لمحات تاريخية:
بلادنا لم تؤرخ والشخصيات الفاعلة المؤثرة فيها لم يدون التاريخ شيئًا ذا بال عنها، ما عدا لمحات أشبه بالإشارات المبتورة التي لا تذكر من الوقائع إلا كلمات لا تعلل سببها في الغالب، ولا تدلل على نتائجها.
وقد اشتكى المؤرخ النادرة عثمان بن بشر ﵀ من ذلك في تاريخه، فقال:
"وكان في أكثر نواحي نجد وقراها رسوم وعلامات، وهي مساكن أناس سلفوا في العارض والخرج والوشم والقصيم وسدير، وغير ذلك، ولا يعرف من سكنها، ولا ما فعل أهلها ولا ما فعل بهم، وذلك من تقصير علمائهم عن ذلك وعدم التفاتهم إلى هذا الفن، وكل علماء جميع الأقطار في الحرمين والشام ومصر والعراق والغرب وبلاد الروم وبلاد العجم وغير ذلك، أرخوا أوطانهم، وأرخوا من بناها وسكنها وتولى فيها وما حدث فيها من الحروب، وأرخوا أيضًا علماءهم ومن أخذوا عنه ومن أخذ عنهم، ولا سمعنا بأحد من علماء نجد وضع شيئًا من ذلك، فالله المستعان" (١).
انتهى كلام ابن بشر.
لذلك سرت هنا على ما سرت عليه في (معجم بلاد القصيم) من ذكر النص التاريخي المثبت في أحد الكتب، ثم التعليق على ما يحتاج فيه إلى تعليق من إيضاح أو تفسير أو نحو ذلك، مما حصلنا عليه بالمعلومات الشفهية التي سمعناها من كبار السن.
وقد يكون الأمر عكس ذلك، فنبدأ بحديث الإخباريين، ثم بالنص التاريخي، وهي مهمة في هذا الأمر لأنها كثيرًا ما تقيد شيئًا مطلقًا، أو توضح غامضًا أو تفصل مجملا.
стр. 72
مع أنها هي نفسها ضحلة، والرجال الذين يحفظونها هم في تناقص، إن لم نقل في تلاش، والذين نقلوا عنهم شفهيًا إن كانوا عقلوا ما نقلوه عنهم أصابهم أمران، إما يكون داء النسيان أو داء الهوى أو هما معًا.
ومع ذلك وجدت أن هذه هي الطريقة الممكنة للكتابة في هذا الموضوع.
وقد رتبت ذلك بحسب الكلام على ذكر بعض الأشخاص الأمراء أو البارزين الذين ورد لهم ذكر في التاريخ.
(آل أبو عليان) أسرة عريقة السكني في بريدة، كثيرة الفروع.
ومع ذلك كله فإن الوثائق عنهم شحيحة، مع أنه يفترض أن لبعضنهم أوقافا ووصايا، وبينهم مبايعات لأشياء مهمة من العقارات والمزارع والنخيل، ومع ذلك لم نر أكثر وثائقهم المظنونة.
والسبب في ذلك قلة عنايتهم كغيرهم من أهل نجد قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ بالكتابة والتوثيق فضلًا عن التاريخ والوقائع والأنساب.
وأمر مهم آخر وهو قلة صيانة الوثائق والمبايعات والوصايا ونحوها، إذ لا توجد في تلك الأزمان خزائن للكتب ولا لحفظ الأوراق، ولذلك كثيرًا ما تتلف الأوراق أو تشرف على التلف بعد مدة قصيرة من كتابتها كما رأينا ذلك في كثير منها، الذي سيأتي في تضاعيف هذا الكتاب.
إضافة إلى ما كان يعتري البلاد من حروب ومجاعات ومخاوف، يضطر بعض أهلها بسببها إلى هجر البلاد والذهاب عنها إلى بلاد أخرى، كالشام والعراق، أو الأحساء والخليج، وربما الهند.
وليس من المعقول أن يأخذ من يكون كذلك وثائقه معه، فيتركها عندما لا يحسن صيانتها ولهذا السبب رأينا بعضهم إذا أراد السفر أو حتى إذا خاف على
стр. 73
الوثيقة من التلف وهو في الغالب لا يقرأ ولا يكتب أودعها عند أحد المستقرين في البلدة ممن حالتهم المالية جيدة، بحيث لا يحتمل أن يهاجروا منها.
وأكبر مثال على ذلك ما عرفته شخصيًا من الشيخ فهد بن عبيد العبد المحسن فقد رأيت عنده زنبيلًا كبيرًا مليئا بالوثائق المهمة، وذلك في عام ١٣٦٥ هـ وأخبرني أنها من عهد والده، لأنه قارئ والناس يثقون به وبفطنته، بحيث إن بعضهم إذا أراد الرجوع إلى الوثيقة طلبها منه، وبعضهم يموت ولا يخبر أولاده بها، فتبقى عند عبيد العبد المحسن، وبعده تحولت إلى ابنه الشيخ فهد العبيد.
ولكن الشيخ فهد أخبرني أنه ضاق بها وأنه بدأ يعطي كل من ذكر اسم أسرته من وثيقة يعطيه إياها ولو لم تكن خاصة به، ويقول هذا أفضل من بقائها عندي.
ورغم ذلك كله فقد حاولت أن أجمع كل ما قدرت عليه خاصا بهذه الأسرة وأكثرها مذكور في الكلام على فروع الأسرة الذين ذكروا في الوثائق.
أول الأمراء من بني عليان:
قلنا: إن المراد بذلك الأمراء الذين تولوا الإمارة، ونوه بها المؤرخون والإخباريون، من تلك الأسرة من أمراء وحكام مع ملاحظة أن كثيرًا من الشخصيات البارزة فيهم غير الأمراء لم تذكر، بل لم ينوه بها أحد لقلة الكتابات التاريخية، وعدم الاحتفاظ حتى بإشارة من الإشارات إلى بعضهم، ولكن الإخباريين - بكسر الهمزة - نسبة إلى الإخبار بالشيء وليس الأخبار بفتح الهمزة جمع خبر، يكونون أشاروا إليها بإشارات عابرة، ونحن لا نملك هنا إلا أن نورد ما وصلنا من معلومات وما استنتجناه منها مفرقين بين ما سمعنا منها بنصه، وما استنتجناه من تلك الأخبار.
стр. 74
الأول راشد بن عبد الله الدريبي:
وهو الذي ذكر المؤرخون أنه أول الساكنين في منطقة بريدة من أسرة (آل أبو عليان) ويعتبرونه أول الأمراء من هذه الأسرة، ولكن ليست لدينا أخبار عنه في التاريخ المكتوب غير الجملة التي ذكرها ابن عيسى ﵀ من أنه أول من نزل من (آل أبو عليان) في منطقة بريدة، وهذه قد تفسر على أنه حاكم من تلك الأسرة كما قد تفسر على أنه ساكن منها في منطقة بريدة، من دون أن يتولى الحكم، والأول هو المتبادر إلى الذهن.
حمود الدريبي:
يأتي بعده بالذكر، وربما بالترتيب عند المؤرخين ابنه - كما ذكروا -: حمود الدريبي وهو أمير مشهور بذلك ذكر المؤرخون له أحداثا ووقائع تدل على أن بريدة كانت في عهده تحمل هذا الاسم، وأنها صارت ذات شأن، بحيث تتحارب مع جارتها بلدة الشماس، وبحيث يمتد الخلاف والتنازع بينهما إلى درجة أن يستعين بعض المخالفين لهم بأهل عنيزة وبأعراب من قبيلة الظفير على أهل بريدة.
كما أنه وجد في وقت كان اتضح فيه انقسام (آل أبو عليان) على أنفسهم حول إمارة بريدة، وعمق ذلك الانقسام إلى درجة أن حمود الدريبي قتل ثمانية منهم في جامع بريدة، وأنه قتل في السنة التي تلت قتلتهم تلك، وهذا يدل على أنه ليس الابن المباشر لمؤسس الأسرة في بريدة، إذ أن هذه التطورات لا تكون هكذا من القوة والاختلاف في عمر رجل كبير السن وهو المؤسس كما نعتقد إلى عمر ولده الأمير.
أقول: وجدت في أوراق عندي قديمة كنت كتبتها في عام ١٣٦٤ هـ نقلًا عن أوراق متعددة أن ذلك كان في عام ١١٥٣ هـ ونصها:
سنة ثلاث وخمسين ومائة وألف قتل حمود الدريبي رفاقته (آل أبو عليان) في مسجد بريدة قتل منهم ثمانية رجال، وفي السنة التي بعدها قتل حمود الدريبي المذكور.
стр. 75
أقول: وصف الذين قتلهم حمود الدريبي بأنهم رفاقته ليس المقصود من ذلك ما يتبادر إلى الذهن بأنهم أصحابه المرافقون له، وإنما المقصود أنهم من أسرته (آل أبو عليان).
ولم يحفظ التاريخ ولا الإخباريون أسماء أولئك الذين قتلهم حمود الدريبي، ولكن الذي لا مراء فيه أنهم من الفرع الثاني من آل أبو عليان، الذين هم من آل حسن، وهم الذين كانوا يتنازعون الإمارة على بريدة مع أبناء عمهم فرع الدريبي الذين منهم حمود الدريبي هذا ويتقاتلون معهم عليها.
والمراد بمسجد بريدة الوارد في هذا الخبر هو جامع بريدة لأنه لم يكن يوجد في ذلك الوقت، أي مسجد آخر غيره في بريدة، وهو الجامع الذي صار يسمى الآن (جامع خادم الحرمين الشريفين الملك فهد) لأنه وسعه وجدد عمارته على هيئة ممتازة جزاه الله خيرا.
وقد صرح الشيخ إبراهيم بن عيسى بأسماء الذين قتلهم حمود الدريبي في الجامع بأنهم أبناء عمه آل حسن من آل أبو عليان.
قال ابن عيسى: وفي سنة ١١٥٣ هـ قتل حمود الدريبي رئيس بلد بريدة بني عمه آل حسن من (آل أبو عليان) في مسجد بريدة قتل منهم ثمانية رجال (١).
وقال ابن عيسى: وفي السنة التي بعدها فتل حمود الدريبي المذكور، وآل أبو عليان من العناقر من تميم (٢).
قال ابن بشر ﵀ في سوابقه في حوادث سنة ١١٥٣ هـ: وفيها قتل حمود الدريبي رفاقته آل أبي عليان في بريدة قتل منهم ثمانية رجال (٣).
ولم يذكر مكان قتلهم الذي ذكر المؤرخون غيره أنه كان في جامع بريدة.
стр. 76
الأمير مقرن الحجيلاني:
لم أجد من ذكر هذا الأمير إلَّا الشيخ مقبل الذكير قال في حوادث سنة ١١٧ هـ: "في هذه السنة مات مقرن الحجيلاني وهو من آل أبو عليان أمراء بريدة.
وظاهر كلامه أنه أمير، وإنْ لم يكن ذلك واضحًا، ولم أجد من ذكره غيره من المؤرخين، كما لم أسمع من عرفه من الإخباريين.
ونعود إلى الحديث عن الأمير حمود الدريبي، فنقول:
قد ذكر ابن بشر عبارة محرفة من أصل الخبر عنده أو هي محرفة من النساخ، وتتعلق براشد الدريبي الذي ولي الحكم بعد والده حمود بن راشد الدريبي، وقد ذكر ابن بشر أنها وقعت لوالده حمود، فقال في حوادث سنة ١١٨٢ هـ:
وفيها سار سعود ﵀ بجنود المسلمين وقصد ناحية القصيم، وذلك أن حمود الدريبي رئيس بلد بريدة أرسل إلى عبد العزيز أن يبعث الجيوش إلى ناحيتهم ويكون عونًا لهم وناصرًا فلما أتى إليهم سعود بالجنود، نزل بباب شارخ من عنيزة، ففزعوا عليه فالتحم القتال بينهم، وقتل من أهل عنيزة ثمانية رجال منهم: عبد الله بن حمد بن زامل، وقتل من الغزو رجل واحد (١).
وقد رجعت إلى مخطوطة ابن بشر التي كتبت في حياته فوجدت النص فيها كما هو في المطبوعة.
إذ ذكر أن رئيس بلد بريدة هو حمود الدريبي وهذا وهم بدون شك لأن حمود الدريبي كان قتل قبل نحو عشرين سنة، وإنما الصحيح أنه راشد الدريبي، وكذا ذكره ابن عيسى (راشد الدريبي).
قال ابن عيسى: وفي سنة ١١٨٢ هـ سار سعود بن عبد العزيز ومعه
стр. 77
راشد الدريبي، رئيس بريدة، وقصدوا بلد عنيزة ونزلوا بالقرب من باب شارخ، فحصل بينهم وبين أهل عنيزة قتال، قتل فيه من أهل عنيزة ثمانية رجال منهم عبد الله بن حمود بن زامل (١).
وقد ذكر ابن بشر في سوابقه أيضًا وهي السنوات التي سبقت السنوات التاريخية المتسلسلة التي ابتدأها بابتداء دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ عبارة محرفة أيضًا، ذكر أنها وقعت في سنة ١١٥٥ هـ.
ونصها:
"وفي سنة خمس وخمسين ومائة وألف، أخذ الشخيته والدريبي رئيس بريدة وآل جناح والظفير بلد عنيزة، ثم سطوا أهل الشماسية على بريدة ومعهم رشيد ومحد الرقراق وطردهم الدريبي عنها، وقتل حسن بن متعب (٢).
وصحة الشخيته فيها هي (الشخته) وصحة (الشماسية) هي الشماس.
ولم أجد هذه الفقرة في مخطوطة ابن بشر من أجل معرفة النص الصحيح فيها وإنما وجدت تصحيحها في عدة مصادر أخرى.
من ذلك قول ابن عيسى: في عام ١١٥٦ هـ في شعبان حصروا (الشماس) ومعهم رشيد رئيس بلد عنيزة، وبوادي الظفير (الدريبي) في بريدة ونهبوا الظفير جنوبي بريدة، وطردهم (الدريبي) عنها ورجعوا (٣).
فذكر أنها وقعت في عام ١١٥٦ وليس عام ١١٥٥ هـ، وهذا مهم جدا إذا اعتبرنا ما أجمع عليه المؤرخون الذين ذكروا هذه الواقعة بأن حمود الدريبي قتل في عام ١١٥٢ او ١١٥٤ هـ، فتكون هذه الواقعة حدثت على ابنه
стр. 78
راشد الدريبي الذي نفترض أنه تولى الإمارة بعده.
ويدل على أن المراد بالشماس بلدة الشماس قول ابن عيسى بعد ذلك مباشرة: وفي هذه السنة - يعني ١١٥٦ هـ - قتل الهميلي بن سابق شيخ الشماس من الدواسر، ورأيت في بعض التواريخ أن مقتل الهميلي سنة ١١٥٨ هـ.
وهذا إضافة إلى ما هو معروف لدينا من أخبار الإخباريين أن بريدة وبلدة الشماس كانتا تتقاتلان، وفي هذه المرة استعان أهل الشماس على أهل بريدة بأهل عنيزة وبقبيلة الظفير معًا (١).
стр. 79
الأمير راشد الدريبي:
والأمير راشد بن حمود الدريبي من أكثر أمراء آل أبو عليان حركة، بل وتقلبًا حسبما يراه من تثبيت الحكم له وإبقائه بيده، أو من عودته إليه إذا كان خرج منه.
ورد ذكره في أخبار الإخباريين ذا حيلة وإقدام، لا يخاف شيئًا في سبيل تحقيق غايته، وذكروا أنه بلغ من قوته وإقدامه أن انتقم من قبيلة الظفير التي كانت عاونت أهل الشماس ومن معهم من أهل عنيزة على بريدة في عام ١١٥٥ هـ.
وذلك مذكور عند الإخباريين من أهل بريدة ولم يذكره المؤرخون.
ومؤداه أن راشد الدربيبي فكر في حيلة ينتقم بها من هذه القبيلة وبعض الرواة ذكر أن القبيلة المقصودة هي عنزة وليست الظفير، ولكنني لا أظن ذلك صحيحا، لأن عنزة ظلت هي القبيلة التي تعتمد عليها بريدة في المساعدة على صد القبائل من الأعراب الذين كانوا يمتازون على أهل الحضر بما لديهم من الخيل المضمرة المعدة للحرب والمجاولة فيها، بخلاف أهل الحاضرة الذين كان جيشهم يتألف في الأكثر من الرّجَّالة وحاملي السيوف ومن الرماة بالبنادق.
كما أن النصوص التي ذكرها عن المؤرخين تدل على أنها (الظفير).
ويقول الإخباريون: إن راشد الدريبي والحاكم الذي قبله قد تأذوا من كثرة ما لحق ببريدة من تلك القبيلة وذلك أمر مفهوم السبب لأن الأعراب في تلك العصور كانوا على جانب كبير من الجهل بأمور الدين، وليست لديهم من السياسة والتدبير فيها ما لدى أهل الحضر.
فقال لرئيس القبيلة: إنكم تقيمون عندنا في القيظ وأطرافه ولكنكم ترحلون في الشتاء وما يلتحق به من الربيع والخريف فتبعدون، ولا نأمن من عدوان القبائل الأخرى على بلادنا إذا بعدتم عنها، وقد فكرنا في طريقة لابد فيها من
стр. 80
مساعدتكم لنا، وهي أن نبني سورًا حول بريدة، ومفالي غنمنا وبقرنا حولها.
قالوا: فأجابته القبيلة إلى ما طلب، وكان ذلك في وقت القيظ حيث يقطن الأعراب على المياه والموارد تاركين التجول في الصحراء بسبب شدة الحر، وعدم توفر الماء لمواشيهم في الأماكن البعيدة عن المياه.
فأخذ الدريبي يحضر الطين الذي يحتاجه السور المطلوب، وقد أدخل ذلك السور المكان الذي قد أناخت فيه إبلهم، وكانوا ينيخونها به في العادة في ضاحية بريدة، فلما استكمل السور وركب الدريبي وأهل بريدة أبوابه خرج أولئك الأعراب منه خائفين من أن يحتجز الدريبي إبلهم داخل ذلك السور فلا يستطيعون أن يفتكوها منه، فامتنعوا من الدخول إلى مكانهم المعتاد ذاكرين تصرفهم له، فعاهدهم على أن أول إبلهم يدخل سالمًا وآخرها يخرج سالمًا، وقد فهم الأعراب أن الإبل كلها تدخل سالمة وتخرج سالمة، أما راشد الدريبي فإن له تفسيرا آخر وهو أن البعير الأول من إبلهم يدخل سالمًا وكذلك البعير الأخير، وأما بقية الإبل فإنه يمسك بها، لأنه لم يجر على سلامتها اتفاق.
قالوا: وأمر الدريبي أن يعرف رجاله أول بعير يدخل، وأن يعرفوا آخر الإبل دخولًا.
فلما استكمل دخول إبلهم أخرج إليهم البعير الأول والبعير الأخير، وقال هذا الذي عاهدناكم عليه قد تم، وهذان البعيران سالمان، وأخذ بقية الإبل.
قالوا: وكانت هذه أول مرة تمتنع فيها بريدة من الوقوف أمام الأعراب ومطالباتهم المرهقة.
وقد سمعت الأشياخ من أهل بريدة من المعمرين المهتمين بهذه الأمور يعدون ذلك من قوة راشد الدريبي وسعة حيلته، وأنه من المزايا التي وفرها لمدينة بريدة.
стр. 81
لقد كان راشد الدريبي يتقلب في سياسته حسبما يؤدي إليه اجتهاده في الحفاظ على الإمارة، ولذا رأيناه مرة يتقارب مع الحكم الناشيء: حكم الدولة السعودية الأولى فيغزو مع الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود إلى عنيزة، وهذا مذكور في التاريخ، ثم رأيناه بعد ذلك يتحالف مع أعداء آل سعود، وبخاصة (العريعر) حكام الأحساء وما حوله.
ثم إنه فيما يتعلق بالأحداث الداخلية والصراع على الحكم في بريدة وما يتبعها من القصيم نرى أن أبناء عمه من آل حسن من آل أبو عليان الذين ينازعون جماعة الدريبي على الحكم يتبادلون معه الغزو تلو الغزو والانقلاب بعد الانقلاب.
وقد سجل المؤرخون شيئًا من ذلك.
قال أحدهم: وفي سنة ١١٨٣ هـ سطوا (آل أبو عليان) على ابن عمهم راشد الدريبي في بريدة وأخرجوه عنها، واستولوا عليها.
ومعلوم أن معني سطوا عليه هو أنهم هجموا عليه يريدون انتزاع الإمارة منه وقتله إذا قاوم وهو سيقاوم، ولكن راشد الدريبي واسع الحيلة، فإنه عندما لم يجد عنده القوة لمقاومتهم هرب وجعل يستعد لإعادة الكرة عليهم، وقد نجح في ذلك.
وهكذا قال إبراهيم بن عيسى:
قال ابن عيسى: في عام ١١٨٣ هـ سطوا (آل أبو عليان) على ابن عمهم راشد الدريبي في بريدة، وأخرجوه منها، واستولوا عليها (١).
وقد أورد المؤرخ ابن بشر هذه الواقعة بغاية الاختصار، فقال في حوادث سنة ١١٨٤ هـ:
وفيها سطوا آل ابن عليان على راشد الدريبي في بلد بريدة واستولوا عليها (٢).
стр. 82
والفقرة التالية تبين أو يفهم منها أن راشد الدريبي بقي خمس سنين خارج الإمارة ثم عاد إلى إمارة بريدة في عام ١١٨٨ هـ مستعينًا بجنود عريعر بن دجين آل حميد رئيس الحساء والقطيف، إذ ذكر المؤرخون ذلك تفصيلًا.
وكان الذي على إمارتها من آل حسن (عبد الله بن حسن) الآتي ذكره، فقبض عليه عريعر بن دجين وأخذه معه أسيرًا، وتسلم الإمارة راشد الدريبي.
ولكن راشد الدريبي لم يهنأ بالإمارة، ففي السنة التي بعدها جاء الإمام سعود بن عبد العزيز إلى بريدة غازيًا معه الأمير السابق عبد الله بن حسن فحارب ومن معه راشد الدريبي وضيق عليه الخناق في بريدة حتى اضطر إلى أن يعقد اتفاقًا مع غريمه الأمير عبد الله بن حسن، وأن يسلم الإمارة له ثم يخرج من بريدة (١).
وقد فصل المؤرخ حسين بن غنام واقعة مجيء راشد الدريبي مع عريعر وتسلمه الإمارة بعد القبض على عبد الله بن حسن، وننقل نص كلامه، وإن كان فيه بعض السجع غير المعتاد عند غيره من المؤرخين، فقال في حوادث سنة ١٢٨٨ هـ:
وفيها نزل عريعر مع بني خالد وعنزه على بريدة، وعمل فيها مكره وكيده وأقام بها بعض أيام وهو يحاول في أهلها بالخديعة والإبرام وتليين الجناح لهم في الكلام، فجاشت إلى ذلك قلوبهم وحاطت بهم ذنوبهم، فاستدعى عريعر أميرها عبد الله بن حسن الخروج إليه والمواجهة، حتى يكون الخطاب مشافهة، فاغتر بذلك وظهر وسار إليه وابتدر، فعند ذلك حجر عليه وأسير، فدخلت المدينة على حين غفلة من أهلها، وكان ذلك على حين غفلة بلا تثبت ومهلة، وبئس هذه الفعلة وما أقبحها من خصلة.
فجالت في البيوت أولئك الأعراب وكسروا لتلك الأبواب، فلم يجد أهلها من ذلك مهربًا ولا ألفوا للنجاة مطلبًا، وشمّر راشد الدريبي لذلك إزاره، وقصد
стр. 83
في ساعته قصر الإمارة وكان قبل ذلك منه جاليًا، وذلك البلد منه خاليًا، وفر من يخاف من المسلمين على نفسه من المبطلين وتفرقوا في البلدان حتى جاءهم من ربهم الصلة والإحسان، فكاتب عبد العزيز أهلها الذين خرجوا منها ونفروا هاربين عنها، وهم آل عليان أنهم يقبلون عليه ويقيمون عنده أحسن الله قصده، فأسرعوا إليه المجيء والإقدام، وقابلهم بغاية الإكرام، ورعي لهم تلك الذمام، وأقاموا في نهاية الاحتشام.
وأقام عريعر بعد ذلك في المكان بعض أيام وليالٍ ثم شمر في المسير والارتحال فارًا منها وظعن عنها، ومعه عبد الله بن حسن ذلك الأمير ولم يزل عنده في حكم الأسير حتى جاءه قضاء العظيم الكبير وحان أن يسقى ذلك الكأس المرير، وتنفذ فيه الإرادة والتقدير ويتجرع كأس الحمام بعد ذلك العز التام، فنزل به في أرض الخابية السَّام فخر من ذلك المقام السّام وضمه ضيق اللحود وصار آكلة للدود، بعد القنا والقنابل ومسايرة الجيوش والجحافل، وهذه سنة الله في جميع المخلوقات والعبيد، ومفاجأة الحمام بغتة لذوي البأس العتيد، وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد (١).
وفيها أيضًا غزا سعود متع الله تعالى به المسلمين فسار يريد بريدة ومعه آل عليان الذين خرجوا منها هاربين، فجد إليهم المسير فلما وصل إلى قرب البلد ولم يشعر به من أهلها أحد لكونه نزل ليلًا بساحتهم، وكان وقت هجعتهم وراحتهم، فلم يستقر به القرار في أرض تلك الديار حتى عبّا جيشه وكمينه وقام ينتظر الصباح وحينه، فحين أسفر له منير ذلك الضياء وفرغ من صلاة الصبح وقضي نهض في إنجاز ما دبَّره ومضى، وكان ولله الحمد له في ذلك السعي رضى وذلك أنه شن الغارة عليهم صباحًا فلم يخرجوا إليه كفاحًا ولم
стр. 84
يجدوا دون الحصار في البلد صلاحًا، ولا ألفوا دونه مراحًا مع أنهم لم ينالوا من ذلك فوزا ولا نجاحًا.
فأقام المسلمون على البلد أيامًا وكل يوم يقع بينهم قتال ومُرامي، فلما أعيا المسلمون أمرها وجهد أهل البلد حصارها وحصرها ولم يبالوا بما نالوا من الضرر والأضرار، ومنازلة تلك الجموع والحصار اقتضى رأي سعود أن يبني تجاههم للمسلمين حصنًا يكون لهم ثغرًا وأمنًا، فأمر ببنائه فيني تلك الأيام وزيد في بنائه بجودة الإحكام، ووضع فيه عدة من أهل الإسلام أميرهم عبد الله بن حسن.
ثم رجع سعود ومن معه إلى الوطن وأقام أهل ذلك القصر فيه، وكل يوم يشنون الغارة على أمير بريدة وتونيه وبقوا أيامًا لا تسرح لهم سايمة ولا تبقى لهم عين نايمة وبوادر الحرب كل يوم عليهم قائمة، وفرسان ذلك الثغر لاستيلائهم دائمة.
فلم يجد أميرها راشد الدريبي من الأسباب إلا بعثه إلى جديع بكتاب يستعينه ويستنجده فلم يكن إلى ما يريده يسعده، فرجع منه الرسول بخيبة المأمول.
فلما جد به الحصار والضيق وضاق عليه مناهج التسديد والتوفيق لم يجد إلى سلامة عمره منهجًا ولا طريق سوى أخذ الأمان على عمره وحاق به شؤم غدره ومكره، فأرسل إلى عبد الله بن حسن يطلب لنفسه خاصة الأمان وخروجه من تلك الأوطان، فأعطاه عبد الله ذلك بإعلان وبادر إلى مواجهة عبد الله بذلة وهوان، ودخل عبد الله بن حسن وجماعته البلد فقتل من قوم الدريبي كل من عثر عليه ووجد، فقتل في ذلك اليوم والحين من أولئك الجماعة نحو الخمسين، واستولوا على جميع ما فيها من الأموال.
وتأمّر عليها عبد الله بعد الفراغ من تلك الحال وصارت تلك القضية وصدور هذه الموهبة السنية إنقاذا لأهل القصيم وما فيها من البرية من غمرة الضلال الوبية الرديّة، فأظهروا الإسلام ودانوا بجميع الأحكام.
стр. 85
ثم بعد مضي ذلك بأيام وليال وفد عبد الله بن حسن مع رجال من وجوه أهل القصيم على الشيخ وعبد العزيز لأجل المعاهدة والتسليم، فتلقُّوا بأتم إقبال وقبول، وفازوا بأعمّ مطلوب وسول، وعاهدوا على الإسلام، والقيام بالأحكام على التمام، وأقر عبد العزيز كل أمير بلد في بلده أميرا وزادهم حشمة وتوقيرًا، وأمّر عبد الله بن حسن على جميع بلدان ذلك الوطن لا يعارضه منهم أحد فيما أراده وقصد واستمروا على حالة مرضية سنين، ثم تغيروا وانقلب كثير منهم الأجل فتنة يأتي ذكرها بعد حين (١).
وعبارة ابن بشر:
"فيها سار سعود بالمسلمين وقصد بلد بريدة، ومعه آل عليان الذين خرجوا منها، فلما وصل قرب البلد عبأ جيشه وكمينه، فلما صلي الصبح، شن الغارة عليهم، فلم يخرجوا إليه واحتصروا في البلد، وأعيا سعودًا أمرهم، واقتضى رأيه أن يبني تجاههم حصنًا فبناه في مقامه ذلك، وجعل فيه عدة رجال، أميرهم عبد الله بن حسن، ثم رحل سعود إلى وطنه، وأقام أهل ذلك القصر فيه، يغادونهم ويراوحونهم الغارات.
وأقام أهل بريدة أيامًا لا يسرح لهم سارحة، فبعث أمير البلد راشد الدريبي إلى جديع بن هذال يستنجده، فلم يجد عنده طائل، فلما أثخنه الحصار والضيق أرسل إلى عبد الله يطلب لنفسه الأمان، وأن يخرج وحده من القصر والبلد، فأعطاه عبد الله الأمان، وخرج إليه ودخل عبد الله ومن معه البلد، وملكوها، وقتل في تلك المحاصرة من قوم الدريبي نحو خمسين رجلًا، واستولى عبد الله على ما فيها من الأموال، وبعد هذه القضية انقاد أهل القصيم، وبايعوا على السمع والطاعة، ووفد عبد الله ومعه رجال من رؤساء أهل القصيم
стр. 86
على الشيخ وعبد العزيز فبايعوه على دين الله ورسوله والسمع والطاعة، واستعمل عبد الله أميرًا على جميع بلدان القصيم واستمر على ذلك حتى حدثت فتن، يأتي ذكرها إن شاء الله (١).
وأحببت أن أنقل بعد ذلك عبارة مؤرخ قصيمي هو صالح بن عثمان القاضي من أهل عنيزة في هذه الواقعة قال:
وفي سنة ١١٨٨ هـ: سار عريعر بن دجين آل حميد رئيس الحسا والقطيف بالجنود العظيمة من الحاضرة والبادية، وقصد بلد بريدة، ومعه راشد الدريبي وحاصرها، ثم استدعى بأميرها عبد الله آل حسن لمراجعته، فخرج إليه، فلما وصل إليه قبضوا عليه ودخلت الجنود البلد فنهبوها، ودخل راشد الدريبي قصر الإمارة واستولى على البلد، وأقام عريعر في بلد بريدة أيّامًا وأجلا آل زامل من عنيزة وجعل فيها عبد الله بن رشيد أميرًا، ثم ارتحل من بريدة ومعه عبد الله آل حسن أسيرًا، ونزل الخابية المعروفة قرب النبقية، واستعد للمسير للدرعية، فعجل الله له المنية، ومات على الخابية المذكورة بعد ارتحاله من بريدة بشهر، وتولى بعده ابنه بطين فلم يستتم له حاله، فقتله أخوه سعدون هو وأخوه دجين، وتولى دجين فلم يلبث الأمر بيده، ومات، قيل: إنّ سعدون سقاه سُمَّا.
وتولى بعده سعدون، وانطلق عبد الله آل حسن من الأسر وسار إلى الدرعية فأكرمه عبد العزيز بن محمد بن سعود (٢).
стр. 87
نهاية راشد الدريبي:
راشد الدريبي أمير صلب شجاع لا يمكن أن يصبر على خروج الإمارة عنه إلا إلى حين، أو إلا متحينًا لحين يستعيدها فيه لنفسه، ولذلك تداخلت مدة إمارته مع إمارة عدد من آل حسن على رأسهم وأهمهم عبد الله بن حسن فيما ذكرناه مشتركًا في الكلام على الأميرين.
ثم مع إمارة محمد بن الأمير عبد الله بن حسن ، حتى استقر الأمر له بعد ذلك فصار أميرًا في بريدة ولا ندري عن موقف الدولة السعودية التي عاصمتها الدرعية من هذا، وربما يكون راشد الدريبي أظهر لهم الطاعة وأنه يلبي كل ما أرادوه منه، وبخاصة موالاة من والاهم ومعاداة من عاداهم.
حتى عام ١١٩٤ هـ حينما ثار عليه آل حسن بقيادة حجيلان بن حمد وقتلوه، واستولى على الإمارة بعده حجيلان بن حمد على ما سيأتي في الكلام على إمارة حجيلان بن حمد بعده، أي بعد راشد الدريبي.
الأمير عبد الله بن حسن:
تتداخل إمارة عبد الله بن حسن (آل أبو عليان) مع إمارة راشد الدريبي، ولذلك أخرت ذكر الأمير عبد الله بن حسن مع أنه مات قبل راشد الدريبي بأربع سنين.
وحسبنا أن نستعرض ما ذكره المؤرخون عن ذلك.
قال ابن بشر ﵀ في حوادث سنة ١١٨٨ هـ:
ثم دخلت السنة الثامنة والثمانون بعد المائة والألف، وفيها سار عريعر بن دجين بالجنود العظيمة من الحاضرة والبادية، وقصد بلد بريدة، فنزلها وحاصرها، وأخذها عنوة فنهبها، وذلك إنه استدعى أميرها عبد الله بن حسن للخروج إليه والمواجهة، فأغتر وخرج إليه فأسره، فدخلت تلك الجنود البلد
стр. 88
ونهبوها، ودخل راشد الدريبي قصر الإمارة، وهرب من البلد كل من يخاف على نفسه من أتباع المسلمين، فأرسل عبد العزيز إلى أهلها الذين خرجوا منها، وهم آل ابن عليان أنهم يقبلون إليه يقيمون عنده، فقصدوه فأكرمهم غاية الإكرام، وأعطاهم كثيرًا من الحطام، وأقام عريعر في بريدة أيامًا، ثم ارتحل عنها ومعه عبد الله بن حسن، ونزل الخابية الموضع المعروف قرب النبقية، وقد جمع جموعًا كثيرة من بني خالد وغيرهم من بوادي نجد وغيرها، وكاتب من كاتب من بلدان نجد، واستعد للمسير إلى الدرعية وغيرها، فعاجله أمر الله تعالى ومات في الخابية المذكورة، وذلك بعدما ارتحل من بريدة بنحو شهر، وتولى بعده في الجموع والجنود ابنه بطين، وفرق بعض خزائن أبيه في طلب تتميم ما هَمّ به أبوه من الأمر، فلم يستقم له حال وخنقوه في وسط البيت، وتولى دجين فلم يلبث إلا مدة يسيرة حتى مات، قيل إن سعدون سقاه سمًا، وأطلق الله أسر عبد الله بن حسن في تلك الحوادث عليهم (١).
والأمير عبد الله الحسن هو عبد الله بن حسن بن محمد بن عبد الله بن حسن بن محمد بن عليان (آل أبو عليان).
وهو من أكثر أمراء آل أبو عليان حكمة وأوسعهم عقلًا، ولم يذكر عنه المؤرخون والإخباريون ظلمًا ولا تطاولًا على غيره حتى إنه ابتلي بابن عمه - على حد تعبير المؤرخين - والمراد به أنه من أسرة آل أبو عليان راشد الدريبي، وهو من ذكرناه شدة وصرامة وسعة حيلة، فصار يستعمل الصبر في مقاومته حتى قتل الأمير عبد الله بن حسن في وقعة (مخيريق) عام ١١٩٠ هـ، وقد تسمى وقعة (مخيريق الصفا) وكان قد خرج مع الإمام عبد العزيز بن محمد آل سعود في غزوته على عريان آل مرة وهم في أرض الخرج.
стр. 89
وذكر المؤرخون أن الأعراب ألجأوا غزو الإمام عبد العزيز إلى عقبة وعرة تسمى (مخيريق الصفا)، والصفا: جمع صفاة وهي الأرض الصخرية الصلدة، والعقبة: المكان المرتفع الصعب المرتقى من حجارة الجبل، وقد وقع في تلك العقبة الكثير من الركاب والرجال وقتل من الرجال الذين كانوا مع الإمام عبد العزيز نحو خمسين رجلًا، منهم الأمير (عبد الله بن حسن) هذا.
قال ابن بشر في حوادث سنة ١١٩٠ هـ:
فيها سار عبد العزيز بجنود المسلمين وقصد عربان آل مرة وهم في أرض الخرج، وكانوا قد اجتمعوا في أرض الخرج وتأهبوا للحرب والقتال، فقاربهم عبد العزيز ليلًا، وشن عليهم الغارة وقت الصباح، فأخذ الإبل من مواضعها فتفازعت تلك العربان واختلط الفرسان، وحصل قتال شديد، وكان غارة المسلمين عليهم في شعيب ضيق، فأمسكوا عليهم الأعراب مضيق الشعيب، ولم يكن للمسلمين مصدر غيره، فحصل عليهم هزيمة وجدوا في ساقتهم، وألجأتهم الأعراب إلى عقبة وعرة، تسمى مخيريق الصفا، ووقع فيها كثير من الركاب والرجال، وقتل من المسلمين في تلك الهزيمة نحو خمسون رجلًا، منهم عبد الله بن حسن أمير القصيم وهذلول بن نصير، وتسمى هذه الوقعة (وقعة مخيريق) (١).
стр. 90
محمد بن عبد الله آل حسن:
الأمير محمد بن الأمير عبد الله بن حسن تولى الإمارة كما هو مفترض بعد موت والده عبد الله بن حسن في عام ١١٩٠ هـ كما سبق، وفي عهده أو حتى عهد والٍ قصير العمر بعده عاد راشد الدريبي إلى الحكم في بريدة، وقد اضطهد الذين عادوه أو قاتلوه على الإمارة فيها كما هو الطبيعي.
ولكننا نعرف نهاية إمارة راشد الدريبي على يد حجيلان بن حمد عام ١١٩٤ هـ أي بعد أربع سنين من وفاة عبد الله بن حسن ولكننا نجهل بدايتها، في هذه المرة.
والمفترض أنه وأبوه كان حليفًا للإمام عبد العزيز بن محمد آل سعود حاكم الدرعية، بل إمام المسلمين فيها أن يعينه واليًا على بريدة والقصيم بعده، ولكن كان راشد الدريبي خصم الجميع لا يزال في الميدان، لذلك لم يتضح لنا كيف تولى محمد بن عبد الله بن حسن على الإمارة، وكيف فارقها أو فارقته، غير أننا وجدنا لمحات عن ذلك منها هذه التي ذكرها ابن بشر بقوله:
"وفيها قبل هذه الغزوة أمر عبد العزيز على أهل الوشم والقصيم وجبل شمر ينفرون غزاة مع أمرائهم، فسار أهل الوشم مع محمد بن معيقل، وأهل القصيم مع محمد بن عبد الله آل حسن، وأهل الجبل مع أميرهم محمد بن علي وأمرهم يسيرون إلى دومة الجندل، في جوف آل عمرو".
وقد وجدت ورقة، بل ورقتين صغيرتين تتحدثان عن ورثة محمد بن عبد الله بن حسن هذا مصدرة بعبارة غريبة في بلادنا في تلك العصور وهي جملة (الملك لله ثم لمحمد بن عبد الله).
ثم ذكرت أولاد محمد بن عبد الله بن حسن فقالت: أولاده: عبد الله وعبد العزيز وعبد المحسن وعبد الرحمن وشريفة ومزنة.
стр. 91
ثم تمضي الورقة متداخلة مع أوراق أخرى في ذكر ذرية محمد بن عبد الله هذا.
ويلاحظ أنها ذكرت الأمير الشهير بعد حجيلان بن حمد وابنه عبد العزيز بن محمد أو عبد العزيز آل محمد، كما كان يعبر المؤرخون، وبتعبير العامة الموغلين في عاميتهم (عبد العزيز المحمد) الآتي ذكره، وهو الذي وقعت الأحداث الجسام في القصيم في زمنه منها وقعة بقعا، ووقعة اليتيمة وكلتاهما انهزم فيها أهل القصيم، وقد انتهت تلك الأحداث بمقتله في الشقيقة عام ١٢٧٧ هـ.
ولكن القصيم ازدهر في وقته من الناحية الزراعية والعمرانية حتى شبه عهده من هذه الناحية بعهد حجيلان بن حمد، وسوف يأتي ذكره في موضعه بإذن الله.
стр. 92
حجيلان بن حمد:
من أهم الشخصيات التي برزت من آل أبو عليان حجيلان بن حمد آل أبو عليان، بل وعند المؤرخين من أهل نجد، وهو رجل عصامي سياسي عرف كيف ينتزع الإمارة من راشد بن حمود الدريبي أمير بريدة، ثم عرف كيف يحتفظ بها، بل عرف كيف ينميها ويزيدها رسوخًا وثباتًا.
وكيف يكافح الفرع الثاني من آل أبو عليان الذين هم فرع الدريبي، ومن أهم ذلك أن قوى تحالف آل حسن، ومنهم جده عبد الله مع آل سعود بزعامة الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود وابنه الأمير سعود الذي أصبح الإمام سعودًا بعد ذلك.
وإلى جانب ذلك حافظ حجيلان بن حمد على استقلاله الداخلي حتى كاد يكون مطلق اليد في الحكم في القصيم الذي عاصمته مدينة بريدة، ولم يكن خارجًا عن إدارته من القصيم إلا مدينة عنيزة.
معنى اسم حجيلان:
حجيلان: تصغير حَجْلان والمراد بحجلان هذا الحصان المحَجَّل، أو ذو التحجيل والتحجيل في الحصان ونحوه من الدواب أن يكون في قوائمة الأربع لون يخالف لون سائر جسده كالحصان الأشهب الذي يكون في يديه أو رجليه وبخاصة إذا كان في أطرافها لون غير أبيض كاللون الأسود أو الأشقر.
وكالحصان ذو اللون الأشقر الذي يكون في قوائمه بياض، فهذا يقال له المحجل ويسمى حجيلان.
ولا يقتصر هذا الوصف على الحصان وحده، بل يتعداه إلى الحيوان الآخر، غير أننا هنا نتكلم على اسم حجيلان المأخوذ من هذا المعنى.
стр. 93
ولم يعقب حجيلان بن حمد من الذكور إلا عبد الله، وله أربع بنات.
وقد قتل ابنه عبد الله دون أن يخلف ذكورًا، وعرفنا من بنات حجيلان بن حمد قوت بنت حجيلان وهي زوجة محمد بن عبد الله الحسن، والد عبد العزيز بن محمد آل أبو عليان، الأمير الثاني القوي في آل أبو عليان الذي حكم بريدة وما يتبعها من القصيم مدة طويلة.
وعبد العزيز بن محمد هذا هو ابنها، فهو حفيد لحجيلان بن حمد من جهة الأم إذ حجيلان هو جده لأمه.
مثلما أنه حفيد من جهة الأب للأمير عبد الله بن حسن آل أبو عليان.
وعرفنا من ذرية حجيلان ابنته طرفة زوجة (حوشان الرواف).
وهو حجيلان بن حمد بن عبد الله بن حسن بن محمد بن عبد الله بن حسن بن محمد بن عليان آل أبو عليان.
متى تولى حجيلان بن حمد الإمارة ؟
الغريب أن المؤرخين على قلتهم وضحالة المعلومات التي أوردوها عن الفترة التي سبقت ولاية حجيلان بن حمد على بريدة وتوابعها من القصيم فإنهم اهتموا بذكر ولاية الأمراء الذين تولوا إمارة بريدة بعد مقتل عبد الله بن عبدوان، مع أن مدة إماراتهم قصيرة ولم تترك أثرًا ذا بال على بريدة، ولكنهم لم يذكروا السنة التي تولى فيها حجيلان بن حمد الإمارة عن طريق هجومه ومن معه من آل حسن على أمير بريدة القوي المتقلب (راشد بن حمود الدريبي).
فالفترة التي لم أجد من ذكر فيها ما حصل لبريدة فيها هي في عام ١١٩٠ إلى عام ١١٩٦ هـ أي لمدة ست سنين وهي فترة مهمة قتل في أولها: عبد الله آل حسن أمير بريدة، وكان غازيًا مع الإمام عبد العزيز بن محمد بن
стр. 94
سعود في غزوة (مخيريق الصفا) كما سبق.
وتولى بعده راشد الدريبي الإمارة أو لنقل: إنه عاد إلى الإمارة أو عادت إليه، فسار على طريقته الأولى في معاداة بل مقاتلة أبناء عمه من آل أبو عليان الذين هم آل حسن إلى أن أسقط حكمه حجيلان بن حمد ومن معه من آل أبو عليان في قصة ذكرتها في (معجم بلاد القصيم)، وتولى الإمارة حجيلان بن حمد، وسيأتي ذكر ذلك فيما بعد.
ولم أر من المؤرخين الذين كانت أوراقهم بين يدي عند ما كتبت ذلك الفصل عن بريدة في (معجم بلاد القصيم) ذكر سنة توليته.
ورأيت أن ابتداء ولاية حجيلان بن حمد كانت بين عام ١١٩٠ و ١١٩٦ هـ لأن راشد الدريبي تولى بعد مقتل خصمه (عبد الله آل حسن) في عام ١١٩٠ هـ إمَّا مباشرة أو بعد فترة قصيرة فإذا افترضنا أنه بقي في الحكم سنتين قبل أن يهجم عليه حجيلان بن حمد ومن معه من آل حسن الذين هم أشياع وأتباع عبد الله بن حسن الأمير السابق فإن ابتداء حكم حجيلان بن حمد يكون في عام ١١٩٢ هـ لأن المؤرخين كلهم والمراد بذلك من أرخوا لتلك الفترة في نجد، ووصلنا تاريخهم ذكروا الوقعة العظيمة التي خرج فيها أهل القصيم على طاعة آل سعود، ما عدا بريدة والرس والتنومة، وكان أمير بريدة آنذاك (حجيلان بن حمد) فكان له موقف منها عظيم دل على حسن تدبيره وسداد رأيه.
وما زلت أبحث عن تاريخ مكتوب لابتداء ولاية حجيلان بن حمد حتى وقفت عليه في جملة مكتوبة في تاريخ عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البسام وهو تاريخ مختصر جدًّا للحوادث نشره الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام في مجموعة التواريخ النجدية التي أسماها (خزانة التواريخ النجدية) ولكن الشيخ عبد الله لم يلاحظ أو لم يطلع على أن ترتيب هذه النبذة كان عكسيًا بمعنى أنه: ذكر السنوات المتأخرة ثم ارتفع إلى ذكر السنوات التي سبقتها على خلاف
стр. 95
المتعارف عليه، المعمول به من تقديم السنوات السابقة على اللاحقة.
وهذا لا ينقص من قدر هذه الأوراق التي فيها فوائد عديدة مع كونها مختصرة فقد ذكر ابتداء ولاية حجيلان بن حمد في حوادث سنة ١١٩٤ هـ في نصف سطر ومن كلمات ثلاث لا رابع لها، ولم يذكر غيرها في حوادث تلك السنة، ولكنها كانت الضالة التي كنت أبحث عنها، قال تحت عنوان (حوادث سنة ١١٩٤ هـ):
... شاخ حجيلان ببريدة (١):
ومن المعلوم أن كلمة (شاخ) هنا تعني حكم أصله أنه صار شيخ البلدة أو الناحية بمعنى أميرها، وليس قاضيها مثلًا لأنه لا علاقة لهذه الكلمة بشيخ العلم، ولا بمشيخة العلماء.
وقد انفرد عبد الله بن محمد بن بسام ﵀ بهذه العبارة المهمة لنا، رغم كونها لا تزيد على ثلاث كلمات.
كيف تولى الإمارة ؟ :
حجيلان بن حمد شخصية قوية مؤثرة ما في ذلك شك، وقد بقي في إمارة القصيم مدة لم يبلغها أمير قبله، إذ استمر ذلك أربعين سنة من عام ١١٩٤ هـ إلى عام ١٢٣٤ هـ، وهي فترة حافلة بالأمور الجسام من ذلك ازدهار الدولة السعودية فيها وبلوغها إلى مدى لم تبلغه من قبل، بل ولم تبلغه أية حكومة أو دولة في جزيرة العرب، بعد الخلافة إذ امتدت من عمان شرقًا حتى البحر الأحمر غربًا، ومن العراق والشام شمالا، حتى داخل حدود اليمن جنوبًا.
لذلك كان لابد من الحديث عن هذا الشخص وعن كيفية توليه الإمارة.
إنَّ المؤرخين الذين كتبوا تاريخ نجد، وبخاصة تاريخ منطقة القصيم لا
стр. 96
يذكرون في العادة إلَّا سنة تولي أميرها الحكم، وفي بعض الأحيان كما في حالة حجيلان بن حمد لم يذكروا حتى تاريخ ولايته ما عدا ما سبق.
ولذلك لابد من الرجوع إلى الإخباريين - بكسر الهمزة نسبة إلى الإخبار، بمعنى الإعلام، فأولئك الإخباريون تكون في جعبتهم أحيانًا أخبار أو تفاصيل عن أخبار مذكورة في كتب التاريخ.
ومع الأسف الشديد فإن أولئك الإخباريين وأخبارهم هم مادة ناضبة، لأنهم يموتون، ولا يخلفون مثلهم، وإن كان الميل إلى الأخبار مستمرًا، وحملها أمر في طبيعة البشر، إلَّا أن الأواخر لا يستطيعون نقل كل ما كان يقوله الأوائل نقلًا شفهيًّا، كما أن بعضهم يلبس - في العادة - الأخبار التي يرويها لباسًا مشوقًا لتكون جذابة أو مقبولة من السمع أو الفكر.
وأمر مهم آخر وهو الطامة العظمى بالنسبة إلى هذا الموضوع وهو وسائل النشر كالإذاعة التي وجدت أخيرًا فقد استهلكت الأجزاء المهمة من أوقات الناس، وشغلتهم عن الاشتغال بالأخبار القديمة، سواء أكان ذلك إخبارًا أم استخبارًا.
وشيء آخر هو أن الجيل القديم كانت لديه فرصة لاستماع الأخبار والأسمار من الآباء والأمهات، بل والأجداد والجدات، ولكن ذلك ذهب الآن بسبب شمول التعليم وانشغال الناشئة بأمور الدراسة التي يحتاجون خلالها إلى ما يسليهم، ويخفف عنهم من التذكر والبحث عما يدرسونه، وذلك موجود في الإذاعات والتلفازات وبخاصة تلك القنوات الفضائية المتنوعة.
وفي حالة تولي حجيلان بن حمد الإمارة وكيف كان ذلك كنا نسمع ونحن صغار كيفيته، وكان والدي ﵀ وهو إخباري مجيد أهم مصدر في هذا الأمر، وكنت اسمعه وأنا صغير ليس لي اهتمام خاص بهذه الأمور، يذاكر بعض الشيوخ الكبار عن كيفية حصول هذا الأمر وأمثاله فأستفيد وأختزن ذلك
стр. 97
في ذاكرتي بطريقة عفوية، ولم أكن أعلم آنذاك أنني سوف أعني بهذه الأمور واحتاج إلى تدوين تلك الأخبار.
ذكروا في سبب تولي حجيلان بن حمد الإمارة وانتزاعها من راشد بن حمود الدريبي ذلك الرجل الصلب، بل العنيد الشجاع القوي الإرادة، أن (آل أبي عليان) من فرع الحسن ضاقوا ذرعًا بتصرفات راشد الدريبي بعد أن كان أخذ الإمارة واستنجد ضدهم بأناس من خارج بريدة كآل عريعر أهل الأحساء، فاجتمعوا خفية في إحدى الليالي ليتشاوروا فيمن يكلون إليه رئاستهم في هذا الأمر، ثم يتولي الإمارة بعد أن ينحي الدريبي عنها.
فأجمع رأيهم على أن أفضل رجل يقوم بذلك هو حجيلان بن حمد.
وكان حجيلان مقيما مع أمه في الطرفية قيل: إنه كان عاملًا عند (التواجر) أهل الطرفية، وقيل: بل إن أمه كانت من التواجر، وذلك أن أباه حمد بن عبد الله بن حسن كان من كبار المعارضين لراشد الدريبي ومن المنازعين له على إمارة بريدة.
وكان ممن تضايقوا من أعمال الدريبي فترك بريدة ونزل في الطرفية وتزوج بامرأة من أهلها: أسرة (التويجري) فولدت له حجيلان.
وعلى الكلام الأول أوردت الحكايات الشعبية أن حجيلان بن حمد كان عاملًا عند التواجر، ولم يكن يملك شيئا فرأى مرة فتاة جميلة شابة من أسرة التويجري الذين كان يعمل عندهم قد مشطت رأسها بورد وتزينت بزينة الحضور زواج أو نحوه، فقال لها ححيلان وهو شاب: ما أجمل رأسك، يا فلانة، أو ما أجملك يا فلانة.
فنظرت إليه بإزدراء، وقالت: ها الزينة ماهيب لك - يا العامل - تريد أنها لن ترضى بمثله زوجًا لها.
стр. 98
وتقول الأسطورة: إن كلامها ظل في نفس حجيلان حتى تولى الإمارة فتزوج بتلك المرأة مناقضة لكلامها عليه.
ونعود إلى الرواية الجادة التي تقول: إن حجيلان بن حمد أخواله التواجر، وأن كبار آل أبي عليان من الحسن الذي أرادو القيام وبالتعبير العصري الثورة على راشد الدريبي وأجمعوا على أن أكثر المفضلين كفاءة لتلك المهمة هو حجيلان.
فذهب أناس منهم إلى حجيلان في الطرفية فأخبروه سرًّا بأنهم اختاروه لهذه المهمة فأجابهم بالقبول، وطلب أن يحضر إليه في الطرفية مقاتلون منهم حتى يسير بهم إلى بريدة للهجوم على الدريبي.
قالوا: فجاءوا إليه بالفعل وسار بهم في أول ليلة ليس فيها نجوم - كما تقول العامة - فساروا في أول الليل حتى الفجر ولكنهم كمنوا طول النهار، حتى استأنفوا المسير نهارا، فلما وصلوا إلى قرب النقيب طلب منهم حجيلان أن يجلسوا عند قارة هناك، وخاطبهم قائلًا: أنتم يا بني عليان، إعرفوا إننا رايحين الراشد الدريبي ولا عنده لنا إن كان حنا ما قدرنا عليه إلَّا الذبح، وأخذ الأموال، ويمكن أنه يذبح حتى عيالكم، فالذي عنده تردد أو خايف على حلاله أو عياله يتركنا من هالحين، ماهوب إلى وصلنا الدريبي تخالفت أرياه (آراؤه) بمعني تردد في الإقدام على هذا العمل.
فقال أناس منهم يقال لهم (الصاعين): حنا لنا عيال وأملاك ولا نقدر نخاطر بها، سلام عليكم، فانصرفوا عنه وعمن معه، ومن ثم سميت تلك القارة (قارة الصاعين) ولا تزال تسمى بذلك حتى الآن، وهي واقعة إلى الشرق من النقيب.
قالوا: فسار حجيلان بمن معه حتى أشرفوا على الصوير وهو أحد خبوب بريدة الشرقية فطلب ممن معه أن يجلسوا، وكرر عليهم ما كان قال من قبل، وزاد قائلًا:
стр. 99
ترانا ما حنا رايحين لعشاء معزومين عليه، حنا رايحين لحرب وموت، اللي يبي السلامة يتركنا هالحين قبل ما ناصل الدريبي، واللي يبي الحكم ولا يبي السلامة يروح معنا.
قالوا: فاشمأز أناس منهم من قوله: اللي ما يبي السلامة يروح معنا وقالوا: يا حجيلان: السلامة ما تنعاف، حنا نبي السلامة، فسموا (السلامة) من ذلك الوقت.
وقد أنكر بعض أسرة السلامة هذه الرواية، وذكر لي أن اسمهم السلامة قديم كان قبل هجوم حجيلان، والذين معهم في تلك الليلة، وسوف يأتي حديث عن شيء من ذلك في رسم (السلامة) في حرف السين - إن شاء الله تعالى.
ثم مروا على مسجد (الصوير)، وكان فيه نعش ينقل عليه الموتى، وكان الصوير آنذاك واسعًا مزدهرًا.
فأخذوا النعش من المسجد ووضعوا فوقه جذع نخلة اختاروه في طول الرجل وضخامته ووضعوا فوقه عباءة أحدهم، وترابعوه أي حمله أربعة منهم كل واحد ممسك بركن من أركان النعش الأربعة كما يفعل في حمل الميت.
ووصلوا إلى باب سور بريدة، وهم يحوقلون ويهمهمون بالدعاء مثل الله يرحمه الله يغفر له، فسألهم البواب قائلًا: من أنتم؟ فقالوا: من أهل الصوير مات فلان أبو الفلان، وكان رجل بهذا الاسم كبير السن مريضًا معروفًا، وجبناه نبي نصلي عليه بجامع بريدة، وكانت العادة عندهم أن يصلي على جنازات ذوي الأقدار في جامع بريدة.
قالوا: فأطل البواب من فتحة في الباب يريد أن يتأكد مما ذكروه لكونه لم يتأكد من ذلك بسبب الظلام فعاجله أحدهم بسكين حادة وقتله.
ثم دخلوا من باب السور، وقصدوا مكانًا محصنًا يبيت فيه راشد الدريبي
стр. 100
في مكان قصر بريدة الذي هدم مع الأسف في السنين الأخيرة وصار مكانه الآن ميدانا وحوانيت، فقتلوا حارس بابه ودخلوا على الدريبي في القصر.
وهنا تختلف الروايات الشعبية لأن هذه القصة دخلت في الأدب الشعبي وصارت من المأثورات الشعبية فالذي سمعته من الأشياخ الثقات، ومنهم والدي أنهم أمسكوا بالدريبي وقتلوه حال دخولهم قصره لأنهم يعرفون ذلك.
وقصره هذا غير بيته، ولكنه كان يبيت فيه لأن فيه حراسة وفيه فرس له أصيل أعده ليهرب عليه عند الحاجة.
وبذلك استولى حجيلان بن حمد على الإمارة.
وبعض الرواة الشعبيين يقولون: إن راشد الدريبي كان واسع الحيلة، ولذلك كان أعد في مكان نومه المعتاد رحا من طبقتين وغطاها بفراش له حتى يظن من يراه أنه موجود فيها فيضربه بينما يكون هو قد اختفى، وأن حجيلان بن حمد ضرب هذه الرحا التي هي من الحجر يظنها (الدريبي) فقطع الرحا نصفين بسيف له مشهور سمي من ذلك الوقت (رحيان) لأنه قطع الرحا.
ولا يزال السيف معروفا حتى كتابة هذه السطور باسم رحيان، ويقال: إنه موجود الآن عند (النصار) من آل بني عليان.
قالوا: أما راشد الدريبي فإنه أفلت من المهاجمين وغادر القصر على حصانه الأصيل وقصد بعض الأعراب الذين كانوا بعيدين عن نفوذ حجيلان، بل وعن نفوذ آل سعود، وأنه تزوج منهم وله ذرية.
ولكن الملك أو لنقل الإمارة وهي بالملك أشبه قد ضاع منه.
وظني أن ذلك كله من تأليف العامة لأنه لم يرد الراشد الدريبي ذكر بعد ذلك، والمعروف من طبعه أنه لو كان حيا لكانت له محاولة، أو محاولات للعودة إلى الحكم.
стр. 101
وإنما الصحيح الذي ذكره لنا الأشياخ الذين أدركناهم ونقلوا ذلك مباشرة عن أناس عاصروا تلك الواقعة، أو عمن عاصروها أن راشد الدريبي قتله حجيلان بن حمد والذين معه من آل أبو عليان في ليلة الهجوم عليه.
ذرية راشد الدريبي:
لمناسبة ما ذكرناه عن ذرية مزعومة لراشد الدريبي بعد هجوم حجيلان بن حمد ومن معه من آل أبو عليان الحسن وانتزاع الإمارة منه، وما زعم من كونه هرب وزادت المخيلة الشعبية أن هروبه من القصر الذي كان فيه كان على حصان له أشهب.
وما قلناه من عدم ثبوت ذلك، بل حتى الإشاعة حول ذلك لم تنتشر إلَّا في الأوقات الأخيرة حتى إن الخيال الشعبي ذكر اسم ذريته المزعومة وزعم أنهم يقال لهم (العياضي).
فنذكر الذرية الحقيقية لراشد الدريبي أو بعض من وقفنا على أخبارهم من ذريته.
فقد خلف الأمير راشد بن حمود الدريبي عدة أبناء وبنات صار لهم نسل معروف الآن ويسمون الأن (الراشد) أخذًا لاسمه ولا يعرفون بالدريبي ما عدا واحدا منهم سيأتي ذكره فيما بعد.
أشهر أبنائه عندنا هو محمد بن راشد الذي أوصى بوصية واسعة مفصلة بل حافلة بالخير مما يدل على طبيعته المتميزة أو لكونه استشار أحدًا من طلبة العلم وهي قديمة الكتابة كتبت في عام ١٢٤٧ هـ بخط محمد بن سليمان، والذي اعتقده أنه محمد بن سليمان بن سيف فهو كاتب شهير في تلك الفترة من الزمن، ولا أعرف أحدًا من الكتبة المتميزين ممن اسمه (محمد بن سليمان) غيره، ولأن مثل هذه الوصية لا يرضى أهلها أن يكتبها كاتب غير معروف أو غير ماهر بكتابة الوصايا.
وإذا فالموصي هو محمد بن راشد بن حمود بن راشد بن عبد الله الدريبي وسوف
стр. 102
يأتي في حرف الراء حديث عن (الراشد) هؤلاء ونقل بعض الوثائق بإذن الله.
وهذه صورة الوصية:
стр. 103
وهذا نقلها بحروف الطباعة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وبعد
هذه وصية محمد بن راشد وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله وأن الموت حق والجنة حق والنار حق والساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور، وأوصى بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب يا بنيَّ إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأوصي بشقرا اللزا بضحية الدوام لسلمى بنت محمد والدتي وما فدّ بعشا جمعة واللي تحت النبتة لبوي بضحية وهن مسقمات وإللي تحته لصالح وموسى وميثا عيال راشد وهي مسقمه وإلي عنه جنوب لضعيف العقيل، إن كان الحي ضعيف وإلا فهي بين أمواتهم بالضحية والخامسة من جنوب للصوامه ثلثه وللسراج ثلث والسراج فيد الجامع والشقراوين اللي عن شقرا الصوامه جنوب واحدة تكد واحدة السائل هالحايط وما ذكرنا قبلهن مسقمات والشقراوين اللي عن دقاسة لأبي بحجج وكدادتهن نصفهن والمكاتيم اللي عنهن من جنوب متواليات أربع والخامسة عنهن من جنوب شقرا لي بحجج أيضًا معهن ثنتين عنهن جنوب صح الجميع سبع نخلات لي بحجج وهن بكدادتهن نصفهن والشقراوين اللي عنهن جنوب لبوي بحجج وهن بنصفهن وعنهن جنوب مكتومية لخالتي بنت محمد أخت أمي بضحية واللي عن مكتومية مريم جنوب مكتومية يضحي بها لي أنا ولضعاف العقيل إلَّا إن ذكرت خصوص بمني تلزم والشقراء اللي عن المكاتيم جنوب لموضي الفضيلية بضحية الدوام السهل مملوكي ثلثه والشقراويين اللي عنهن جنوب برمضان للصايم اللي يفطر بها المكان واللي عنهن جنوب شقر بقربتين بجامع البلاد واحدة بالمكان
стр. 104
ومكتومية اللي بالقليب الجنوبية للصوام وهي مقسمة، وهي ثلث لمسجد الجردة وثلث لمسجد المكان، والمكان ما يطرف له باب بالجداد ما يمنع السائل بالجداد المحقق، ومن بدله بغير حق فلا له من هذا نصيب أوصى في هذا بها ثلاثين يصملن دراهم ويفرقن بالحرم في مكة الله يشرفة على الفقراء و ( .... ) بها عشرين صاع عشيات جمعة لي ولوالدي، عصيفره بها خمسة عشر صاع وهن المؤذن الجامع، والطرفية بها خمسة عشر صاع للمدرسة وأولادي الحي منهم جميع بالوكالة وبعضهم على بعض نظير والمخصوص المصلح منهم وتحقق النفع من أعمالهم، وشقراء الخارة الجنوبية واللي تحته مجمع اللزا بالقليب الجنوبية مسقمات لي بضحايا، وسعيد عبدي وعياله بعده له الشقر اللي عن شقرا الصوام شرق على نظره بكدادته وأربعين ريال قادمات بحلالي يعتق بهن عبد بالحرم والنخلتين اللي تجد طرفه وانا حي مكتومية وشقرا ممضيهن له ما لا حد بهن شيء وما في هذه الورقة جميع بعد موتي فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه.
حرر في ١٢٤٧ هـ شهد به وكتبه الفقير إلى الله محمد بن سليمان وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم
وهذا تفسير لبعض الكلمات الغامضة فيها.
وأولها: شقرا اللزا فالشقرا هي نخلة الشقراء المعروفة واللزى يراد بذلك الشقراء الواقعة على الزي الذي هو مصب الماء الذي يخرج من البئر إلى النخل، وضحية الدوام هي الأضحية التي تذبح في عيد الأضحى بصفة دائمة وهي لوالدته سلمى بنت محمد ولم يذكر اسم أسرتها وإلا لكان أفادنا بذلك فائدة كبيرة.
وقوله: وما (فدَّ) أي ما بقي بعد ثمن الأضحية من بيع ثمرة تلك النخلة وهي تمرها فبعشا جمعة، أي عشاء يطبخ يوم الجمعة ويأكله الأقارب
стр. 105
والمحتاجون، وقد جرت العادة عندهم على أن الأقارب يأكلون من هذا العشاء الذي يطبخ في رمضان ولو لم يكونوا من الفقراء.
وقوله: وهن مسقمات أي لابد من أن يشترط من يبيع نخله على أن النخلات المذكورة على الفلاح أنه يسقيهن ويتعهدن بالإصلاح من دون قابل، أي من دون أن يأخذ من تمرها شيئًا، يرغبه في ذلك حصوله على سائر النخل الذي في الحايط.
وقوله: واللي تحته أي الذي تحتها والمراد النخلة التي تحتها، وتحتها يصدق على أنها مغروسة تحتها بمعنى أنها ملاصقة لها ويجوز أن المراد من أعلى النخل التي هي أسفل منها لا تشرب إلَّا بعدها قال: وهي مسقمة (أيضًا).
وقال: اللي عنها جنوب أي النخلة الواقعة عنها جنوبًا للصوام أي تمرها ثلثه إفطار للصائمين في شهر رمضان وثليه لـ ( ... ) وثلث للسراج فيد الجامع أي سراج الجامع، والمراد به المسجد الجامع في بريدة.
ثم قال: والشقراوين التي عند شقراء الصوام واحدة تكدّ أي غير مسقمة وواحدة لسائل هالحائط.
والمراد به السائل المحتاج الذي يحضر للحائط وقت صرام النخل يسأل أن يعطى من تمره ثم ذكر النخلات التي بحجج يريد أن يكلف من يحج بأجر من ريعهن.
وأوضح أنها بكدادتهن أي ليست مسقمة كالتي قبلها والكدادة هي عمل الفلاح الذي يفلح النخل بجزء كبير من تمره فذلك الجزء هو كدادة النخل.
وقوله لضعاف العقيل، يريد بالعقيل آل عقيل من بني عليان ونحن نعرفهم بأنهم من ذرية الدريبي، ومراده بضعافهم فقراؤهم، وسيأتي ذكرهم في حرف العين، أما موضى الفضيلية فهي منسوبة إلى أسرة الفضيلي، والآتي ذكرها في حرف الفاء.
стр. 106
ثم شقراء بأن ثلث ثمرتها لعبده سهل وهو عبد له مملوك، ثم ذكر مكتومية وهي نخلة معروفة، فذكر أن ثلثها يريد ثلث ثمرتها للجامع وثلث المسجد الجردة، وهو المعروف بمسجد ناصر وكان يقع إلى الجنوب من (سوق قبة رشيد) وقد هدم وأدخل في أرض السوق المركزي لبريدة.
وقوله: وثلث لمسجد المكان يريد المسجد القريب من المكان أي النخل محل الوصية ولكنه لم يسبق أن ذكر مكانه، إلَّا أننا نفهم أنه في الصباخ جنوب بريدة.
ثم قال قولة مؤثرة تدل على محبته للخير وهي قوله:
و(المكان ما يطرَّف له باب بالحداد) يطرف له باب أي لا يقلق له باب أيام جداد تمره، ويريد من ذلك أن يكون بابه مفتوحًا لكي يدخل المحتاجون للأكل من التمر أو للصدقة منه.
ثم ذكر بعد ذلك مكانين يزرعان قمحًا وذكر أن في أحدهما خمسة عشر صاع (قمح) لمؤذن الجامع الذي هو جامع بريدة وخمسة عشر للمدرسة وهي مدرسة السيف التي تقع إلى الغرب من مسجد ناصر وكان أهل الخير يوقفون عليها أوقافا ومن ذلك ما أوقفته عليها (قوت بنت الأمير حجيلان بن حمد) وقد نقلناها في موضعها من هذا الكتاب، ثم ذكر شيئا جديدًا فقال: وأولادي الحي منهم جميع بالوكالة، يريد الأحياء منهم يكونون أوصياء على هذا الوقف مجتمعين.
وقوله شقراء الخارة يراد بها نخلة الشقراء التي على الخارة، وهي مخرج الماء من الجابية إلى النخل وتكون جيدة لأنها تشرب أكثر من غيرها لا يماثلها في ذلك إلَّا نخلة (اللزي) ثم أوصى بأن ينزع أي يؤخذ من حلاله أي ماله أربعون ريالًا يشترى بها عبد مملوك ويعتق في الحرم في مكة المكرمة.
стр. 107
عثمان بن راشد الدريبي:
من أبناء الأمير راشد الدريبي: عثمان جاء اسمه في وثيقة مبايعة بين نورة بنت (عثمان بن راشد الدريبي) مشترية وبين عمر بن محمد العليط (بائع).
والمبيع نخل عمر المعروف بأنه ملكه في الربعة وهي التي تسمى (ربعة وهطان) أدركنا تسميتها بذلك.
والثمن ضخم بالنسبة إلى ثروات الناس في ذلك الزمن فهو ألف ومائتا ريال فرانسة.
وقد حددته الوثيقة بما لا يخرج عما قلناه من كونه في (ربعة وهطان)، إذ قالت:
يحدها من قبلة النقود ومن شمال الجادول الخ.
والكاتب: عبد المحسن بن محمد بن سيف ولكن الوثيقة هذه منقولة من خطه.
والتاريخ: ١٥ رجب سنة ١٢٨٣ هـ.
وتحتها تصديق للشيخ القاضي محمد بن عبد الله بن سليم.
стр. 108
بنات الأمير راشد الدريبي:
لسنا هنا في وارد حصر الوراثة بالنسبة إلى أولاد الأمير راشد الدريبي فليس ذلك بممكن لنا ولا لأمثالنا لمضي الوقت وجهالة أحوال كثير من الناس في ذلك الزمان، ولكننا نورد هنا ما وقفنا عليه من الوثائق عن أبناء وبنات راشد الدريبي.
ومن الطريف أنني وجدت وثيقتين فيهما ذكر بنتين من بنات راشد الدريبي كلتاهما اسمها مصغر فواحد منهما اسمها (هييلة) على لفظ تصغير هيلة الاسم الشائع عندنا للنساء.
والثانية: اسمها هييا بإسكان الهاء في أوله فياء أولى مفتوحة بعدها ياء ثانية ساكنة وهو تصغير الاسم (هَيَا) بفتح الهاء والياء دون تشديدها، وهو اسم كان شائعًا جدًّا في بلادنا في القديم، وقل استعماله الآن، وإن كان لا زال موجودًا.
والتصغير في اسم المذكورتين قصد منه في الأصل التمليح والتدليل - من الدلال وليس من الدلالة - وهذه هي الوثيقة المتعلقة بهييلة بنت راشد الدريبي وهي وثيقة مبايعة البائع فيها مبارك بن حسين بن عجلان ولا أدري من أي (العجلانين) هو، لأن لدينا في بريدة عدة أسر تسمى (العجلان) وهو البائع، وبين هبيلة بنت راشد الدريبي (مشترية).
والمبيع: أربع نخلات من ملكه المعروف في المريدسية، وبعد أن ذكرت الوثيقة تحديد الملك المذكور الذي يراد به حائط النخل وما يتبعه في العادة ذكرت أن أربع النخلات هي شقر - جمع النخلة الشقراء - معروفات بشرقي نصيبه من ملك أبيه حسين.
والثمن: ستة عشر زر - بفتح الزاي وتشديد الراء، وهو عملة ذهبية كانوا يتعاملون بها مع غيرها وكلمة (زر) في حد ذاتها تدل على أن العملة
стр. 109
ذهبية لأن معنى (زر) هو ذهب باللغة الفارسية.
والشهود ثلاثة لم أعرف أحدًا منهم.
والكاتب الشيخ عبد الله بن محمد الصايغ وهو كاتب كان معروفًا في زمنه.
وفي آخر الوثيقة بيع لنخلة شقراء خامسة بأربعة (زررة) جمع زر، ونلاحظ أن (هييلة) لم تباشر الشراء بنفسها لهذه النخلات، وإنما كانت وكلت وكيلًا على ذلك هو حمد آل حمود الملقب (الكْبَيِّر) بإسكان الكاف وفتح الباء بعدها ياء مشددة مكسورة على لفظ التصغير لكلمة كبير بفتح الكاف. وإنما نوهت بأنها كانت دينًا أو قرضًا في ذمة مبارك بن حسين العجلان لهييلة.
ولم يؤرخ الشيخ الصايغ كاتب هذه.
وهذه صورة الوثيقة:
стр. 110
وهذه وثيقة متعلقة بهييلة بنت راشد الدريبي:
في هذه الوثيقة ذكر (هييلة) وهو تصغير هيلة: تصغير التمليح والتدليل لأنها ابنة الأمير راشد الدريبي:
ورد ذكرها في وثيقة نادرة لأنها بخط الشيخ العالم القاضي عبد العزيز بن عبد الله بن سويلم قاضي بريدة وما يتبعها من القصيم.
وهي وثيقة مداينة بين علي بن فايز الذي يظهر أنه أمير المريدسية (بائع) وبين زوجته هبيلة بنت راشد الدريبي (مشترية).
والمبيع ملكه بمعني نخله وما يتبعه الكاين في المريدسية وهو النخل المسمى (الغريس) وكلمة الغريس تدل على النخل الذي لا يزال في شبابه - إن صح أن للنخلة شبابا وهو صحيح وسمي بذلك لأنه حديث عهد بالغرس.