← Ансаб

Ансаб · id 147374

معجم أسر بريدة

محمد بن ناصر العبودي

Полный текст (11 097 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ثم شقراء بأن ثلث ثمرتها لعبده سهل وهو عبد له مملوك، ثم ذكر مكتومية وهي نخلة معروفة، فذكر أن ثلثها يريد ثلث ثمرتها للجامع وثلث المسجد الجردة، وهو المعروف بمسجد ناصر وكان يقع إلى الجنوب من (سوق قبة رشيد) وقد هدم وأدخل في أرض السوق المركزي لبريدة. وقوله: وثلث لمسجد المكان يريد المسجد القريب من المكان أي النخل محل الوصية ولكنه لم يسبق أن ذكر مكانه، إلَّا أننا نفهم أنه في الصباخ جنوب بريدة. ثم قال قولة مؤثرة تدل على محبته للخير وهي قوله: و(المكان ما يطرَّف له باب بالحداد) يطرف له باب أي لا يقلق له باب أيام جداد تمره، ويريد من ذلك أن يكون بابه مفتوحًا لكي يدخل المحتاجون للأكل من التمر أو للصدقة منه. ثم ذكر بعد ذلك مكانين يزرعان قمحًا وذكر أن في أحدهما خمسة عشر صاع (قمح) لمؤذن الجامع الذي هو جامع بريدة وخمسة عشر للمدرسة وهي مدرسة السيف التي تقع إلى الغرب من مسجد ناصر وكان أهل الخير يوقفون عليها أوقافا ومن ذلك ما أوقفته عليها (قوت بنت الأمير حجيلان بن حمد) وقد نقلناها في موضعها من هذا الكتاب، ثم ذكر شيئا جديدًا فقال: وأولادي الحي منهم جميع بالوكالة، يريد الأحياء منهم يكونون أوصياء على هذا الوقف مجتمعين. وقوله شقراء الخارة يراد بها نخلة الشقراء التي على الخارة، وهي مخرج الماء من الجابية إلى النخل وتكون جيدة لأنها تشرب أكثر من غيرها لا يماثلها في ذلك إلَّا نخلة (اللزي) ثم أوصى بأن ينزع أي يؤخذ من حلاله أي ماله أربعون ريالًا يشترى بها عبد مملوك ويعتق في الحرم في مكة المكرمة.

стр. 107

عثمان بن راشد الدريبي: من أبناء الأمير راشد الدريبي: عثمان جاء اسمه في وثيقة مبايعة بين نورة بنت (عثمان بن راشد الدريبي) مشترية وبين عمر بن محمد العليط (بائع). والمبيع نخل عمر المعروف بأنه ملكه في الربعة وهي التي تسمى (ربعة وهطان) أدركنا تسميتها بذلك. والثمن ضخم بالنسبة إلى ثروات الناس في ذلك الزمن فهو ألف ومائتا ريال فرانسة. وقد حددته الوثيقة بما لا يخرج عما قلناه من كونه في (ربعة وهطان)، إذ قالت: يحدها من قبلة النقود ومن شمال الجادول الخ. والكاتب: عبد المحسن بن محمد بن سيف ولكن الوثيقة هذه منقولة من خطه. والتاريخ: ١٥ رجب سنة ١٢٨٣ هـ. وتحتها تصديق للشيخ القاضي محمد بن عبد الله بن سليم.

стр. 108

بنات الأمير راشد الدريبي: لسنا هنا في وارد حصر الوراثة بالنسبة إلى أولاد الأمير راشد الدريبي فليس ذلك بممكن لنا ولا لأمثالنا لمضي الوقت وجهالة أحوال كثير من الناس في ذلك الزمان، ولكننا نورد هنا ما وقفنا عليه من الوثائق عن أبناء وبنات راشد الدريبي. ومن الطريف أنني وجدت وثيقتين فيهما ذكر بنتين من بنات راشد الدريبي كلتاهما اسمها مصغر فواحد منهما اسمها (هييلة) على لفظ تصغير هيلة الاسم الشائع عندنا للنساء. والثانية: اسمها هييا بإسكان الهاء في أوله فياء أولى مفتوحة بعدها ياء ثانية ساكنة وهو تصغير الاسم (هَيَا) بفتح الهاء والياء دون تشديدها، وهو اسم كان شائعًا جدًّا في بلادنا في القديم، وقل استعماله الآن، وإن كان لا زال موجودًا. والتصغير في اسم المذكورتين قصد منه في الأصل التمليح والتدليل - من الدلال وليس من الدلالة - وهذه هي الوثيقة المتعلقة بهييلة بنت راشد الدريبي وهي وثيقة مبايعة البائع فيها مبارك بن حسين بن عجلان ولا أدري من أي (العجلانين) هو، لأن لدينا في بريدة عدة أسر تسمى (العجلان) وهو البائع، وبين هبيلة بنت راشد الدريبي (مشترية). والمبيع: أربع نخلات من ملكه المعروف في المريدسية، وبعد أن ذكرت الوثيقة تحديد الملك المذكور الذي يراد به حائط النخل وما يتبعه في العادة ذكرت أن أربع النخلات هي شقر - جمع النخلة الشقراء - معروفات بشرقي نصيبه من ملك أبيه حسين. والثمن: ستة عشر زر - بفتح الزاي وتشديد الراء، وهو عملة ذهبية كانوا يتعاملون بها مع غيرها وكلمة (زر) في حد ذاتها تدل على أن العملة

стр. 109

ذهبية لأن معنى (زر) هو ذهب باللغة الفارسية. والشهود ثلاثة لم أعرف أحدًا منهم. والكاتب الشيخ عبد الله بن محمد الصايغ وهو كاتب كان معروفًا في زمنه. وفي آخر الوثيقة بيع لنخلة شقراء خامسة بأربعة (زررة) جمع زر، ونلاحظ أن (هييلة) لم تباشر الشراء بنفسها لهذه النخلات، وإنما كانت وكلت وكيلًا على ذلك هو حمد آل حمود الملقب (الكْبَيِّر) بإسكان الكاف وفتح الباء بعدها ياء مشددة مكسورة على لفظ التصغير لكلمة كبير بفتح الكاف. وإنما نوهت بأنها كانت دينًا أو قرضًا في ذمة مبارك بن حسين العجلان لهييلة. ولم يؤرخ الشيخ الصايغ كاتب هذه. وهذه صورة الوثيقة:

стр. 110

وهذه وثيقة متعلقة بهييلة بنت راشد الدريبي: في هذه الوثيقة ذكر (هييلة) وهو تصغير هيلة: تصغير التمليح والتدليل لأنها ابنة الأمير راشد الدريبي: ورد ذكرها في وثيقة نادرة لأنها بخط الشيخ العالم القاضي عبد العزيز بن عبد الله بن سويلم قاضي بريدة وما يتبعها من القصيم. وهي وثيقة مداينة بين علي بن فايز الذي يظهر أنه أمير المريدسية (بائع) وبين زوجته هبيلة بنت راشد الدريبي (مشترية). والمبيع ملكه بمعني نخله وما يتبعه الكاين في المريدسية وهو النخل المسمى (الغريس) وكلمة الغريس تدل على النخل الذي لا يزال في شبابه - إن صح أن للنخلة شبابا وهو صحيح وسمي بذلك لأنه حديث عهد بالغرس.

стр. 111

ومعه أيضا ما يسمى بفيد الزويهري أي ملك الزويهري، لأن كلمة (فيد) هنا تعني ملكا على اعتبار أن مالكه كان قد استفاده والثمن كثير جدًّا بالنسبة إلى ما كان عند الناس من ثروة في ذلك العصر لأنه خمسمائة أحمر، والأحمر نقد ذهبي كانوا يتعاملون به آنذاك من بين ما كانوا يتعاملون به من عملات نقدية ما بين فضية وذهبية. قال الكاتب: وأقر علي المذكور أنه بلغه الثمن وأصدقته (هييلة) وهذه عبارة جيدة ولكنها ليست ضرورية لأنه إذا أقر وهو البائع بأن الثمن قد وصله لم يحتج إلى إقرار المشتري بذلك، إلا على سبيل الاحتياط. ثم ذكرت الوثيقة حدود الملك المذكور وقالت: باع علي المذكور على زوجته (هييلة) بيعًا صحيحًا لازمًا بشروط البيع. والشاهد على ذلك سليمان بن منصور بن جربوع. جرى ذلك ( .... ) بعد المائتين والألف، وكتبه وأثبته عبد العزيز بن سويلم. وقد طمست كلمة السنة ولكن عهد الشيخ عبد العزيز بن سويلم وقضائه في بريدة معروف وأنه في القرن الثالث عشر إلى سقوط الدولة السعودية الأولى في عام ١٢٣٣ هـ. كما أن (علي الفايز) المذكور له وثائق كتبت في تلك الفترة.

стр. 112

ووجدت لراشد لدريبي أحفادًا وحفيدات لهم وصايا مهمة كأنما أخذوا ذلك من محمد بن راشد والدهم وتبين منها أنهم كانوا ميسوري الحال لأن لهم مثل هذه الوصايا التي منها أملاك من النخيل والأراضي الزراعية. والنخيل هي أغلا أنواع العقار وأنفسه عندهم، ولذلك تجدهم يوقفون النخيل أكثر مما يوفقون العقارات الأخرى، برغم كون النخل يحتاج إلى سقي وعناية وخدمة، ولكنه يجد ذلك ممن لا يملكون نخيلا، وإنما يفلحون نخيلًا لغيرهم بجزء من ثمرته حتى يستفيدوا بل حتى يعيشوا مما يحصلون من ثمره هم وأسرهم، وهم يستفيدون من النخيل ثمرتها المباركة وهي التمر، ولكنهم يستفيدون منها أيضًا فوائد مثل الحطب من عسبانها وجريدها والسفيف من خوصها الرطب، بل إنهم كانا يصنعون من الخوص الرطب حصرا وحتى النعال التي يستعملونها في البيت. كما يستفيدون من عراجد النخلة وهي التي يكون التمر في شماريخها فيأخذون العرجد، وينقعونه في الماء ثم يضربونه بمرازب الخشب التي يسمونها الكوابين، واحدها كابون يصنعون منه الحبال القوية التي يسمونها أرشية جمع رشاء وأربطة ونحوها. وقد وجدت لأحد أحفاد راشد الدريبي واسمه سلميان بن محمد بن راشد، وراشد هذا هو الدريبي. وقد استفدنا ذلك مما عرفنا من حاله ومن شيء مهم آخر وهو أن ذريته وفيهم رجال ... عارفون إذ يعرفونه ويعرفون بقية أحفاد راشد الدريبي ويتصرفون في وصاياهم طبقا لما أوصى به. بدأ سليمان بن محمد بن راشد الدريبي وصيته بالمقدمة المعتادة ثم ذكر أنه أوصى بثلث ماله بأعمال البر مقدم فيها أربع أضاحي دوام أي مستمرة أبد الدهر له بنفسه أضحيتان ولوالديه كل واحد أضحية.

стр. 113

وأوصى لوالديه بحجتين، ثم أوصى بشيء غير مألوف في الوقت الحاضر، ولكنه كان معروفا مألوفًا في القديم وهو عتق العبد المملوك وقد ذكره هذا بصفة التذكير عبد، مع أن العبد اسم جنس قد يشمل العبدة وهي المراة المملوكة. ومن الطريف أنه ذكر أن ثمن العبد ثلاثون ريالًا فصح أن ثمنه لا يبعد كثيرًا عن ثمن الناقة فهذا الثمن يعادل أو يقارب ثمن ناقة ونصفًا في زمنه الذي هو عام ١٢٦٦ هـ. وهذا رخص متناه. وأكثر من ذلك طرافة أنه ذكر أنه إذا وجد عبد ثمنه أقل من ثلاثين ريالًا فإنه يكون للعبد يعتق عليه، وذلك أن قومنا من أهل نجد كانوا اعتادوا إذا أرادوا عتق عبد أن يعطوه شيئًا ينفعه في حياته الجديدة حياة الحرية، لأنه وهو عبد مملوك تكون مؤونة عيشه على أسياده الذين يسمونهم أعمامه، فإذا تحرر صار مسئولًا عن نفسه. وقد عهدنا بعضهم يعتق العبد على أثلة أو نخلة مما يبقى له، كما أوصى بمائة وزنة لمسجد الجديدة منها ستون وزنة للإمام عشرون وللمأذنة، والمراد المؤذن الذي يقوم بالأذان في المسجد عشرون وللسراج والدلو عشرون، والسراج هو سراج المسجد والدلو هو الذي يستخرج به الماء من البئر من أجل الوضوء للصلاة ومسجد الجديدة هو الذي عرف بعد ذلك بمسجد ناصر إضافة إلى إمامه ناصر بن سليمان بن سيف الذي صار يؤم فيه سنين طويلة وهو أقرب المساجد إلى الجامع من جهة الجنوب، وقبل ذلك كان بعضهم يسميه مسجد الجردة، وقد هدم وأدخلت أرضه في السوق المركزي لبريدة. ثم قال: وأربعون (وزنة تمر) للجامع للمؤذن عشرون وللسراج عشرون. ثم قال: ومائة وزنة لفقراء أقاربه أي أقارب الموصي وهو سليمان بن

стр. 114

محمد بن راشد الدريبي لبنات مهنا الزومان منها أربعون وزنة وستون منها لمن احتج من أقاربه من ذكر وأنثى. والرومان الذي ذكرهم هم من (آل أبو عليان). وذكر بعد ذلك أن ثلثه من ديوان القلبان، والقلبان جمع قليب، والمراد من ذلك القلبان وهي الآبار التي تتبعها أراض زراعية واسعة تزرع حبوبًا من القمح والشعير والذرة ونحوها ولا تكون فيها في العادة نخل. وذكر (لديوان) وهو ما يكون المالك القليب إذا زرعها غيره بجزء مما تنتج من الحبوب، يقول ما يكون له من ذلك من القلبان التي يملكها تكون في عشيات: جمع عشاء وهو الطعام الذي يطبخ في أيام الجمعة والخميس في رمضان. ثم ذكر أشياء من مثل ذلك إلى أن قال: والوكيل على ثلثه بمعنى الوصي عليه أخوه عبد العزيز، وإبراهيم وعبد الله العلي الرشودي نظير على عبد العزيز أي يلاحظه أي لا يفعل الوصي شيئًا إلَّا بعد أخذ رأي الرشودي وهو رأس أسرة الرشودي. والشهود على الوصية مبارك الحمد بن حميد وعبد لله الرشودي. والكاتب عبد الله بن علي العمرو الذي أسميته عبد الله بن عمرو الأول لأنه يوجد له سمي من الأسرة هو الشيخ عبد الله بن علي بن عمرو أكبر أصحاب الشيخ إبراهيم بن جاسر مقاما عندهم، وأكثر إقدامًا منه.

стр. 115

والتاريخ: ٢ ربيع الأول سنة ١٢٦٦ هـ.

стр. 116

وصية شريفة بنت محمد الراشد: هذه وصية حفيدة للأمير راشد الدريبي هي شريفة بنت محمد الراشد وهو صاحب الوصية المطولة التي سبق ذكرها وقد أوصت (شريفة) بعد موتها بوصية مختصرة لم تذكر فيها حتى المقدمة المألوفة، وإنما دخلت في الموضوع بسرعة فأوصت بعد موتها والمراد أن وصيتها تنفذ بعد موتها في ثلث ما وراءها، والمراد ما تخلفه من مال بعد موتها بأعمال (سقط وصف تلك الأعمال وهو بلاشك البر) يفعل به الوكيل أي الوصي الأصلح، وأوصت لابنها ولم تذكر اسمه ولا اسم أبيه أو أسرته) بنخلة (واحدة) من ملكها الذي لها من ملك أبيها محمد الراشد والكاين في صباخ بريدة ووصفت النخلة بأنها شقراء معروفة وهي ( ... ) القليب من جهة ملك مهنا. والملك هنا هو النخل ومهنا هو الأمير مهنا الصالح أبا الخيل له ملك أي حائط نخل مجاور لملك محمد الراشد. قالت: وينزع من ثلثها أي يؤخذ منه قبل التصرف فيه حجة لأبيها محمد وحجة لوالدتها طرفة، والمراد أن ثواب تلك الحجة يكون لهما وجعلت الوصية على إنفاذ هذه الوصية ابنتها منيرة بنت عثمان العجلاني. والكاتب عبد الله بن شومر. والتاريخ: شهر ذي القعدة منه سنة ١٢٩ هـ ولم يذكر الرقم الرابع والأقرب أنه عام ١٢٩٠ هـ وإنما قال الكاتب وهو الشيخ عبد الله بن شومر: أنا نسختها يا عبد الله من كتبي المتقدم لأنها عادمة ما تعرف، حرر في ربيع أول سنة ١٣٠١ هـ.

стр. 117

وصية رقية بنت محمد الراشد: هذه حفيدة أخرى للأمير راشد بن حمود الدريبي اسمها رقية بنت ابنه محمد. قالت وصيتها بعد الديباجة المعهودة أوصت في ثلث ماله (مالها) من نخل أو تركة وبير وأرض وجميع ما وراه، القادم به أربع حجج له (لها) واحدة وأمه (أمها) ولابيه (غير محررة) واحدة ولزوجها محمد الحمد ولم تذكر اسم أسرته واحدة ولنفسه (نفسها) ضحية ولأمها ضحية ولأبيي - أي أبي بصيغة التصغير للحنان ضحية، ولزوجه (زوجها محمد الحمد شقراء أي نخلة شقراء. ولزوجه (زوجها محمد العبد الله نخلة، ولم تذكر اسم أسرته وتبين من هذا أنها كانت تزوجت بزوجين أحدهما بعد الآخر والأول - فيما يظهر - هو محمد الحمد ولما مات تزوجت بمحمد العبد الله. إلى أن قالت: والوكيل أي الوصي بنتها مزنة بنت محمد العبد الله، إذا أرشدت ووكيل البنت مزنة الله ثم مبارك الحمد بن حميد، وإذا أرشدت يفيَّض الثلث بيده أي يعطى الثلث لها بيدها أي يكون تدبيره موكولًا إليها. الشاهد محمد المصيطير. والكاتب مبارك الحمد بن حميد. والتاريخ: ١٥ من ذي القعدة عام ١٢٦٢ هـ.

стр. 118

عودة إلى الكلام على حجيلان بن حمد: كان حجيلان بن حمد بعيد النظر ينظر أول ما ينظر إلى ما يصلح بريدة وما يتبعها من القصيم، ولذلك وصفه بعض المؤرخين ومنهم ابن عيسى بقوله: "وكان حجيلان بن حمد أكثر الناس حمية لأهل القصيم". وقد وصلتني من أخباره في ذلك عجائب تدل على عقله وبعد نظره وحرصه على عمارة بلده بأية وسيلة من الوسائل، من ذلك أنه إذا جاءه رجل من أهل نجد من البلاد التي تحدث فيها مجاعات، إذا انحبس عنها المطر، وقل الماء في الآبار، يحضره حجيلان عنده ويسأل قائلًا: لماذا قدمت إلى ديرتنا؟ فإن قال الرجل قدمت أدوِّر الشغل أو أدور المعيشة من الشغل قال: يا ولدي شغل ديرتنا لأهل ديرتنا ثم زهبه أي أعطاه زهابًا ويكون غالبًا من التمر والأقط وقال له: لك مهلة ثلاثة أيام تغادرها في خلالها وإلا أدبناك أي عاقبناك عقابًا شديدًا. وإن قال الرجل: أنا جيت لديرتكم أبي أغرس نخل وازرع زرع ركب به حجيلان وأقطعه أرضا يغرسها ويزرعها، وحدد له مهلة كافية لذلك. حدثني إبراهيم بن عبد الله النصار من بني عليان، قال: كان ابن عضيد وهو من (الفاضل) الذين منهم عَكيَّة المشهور الذي قاد ابنه عبد الله العكية أول مظاهرة في بريدة عام ١٣٧٥ هـ. وكان ذلك الرجل بوارديًا أي صاحب بندق مشهورًا بإصابته للأهداف. وأنه مرة كان حجيلان بن حمد غازيا وفي الغزو ابن عضيد هذا، فرأوا (بوارديًا) أي صاحب بندق من أعدائهم شديد الإصابة إذ قتل منهم رجلًا وقال بأعلى صوته: الرصاصة اللي عقب ذي بحجيلان، فندب له حجيلان ابن عضيد هذا فقتله فكان ذلك سبيلًا لهزيمة أولئك القوم، وانتصار حجيلان ومن معه.

стр. 119

قال لي ابن نصار: جاء فلان من أسرة معروفة في بريدة ذكر لي اسمه ولكني لم أرد أن أذكره صريحًا هنا، لأن له ذرية وأبناء عم ربما يؤدي ذلك مشاعرهم، فقال لحجيلان بن حمد: هذا ابن عضيد ينصب عند بناتنا ويناظرهن أي ينظر إليهن، ونبيك تجليه عن ديرتنا، يعني بريدة - أي تنفاه منها وتبعده عنها، فقال حجيلان لذلك الرجل مستفهما: تبين أجليه من بريدة؟ فقال: نعم. فقال حجيلان: والله لو الشرع يسمح لي أني لاجوزه بعشر حريم، ثم قال لذلك الرجل الذي يلقب عقيل: إني لأجوزه بعشر حريم، حتى يجيبن عيال مثله ينفعن ديرتنا مثلما نفعها هو، يا فلان: كفوا بناتكم وخلوهن يتسترن! ! ! أما ابن عضيد فلا ناب قايلٍ له شيء. وقد أنشد ابن عضيد في ذلك أبياتًا أولها: لي ديرة ما أنيب فيها قداوي ... ولا أتحرى من هَلَّة شِبْعة العيد ومن الأمثال الشائعة جدًّا التي ورد فيها ذكر حجيلان قولهم: (الله أقوى يا حجيلان)، ذكروا في أصله أن رجلًا يقال له (أبا الميخ) كان يتعرض لبعض الإبل والغنم التي لأهل بريدة، ومرة اتهم بأنه قتل راعي الإبل أو عمل على ذلك، وكان حجيلان قد أمسك به مرة ثم تركه بعد أن تعهد له بعدم التعرض الأملاك أهل بريدة مرة أخرى. إلَّا أنه عاد فأمسك به حجيلان، وقال له: يا فلان، وش أحلى ماءٍ شربته بحياتك؟ فقال: ماء كذا، لمورد ماء في الشمال، فقال حجيلان: والله ما تذوقه غير ما ذقته، فقال الرجل: الله أقوى يا حجيلان، فسارت مثلًا.

стр. 120

ولحجيلان بن حمد أشعار مروية منها هذا الحداء: يا حُبِّني للعافية وأشريها وأبيع مالي والدَّبَشْ إلَّا أن بلتني باليه مِستصعب راعيها رَدَّيْت لأرقاب النَّمَش وهذا الشعر من الحداء الذي تسمية العامة حداءً الخيل، ومعناه أنه يحب العافية من الحروب والمنازعات ويتفادى ذلك حتى بالمال والدبش، التي هي المواشي، إلَّا إذا بلي ببلوي من الحروب لا يستطيع تلافيها، فإنه يرد إلى رقاب النمش وهي سيوف قصار مستقيمة غير منحنية، ذكرتها في كتاب (معجم الألفاظ الدخيلة في لغتنا الدارجة) الذي طبعته مكتبة الملك عبد العزيز العامة. وقوله: رقاب النمش يعني حدودها القاطعة، وواحد النمش: (نمِشه) بإسكان النون وكسر الميم. وقد بلغنا أن الملك عبد العزيز آل سعود ﵀ كان ينشد هذه المقطوعة من الحداء، مما حمل بعض الناس على أن يقول: إنها من كلمات الملك عبد العزيز أو لنقل من نظم الملك عبد العزيز، ولكن الذين أخبروني أنها لحجيلان بن حمد ذكروا أنها كانت معروفة قبل عهد الملك عبد العزيز، وأنها لحجيلان بن حمد وأن الملك عبد العزيز ربما كان يتمثل بها، وهي تتفق بلا شك مع سياسة الملك عبد العزيز آل سعود التي تقوم على دفع الشر وتفادي القتال والحروب، إلَّا إذا استعصى الأمر ووجد أنه لا مناصة من الحروب، فإنه يقدم عليها بكل قوته

стр. 121

حتى ينهيها لصالحه، كما هو معروف من سياسته ﵀. وكان حجيلان بن حمد سديد الرأي مأمون النقيبة في الحرب، وقد ازدهرت بريدة في عهد إمارته إزدهارا عظيما، بل شمل ذلك بريدة وما حولها من القصيم الذي يتبعها. وكان يغزو بأهل القصيم ويكون على رأس الغزو من بريدة، فيصل بغزوه إلى نقرة الشام وإلى حدود المدينة المنورة، وما دون ذلك كما سيأتي، ومن الأدلة على رأيه أن الإمام سعود بن عبد العزيز غزا عنيزة بغزو كثيف من أهل الجنوب وغيرهم فحاصرها فترة، ولم يستطع فتحها كما ذكرت ذلك في معجم القصيم (رسم عنيزة). ولما عجز عنها قال له حجيلان بن حمد: أتريد عنيزة بدون أن تبذل مثل هذا التعب والجهد؟ فأجاب: نعم. فقال حجيلان: ارجع الآن إلى الدرعية واصرف هؤلاء الغزو الذين معك، وإذا كان بعد هذا التاريخ بأشهر أو بأي موعد يناسبك فأقبل بربع هذا الجيش الذي معك وأخبرني سرًّا حتى آتي معي بربع هذا الجيش الذي معي من أهل القصيم ولا يطلع أحد على أنك تريد (عنيزة) بل أظهر أنك ذاهب إلى الشمال وأنك ستمر من شرقي القصيم، ثم نفاجأ أهل عنيزة على غرة وسوف نفتحها دون أي جهد كبير. وهكذا كان، وفتحت عنيزة بهذا الرأي والتدبير الذين أبداه حجيلان بن حمد، وبدون قتال كبير. ولذلك قال شاعر عنيزة المسمى العرف في هذه الوقعة بالذات التي حدثت في عام ١٢٠٢:

стр. 122

يا ديرتي خَدَها حجيلان وسعود ... بالبوق، وإلَّا بالنقا ما قواها جونا هجاد وجملة الناس برقود ... وهل القواهي مشعلينٍ صْواها ما سل به سيف ولا زجَّ به عود ... ولا ثار مثلوث الدخن من وراها مزنة تصيح ومقدم الرأس مشدود ... يا ليتهم ما بَرِّقوْا في صباها يا ليت أبو ردن حضر يا فتي الجود ... ما كان صرت بالمحامِل نساها وشرح هذه الأبيات بوضح المقصود منها فقوله في البيت الأول، أخذها حجيلان وسعود بالبوق، يريد بالإغارة المفاجئة على حين غرة من أهلها. والحرب عند أهل نجد حربان: حرب تكون بإعلان الحرب وإظهارها للأعداء الذين يراد حربهم، كأن يقول قائلهم: عليكم مردود النقا، وهذه بمثابة إعلان الحرب عند المتأخرين، وحرب تكون بالمفاجاة وهو ما يسمى عندهم (البوق) وهو عكس (وضح النقا) الذي يصف به بعضهم إعلان حربه على أعدائه. وقوله أخذها حجيلان وسعود يريد بغزو سعود وتدبير حجيلان، ويدل على ذلك قوله بالبوق وإلَّا بالنقا، أي بإعلان الحرب ما قواها. وهذا صحيح من كون الإمام سعود كان قد غزا عنيزة غزوًا ظاهرًا قبل ذلك ولم يستطع الاستيلاء عليها. وقوله في البيت الثاني: جونا هجاد، أي هاجمونا في الليل، والهجوم في الليل هو الهجاد، ومنه قولهم: هجد القوم أعداءهم بمعنى أغاروا عليهم في الليل. ولكن ذلك الهجاد الذي حصل على أهل عنيزة كان آخر الليل وهو الأمر

стр. 123

الطبيعي في مثل هذه الحرب من أجل أنه إذا انبلج النور كان المهاجمون ليلًا قد كسبوا المعركة. ولذلك قال: جملة الناس برقود، أي أكثر الناس كانوا نيامًا، إلَّا أن بعض أهل القهاوي وهم الذين يصنعون القهوة ويشربونها، كانوا لا يزالون مشعلين ضواها أي لا يزالون في صنع قهوتهم. وقوله في البيت الثالث: مزنة تصيح الخ: هذا له قصة وهو أن أحد المهاجمين عندما دخلوا قصر الأمير عبد الله بن رشيد أمير عنيزة في ذلك الوقت رأى ابنته (مزنة) على رأسها هامة وهي حلية كبيرة من الذهب تكون على رؤوس نساء الأغنياء، فأراد أخذ (الهامة) التي سميت هامة لأنها تكون على هامة رأس المرأة، وهي أعلى رأسها، فوجد أنها مثبتة بخصلات شعرها بشيء من الخيوط كما هي العادة، ولكنه لن ينتظر حتى تخلعها من رأسها فانتزعها من رأسها بقوة وانتزع معها خصلات من شعر رأسها، ولذلك قال العرف: مزنة تصيح ومقدم الرأس أي شعر مقدمة رأسها مشدود بمعني مربوط بهذه الحلية. وأكمل البيت بقوله: يا ليتهم ما بَرَّقوا في صباها، يريد ياليتهم لم يروا وجهها وصباها الجميل. وظاهر هذا يسير على ما كان أهل نجد يسيرون عليه في حروبهم وهو عدم المس بالنساء في الحروب حتى نساء المغلوبين، فهم لا يتعرضون لهن إلَّا بأخذ ما معهن مما له قيمة، ولم يذكر الشاعر إلَّا أنهم برقوا بمعنى أحدوا النظر في صبا ابنة الأمير، وإلا فإنهم لم يتعرضوا لها بغير انتزاع الحلية من شعرها. ثم ختم قصيدته بهذا البيت الذي يوضح أن أمير عنيزة عبد الله بن رشيد وهو من الرشيد الذين هم من سبيع لا علاقة له من النسب بالرشيد أمراء حائل غائب عن عنيزة لأنه لم يكن يتوقع أن هجومًا سيحدث عليها.

стр. 124

ولذلك قال: يا ليت أبو ردن حضر، وأبوردن كنية لقب بها الأمير المذكور، وقوله يا فتى الجود - هذا حشو يخاطب به من يسمع شعره إلَّا أن الجد ذكره بقوله: ما كان صَرَّت أي صوتَّت بالمحامل وهي مراكب النساء على الإبل، جمع محمل وقد ذكرت هذا اللفظ بإيضاح كاف في (معجم الألفاظ العامية)، وهذا يدل على ما عرف من أن الإمام سعود بن عبد العزيز عندما استولى على عنيزة في هذه المرة أجلى بعض آل رشيد أمراءها عنها. وهذا معنى قول الشاعر: صرت بالمحامل نساها أي نساؤها، وهذه الواقعة وقعت في عام ١٢٠٢ هـ، وقد نقلها المؤرخون ولكنهم لم يتعرضوا الذكر حجيلان، ولا للشعر العامي الذي وثق ما حصل في هذه الوقعة. وينبغي أن ننبه هنا على ما قد يفهم من الشعر من أن حجيلان بن حمد قد غزا عنيزة بجنوده خارجًا إليها من بريدة فهذا غير حاصل، بل إنه يخالف ما عرفناه من تاريخ العلاقات بين بريدة وعنيزة. فلم يحفظ التاريخ ولا نعرف ولا حتى مرة واحدة أنَّ جيشًا من أهل بريدة بقيادة أميرها خرج منها مهاجمًا مدينة عنيزة، كما لا نعلم في التاريخ أن جيشًا خرج من عنيزة بقيادة أميرها مهاجمًا وحده مدينة بريدة. وإنما الذي حدث أنه إذا هاجم إحدى المدينتين مهاجم من خارج المنطقة، فإن أمير المنطقة الأخرى قد ينضم إليه بمثابة المساعد أو الموافق له على ذلك الهجوم، وهذا قليل جدًّا مثلما حدث في هذه الوقعة. وهذا ما ورد في التاريخ المكتوب عن هذه الوقعة: قال ابن بشر ﵀: وفيها سار سعود بالعساكر المنصورة وقصد ناحية القصيم، ونزل بلد عنيزة لأنه ذكر له أن أناسًا من أهلها يريدون نقض العهد من آل رشيد وأتباعهم، فأمر

стр. 125

عليهم يخرجون من البلد وأجلاهم عنها واستعمل فيها أميرا عبد الله بن يحيى (١). وقال ابن عيسى: في سنة ١٢٠٢ هـ غزا سعود بن عبد العزيز قصد عنيزة ونزلها، وأجلى (الرشيد) منها، واستعمل فيها عبد الله بن يحيى أميرًا (٢). أما الشيخ حسين بن غنام فقال (٣): وفيها غزا سعود بالمسلمين أدام الله تعالى له النصر والتمكين، فحث سيره ومسراه وكان وصوله عنيزة هو الذي اقتضاه، وذلك أنه نمي إليه صحيح الخبر أن بعضًا من أهل عنيزة بحث عن أسباب الأرتداد وتحقق ذلك عنه واشتهر فعند ذلك أجمع على السير إليهم، وظهر فنزل بعد أيام وليال ومكث عندهم يستبريء الحال ويتحقق ذلك على يقين، لئلا يقدم على ما يريده بتخمين فيخالف قول رب العالمين، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ فلما لاحت له شمس التيقن والإيقان من عدول أهل الإسلام والإيمان من سكان ذلك المكان، وتحقق ذلك الأمر واستبان، وكان آل رشيد من ذلك النفر والملا أمر عليهم بالجلا وكل من لهم تابع، وفي أسباب الشر طامع وأزال منها كل من يحذره ويخشاه وأمر عليهم علي بن يحيى لاختياره ورضاه ثم انصرف راجعًا (٤). أما الواقعة الأولى التي غزا فيها سعود بن عبد العزيز عنيزة، ولكنه لم يحصل منها على طائل من الفتح والاستقرار فقد حدثت قبل ذلك بثلاث سنين إذ كانت عام ١٢٩٨ هـ ذكرها ابن غنام في تاريخه قال (٥):

стр. 126

وفيها غزا سعود حرسه الله تعالى بالمسلمين وقصد عنيزة من بلدان القصيم وحث السير في ذلك مشمرًا لا ينيخ إلَّا في الضرورة ولا يقيم، فلما وطئ في جنح الدجى من تلك البلد أرضها وقضى من صلاة الصبح سنتها وفرضها أغارت على طارفة البلد فرسانه، وطافت بفنائها شجعانه فخرج إليها من أهلها كل ذي بأس شديد واستمروا مع المسلمين في تصدير وتوريد وبذلوا من الشجاعة ما ليس فوقه مزيد، وقتل بينهم في ذلك المجال بعض من الرجال منهم من المسلمين ثنيان بن زويد وغيره، وجرى بينهم مع سعود كلام في الصلح فلم يتم المقصود ثم بعد ذلك انصرف عنهم وارتحل منهم (١). والشاهد الثاني على سداد رأي حجيلان الواقعة التالية، التي حدثت بعد الأولى بخمس سنين أو ست، ذكرها المؤرخ عثمان بن بشر بالتفصيل في حوادث سنة ١٢٠٧ هـ وهي أن حجيلان بن حمد كان مع الإمام سعود بن عبد العزيز في غزوة وأشار برأي اتبعه الإمام من جملة آراء أمراء لم يرتض بها فكان في رأي حجيلان النجاح في الحرب. قال ابن بشر: فتكلم حجيلان بن حمد فقال: كلّ على ما يريد يشير، وهؤلاء المشيرون مقصدهم الغنيمة، ونحن مقصدنا عز الإسلام والمسلمين، كما يقال في الأمثال الأولى رأس الحية يا موسى) انهض بالمسلمين في ساقة هذه الشوكة فإن أظفرك الله بهم لم يقم لبني خالد (٢) بعدها قائمة، حتى الحساء بيدك، وأعطاك الله من الأموال ما هو خير مما في محلتهم، وهؤلاء الجنود رؤساء بني خالد ورجالهم وشوكتهم، فنهض سعود والجنود المسلمين وتبع ساقتهم وورد ماء

стр. 127

اللصاقة (١)، فوجد آثار الجيوش صادرة منها، فنزل على الماء وتحقق أن قفولهم عليه، أو على اللهابة أو القرعا، وكانت موارد قريبًا بعضها من بعض، فبعث سعود خيلًا إلى اللهابة وخيلًا إلى القرعا خوفًا يردونها، وهو لا يعلم ورتب عيونا لقفولهم، فلم يلبثوا إلَّا أن أقبلت عليهم جموع بني خالد واردين كأنها قطع الليل، فنهض المسلمون فرسانًا وركبانًا، فلم يثبتوا لهم ساعة واحدة، حتى انهزموا لا يلوي أحد على أحد ولا والد على ما ولد، فتبعهم المسلمون في ساقتهم يقتلون ويغنمون واستأصلوا تلك الجموع قتلًا ونهبًا، وانهزم براك بن عبد المحسن ومعه شرذمة قليلة من الخيالة إلى المنتفق، وهلك من بني خالد في هذه الوقعة بين القتل والظما خلائق كثيرة، قيل إنهم أكثر من ألف رجل، وأخذ جميع ركابهم وخيلهم وأذوادهم وأمتاعهم (٢). سور حجيلان: ومن مآثر حجيلان بن حمد التي تدل على بعد نظره، وحرصه على مستقبل بلده ذلك السور العظيم الذي عرف بسور حجيلان، ولم يكن له نظير عند إنشائه في أي بلد من بلدان نجد مما بلغنا خبره. لم يذكر المؤرخون كيفية بناء هذا السور، وإنما ذكروا نتائج بنائه، وأن الغزاة الذين غزوا بريدة بعد ذلك لم يستطيعوا اختراق ذلك السور، وقلت في (معجم بلاد القصيم) ولا أزال أقوله هنا إن هذا السور صمد لمدافع العراق المرسلة من الدولة التركية مع ثويني بن شبيب وإن مدافع مصر التي ربما كانت مرسلة من تركيا ووصلت إلى القصيم مع إبراهيم باشا قد عجزت عنه أيضًا. وقد سمعنا من ثقات الإخباريين كيفية إنشاء هذا السور الذي ربما كان في ذهن الأمير حجيلان بن حمد عندما كان يهم ببنائه، ما كانت تعرضت له

стр. 128

بريدة من هجمات المغيرين والغزاة عليها واحتلالها لاسيما في عام ١١٨٨ هـ بسبب عدم وجود سور حولها قوي محكم. قال الإخباريون بعد أن نضجت فكرة بناء هذا السور العظيم في نفس حجيلان جمع أهل القرى والحبوب التي تتبع بريدة، وقال لهم: نبي نبني على بريدة سور يحميها ويحمينا، وحمايتنا حماية لكم لأننا إذا أخذت ديرتنا أخذتوا أنتم، والسور لنا ولكم حتى أنتم تحتمون به إذا ضاقت عليكم الأمور. وقال: حنا أهل بريدة ما علينا ناقص رجال، عندنا رجال كافيين للعمل لكن علينا ناقص (دبش) أي دواب لأجل أن تنقل الطين الذي يبني به السور. وهذا صحيح لأن موقع بريدة رملي، ليس فيه طين صالح للبناء، وإنما يجب نقل الطين الحر من مكان آخر، والمكان الآخر الذي فيه الطين الحر ليس بعيدا، بل هو في الخبيب الذي كان لا يزال آنذاك، مغطى بطبقة طينية لكونه مستقرا لوادي الفاجرة الذي كان ينتهي عند السادة يركد في الخبيب. قالوا: فاتفقوا على أن يتحمل أهل الخبوب والقرى القريبة من بريدة إرسال دواب من الإبل والحمير وفق نصيب حدوده فعلى سبيل المثال بعض الخبوب عليهم أن يرسلوا إلى بريدة عشرة أباعر و ١٥ حمارًا، والخب الآخر والقرية الأخرى دون ذلك أو أكثر منه. وذلك كله من أجل توفير المقدار اللازم من الطين للسور. حدثني والدي ﵀ عن مشايخ الإخباريين أن الخلاطين وهم الذين يخلطون الطين الحر حتى يصير طينًا جيدًا للبناء كانوا يخلطونه في مكانه من السور قبل أن يرتفع فكان البعير يأتي وعليه حمله من الطين في مراحل تفتح من أسفلها وهي كالزبلان - جم زبيل - الكبيرة، وتكون عادة من الخصف وهو الحصير فيقفه صاحبه على أساس السور، وما كان أعلى منه قليلًا ويفرغ

стр. 129

الطين اليابس الذي يحمله في مكانه فيخلطة الخلاطون من البنائيين وهو في مكانه وذلك لكون السور عريضًا. وقد أدركت أقساما من سور حجيلان هذا فرأيت أن أسافلها يريد عرضها على مترين، وقد خلط الطين فيها خلطًا جيدًا قويًّا معمولًا كله بالعروق وليس فيه من اللبن شيء، والعروق الطين الذي يبني به، مفرده: عرق، وهو الذي يكون في نحو نصف المتر من الطين في الجدار فيترك ذلك العرق حتى ييبس، ثم يبني فوقه مثله وهكذا. وهكذا سار العمل المتقن الضخم في بناء هذا السور حتى صار عرضه وارتفاعه وقوته بالنسبة إلى ما يعرفه الناس في نجد وما كان في حكمها من قوة الأسوار التي كانت تبني من الطين، والجدار من الطين إذا كان عريضًا لم تستطع العوارض الجوية كالأمطار والرياح النيل منه. ودعم السور بأبراج عديدة وهي كالمقاصير والأبنية المحكمة التي تفتح إلى جهة البلد وتكون مغلقة من الجهة التي هي خارج السور فيدخل إليها من البلد عن طريق السور، ومهمة هذه الأبراج هي المراقبة والمدافعة، لأنه بدون وجودها يمكن أن يتسور أناس من الأعداء السور متخفين خلف جداره، ولكن الذين في البرج يرون من يكون خارج السور ولا يستطيع من يفعل مثل ذلك أن يخفي نفسه عمن يكونون فيها. وجعل مقاصير وهي أكبر من الأبراج في أركانه الأربعة وهي جمع مقصورة مبنية بناء محكما وفيها الخروق والعيون في حيطانها التي يرى من فيها من يكونون خارجها ولا يرونهم ويرسلون منها ما في بنادقهم على الأعداء خارج السور ولا يستطيع الأعداء رمي من في السور لضيق الفتحات فيه. وعندما استكمل بناء السور أعاد حجيلان على أهل الخبوب والقرى الحيوانات التي أرسلوها للإعانة على بناء السور.

стр. 130

متى بني سور حجيلان ؟ : تولى حجيلان على إمارة بريدة وما يتبعها من القصيم في عام ١١٩٤ هـ، وعندما غزا سعدون بن عريعر بريدة في عام ١١٩٦ هـ كان هذا السور كاملًا فصده ورده كما سجل ذلك المؤرخون في كتبهم الذين سنورد كلامهم ونعلق عليه بما سمعناه من الإخباريين مما يتعلق به إن وجد لدينا تعليق. وإذا كان حجيلان بن حمد قد أظهر الحزم والعزم والحكمة العالية منذ أول توليه الإمارة، فإنه قد بني هذا السور وكأنه ينظر بعين الغيب إلى شدة حاجة بريدة إليه. ونبدأ من كلام المؤرخين بما ذكره المؤرخ الحصيف عثمان بن بشر عما فعله سعدون بن عريعر الذي قدم بجيش جرار إلى بريدة يريد أن يهاجمها ويقضي على نفوذ الموالين للدولة السعودية في القصيم، ثم يذهب من ذلك - بزعمه - إلى القضاء عليها في الأماكن الأخرى ثم في مقرها في الدرعية. وذلك لكون ابن بشر واضح العبارة، كلامه خال من السجع وإلَّا فإن المؤرخ حسين بن غنام أحق منه بالبدءة بالكلام لكونه أقدم منه عهدًا، وقد سجل ذلك قبل ابن بشر، وقد زعم بعض الباحثين أن ابن بشر أخذ الكلام على هذا وأمثاله من ابن غنام، وإن لم يصرح بذلك. قال ابن بشر في حوادث سنة ١١٩٦ هـ (١): ثم دخلت السنة السادسة والتسعون بعد المائة والألف، وفيها أجمع أهل القصيم على نقض البيعة والحرب، سوى أهل بريدة والرس والتنومة، وقتلوا كل من ينتسب إلى الدين عندهم خصوصًا المعلمين الذين يعلمونهم أحكام

стр. 131

الشريعة، فحضر كافة رؤساء القصيم يوم الجمعة وأبرموا أمرهم، وتعاهدوا وأن كل أهل بلد يقتلون من عندهم في يوم معروف، ولم يشعر بذلك أحد، فلما مضوا إلى بلدانهم أرسلوا إلى سعدون بن عريعر يخبرونه بذلك واستحثوه بالقدوم عليهم، فبادر في الحال وأمر بالرحيل واستنفر العربان فأقبل بجنوده فحين قرب من القصيم، قام أهل كل بلد وقتلوا من عندهم من العلماء المعلمة، فقتل أهل بلد الخبرا إمامهم في الصلاة منصور أبا الخيل يوم الجمعة وهو قاصد المسجد، وقتل ثنيان أبا الخيل وقتل آل جناح رجلًا عندهم من أهل الدين والصلاح ضرير البصر وصلبوه بعصبة رجله وفيه رمق حياة، وقتل آل شمس (١) أميرهم علي بن حوشان، وفعل أهل البلدان ذلك الفعل وأقبل سعدون بعدده وعدته، وجمع جموعًا من بني خالد وغيرهم. واستنفر الظفير وعربان شمر ومن حضر من عربان عنزة فأقبلت تلك الجموع ونزلوا بريدة وأحاطوا بها، وبادر منهم رجال القتال فظفر بهم أهل البلد وقتلوهم، وأرسلوا رؤوسهم إلى سعدون فامتلأ غيظًا وغضبًا، وقال إن ظفرت بأهل هذه البلدة قطعتهم إربًا إربًا. وحين نزل بريدة أرسل إليه أهل عنيزة على سبيل الإكرام والامتثال من كان عندهم من معلمة أهل الدين وهما عبد الله القاضي وناصر الشبيلي، وقالوا: هذان كرامة لك، وهدية منا إليك فقتلهم سعدون صبرًا، ونالوا شهادة وأجرًا، وحمل من ذلك وزرًا. ثم إن سعدون لما رميت الرؤوس بين يديه، زحف على البلد بجنوده وحصل بينهم قتال شديد، فلم يحصل على طايل، ثم ساروا يومًا آخر على السور وراموا الصعود عليه وهدمه، فقاتلهم أهل البلد أشد القتال عنده فانهزموا عن

стр. 132

السور وتركوا قتلاهم، ثم رأى سعدون أن يسوق آلاته وجموعه ويهدمون سورها وبروجها، فأقبل بكيد عظيم يشيب من هوله الفطيم، وساقها عليهم وقت الصباح، وتتابع التنادب والصياح، فرجعوا ولم يحصلوا على طائل، فتحسر سعدون لذلك وأرسل إلى أعوانه من أهل القصيم وغيرهم يشاورهم فيما يكيد به أهل بريدة فاتفق رأيهم أن يعمل مدفعًا كبيرًا يهدم به السور، فجمع له أعوانه من أهل القصيم كثيرا من آنية الصفر والنحاس، وجمع المعلمة وأهل الصنعة والمعرفة من الحدادين والنحاسين والصواغين، فقاموا يعالجون صب المدفع وصنعته فكلما أفرغوها في القالب خبت، وكلما أوقد عليها نار فسدت، ففسد عملهم ولم يتم لهم أملهم، فقاموا يراوحونهم ويغادونهم القتال، ويسوقون عليهم الأبطال في الصبح والمساء، والنصر لأهل بريدة في زيادة وثبت الله فيها عباده. وفي أثناء هذه الحرب بني سعدون قصرًا قريبًا من البلد وأتمه، وجعل فيه رجالًا من قومه، فانتدب إليه رجال من أهل البلد فهدموه وقتلوا أهله. وفي أثناء تلك المدة أغار سعيد (١) بن عبد الكريم أمير الرس ورجال من بلده على سارحة سعدون، فأخذوا غنم سعدون وهي أربعمائة. ثم عدا رجال من أهل بريدة على بيت من الشعر جعله عبد الله بن رشيد، رئيس عنيزة للحرب فأخذوه، وجروه وقتلوا فيه أربعة رجال، وكان رئيس بريدة يومئذ والمقوم لهذا الحرب والثابت في هذا الضرب والكرب، حجيلان بن حمد من رؤساء آل أبي عليان (٢). وفي كلام ابن بشر ﵀ هنا ما يقتضي التعليق، منه قوله: وقتل آل جناح رجلًا عندهم من أهل الدين والصلاح ضرير البصر وصلبوه بعصبة رجله وفيه رمق حياة.

стр. 133

فهو لا يريد أسرة (آل جناح) وإنما يريد أهل قرية الجناح الملاصقة المدينة عنيزة ومن ذلك قوله: وقتل آل شمس أميرهم علي بن حوشان، ولا يوجد في القصيم من أهل بريدة وما حولها من اسمه آل شمس وإنما هذا تحريف من النساخ صحته وقتل (آل شماس) والمراد بذلك أهل بلدة الشماس الواقعة إلى الشمال الغربي من مدينة بريدة القديمة، وذكرت إيضاحا عنها في (معجم بلاد القصيم) حرف الشين، والمراد ليس أسرة الشماس فبلدة الشماس سميت بأسرة آل شماس الذين أسسوها، ولكنها أصبحت بعد ذلك بلدة مزدهرة فيها طوائف من السكان من أسرة (الشماس) وغيرهم. وقوله: ويادر منهم أي من القوم الغازين رجال القتال فظهر (بهم) أي لهم أهل البلد وقتلوهم وأرسلوا رؤوسهم إلى سعدون (بن عريعر) فامتلأ غيظًا وغضبًا. وإرسال رؤس قومه إليهم فيه شك لاسيما أنهم قتلوا في معركة خارج البلد، وجيش سعدون ينظر إليهم ويعرف ما فعلوا وما فعل بهم. ومثل ذلك ما ذكره ابن بشر ﵀ من أن أهل عنيزة أرسلوا إليه من كان عندهم من معلمة أهل الدين - جمع معلم - وهما عبد الله القاضي وناصر الشبيلي، وقالوا: هذان كرامة لك، وهدية منا إليك فقتلهم سعدون صبرًا، والقتل صبرًا أن يقتل الإنسان بعد إمساكه أو تسليمه لمن أمسك به. وقوله: وفي أثناء ذلك أغار سعيد بن عبد الكريم أمير الرس ورجال من بلده على سارحة سعدون، فأخذوا غنم سعدون وهي أربعمائة. أقول: ينبغي أن نتذكر أن الرس هو البلدة الثالثة في القصيم التي لم تنضم إلى التمرد على الدولة الإسلامية السعودية، لم تشايع سعدون بن عريعر والثالثة هي (التنومة). وثانيًا أن الذي نعرفه أن أمير الرس الذي أغار على غنم سعدون وغنمها

стр. 134

أي أخذها منه هو سعد بن عبد الله الدهلاوي أمير الرس وهو من أسرة آل أبي الحصين أهل الرس وحكامه الذين كان جدهم الأول يسمى (حصيني) على لفظ تصغير حصني بمعنى الثعلب، فنسبوا إليه وآل أبو الحصين هم أمراء الرس من قديم الزمان وحتى الوقت الحاضر. وقول ابن بشر ﵀: ثم عدا رجال من أهل بريدة على بيت من الشعر جعله عبد الله بن رشيد رئيس عنيزة للحرب، فأخذوه وجروه وقتلوا فيه أربعة رجال. هذا يحتاج إلى إيضاح هو ما سبق من كون أهل عنيزة قد ارتدوا مع أكثر أهل القصيم، ولذلك قبضوا على من كانوا عندهم من الذين يعلمون الناس دينهم وأرسلوهم إلى سعدون بن عريعر وهو محاصر بريدة فقتلهم كما سبق. فأراد عبد الله بن رشيد - بكسر الراء والشين - أمير عنيزة أن يقوم بعمل عسكري يسهم به في مساعدة سعدون بن عريعر والمرتدين الآخرين، وذلك في الإسهام بالعمل على هزيمة أهل بريدة فأنشأ في مكان يسمى (النهير) واقع إلى الجنوب من بريدة في شمالي نخيل الصباخ بيتًا من الشعر جعل فيه سلاحًا وجنودًا من أجل أن يضايقوا المدافعين عن بريدة، ويضغطوا عليهم من تلك الجهة الجنوبية التي هي جهة الذي يجيء من عنيزة إلى بريدة. وكان بين (النهير) المذكور وبين بريدة القديمة التي كان يضمها السور مسافة من الفراغ من النخيل. وهو أمن أن يخرج المقاتلون من أهل بريدة على بيته من الشعر هذا لأنهم محاصرون حصارا شديدا، ولكنهم عرفوا بوجود هذا البيت فخرجوا من السور، وهاجموه وكان فيه وقت الهجوم ستة رجال فقتلوا منهم أربعة وفر اثنان وأخذ أهل بريدة ذلك البيت وما فيه من السلاح.

стр. 135

وهذا يفسر ما فعله حجيلان بن حمد بعد ذلك بنحو خمس سنين عندما ساعد الإمام سعود بن عبد العزيز على غزوه لأهل عنيزة الذين كان أميرهم هو نفسه الأمير عبد الله بن رشيد، ونشأ عن تلك الغزو سيطرة آل سعود على عنيزة وإجلاء أميرها عبد الله بن رشيد عنها. وهناك أمران مهمان لم يذكرهما ابن بشر ﵀ وقد ذكرهما الإخباريون وقعا أثناء حصار بريدة، أولهما: أن سعدون بن عريعر اتفق مع أهل الشماس البلدة المجاورة لبريدة أثناء حصار بريدة على أن أناسًا من كبار أهلها أي أهل بريدة المناوئين لحجيلان بن حمد يقومون بثورة عليه من الداخل فأرسلوا سرًّا وبوساطة من لا يؤبه لهم من نساء أو أراذل أناس إلى بعض أهل بريدة ذكروا منهم سليمان الحجيلاني وابن حصين هكذا، ذكر اسم هذين الشخصين منهم المؤرخ ابن غنام. ولكن حجيلان علم بذلك فرصد لهم حتى إذا جاء الشخص الذي كان كلف بان يتصل بهم أمسك حجيلان بأولئك المتآمرين، وقطع رؤسهم وأعطاها ذلك الرجل لكي يعطيها لسعدون بن عريعر هدية له! ! ! وهذان الرجلان يوجد سبب لاشتراكهما في المؤامرة ضد حجيلان، أمير بريدة التي هي مؤامرة ضد أهل بريدة الذين ظلوا صامدين تحت الحصار، بقيادة أميرهم القوي فالأول وهو سليمان الحجيلاني هو من فرع الدريبي الذي كان يناصب فرع الحسن الذي ينتمي إليه حجيلان العداء ويتربص به الدوائر لكي ينتزع الإمارة منه. وأما الثاني: وهو ابن حصين فإنه من أسرة الحصين الآتي ذكرها في حرف الحاء من أهل الشماس القدماء، ولهم مصلحة في هزيمة حجيلان بن حمد لما كان بين أهل بلدة الشماس وأهل بريدة من اقتتال وتنازع وهما متجاوران، بل متناظران ينظر أحدهما إلى الآخر، وقد علم الحصين وغيره من

стр. 136

أهل الشماس أن حجيلان سوف يفعل بأهل الشماس إن انتصر ما لم يفعله بغيرهم وما لم يفعله بهم في السابق. وقد حدث هذا بالفعل. إذ ما أن انتهى الحصار حتى طلب حجيلان من أهل الشماس أن يرحلوا عنه إلى الأبد، وقال لهم عند ما جمع أعيانهم وكبارهم عنده في بريدة: إن بلدكم الشماس كان منذ القديم يناصب بريدة العداء، وكنتم دوما شوكة في جنب بريدة لم يأت إليها مهاجم إلَّا ساعدتموه على الهجوم عليها، ولا اعتدى عليها معتد إلَّا كنتم معه عليها، وآخر ذلك وقت أن اعتدى علينا سعدون بن عريعر، وحاصر بلدنا أكثر من أربعة أشهر، لذا لا يمكن أن نسمح بأن يستمر ذلك، ولذلك لا يمكن لكم أن تبقوا في بلدتكم الشماس، بل يجب أن تهجروها كلكم وسوف نهدمها بعد أن تغادروها إن استطعنا إلى ذلك سبيلًا، ولكم مهلة كذا يومًا لكي ترحلوا عنها. فالذي يريد منكم أن يدخل إلى بريدة ويقيم عندنا مثل سائر أهلها، حياه الله، والذي يريد منكم أن يذهب إلى أبناء عمه الذين سبقوه إلى سكنى الشماسية يمكنه أن يفعل ذلك، والذي يريد أرضا يعمرها ويتعيش منها فهذه الثوب عارضة جنبها - يريد خبوب بريدة - وفيها أماكن واسعة غير معمورة، بل فيها خبوب خالية من العمارة يمكنه أن يعمرها، ويقيم فيها وسوف نساعده بما نستطيع على ذلك. أما أن تبقى بلدة الشماس على الوجود بعدما حصل علينا منها، فإن ذلك غير ممكن. قال الإخباريون: ولما كان أهل الشماس يعلمون جدية الأمر أخذوا في الجلاء عن بلدتهم الشماس، وقال لي والدي ﵀، إن بعض أهل الشماس من الذين كانوا بنوا بيوتهم بناء جديدًا صاروا يهدمون سقوفها ويأخذون الخشب الجديد الذي كانوا سقفوها به.

стр. 137

ورحل أهل الشماس كلهم عنه فصار بعد مدة أثرًا بعد عين، ولم يبق منه يغالب الأيام إلَّا مرقبه العالي القوي الذي عمر دهرا قبل أن يسقط، وأدركته أنا مؤلف هذا الكتاب قويا شامخا في عصر الستينات من القرن الرابع عشر. قال الإخباريون: فانقسم أهل الشماس الذين غادروه إلى ثلاثة أقسام: قسم ذهب إلى أبناء عمه ومواطنيه الذين كانوا سبقوه إلى سكنى الشماسية التي كان أهل الشماس قد أعدوها قبل ذلك لمثل هذا اليوم، وأسموها الشماسية، على اسم بلدتهم تلك الشماس وسكنها بعضهم، وقسم دخل إلى بريدة وصار من أهلها، وقسم ذهب إلى الحبوب الغربية وبعض الأسر ذهب بعض أفرادها إلى الشماسية وبعضهم دخل إلى بريدة مثل الفوزان الذين منهم العثمان والسابق، ومن بين الذين ذهبوا إلى الخبوب الصمعاني والرميان والحمود الذين منهم الضبيب والجمعة الذين نبتت عندهم التمرة السكرية المعروفة التي كانت تسمى في أول الأمر وقبل أن تشتهر بسكرة الجمعة، ثم بالسكرية فقط، وبعض الناس كانوا يسمونها في القديم (نبتة الجمعة)، وذلك في نخلهم في حويلان. ولكن الأسر التي ذهبت إلى الخبوب ذهب منهم أناس إلى الشماسية أو النبقية أو أماكن أخرى، بمعنى أن بعض الأسر تفرق أفرادها. ومن الأسر التي دخلت إلى بريدة (الشماسي) والزايدي الذين ذهب بعضهم إلى النبقية وذهب بعضهم إلى بريدة والرديني والصنات الذين تفرقوا كذلك بعضهم ذهب إلى خب الشماس وبعضهم دخل إلى بريدة، وهكذا. وهذا هو الذي سمعناه وحفظناه من الثقات، ولكنني سمعت من أهل الشماسية أخيرا أن أهل الشماس لم يسلموا لحجيلان بن حمد بالانتقال من بلدتهم، وإنما قاتلوه فلما لم يظفروا بشيء خضعوا لأمره، وهذا مستبعد لأنهم كانوا لبثوا أثناء وجود سعدون بن عريعر محاصرًا لبلدة يقاتلونها أشهرًا ولم يظفروا بهزيمتها، فكيف يستطيعون قتالها بعد ذلك، وقد أيد ابن غنام هذا الرأي الأخير.

стр. 138

عرس حجيلان بن حمد: عندما طال الحصار على أهل بريدة واستمر، وبينما كان سعدون بن عريعر ومن معه من الذين كانوا يحاصرونها ينتظرون أن تستسلم سمعوا في إحدى الليالي ضربا على الدف وغناء صادرا منها فسألوا عنه فقالوا: هذا الزواج الأمير حجيلان، فعلموا أنهم وحصارهم لم يؤثروا على أهل بريدة، وكان ذلك مما جعلهم يتيقنون من أنه لا فائدة لاستمرار حصارهم فرحلوا وتركوها. رحلوا عن بريدة وتركوها، ولكن أهل بريدة لم يتركوهم، فقد صاروا يلاحقونهم بشن الغارات عليهم كما قال ابن بشر ﵀: "وفيها ركب من أهل بريدة في أثر سعدون رجال، فوافقوا قافلة معها هدم ظاهرة من الشمال رئيسهم النفيش، فوافقهم بأرض المستوى فأخذوا أموالهم، وقتلوا رجالهم وكان معهم مال كثير لأهل المدينة فأمر عبد العزيز برده إليهم، ولم يبق منه شيء" (١). رواية ابن غنام: وهذا نص ما أورده المؤرخ حسين بن غنام في تاريخه الذي عنوانه روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام، وتعداد غزوات ذوي الإسلام) وهو أقدم من ابن بشر عهدًا، بل إن هذه الوقائع حدثت في حياته، ربما كان ابن بشر قد استوحي ما ذكره هنا أو بعضه من تاريخ ابن غنام كما يراه بعض الباحثين وإن لم يصرح ابن بشر بذلك. ولا يعيب كلام ابن غنام هذا إلَّا بعض السجع المتكلف أو الذي لا لزوم له، وإلا فإنه يوضح العبارة وسجعة متكلفة واحدة ربما تجلو المراد من جملة أو جمل فيه أو توضحه.

стр. 139

وسوف نعلق على كلام ابن غنام ما نراه يحتاج إلى تعليق، وبخاصة ما كان يريده من معنى الارتداد الذي ظاهره الارتداد عن الإسلام، وابتغاء دين غيره، وإن لم يقل إن أهل القصيم الذين وصفهم بالمرتدين قد استبدلوا به دينًا آخر، وإنما ذكر ارتداد أهل القصيم ما عدا بريدة والرس والتنومة، وذلك يحتاج إلى إيضاح وبخاصة للقراء في هذا العصر، وقد حذفت من كلامه بعض السجعات والمترادفات التي لا لزوم لها. قال ابن غنام في تاريخه (١): وفيها جرى ذلك الأمر العظيم والخطب المدلهم الجسيم وهو ارتداد أهل القصيم، فقدر المولى الرحيم أن يرتعوا في ذلك المرتع الوبي الوخيم، وذلك أن كافة أهل القصيم إلَّا بريدة والرس والتنومة لما أراد الله تعالى عليهم المسكنة والذلة وقضى عليهم في سابق الأزل بالهوان والمذلة، اجتمعوا على الغدر بأهل الدين وقتل من عندهم من أهل التوحيد وخصوصًا المعلمين فحضر كافة رؤسائهم وكبرائهم وقدمائهم في ذلك الوقت والزمان، يوم الجمعة في خفي مكان فتفاوضوا الأمر وأبرموه وشدوا عقدته وأحكموه، وتعاطوا بينهم الأيمان والعهود وحققوا الوفاء بالعقود على تقل أهل كل بلد من عندهم من المسلمين موجود، في يوم معين عندهم معدود، وزمن مؤجل معروف وقته مشهود، فحين تم ذلك الأمر وانقضى انصرف كل إلى بلده ومضى، ولم يكن عند المسلمين من ذلك خبره إلَّا أنهم على ما يصدر عليهم في حالة يقين ورضى، فأرسل أهل تلك الأوطان إلى سعدون بن عريعر يخبرونه بذلك الحال والشأن، حتى يقدم ومن معه من البدوان، فكان قدوم ذلك الرسول عنده هو المني والسول، فبادره بإعطاء البشارة بعدما أعلمه بالمأمول، وأنه سريع الحصول

стр. 140

فبادر إلى الأمر في الحال وآذن في جميع البوادي بالارتحال، فأقبل بنو خالد كافة وعنزة وجدوا في السير والإقبال، تعجيلًا لذلك المرام الذي لم يخطر له على بال، وقد داخله من السرور والاستيناس ما لا يعرف حدّه ولا يقاس، وقال: الآن حان الزمان أن يفي فننتهز الفرصة ونشتفي، وقد قرب أن يطلع لي بأفق نجد نجم العز والفخر والمجد. فسار بمن معه من الحماة والكماة والأنصار يريد أهل تلك الديار، حتى ينجز منهم ما در وصار، ولسان الحال يتلو عليه ولكن لا تأمل ولا اعتبار ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾. وحين قارب أن يلقي عصى السير والترحال ويحط عن الظهر الأثقال في أرض تلك البلدان أسرع أهل الشر والعدوان وشرعوا الأسنة على أهل الإيمان، فقتل أهل الخبراء إمامهم في الصلاة منصور أبا الخيل يوم الجمعة وهو للصلاة مريد فقطعوا منه الوريد، وقتل ثنيان أبا الخيل وقتل آل جناح رجلًا من أهل الدين مكفوف البصر وصلبوه بعصبة رجله وفيه رمق من الحياة، وقتل آل شماس أميرهم علي بن جوشان، وفعل بقية أهل البلدان مثل ذلك الفعل والشان. ومن لطف الله تعالى بأهل بريدة وسلامتهم من الشيطان وكيده، وتوفيق الله لهم وكرامته، وحفظه لهم وعنايته، أن سليمان الحجيلاني وابن حصين وغيرهم عزموا على الردة وثبت ذلك عند حجيلان، فلما أقبلت تلك العربان بادر حجيلان إلى قتلهم فقتلوا ولم يدركوا ما أملوا ثم أرسل إلى سعدون بن عريعر أهل عنيزة على سبيل السلام والإكرام وإظهار المبادرة في الامتثال والاعتزام من عندهم من معلمة الأحكام ومفهمة التوحيد الذي خلقت لأجله الأنام، وهما عبد الله القاضي وناصر الشبلي وقالوا هؤلاء إليك قربة ومن تقرب

стр. 141

إلى الله تعالى قد كفر ذنبه، وهم منا إليك هدية وليس في قتلهم علينا ولا عليك عار ولا ازر ولا خطيَّة، فجرد عليهم صارمه وبأسه وأسقي كلًّا من طرف الحمام كاسه، فلبس من الخزي لباسه، فقتلهم حين جاءوه صبرًا فنال من مولاه ذنبًا وازرًا، وحقق الله تعالى لأهل الدين شهادة وأجرًا. فلما استقر في تلك الفجاج الفسيحة الواسعة مع تلك الجيوش والأسلاف الهايلة المنيعة لبس أهل الشر والفساد وأهل الشقاق والنفاق والعناد من أهل تلك الأوطان والبلاد ملابس السرور والفرح، وزال عنهم ما كان في قلوبهم من الهم والأسا والترح وجاءت منهم جموع وأجناد وأنصار وأمداد. ولما نزل بذلك المحل عجل الله لأناس من جماعته الأجل فبادروا إلى بريدة في الإسراع قالوا: همنا حصول الأطماع، فلم يؤب إليه منهم إلَّا الأقماع، فداخله الرعب والارتياع، حين أرسل إلى بريدة يريد الخيانة فأرسلوا إليه تلك الرؤوس وقالوا هذه ضيافته لشيمة الإقامة والجلوس، فتشيط غيضًا وغضبًا وإلى إن ظفر بأهلها أن يقطعهم إربًا إربًا، وشمر إلى أهلها في المنازلة، وكانت منه إليها معاجلة، ولم يحسب أنها تبقى إلى أمد بعيد فضلًا عن كونه يرجع عنها ولا يفيد، بل جزم أنها مفتوحة عن قريب، وأن سعيه لا يضيع ولا يخيب، فآب أول يوم للمنازلة بالخيبة والحرمان، والقتل والذل والهوان، وقتل جماعة من قومه في ساعته تلك لا يومه. ثم عاود الحملة يومًا آخر على السور فرجع منقوصًا موتور، وقتل من أولئك الحمر السود كل من رام الهدم للسور والصعود، بقيت قتلاهم لا تنقل ولا ترفع للدفن، ولا تحمل، بل بقي غالبهم ملقى مهمل، غير أنهم صاروا للعاويات (١) مائدة، فهي إليهم تلك الأيام كل حين قاصدة، وصادرة وعايدة.

стр. 142

فبقي أيامًا حائرًا متندمًا ثم أجمع رايه وعزمه محققًا مصممًا، أنه يسوق عليهم جميع الآلات والخلق مزدحمًا ويلجها بعد هدم بروجها وأسوارها مقتحمًا وأنه يعاقب من الجيوش من لم يره متقدمًا، فنهض إلى إنجاز ذلك العزم وانفاذ تلك الهمة والحزم، وبادر على تؤدة من الصباح متيمنًا، بالبكور في النجاح وحصول الأرباح، فأقبل بكيد عظيم مهول يحق للألباب عند رؤيته الإزالة والذهول، فصبر أهل الدين وصابروا، وجد أهل الباطل وكابروا، وراموا اقتحام البروج والسور وهدم تلك الحصون والقصور، والهجوم على أهل تلك الدور، فثبت الله لأهل الحق القلوب ولم يكن أحد منهم بمذعور ولا مرهوب. فرجع سعدون ولله الحمد مذعورًا مرعوب، مهزوما مغلوب، وما أغنى عنه ذلك الكيد شيئًا، وكانت له الذلة والمقتلة فيئا. ثم بعد ما صدر منه ما صدر وجرى منه ما تبين وظهر عض من الغيظ الأنملة، حيث لم يرجع بما كان أمله، وبقي على أفعاله السالفة وقضاياه التي هي للشرع مخالفة متحسرًا متأسفًا. فتفاوض مع أولئك الرؤساء الذين هم لا يزالون عنده جلساء، فيما يدفع عنه الهم والحزن والآسى. واتفق الرأي السديد الجامع والأمر الذي هو المراد قاطع وللعدوان مذلة قامع وللمقاتلة مزعج وادع إنك إن نصبت لأجل هدم السور مدافع ويأتي لها بحكم ومدافع، فلا يبقي لأهل البلد عن ذلك دافع، ويصير لك معاند ومشاقق متابع، ولحكمك منقاد طايع، فأجابهم أن هذا هو الرأي السديد وسينجز هذا قريبًا غير بعيد، فشرع في أسباب ما كان لهم به مجيب، وإنجاز ذلك الأمر الذي هو في زعمهم صايب مصيب. وجمع له أهل تلك الأوطان من جميع البلدان من أنواع الصفر جملة وأنجزوا له في قريب مدة ومهلة فلم تمض من الأيام مدة، حتى اتفق عنده من ذلك عدة، وشرع في صبها الصانع، فكان في أحكام هبئتها طامع وأقام يعالجها

стр. 143

في أحكامها أياما لم ينل من ذلك مرامًا بل حاز ذلة وخيبة وأثامًا وأطال في ذلك الأمر مكثًا ومقامًا، وكلما صبها أبت وكلما أفرغها في القالب خبت، فلم يتم لها حال ولا استقامة، ولم يدرك منها مقصوده ولا مرامه، وعرف في باطنه أن لهذه شأن وأن لم يفه بذلك لسان. وكل يوم أو غالب الأيام يجري قتال وجلاد، مع أولئك الأقوام وأهل الدين والهدى لم يبالوا بمقام أهل الردي، بل كل يوم من الحزم في مزيد ومن البأس والنصرة في تجديد، ومن الله تعالى في إعانة وتأييد، فكان حالهم عبرة من الله تعالى للعبيد، وأية يستيقنها قلب كل جبار عنيد. وفي أثناء تلك الإقامة بنى قصرًا وأنجز اتمامه، وجعل فيه عدة من الرجال وذوي الباس في المجال، وكان موضع ذلك القصر ليس إلى الحلة إليه من سبيل فانتدب المسلمون إليه ليلًا فنالوا من مرادهم نيلًا، وقد أعلمهم أهل الإسلام إنهم يريدونهم جنح الظلام فعجلوا لهم بالأعلام وبادروهم في ذلك القصر فهدم وازيل وبقي كل من فيه مجندلًا قتيل ولم ينج منهم سوى واحد، وكان بالخبر عن قومه وارد. وفي أثناء تلك المدة أغار سعد بن عبد الله أمير الرس مع جماعة من قومه على سارحة أولئك الأعراب فأخذوا غنم سعدون وكانت نحو أربعمائة في الحساب تسمى تلك الغنم الدغيموات كثير من غنم تلك البريات. وفي أثنائها أيضًا عدا أهل بريدة على بيت من الشعر جعله عبد الله بن رشيد للحرب من التيه والبطر، وكان فوق النهير مشهورًا وفيه آلات للحرب وزهبه فأضحى لديهم مجرورًا وقتلوا فيه أربعة رجال ورجعوا في ضحوتهم في أحسن حال. فلما مضت من الشهور مدة نحو خمسة في العدة، وتحقق له من مراده الحرمان والخيبة وأراد لأهله الانصراف والأوبة، عزم على اقتحام البلاد

стр. 144

والدخول على أولئك العباد، وقد صنع منتريسًا من الخشب يسمى عجلًا عند أولئك العرب، يرد الرصاص عن من فيه فلا يضره ولا يؤذيه، فلما ساقوه إلى مرقب البلد وكان في ذلك المرقب عشرة من العدد، تكلموا مع أهل المرقب وذلك أن عثمان آل أحمد استفتح وهو مع ساقة العجل وجد في الدعاء واجتهد، ورفع صوته وقال بفصيح اللسان والمقال: اللهم انصر من هو منا على الحق فأمن على دعائه أولئك الخلق وصار أهل المرقب عند سماعه من المؤمنين، فكانوا هم أهل الحق فلذا صاروا من سطوتهم مؤمَّنين، وحاولوا فيهم نكاية، فلم يحصلوا على غاية، واجتهدوا أن يدركوا إليهم وصولًا، فلم يجدوا إلى ذلك سبيلًا ورد كل منهم خاسرًا خايبًا ذليلًا وترك أكثرهم ذليلًا. ثم بعد ذلك حمل على البلد حملة هايلة وأصبحت تلك الأمم عليها صايلة وعلى جميع أركانها جايلة، وإلى تسور الأسوار مايلة، يساقون بالسيف من أعقابهم في مسيرهم وذهابهم، فازدحموا عند السور والبروج، فلم يفوزوا منها بصعود ولا عروج، بل قطعت عندها الحناجر، وأعان الله تعالى من بها من محاصر، وكان له عونًا وناصر، فطار عند ذلك الاقتحام وهول ذلك الازدحام كثير من الروس والهام من تلك الأقوام، وانقلبوا بخيبة المقصود والمرام، من ذلك البأس والإقدام، فلم تسر إليها بعد ذلك أقدام ورجع أهل الحق بالفوز والأجر الجسيم، والعناية والقبول من الله الكريم، كما قال سبحانه في الذكر الحكيم: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾. وارتحلت قبائل أولئك الأحزاب والعربان عن ذلك الموضع والمكان بأمر عظيم من الخزي والهوان. ولما سارت تلك العشاير خرج حجيلان ومن معه مسارعًا مبادر، ففاجأ

стр. 145

بريدة آل شماس وقتل من وجد بها من أولئك الناس، فأوقع بها النقمة والبأس، وخرج غالب أهلها نايرين مع تلك الجيوش السايرين، وعرفوا أنها ليست لهم بدار مقام، فهربوا مع أولئك الأقوام، وشدوا في الانهزام، ثم بعد صدور تلك القضية وانصراف العساكر بالرزية، ضاق وسيع الفجاج على من ساعد ذلك المنهاج، وانزعجت قلوبهم أشد الانزعاج، فلم يجدوا عن الدخول في حوزة الإسلام بدا ولم يبصروا سواه قصدًا. فأقبلوا على حجيلان يريدون الإسلام والإيمان، وأعطاهم الأمان وأجابهم إلى ذلك الشان، بعد ما شرط عليهم النكال، فكل بذلك دان وأقبلوا إليه مسرعين وحدانًا ومجتمعين، ووفدوا بلدًا بلدًا، ولم يبق إلَّا أهل عنيزة بُعدًا. وفيها غزا ركب لأهل بريدة في أثر سعدون يطلبون الاختلاس من تلك البوادي ويريدون، فوافقوا ظهرة مع النفيثي بأرض المستوي، فكان ذلك الركب لجميع الظهرة محتوي، وقتلوا جميع الرجال وأخذوا ما معهم من الأموال، وقد كان مع تلك الظهرة لأناس من أهل المدينة مال كثير، فأمر بأدائه عبد العزيز الجليل منه والحقير، فأدَّى تامًا من غير نقص ولا تغيير، لأنها كانت أوقافًا وأحباس، فلم يرد أخذها لأولئك الناس، وإن لم يكن فيه معرة ولا بأس (١). إنتهى كلام ابن غنام. والتعليق على كلام ابن غنام كالتعليق على كلام ابن بشر فيما لا يحتاج إلى تعليق وهو مناعة سور بريدة الذي أقامه عليها حجيلان بن حمد الذي صمد أمام زحف تلك الجموع بما معها من المال والرجال. وسيأتي أنه صمد أيضًا أمام هجوم ثويني بن شبيب.
следующие страницы →