إلى الله تعالى قد كفر ذنبه، وهم منا إليك هدية وليس في قتلهم علينا ولا عليك عار ولا ازر ولا خطيَّة، فجرد عليهم صارمه وبأسه وأسقي كلًّا من طرف الحمام كاسه، فلبس من الخزي لباسه، فقتلهم حين جاءوه صبرًا فنال من مولاه ذنبًا وازرًا، وحقق الله تعالى لأهل الدين شهادة وأجرًا.
فلما استقر في تلك الفجاج الفسيحة الواسعة مع تلك الجيوش والأسلاف الهايلة المنيعة لبس أهل الشر والفساد وأهل الشقاق والنفاق والعناد من أهل تلك الأوطان والبلاد ملابس السرور والفرح، وزال عنهم ما كان في قلوبهم من الهم والأسا والترح وجاءت منهم جموع وأجناد وأنصار وأمداد.
ولما نزل بذلك المحل عجل الله لأناس من جماعته الأجل فبادروا إلى بريدة في الإسراع قالوا: همنا حصول الأطماع، فلم يؤب إليه منهم إلَّا الأقماع، فداخله الرعب والارتياع، حين أرسل إلى بريدة يريد الخيانة فأرسلوا إليه تلك الرؤوس وقالوا هذه ضيافته لشيمة الإقامة والجلوس، فتشيط غيضًا وغضبًا وإلى إن ظفر بأهلها أن يقطعهم إربًا إربًا، وشمر إلى أهلها في المنازلة، وكانت منه إليها معاجلة، ولم يحسب أنها تبقى إلى أمد بعيد فضلًا عن كونه يرجع عنها ولا يفيد، بل جزم أنها مفتوحة عن قريب، وأن سعيه لا يضيع ولا يخيب، فآب أول يوم للمنازلة بالخيبة والحرمان، والقتل والذل والهوان، وقتل جماعة من قومه في ساعته تلك لا يومه.
ثم عاود الحملة يومًا آخر على السور فرجع منقوصًا موتور، وقتل من أولئك الحمر السود كل من رام الهدم للسور والصعود، بقيت قتلاهم لا تنقل ولا ترفع للدفن، ولا تحمل، بل بقي غالبهم ملقى مهمل، غير أنهم صاروا للعاويات (١) مائدة، فهي إليهم تلك الأيام كل حين قاصدة، وصادرة وعايدة.
стр. 142
فبقي أيامًا حائرًا متندمًا ثم أجمع رايه وعزمه محققًا مصممًا، أنه يسوق عليهم جميع الآلات والخلق مزدحمًا ويلجها بعد هدم بروجها وأسوارها مقتحمًا وأنه يعاقب من الجيوش من لم يره متقدمًا، فنهض إلى إنجاز ذلك العزم وانفاذ تلك الهمة والحزم، وبادر على تؤدة من الصباح متيمنًا، بالبكور في النجاح وحصول الأرباح، فأقبل بكيد عظيم مهول يحق للألباب عند رؤيته الإزالة والذهول، فصبر أهل الدين وصابروا، وجد أهل الباطل وكابروا، وراموا اقتحام البروج والسور وهدم تلك الحصون والقصور، والهجوم على أهل تلك الدور، فثبت الله لأهل الحق القلوب ولم يكن أحد منهم بمذعور ولا مرهوب.
فرجع سعدون ولله الحمد مذعورًا مرعوب، مهزوما مغلوب، وما أغنى عنه ذلك الكيد شيئًا، وكانت له الذلة والمقتلة فيئا.
ثم بعد ما صدر منه ما صدر وجرى منه ما تبين وظهر عض من الغيظ الأنملة، حيث لم يرجع بما كان أمله، وبقي على أفعاله السالفة وقضاياه التي هي للشرع مخالفة متحسرًا متأسفًا. فتفاوض مع أولئك الرؤساء الذين هم لا يزالون عنده جلساء، فيما يدفع عنه الهم والحزن والآسى.
واتفق الرأي السديد الجامع والأمر الذي هو المراد قاطع وللعدوان مذلة قامع وللمقاتلة مزعج وادع إنك إن نصبت لأجل هدم السور مدافع ويأتي لها بحكم ومدافع، فلا يبقي لأهل البلد عن ذلك دافع، ويصير لك معاند ومشاقق متابع، ولحكمك منقاد طايع، فأجابهم أن هذا هو الرأي السديد وسينجز هذا قريبًا غير بعيد، فشرع في أسباب ما كان لهم به مجيب، وإنجاز ذلك الأمر الذي هو في زعمهم صايب مصيب.
وجمع له أهل تلك الأوطان من جميع البلدان من أنواع الصفر جملة وأنجزوا له في قريب مدة ومهلة فلم تمض من الأيام مدة، حتى اتفق عنده من ذلك عدة، وشرع في صبها الصانع، فكان في أحكام هبئتها طامع وأقام يعالجها
стр. 143
في أحكامها أياما لم ينل من ذلك مرامًا بل حاز ذلة وخيبة وأثامًا وأطال في ذلك الأمر مكثًا ومقامًا، وكلما صبها أبت وكلما أفرغها في القالب خبت، فلم يتم لها حال ولا استقامة، ولم يدرك منها مقصوده ولا مرامه، وعرف في باطنه أن لهذه شأن وأن لم يفه بذلك لسان.
وكل يوم أو غالب الأيام يجري قتال وجلاد، مع أولئك الأقوام وأهل الدين والهدى لم يبالوا بمقام أهل الردي، بل كل يوم من الحزم في مزيد ومن البأس والنصرة في تجديد، ومن الله تعالى في إعانة وتأييد، فكان حالهم عبرة من الله تعالى للعبيد، وأية يستيقنها قلب كل جبار عنيد.
وفي أثناء تلك الإقامة بنى قصرًا وأنجز اتمامه، وجعل فيه عدة من الرجال وذوي الباس في المجال، وكان موضع ذلك القصر ليس إلى الحلة إليه من سبيل فانتدب المسلمون إليه ليلًا فنالوا من مرادهم نيلًا، وقد أعلمهم أهل الإسلام إنهم يريدونهم جنح الظلام فعجلوا لهم بالأعلام وبادروهم في ذلك القصر فهدم وازيل وبقي كل من فيه مجندلًا قتيل ولم ينج منهم سوى واحد، وكان بالخبر عن قومه وارد.
وفي أثناء تلك المدة أغار سعد بن عبد الله أمير الرس مع جماعة من قومه على سارحة أولئك الأعراب فأخذوا غنم سعدون وكانت نحو أربعمائة في الحساب تسمى تلك الغنم الدغيموات كثير من غنم تلك البريات.
وفي أثنائها أيضًا عدا أهل بريدة على بيت من الشعر جعله عبد الله بن رشيد للحرب من التيه والبطر، وكان فوق النهير مشهورًا وفيه آلات للحرب وزهبه فأضحى لديهم مجرورًا وقتلوا فيه أربعة رجال ورجعوا في ضحوتهم في أحسن حال.
فلما مضت من الشهور مدة نحو خمسة في العدة، وتحقق له من مراده الحرمان والخيبة وأراد لأهله الانصراف والأوبة، عزم على اقتحام البلاد
стр. 144
والدخول على أولئك العباد، وقد صنع منتريسًا من الخشب يسمى عجلًا عند أولئك العرب، يرد الرصاص عن من فيه فلا يضره ولا يؤذيه، فلما ساقوه إلى مرقب البلد وكان في ذلك المرقب عشرة من العدد، تكلموا مع أهل المرقب وذلك أن عثمان آل أحمد استفتح وهو مع ساقة العجل وجد في الدعاء واجتهد، ورفع صوته وقال بفصيح اللسان والمقال: اللهم انصر من هو منا على الحق فأمن على دعائه أولئك الخلق وصار أهل المرقب عند سماعه من المؤمنين، فكانوا هم أهل الحق فلذا صاروا من سطوتهم مؤمَّنين، وحاولوا فيهم نكاية، فلم يحصلوا على غاية، واجتهدوا أن يدركوا إليهم وصولًا، فلم يجدوا إلى ذلك سبيلًا ورد كل منهم خاسرًا خايبًا ذليلًا وترك أكثرهم ذليلًا.
ثم بعد ذلك حمل على البلد حملة هايلة وأصبحت تلك الأمم عليها صايلة وعلى جميع أركانها جايلة، وإلى تسور الأسوار مايلة، يساقون بالسيف من أعقابهم في مسيرهم وذهابهم، فازدحموا عند السور والبروج، فلم يفوزوا منها بصعود ولا عروج، بل قطعت عندها الحناجر، وأعان الله تعالى من بها من محاصر، وكان له عونًا وناصر، فطار عند ذلك الاقتحام وهول ذلك الازدحام كثير من الروس والهام من تلك الأقوام، وانقلبوا بخيبة المقصود والمرام، من ذلك البأس والإقدام، فلم تسر إليها بعد ذلك أقدام ورجع أهل الحق بالفوز والأجر الجسيم، والعناية والقبول من الله الكريم، كما قال سبحانه في الذكر الحكيم: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾.
وارتحلت قبائل أولئك الأحزاب والعربان عن ذلك الموضع والمكان بأمر عظيم من الخزي والهوان.
ولما سارت تلك العشاير خرج حجيلان ومن معه مسارعًا مبادر، ففاجأ
стр. 145
بريدة آل شماس وقتل من وجد بها من أولئك الناس، فأوقع بها النقمة والبأس، وخرج غالب أهلها نايرين مع تلك الجيوش السايرين، وعرفوا أنها ليست لهم بدار مقام، فهربوا مع أولئك الأقوام، وشدوا في الانهزام، ثم بعد صدور تلك القضية وانصراف العساكر بالرزية، ضاق وسيع الفجاج على من ساعد ذلك المنهاج، وانزعجت قلوبهم أشد الانزعاج، فلم يجدوا عن الدخول في حوزة الإسلام بدا ولم يبصروا سواه قصدًا.
فأقبلوا على حجيلان يريدون الإسلام والإيمان، وأعطاهم الأمان وأجابهم إلى ذلك الشان، بعد ما شرط عليهم النكال، فكل بذلك دان وأقبلوا إليه مسرعين وحدانًا ومجتمعين، ووفدوا بلدًا بلدًا، ولم يبق إلَّا أهل عنيزة بُعدًا.
وفيها غزا ركب لأهل بريدة في أثر سعدون يطلبون الاختلاس من تلك البوادي ويريدون، فوافقوا ظهرة مع النفيثي بأرض المستوي، فكان ذلك الركب لجميع الظهرة محتوي، وقتلوا جميع الرجال وأخذوا ما معهم من الأموال، وقد كان مع تلك الظهرة لأناس من أهل المدينة مال كثير، فأمر بأدائه عبد العزيز الجليل منه والحقير، فأدَّى تامًا من غير نقص ولا تغيير، لأنها كانت أوقافًا وأحباس، فلم يرد أخذها لأولئك الناس، وإن لم يكن فيه معرة ولا بأس (١).
إنتهى كلام ابن غنام.
والتعليق على كلام ابن غنام كالتعليق على كلام ابن بشر فيما لا يحتاج إلى تعليق وهو مناعة سور بريدة الذي أقامه عليها حجيلان بن حمد الذي صمد أمام زحف تلك الجموع بما معها من المال والرجال.
وسيأتي أنه صمد أيضًا أمام هجوم ثويني بن شبيب.
стр. 146
ارتداد أهل القصيم:
كثر تعبير المؤرخين عن ارتداد أهل القصيم عن الدين، وقتلهم لمن عندهم من رجاله من المشايخ والمعلمين، ما عدا أهل بريدة والرس والتنومة.
وظاهر هذه العبارة أن المراد بذلك الارتداد عن الدين الإسلامي وتركه إلى دين غيره، وليس هذا بالمراد، بل هم يقولون ويعلنون أنهم لا يزالون مسلمين، وإنهم لم يرتدوا عن الدين، وأنهم لم يقتلوا من المرشدين وأهل الدين إلَّا الذين أرسلوا من قبل الحكومة السعودية ومن تلاميذ الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀.
فارتدادهم هو في الحقيقة ارتداد عن الخضوع للدولة السعودية وما تمثله من نقاء المعتقد من العقيدة السلفية، وما يتبع ذلك من تحكيم الشرع في كل الأمور من أول ذلك وأهمه طاعة الدولة السعودية، ومن يرشدونهم من المشايخ، وأهل الدين، وذلك ظاهر السبب وهو أن أكثرهم كأكثر الحكام في نجد كانت لهم عادات وتقاليد تطلق أيديهم فيمن يحكمونهم، يفعلون بهم ما يريدون، ويأخذون منهم من الأموال ما يشاؤون، ويحاربون من الناس من يحاربون، ويسالمون من يسالمون من دون نظر إلى مراعاة أحد كالدولة السعودية وما تسير عليه من قواعد دينية، فقد حدت الدولة من أعمالهم وألزمتهم بالحكم الشريف الذي لا يتماشى مع ما يريدونه، ومن ذلك أخذ شيء من الأموال بغير حق، والإغارة على من يريدون الإغارة عليه من غير تحديد أو تعريف إلَّا ما يريدونه ويهوونه.
وقد جعلت الحكومة السعودية لديهم رجالًا يبصرونهم بما تريد منهم أن يعرفوه، وما تريد أن يسيروا عليه من الحكم بالشرع، ونبذ العادات الموروثة، إذا كانت تتعارض معه.
стр. 147
فالارتداد إذًا ارتداد سياسي قبل أن يكون ارتدادًا عقديًا دينيًا، وإن كانت له علاقة بالعقيدة.
وهذا الذي ينبغي أن يفهمه من يطلع على هذه الأمور من الذين لم يعاصروها، ولا عرفوا ما خلف سطورها.
أما أهل القصيم الذين ثبتوا على ما كانوا عليه من ذلك وظلوا على ولائهم لآل سعود، ولما يسير عليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ والعلماء من تلامذته، وهم أهل بريدة والرس والتنومة، فإنهم قد رأوا في تحكيم الشرع الضبط والربط من حفظ الحقوق ومن العلاقات بين الناس على أساس من ذلك، وعلى وجه الاختصار رأوا أن حكم القانون الذي هو حكم القانون الشرعي هو الذي ينبغي أن يظل سائدًا معمولًا به بديلًا من حكم الفوضى والاقتتال الذي كان سائدا قبل قيام الدولة السعودية.
تعليق آخر:
والتعليق الآخر وهو ما ورد في آخر كلام ابن غنام ونقله عنه ابن بشر من دون أن يصرح بذلك وهو أنَّ حجيلان بن حمد خرج عندما انتهى الحصار إلى أهل بلدة (الشماس) فقتل أهلها إلَّا من هرب منهم فالواقع أن الأمر ليس ذلك وإنما هو ما ذكرناه من تحريمه سكناها على أهلها وغيرهم بعد ذلك، وإن كانت إحدى الروايات تقول: إنه قاتلهم.
وهذا ما يتعلق بأثر سور بريدة المنيع في صد غارة أخرى مهمة على بريدة قال ابن بشر ﵀ في حوادث سنة ١٢٠١ هـ:
ففي أول هذه السنة في المحرم، سار ثويني بن عبد الله بن محمد بن مانع آل شبيب بالعساكر والجنود العظيمة من المنتفق وأهل المجرة وجميع أهل
стр. 148
الزبير وعربان شمر وغالب طيء وغيرهم، ومعه من العدد والعدة ما يفوق الحصر، حتى إن أحمال زهبة البنادق والمدافع وآلاتها بلغت سبعمائة حمل، فسار من أوطانه وقصد ناحية القصيم فوصل التنومة القرية المعروفة ونازلها بتلك الجموع وحاصرها.
وقال ابن غنام وهو يذكر مسير ثويني:
فسار بتلك الجحافل الجمة الغزار والجيوش التي لا يحصي عدتها إلَّا عالم الأسرار ولا يحيط بها إلَّا الجبار حافة بتلك المدافع والقنابر الكبار التي لا يقوم عندها حصن ولا جدار ولا يثبت عند رويتها قلوب الصغار والكبار، فلم يزل يجد إلى نجد السير والمسير، ويستدعي في ذلك آراء الرأي والتدبير، من كل رئيس بالحرب خبير، وجليس سيئ البطانة شرير يحلل له دماء أهل التوحيد ويحثه على ذلك ويشير، ويدعي مع ذلك أنه من العلم والمعرفة بالمكان الكبير (١).
إلى أن قال:
ولما ثوى في ذلك المكان والمحل (٢) شرع في مجال القتال وأحدقت بهم تلك الفرسان والأبطال، وأضرمت عليهم المدافع شرر النار، وحث أهل المدافع والرماة، وندب الشجعان والكماة، وحرض ذوي النجدة والحماة، وجلب عليهم بخيله ورجله، ورام هدم التوحيد بأمله، فأبطل الله تعالى كيده ومكره، وأظهر فيه وفي جنوده بأسه وقهره، فحاق به سؤ عمله، واستمرت تلك الأحوال الشديدة من أولئك الجموع العديدة، يقاسون كل ساعة منهم حدة وبأسا، ولكن لا يرفعون إلى المذلة رأسًا، وبقوا أيامًا في ذلك المقام كل يوم تحيط به خطوب الحمام، ويتجرعون
стр. 149
مرارة السَّأم، ولكنّهم صبروا تلك النفوس الكرام عن معاطاة أسباب الآثام.
فلما آيس ثويني من مصادمتهم، مد أسباب الغدر ونسج رداء الخيانة والمكر، فأرسل إليهم بالأمان وزين لهم الخروج إلى سائر الأوطان، وحاولهم في ذلك واجتهد، وكان الواسطة بينهم عثمان بن حمد، وكان هو من أولئك الجماعة فظنوا أنه لا يروم بهم مكرا ولا خداعة، فرضوا بذلك وراضوا بعد ما تحدثوا فيه وأفاضوا.
ولما استقر ذلك الأمان بينهم دخلوا عليهم القلعة سريعًا، فعجلوا للمسلمين حينهم، وقتلوا غالب من وجد، ولم ينج إلَّا من هرب وفقد، ونهبت تلك القرية ونال ثويني من ذلك خزية.
ونزل على بريدة واستكن، وناوش أهلها الحرب من بعيد، وهم أن ينزل بهم بأسه الشديد، ويمكر بهم ويكيد، فأخذه الله إن أخذه أليم شديد، فارجف قلبه وفؤاده، وأظهر له من الرعب ما حمله أن يؤم منهزم بلاده، وشتت شمله وجمعه وأجناده، وأضاع هدرًا عليه من المال طريفه وتلاده، فولى خاسئًا مهزومًا مشتتًا مبعدًا مرجومًا.
ولما عزم على المسير خرج من أهل بريدة لنفوذ التقدير نحو سبعة رجال وراموا أن يوقعوا في آخر الجيش نكال، فعجلت إليهم من تلك الخيول فرسان فاقتطعوهم قبل وصول الجدران (١).
أقول: لم يذكر ابن غنام صراحة أن ثويني حاصر (بريدة) وعجز عنها والحقيقة أنه حاصرها بالفعل وأنه عجز عنها ولكن إقامته لم تطل عليها.
وقد سجل ذلك بعض المؤرخين قال ابن بشر:
стр. 150
وفي سنة ١٢٠١ هـ: في المحرم سار ثويني بن عبد الله بن محمد بن مانع آل شبيب رئيس المنتفق إلى نجد، ومعه جنود عظيمة من الحاضرة والبادية، وقصد القصيم، فلما وصل التنومة أخذها، ونهبها، وقتل أهلها، ثم ارتحل منها، ونزل بريدة، وحصرها (١).
مغازي حجيلان:
ويصح أن يكون العنوان (غزو القصيم في زمن حجيلان) وهناك مثل شائع في نجد لفظه (ما غزا قصيم) يضربونه للأمر بنفرط ولا ينتظم.
ومعناه: أن القصيم لم يغزو أي لم يظهر منه غزو، وهذا المثل قيل أول ما قيل في عهد حجيلان بن حمد وإمارته الطويلة السديدة على القصيم.
ومن بعد نظره وربما من حسن عقيدته اتفاقه مع آل سعود إبان الدولة السعودية الأولى، على تحكيم الشرع، وقتال من لم يفعل ذلك.
ولذلك كان يغزو بأهل القصيم غزوات مهمة وصل مداها إلى نقرة الشام الواقعة في جنوب الشام، وإلى نواحي المدينة المنورة.
وقد سجل المؤرخون ذلك أو بعضه.
قال ابن غنام:
وفيها غزا حجيلان بأهل القصيم ومن حوله من العربان، وقصد أهل الجبل فاستقر بذلك المكان، وأقام فيه مدة أيام وليال، وغالب أهل تلك البلاد إلى الدخول في الإسلام في إقبال، فقدم عليه في ذلك الزمن كثير من بلدان ذلك الوطن وعاهدوا على الإسلام ورغبوا في الدخول والاستسلام، ومن أعرض عن ذلك وصد، تصدي حجيلان لحربه وقصد، وتأهل له واستعد، وأقبل عليه
стр. 151
بالحروب والحرابة، حتى يدين للإسلام ويفتح بابه، وأخذ على من امتنع أموال في ذلك الوقت والحال، حتى طاعوا التوحيد بالاجمال، فلم يشد حجيلان للسير عنهم الرحال حتى تلقي جميعهم الإسلام بأحسن استقبال (١).
قال الشيخ عبد الوهاب بن محمد التركي في تاريخه:
وفي سنة ١٢١٢ هـ أخذ حجيلان (الشرارات) في أرض الشام، وأخذ منهم أموالًا من الإبل الكرام النجاب، التي لا نحصي لها عدا (٢).
والشرارات: قبائل عربية يرجع نسبها إلى بني كلب وهي مشهورة بأن إيلها من أفضل إبل القبائل العربية في نجابتها، وسرعة سيرها، وصبرها على السير المتواصل، وقد فصل ابن بشر هذه الواقعة تفصيلًا، فقال:
"وفيها غزا حجيلان بن حمد أمير ناحية القصيم بجيش من أهل القسيم وغيرهم، وقصدوا أرض الشام، وأغاروا على عربان الشرارات فانهزموا فقتل منهم نحو مائة وعشرين رجلًا، وأخذوا جميع محلتهم وأمتاعهم وأزوادهم وأخذوا من الإبل خمسة آلاف بعير وأغناما كثيرة، وعزلت الأخماس فأخذها عمال عبد العزيز وقسم حجيلان باقيها في ذلك الجيش غنيمة للراجل سهم وللفارس سهمان" (٣).
وقال ابن بشر في حوادث سنة ١٢٠٧ هـ: وفيها غزا حجيلان بن حمد أمير ناحية القصيم وغيرهم، فأغار علي بني عمرو من عربان حرب، فقتل منهم رجالًا، وأخذ عليهم إبلًا (٤).
стр. 152
وقال ابن غنام:
وفيها غزا حجيلان بأهل القصيم ومعه من عنزه فرقان فذكر له أن هناك ظهرة عظيمة خارجة من البصرة وسوق الشيوخ حضر وبدوان فأمَّ لهم منار الطريق وكان من خبرهم على يقين وتحقيق، فأسرع بمن معه ومن معه وتبعه، حتى وصل إلى بقعا، وأقام ينتظرهم حتى قدموا بعد ذلك عليه، ووصلوا بما معهم من الأموال والأحمال إليه، فتلقاهم بغارة مزعجة مرهقة واسنة ماضية الأرواح مزهقة، فطاعنوا ساعة وحينًا ثم انكشفوا بعد ذلك انكشافًا وهينًا، وكان كل منهم للذلة موثقًا رهينًا، فغنم المسلمون تلك الأموال واستاقوا جميع الأعمال وقتلوا عددا من الرجال (١).
وذكرها ابن بشر بهذا اللفظ (٢) قال:
وفيها، غزا حجيلان بن حمد أمير القصيم إلى ناحية جبل شمر، فذكر له قافلة خارجة من البصرة وسوق الشيوخ، فأسرع السير حتى وصل إلى بقعا، فرصد لهم فيها، فوافقها ومعها كثير من اللباس والقماش لأهل الجبل وغيرهم، فأخذها وقتل من الحدرة قتلى كثيرة (٣).
стр. 153
حجيلان بن حمد وحرب إبراهيم باشا:
الحرب التي أوقدها إبراهيم باشا بجيشه الجرار الذي جاء به من مصر وأمدته تركيا بما شاء من مال وسلاح وجنود مودبين لم تدرس من ناحية الهجوم ولا الدفاع، ولا قوبلت من المحللين العسكريين بما تستحق من الإعداد والاستعداد وبخاصة ملاقاتها قبل الوصول إلى مراكز السكان في نجد التي كانت خط الدفاع الأول عن الدرعية.
مع العلم بأن هذا الجيش الجرار فيه من العدد والعدة والأسلحة النارية التي لم يكن عند أهل نجد مثلها، ولكن كان عند أهل نجد أسلحة معنوية بها يدافعون منها عقيدتهم التي جاء إبراهيم باشا لطمسها بحجة أنها الوهابية، ومنها أسلحة عاطفية لأنهم يدافعون عن أهليهم وذراريهم وبلدانهم، ومنها طبيعة الأرض التي لابد أن يمر بها التموين والإمدادات التي يطلبها الجيش التركي فهي في صالح أهل نجد لأنها بعيدة شاقة.
ولئن قلنا صادقين: إنه ليس بمقدور أهل نجد مقابلة جيش إبراهيم وجهًا لوجه، فإن ذلك الجيش يمكن أن يعاق تقدمه، بل أن يعطل تقدمه عن طريق قطع إمداداته التموينية لو كانت هناك مقاومة صادقة.
ومنها الإغارة بما يشبه حرب العصابات التي تقول: اضرب واهرب، فما كان لجيش مثل جيش إبراهيم باشا أن يلاحق العصابات التي تشاغله في بيئة صحراوية معادية لو صدقت المقاومة.
ولقد رأينا كيف كان صمود أهل الرس أمام جيش إبراهيم باشا وما كان معه من مدافع وأسلحة نارية لأكثر من ثلاثة أشهر، وهو كان في عنفوان قوته، وإمداده قريب، لأن موقع الرس بالنسبة إلى الإمدادات التي تأتي من جهة البحر من ينبع أو جدة بالنسبة إلى الأماكن الأخرى في نجد غير بعيد.
стр. 154
ولكن المؤسف أن حال أهل نجد لم تكن حال المقاوم الذي يرسم الخطط ويجيش الأفراد والجماعات الصغيرة لمقاومة الغزاة، ثم يغير على الأعداء بما يشبه حرب العصابات، ويقوم إلى جانب ذلك بقطع الإمدادات أو بعضها عنهم.
بل لاحظنا أن رأس الدولة وهو الإمام عبد الله بن سعود كان يرقب تحرك إبراهيم باشا، وتقدمه إلى الدرعية فينكفأ قاصدًا المكان الذي هو بعيد متجنبًا الاحتكاك به ومقاومة جيشه بنفسه، وحتى بجيوش يجيشها أو بعصابات يرسلها حتى وصل إبراهيم باشا إلى الدرعية وخربها بعد حرب ضروس باسلة، وقضى على الدولة السعودية الإسلامية النقية الأولى وقتل من قتل فيها وفي خارجها من رجالات آل سعود، بل ورجالات أهل نجد بعد احتلال الدرعية، إضافة إلى من قتل منهم في الحرب وهم أعداد كبيرة.
ثم عمد بعد أن احتل الدرعية إلى جمع من بقي من آل سعود وآل الشيخ وأرسلهم إلى مصر في حركة بل حركات غريبة ليس هذا محل ذكرها.
لقد كان الذين سألناهم من عقلاء أهل نجد عن السر في عدم مقابلة جيش إبراهيم باشا قبل وصوله إلى الدرعية أجابوا بقولهم: إن الإمام عبد الله بن سعود قال: لم تبق حرب الماوية في قلوب المسلمين جرأة على الحرب.
ووقعة (الماوية) وهي مورد ماء في عالية نجد ذكرته في (معجم بلاد القصيم)، قد جرت تلك الواقعة بين جيش الإمام عبد الله بن سعود وبعض جيش إبراهيم باشا بقيادة (علي أزن).
فكانت نتيجة تلك الحرب كارثية بالنسبة إلى أهل نجد وانتصارًا لإبراهيم باشا.
قال المؤرخ الفرنسي مانجان الذي ينقل عن مصادر تركية ومصرية:
تصدى (علي ازن) لجيش الإمام عبد الله بن سعود، وشن هجومًا على
стр. 155
فرقة الهجانة فهزمها، فما كان من عبد الله إلَّا أن جرد فرسانه، الذين ردوا فرسان الأتراك، وتقدم بنفسه نحو معسكرهم، فأمر علي أزن بإطلاق نار المدفع على جموع السعوديين، الذين طرحوا أنفسهم أرضًا بناء على أوامر قائدهم، فما كان من المشاة الأتراك الذين كانوا معتصمين في المكان إلَّا أنهم بدؤوا بإطلاق نيران البنادق، لحماية الفرسان الذين استعادوا زمام المبادرة.
كان قد مضى على بدء المعركة ساعتان عندما ولى أتباع عبد الله من الأعراب الأدبار، ولحق بهم عبد الله وهو يدافع عن نفسه ضد الفرسان الذين كانوا يطاردونه، وانسحب إلى موقعه في نجخ بعد أن خسر ثلاثمائة قتيل، ومائتي أسير، وترك للأتراك وراءه خيولًا، وعددا كبيرًا من الجمال، وكميات كبيرة من الرز، والشعير والذخائر الحربية، وخسر علي أزن ١٢٠ قتيلًا في هذه المعركة، و ١٦٨ مصابا أصبحوا عاجزين عن القتال، وجُرح حصان غانم بن مضيان الذي كان قد اشترك مع بدوه في الهجوم، وأصيب أخوه الذي كان بجانبه بطعنة رمح.
إن هذه الهزيمة، وفرار عدد من حلفاء عبد الله جعلناه يعدل عن خططه للزحف على الحجاز، والتحق بقواته الموجودة في أنحاء عنيزة، وأرسل إلى الرس دعمًا قوامة مائتا رجل، وذخائر.
ولما وصل إبراهيم باشا إلى ماوية نزل في خيمة علي أزن، وكال له المديح على ما حققه من نصر، واستقبل الجنود قائدهم بمظاهر الفرح، وحيوه بإطلاق الأعيرة النارية من بنادقهم.
وبعد استراحة دامت عدة ساعات، قام إبراهيم باشا بتفقد معسكره، ووقع نظره على الأسرى المساكين فأمر بقتلهم رميًا بالرصاص، باستثناء العبيد السود، الذين وضعهم خدمًا لجيشه، وكان بين الأسرى بعض أقارب عبد الله،
стр. 156
وعدد من رجال المدفعية الأتراك الذين كانوا في خدمة عبد الله، وقد ارتكب إبراهيم باشا في هذا الشأن خطأً كبيرًا، لأن مثل هذا السلوك لم يكن نابعًا من سياسة حكيمة، في حين أن العفو عن الأسرى كان يمكن أن يجعله يتربع على عرش قلوب الناس.
ولكي يستفيد من المزايا التي وفرها له انتصاره، فكر إبراهيم باشا في بدء الأعمال الحربية في نطاق الحملة، فكتب إلى قائد القوات في الحناكية، يطلب منه القدوم لملاقاته مع قواته كلها، وألا يترك في هذا الموقع إلَّا أربعين رجلًا، وأرسل أحد ضباطه إلى المدينة المنورة يستعجل انطلاق قافلة المؤن وذخائر الحرب، وتلقى الفرسان الذين وصلوا من مصر إلى مكة المكرمة حديثًا الأوامر للإسراع في المسير.
وبانتظار تجمع تلك الإمكانيات، ترأس إبراهيم باشا حملة لمطاردة القبائل المعادية، وعاد إلى المعسكر، بشيء كثير من الجمال والمواشي، وزعها على قادة القوات، كما فعل من قبلُ في حملاته السابقة.
مع حركة الرس:
قال المؤرخ الفرنسي فيلكس مانجان:
صدرت الأوامر بالمسير، ولما وصلوا أمام الرس حاصروها، ونُصبت المدافع في الحال، ولم يكلف الجيش نفسه عناء استكشاف أضعف الأماكن في التحصينات، وبدأ إطلاق النار على السور المحدق بالمدينة، كنا نرى القنابل تهدم البيوت، وكان بعضها ينفجر قبل أن يكمل خط سيره المنحني، وبعد ستة أيام من القصف المستمر، أمر إبراهيم باشا بالهجوم في الساعة الثانية ليلًا، دون أن يُحدث نقبًا في السور يدخل منه المهاجمون، ودون أن تمتلك القوات المهاجمة أي وسيلة لمحاولة تسلق السور، ودون أن تقع عليها لهجوم المشاة هي
стр. 157
طلقة مدفع، وما إن أطلقت حتى تحركت قوات المشاة، في حين كانت بعض الوحدات تستكشف الريف، وتسهر على ألا تهاجمهم الحامية والأهالي، وكان علي أزن، مع الدلاة والمغاربة مكلفين بلفت نظر العدو إلى موقع معين، والتظاهر بالهجوم عليه، ولم يكن في ذلك الموقع إلَّا مدفعان، إلَّا أن المحاصرين استرشدوا بدوي المدافع التركية لمعرفة موقع القوات المعادية، التي بذلت جهدًا بلا طائل، كانت النساء وراء الأسوار يشعلن سعف النخيل الجاف المطلي بالصمغ، لإضاءة الميدان للمدافعين عنهم، وكان إطلاق النار من البنادق مستمرًا، ولم تهدأ حدة الهجوم خلال أربع ساعات، لقد تصدى المحاصرون الهجوم الأتراك في كل المواقع، فاضطر هؤلاء إلى الراجع، ولم نكن نرى إلَّا القتلى والجرحى، وقد أدى هذا الهجوم المميت، الذي كان التخطيط له سيئًا، إلى إصابة ٨٠٠ رجل بين قتيل وجريح، ولم يفت هذا المنقلب السيء في عضد إبراهيم باشا، الذي لم يكن يأمل بوصول الدعم، بعد أن توغل إلى مسافة بعيدة في وسط الصحراء، وكان يعلم أن عبد الله بن سعود يعسكر في عنيزة وبريدة (١)، وأن أخاه فيصلًا، الذي كان في حملة استطلاع في أنحاء الرس، يمكن أن يأتي الدعم المدينة المحاصرة، ولكن إبراهيم باشا حافظ على هدوئه، وصفاء نفسه، وكانت بشاشته تواسي جنوده من الإخفاق الذي حاق بهم، وقد كان ينبغي على الرغم من ذلك إيجاد وسيلة للاستيلاء على الموقع، وقام جنود إبراهيم باشا بناء على رأي أحد المهندسين الأتراك في الحملة، بقطع عدد كبير من أشجار النخيل، وقام هذا المهندس الأخرق باستخدام هذه الأشجار بعد أن قطعها إلى قطع متساوية لبناء متاريس ينصب عليها المدافع، ولم يكن هذا العمل الذي أقيم بلا أي رؤية فنية متينًا، وانهار انهيارًا تامًا عند أول هجوم.
стр. 158
كان عدد الجرحى يتزايد كل يوم، وكانت غالبيتهم على وشك الموت، إما بسبب جراحهم البالغة، وإما بتأثير الطقس، وسوء وضعهم، وقد تعززت قوات إبراهيم بوصول دعم قدره ٩٠٠ رجل بقيادة البنباشي ياور علي، عوض الخسارة التي نزلت به منذ بدء الحصار، وما إن وصلت هذه القوات حتى كان إبراهيم باشا يفكر بالقيام بهجوم آخر، وعند طلوع الفجر توجهت القوات نحو المدينة: لم يسفر الهجوم عن شيء، وأجبرت بسالة المدافعين المحصورين الأتراك على التراجع، ولم تكن نتيجة هذا الهجوم أقل سوءًا من الهجوم الأمل، وأصيب ياور علي الذي كان في الطليعة مع بعض من أكثر الجنود شجاعة، بجرح بالغ.
كان فيصل، شقيق عبد الله بن سعود، يتجول في المناطق المجاورة، ولكنه لم يجرؤ على التصدي للأتراك، ومساعدة أهل الرس (١)، كان أهالي المدينة يدافعون عن أنفسهم بشجاعة، ويقومون ببعض الغارات، ولما لم تكن لديهم الإمكانيات الكافية، ولا الخبرة في فنون الحرب، فإنهم اكتفوا برد طلائع المهاجمين، والانقضاض على المدافع دون أن يسدوا ثقوبها بالمسامير لتصبح غير صالحة للاستعمال، كانوا يهاجموه أعداءهم بالبنادق ذوات الفتيلة والرماح، وحينما رأى المحاصرون ما حل بهم، فكروا بزرع ثلاثة متفجرات، ولكن المحاصَرُون أبطلوا مفعولها، ولم يبق لدى الأتراك وسيلة يعتمدون عليها سوى الهجوم بكل ما يملكون من قوة، إذا، لقد حاولوا القيام بهجوم ثالث، ولم تكن نتائجه مختلفة في فشله وخيبته عن الهجومين الأولين.
كان موقف إبراهيم باشا حرجًا لأن ثلاثة آلاف رجل من رجاله لقوا مصرعهم عند أسوار الرس؛ ونفدت ذخائره، وبدأ النقص في الأغذية، وكانت المجاعة تتهدد بقية جيشه، وعلى الرغم من ذلك كله فإن إبراهيم باشا ظل محتفظًا بموقفه الحربي (٢).
стр. 159
وشيء آخر:
وشيء آخر أشار إليه إبراهيم باشا فيما نقل الإخباريون لنا عنه أنه كان صاحب كلام واضح مباشر في بعض المسائل لا يكني فيها ولا يستعمل المجازات.
قالوا: ومن ذلك أنه بعد أن فرغ من حرب الدرعية أقام أيامًا في عالية القصيم عند أبانين، وذلك لكون الهواء فيها طيبًا، وربما كان العام عام ربيع، وقد اجتمع عنده فئات من كبار أهل نجد ممن جلبهم معه جبرًا، وممن جاءوا إليه اختيارًا مثل رؤساء بعض القبائل العربية التي أعانته على الحرب بما سهلت له من الأدلاء، ونقل المهمات الثقيلة لجيشه على إبلها، وكذلك من نقل المؤن والأسلحة.
فقال إبراهيم باشا يخاطب أحد شيوخ الأعراب الحاضرين عنده في ذلك المجلس: يا فلان هنا ثلاث ضرطات قسمهن.
فقال الأعرابي: ما أنا مقسم ضراط يا إبراهيم باشا.
فقال إبراهيم: بل أنا أقسمها الأولى لإبراهيم باشا - يعني نفسه - كيف أقيم على الرس ثلاثة أشهر أحاربه، وأنا ما جيت من مصر لأجله، أنا جاي لأجل القضاء على الوهابي، يريد الإمام عبد الله بن سعود الذي لم يكن يسميه إلَّا الوهابي، ولم أترك الرس فإن كان أنا تغلبت على الوهابي وأخذت الدرعية، لم يقاومني أهل الرس كغيرهم، وإن لم استطع فليس الرس أهم من الدرعية؟
قال: والضرطة الثانية لقبيلة كذا وكذا، وذكرت قبيلتين كبيرتين مساكنهما في عالية نجد: كيف يشيلون حمل البعير من الريالات بربال، ويقودون على محارمهم - يعني بذلك محارم أهل نجد - لماذا لم يهربوا بهذه الأحمال النفيسة ثم يلجئون إلى جبال نجد أو يختفون بين أهلها، وكيف لي أنا بلحاق أمثالهم وكيف أجدهم إذا لاحقتهم.
قال: والضرطة الثالثة للوهابي: لماذا لما عرف أن إبراهيم باشا - يعني نفسه - جاي من مصر مع قوة الدولة وأسلحتها وهي مصممة على ملاحقته وحربه لم يهرب
стр. 160
من الدرعية ويلجأ إلى بعض الجبال البعيدة التي لا أستطيع أنا ولا جيشي الوصول إليها، ثم إذا وصلت الدرعية، وهو ليس فيها دخلتها وقلت للدولة التي أرسلتني لحربه - يريد تركيا - أنا ما لقيت إلَّا جدار وهدمته، يعني بذلك الدرعية.
وعندما أغادر نجد يعود إلى الدرعية، وليس من السهل أن أعود إليه مرة ثانية، بل لن أعود أصلا! ! !
إنَّ الجد من كلام إبراهيم باشا في كون الإمام عبد الله بن سعود لم يهرب منه ويترك له نجدا، ثم يعود إليها بعد ذهابه أمر يشغل البال، وقد شغل بالي أنا حتى بحثته مرة مع الشيخ عبد الله بن إبراهيم آل الشيخ شقيق الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ المفتي الأكبر في المملكة العربية السعودية ورئيس القضاة فيها، فقال لي الشيخ عبد الله بن إبراهيم: إن هذا الأمر لم يغب عن بال الإمام عبد الله بن سعود، ولا عن أذهان من كانوا معه في الدرعية، وقد عرضوا عليه ذلك ولكنه أجابهم: كيف أهرب فأنقذ نفسي وأترك المسلمين ومحارمهم في الدرعية لجنود الترك؟ يعني جنود إبراهيم باشا يفعلون بهم ما يشاؤون، ولابد الي من أن أقيم معهم فيكون مصيري مصيرهم! ! !
ونقل الإخباريون: من كلام إبراهيم باشا في هذا الصدد أنه رأى في البرية يربوعًا وهو حيوان بري كالفارة فرأى أنه قد جعل لجحره بابًا خفيًّا يخرج منه إذا هاجمه داخل عليه من الباب الرئيسي كالحية فقال: هذا اليربوع أذهن من الوهابي أي أحد ذهنًا منه لأنه جعل لجحره باب يعرف، وباب ما يعرف بالبناء للمجهول، والوهابي ما حط لبيته في الدرعية إلَّا باب واحد معروف! ! !
ولا شك في أن كلام هذا من التطاول والغرور وإلَّا لو كانت الحرب في غير صالحه لما قال مثل هذا الكلام.
стр. 161
موقف حجيلان بن حمد:
ونعود إلى أمر حجيلان بن حمد وموقفه إبان تلك الحرب، فقد كان لديه سور عظيم، وكان لديه محاربون لا بأس بهم، ولكنه - مثل غيره - عرف أنه سيكون وحده، إذا حارب إبراهيم باشا هذا إذا لم يكن أصابه من الوهن وهو عدم الاستعداد للمقاومة ما أصاب غيره.
وقد ذكر الإخباريون من بني قومنا من هذا الأمر ما لم يذكره المؤرخون، فذكروا أن إبراهيم باشا قصد عنيزة من الرس قبل بريدة، لأن فيها رجلًا سماه ابن بشر وأمثاله من المؤرخين بأنه داعية الترك، بمعنى أن الذي على إمارتها هو مسالم لإبراهيم باشا.
لذلك بدأ بها وحارب الذين في قصرها المعروف بقصر الصفا وهم من جهة الإمام عبد الله بن سعود، ثم صالحهم على أن يخرجوا بأنفسهم وسلاحهم.
وهكذا لم يبق أمامه في القصيم إلَّا المدينة الرئيسية بريدة، فنزل هو وجنوده في الصباخ جنوب بريدة، وصار يقطع من نخيل مزدهرة تسمى النقيعات بصيغة جمع نقيعة تصغير نقعة وهي مكان الماء النافع أي الباقي في الأرض، وهو اسم لها.
قالوا: وكان لرجل من آل راشد من أسرة الدريبي نخيل فيها صار عرضة لكي يقطعه إبراهيم ويتلفه أو على الأقل يلحق الضرر به، فتسلل من الحرس الذين كانوا يحرسون سور بريدة من جهة الجنوب قاصدًا إبراهيم باشا، فمنعه جنود إبراهيم باشا، من الوصول إليه، ولم يكن إبراهيم باشا يلقي بالًا لسائر الناس، لأنه إنما كان يحارب المحاربين له.
فقال ابن راشد الذين منعوه من الوصول إلى إبراهيم باشا: أنا أمير بريدة أريد أن أصل إلى إبراهيم باشا وأتفاهم معه.
стр. 162
فأوصله الجنود إلى إبراهيم باشا فلما رآه خضع ابن راشد له لأن موقفه ضعيف، فقال له إبراهيم باشا أنت ما أنت حجلان يريد حجيلان - وهو ينطق باسمه بلفظ التكبير (حجلان) أنت صاحب الجنينات هذي جمع جنينة تصغير جنة - وهي البستان لكن - يا جنود - أوقفوا قطع النخل، فأوقفوا ذلك وقال لابن راشد: خبر حجيلان أني ما جيت من مصر من أجل حربه، أنا جاي من أجل حرب الوهابي يريد الإمام عبد الله بن سعود - قل له: يفهم هذا ولا يعترض لي وأنا ما أعترض له، ولا أدخل بلده.
وهكذا كان، اتفق حجيلان معه على هذا الأمر، فاستوثق إبراهيم من ذلك على عادته بأخذ بعض كبار القوم معه رهائن، حتى لا ينقض جماعتهم الصلح، أخذ معه بعض الرهائن من كبار القوم أهل بريدة، ومنهم عبد الله بن الأمير حجيلان، ولم يدخلها. وأعطى حجيلان جماعة من الذين معه حتى يقتلهم حجيلان إن حصل على ابنه شيء من إبراهيم باشا.
وذكر الإخباريون أن (السادَّة) الواقعة في جنوب بريدة القديمة، وفيها مقصورة ردئية المبنى، صغيرة من الطين فصار الذين فيه يسبون إبراهيم باشا عندما مر بهم، ويقولون له: انهزمت يا أبا الصبيان، وهذا سب فظيع.
فسأل عما يقولون فأخبره الذين معه به، فقال لصاحب المدفع، عطني سقف باب هذه المقصورة، قالوا: فرماها فأخطأها، من باب الاستهانة بها، ثم أطلق عليها قذيفة مدفع محكمة فهدمها، وسقط من فيها على الأرض أو تحت الردم، فتركها وحالها ومضى في سبيله.
ماذا يقول التاريخ المكتوب؟
ننقل هنا وجهة النظر لبلادنا والمسئولين فيها كما عرضها المؤرخ عثمان بن بشر سواء أكان يحكي ذلك حكاية حال أم حكاية مقال.
стр. 163
ونتبعها بكتاب من إبراهيم باشا إلى والده محمد علي حاكم مصر بعد أن تمت له السيطرة على القصيم أو لنقل إنه ضمن عدم مهاجمته من أهل القصيم.
وذلك مأخوذ من المخطوطات (الإرشيف) التركي.
قال ابن بشر ﵀:
وفي سنة ١٢٣١ هـ: سار عبد الله بن سعود بجنوده، من الحاضرة والبادية، وقصد القصيم فنزل الخبراء، وهدم سورها، وهدم سور البكيرية، وربط ثلاثة من رؤوساء الرس والخبراء منهم الأمير شارخ آل فوزان أمير الرس، وسار بهم إلى الدرعية بسبب استدعائهم لعساكر الترك، وسميت هذه الغزوة، غزوة محرَّش، لأنه انتقض الصلح الذي بين عبد الله بن سعود، وبين محمد علي بسببها، وذلك أنه ركب رجال من أهل القصيم إلى مصر، وأكثروا القول لمحمد علي، فتلقى قولهم، وشمَّر في تجهيز العساكر إلى نجد مع ابنه إبراهيم باشا.
وفي هذه السنة توفي أحمد طوسون بن محمد علي في مصر، في آخر شوال من السنة المذكورة.
وفي آخر هذه السنة سار إبراهيم باشا بالعساكر العظيمة من مصر، متوجهًا إلى نجد، فقدم المدينة، وضبطها، ثم سار منها، ونزل الحناكية، ثم دخلت السنة ١٢٣٢ هـ، وإبراهيم باشا في الحناكية، وكان عبد الله بن سعود قد أمر على أهل سدير، والوشم أن يسيروا إلى القصيم، فساروا إلى بريدة، وأمر على حجيلان بن حمد، أمير القصيم أن ينزل بأهل القصيم والوشم وسدير، الغميس، فنزلوا فيه وأقاموا نحو أربعة أشهر، ثم إن عبد الله بن سعود خرج من الدرعية لعشر بقين من جمادى الأولى من السنة المذكورة، واستنفر جميع بلدان نجد والبادية وسار بهم، ونزل بالقرب من الرس، واستدعي بحجيلان بن حمد ومن معه، فأتوا إليه، وتوجه عبد الله بن سعود بجنوده لقتال إبراهيم باشا ومن معه من العساكر، وهو حينئذٍ على
стр. 164
الحناكية، فلما بلغ إبراهيم باشا خبر عبد الله بن سعود أمر على علي أزن أن يسير بجملة من العساكر وجميع البادية من حرب وغيرهم، وينزلوا ماوية - الماء المعروف بينه والحناكية، مسافة يومين - فسار على أزن، ومن معه، ونزلوا ماوية، فلما علم بذلك عبد الله بن سعود وهو على خبراء نجخ، سار منها وترك ثقله عليها، فلما وصل ماوية، حصل بينه وبين علي أزن قتال عظيم، وصارت الهزيمة على عبد الله بن سعود ومن معه، وقتل من أصحابه نحو مائتي رجل، وذلك يوم الجمعة منتصف جمادى الآخرة من السنة المذكورة.
ثم إن عبد الله بن سعود، سار هو ومن معه وقصد بلد عنيزة ونزلها، وأما إبراهيم باشا فإنه سار بعساكره ونزل بلد الرس، لخمس بقين من شعبان من السنة المذكورة، فحاربوا ثم إنه حاصرهم إلى ثاني عشر من ذي الحجة، ثم إنه صالحهم ورحل عنهم ونزل الخبراء، فتفرقت البوادي عن عبد الله بن سعود، فلما كان بعد عيد النحر من السنة المذكورة جعل عبد الله بن سعود في قصر الصفاء المعروف في عنيزة عدة رجال مرابطة، واستعمل عليهم أميرًا محمد بن حسن بن مشاري بن سعود، ثم رحل من عنيزة ونزل بريدة، واستعمل في بريدة أميرًا إبراهيم بن حسن بن مشاري بن سعود، وجعل عنده عدة رجال مرابطة في بريدة.
ثم إن إبراهيم باشا رحل من الخبراء ونزل عنيزة، فأطاعوا له أهل البلد وامتنع الذين في قصر الصفاء، فحاصرهم إبراهيم باشا ورماهم بالمدافع رميًا هائلًا، فطلبوا منه المصالحة فصالحهم على دمائهم وسلاحهم، فخرجوا من قصر الصفاء وتوجهوا إلى أوطانهم، وأمر إبراهيم باشا بهدم قصر الصفاء فهدم، فلما بلغ عبد الله بن سعود الخبر وهو في بريدة رحل منها إلى الدرعية، وأذن لأهل النواحي يرجعون إلى أوطانهم.
ثم دخلت سنة ١٢٣٣ هـ وإبراهيم باشا إذ ذاك في عنيزة ثم سار منها إلى بريدة، وأميرها حينئذٍ حجيلان بن حمد من آل أبو عليان، فأطاعوا له أهل بريدة،
стр. 165
ثم رحل من بريدة وأخذ معه عبد الله بن حجيلان ورجالًا من رؤوساء بلدان القصيم، وكان يأخذ من كل بلد استولى عليها إذا أراد الرحيل منها رجلين، وثلاثة من رؤوسائها رهينة عنده، ثم إنه سار من بريدة ونزل شقراء يوم الخميس سادس عشر ربيع الأول من السنة المذكورة، فحاربوه ثم إنه وقع الصلح بينه وبينهم، وأقام في شقراء نحو شهر ثم ارتحل منها، وأخذ معه عشرة من رؤوسائهم وقصد بلد ضرماء فحاربوه فأخذها عنوة في سابع وعشرين من ربيع الثاني من السنة المذكورة، وقتل من أهلها نحو ألف وثلاثمائة رجل ونهب البلد، وأخلاها من أهلها، ثم ارتحل منها إلى الدرعية، فنزل في ثالث عشر من جمادي الأول من السنة المذكورة، وجرى بينه وبين أهلها عدة وقعات، أولها وقعة المغيصيبي قتل فيها عدة رجال من الفريقين، ثم وقعة غبيراء، صارت الهزيمة على أهل الدرعية، ثم وقعة سمحة، استولى عسكر إبراهيم باشا على مدافع أهل الدرعية، ثم وقعة السلماني قتل فيها عدة رجال من الفريقين ثم وقعة الصنع، ثم وقعة البليدة، ثم وقعة عند المغترة، ثم وقعة قري عمران الأولى، ثم وقعتين بعدها فيه، ثم وقعة المحاجي، ثم وقعة كتلة، ثم وقعة عرقة، ثم وقعة قرى عمران الأخيرة، وكانت في عاشر شوال من السنة المذكورة، ثم وقعة المحجا الثانية، ثم وقعة عرقة الثانية، واستولوا عليها العسكر (١).
وقرأت في كتاب (تاريخ نجد من خلال كتاب الدرر السنية في الأجوبة النجدية) المعروف برسائل ومسائل آل الشيخ وعلماء نجد، جمع الشيخ عبد الرحمن بن قاسم ما يلي:
وبعدها جسر إبراهيم باشا على القدوم، فنزل القصيم وحربهم قدر شهرين، أيدهم الله بالنصر لما كانوا مستقيمين صابرين، وعزم على الرجوع
стр. 166
عنهم، لكن قوّى عزمه فيصل الدويش قاتله الله وطمّعه وخوَّفه، وبعد هذا صالح أهل الرس وعبد الله بمن معه على عنيزة، ورجع إلى بلده، وأشار عليه مبارك الظاهري: أنه يجئ بثلاثة آلاف من الإبل عند ابن جلهم، ويجعل عليها الأشدة، ويحمل عليها كل ما كان له، ولا يدع في الدرعية له طارفة، ويصد مع عربان قحطان ونحوهم، وكل من كان له مروءة من بدوي أو حضري راح معه، كذلك الذي يخاف، فلو ساعد القدر لم يظفر به عدوه، وتبرأ منهم من أعانهم بالرحيل، من مطير وغيرهم، ولله فيما جرى حكم، قد ظهر بعضها لمن تدبر وتفكر، وهذا الرأي أسلم له، والذي يريد القعود يقعد، ويكون ظهره علي السعة؛ ويذكر له: أنك يا عبد الله إذا صرت كذلك، صار لك في العسكر مكائد، منها قطع سابلة ما بينه وبين المدينة، وهذا الرأي سديد، ولكن لم يرد الله قبوله؛ لأن الأقدار غالبة، ولو قدر غير ذلك لكان (١).
أكاذيب إبراهيم باشا:
أما رواية إبراهيم باشا التي ضمنها كتابا أرسله بعد أن انتهى من أمر القصيم بأنها في مجملها أكاذيب أراد منها أن يبرز مقدرته العسكرية التي مبعثها من دون شك عدم أخذ الجانب الآخر الذي هو جانب أهل نجد الاستعدادات والإجراءات اللازمة للنصر كما تقدم.
ولكي يطلب إبراهيم باشا ما يريد بناء على انتصاره في القصيم من زيادة في النفقات، ومن زيادة في الإمدادات وربما الجنود أيضًا.
قال إبراهيم باشا في كتابه الموجود في المخطوطات (الإرشيف) التركي في اسطنبول:
стр. 167
معروض والي جدة إبراهيم باشا إلى والده والي مصر محمد علي باشا: ولي النعمة صاحب الدولة والعناية جناب سيدي.
أعرض على جنابكم أنه لما تم التحرك في غرة محرم الحرام هذا (أي من عام ١٢٣٣ هـ) من الموقع المسمى عنيزة متوجهين إلى قرية بوريدة (بريدة) سبق أن أرسل شيخ القرية المذكورة هجيلان (حجيلان) رجلًا، طالبًا الأمان، إلَّا أنه انتابه الخوف فيما بعد، فوضع بعض الرجال في الأبراج الموجودة بأطراف القرية (أي بريدة)، فلما اقتربنا منها بدأ بإطلاق النار علينا، لمنعنا من دخول القرية، فتم تقريب المدافع إليها على الفور، فهدمت أربعة أبراج، وهوجم عليهم، فلما قتل ستون شخصًا منهم قام الباقون الموجودون على القلاع والمتاريس بتسليم أسلحتهم، ولما تم الاستيلاء على الأبراج والمتاريس الواقعة في الخارج تم الهجوم على القرية، إلَّا أنه كان لهجين المذكور ثلاث قطع من المدفعية، ولهذا فلم يتم الدخول إلى القرية؛ بل تم التضييق عليه من خلال إطلاق المدافع والأعيرة النارية عليه يوما وليلة كاملتين دون انقطاع، فلم يستطع المذكور إزاء ذلك إلَّا أن يطلب الأمان، فأعطي الأمان بشرط تسليم مدافعه ومهماته العسكرية وتقديم ابنه، فتيسر دخولنا بحمد الله تعالى إلى القرية المذكورة.
والحقيقة كان ينبغي عدم منح الأمان لهجيلان المذكور، إلَّا أنه بالنظر لما ورد من نبا من أن وادي شقراء الذي يبعد عنه مسافة أربع مراحل منبع للوهابيين أيضًا، فإننا كنا بحاجة ماسة سواء في شقراء أو في الدرعية ذاتها إلى كمية كبيرة من الجلة والمؤن، وبناءً على ذلك فإننا منحناه الأمان؛ حتى لا نصرف من عتادنا العسكري دون ما فائدة، وإضافة إلى ذلك فإن الشيخ المذكور مسن للغاية، وقد وصل سنه - على وجه التخمين - إلى مائة وعشر سنوات، كما أن كافة قرى وادي القصيم تتبعه، ولهذا فقد قدم شيوخ تلك القرى كلهم، فمنحوا الأمان، وابن المذكور مازال رهينة لدينا، وقبل حوالي عشرين
стр. 168
يوما قد قمت بتوفير ثلاثة آلاف إبل من العربان وإرسالها إلى المدينة المنورة، بغية جلب الذخيرة والمهمات العسكرية والمؤن وكذلك جلب القائد مطلي سلمان آغا الذي قدم من مكة المكرمة، وإذا ما وصلت تلك الإبل بإذن الله تعالى، فسوف يتم التحرك على قلعة شقراء، وإذا ما وصل قواد المشاة بموجب طلبنا من مصر، فسوف نغادر وادي شقراء أيضًا، متوجهين إلى الدرعية مباشرة.
وتقع الدرعية على مسافة ثلاث أو أربع مراحل من قلعة شقراء، وسوف يتم بذلك الجهود اللازمة في فتح الدرعية والاستيلاء عليها، بعد عون الباري تعالى ثم توجهات جناب السلطان ودعاء الخير من جنابكم الكريم، وقد تمت كتابة هذا المعروض المبشر بالخير. وختمه وتقديمه إلى جنابكم، والجدير بالذكر يا سيدي أن الموقع المسمى عنيزة، أكبر من جملة القرى الواقعة في وادي القصيم، وبناء على أنها منبع للوهابيين، فقد عينا بشكير آغا حاكمًا على وادي القصيم بعد أن أرفقنا معه مائة نفر من الخيالة، وحوالي مائة وخمسين شخصًا من المشاة، وذلك حتى يقيم فيها ويحافظ على كافة القرى الواقعة في وادي القصيم، وقد استشهد منا عدد من الأفراد كما جرح عدد آخر، وإذا ماتم الاستيلاء على وادي شقراء - إن شاء الله تعالى - أيضًا، فإنه سوف تتم إقامة مائة خيالة ومائة من المشاة فيها، وقد تبين من الدفتر الوارد من جنابكم أخيرًا أنه منذ وضع الحصار في قلعة الرس وحتى حينه، قد بلغ عدد الأجناس المرسلين ثلاثين ألف شخص، ما عدا المرسلين من مصر إلى ينبع، ومنذ أن قدمت إلى هذه المنطقة، فإنني أبذل جهودي ليل نهار، والمرجو من جنابكم الكريم التفضل بإرسال عشرة آلاف قبوز وفلنير (لم يتضح معناهما، ويبدو أنهما يستخدمان ذخيرة للمدافع) (١)، إلى ينبع البحر من باب الاحتياط كما أرجو
стр. 169
إرسال المهمات العسكرية والخلع التي سبق أن طلبتها والفراشة وعساكر المشاة، وإن لم يكن هناك شبهة أن جنابكم أرسلتوها حتى الآن (أي لم تقصروا في ذلك)، إلَّا أنني بدون حد أشير إليها بشكل عابر، وإنني بصدد مغادرة قلعة بريدية هذه، وسوف يتضح لجنابكم سائر الأوضاع والأحوال الأخرى من تقرير المراسل، والأمر والفرمان واللطف والإحسان لصاحب الدولة ولي النعمة سيدي جناب السلطان.
٩ محرم ١٢٣٣ (هـ)
(ختم) سلام على إبراهيم
التعليق:
هذا كذب ظاهر فإبراهيم باشا لم يحتل بريدة، ولم يقتل من أهلها ستين، بل لم يقتل من أهلها رجلًا واحدًا، لأنها محاطة بسور قوي لا طاقة له بإختراقه هو (سور حجيلان) بن حمد الذي تقدم ذكره.
ولذلك نزل في الصباخ جنوب بريدة، وصار يأمر جنوده بقطع نخيله كما سبق، من أجل الضغط على حجيلان وأهل بريدة حتى يخرجوا من البلد، وبالفعل خرج منهم رجل أرسله إبراهيم باشا برسالة إلى حجيلان للتفاوض آخذًا إبراهيم باشا درسًا في قتاله مع أهل الرس، ومستغلًا الوهن الذي حصل في قلوب أهل نجد.
وقد اتفق مع حجيلان على أن يأخذ إبراهيم باشا معه ابنه عبد الله رهينة ويضع جماعة من رجاله عند حجيلان وهؤلاء أيضًا بمثابة الرهائن عند حجيلان إن حصل لابنه مكروه قتلهم والعكس بالعكس.
وأما كلامه عن الأسوار الخارجية والداخلية لبريدة فهو هراء وتلفيق فليس لبريدة إلَّا سور واحد منيع لم يستطع إبراهيم باشا النيل منه.
стр. 170
أما ما ذكره عن قتل ستين من أهل بريدة بعد الأسوار الخارجية فهو كذب محرف عن الواقعة التي حصلت بعد أن اتفق إبراهيم باشا مع حجيلان ومن دون أن يدخل هو أو أحد من جيشه إليها ورحل عنها مارًا بقرية السادة التي كانت منفصلة بل بعيدة عن بريدة في ذلك التاريخ، لأن حجم أبنية بريدة كان ضيقًا كان أهلها لم يعرفوا بالإتفاق بين حجيلان وإبراهيم باشا وكان عليها أي على (السادة) سور صغير ضعيف فيه مقصورة أي برج صغير قد تحصن ستة من أهلها الرماة فيه، فناوشوا إبراهيم باشا الرمي فهدم البرج بالمدفع وقتل أولئك الستة من أهل السادة، وهم الذين زعم في كتابه لوالده أنهم كانوا على أسوار بريدة الخارجية.
فهم ستة وليسوا ستين، وكانوا معروفين بأسمائهم آخر من سمعتهم يذكر بعضهم علي بن محمد الحسون الذي ذكر أن أحد أجداده أو قال أقاربه كان منهم وذكر اسمه.
ومن أكاذيبه في هذا الكتاب ما ذكره من كون حجيلان بن حمد قد بلغت سنه المائة وعشر سنوات، وأن كافة قرى وادي القصيم تابعة له.
وهذا تخبط حتى في التعبير فالقصيم ليس واقعا كله على واد، ما عدا وادي الرمة الذي لا تقع قرى القصيم في ذلك الوقت على ضفتيهه مباشرة ما عدا الرس والخبراء.
وأما سن حجيلان بن حمد فإنها مرتفعة ذكر لنا الإخباريون أنها تبلغ ثمانين سنة، أما كونها تبلغ مائة وعشر سنوات فهذا ليس صحيحا، إذ لم يوجد من يكون حاكمًا بلياقته للحكم التي من أجلها أخذه إبراهيم باشا معه إلى مصر حذرا من تأثيره ولكنه مات في المدينة بسبب سيأتي ذكره، ويكون مثل ذلك الرجل في سن المائة وعشر سنوات.
وينبغي أن ينظر المؤرخ إلى قول إبراهيم باشا في كتابه: "وقبل حوالي عشرين يومًا قد قدمت بتوفير ثلاثة آلاف إبل من العربان وإرسالها إلى المدينة المنورة بغية جلب الذخيرة، والمهمات العسكرية والمؤن.
стр. 171
والمتأمل لذلك لابد متسائل عن كيفية تحرك تلك الإبل الكثيرة إلى المدينة المنورة من القصيم، ثم عودتها منها إلى القصيم محملة بالأشياء الثمينة من العتاد الحربي والمؤن اللازمة للجيش ولماذا لم يعترضها معترضون سواء من الحكوميين الرسميين في الدرعية أو في القصيم أو من الأعراب وسائر المغيرون المنتهبين؟
ومن طريف الكذب ما ذكره ضابط اسم وظيفته (أوضه باشي المداين) إلى السلطان التركي نفسه وليس إلى حاكم مصر محمد علي وقال فيه:
"ومن خصوص ابن علي حجيلان أنهم ذبحوا من طرف أفندينا محمد علي الذي بقي بينه وبين الدرعية يومان، وجاعنا ركاب خبرونا بذبحتهم حاضرين لكون من خدامك شيوخ المدائن.
وهذا ذكره كاف في الرد عليه.
خطاب أوده باشي (ضابط الإنكشارية) في مدائن صالح:
العبد يقبل الأرض الذي (التي) هي ملجأ العفاة ومحل الكرم، لا يخيب من اقتفاه، المولى الأعظم والمشير الأفخم مالك الديار الشامية وكافل الأقطار الحجازية، وفخر الدولة العثمانية، خلد الله ظلاله على البرية، ومكنه وفضله على النفوس البشرية، آمين اللهم آمين.
وبعد: ألا سمح أفندينا سليمان باشا عند هذا الداعي مقيمين لكم على وظيفة الدعاء، ثم المثول من المبدي لتقبيل سعادة أيديكم الكرام، ونخبر جنابكم السعيد من خصوص ابن علي حجيلان، أنهم ذبحوا (من طرف) أفندينا محمد علي (الذي) بقي بينه وبين الدرعية يومان، وجاءنا ركاب خبرونا بذبحتهم، حاضرين الكون من خدامكم شيوخ المدائن، وبعثنا بخبر أفندينا عما صار،
стр. 172
ونبشر به، وبخصوص بركة المدائن إنها خراب، وإن شاء الله أن أفندينا يسعي لها لكلس ومعلمين، ودمتم والسلام.
حسن: أوضه باشي المداين
وهذا كتاب أكثر أهمية لأنه مرسل من (محمد علي) والد إبراهيم باشا وهو حاكم مصر الذي قام بالمهمة كلها إلى سلطان تركيا في اسطنبول.
ويقول فيه:
سبق أن عرضت على جنابكم أن ابننا إبراهيم باشا كان قد تأهل للخروج إلى القرية التي تسمى (بريدة) والتي تبعد عن قرية عنيزة مسافة ست ساعات.
ثم ذكر خلاف ما ذكره ابنه إبراهيم باشا من كونه اصطلح مع حجيلان من دون الدخول إلى (بريدة)، فقال وهو محمد علي يخاطب السلطان في اسطنبول:
"الشيخ حجيلان الذي كان في القرية المذكورة قد خاف من ذلك فوضع رجالًا مدافعين، حيث أصحبت محصنة إلى أن قال:
ثم تم الهجوم على القرية واقتحمها واستمرا إطلاق المدافع والنار عليها يومًا وليلة.
إلى أن قال:
ثم بعد ذلك دخل (أي إبراهيم باشا) إلى القرية الخ، فهذا تناقض بين إبراهيم باشا ووالده، شأن المعتدين.
صاحب الدولة والعناية والعاطفة والرحمة ولي النعم كثير اللطف والكرم جناب السلطان:
стр. 173
سبق أن عرضت على جنابكم المعروض الوارد المتضمن أن ابننا إبراهيم باشا كان قد تأهب للخروج إلى القرية التي تسمى بريدة والتي تبعد عن قرية عنيزة مسافة ست ساعات، وقد وصل ابننا المذكور إلى قرية بريدة في غرة محرم الحرام (أي من عام ١٢٣٣ هـ) والشيخ حجيلان الذي كان في القرية المذكورة قد خاف من ذلك فوضع رجالًا مدافعين على الأبراج الموجودة في أطراف القرية وعلى سورها، حيث أصبحت بذلك محصنة، ولذلك فقد تم في البداية إطلاق المدافع على الأبراج، وهدمها، وإعدام ستين نفرا من الموجودين فيها، ثم تم الهجوم على القرية واقتحامها، واستمر إطلاق النار والمدافع عليها يوما وليلة، فلم يستطع الشيخ المذكور (حجيلان) والفئة الموجودة بالداخل من الفرار، فطلبوا الأمان، فأخذت مدافعهم التي تكونت من ثلاث قطع مع العتاد العسكري، فأعطوا الأمان بعد أخذ ابن الشيخ المذكور رهينة، ثم بعد ذلك دخل أي إبراهيم باشا) إلى القرية، وسوف يتم من هناك أيضًا - بعونه تعالى - التحرك إلى قلعة وادي شقراء التي تبعد مسافة أربع مراحل، هذا وبعد أن يتم أيضًا الاستيلاء على قلعة شقراء بإذنه تعالى، وإخضاع أهلها للطاعة، سوف يتم بعد التوكل على الله تعالى التوجه إلى قلعة الدرعية، هذه هي نية المذكور (إبراهيم باشا) الذي ذكر ذلك في الخطاب الذي بعث به والممهور (أي المختوم) بمهره، ونرجو أن يكون الآن قد دخل إلى الوادي المذكور، وبعد أن يستولي عليها فسوف تبقى المسافة بينه وبين الدرعية مسافة أربع مراحل، كما اتضح ذلك من الخطابات الواردة بهذا الخصوص، وكما لا يخفى أنه من دواعي سرورنا اقترابه من الدرعية، فإنه سوف يسر جنابكم أيضًا، وقد أرفق بطيه الخطابات الواردة من المذكور، وتقديمه إلى جنابكم، وفي حال إطلاع جنابكم على مضمونها فإن الأمر والفرمان واللطف والعناية والإحسان، لسيدي صاحب الدولة والعناية والعاطفة والرحمة ولي النعم كثير اللطف والكرم.
стр. 174
٢٧ صفر ١٢٣٣ (هـ) (ختم) محمد علي
ومن هذا النوع كتاب آخر، وحوادثة وقعت قبل وصول إبراهيم باشا إلى القصيم: (الأرشيف العثماني) تصنيف (١٩٧٠١. HAT)
المعروض الذي بعث به إلينا والي الشام سليمان باشا في التبشير بالانتصار الذي حققه والي مصر ووالي جدة على الوهابي في الدرعية وترجمة الخطابات العربية الواردة بهذا الخصوص إلى المشار إليه والتي بعث بها إلى استانبول، بغية عرضها وتقديمها إلى جناب السلطان، وإذا أحيط بها علمًا فإن الأمر والفرمان لحضرة من له اللطف والإحسان.
ولي النعمة بلا منَّة سيدي جناب السلطان:
إن والي مصر القاهرة سعادة محمد علي باشا موجود في الحجاز، وقد قمنا بإرسال بعض المراسلين مع العربان، بغية الحصول على معلومات عنه، ووردت في هذه الأيام خطابات عربية من (محافظ) قلعة مدائن صالح ﵇ وشيخ المدائن، والضابط (المحافظ) على العُلا، وقد تطابق عما جاء في تلك الخطابات مع ما أدلى بها المراسلون من تقارير (شفهية)، حيث ذكرت أن الوزير المشار إليه (أي محمد علي باشا) بعد أن قام بفتح القلاع الموجودة في المكان الذي أطلق عليه تربة، أرسل ابنه سعادة طوسون أحمد باشا - الذي ما زال واليا على جدة - على الدرعية، فلما وصل هذا (مع من كان معه) إلى الموقع الذي سمي رسي (الرس) الذي يبعد عن الدرعية مسافة ستة أيام، استقبله الوهابي المدعو ابن علي حجيلان مع عدد وافر من العساكر، وفي الوقت الذي كادت المعركة أن تقع بينهما، فإن عشيرة حرب - المطيعة للدولة العلية والتي كانت تخدم المشار إليهما (أي محمد علي باشا وابنه أحمد طوسون باشا) - قامت بقتال الوهابي المشار إليه قتلًا شديدًا، وبحمد الله تعالى لم ينج أحد (ممن كانوا)
стр. 175
مع الوهابي المذكور، وأصبحت أموالهم غنيمة، وبهذا العمل كان حصول النصر، كما تبين ذلك من الخطابات الواردة وتقارير المراسلين (المعطوفة) على رواية المحافظ المشار إليه، وقد تم بطي معروض هذا تقديم الخطابات المذكورة إلى دولتكم، وما ورد فيها من الأخبار الخيرة صحيح، وإذا أحطتم بها علمًا فإن الأمر والفرامان لحضرة من له اللطف والإحسان.
١٥ ربيع الثاني ١٢٢٩ (هـ)
(ختم) سليمان باشا
(الحاشية):
تم الإطلاع عليه، سوف يبشرنا الحق تعالى جميعًا بفتح الدرعية قريبًا إن شاء الله، ونأمل أن يرد خطاب والي مصر أيضًا في هذه الأيام، ويكون تأكيدًا لما ورد في هذا المعروض.
وعلى ذكر الأرشيف العثماني نورد هنا ما وقفنا عليه بشأن مصير الإمام عبد الله بن سعود بعد أن أرسله محمد علي باشا من مصر إلى السلطان في تركيا إن المعروف أن السلطان قتله، بل إن الذي سمعناه من العامة من نجد أن السلطان طبخه في قدر يريدون أنه وضعه في قدر محمي حتى يكون ذلك أكثر شناعة لقتله، ولكن هذا غير صحيح بل نص المؤرخون وغيرهم على أنه قتل، ووجدنا في الأرشيف العثماني ما يعرف منه كيفية قتله.
وذلك فيما يلي: الأرشيف العثماني، تصنيف:
LDH. ١٣٢٥ C/٣٥
LHUS. Ca. ١٣١١/ ٦٦
стр. 176
YMTV. ٥٢/ ٨٢, ٥٢١٤٧.
Y.PRK. HH.١٩/ ١١. ٢٦/ ٣٧
Y. PRK. Ms. ٣/ ١٧
عبد الله بن سعود بن عبد العزيز بن محمد (إمام): (ت: ١٢٣٤ هـ/ ١٨١٨ م).
من أمراء الدولة السعودية، ولي عليها بعد وفاة أبيه سنة (١٢٢٩ هـ/ ١٨١٨ م)، وحاربته جيوش العثمانيين القادمة من مصر، وتغلب عليه قائدها "إبراهيم باشا" فطلب الصلح، فرجع إلى معسكره وتجهز في بضعة أيام، وأرسله إبراهيم إلى مصر، فأكرمه واليها "محمد علي باشا" ووعده بالتوسط له عند حكومة اآستانة، فقال: المقدر يكون، وحمل إلى الآستانة ومعه اثنان من رجاله (سري، وعبد العزيز بن سلمان)، فطيف بهم في شوارعها ثلاثة أيام متتابعة، وأعدموا في ميدان مسجد "آيا صوفيا"، وقطعت رؤوسهم، وظلت جثتهم معروضة بضعة أيام.
أما ما يتعلق بحجيلان بن حمد من هذا الأرشيف متصلًا بما ذكرناه فإنه مليء بالغلط وأوله الغلط في اسمه إذ أسموه حجيلان بن علي وهو حجيلان بن حمد، وكذلك غلطوا في عمره إذ ذكروا أنه مائة وعشر، إذ ذكروا أن عمره كان يقدر بمائة وعشر سنوات، أثناء هجوم إبراهيم باشا على بلدته عام ١٢٣٣ هـ - ١٩١٨ م (١).
حجيلان بن علي (شيخ): كان أميرًا على مدينة بريدة، وكان عمره يقدر بمائة وعشر سنوات أثناء هجوم إبراهيم باشا على بلدته عام ١٢٣٣ هـ /
стр. 177
١٨١٨ م). وكانت القرى في القصيم - حسب ما تذكره الوثيقة العثمانية - تابعة له، وقد أظهر شجاعة كبيرة لما تصدى لقوات أحمد طوسون باشا عام (١٢٢٩ هـ/ ١٨١٤ م) حين قام مع أتباعه بمنع دخول القوات الغازية إلى بلاده.
الأرشيف العثماني، تصنيف , H.H ١٩٥٦٠، , ١٩٥٦٢ , ١٩٧٠١ - A، ١٩٧٠١ B
< رمز>وبعد وقعة الدرعية:
حصل ما حصل من الهزيمة في الدرعية كما هو معروف، وسبقت الإشارة إلى شيء منه، وعاد إبراهيم باشا عن طريق القصيم لأنه كان يجيء من مصر ويبحر إليها عن طريق ميناء ينبع، فأمر على حجيلان بن حمد أن يذهب معه إلى المدينة، ومنها قد يذهب به معه إلى مصر.
فذكر له حجيلان أنه كبير السن، فقال إبراهيم باشا: اجعل ولدك عبد الله، وكان إبراهيم باشا عرفه لأنه كان أحد الرهائن الذين أخذهم إبراهيم باشا معه، وهو ذاهب إلى حرب الدرعية.
فقال حجيلان: إني أخاف عليه من أبناء عمه (بني عليان) ويريد بذلك فرع الدريبي الذين يناصبون الفرع الذي منه حجيلان بن حمد وهو فرع الحسن العداء، ويتقاتلون معهم على الإمارة كما سبق.
فقال له إبراهيم: خلهم يعاهدونك على المصحف إنهم ما يخونونك في ابنك، ولا يمسونه بسوء، قالوا: ولم يكن من عادة أهل نجد القسم على المصحف، أو المعاهدة عليه بمعنى أن يكون المحتالفون أو المتعاهدون قد وضعوا أيديهم على المصحف.
وهكذا جمع حجيلان الأشخاص الذين يخشى على ابنه عبد الله منهم واستحلفهم
стр. 178
على المصحف، وسار - رغمًا عنه - مع إبراهيم باشا حتى وصل إلى المدينة المنورة.
وقد بقي إبراهيم باشا في المدينة المنورة فترة كان حجيلان معه فيها فرأى حجيلان في المنام في ليلة من الليالي أن رشيد الحجيلاني وفلانًا من بني عليان - أبناء عمه - قد شقوا صدره - أي صدر حجيلان - وأخذوا منه قلبه، فارتاع من هذه الرؤيا، وقصها على إبراهيم باشا، فقال له: إن صدقت رؤياك - يا عجوز - فهم قتلوا ابنك، لكن احنا يا أهل مصر نعتقد أن الذي يحلف على المصحف وينكث حلفه تأكله نار من فوق أو من تحت.
قالوا: ولم يتحمل حجيلان هذا الأمر فأصابه منه اسهال في بطنه استمر معه حتى مات، ودفن في السحيمي في غرب المدينة المنورة.
ومازال قبره معروفًا إلى العقد الثامن من القرن الرابع عشر الذي انتقلت فيه للعمل في المدينة المنورة، وذلك قبل أن تبدأ الحكومة بتطوير المدينة المنورة عن طريق توسعة شوارعها، وشق شوارع جديدة فيها، فكان مكان قبر حجيلان أحد ضحايا ذلك التوسع.
ومن الطريف في هذا الأمر مع أن الموضوع كله ليس فيه طرافة، أن حجيلان بن حمد صار يعرف عند الجمال والنساء من أهل المدينة بشيخ الذر، جمع ذرة وهي الصغيرة من النمل، فصاروا إذا آذاهم الذر أرسلوا إلى قبر شيخ الذر الذي هو قبر حجيلان بن حمد قائلين له: يا شيخ الذر كف عنا ذرك.
حدثني الشيخ عمر محمد فلاتة الذي عينته أنا عندما كنت الأمين العام الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة مساعدا لي لكونه إفريقيا ونحن لدينا في الجامعة طلاب من الإخوة الإفريقيين نريد أن نستمع إلى مطالبهم، ونفعل لهم ما يجعلهم يستمرون في الدراسة في الجامعة الإسلامية باطمئنان، ويزيل ما قد يشتكون منه، قال عمر فلاته:
стр. 179
كنت في صغري صبيًّا عند بيت فلان - من وجهاء أهل المدينة، فأرسلوني أكثر من مرة مع شيء من الحبوب كالدخن أو الذرة إلى قبر شيخ الذر، وقالوا لي: حط هذا الحب فوق قبره، وقل: يا شيخ الذر كفَّ عنا ذرك! ! !
قال: ففعلت ذلك أكثر من مرة.
وليس شيخ الذر إلَّا حجيلان بن حمد الذي صار على لسان بعض جهال المدينة ونسائها شيخًا للذر، بعد أن كان شيخًا للقصيم! ! !
مصير الإمام عبد الله بن سعود:
ذكر المؤرخ الحر في كتابه للوقائع التاريخية الشيخ عبد الرحمن الجبرتي كيفية وصول الإمام عبد الله بن سعود ومن معه أسرى من نجد إلى مصر، ثم ذكر كيف حملوا من مصر إلى اسطنبول فقال في حوادث سنة ١١٣٤ هـ من تاريخه:
وفي ذلك اليوم وصل عبد الله بن سعود الوهابي ودخل من باب النصر وصحبته عبد الله بكتاش قبطان السريس وهو راكب على هجين وبجانبه المذكور وأمامه طائفة من الدلاة فضربوا عند دخوله مدافع كثيرة من القلعة وبولاق وخلافهما وانقضى أمر الشنك وخلافه من ساحل النيل وبولاق ورفعوا الزينة وركب الباشا إلى قصر شبرا في تلك السفينة وانفض الجمع وذهبوا إلى دورهم وكان ذلك من أغراب الأعمال التي لم يقع نظيرها بأرض مصر ولا ما يقرب من ذلك ومطبخ الميري يطبخ به الأرز على النسق المتقدم والأطعمة يؤتى لأرباب المظاهر منها في وجبتي الغداء والعشاء خلاف المطابخ الخاصة بهم وما يأتيهم من بيوتهم وأما العامة والمتفرجون من الرجال والنساء فخرجوا أفواجًا وكثر زحامهم في جميع الطرق الموصلة إلى بولاق ليلًا ونهارًا بأولادهم وأطفالهم ركبانا ومشاة وقد ذهب في هاتين الملعبتين من الأموال ما لا يدخل تحت الحصر وأهل الاستحقاق يتلظون من الفشل والتفليس مع ما هم فيه
стр. 180
من غلاء الأسعار في كل شيء وانعدام الأدهان وخصوصًا السمن والشيرج والشحم فلا يوجد من ذلك الشيء اليسير إلَّا بغاية المشقة ويكون على حانوت الدهان الذي يحصل عنده بعض السمن شدة الزحام والصياح ولا يبيع بأزيد من خمسة أصناف وهي أوقية اثنا عشر درهمًا بما فيها من الخلط وأعوان المحتسب مرصدون لمن يرد من الفلاحين والمسافرين بالسمن فيحجزونه المطالب الدولة ومطابخهم ودورهم في هذه الولائم والجمعيات ويدفع لهم ثمنه على موجب التسعيرة ثم يوزع ما يوزعه وهو الشيء القليل على المتسببين وهم يبيعونه على هذه الحالة، ومثل ذلك الشيرج وخلافه حتى الجبن القريش (وفيه) وصل عبد الله الوهابي فذهبوا به إلى بيت إسماعيل باشا ابن الباشا فأقام يومه وذهبوا به في صبحها عند الباشا بشبرا، فلما دخل عليه قام له وقابله بالبشاشة وأجلسه بجانبه وحادثه وقال له: ما هذه المطاولة؟ فقال: الحرب سجال قال وكيف رأيت إبراهيم باشا قال ما قصر وبذل همته ونحن كذلك حتى كان ما كان قدره المولى فقال أنا إن شاء الله تعالى أترجي فيك عند مولانا السلطان، فقال المقدر يكون.
ثم ألبسه خلعة وانصرف عنه إلى بيت إسماعيل باشا ببولاق ونزل الباشا. في ذلك اليوم السفينة وسافر إلى جهة دمياط وكان بصحبة الوهابي صندوق صغير من صفيح فقال له الباشا: ما هذا؟ فقال: هذا ما أخذه أبي من الحجرة أصحبه معي إلى السلطان وفتحه فوجد به ثلاث مصاحف قرآنًا مكلفة ونحو ثلثمائة حبة لؤلؤ كبار، وحبة زمرد كبيرة وبها شريط ذهب فقال له الباشا الذي أخذ من الحجرة أشياء كثيرة غير هذا، فقال هذا الذي وجدته عند أبي فإنه لم يستأصل كل ما كان في الحجرة لنفسه بل أخذ كذلك كبار العرب وأهل المدينة واغوات الحرم وشريف مكة فقال الباشا صحيح وجدنا عند الشريف أشياء من ذلك.