وكان أتباع الشيخ ابن جاسر يسمون طلبة العلم الذين يتبعون آل سليم بالمغاليث: جمع مغلوث وهو المصاب بداء الكَلْب، يريدون بذلك أنهم يسارعون إلى الكلام في أعراض مخالفيهم ويشددون في الدين.
أما أولئك فإنهم كانوا يسمون أتباع ابن جاسر الضِّدَّ أي: ضد طلبة العلم، وقد أدركت ذلك بحيث كانت كلمة الضَّدِّ تعنيهم، ولا يسمونهم أتباع ابن جاسر إلا من باب التعريف بهم وشرح حالهم.
ومسائل مهمة:
وقيل إن بعض أنصار الشيخ ابن جاسر يقولون: لا يجوز أن يكفر من قال: (لا إله إلا الله) لأن الرسول ﷺ قال لأسامة: ماذا تفعل بلا إله إلا الله؟ .
وظني أنه إذا صح ذلك فإن مرادهم به أنه لا يقتل من قال (لا إله إلا الله) ابتداء أي يترك له المجال حتى ينظر في أمره، فإن فعل أفعالًا تخرجه عن الإسلام عومل بمقتضى ذلك، وإلا ترك وشأنه.
وهناك مسألة ذكرها الشيخ إبراهيم العبيد في تاريخه ولم أجد من ذكرها غيره رغم كون طلبة العلم من تلاميذ آل سليم وأتباعهم كانوا يذكرون المسائل التي خالف فيها أتباع ابن جاسر وهي قوله في الشيخ إبراهيم بن جاسر: إنه يرى جواز الاستغاثة بذوات الأموات وهذه مسألة خطيرة من مسائل العقيدة، لا يمكن أن تهمل لمجرد الإهمال لو كانت حقيقة، قال الشيخ إبراهيم بن عبيد:
ذكر نهاية أمر الشيخ إبراهيم بن جاسر.
كان هذا قد جرى بينه وبين آل سليم مخالفات ومناقشات تستغرق بسطًا طويلا نذكره في غير هذا الموضع الأسباب، لكننا نشير هنا إشارة لطيفة، فإن الشيخ إبراهيم كان في بادئ أمره تلميذًا لآل سليم ثم بعد ذلك طرا له التوسع
стр. 1087
في العقيدة ورأى جواز الاستغاثة بذوات الأموات مع مسائل أخرى فشن عليه المخالفون غارتهم وأجلبوا عليه ولسوء الحظ لم توفق المشكلة لحسن حل يرى خطأه ويرجع عن فكرته، وآل أمر هذا الخلاف والشقاق إلى فتن ومحن يمتد لهيبها إلى عنان السماء تارة وتارة تهمد رمادًا، وما زال منذ أيام الأمير حسن بن مهنا حتى غاية هذه السنة وهو مصر على رأيه مظهرًا للخلاف، وله أتباع يؤيدون مذهبه ويشدون أزره.
غير أنه لما تبدأ طال آل سعود حماة الدين ونصرة الشريعة ضعف شأنه وانقشعت غمامة هذا الخلاف، وجمع الله المسلمين على يدي صاحب الجلالة عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل قام الشيخ المذكور يظهر الموافقة وكان قد تولى قضاء عنيزة في آخر ولاية عبد العزيز ابن متعب وتولى قضاء بريدة في أيام محمد أبي الخيل، ولا ريب أن أولئك الأمراء يقدمونه، وينتصرون لمقالاته، أضف إلى ذلك أنه كان متواضعًا وذا عطف على الفقير والمحتاج مع سخاء وكرم يتصدق بما يجد ويواسي وإن كان عن قلة.
إلى أن قال: ثم إنه دعا به ابن سعود إليه وأشار له بأن أهل حائل يريدون قاضيًا، وأنه يجمل به أن يذهب ليسد ذلك الفراغ والزم عليه أن يسير إلى تلك الجهات، فأجمع أمره وسار على مضض يريد بلاد حائل ومنها سار بلد الكويت فتوفاه الله بها (١).
وفي آخر كلام الشيخ إبراهيم العبيد غلط وهو كون الملك عبد العزيز أشار على الشيخ ابن جاسر بأن أهل حائل يريدون قاضيًا، وأنه يجمل به أن يذهب ليسد ذلك الفراغ، وألزم عليه أن يسير إلى تلك الجهات، فأجمع أمره فسار على مضض يريد بلاد حائل ومنها بلد الكويت فتوفاه الله بها.
стр. 1088
فذلك غير ممكن الوقوع لأن حائل لم تكن سنة وفاة الشيخ إبراهيم بن جاسر التي حدثت عام ١٣٣٨ قد صارت تحت نفوذ الملك عبد العزيز آل سعود لأنه لم يستول على حائل إلا في عام ١٣٤٠ هـ كما هو معروف.
وإنما الصحيح أن أهل حائل طلبوا من الشيخ ابن جاسر أن يقدم إليهم يكون قاضيا عليهم، وأن ابن خميس رئيس بلدة الخميسية في العراق كان قد استدعى الشيخ علي بن عرفج وجعله قاضيًا في بلدة الخميسية ولما توفي ابن عرفج كتب إلى الشيخ إبراهيم بن جاسر بأن يقدم إليه في الخميسية ليتولى القضاء فيها، وقد تأخر عليه الشيخ ابن جاسر في القدوم فعين فيها عبد المحسن أبا بطين.
فعندما وصل الشيخ ابن جاسر إلى الخميسية وجد أن أبابطين قد باشر القضاء فيها فعرض عليه أبابطين أن يتنازل عن القضاء ويتولاه الشيخ ابن جاسر، فامتنع ابن جاسر عن ذلك وسافر إلى الكويت حيث مرض وتوفي فيها عام ١٣٣٨ هـ.
وقد أوضح الشيخ صالح بن سليمان العمري موضوع طلب الشيخ ابن جاسر للقضاء في حائل فذكر أنه طلب للقضاء بحائل وظاهر أن الطلب كان من قبل حكام حائل الذي اعتقد أنه حدث في عام ١٣٢٨ فاستأذن الشيخ ابن جاسر من الملك عبد العزيز آل سعود بأن يأذن له بتلبية هذا الطلب لأن حائل لبس له عليها سلطان، ولكنه هو ولي الأمر بالنسبة إلى القصيم ويستطيع إذ أراد أن يمنع الشيخ ابن جاسر من السفر إلى حائل والعمل فيها.
أما سفره إلى الخميسية فقد ذكر الشيخ عبد الله البسام أنه عاد منه إلى بريدة ثم ذهب إلى الكويت لعلاج مرض ألم به فتوفي هناك عام ١٣٣٨ هـ.
ومن الشائعات التي كانت غذتها الخلافات بين الطرفين أتباع آل سليم وأتباع الشيخ ابن جاسر كون الشيخ ابن جاسر قد وضع له سم أي سمه أحدهم بغية قتله، وهذا غير معقول، إذ ما الداعي إلى تسميمه وهو قد بلغ السادسة
стр. 1089
والتسعين من العمر، ولم تكن له جهود تؤذي أحدًا.
وإنما سمه إن كان قد سمه أحد - عمره البالغ في ذلك الوقت ستًّا وتسعين سنة حيث توفي بعد ذلك بقليل عن سبع وتسعين سنة.
وقد عاصرت أتباع الطرفين في صباي وكانت الأمور تلك لا تزال غضة، وكان أتباع الشيخ ابن جاسر لهم اجتماعات ومذاكرات فيما بينهم، ولكن لا أحد يضايقهم في قول أو فعل، فلم تكن الحكومة تتابعهم - مثلا - فتسجن أحدًا منهم، أو تعاقبة، ولم يكن المشايخ آل سليم يحكمون على أحد منهم حكمًا واجب التنفيذ يطالهم دون غيرهم.
إلَّا أنه كان معروفًا للناس أن أولئك القوم من طلبة العلم هم من أتباع الشيخ ابن جاسر الذين يخالفون آل سليم أو لا يحبونهم، ولذا لم يكونوا يدرسون في حلقات العلم في المساجد على آل سليم ولذا يصح القول بأنهم انكفأوا على أنفسهم، وصاروا يتذاكرون فيما بينهم.
وقد حصلت على كتب عديدة مفيدة من عدد منهم بعد أن كبرت أسنانهم وعرفوا أن الزمن لا يعمل لصالحهم من أولئك الشيخ (عويد بن عبد العزيز العويد) وكان يعرف بالشيخ في ذلك الزمان على قلة من يحصل على لقب شيخ آنذاك و (علي بن محمد الخراز) الملقب (الظبَّيْ) تصغير ظبي.
والخلاصة أن الوقت الذي بدأت أعقل فيه مثل هذه الأمور عام ١٣٦٣ أو نحوه لم يكن من لا يعرف حقيقة الأمر، أو لم يحدثه محدث عنها يتصور أنه يوجد خلاف بينهم، لأن كل واحد منهم يتحادث ويتباحث مع الذين يميل إليهم ويرون مثل رايه.
ولكن لا أحد من أتباع الشيخ ابن جاسر يطمع في أن يولى وظيفة من الوظائف التي كانت موجودة آنذاك وهي القضاء في المدن والقرى الكبيرة والإرشاد رسميًا في القرى والهجر.
стр. 1090
وكذلك إمامة الصلاة في المساجد، لأن الذي يعين أو يرشح لمثل هذه الوظائف هم المشايخ آل سليم وهم لا يعينون أحدا من أتباع الشيخ ابن جاسر لها.
وحتى الشيخ إبراهيم بن جاسر نفسه فلم يتعرض له الملك عبد العزيز بشيء، وكان محمد العبد الله أبا الخيل أمير بريدة آنذاك قد عينه قاضيًا قبيل تمرده أي أبا الخيل على الملك عبد العزيز، فلما تولى الملك عبد العزيز لم يسيء إلى ابن جاسر، ولم ينقض أحكامه، بل إنه صادق على بعضها كما سيأتي شاهد لذلك في رسم (المهنا) في حرف الميم.
وحتى عندما ولى غيره القضاء وهو الشيخ عبد العزيز بن بشر لم يضيق على الشيخ ابن جاسر، بل بقي على حاله عند الحكومة وعند الناس.
فكان الملك عبد العزيز آل سعود يزوره في بيته في بريدة كما يزور المشايخ إذا كان في بريدة، مع معرفة الناس جميعا أن منزلته عنده ليست بذاك.
ولكن للشيخ ابن جاسر منزلة كبيرة في نفوس الناس وبخاصة من العامة، ومن أناس كثير من الخاصة، ربما كان على رأسهم أو من رؤوسهم إبراهيم بن علي الرشودي أحد كبار جماعة بريدة، ويعتبر من تلاميذ الشيخ ابن جاسر، ومن أهم الذين يتظاهرون بالثناء عليه والدعاء له لا يتخفون في ذلك.
حدثني الوجيه عثمان بن عبد الله الدبيخي قال حدثني إبراهيم بن عبد الرحمن الشريدة، قال: ذهبت أنا وأخي فهد الشريدة مع الملك عبد العزيز لزيارة الشيخ إبراهيم بن جاسر في بيته، فلما دخل الملك عبد العزيز عليه وكان أي الشيخ ابن جاسر جالسًا في صدر المجلس في غرفة الاستقبال القديمة (القهوة) عنده من يخدمه قام الشيخ ابن جاسر فأجلس الملك عبد العزيز في مجلسه وجلس هو بجانب الذي يصنع القهوة.
وقد تطرق الملك عبد العزيز إلى ذكر الشيخ ابن عمرو رفيق الشيخ ابن
стр. 1091
جاسر أو تلميذه فيما نقل عنه من مخالفته لآل سليم، ذكر الملك عبد العزيز بعض أفعال ابن عمرو، وبعض أحواله التي لا يرضى عنها.
قال إبراهيم بن شريدة فتأثر الشيخ ابن جاسر وأخذ الشماغ الذي يلبسه وقبض على طرفيه جاعلهما في رقبته تحت حنكه كمن يريد أن يخنق نفسه وقال للملك عبد العزيز:
يا الإمام، ماذا تقول يوم القيامة إذا أخذ ابن عمرو بك هكذا؟ بماذا تجيب ربك، إن عليك أن تستعد لذلك الجواب.
قال: ولما خرجنا من عند الشيخ ابن جاسر قال له أخي فهد الشريدة: يا طويل العمر: ألا ترى أن ذكر ابن عمرو عند الشيخ ابن جاسر ليس مناسبًا.
قال: وكنا نمشي فوقف الملك عبد العزيز والتفت إلى أخي فهد، وقال: يا ابن شريدة أنا أشهد الله على حب الشيخ إبراهيم بن جاسر، لكن ما يصلح إن أنا أغزل وغيري ينقض!
يريد الملك عبد العزيز بهذه العبارة معناها المجازي الذي معناه أنه يقرر شيئا ولكن الشيخ ابن جاسر وأتباعه ينقضون ذلك الأمر، بمعنى أنهم لا يوافقون عليه، وهذا دليل على أن السياسة قد دخلت في اتجاه الطرفين.
وهو أمر معروف ظاهر لمن تتبع هذا الموضوع.
وعلى ذكر الملك عبد العزيز آل سعود مع ذكر الشيخ ابن جاسر يحسن أن نذكر هنا أن الملك عبد العزيز أقر الشيخ ابن جاسر على قضاء بريدة فترة من الوقت في حكمه أي في حكم الملك عبد العزيز، فكان ينفذ ما يحكم به، بل كان يصادق عليه كما في هذه الوثيقة المؤرخة في ٥ محرم من عام ١٣٢٧ هـ.
وهذا التصديق كان في أسفل وثيقة سوف نصورها كاملة، في رسم (المهنا) في حرف الميم لأنها تتعلق بدين على الأمير حسن المهنا.
стр. 1092
وكان الشيخ إبراهيم بن جاسر رفيقًا بالعامة، لينًا في دعوتهم إلى الاستقامة يستعمل أسلوبًا جذابًا في هذا الموضوع، أو قل: إنه يصبر على مخالطتهم ودعوتهم بالحكمة والموعظة الحسنة.
стр. 1093
ولذلك أحبوه وتابعوه وأقلع على يده طائفة منهم عما كانوا يمارسونه من المعاصي أو الأشياء المكروهة.
ويحكون عنه في هذا المجال حكايات كثيرة ويذكرون أمورا تستحق التسجيل.
ك رم الشيخ ابن جاسر:
عرف الشيخ إبراهيم بن حمد الجاسر بكرمه وإيثاره الفقراء وبخاصة من كانوا يسألونه ويستجدونه.
ومن ذلك أن أحدهم سأله شيئًا ولم يكن لديه ما يعطيه في تلك اللحظة فنزع الشيخ عباءته من على ظهره وأعطاها ذلك الشخص.
وسيأتي شاهد لذلك عند ذكر أسرة (الهلالي) في حرف الهاء، وأن الشيخ ابن جاسر أرسل إلى (الهلالي) إناءًا كبيرًا مليئًا بالتمر في زمن (القعدة).
فكان الشيخ إبراهيم بن جاسر كريمًا إلى أبعد حدود الكرم، عطوفًا على الفقراء والمساكين حتى إنه كان في بعض الأحيان يتوسط بأخذ الصدقات من الموسرين ويعطيها المعسرين.
وهذه مع غيرها من الخصال الحميدة كالتواضع مما حببته إلى العامة.
قال الأستاذ إبراهيم أبو طامي في (نزهة النفس الأديبة) (١):
الشيخ إبراهيم الحمد الجاسر:
رجل عرف بكرمه فوق ورعه وزهده، يقول عبد العزيز العليط في إحدى سفرات الشيخ لحائل - يرحمه الله - بينما نحن في منتصف الطرق إذ بركب يتبعنا فالطريق كانت غير مأمونة بالمرة فصرنا نتأهب لهم ونستعد.
стр. 1094
سألنا الشيخ: ما بكم؟ قلنا: خلفنا ركب نخافهم، قال: اطمئنوا ولن تروا إلا ما يسركم.
ولحق بنا الركب وتعارفنا وصرنا أصدقاء، ثم جلسنا وطلب الشيخ أن يسوي أخوه عبد الله طعام العشاء، فقلت له إن ناقة أحد أصدقائنا من الركب ضائعة، فقال أنا ضامن لها وفي الصباح إن لم نجدها سأعطيه ناقتي، وفعلًا وجدناها في الصباح على مقربة منا وهي بخير.
وحدث أن كان أربع نوق مع راع يرعاها، عشائر، ولما قرب ميعاد وفادتهم سطا عليه قاطع طريق فأخذها جميعها فجاء خائفًا يبلغ الشيخ، فقال له لا تحزن: هن لي إلى يوم القيامة.
وله الكثير ﵀ حتى يقال إنه ما أكل وجبة إلا كان معه فقير.
الخلاف يتجاوز حدود القصيم:
لقد وصل الخلاف بين الشيخ ابن جاسر وأتباعه وبين آل سليم وأتباعهم حدًّا تجاوز منطقة القصيم إلى غيرها من المناطق حتى ألف الشيخ صالح السالم آل بنيان كبير علماء حائل في وقته قصيدة قدم لها بمقدمة عملها انتصارًا للمشايخ آل سليم وبيانا لما يراه، أو يعتقده في الجماعة الأخرى أحببت ذكرها البيان عمق الخلاف بين الطائفتين، وما وصل إليه ذلك.
والشيخ صالح بن سالم آل بنيان هو من أنصار المشايخ آل سليم الذي هم على وفاق مع المشايخ آل الشيخ الذين كان الناس يسمونهم (آل عبد اللطيف) نسبة إلى الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن حفيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحم الله الجميع.
стр. 1095
مقدمة قصيدة الشيخ صالح السالم (١).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد المصطفى وعلى آله وأصحابه ومن بهديه اقتفى.
أما بعد فإنه قد بلغنا منذ أزمان ما كان بين الإخوان من أهل القصيم من التفرق والاختلاف والتنافر بعد المحبة والائتلاف، وذلك مما جرى من بعض الطلبة من إباحة السفر إلى بلاد المشركين وجواز الإقامة بين أظهر أعداء الملة والدين لمن صلى وصام وزكى ووصل الأرحام، وهذا أمر والله تشمئز منه القلوب وتقشعر منه الجلود ولا يرضى بإقراره والسكوت عنه الملك المعبود، وإن ما قرره الشيخ عبد الرحمن بن حسن وابنه الشيخ عبد اللطيف والشيخ حمد بن عتيق وما درج عليه علماء نجد من آبائهم وسلفهم ومن حذا حذوهم من أولادهم وخلفهم من منع ذلك للمقيم والمتكسب إنه محض التنطع والتشديد وليس على هذا الغلو منَّ مزيد فبهذا يعرف أهل العقول فضل عقولهم التي فارقوا بها الحيوانات ويزداد أهل الهدى شكرًا لله بما من عليهم من العلم النافع الذي فارقوا به أهل الجهل والضلالات، وهذه الدعوى التي ارتكبها هؤلاء الجهال في تفنيد الرجال والاستدلال على العلماء بما صنفوه من أصول الدين وقرروه من توحيد رب العالمين، وسد ذرائعة من المسائل المفضية إلى نقض عرى الإيمان، والامتزاج بعباد القبور والأوثان، دعوى عريضة بينهم وبينها جبال وعقبات ومفاوز وفلوات تنقطع فيها أعناق العلماء المتراسين فضلا عن الجهلة والمقعدين، فعلى عقولهم العفا وسلام على عباده الذي اصطفى.
فللحروب رجال يعرفون بها ... وللدواوين كتاب وحسَّاب
стр. 1096
ثم إني عند سماع ما ذكرنا بين مصدق ومكذب والحاكي لذلك عنهم بين ظان ومحقق حتى راسلهم بعض الإخوان بالنظم والنثر يسألهم عن ذلك ويخوفهم عاقبة من سلك سبيلا من تلك المسالك، فازدادوا بذلك نفورًا وعنادًا وأحدثوا لأجلها شرورًا وفسادًا، انبعثوا بالشكوى عند الأمير محمد بن رشيد جعله الله من الأئمة المهتدين، ونظمه في سلك أنصار الملة والدين، وأرغم به أنوف العصاة والمعتدين، فرجعوا منه والحمد لله بخفي حنين، واستبان لمن له عقل وبصيرة أنهم من أهل الكذب والزور المبين، وما تخلقوا به من الشكوى هو خلق ضعفاء العقول من النساء والصبيان، واستنوا بطريقة من مضى من أهل الزيغ والطغيان.
ثم إني بعد ذلك وقفت لهم على منظومتين أحداهما تنسب لأحمد الشامي والأخرى لم يُسمِّ صاحبها نفسه ويذكر أنها لفوزان آل علي أو لأخيه اشتملتا على الألفاظ الركيكة والمعاني السخيفة حتى ضحك منها أهل المدارس والطلب وسخر كل من له معرفة بالشعر والأدب، وقد أكثروا فيها من المسبة لعباد الله المؤمنين وتلقيبهم بأوصاف لا تليق بفساق المسلمين، فعند ذلك حملتني الغيرة الدينية والأخوة الإسلامية وإخواني من كل مأمون السريرة والطوية أن أشمر عن أرداني وأذب عن إخواني بما يبدو لي من النظم وأراه وإن كنت في ذلك ذا بضاعة مزجاة، ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله ولعل من وقف عليها من الإخوان ذوي التحقيق والعرفان يأنف من إجابتهما وينتقد على من أجابهما، وإنهما أحقر من أن يذكر فضلًا عن أن يرد عليهما لبشاعة ألفاظهما، وهجنة معانيهما، فالأمر كما ذكر وقرر، وقد صدق والله في مقاله وما قصر لكني لما رأيت جلالتهما في صدور أصحابهما وأنهم قد استفرغوا مجالسهم في قراءتهما وربما استمالوا لما لفقوه فيهما كثيرًا من العوام وروجوا بذلك على أعمى البصيرة من الهمج والطغام وحملني ذلك على إجابتهما لاسيما والزمان
стр. 1097
زمان فشا فيه الجهل وكثر الهرج وقبض العلم وانطمست قواعد الإسلام الحقيقي بين أكثر الناس وصار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا والسنة بدعة والبدعة سنة، وتعلم العلم للدنيا لا للآخرة، وصارت العبادات التي ينتحلها أكثر الناس رسومًا وعادات لم يعرفوا حقيقتها، وما وضعت له.
وإن قام قائم بين أظهرهم بتجريد التوحيد والمتابعة نسبوه إلى التكفير والتشديد وأنه صاحب بدعة وإنه صاحب شذوذ ومفارقة للسواد الأعظم.
وأيضًا فليست معانيهما أهجر من معاني كلام أبي سفيان لما قال يوم أحد أعل هبل فقال رسول الله ﷺ ألا تجيبوه قالوا: وما نقول قال: قولوا الله أعلى وأجل، ولما قال لنا العزى ولا عزى لهم، فقال ﷺ قولوا الله مولانا ولا مولى لكم.
وقد مدح أحدهما في منظومته الشيخ محمد بن عبد الله آل سليم استعمله الله بالرأفة والرحمة وجعل له لسان صدق في الأمة، وكان لما رأى سكوته عنهم في أول الأمر وعدم معالجته بالإنكار عليهم لأنه لم يتبين له ما عندهم، ولم يتضح له سوء مقصدهم من أن ذلك من مناقبه وأن سكوته تقرير لباطلهم، وتحسين لإفكهم وبغيهم فلما أظهر الله طغاتهم وهد من القواعد بنيانهم أظهر الشيخ ما عنده من مخالفتهم وتبين للخواص والعوام أنه غير موافق لهم فرجعوا بعد المدح يقعون في عرضه ويغتابونه، فالله يجزيهم بما يستحقونه ويعاملهم بنقيض ما يقصدونه.
ثم بعد ذلك قدم عليهم رجل من عقيل الشام يقال له ابن عمرو قد طلب العلم في أول عمره فازدادوا به شرًّا وفتنة وكان عليهم والعياذ بالله أعظم بلية ومحنة فانخزل بكل من في قلبه نوع من الشك والريب والاغترار وعقدوا مجلسا للمذاكرة وما أشبهه بمسجد الضرار، فالله يجزي من كاد الإسلام وأهله
стр. 1098
بسوء في الدنيا والآخرة ويرد مكائدهم في نحورهم الباطنة والظاهرة، وهذا نص ما وعدنا به، وإن عادت العقرب فالنعل حاضره:
لك الحمد اللهم اذ فيه ابتدي ... مع الشكر لا يحصى بغير تعدد
لانك انت الله ربي ومالكي ... ومستندي في كل أمري وسيدي
بك المستعان اليوم في دفع كائد ... لأهل الردى من كل باغ ومعتدي
وارجو صلاة منك في كل ساعة ... على المصطفى خير النبيين أحمد
وال كرام طيب الله خيمهم ... وطهرهم من كل رجس مفند
واصحابه من وازروه وجاهدوا ... واتباعهم من كل هادٍ ومهتدي
وبعد فقد جاءت الينا قصائد ... تنم باقذاع وهجو وتعتدي
على معشر ممن تسمو تشبها ... باسلافهم أهل الهدى والتجرد
يرومون تحقيقًا النهج خليله ... ويبغون تجديدًا لدين محمد
يحبون من قد كان لله واليًا ... كما ابغضوا اهل الخنا والتمرد
يعادون أهل الشرك والزيغ والذي ... تولاهمو من كل باغ ومفسد
وما كفَّروا هذا بمحض فسوقه ... وحاشاهمو من بهت واش وملحد
وان كان قد ابدى قبائح فعله ... وابغضه فيها جنانُ موحد
ولكنهم راموا رضا فالق النوى ... وتصح الورى هذي طريقة من هدي
وهيهات من يأتي بهذا، وأين هو؟ ... أفي البدو يبدو ام بسكان ابلُد
ومن قام في جزء يسير تواثبت ... عليه ذئاب من عوال ووهد
تحاموا على هذا جميعا واجلبوا ... وصالوا وصاروا حزب غاو ملدد
وفاهوا بتفسيق الجميع وانهم ... خوارج او اهل اتباع مجرّد
وسارت به الركبان شرقا ومغربا ... ويمنا وشاما فامتلي كل محشد
فيا أيها المزجي بهذا مطية ... تجوب قفارًا من ظراب وفدفد
تانَّ هداك الله واعلم بانما ... بعثت بجربا فوقها أجذم اليد
مشوم ملوم قد غشاه جذامه ... فلا مرحبًا فيها وفي كل أوغد
لذا صار مثواها العراء ولا لها ... من المسلمين اليوم اسعاف مسعد
стр. 1099
اما جاء نهي في حديث ولفظه ... صريح فسل عن لفظه كل مرشد
هو النهي عن ايراد إبل مريضة ... على من له إبل صحاح بمورد
فتعسا لها منظومة ما أضلها ... وابشع الفاظا لها فلتفند
ركيك قواف اضحكت كل عاقل ... فاهون يمتش ياله من مبلد
* * * * *
فيا جاهلا بالشعر سارت بجهله ... رسائل في نجد علي كل اجرد
تأخر عن الانشاء انك خاسئ ... وانك فيه قاصر الباع واليد
فهل يستطيع النطق في ذاك ابكم؟ .... او المشي يا عبد الهوا كل مقعد؟
واعجب من هذي قصيدة جاهل ... وتنسب لشامي الذي لم يسدد
فيا أيها المسكين ويحك لا تكن ... تحوم مع الغربان او كل هدهد
فلست باهل أن تقول وكيف لا ... وانك بالجهل الصريح لمرتدي
ولا لك قول ثابت او مكانة ... وانك في اهل القرى كالمطرد
وكنت كعنز السوء قامت بضلفها ... على مُدية تحت التراب الملبِّد
اما تستحي اذ لم يكن لك ناصح ... عن الخوض في بحر عميق ومزبد
فذي لجج ما انت ممن يخوضها ... وذي خلع ما انت منها بموعد
عليك باصل الدين فاقبل نصيحتي ... ودع طرقا تفضي إلى شر مقعد
فانك في واد سحيق وحيرة ... تقلب احيانا بغير تقيد
فيوما بحزوي والعذيب وتارة ... بتيما ووقت حول صوت المغرد
ولم تأل حتى صرت تهجو مشايخًا ... تروح باصناف السَّباب وتغتدي
بنظم عيي سامج لا يقوله ... ويحكيه الا كل حيران معتدي
وقل لابن عمرو وهو اصل بلائهم ... مقلد أوزار الجميع بمقلد
فيا أيها المغتر ويحك ما الذي ... دهاك ولم تترك هواك وتنتقد
وقد كان عهدي من سنين تقادمت ... ترسم في رسم الهدى والتزهد
وتجني من العلم الشريف ثماره ... تنافس طلاب الهدي بتردد
стр. 1100
وتصبح في نسك ثياب من التقي ... وتمسي باثواب الخمول وترتدي
وتمشي باطراق لراسك لا زمًا ... زوايا خفيات ترى جوف مسجد
فابدلت هذا الفعل جحدًا وخيبة ... واعرضت صفحًا قاليا كل مهتدي
وساكنت جمع المشركين بدارهم ... وجوزته من غير ما متقيَّدِ
أقمت سنينا والقباب محيطة ... عليك وذا الاشراك يدعو ويجتدي
باي كتاب ام باية سنة ... ترى فعل هذا من كتاب ومسندِ
اهذا جنى العلم الذي قد غرسته ... واسقيته من بعد تمييز مولد
فما كان هذا منك الا لزيغة ... عياذًا بك اللهم من سوء مقصد
ولا تنس افعال الاشيمط كلبهم ... خبيث الطوايا ذي الجفا والتشرد
هو ( .... ) عازب الراي من غدا ... به داخل برميك شزرًا فابعد
وجانبه واحذر أن تكون جليسه ... فيرديك في بئر من الشك سرمد (١)
لحا الله عبدًا خاله من ضلاله ... اماما لعمري رأيه غير ارشد
فاهون به من جار سوء مذبذب ... فيا ليته من خلف ردم مصعد
فلم تحو يا هذا علوما جليلة .... ولكن ضلالا فابرا إلي الله وانقد
ودع عنك ما تهواه نفسك والهوى ... واصلح لك النيات يا ذا وجدد
فان كنت لا تصغي لهذا لاننا .... خوارج اتباع لكل مشدد
فدارك بغداد، وإن كنت ساخطا .... على ديننا فانزل بها وتبعَّد
فيا معشرًا ما راقبوا الله وحده ... ولا قبلوا اقوال هاد ومرشد
نسبتم عباد الله بغيا وسبَّة ... إلى كل وصف لا يليق بمهتد
فقلتم مَغَاليثَّ وقلتم ثعالب ... وشردتموهم خلف كل مشرد
وقلتم من الطغيان جهلا وضلة .... نحوز رضاء، حسبنا منزل الهدي
دعاكم إلى هذا التعصبُ والهوى ... مع الحب للمال الطريف ومتلد
ثلاث لكم عورات كل منافق ... واوصاف فتان بها متمرد
وليس لكم قول صحيح وحجة ... ولا نصح شيخ او قياسُ مسدد
стр. 1101
سوى ذكر اقوال فهمتم نقيضها ... واعرضتموا عن اخذ نص مجرد
وحزبكم الغوغا من الناس بدو من ... به حقد من كل شيخ وامرد
على من إذا يأتي بتحقيق ما عفا ... ويتبع أقوال الهداة ويقتدي
فلما رايتم عجزكم وقصوركم ... وثبتم إلى الشكوى بغير تردد
بعثتم بها مزجي البضاعة من له ... صفات عيوب مالها من معدد
جهول بلا علم مصاب بعقله ... فاقوى له صوت الصدا حول مربد
كفي عبرة للناس أن رسولكم ... يدل عليكم يا ذوي كل معتدي
ومذ غاب هذا الوغد عنهم بحملها ... ويمم أبواب الأمير المُسوَّد
ودارت رحى الاعداء في كل بلدة ... وطاطا اتباع الهدى ومحمد (١)
فقد كان قلبي بالهموم مفجعا ... ودمعي سفاحًا على الخد والثدي
وقرح اجفاني السهاد كأنني .... اراقب نجما او بليت با رمد
فأبوا جهارًا خاسئين اذلة ... من الامر صفر بالجنان مع اليد
وجاء لنا نصر من الله بعد ما ... بدا الظن ظن السوء من كل ملحد
على يد مأمون السريرة من غدا ... يسمى بشيخ المسلمين محمد
اخي الحلم والتقوى مع العلم والحجي ... فلازال يعلو ساميا فوق فرقد
يقضي بتدريس العلوم نهاره ... مجدًا ويحيى ليله بالتهجدِ
ويحمي حمى الاسلام جهرًا واهله ... إذا سامهم خسفا شديد التوعد
اليس الذي قد قام لله وانتضي ... من العزم عضبا في زمان منكد
فقام قيام الليث في عزم باسلٍ ... يرى الموت فخرًا من حسام مهند
ولم يثنه في الله لومة لائم ... ولا وهنت منه القوى للتهجد
به ايد الله الهدى وانمحى الردى ... وعادى العدى واهي الظهور واعضد
* * *
ولا تنس ما لاقاه من (ابن جاسر) ... وكابده من فري ناب ومفصدِ
стр. 1102
فلما دعا للشرك قامت ثعالب ... قليل وهم ما بين ثان ومفرد
وعاضد شيخ القوم في ذا ابن عمه ... واخوانه والمسلمون بابلد
سقى الله من قد مات وابل رحمة ... وعم هتونُ العفو حبرًا بملحد
واحبا بنا من كان حيا وحزبه ... ووفقهم للقول والفعل باليد
فكان كلام الشيخ شدخا لرأسه ... حجارة رجم من صخور وجلمد
وضاق به ذرعا وجاشت همومه ... وصار بغل من نصوص مصفد
وآب إلى داعي الهدى بعد ما ابي ... وابدي مثابا عند كل موحد
اقام على هذا من الدهر برهة ... حقيرًا مهينا في بلاد وغرقد
وذلك يا هذا لضعف بعقله ... شمائله تنبيك ان كنت تهتدي
ولا كان ذا اصل يشار لعلمه ... ولا حقق الدين الحنيفي المحمدي
وبعد اللتي ثم التيا فليته ... من العلماء الناصحين لأعبد
وان يامنوا من زلة الرجل عنده ... بهوة تشكيك من الزور والردي
ولكنه في خبط عشوا وريبة ... ولاسيما في الأصل جانبه تسعد
فجاءت طغاة مستريبون دأبهم ... هو الخوض في اهل الهدى والتجرد
واعني بهم من قد تقدم ذكرهم ... واتباعهم من كل فدم مفند
فكان لهم كالمنجنيق وقصدهم ... هو الهد للدين الرفيع الموطد
وأما الولا والحب والبغض والبرا ... فذلك تنفير ودينُ مشدد
وكل نصوص في القرآن وسنة ... يؤلونها تاويل باغ ومعتد
بتعميم لفظ خصصته ادلة ... واطلاق لفظ جاءنا ذو تقيد
وما قرر الإعلام من كل جهبذ ... غلو وافراط بمنهج احمد
وقالوا مقالا مر بعض سياقه ... بما لفقوه من أباطيل منشد
وبانت لمن يغتر فيهم ضغائن ... لدى كل ذي عقل سليم ومهتدي
فقام عليهم شيخنا فكلامه ... على افكهم نحت الحديد بمبرد
فابعدهم بعد المودة والاخا ... واقصاهم، بعدًا لمقصي ومبعد
ونرجوه ايضا في البقيات هكذا ... ونرجوا من الله له حسن مقصد
стр. 1103
وما العذر في أن لا يكون قيامه ... فرادى ومثنى في الرواح وفي الغد
الرب له تعنو بيوم وجوهنا ... يفوز به انصار دين محمد
* * * *
فيا راكبا اما بقيت بداره ... وقريت عينا في لقا كل مهتدي
فبلغه تسليما فانك نائب ... ولا تلقه نجوى تحية موجد
اخي ثقة صاف الوداد، وقل له ... ودمعك يهمي فوق خد مبُدَّد
فلا زلت يا حبر البلاد وشمسها ... وقطب رحاها دائما ذا تجرد
تذب عن الدين الحنيف واهله ... وترغم اعلانا انوفا لحسد
وتنعش اهل الحق جهرا وتحتذي ... باسلافك الماضين قدمًا وتقتدي
وتكمد اكبادًا من الغيظ غالبًا ... على كل ذي جاه عريض ومحتد
ومن لم يقل آمين بعد دعائنا ... فلا رفعت سوطا له قبضة اليد
واني لارجو ما حييت مؤمِّنا ... على رغم أنف من حسود ملدد
* * * *
ويا ايها الباغون ماذا اردتموا ... ألا فارجعوا فالبغي صراع معتدي
بغيتم وارجو ان عقبي اصطبارنا ... سعود وعقبي بغيكم نحس اسعد
قصدتم من الطغيان ارغام شيخكم ... واخوانه فالله ربي بمرصد
فهل ضر بدر التم في الافق نابح ... او الاسد ضج من ثعالب ضرغد
فلولا احتراق العود بالنار ما شذى .... اريج وفاح الطيب من عوده الندى
ولولا صدام من زناد وضده ... لما اورت الزند الشرار لموقد
ويا راكبا إما ثنيت زمامها ... ورمت رجوعًا بعد هذا التعود
فقل لذوي الأضغان والزور دونكم ... نبالًا عرايا من حنيف موحد
وصمصامة في ثغرة النحر فاتكا ... وسمرًا لدانًا في يدي متعيد
تمزق اجساما وتفلق هامة ... وتنفذ جنبا من قتيل مسند
ويكفيكم سهم مصيب وشانكم ... حقير، فلا فقتم بعلم وسؤدد
стр. 1104
ولستم باهل أن تجابوا لانكم ... غثاء سيولٍ أوجشاءٌ لاكبد
ولو كل من يعوي يلقم صخرة ... لا صبح صخر الارض يشري بعسجد
ولولا ثلاث ساعدتني لما بدا ... من النظم لي بيت ولست بمنشد
فاحداهن هي الانتصار لديننا ... وان خاله الأعداء دين مشدد
وثانية مدحي لحبر وانني ... لامدح انصار الطريق المحمدي
وفي ذكره معكم عليه غضاضة ... فأين الثرى من ذي الثريا وفرقد
الم تر أن السيف ينقص قدره ... إذا قيل امضي من عصى متهدد
وثالثها نحمي حمى اخوة لنا ... واعوان صدق في الإخا والتودد
أما الذب عنهم من لوازم ديننا ... اما كبت اهل السوء انكي لمعتدي
عسي وعسى من أن تعود لما مضى ... من المضحكات اللاء جاءت لأوغد
وان عدتموا عدنا وانا مدادنا ... لتمتد في كبت العداة وتهتدي
واني واخواني كمين فمن بغى ... يراقدّ هام من كلام مؤيدي
وارجوه في يوم القيامة عدة ... غداة مروري فوق ذات التوقد
وعظتم وخوفتم بايأت ربنا ... ورغبتموا في فوز دار مخلد
فما زادكم الا عنادا ونفرة ... ونصبا لا شراك الهوى بالترصد
فيا معرضين اليوم ما بعد ربكم ... افيقوا وكونوا للهدي خير منجد
اجيلوا قداح الفكر في قول ربكم ... ودوموا على تحقيق سنة احمد
فان الشفا من كل ريب وفتنة ... بما فيهما فأساله من ذاك واجتد
وان الهدى والنور ابلج ساطع ... ومن اعرض صفحا، في ضلال مبعد
* * * *
دعونا نكن مستعصمين بحبله ... فما لافتراق خير وخزي منكد
واياكمو والاغترار بزهرة ... تروق من الدنيا لأعمى ومقعد
خبرنا بني الدنيا جميعا فكلهم ... إلى حبها يرنو بطرف ممدد
فما حاد عبد عن طريق ضيائه ... تبين الا رغبة في المنقد
стр. 1105
فيا ايها المشغوف فيها ألم يكن ... رجوع إلى نهج الهدى والتزود؟
افق واتند ما دام في العمر فسحة ... طليقا بفعل الخير تمسي وتغتدي
ركنت إلى الدنيا كانك لم تكن ... بعيدًا ترى تحت الصفيح المنضد
فتبصر عن علم وتسمع جهرة ... وتقرع ندمانًا عوارض انجد
ولو أن عينا ساعدتنا به معها ... وقلبا صفا من رينه غير اسود
لكان لنا شان لتحقيق ديننا ... يراه مصاب القلب الحاد ملحد
عسى الله هادي من يشاء بفضله ... يمن علينا باقتفا كل مهتدي
ويجعلنا ممن يكون كتابه ... شفيعا له عند اقتحام المحدَّد
* * * *
ويا معشر الاخوان صبرا فانني ... ارى الصبر محمود العواقب في غد
به يدرك الراجي سلامة دينه ... مناه ولم يلحقه سوء ويضهد
ولا تضجروا من كيد خب مماذق ... فقد كيد رسل الله في كل معهد
وأوذوا فما ابدوا لهذا استكانة ... ولا وهنوا للحرب أو للتهدد
وقد جاهدوا في الله حق جهاده ... وهدوا من الاشراك كل مشيد
وسار على آثارهم كل تابع ... ذوي الضرب في الهيجاء ذات التوفد
فاعلوا ذرى السمحاء من بعدما عفت ... معالمها، وهدموا كل مشهد
وامر بمعروف ونهي عن الردى ... وتطريد اهل الفحش كل مطرَّد
اما كان في هذا بلاغ مسافر ... إلى الله في دار الجزا والتفقد
ولما انتهي قولي تميمت فاطري ... فمن امه يظفر بخير ويحمد
وناديت يا الله يا خير سامع ... اعذنا من التسميع يا ذا التودد
واصلح لنا النيات فيما نريده ... وثبت لنا الأقدام عند التشدد
وأعل منار الحق وانصر حماته ... وخد بنواصي ذي الضلال وسدد
فانك اهل ان تجيب دعاءنا ... أمرت به فاسمعه مني وأسعد
واختم نظمي بالصلاة مسلمًا ... مع الحمد في بدءٍ وختم مؤبد
على المصطفى ذي المعجزات ... محمد فمنها حليب الشاة شاة ام معبد
стр. 1106
وآل وأصحاب كرام وتابع ... صلاة وتسليما يرى ذا تجدد
قال الشيخ إبراهيم ابن عبيد في حوادث ١٣٠٦ هـ:
وفي هذه الفترة لا تزال المشاغبات والنزاع مستمرًا نتيجة الخلاف الذي جرى في المسائل الدينية بين الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم وبين بعض المنتسبين إلى العلم.
وحاصل هذا النزاع أن المخالفين للشيخ يقولون بجواز التوسل إلى الله بذوات العلماء والصلحاء وجواز السفر إلى بلدان المشركين، والإقامة بها، ويقولون إن الهجرة منقطعة لقوله ﷺ لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية.
ولا ريب أن هذه الأقوال مطروحة، وهذا الحديث يفيد أنه لا يهاجر من مكة بعد ما فتحت وكانت بلادًا إسلامية.
وقد نتج عن هذا الخلاف افتراق وتحزب لذلك أحزاب وتوترت العلاقات بين القائلين بالجواز والمانعين منه حتى كان لكل طائفة ردود ومؤلفات وانتصارات وامتدت هذه المحنة قريبًا من ربع قرن فإنا لله وإنا إليه راجعون، والمسألة يطول شرحها وتفاصيلها وتحتاج إلى بسط لا يتسع له هذا الموضع.
ولا ريب أن الحق الذي لا مرية فيه هو ما كان عليه الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم وأتباعه رفع الله قدره وأشاد في العالمين ذكره، وما كان مع المخالفين ما يستند عليه وندين الله تعالى بقول الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم ونعتقده ونسأل الله تعالى الثبات إلى أن نلقاه إنه جواد كريم (١).
والقول الثاني أن وفاته في مستهل هذه السنة.
стр. 1107
وذكر الشيخ إبراهيم العبيد أنه في سنة ١٣١٢ هـ هذه سقطت صاعقة من السماء على منارة جامع بريدة بعد الصلاة يوم الجمعة، وذلك بعد ما خرج السرعان فأصابت المنارة من جهة الشمال الشرقي وقتلت رجلًا في خلوة المسجد بدون إصابة وأصابت ثوب رجل آخر من جهة كتفه الأيسر فاحترق ذلك الجزء من الثوب، وكف بصره فجعل الشيخ إبراهيم بن جاسر يقول ياأمة محمد هذه رمية الجبار (١).
الشيخ ابن جاسر بأقلام المؤرخين:
ترجم له الأستاذ محمد بن عثمان القاضي فقال:
إبراهيم بن حمد الجاسر: من بريدة، هو العالم الجليل والمحدث الشهير الورع الزاهد الشيخ إبراهيم بن حمد بن محمد بن جاسر، ولد هذا العالم الجليل في بريدة بالقصيم سنة ١٢٤١ هـ وقرأ القرآن وجوده ثم حفظه عن ظهر قلب وشرع في طلب العلم بهمة ونشاط ومثابرة، فقرأ على علماء بريدة وما حولها، ومن أبرز مشائخه محمد بن عمر بن سليم ومحمد بن عبد الله بن سليم، ثم سمت همته فرحل للتزود وسار إلى الشام، فقرأ في صالحية دمشق، وفي الجامع الأموي ولازم علماء الحنابلة هناك وممن لازمهم الشطية دخل بينهم الذي كان معمورًا بالتدريس في مذهب أحمد وتعرف في مطلع هذا القرن بدار الشطية ثم انتقل إلى نابلس فقرأ على أعيان الحنابلة فيها ثم عاد إلى القصيم يحمل مشعلًا من العلم والمعرفة في الفروع والأصول خصوصًا في علم الحديث ومصطلحه ورجاله ويقال إنه كان يحفظ الصحيحين يقول الشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع عنه، لقد كان واسع الإطلاع مرجعًا في الحديث والتفسير، وإن شيخي صالح بن عثمان القاضي ﵀، كان معجبًا بحفظه للحديث وقوة
стр. 1108
استحضاره للاستشهاد وأثنى عليه شيخنا عبد الرحمن وقال: إنه آية في الحديث والمصطلح ويؤثر الفقراء على نفسه ويواسيهم بما يقدر عليه، ويقول والدي عثمان: إن من ورعه وزهده لقد عزل عن القضاء بعنيزة وعليه ديون كثيرة الورعه منها مبلغ أربعمائة ريال فرانسا قال لوالدي صالح والله لم تنشغل ذمتي بها إلا من الإصلاح لذات البين فقام الوالد بوفائها فشكره على ذلك ودامت بينهما المراسلة لمناسبات في أقضيته السابقة ولدينا رسائل بقلم الشيخ إبراهيم للجد وبعد عودته للقصيم من غربته حصل بينه وبين آل سليم خلافات تتعلق بالعقائد أعقبتها مشاجرات أورثت بعض الضغائن والوحشة والتنافر بينهم وتحزب أهالي بريدة حزبين فحزب يواليه وحزب يوالي آل سليم ودرس في بريدة عام ١٣١٥ هـ إلى عام ١٣١٧ هـ.
وفي عام ثمانية عشر طلب العم عبد الله العبد الرحمن البسام من آل رشيد تعيينه قاضيًا في عنيزة فعينه قاضيًا بدل عبد الله بن عايض فكان في قضائه مثال العدالة والنزاهة وتولى إمامة وخطابة الجامع الكبير فيها واستمر قاضيًا فيها ومدرسًا بجامعها عام ١٣٢٤ هـ، فخطب بهم يوم عيد الفطر وودعهم وحل محله الجد الشيخ صالح بن عثمان القاضي، وهي السنة التي قتل فيها عبد العزيز المتعب آل رشيد بروضة منها وفيها ولد الشهيد الملك فيصل بن عبد العزيز ﵀، ولما عزله أهالي عنيزة عن القضاء بقي مدة في بريدة ثم طلبه سعود بن متعب من الملك عبد العزيز ليتولى قضاء حايل فشاور الملك فأبدى رغبته فسمح له وسافر إليها بعد أن طعن في السن وأرهقته الشيخوخة وكان صادعًا بكلمة الحق لا يخاف في الله لومة لائم ففي الزبير عرض عليه الإمامة والخطابة في جامع النقيب، فلما زاره ووجد بداخله ضريحًا قال لا يمكن أن أصلي به مأمومًا فكيف أكون إمامًا فيه، وقد تولى قضاء بريدة من عام ١٣٢٤ هـ إلى ست وعشرين ودرس الطلبة فيها وظل قاضيًا وإمامًا
стр. 1109
وخطيبًا بجامع بريدة، ثم في برزان بحايل برهة من الزمن ثم طلبه أمير الخميسية قرب بغداد وشمالي نهر الفرات ليكون قاضيًا فيها ولكنه تأني بالسير إليها ولما سافر وجدهم قد نصبوا الشيخ عبد المحسن بابطين فظل عندهم مكرمًا ما شاء الله أن يمكث ثم عاد إلى القصيم عام ١٣٢٩ هـ ودرس الطلبة فيها وفي الحجة عام ١٣٣٧ هـ سنة الرحمة مرض فيمن مرض ثم سم في قول فاستدعاه أمير حايل فذهب إليه في القصر محمولًا فقال أمير حائل سعود ابن رشيد سوف نجهزك للمعالجة في بلدة الكويت فسافر إليها وتمكن منه المرض في الكويت وفي الحجة عام ١٣٣٨ هـ توفاه الله ودفن في الكويت وله من العمر سبع وتسعون سنة قضاها في العلم والتعليم ونفع الخلق.
ومن أشهر تلامذته النابغين شيخنا عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي والوالد عثمان بن صالح ومحمد وعبد الرحمن الصالح البسام والعم إبراهيم المحمد البسام وعبد العزيز وعبد الرحمن العقيل وإبراهيم الصالح القاضي ومحمد العثمان الجمل وعبد الكريم الصايغ وعبد الله المحمد الضراب وعبد الله الرواف وعبد الله بن حسين أبا الخيل، وأوصافه كان طويلًا ثخينًا قمحي اللون وكان عطوفًا على الفقراء ويؤثرهم فيما يشتهون وربما خلع ثوبه فأعطاه الفقير مع قلة يده وكان من قوام الليل وكان يهاجم الإخوان الذين شددوا في الدين وعفيفًا متعففًا عزيز النفس متواضعًا ولا يلتفت إلى من اتهموه في عقيدته فإن ذلك من حسد المعاصرة وحاشاه مما رموه فيه وصدق قول الأول:
كناطح صخرة يومًا ليوهنها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
وقد خلف ابنين عبد الله وجاسر، فالأول توفي وخلف ابنه محمد كاتب الضبط بمحكمة بريدة، وجاسر في مكة رحم الله الشيخ الجاسر برحمته الواسعة، آمين. انتهى.
стр. 1110
أقول: لقد غلط الأستاذ محمد بن عثمان القاضي في اسم جد الشيخ إبراهيم بن جاسر فذكر أن اسمه (محمد) والصحيح أن اسمه إبراهيم.
كما غلط الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام ﵀ في ذكر جده أيضًا فأسماه عبد الله، والصحيح أن اسمه إبراهيم وعلى من يريد التأكد من ذلك أن يراجع الوثائق المتعلقة: بوالده حمد بن إبراهيم بن جاسر.
وهذه أول ترجمة الشيخ إبراهيم بن جاسر عند الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام:
الشيخ إبراهيم بن حمد بن عبد الله بن جاسر، ولد في بلدة بريدة سنة ١٢٤١ هـ، ونشأ فيها وقرأ القرآن وجوده، ثم حفظه عن ظهر قلب، وشرع في طلب العلم بهمة ونشاط ومثابرة، فقرأ على علماء بريدة وما حولها، ومن أشهر مشايخه: الشيخ محمد بن عمر بن سليم، والشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، وكلاهما من كبار قضاة بريدة، كما أخذ عن الشيخ حسن الشطي في دمشق، وأكثر من أخذ عنه الشيخ إبراهيم بن محمد بن عجلان، وقرأ على غيرهم، كما أنه أدرك زمن الفقيه قاضي بريدة الشيخ سليمان بن علي بن مقبل إلَّا أنه لم يقرأ عليه لأنه كان يسيء الظن في معتقده، فلما انكشف له الأمر وتبيَّن له خلاف ذلك تأسف على ما فاته من تلقي العلم عنه.
والقصد أن المترجم أدرك في العلوم، لاسيما في التفسير والحديث واللغة العربية، فهو فيها لا يجاري وعالم لا يماري، واشتهر أمره وذاع صيته حتى عدّ من كبار علماء نجد (١).
وقال الأستاذ إبراهيم بن محمد بن ناصر بن سيف وهو من أهل بريدة:
стр. 1111
الشيخ إبراهيم بن جاسر:
نسبته ودراسته:
القاضي العلامة المحدث أحد كبار علماء القصيم، المشهور بعلمه وزهده، الشيخ إبراهيم بن حمد بن جاسر.
أعماله:
تولى القضاء في مدينة بريدة وفي مدينة عنيزة، إضافة إلى قيامه بالتدريس، وفي العراق لما توفي الشيخ علي بن عرفج قاضي الخميسية البلدة الواقعة في لواء المنتفق في بلد العراق بين سوق الشيوخ وبين الهور الكبير، تولى الشيخ إبراهيم قضاء الخميسية حتى عام ١٣٣٠ هـ ثم عاد ﵀ إلى وطنه بريدة، ثم طلبه أمير حائل ابن رشيد (١)، من الملك عبد العزيز فأذن له، فوصل حائل فتلقاه أهلها وأميرها بالإكرام، وتولى القضاء فيها والتدريس، ولما مرض سافر إلى الكويت للعلاج فأدركته المنية، وتوفي هناك سنة ١٣٣٨ هـ ودفن في الكويت مأسوفًا عليه.
وفي قول آخر: أنه ﵀ وصل حائل وهو مريض، ثم سافر إلى الكويت للعلاج، وتوفي ودفن هناك.
بعض تلاميذه ﵀:
أخد عنه العلم عدد كبير في كل من بريدة وعنيزة وغيرهما، نذكر منهم المشايخ: عبد الله بن أحمد الرواف، وصالح بن ناصر بن سيف، وصالح بن إبراهيم المرشود، وإبراهيم بن علي الرشودي، بل يجتمع إليه من الخمسة إلى
стр. 1112
العشرين في كل وجبة.
ومع ذلك فإنه على كثرة ما يأتيه من الصدقات من البصرة والشام ومصر والعراق والحجاز وغيرها فإنه لما مات مات مدينًا، فقد أخبرني أخوه عبد الله بن حمد الجاسر، أنه مات مدينًا بمبلغ قدره ثمانية آلاف ريال، فبيعت بذلك بعض كتبه الملكية، مع أن أكثر كتبه تهدى إليه موقوفة عليه، وبعده على طلبه العلم من تلامذته، فبيعت بعض الكتب الملكية المذكورة بمبلغ يزيد على الرقم المذكور وأوفى دينه منها وبقي الباقي لم يبع بعد.
وكان ﵀ سريع الدمعة، غزيرها، لا يستطيع الوعظ من البكاء، وكان الشيخ صالح بن ناصر بن سيف هو القارئ على الشيخ إبراهيم في مسجد والده ناصر بن سيف وذلك في أوقات الوعظ بعد العصر، وبين العشاءين على عادة أهل نجد بتخصيص هذين الوقتين لوعظ العامة، وكان الشيخ إبراهيم إذا مرَّ القارئ المذكور بآية أو حديث فيه تخويف أو رجاء أخذ في البكاء والنحيب بحيث يقطع القارئ المذكور قراءته خشية أن يُغمى عليه حتى يهدأ ﵀.
ولما انتقل إلى الكويت، فحين وصلها تلقاه أهلها وأميرها، بالإكرام وكان مريضًا فطلب الأمير مبارك له الطبيب (١).
أقول: قوله بأنه تولى قضاء الخميسية بالفعل غير صحيح، كذلك قوله بأنه تولى القضاء والتدريس في حائل وما ذكره عن سبب ذلك غير صحيح أيضًا.
قال الأستاذ إبراهيم بن عبد العزيز المعارك وهو ينقل مثل هذه الأشياء عن والده (عبد العزيز بن عبد العزيز المعارك) لأنه إخباري متتبع لمثل هذه الأمور:
стр. 1113
الشيخ إبراهيم الحمد الجاسر:
ولد في مدينة بريدة عام ١٢٤١ هـ، وكان طويلًا ملئ الجسم قمحي اللون كثّ اللحية، تعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن عن ظهر قلب، وهو في سن مبكرة وتفرغ لطلب العلم ومشايخه الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم والشيخ محمد بن عمر بن سليم، ثم انتقل من بريدة لطلب العلم فسافر إلى دمشق ولازم علماء الحنابلة في الجامع الأموي ثم إلى نابلس وجالس علماءها ثم انتقل إلى العراق واتصل بعلمائها من الحنابلة ثم انتقل إلى مكة المكرمة فالمدينة المنورة ولازم العلماء إلى أن عاد إلى بريدة وكان من ابرز العلماء علمًا، ومعرفة في الفروع والأصول والحديث والتفسير ويقال: إنه يحفظ الصحيحين عن ظهر قلب.
تولى قضاء بريدة وعنيزة ونذر نفسه للتدريس والعلم فأخذ عنه عدد كبير من العلماء منهم.
- الشيخ: عبد الرحمن الجلاجل.
- الشيخ: عبد الرحمن الناصر السعدي.
- الشيخ: عثمان الصالح القاضي.
- الشيخ: صالح الناصر السيف.
- الشيخ: عبد الله الأحمد الرواف.
- الشيخ إبراهيم المحمد البسام.
- الشيخ: إبراهيم الصالح القاضي.
- الشيخ: محمد العثمان الجمل.
- الشيخ: ناصر بن سليمان بن سيف.
- الشيخ: محمد وعبد الرحمن الصالح البسام.
- الشيخ: عبد الله البراهيم المعارك.
стр. 1114
كان ﵀ متواضعًا عزيز النفس كثير تهجد الليل عطوفا على الفقراء وعرف عنه أنه كان يلبس ثوببن فيخلع أحدهما إذا صادف فقيرًا فيعطيه إياه وكان لا يحب الشدة والغلظة وكان من جلسائه الملازمين له أمثال الشيخ عبد الرحمن الجلاجل والشيخ عبد الله البراهيم المعارك.
سافر للكويت وتوفي في الكويت في شهر ذي الحجة عام ١٣٣٨ هـ فرحمه الله رحمة واسعة (١).
ومثل ذلك ما ذكره الشيخ صالح بن سليمان العمري ﵀ من أن الشيخ ابن جاسر سافر إلى العراق والشام، واتصل بعلمائها من الحنابلة وأهل الحديث، كما سافر إلى مكة، وجالس العلماء فيها (٢).
تمليس التاريخ:
مع كل ما سبق ذكره عن الاختلاف بين الطرفين: الشيخ ابن جاسر ومن معه وعلى رأسهم الشيخ عبد الله بن عمرو، وآل سليم ومن معهم، وهو خلاف أدركناه وأدركنا عمقه في نفوس الطرفين حتى وصل الحد إلى قتل الشيخ ابن عمرو، وإلى إبعاد جماعة الشيخ ابن جاسر من طلبة العلم عن التعيين في الوظائف الدينية المتوفرة آنذاك وهي القضاء والإرشاد الرسمي وإمامة المساجد والجوامع فإننا نجد بعض الذين كتبوا عن الموضوع يتعمدون التغطية عليه، وكان شيئًا لم يكن بحجة أن ذلك شيء مضى وانقضى، حتى ليبدو الأمر من جهتهم، وكأنما هم يقولون: إنه ليست له حقيقة، مع أن كونه مضى وانقضى لا يمنع من التاريخ وبيان أسبابه ونتائجه.
وقد اخترت كاتبين مؤرخين يمثلان الطرفين:
стр. 1115
الأول هو الطرف الذي فيه الشيخ ابن جاسر وأتباعه إبان تلك الفترة وهو الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام لأن آل بسام - وليس الشيخ عبد الله نفسه - هم من أنصار ابن رشيد وهو أمر معروف، والثاني من جانب المشايخ آل سليم وهو الشيخ صالح بن سليمان العمري.
قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام في ترجمة الشيخ إبراهيم بن جاسر.
وكان على وفاق تام في أول أمره مع علماء بلده آل سليم إلا أنه حدث الخلاف بينهم آخر الأمر فصارت مدينة بريدة حزبين حزب يؤيده وحزب يؤيد آل سليم، وليس بينهما ما يوجب الخلاف والنزاع والفرقة ولكنه غلبة الهوى، ووشاية الأعداء وجهلة أتباع الطرفين.
وعلق الشيخ عبد الله بن بسام على ذلك في أسفل الصفحة بقوله:
كان هذا الخلاف وتلك الفرقة قبل قيام الإمام عبد العزيز آل سعود واستيلائه على الملك وتوحيده الجزيرة العربية، أما بعد ذلك فانعدمت هذه الخلافات وزالت وصار الجميع إخوانًا متحابين ولله الحمد، والآن وفي هذا العهد الزاهر الذي يظله ولاية الإمام فيصل بن عبد العزيز آل سعود امتد هذا التضامن والتفاهم بين المسلمين إلى العالم الإسلامي الذي أخذ يتجمع ويتقارب أثر دعوة التضامن التي نادى بها جلالة الملك فيصل بعيدة عن الأحلاف وبعيدة عن الأغراض والمطامع (١).
ثم قال الشيخ ابن بسام وهو يتكلم في ترجمة الشيخ إبراهيم بن جاسر:
أما ما يقوله بعض الجهال والأعداء عن تساهله في توحيد الألوهية وعدم تحقيقه فهو كذب مفترى.
стр. 1116
فإن نجدًا بعد ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ صارت عقيدة أهلها واحدة في تحقيق التوحيد بأنواعه الثلاثة وبعدهم عن البدع والخرافات، وإذا كان هناك خلاف بين هذين الحزبين فهو جسارة حزب في إطلاق الكفر على بعض الطوائف وتورع الحزب الآخر عن ذلك، ويترتب على هذه المسألة السفر والإقامة في بلد هؤلاء المختلف في تكغيرهم فمن كفرهم حرم السفر والإقامة في بلادهم ومن سكت عنهم لم يمنع ذلك ومع تزايد الخلاف وعدم الحكمة فيه امتد إلى العداوة في الخلاف على المسائل الفرعية كصوم يوم الشك في رمضان.
والدليل الثاني على كذب هذه الفرية على الشيخ المترجم له هو أنه من أهل القرآن والحديث وهؤلاء هم أبعد الناس عن الاعتقادات الفاسدة.
والدليل الثالث على صحة معتقده: أنه دخل المسجد الحرام أيام الحكم العثماني فوجد حلق الصوفية تمارس بدعها وخرافاتها فلم تمنعه غربته ولا إقرار حكومة البلاد لهذه الأعمال من أن يسطو عليهم بعصاه ضربًا حتى فرقهم فرفع أمره إلى أمير مكة المكرمة الشريف عون فلما حضر وحقق معه عرف أن الصواب مع الشيخ فمنع هذه الأعمال البدعية (١).
ثم استمر الشيخ ابن بسام في بيان الأدلة على حسن عقيدة الشيخ ابن جاسر مع أن الموضوع ليس موضوع عقيدته وإنما الحاجة كانت ماسة إلى بيان المسائل التي هي موضح الخلاف بين الشيخ ابن جاسر وأتباعه، وبين آل سليم وأتباعهم.
ويستدل على ذلك بأن أهل نجد صارت عقيدتهم واحدة بعد ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب متناسيا أن هناك طوائف وعلماء من أهل نجد استمروا على ما هم عليه ولم يوافقوا الشيخ محمد بن عبد الوهاب منهم
стр. 1117
عبد الوهاب بن فيروز والمويس والمعروف منهم كثير.
ولكننا نشهد أن الشيخ ابن جاسر ليس منهم، فلم ينقل عنه أنه سب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ولا سب العقيدة السلفية.
وإن كان نقل عن أقوى أتباعه وهو الشيخ عبد الله بن عمرو أنه صنف كتابا في الرد على بعض آل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، كما سيأتي ذكره في ترجمة الشيخ ابن عمرو في حرف العين إن شاء الله.
والدليل على تمليس التاريخ هنا أن الشيخ عبد الله البسام قد ذكر في ترجمة الشيخ عبد الله بن عمرو أنه قتل ولكنه لم يذكر قاتله، ولا سبب مقتله، وقد ذكر ذلك في آخر ترجمته للشيخ عبد الله بن عمرو.
أما الشيخ صالح بن سليمان العمري فقد تناول الموضوع بصفة أصرح قليلًا، فقال في ترجمة الشيخ إبراهيم بن جاسر بعد أن ذكر أنه سافر إلى بعض الأمصار العربية، وأخذ عن علمائها:
ولما عاد أي الشيخ ابن جاسر من تلك البلاد حصلت بينه وبين مشائخة آل سليم جفوة استمرت حتى توفي شيخاه محمد بن عبد الله ومحمد بن عمر، وقد كان المترجم له طيب القلب يثق بالناس، ويصدقهم بما يقولون، كما كان صريحا في أقواله وأفعاله، وكان مشهورًا بالكرم والعطف على الفقراء والمحتاجين حتى قيل عنه بأنه يتصدق بقوته أو بثوبه الذي يحتاج إليه.
ومن الخلافات التي حصلت بينه وبين مشائخه موالاته للأتراك ومناصريهم من الولاة، وافتاؤه بجواز السفر لبلاد المشركين، أما الأمور الأخرى فنحن نترك أمرها إلى الله لأنه ليست لدينا أدلة عليها.
стр. 1118
رأي المؤلف:
أما أنا فإنني أرى غير ذلك، فمن الناحية التاريخية لابد من ذكر الأمور والماجريات التي حدثت في البلاد ولكن يكون تناولها بالعدل والإنصاف.
وشيء مهم آخر وهو أنني حرصت في هذا الكتاب على أن أسجل ما يتصل بالحياة العلمية والحركة الفكرية فيها.
وهذا كله برز واضحًا في الخلاف بين الشيخ إبراهيم بن جاسر وبين آل سليم ومن معهم من طلبة العلم في بريدة ومن ثم في غيرها من مدن القصيم بل في بعض مدن نجد مثل حائل، وأراه طبيعيًا، إذ على أثر الحركة التي يصح أن نسميها النهضة العلمية على أيدي المشايخ آل سليم التي جعلت مدينة بريدة مقصدًا لطلبة العلم من أجل الدراسة وتعلم العلم على أيديهم، وتوسعهم في دراسة العلوم الدينية المعروفة لابد أن تنشأ حركة فكرية مؤيدة أو معارضة البعض مفاهيمهم العلمية، لاسيما عندما دخلت السياسة في الأمر، وإن كان المشايخ من كلا الطرفين لم يكونوا يتناولون هذه المسائل العلمية من الجانب السياسي، وإنما كانوا يتناولونها من الناحية العلمية غير أن العلم المفضي إلى القضاء كثيرًا ما يختلط بالسياسة، أو يؤثر فيها أو تؤثر فيه.
والدليل على ذلك أن الشيخ ابن جاسر وأتباعه يأخذون علي آل سليم وأتباعهم التشدد في الدين وينكرون عليهم ذلك، ومع ذلك حصلت حركة فكرية تبدو مضادة لفهمهم، أي لفهم (الجاسريين) - أن صح التعبير - وهي التي ترى أن بعض المشايخ آل سليم وتلامذتهم الذين يرون رأيهم، لديهم تساهل في نظرتهم العلمية، وإنهم يجاملون الحكام، وعلى رأس المعروفين بهذه الاتجاه عبد الله بن حماد الرسي وعيسى الملاحي وابن عقلا في الهلالية وابن فريح في البكيرية، وإن كانوا لا يعادون المشايخ آل سليم ولا تلامذتهم.
стр. 1119
فهذا كله من الحركات الفكرية التي ينبغي تسجيلها وليس المراد من ذلك التشنيع أو رمي التهم والتجريح لجانب من الجانبين.
بعد كتابة ما سبق أتحفني أحد الإخوة برسالة من الملك عبد العزيز آل سعود إلى من يراه من أهل القصيم وغيرهم، وهي مؤرخة في ٨ جمادي سنة ١٣٣٥ هـ، تطرق فيها إلى هذا الذي ذكرته مع أنني كنت ظننت أن أحدًا لم يتطرق إليه مباشرة، وقد ذكر الملك عبد العزيز في رسالته المنشورة صورتها إلى الطرفين المشدد بالفعل الذي ينعت المشايخ آل سليم ومن معهم أو في صفهم من أهل نجد بالتساهل في الدين والفريق الآخر المتساهل الذي ينعتهم بالتشدد، وذكر الملك عبد العزيز في الرسالة، وهو إمام المسلمين والحاكم القادر على ما تنفيذ ما يراه أنه لن يتساهل مع الطرفين وهذا نص رسالته:
стр. 1120
نماذج من خط الشيخ إبراهيم بن جاسر، وتعليقاته:
لقد تولى الشيخ إبراهيم بن جاسر القضاء في عنيزة وبريدة مما جعله يخلف عددًا من الأوراق التي تتضمن أحكامًا أو تقريرات إضافة إلى كونه عالمًا مقصودًا من كثير من الناس الذين كانوا يقصدون العلماء والكتبة من طلبة العلم حتى يكتبوا لهم وصاياهم أو أوقافهم أو حتى ما يشكل عليهم من ذلك.
أما الفتاوى العلمية فإن العادة جرت في نجد أن يستفتي الشخص العالم مشافهة ومباشرة، فيفتيه كذلك مباشرة ومشافهة من دون أن تكون هناك كتابة للسؤال ولا للجواب.
وهذا ما جعل كثيرًا من الفتاوى سواء في المسائل الفقهية الافتراضية أو في النوازل لا تسجل، وبالتالي لا نعرف عنها شيئًا.
وهذه قاعدة تكاد تكون عامة في علماء نجد إلَّا فيما يتعلق بآل الشيخ محمد بن عبد الوهاب حيث كان لهم تلاميذ كثر في سائر أنحاء البلاد مما اقتضى أن ترسل لهم الرسائل العلمية فيها الفتاوي وغيرها من المسائل المهمة.
стр. 1121
وهذه نماذج من كتابات الشيخ إبراهيم بن جاسر:
стр. 1122
وقد خلف الشيخ إبراهيم بن جاسر وثائق ومكاتبات ومبايعات بخطه، سواء ما كان منها حين توليه القضاء أو بعد ذلك أوقبله مما يصعب حصره، .
ولا شك أن لسهولة معاملته، وسعة خلقه ما جعل الناس يقبلون على الكتابة إليه فيما بينهم، إضافة إلى منزلته العلمية، ودقة معلوماته الفقهية.
ولذلك لاحظنا أن معظم الوثائق التي كتبت بخطه هي واضحة الخط، سليمة العبارة، مريحة للناظر إليها إذا كان طالب علم.
стр. 1123
أبناء الشيخ ابن جاسر:
الشيخ إبراهيم بن جاسر لم يخلف إلَّا ابنًا واحدًا هو عبد العزيز الذي كان يتاجر مع تجار المواشي من أهل القصيم في الإبل يذهب بها إلى الشام ومصر.
وسرقت مرة نقوده في مصر فبقي هناك حتى توفي وقد قابلته في مصر.
وذلك أنني كنت في عام ١٣٧٥ استعد للسفر إلى مصر للمرة الأولى، وكنت أشغل وظيفة (مدير المعهد العلمي في بريدة) وكان من المدرسين المصريين عندنا في المعهد أستاذ اسمه (رمضان أبو العزم) يعرف عبد العزيز ابن الشيخ إبراهيم الجاسر، لأن له صلة بعقيل، فالمصري رمضان أبو العز من المعجبين بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وهو في الوقت نفسه من هواة الخيل، وعقيل في مصر وهم تجار الإبل فيها أغلبهم من أهل القصيم يتاجرون بالخيل.
وكان رمضان أبو العز قد أخبرني أن (عبد العزيز بن الشيخ إبراهيم الجاسر) يقيم في مصر وأنه صديقه وأنه سمعه يردد هذا البيت كثيرًا:
نُرقِّع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نُرقعُ
فجري ذكر ذلك عند الوجيه (جاسر بن عبد الكريم الجاسر) وهو من الأثرياء الذين لهم ميل إلى طلبة العلم ومقيم في الرياض.
وقد علم أنني سأسافر إلى مصر فقابلني وقال: أرجوك أن تعمل على إرسال ابن عمي (عبد العزيز بن الشيخ إبراهيم) وأي مبلغ يريده من المال تعطيه إياه وسوف أعطيك ما يحتاجه الآن أو إذ أعطيته ما أعطيته حتى ولو قال مثلًا إن عليه دينًا فتقضيه عنه قرضًا علينا.
فقلت له: إنني سأقوم بذلك أما المال فإنني سأدفع ما يحتاجه وآخذه منك.
стр. 1124
فلما وصلت إلى مصر أحضره لي الأستاذ رمضان أبو العز في فندقي الذي كنت أقيم فيه في ذلك الوقت، وهو فندق رضوان في حي الأزهر، فرأيت الرجل ذا مظهر يدل على الفقر والمسكنة وهذا ظاهر السبب، لأنه ليست لديه ثروة في مصر، ورأيته رجلًا هادئًا عاقلًا رزينًا لا يتكلم إلا إذا كانت توجد حاجة للكلام، فأخبرته بما قال ابن عمه جاسر العبد الكريم وأخبرته أنني لذلك مستعد لأن أدفع له تذكرة السفر، وأعطيه نفقة للسفر أيضًا، لأنه لا ينبغي لمثله أن يبقى في مصر دون عمل.
وقلت له: إن دكاكين الجاسر في الجهة الجنوبية من سوق بريدة الرئيسي قد أصبحت تغل غلة كبيرة وهي أوقاف مخصصة فيما أعرف لأعمال البر من ذلك نفع المحتاجين من الجاسر.
فسكت ولم يجب، ولم أتركه حتى أخذت معه موعدًا ليأتيني بعد يومين، ولكنه لم يجب لما طلبته منه وأخيرًا ألححت عليه وقلت له: إنني سآتي إلى المكان الذي تقيم فيه إذا لم تستجب لما طلبته منك.
وعندئذ أيدي إليَّ ما يكنه ضميره، قال: يا أخ محمد أنت تعرف أننا كنا نذهب من بلادنا إلى مصر عزيزين لأنه يكون معنا الماشية الكثيرة من الإبل والخيل والنقود ثم نعود إلى بريدة عزيزين أيضًا فنعطي المحتاج، ونصل القريب.
وأما الآن فإنني إذا عدت إلى بريدة فإن آل جاسر سوف يعطفون عليَّ وربما يتصدقون، وأنا لا تتحمل نفسي ذلك، التي تتطلع إلى أن أعطي الآخرين لا أن أخذ منهم.
لذلك سوف أبقى في مصر حتى يحكم الله لي بما شاء وهو خير الحاكمين، وإنني أشكرك وأشكر ابن عمي جاسر العبد الكريم على ما قدمتموه.
هذا ولم يمض بعد هذا الكلام إلا نحو سنة أو سنتين حتى توفي عبد العزيز
стр. 1125
بن الشيخ إبراهيم بن جاسر في مصر غريبًا وحيدًا.
وقد خلف عبد العزيز هذا ابنا هو عبد الرحمن بن عبد العزيز فهو حفيد للشيخ إبراهيم، وله ذرية يقيمون الآن في الرياض - ١٤٢٠ هـ.
ووفاة عبد الرحمن حفيد الشيخ ابن جاسر كانت في الرياض.
وهمٌ:
وهم محمد بن عثمان القاضي، فذكر أن الشيخ ابن جاسر خلف ابنين هما عبد الله وجاسر أما الأول توفي، وخلف ابنه محمدًا، كاتب الضبط بمحكمة بريدة، وجاسر في مكة (١).
فمحمد بن عبد الله الجاسر كاتب الضبط في محكمة بريدة ليس حفيدًا للشيخ إبراهيم وإنما هو ابن أخيه عبد الله ووالده هو عبد الله بن حمد الجاسر وليس عبد الله بن الشيخ إبراهيم.
وقد وقفت على رسالة أرسلها الباحث المحقق الشهير سليمان بن ناصر الوشمي إلى الأستاذ محمد بن عثمان القاضي يصحح فيها ما ذكره في كتابه (روضة الناظرين) عن أبناء الشيخ قال الأستاذ سليمان الوشمي يخاطب الأستاذ القاضي.
وعند قرأتي ترجمة الشيخ الفاضل إبراهيم بن حمد الجاسر في صفحة ٤١ وجدت تغييرًا باسمه فهو (إبراهيم بن حمد بن إبراهيم بن جاسر).
وفي صفحة ٤٢ في السطر السابع عشر ورد ذكر سعود بن رشيد باسم سعود بن متعب والصحيح أنه سعود بن عبد العزيز المتعب.
وفي صفحة ٤٣ في السطر التاسع عشر ورد: وقد خلف ابنين إلى آخره