معنا نبي ندخل من شمال الديرة واللي ما هو معنا يقدر يخلينا يروح على هواه.
ومعنى (نكيف) راجعون إلى البلد وتاركين الغزو من قول العامة: انكف فلان إذا رجع من سفر أو غزو.
وقوله اللي معنا هذا هو غاية الإنصاف معناها الذين يؤيدوننا، ولا يؤيدون (آل أبو عليان) يبقون معنا والذي له رأي آخر يذهب مع جهة أخرى.
يريد بذلك أننا لا نجبر أحدًا على أن يكون معنا، وقد فعل هذا احتياطًا مما قد يتبع مقتل والده من مواجهة أو حرب، وقد تبين أنه لا يوجد شيء من ذلك.
قال جدي: وقد جامل كثير من الناس فدخلوا مع حسن المهنا، وإن كانوا لا يؤيدونه، أما بعضهم فإنهم انفصلوا عنه ودخلوا من جهة غرب المدينة إلى الشرق من (المطا).
قال: وعندما وصلنا إلى بريدة بعد المغرب كان كل شيء قد انتهى، وبقيت جثث القتلى من آل أبو عليان الذين كانوا في البرج ملقاة على الأرض حتى صبح الغد.
أقول أنا مؤلف الكتاب: بلغني من غير والدي أن محمد بن سليمان العمري جد الشيخ صالح العمري أول مدير للتعليم في القصيم طلب من حسن المهنا أن يغسلهم هو ويصلي عليهم ففعل ذلك، وكان الناس ومنهم أقارب لهم
стр. 10279
هابوا الاقتراب من جثثهم خوفًا من حسن المهنا.
هذا وقد تولى حسن المهنا الإمارة منذ ذلك اليوم، ولكن بني عليان لم يسكتوا، بل حاولوا أن يقوموا بعمل ضده، غير أنهم لم يستطيعوا، وسوف نذكر في ترجمة حسن المهنا شيئًا من ذلك.
وجدت في أحد الأوراق التي كنت نقلتها في عام ١٣٦٤ هـ من مصدر لا أتذكره الآن، ولكنني أذكرها من باب الإيضاح:
وقد سجل التاريخ المكتوب قتلة مهنا الصالح لأهميتها قال ابن عيسى:
وفي هذه السنة - أي سنة ١٢٩٢ هـ - قتل مهنا الصالح أبا الخيل أمير
стр. 10280
بريدة وآل أبا الخيل من عنزة قتله آل أبي عليان وكان مهنا المذكور قد تغلب على البلد واستمال أعيانها وكثر أعوانه، وكان صاحب ثروة ومال فقام على آل أبي عليان، وأجلى من البلد كل من يخافه منهم ويخشي شرهم فساروا إلى بلدة عنيزة، ولم تزل الرئاسة لهم عليها إلى أن غلبهم عليها مهنا الصالح المذكور وأجلى رؤساءهم منها إلى عنيزة في هذه السنة كما ذكرنا.
فاتفقوا على قتله فنفر منهم اثنا عشر رجلًا من عنيزة ودخلوا بلد بريدة آخر ليلة الجمعة تاسع عشر من المحرم من السنة المذكورة ودخلوا في بيت على طريق مهنا إذا خرج لصلاة الجمعة واختفوا فيه فلما خرج لصلاة الجمعة خرجوا عليه من البيت وقتلوه ثم ساروا إلى قصر مهنا الجديد المعروف فدخلوه وتحصنوا فيه، فقام عيال مهنا وعشيرتهم وأهل بريدة وحصروهم في القصر المذكور وثار الحرب بينهم وبين آل أبي عليان المذكورين فضرب آل أبي عليان علي بن محمد بن صالح أبا الخيل برصاصة فوقع ميتًا ثم ضربوا حسن بن عودة أبا الخيل برصاصة فوقع ميتًا فقام آل أبي الخيل ومن معهم من أهل بريدة وحفروا حفرًا تحت المقصورة التي فيها آل أبي عليان المذكورين ووضعوا فيه بارودًا وأعلقوا فيه النار فثار البارود وسقطت المقصورة بمن فيها فمات بعضهم تحت الهدم وبعضهم أمسكوه وقتلوه ولم يسلم إلا إبراهيم بن عبد الله بن غانم ومن أعيان المقتولين صالح آل عبد العزيز آل محمد وابن أخيه عمر بن تركي آل عبد العزيز آل محمد وابن أخيه الثاني إبراهيم بن علي بن عبد العزيز آل محمد وعبد الله بن حسن آل عبد المحسن آل محمد وتولى إمارة بريدة حسن آل مهنا بعد أبيه (١).
قال الشيخ إبراهيم بن عبيد في تاريخه:
هذه ترجمة مهنا هو الأمير الخطير والبطل الشهير أبو الخيل مهنا الصالح
стр. 10281
الحسين آل أبي الخيل، من عنزة أمير الإمام فيصل على بريدة.
وكان رسول أهل القصيم إلى الإمام فيصل بن تركي لما خرجوا عن طاعته وطلبوا الصلح، فلما قدم رسولًا من أهل القصيم انتظم على يده الصلح وما زال يتودد إلى الإمام حتى كتب معه أنهم يدفعون الزكاة ويركبون معه غزاة ويدخلون في السمع والطاعة والجماعة، فرجع مهنا إليهم بذلك وكان شجاعًا مقدامًا وتاجرًا كبيرًا من كبار التجار، ولما أراد الإمارة أشار عليه أحبابه وذوو الرأي أن لا يتآمر لعلمهم أن يحدث نزاع بينه وبين آل أبي عليان، بل يكون من زعماء البلد فإنه أرفع لشأنه وأحسن لمستقبله لأن الرأس مستهدف للآفات، فلم يصغ وصمم على مراده.
فأما شجاعته فكانت الأمة تضرب الأمثال بإتعابه للخيل إذا ركبها فإذا ما استهزلوا دابة قالوا هذه قد ركبها مهنا، وله معاملة في التجارة للفلاحين، فكان يقول لوكيله لا تعامل من يكون أقوى منا فقال له الوكيل مرة ومن أقوى من الأمير؟ فأجاب قائلًا: أقوى منه الفقير إذا إدعى العسرة فإنه يجب إنظاره، وكان يعطي أهل الشرق عشرهم اثني عشر ويعطي أهل الغرب عشرهم أحد عشرة فاشتكى إليه الشرقيون قائلين ما بالنا نغلب في المعاملة فهل يساوي بيننا، قال: لا يستوي من إذا دخل المدينة فالشمس في وجهه وإذا خرج فكذلك في وجهه يشير إلى أن الفلاح يدخل من أول النهار ويخرج من آخره ويلاقي الغربيون معاناة الشمس عكس الشرقيين فإنها إذا لوحت وجوههم تقمع أبصارهم وتسود ألوانهم.
ولما مات خلف من البنين أربعة مشهورين وهؤلاء الأمير حسن ومحمد وصالح وعبد الله (١). انتهى.
стр. 10282
أقول: ذكر ابن عبيِّد في تاريخه النجم اللامع شيئًا لم يفصله غيره يدل على أن آل أبو عليان قتلة مهنا الصالح كانوا اتفقوا مع زامل بن سليم أمير عنيزة على أن يناصرهم إذا قتلوا مهنا، ولكنه لم يفعل.
قال ابن عبيِّد:
وكانت عشيرة آل أبو عليان قد تواعدوا وتعاهدوا مع زامل العبد الله بن سليم أمير عنيزة وضمن لهم أنه حينما يبلغه الخبر أنهم قتلوا مهنا فإنه يمدهم بالرجال من أهل عنيزة ويمشي معهم إلى بريدة رئيسًا لهم، فلما قتلوه أرسلوا إليه معتوقًا لهم يدعى زيد فأركبوه فرسًا واستحثوه بالعجلة حتى يخبر زامل فيقوم بما يجب عليه ثم إن جماعة أهل عنيزة وذوي الحل والعقد منهم حينما بلغهم ذلك الخبر استدعوا أميرهم زامل وهم مجتمعين في قهوة محمد بن فوزان فسألوه عن جلية الخبر وأعطاهم الخبر الصدق على وضعه من أنه عاهد آل أبو عليان أن يمدهم إذا قتلوا مهنا، وكان العهد هذا منفردًا به دون إطلاع رؤساء جماعته ففتوا في عضده وانفوه وقالوا ليس هذا رأيك برأي رشيد، وليس لنا فائدة من قتال آل مهنا وآل أبو عليان فلو قتل رجل واحد من أهل عنيزة لكان يعدل عندنا كثير من أهل بريدة فغلبوه على أمره وقالوا له: إن كان تحب أن تمدهم فبنفسك وخدمك وعبيدك وأما أهل عنيزة فلن نسمح أن يخرج منهم ولا شخص واحد، وكان يعلم أن ليس له شوكة بدون مناصرة جماعته له فعدل عن رأيه قانعًا مسلمًا (١). انتهى.
ولا أعرف صحة ما ذكره، وإنما كنا سمعنا من أشياخنا أن آل أبو عليان كانوا يؤملون أن يكون أهل بريدة، وقسم منهم معهم إذا قتلوا مهنا الصالح، وبخاصة من كان من بني آل أبو عليان، باقيًا في بريدة، والله أعلم.
стр. 10283
أقول: وقفت على وثيقة فيها قسمة بعض العقار الذي خلفه مهنا الصالح من دور ودكاكين، وذلك بطبيعة الحال غير النقود وما في معناها.
стр. 10284
الحاكم الثاني:
الحاكم الثاني من أسرة (المهنا) حسن بن مهنا تولى الإمارة بعد والده، ومنصبه منصب حاكم لا أعلى منه نفوذًا في ذلك الوقت في المنطقة النجدية، الآن آل سعود قد انشغلوا في التحارب ما بين عبد الله بن فيصل ومعه طائفة من آل سعود مثل الإمام عبد الرحمن والد الملك عبد العزيز، وبين أخيه سعود الفيصل ومعه طائفة من آل سعود، وكل واحد منهما معه بعض الأعراب وأهل البوادي، ولكنهم أي الأعراب في ذلك الوقت يسيرون أمورهم وفق ما يرون فيه مصلحتهم الحاضرة، لذلك قد يبدلون ولاءهم في بعض الأحيان كما هو معروف عنهم.
وابن رشيد والموجود في الحكم آنذاك هو محمد بن عبد الله بن رشيد لم يتمدد حكمه ولا اتسع نفوذه إلى أبعد من حائل وقراها.
وإذًا حسن المهنا قد استولى على القصيم الذي هو أخصب أقاليم نجد وأكثرها ثمارًا وغلات.
حتى إن حسن المهنا عندما بنى قصر بريدة الشهير كان أكبر قصر وأكثره منازل فيما نعرفه من القصور في ذلك الوقت في نجد بني فيه صوبة ضخمة واسعة، وهي مخزن التمر الكبير.
وقد أسمى الناس تلك الصوبة (مقيمة) لأن التمر يبقى فيها إلى سنة أو نحوها أي إلى أن تدرك ثمرة النخل الجديدة.
وذلك أن قصر حسن المهنا تجبى إليه صدقات أي زكوات الثمار من جميع البلدان التي تتبع بريدة من المذنب والعمار جنوبًا حتى القوارة شمالًا، ومن الشماسية والربيعية والنبقية شرقًا حتى صبيح والنبهانية غربًا، سواء
стр. 10285
أكانت زكوات التمر أو الحبوب، ويمكن القول بأن زكوات جميع القصيم تجيء إليه ما عدا مدينة عنيزة وما يتبعها من قرى صغيرة قليلة المحصول.
ونعود إلى ذكر تولي حسن الأمر وأنه يصلح أن يعبر عنه بأنه تولى الملك فنقول: إن أرض القصيم التي كانت تحت حكم حسن المهنا هي أكثر سعة إلى عشرين أو ثلاثين ضعفًا من أرض البحرين التي هي مملكة الآن، وحاكمها ملك.
كما أن موارد القصيم في ذلك الوقت أكثر وأثمن من موارد البحرين في ذلك الوقت أيضًا.
كان حسن المهنا أكبر أولاد مهنا، وكان والده يرسله في المغازي وأمثالها كما في قصة مهنا أن ابنه (حسن المهنا) كان على رأس غزو قد غادر بريدة ولم يبعد عنها، وكان في ذلك الغزو معه جدي عبد الرحمن العبودي.
وقد حاول بعض الناس أن يغمطه حقه فيقول: إنه ليس عنده تدبير، وإنه بسبب تدبيره حصلت على أهل القصيم مقتلة المليدا عام ١٣٠٨ هـ.
وذلك أن حسن المهنا ومعه أهل القصيم ومنهم أهل عنيزة وأميرهم زامل السليم كانوا متقابلين قبل الوقعة، هم في الخبوب، قرب البصر وقرب البكيرية وهي مواقع جيدة جدا للقوة التي يملكونها وهي الرَّجَّالة والرماة فعددهم كبير وفيهم رماة معروفون.
ثم إنهم يدافعون عن بلادهم.
وأما ابن رشيد فإن قوته الحقيقية هي في الخيالة، وهم الفرسان أي المحاربون الذين على الخيول، لان قبيلة شمر أهل بادية يعتنون بالخيل وبالفروسية، والخيل لا تستطيع أن تطرد أي أن تسبق من تطلبه أو يطلبها في الموقع الذي فيه أهل القصيم وهو الرمل لأن قوائمها تغوص في الرمل.
стр. 10286
فهي بحاجة إلى أرض قوية بارزة لذا بقي ابن رشيد في المليدا في الضلفعة وما حولها.
وقد صار ابن رشيد يرسل بعض خيالته فيغيرون على أطراف القصيم يأخذون ما يستطيعون الوصول إليه فتأذى من ذلك بعض أهل الخبوب وشكوا إلى حسن المهنا وجاءهم كبار قرية في أعلى القصيم يقولون له: أما إنك تفكوننا وإلا أصلحنا مع ابن رشيد، بل بلغه أن بعضهم قد أجروا بالفعل اتصالًا مع ابن رشيد حول الصلح معه الذي معناه أن يصل إليهم ابن رشيد، ويؤذي بجنده أهل المنطقة وهم في ذمة حسن المهنا كما كان حسن يقول.
لذلك رأى حسن المهنا ومن معه من أهل القصيم أن يهاجموا ابن رشيد ليضطروه للبعد عنه، وبالتالي يتخلص أهل القصيم منه، وقد عارض في ذلك زامل السليم أمير عنيزة، وقال: الأفضل أن نبقى في مكاننا.
وهذا صحيح من الناحية الحربية، ولكن من الناحية السياسية والشعور بالواجب ليس صحيحًا عند حسن المهنا، والفرق بين موقف حسن وزامل أن جميع الأماكن التي هم فيها والأماكن التي يهددها ابن رشيد أو اتصل بأهلها هي تابعة للقصيم أي لبريدة وليس منها شيء تابع لعنيزة.
لذلك كان حسن المهنا يشعر من هذه الناحية شعورًا مختلفًا عن شعور زامل السليم أمير عنيزة.
ثم وقعت الواقعة في المليدا الأرض المستوية التي تغير فيها الخيل بدون عوائق وليس فيها مواقع يحتمي بها الرماة أو المشاة.
وكان ما كان من هزيمة أهل القصيم وقتل أقوام كثيرة منهم سواء من أهل بريدة أو من أهل عنيزة، وقتل فيها زامل السليم أمير عنيزة، وجرح فيها
стр. 10287
حسن المهنا أمير القصيم وكسرت رجله حتى لم يمكن حمله، إلا بمحمل وهو كالنعش أو النقالة من الخشب.
وبعد وقعة المليدا رأى حسن المهنا وهو كسير الرجل أن يذهب إلى عنيزة خوفًا من ابن رشيد وأنه إذا ذهب إلى بريدة يكون ذلك أسهل في القبض عليه وعلى أمل أن يشفع له ابن بسام عند ابن رشيد نظرًا لمكانة ابن بسام عند ابن رشيد، ولكن ذلك لم يحصل، ولا ندري أطلب حسن المهنا ذلك، أم توقعه ولم يحصل.
وقبض عليه ابن رشيد في عنيزة وسجنه في حائل مثلما سجن أبناءه وبعض آل مهنا، إلا أن الأمير حسن المهنا كان أنقلهم قيودًا فقد ربطت رجله بمرسة قوية من الحديد وصب على تلك المرسة ٣٠ وزنة من الرصاص أي ٤٥ كيلو حتى لا يستطيع أحد أن يفك عنه قيده.
كان من نتيجة ذلك أنه لا يستطيع أن يحرك رجليه أو يسحب جسمه بسبب القيد الحديدي المثقل بالرصاص.
وقد ذكر لي أحد العارفين بالأمر أن حسن المهنا لم يضيق عليه في السجن في أول الأمر وإنما حدث ذلك بعد تولي عبد العزيز بن متعب بن رشيد ولا أدري عن ذلك.
وهو متدين أسعفة تدينه بشيء من راحة البال، فحفظ القرآن عن ظهر قلب في السجن وصار يكثر من التلاوة حتى مات في سجن ابن رشيد في حائل عام ١٣٢٠ هـ بعد أن بقي في السجن اثنتي عشرة سنة.
حدثني أحد أصدقائنا من أهل شقراء عن فهد بن سدحان من أهل شقراء أيضًا قوله: لا أنسى موقفين متباعدين في الحقيقة والمعنى رأيت عليهما حسن بن مهنا فيما يتعلق بحالته بالنسبة إلى ابن رشيد أحدهما أن محمد بن عبد الله بن رشيد كان
стр. 10288
معه حسن المهنا ومعه جنود القصيم وكانوا جميعًا نازلين على روضة قرب شقراء وكان الوقت وقت أمطار، وقد كثر نزول المطر على الروضة حتى صارت أرضها طينًا مع ماء لا يستطاع السير عليه إلَّا بصعوبة وتلوث ثياب.
وكان مجلس لمحمد بن رشيد وحسن المهنا معتادًا، فأرسل ابن رشيد إلى حسن المهنا أن يأتي إليه في مجلسه المعتاد فاعتذر بصعوبة السير على ارض هذه الروضة، قال: فأرسل محمد بن رشيد أربعة من عبيده الأقوياء، ومعهم سجادة وقال لهم: احضروا لي حسن المهنا بهذه السجادة خلوه يجلس عليها وأنتم احملوه على أكتافكم.
قال: ففعلوا، وذلك من شدة حرص محمد بن رشيد على أن يجلس حسن المهنا معه، وقد عجب الناس من إكرام محمد بن رشيد لحسن المهنا بهذه الطريقة، قال: وقد رأيته بعيني والعبيد يحملونه على أكتافهم وهو رجل ذو مظهر منعم.
قال فهد بن سدحان: وبعد سنوات رأيت حسن المهنا في منظر مختلف، بل بعيد جدًّا عن هذا الإحتفاء، وذلك في مكان اعتقاله في حائل، وقد صفدت قدماه وأغلق عليه باب سجنه، وجعلوا في سجنه أو لنقل معتقله نافذة يصعد إليها الناس فيطلون على حسن المهنا يرونه منها رجلًا قد أهمل شعره فاختلط شعر شاربه بعارضه وشعر لحيته وصار شعر رأسه منتشرًا مهملًا لم ير المشط منذ سنوات، والناس يتفرجون عليه من تلك النافذة وهو على تلك الصفة.
أقول: بلغنا من غيره أنهم جعلوه بمثابة الفرجة للناس، ودليلًا على قدرتهم مع أنه رجل كبير السن ومتدين ومغلوب، بل هو أسير حرب، لأنهم قبضوا عليه في أعقاب وقعة المليدا التي كان من المفهوم أن يعتقلوه وألا يطلقوه إلَّا إذا شاؤا، ولكن أن يسيئوا بهذه الطريقة على شيبته، ويخدشوا كرامته فهذا غير معتاد لغيرهم.
وفي خزانة التواريخ عن وقعة المليدا ما يلي:
стр. 10289
وفي جمادى الأولى من هذه السنة، سار الأمير محمد العبد الله بن رشيد، القتال أهل القصيم، وخرج حسن آل مهنا الصالح أبا الخيل أمير بريدة، وزامل العبد الله السليم أمير عنيزة، ومعهم جنود كثيرة من أهل القصيم ومن البادية فحصل بينهم، وبين ابن رشيد وقعة في القرعاء قتل فيها عدة رجال من الفريقين، وذلك في ثالث جمادى الآخرة من السنة المذكورة، ثم التقوا بعدها في المليدا، في ثالث عشر من جمادى الآخر من هذه السنة، وحصل بينهم قتال عظيم وصارت الهزيمة على أهل القصيم، وأتباعهم، وقتل منهم خلائق كثيرة، منهم زامل العبد الله السليم أمير عنيزة رحمه الله تعالى.
وانهزم حسن آل مهنا الصالح أبا الخيل، فأدركوه ثم جيء به إلى الأمير محمد العبد الله بن رشيد، فأرسله إلى حائل، وجلس هناك، واستولى الأمير محمد العبد الله بن رشيد على جميع بلدان القصيم، ولما بلغ عبد الرحمن بن فيصل خبر الوقعة، وكان قد أقبل من العارض ومعه جنود كثيرة قاصدًا القصيم، وقد وصل إلى الخفس، رجع إلى الرياض، وتفرقت تلك الجنود.
ثم خرج من الرياض وصار مع بادية العجمان، واستولى الأمير محمد العبد الله بن رشيد على مملكة نجد (١).
ووجدت وصفًا جيدًا لما حدث في وقعة المليدا وما بعدها في كتاب مخطوط لم يطبع بعد وهو كتاب (النجم اللامع) لابن عبيِّد من أهل عنيزة فأحببت إيراده هنا لما فيه من نقاط أو لمحات وملاحظات لا توجد في غيره، وإلا فإن أسباب الوقعة وما تلاها صارت معروفة لنا، وأمثالنا من المتابعين لمثل هذه الأمور، ومع أن في كلامه ملاحظة أو ملاحظتين، قال ابن عبيِّد:
стр. 10290
فلما كان يوم الخميس الموافق ٢٣ من جماد أول خرجوا من عنيزة ومن بريدة ومن سائر القصيم وكل القصيم يومئذ تابع لحسن وتحت إمرته عدا عنيزة وضواحيها فهي مستقلة تحت إمارة زامل ابن سليم وحين ما أرادوا الخروج من أوطانهم تواعدوا القرعا قرية معروفة بشمالي القصيم ونزلوا فيها وتواردت غزوان القصيم من كل جانب وأقاموا فيها بضعة أيام وهم متقابلين ولم يكن بينهم قتال، حتى بدأهم ابن رشيد بالقتال، وكان معه جنود كثيرة لا يحصى لهم عدد من شمر وحرب وعنزة، والظفير وهتيم ونزل ابن رشيد على الضلفعة قبالة أهل القصيم.
ثم بعد ذلك زحف عليهم ابن رشيد وحصلت بينهم وقعة يسمونها كون القرعا وكانت الغلبة لأهل القصيم على ابن رشيد لأنهم متحصنين في جبال ولم يكن لخيل ابن رشيد ميدان تغير به، وكان معه على ما يقول المحقق من صنف الخيل ثمانية آلاف خيال (٨٠٠٠)، فلما رأى محمد ابن رشيد أنه لا طاقة له بهم ما داموا في منزلهم هذا وأن الخيل ليس لها ميدان للغارة فرحل عن مكانه مختارًا له منزل يكون أفسح من منزله وفيه مجال للخيل لكرها وفرها ونزل الشيحية قرية صغيرة غربي القصيم وجعل بينه وبين أهل القصيم صحراء واسعة وهي التي تسمى المليدا.
فبعد رحيله رحلوا ونزلوا شرقي المليدا ونزل هو غربيّها وهذا الذي يقصده لأن الصحراء كانت بينهم ثم انه حين ما نزلوا قبالته لم يمهلهم ومشى عليهم من ساعته بجميع جنوده خيلًا ورجلًا فالتحم القتال وحمي الوطيس وبلغت المعركة أشدها فقتل زامل وولده علي وبضع رجال من بني عمه وعدة رجال شجعان من أهل عنيزة ومن قبيلة حسن ورجاله قتلى كثيرة.
وقتل من أهل بريدة خلق كثير ومن مشاهير القتلى عبد العزيز بن عبد الله آل مهنا وعبد العزيز بن صالح آل مهنا ومحمد العودة أبا الخيل وعودة آل حسن
стр. 10291
أبا الخيل وأخوه عبد الله وعبد الرحمن الحسين الصالح أبا الخيل وعبد الله بن جربوع وعيال ناصر العجاجي وهم خمسة، وصالح آل مديفر.
ومن مشاهير أهل المذنب صالح الخريدلي أمير المذنب ومنصور العبوش.
ثم إن حسن المهنا بعد هذه الوقعة انهزم جريحًا مكسورة يده برصاصة ودخل بلده بريدة وأراد الإمتناع فيها ولكن أهل بريدة لم يساعدوه على ذلك فخرج منها إلى بلد عنيزة وأرسل ابن رشيد سرية في طلبه من عنيزة فأمسكوه بها وجاءوا به إلى ابن رشيد فأرسله هو وأولاده ومن ظفر به من آل أبا الخيل إلى حائل إلى أن توفي سنة ١٣٢٠ هـ وقتل من أتباع ابن رشيد خلائق كثيرة وانتشر حكم ابن رشيد على بلدان القصيم كلها.
وكان الإمام عبد الرحمن الفيصل لما بلغه وصول ابن رشيد إلى القصيم وخروج أهل القصيم لمقابلته أسرع إليهم بالمدد بادية وحاضرة، ولكن الهزيمة قابلته وهو في بلدان سدير فرجع من وقته ونزل مع بادية العجمان وكان إبراهيم آل مهنا الصالح قد انحدر بقافلة كثيرة لأهل بريدة قبل خروج ابن رشيد من حائل لمحاربة أهل القصيم فلما بلغهم خروجه خرجوا من الكويت وعند خروجهم من الكويت وصلهم نجاب من حسن المهنا يستحثهم ويعجلهم بالقدوم عليه لحاجته الداعية للذي معهم وخصوصًا الطعام فساروا متوجهين إلى القصيم ولما توسطوا بين الغاط والمجمعة وافاهم خبر الوقعة وانهزام أهل القصيم واستيلاء ابن رشيد على بلدان القصيم انقلبوا راجعين إلى الكويت وقبل الوقعة المذكورة بستة أيام توفي الشيخ محمد آل عمر آل سليم وكانت وفاته في ٧ جماد الثانية من السنة المذكورة وله من العمر ٦٣ سنة ﵀، وكان إماما عالمًا عابدًا ناسكًا ورعًا جلس لتدريس في بلد بريدة، وانتفع بعلومه خلق كثير وكان محبًا الطلبة العلم محسنًا إليهم وفضائله كثيرة ﵀.
نحب أن ننبه القارئ أننا نكرر في كتابنا هذا بعض القصص عن الوقايع مرتين أو تزيد تكملة في بعضها وذلك لشيئين إما أننا نهمل لشيء منها ثم
стр. 10292
نورده في قصة الأخيرة والشيء الثاني هو أننا نروي بعض القصص من مصدرين تذكر العبارتين فتكون القصة موضحة جلية حين توافق النصوص.
وبعد قتل الرؤساء والشجعان من أهل القصيم حلت الهزيمة على أهل القصيم وعربانهم الذي ساقوهم معهم بإبلهم وغنمهم فأصيب بهذه الوقعة أهل القصيم بكارثة عظيمة بأموالهم ورجالهم لا تنسي مدا الدهر نسأل الله أن لا يعيد على المسلمين مكروهًا بعد هذا، وكل ما حصل من النكبات هي تابعة لهوى شخصين فقط: زامل وحسن، ولن نوجه على رئيس ولا مرؤوس بل نقابل الواقع بالرضا والتسليم والرضا عند نزول القضا ونسأل الله أن يغفر لميتهم ويسامح عنهم ويخلف على ذويهم ما رزئوا به.
وكانت وقعة المليدا في ١٣ جماد آخر سنة ١٣٠٨ هـ (١).
انتهى.
غزوات حسن المهنا:
جميع حكام نجد الذين لهم طموح في توسيع منطقة نفوذهم أولهم قدرة على غزو الأخرين وأخذ ما معهم يقومون بغزوات متعددة حتى يكون لهم نفوذ ثم يواصلون الغزو والحروب حتى يضمنوا بقاء ذلك النفوذ، وحسن المهنا يعتمد على قوة بشرية كبيرة في القصيم الذي لم يكن يماثله في نجد في كثرة السكان، وفيما ينتجه من الأقوات كالتمر والحبوب لم يشذ عن ذلك.
فكان حسن المهنا يغزو بنفسه كل سنة ثم تصادق مع محمد بن عبد الله بن رشيد أمير حائل وما حولها على أن يغزوا معا فكان أهل القصيم يغزون مع أهل حائل وقد تجاوز غزوهم منطقة القصيم إلى أماكن بعيدة.
стр. 10293
ومن ذلك عروي وهي ماء في عالية نجد.
وكان والدي يحدثني عن أبيه جدي عبد الرحمن العبودي أنه كان دائم الغزو مع حسن المهنا، وكان موعد الغزو فيما يسمونه الموسم وهو ذهاب الحر واقتراب الشتاء، والعودة من الغزو في فصل الربيع.
ولذلك تكون الحاجة إلى الماء اللازم للغزو ولإبلهم وما قد يكسبونه من المواشي من الأعداء قليلة، وذلك في فصل الشتاء لبرودة الجو وفي فصل الربيع الذي كان يسمى بفصل الصيف عند العرب القدماء حيث تأكل الإبل والمواشي من العشب الأخضر فتقل حاجتها إلى شرب الماء وإن كانت تحتاج إليه.
وليس الذهاب إلى الغزو اختياريًا بل يعتبره بعض الناس واجبًا وطنيًا لأنه يرفع من شأن البلاد، ويعلن للناس قوتها وقوة مقاتليها، وبعض المتعطلين يذهبون إلى الغزو طمعًا فيما قد يحصلون عليه من غنيمة ولو كانت قليلة عن طريق الانتهاب.
جاء في خزانة التواريخ ما يلي:
وفي هذه السنة وقعة عروى بين الأمير محمد العبد الله بن رشيد، ومعه حسن آل مهنا الصالح، أمير بريدة، وبين عتيبة ومعهم محمد بن سعود بن فيصل، وصارت الهزيمة على عتيبة (١).
وقال ابن عيسى:
(ثم دخلت سنة ثلاثمائة وألف)، وفيها الوقعة المشهورة بين عتيبة ومعهم محمد بن سعود بن فيصل وبين محمد العبد الله بن رشيد ومعه حسن آل مهنا أمير بلد بريدة على عروى الماء المعروف، صارت الهزيمة على عتيبة.
стр. 10294
وفيها غزا محمد بن سعود بن فيصل ومعه جنود كثيرة من أهل الخرج ومن آل شامر والدواسر وغيرهم، وعدا على ابن بصيص ومن معه من بادية بريه فصبحهم وهم على الأثلة فحصل بينه وبينهم قتال شديد وأخذ منهم إبلًا وغنمًا وقتل من الفريقين عدة رجال (١).
تدين حسن المهنا:
حسن المهنا رجل متدين، وعفيف عن الأكل من بيت مال المسلمين ولدينا شواهد تاريخية حية من أوراق ووثائق من أهمها أنه مات مدينًا، ولو كان يأخذ من بيت المال لما احتاج إلى أن يستدين من الناس، لا سيما أنه كان لديه جيش من أهل القصيم لو أراد أن يغير بهم على البوادي أو البلدان التي لا تتبعه لحصل من ذلك على مال ينفق أكثره للإمارة عن طريق إدخاله إلى (بيت المال) ويستأثر لنفسه بما شاء منه.
وسوف نورد الوثائق التي تدل على ما قلناه من كونه مات مدينًا.
ومن أشهر ما ذكر عن تدينه أنه كلف عودة الرديني من أهل بريدة الذين كانوا قدموا من الشماس وذكرته في حرف العين (العودة) ببناء مسجد في بريدة، وقال له: إنه جاءني إرث من أبوي مهنا بعضه ثمن أثل من روضة مهنا وبعضه غلة ولا أريد أن يخلطه مخالط من بيت المال أو غيره.
بل قال له: إنني لا أريد أن يطلع الناس على أنني أنا الذي بنيت هذا المسجد.
وقد عمل (عودة) بذلك فصار الناس لا يعرفون المسجد إلَّا بمسجد عودة ثم صلى فيه الشيخ محمد بن عبد العزيز الصقعبي دهرًا فسمي (مسجد الصقعبي) إلى أن صلى إماما فيه الشيخ محمد بن صالح المطوع نحوًا من خمسين سنة فسمي (مسجد الحميدي) لأن بعض الناس كانوا يسمونه (الحميدي).
стр. 10295
ومن تدين حسن المهنا ما عثرنا عليه في وثيقة بخط الشيخ القاضي محمد بن عبد الله بن سليم قاضي القصيم يقول فيها:
إن الأمير حسن بن مهنا لما رأى ملك الطلاسى - جمع طلاسي قد انضر أي أصابه الضرر وأشفقنا على هلاكه حامى عليه الأمير حسن بن مهنا وأذنا له يدين راشد آل حمد الطلاسي في ثلث جدّه وثلث عمه ومعنى الثلث هنا الوقف أو الوصية بثلث الملك بحيث لا يورث وإنما يبقى يستغل في الأعمال الخيرية، وأضاف إلى ذلك قوله: وما في ملكهم من أسبال قد أنقذها ويرهن الجميع حتى يستأفى فيما دينه لمصلحة ها الملك، وذلك في شهر شعبان سنة ١٣٠١ هـ شهد على ذلك جماعة من المسلمين منهم ناصر السليمان العجاجي ومحمد العبد العزيز الحميدي.
قال ذلك وأثبته الواثق بالواسع العليم محمد بن عبد الله بن سليم وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
وتحت ذلك ختم القاضي.
فانظر إلى قوله حامى عليه الأمير حسن أي أخذته الغيرة عليه لئلا يهلك وأكثره أوقاف من أوقاف المسلمين، ثم قوله: أذِنَّا له يدين راشد آل حمد الطلاسي، فالأمير كان في إمكانه لولا أن تدينه يمنعه أن يداين بالملك دون أن يأذن له القاضي، بل إنه بلغة الحكام غير المتدينين بإمكانه أن يأخذه بأية حجة، لكنه يعلم أنه لو فرض أنه فعل ذلك فإن أهله سيرفعون الأمر للحاكم الشرعي وهو الشيخ ابن سليم وأنه سوف يحكم لهم، وبذلك لا يستطيع أن يتحدى القاضي، وإلا تعرض للإثم من الله تعالى وربما تعرَّض أساس ملكه للأقاويل.
هذا وسوف يأتي نقل صورة الوثيقة المذكورة قريبًا بإذن الله.