والوثيقة التالية مداينة بين غصن بن ناصر السالم وبين عبد الكريم بن عمير الحصين بمبلغ من المال كثير وهو ألفا وزنة تمر ومائتان وسبعة عشر صاع حبِّ أي قمح فالحب هو القمح، هذا إلى جانب ريالات.
وذكرت الوثيقة أن التمر يحل أجل وفائه في جمادى الأولى سنة ١٢٨٢ هـ، والعيش يعني الحب أو القمح في ذي الحجة من سنة ١٢٨١ هـ
стр. 1787
والريالين يحلن أحبل وفائهما حلول أجل التمر.
ثم ذكر الرهن وذكر أن هذا آخر حساب بينهما.
والشاهد عبد الله بن مفرج - بالجيم المنقوطة - وكتبه الكاتب الشهير عبد المحسن بن سيف الشهير بالملا.
والتاريخ ١٦ شعبان من عام ١٢٨١ هـ.
ومع ما ذكر بأن ذلك هو آخر حساب بينهما فإنه جرت بينهما بعد ذلك معاملة اقتضت أن يكتبا بينهما وثيقة المحاسبة التالية بعد هذه.
стр. 1788
ووثيقة المخالصة أو المحاسبة هذه مؤرخة في ١٤ رمضان من عام ١٢٨٢ هـ بخط علي العبد العزيز بن سالم.
وآخر الحساب بينهما كما ذكرت الوثيقة هو ستمائة وعشر وزان - جمع وزنة - تمر وستون ريالًا، وسبعة وثمانون صاع حب حنطة.
والشاهد عليها هو عبد العزيز الحماد بن سالم.
فالدائن هو غصن بن ناصر بن سالم وهو رأس أسرة الغصن وهو من السالم والشاهد والكاتب كلاهما من السالم فالثلاثة كلهم من أسرة السالم الكبيرة القديمة السكنى في بريدة.
стр. 1789
قلت: إن أسرة الحصيِّن هم من أهل الشماس القدماء، وذلك لا شك عندي فيه وهو معروف مدعم بوثائق مكتوبة منها ما ذكره بعض المؤرخين من أن حجيلان بن حمد أمير القصيم كان قتل شخصًا من أهل الشماس اسمه (ابن حصيِّن) ومعروف أن حكم حجيلان بن حمد بدأ عام ١١٩٤ هـ. وانتهى في عام ١٢٣٤ هـ.
ومنها ما ورد في هذه الوثيقة المؤرخة في عام أربعة وستين (ومائتين) ولم يذكر القرن، ولكنه معروف لنا لأن مداينة الدائن فيها هو علي الناصر (آل سالم) زعيم بريدة في وقته وقد قتل كما ذكر ابن بشر وغيره في سنة اليتيمة عام ١٢٦٥ هـ.
وأما المدين فقد ذكر أنه الهميلي الحصين مما يدل على أن أسرة الحصين أبناء عم قريبين لأسرة الهميلي المعروفة المشهورة قديمًا وحديثًا بأنهم من أهل الشماس وأن بعضهم انتقلوا منها بعد خراب الشماس إلى الشماسية ثم إلى بريدة.
أو إن الهميلي كان يقال لهم الحصين قبل ذلك، ولكنهم خرجوا عن (الحصين) بتسمية الهميلي.
ونستدل على ذلك وأن كنا نعرفه يقينًا بأن الدائن قد رهن صيبة المستدين بمعنى نصيبه من (الحوطة) و (الحوطة) حائط نخل معروف مشهور في خب الشماس، بل هو أعظم وأفخر ملك فيه، وكانت الحوطة هذه من ممتلكات جد والدي عبد الكريم بن عبد الله بن عبود بيعت بعد وفاته وكان سَبَّل فيها ١٦ نخلة كان والدي ﵀ يقبض ريعها من ابن عثيم آخر مالك للحوطة وهي تمر يعطيه للمحتاج من أسرتنا وهم قليل، ولا يذوق منه شيئا لأننا مثل سائر أسرتنا أغنياء عنه.
ثم آلت الحوطة إلى ملك أحمد العييري وباعها أولاده إلى الراجحي، واستثنوا ما بقي من النخلات التي سبلها جد والدي فيها وهي اثنتان فقط، ولم نطالب بها لأنها قليلة ونحن كثير، ولم نجد من يرضى بأن يطالب بنخلتين مشتركة بين الأسرة كلهم من رجال ونساء في الانتفاع من ريعها الذي انقطع،
стр. 1790
وإلَّا فإنهما سبيل لا يملك ولا يباع.
وتستدل أيضًا على أن المراد بذلك (الحصين) هؤلاء أن الوثيقة ذكر فيها الأثل الموجود في الحوطة (الصنات) وأسرة الصنات من أهل الشماس سكنوه في وقت من الأوقات وهم مثل أسرة الحصين كانوا من أهل الشماس القدماء.
وهذه نص الوثيقة بحروف الطباعة:
"الحمد لله وحده.
حضر عندي الهميلي الحصين وعلي الناصر وأقر الهميلي بأن عنده في ذمته لعلي خمسة أريل سلف وأرهنه بهن صيبته من الحوطة من نخل وأرض وأثل اللي بملك الصنات، وعلي يستغل لين يخلص وشهد على ذلك محمد الصالح وخضير الخميس وشهد به وكتبه علي الناصر الخراز، جرى ذا بالفطر التالي (ذي العقدة) سنة أربع وستين (ومائتين) وصلى الله على محمد".
стр. 1791
ونستدل على ذلك بأن أخا الدائن الذي هو علي الناصر وهو ثري مثله مشهور واسمه غصن بن ناصر (السالم) وكلاهما من أسرة آل سالم القديمة السكنى في بريدة ويكثر الأثرياء فيها كان يداين شخصًا آخر من أسرة الحصين اسمه (عبد الكريم بن عمير الحصين) كما في هذه الوثيقة الواضحة الخط المؤرخة في ٩ ربيع أول سنة ١٢٨٣ هـ. وهي بخط عبد الله بن محمد العويصي وهو كاتب معروف في ذلك الزمان.
وهذا نصها:
стр. 1792
عود إلى الحديث عن الأستاذ علي الحصين:
كتب إليَّ الأستاذ الدكتور عبدالحليم العبد اللطيف مدير التعليم في منطقة التعليم سابقا أنه يريد أن يكتب كتابًا عن الأستاذ علي الحصين ويريد مني أن أكتب له كلمة يضمنها ذلك الكتاب أذكر فيها ما أعرفه عن الحصين لكونه أصدق صديق لي.
واتصل بي الدكتور عبد الله بن الأستاذ علي الحصين يحبذ ذلك ويؤكد طلب الكتابة تلك، وقد كتبت ذلك في كلمة أنشر هنا منها ما لم أذكره بالنص قبل ذلك.
صديقي الشيخ علي بن عبد الله الحصيِّن:
تعرفت على الأستاذ علي بن عبد الله الحصيِّن لأول مرة في مدرسة بريدة الحكومية التي كان مديرها أستاذنا عبد الله بن إبراهيم السليم، وكانت هي المدرسة الوحيدة في بريدة آنذاك، ولم تكن الدراسة فيها تصل إلى إنهاء الدراسة الابتدائية، بل كانت بمثابة المدرسة التحضيرية، وكنا طلابًا فيها في عام ١٣٦٠ هـ.
كان (علي الحصين) يكاتبني عندما أغيب عن بريدة مع شيخنا الشيخ عبد الله بن حميد إلى الرياض بكل ما يتعلق بالثقافة والكتب وأحوال الشيخ، وطلبة العلم وكنت أكاتبه بنحو ذلك.
بعد وفاة علي الحصيِّن:
بعد وفاة علي الحصيِّن، ﵀، كنا نراه في المنام كثيرًا، وأذكر أن شيخنا الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد قال لي: لقد رأيت (علي الحصين) في المنام قبل ليلتين وقد حضر وقت الصلاة فقمنا نصلي ولم يقم معنا للصلاة، فقال له البعض: قم صلّ يا علي، فقال: أنا ما عليَّ صلاة.
وقد عقب على ذلك الشيخ عبد الله بن حميد بقوله: لقد صدق علي الحصين بأنه ليس عليه صلاة لأنه ميت والدار الآخرة دار جزاء ليس فيها صلاة يثاب عليها الإنسان، لأن ذلك يكون في الدنيا التي هي دار عمل!
стр. 1793
أما أنا فإنني كنت أراه في المنام ولما تكرر ذلك كنت أعجب - في المنام أيضا من كوني أراه مع أنه قد توفي ثم انتبه فأعرف أن ذلك أضغاث أحلام.
رحم الله صديقنا الأستاذ علي بن عبد الله الحصيِّن، وطيَّب الله ثراه.
وأشياء عامة:
لقد ظللت أنا وعلي الحصين صديقين لسنوات عديدة فكنا لا نفترق سواء في طلب العلم على المشايخ في المساجد أو في غيرها، وكنا نتذاكر من الكتب ولكننا كنا نتذاكر ونتباحث في المسائل العامة المهمة وفي المسائل التي هي غير ذلك وهي التي كدت أن أجعل لها هذا العنوان بصيغة أشياء تافهة، ولكنني آثرت كلمة عامة في وصفها على تافهة، لأنها ليست كلها تافهة.
من الأشياء التافهة أننا كنا نتندر على رجل من طلبة العلم مشهور بشدة محبته لشرب القهوة والشاي، والإكثار مهما حتى كان لا يعتذر مطلقًا عن تلبية دعوة من يدعوه إلى بيته ليشرب عنده الشاي والقهوة، وأحيانًا إذا لم يجد من يعزمه فإنه يعزم نفسه بأن يلح أو يصرح بذلك.
فاتفقت أنا وعلي الحصين على أن نختبره بأن نجعله يشرب أكبر قدر من فناجيل الشاي والقهوة لنعرف عدد الفناجيل من القهوة و (البيالات) التي يشربها من الشاي.
فرأينا أن يكون ذلك في قهوة علي الحصين في بيته لأنه ليس فيه من يحتشم منه ذلك الرجل وألا أحضر أنا أيضًا لئلا يستحيي مني.
حدثني علي الحصين قال: جهزت إبريقًا كبيرا مليئًا بالشاي ودلة مليئة بالقهوة.
وعندما شرب الرجل سبع بيالات التي هي الكاسات الزجاجية التي نشرب فيها الشاي، قال: بس، بلفظ منخفض كأنما لا يريد أن أسمعه حتى لا أقطع الشاي عنه، فقلت له: كيف، بس وحنا الآن تونا بادين؟ قال: فسر من ذلك، وقال: على هواك.
стр. 1794
قال علي: فجعلت أسكب له من الإبريق والزِّم عليه آخر الأمر حتى شرب ستا وعشرين بيالة من الشاي، وأربعة وعشرين فنجالًا من القهوة! !
ومن الأشياء التافهة أن علي الحصين كان يشكو إليَّ من شدة الحر في القيظ وأنه لا يستطيع النوم في القائلة التي هي وقت اشتداد الحر في وسط النهار، وأنه حاول وسائل كثيرة لذلك فلم يستطع، وذلك قبل وجود الكهرباء.
وكان الناس يؤخرون صلاة الظهر أو يبردون بها حسب تعبيرهم المأخوذ من الحديث (ابردوا بصلاة الظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم)، ولكنهم على وجه العموم ينامون نومة القيلولة.
فقلت له ممازحًا: إذا أردت أن تنام هنيئًا في القائلة في شدة الحر فما عليك إلَّا أن تتزوج بعدة زوجات، فقاطعني بقوله: أنا لم أتزوج بزوجة واحدة، وكان ذلك بالفعل قبل أن يتزوج.
فقلت له: وينبغي أن يكون لك عدد من البنات فطلب مني تفسيرًا لذلك، فقلت له: إن كثيرًا من الناس المتزوجين بأكثر من زوجة يكلفون زوجاتهم بأن يروحوا عليهم أي أنهم يهفون عليهم بالمهفة اليدوية التي هي من الخوص عندما يريدون النوم، فإذا غلبهم النوم تركت الزوجة الهف أي الترويح على زوجها بالمروحة، فإذا كانت حسنة الحظ كان زوجها ثقيل النوم، فلم يشعر بتوقفها عن الترويح، أما إذا كان خفيف النوم فإنه بمجرد أن تقف عن الترويح وهو تحريك (المهفة) التي هي المروحة اليدوية من الخوص فإنه يسبها ويأمرها بمواصلة (الهفّ) عليه وهو نائم.
وبعضم يجعل بناته يروحن عليه وهو نائم، ويكون ذلك طيلة نومه في القائلة، أما في الليل فإن النوم كان على السطوح وهي ليست حارة حتى في الصيف كما هو معروف.
стр. 1795
ومن الأشياء التافهة أن (علي الحصين) قال لي مرة: وش أبشرك به؟ قلت: بخير إن شاء الله، قال: الشيخ عبد الله بن حميد قطع راتب عبد الله بن محمد ... وكان راتب ذلك الشخص ريالين في الشهر وهما من مبلغ من الريالات (الفرانسي) التي حصل عليها شيخنا الشيخ عبد الله بن حميد من الملك عبد العزيز آل سعود على هيئة مساعدة سنوية مقطوعة لطلبة العلم، فقسمها الشيخ عبد الله بن حميد على الطلبة فأعطى كبارهم وهما الشيخ صالح الخريصي والشيخ عبد الله بن رشيد الفرج إمام المسجد الجامع وخطيبه، كل واحد اثني عشر ريالًا في الشهر، وأعطى صغار الطلبة ريالين في الشهر، وكنا من أواسط من أعطاهم فأنا راتبي ستة ريالات والأستاذ (علي الحصين) راتبه أربعة ريالات.
أما ذلك الرجل الذي كان راتبه الشهري أو مكافأته ريالين فقط وقطعت فإننا فرحنا بذلك لأنه كان يتهجم علينا ويغتابنا يقول هو واثنان أو ثلاثة مثله من المتعصبين: إننا من العصريين الذين يقرأون الجرائد والكتب الضالة التي تأتي من الخارج، مما يدل على أنهما غير ملتزمين بأوامر الله، على حد زعمهم.
رثاء الأستاذ علي الحصين:
رثاء الأستاذ إبراهيم بن عبد الله الصالح المديفر بهذه المرثية، وكان صديقه:
يا زميل الطلاب منذ صبانا ... كم مضينا في درسنا من سنين
يا أبا عبد الله كنا صغارا ... وعلى نشأة هداها يقين
يا نصير النضال عبر دروبٍ ... وَعْرَةٍ لكن الهدي مستبين
على خيرٍ نلتقي في مسارٍ ... لم يفرقنا غير نَذلٍ مبين
مثل نجمين يرسلان ضياءً ... في المدارين والمقال الرصين
لم نزل في درب الوفا موغلين ... في عثار الطريق كنت المعين
قد عرفناك باللقاء طويلًا ... كم بززت شبَّاننا الطامحين
стр. 1796
حلقات الذكر التي جمعتنا ... ما نسيناها فهي كنزٌ ثمين
كم عبينا نميرها وارتوينا ... إنها لمنارة السالكين
أوصلتنا طريق حق وفيه ... شمسها في أضوائها تستبين
يا علي، في العلم خلدت ذِكرًا ... من علوم شرع وعيت المتون
ومن المحدثات قد نلت قدرًا ... ما به غث بل أخذت السمين
كم وقفت بين الأنام مريدًا ... للعلوم دخول بيتٍ حصين
ومضيت لم تلتفت لمعيق ... حظه من أقواله ما يستبين
ما ثناك معارض ليس يدري ... لم ير الاقتداء بالعارفين
فاستبان الحق الصريح جهارًا ... وعدونا نضارع السَّابقين
إننا على العهد لن نتواني ... ما نرى فيك غير شخص أمين
إن منهي الحياة جاء يقينّا ... بالفراق لما أتتك المنون
إذ أجبت نداء رب رحيم ... إنه مسلك لنا أجمعين
فانعم اليوم إذ عليك تباكي ... من يُعدون في الوفا مخلصين
إن نعاك شخص قريب فإني ... لك ناع على مرور السنين
من منابر العلم ينعاك قومٌ ... ذكروك ليسوا من الجاحدين
ومن النساء اللواتي نهلنَ ... من علوم عصر وشرع ودين
واللواتي رفدن بالمال لما ... اشتغلن بالعلم قدن السفين
رسائل أدبية متبادلة:
الأستاذ علي الحصين صديق عزيز وأديب محب للأدب لذلك تبادلت معه رسائل معتادة في الأصل ولكننا كنا نكتبها بأسلوب أدبي، لأننا كنا نهوى الأدب، وقد اشتركنا في المجلات الأدبية التي تصدر في الوطن العربي في ذلك الوقت وكنا نشتري الكتب لنا معًا كما سبق.
وأكثر تلك الرسائل ما كنت أرسله إليه إذا غبنا عن مدينة بريدة أو
стр. 1797
يرسله إلي إذا غاب عن بريدة، أو تكون إجابة من أحدنا لرسالة سابقة لزميله.
وقد كنت ترددت في ذكر رسائله إليَّ بل ورسائلي إليه لما فيها من مبالغة في المدح، ومن تركيز على الصداقة.
وقد استبعدتها بالفعل فترة من الزمن، إلا أنني لأمر يتعلق بالأستاذ الحصين أكثر مما يتعلق بي آثرت ذكرها هنا وهو أن الرجل كما أعرفه أديب مرهف الحس، ناصع العبارة، ولكن لا يوجد بين أيدينا مؤلف قد ألفه ولا حتى رسالة قد كتبها على هيئة كتاب صغير فرأيت أن عدم ذكر هذه الرسائل فيها غمط لحقه، وحجب لشيء لا يوجد له ما يكفي عنه.
أما المبالغة في الوصف أو المدح، أو علاقة الصداقة فإنها كانت سمة الأسلوب الأدبي في تلك العصور، إلى جانب صدق التعبير لكونه أصدق أصدقائي، وأنا أصدق أصدقائه.
رسالة المؤلف إلى الأستاذ الحصين:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الرياض في ١/ ٣/ ١٣٦٧ هـ
حضرة أخي العزيز الأستاذ علي العبد الله الحصين حفظه الله تعالى آمين
إنَّ أعلى ما حيا به المحبون أجمع ما ضيهم وحاضرهم ومتأخرهم محبوبيهم من سلام، وأشرف ما أكرموهم به من تحية، وأنفس ما احترموهم به من شتى أنواع الاحترام، وأحر ما أذابوه شوقًا من الفؤاد، وأجل ما قدروهم به من مختلف التقادير، وأرفع ما أحلوهم به من الذرى، وأغلى ما بذلوه في سبيل رضاءهم ومسرتهم، وأحقر ما أحلوا به أنفسهم تواضعًا لهم ... و ... و ...
إن كل ذلك وضعفه وعشرة أضعافه إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة إلى أقصى ما ينتهي إليه العدد كثرة لا يفي بعشر معشار بل بأصغر
стр. 1798
جزء ممكن مما بقلبي لك من شوق وبلساني وقلمي من تحية وسلام، وبقلبي وقالبي لك من رفعة واحترام، وبي أجمع من تواضع لمقامك الرفيع.
الصفحة الأولى من رسالة المؤلف إلى الأستاذ علي الحسين بخطه.
стр. 1799
عزيزي ... إن أنس فلا أنسى إذ هبيت من نومي ذات يوم منهوك القوى وأجم الفكر متوتر الأعصاب، قد راودني كابوس الصداع فأثقل كاهلي ووضع عليَّ وزري، الذي أنقض ظهري وخفض لي ذكري، وقال لي إن مع العسر عسرا، إن مع العسر عسرا (أي في ذلك الصباح).
لذلك انتبهت وفوق ذلك كالسكران عند أبي حنيفة: لا يعرف الأرض من السماء ولا ثوبه من ثوب غيره، مع أزيز في حلقي ونشيج في جوانحي ودوي في مسمعي واضطراب عنيف وتجلجل صلف في عروق راسي كأنما أقسمت جهد أيمانها لتمثلن حبال السحرة وعصيهم الخ طلائع الزكام والصداع.
صليت صلاة أخاف الله من تقصيري بها وأنحى باللائمة على أعضائي فكان ما بجميع جسمي من جاذبية قد تحول إلى رأسي فهو يحاول باجتهاد مستمر السقوط إلى الأرض عند سجودي.
بعد الصلاة رجعت إلى مثواي يدفعني الصداع إلى أسفل بالضغط الرازح وجاذبية مثواي تجرني جرًا عنيفًا إلى وجهي بينما الكلال قد جهد في تعويقي عن مرادي كأنما ذهبت لأفرق بينه وبين حبيبه، أو لأسعى بوشاية عليه لدي صديقه المخلص.
على تلك الحالة المذكورة التي لا يستطيع لساني الباقلي وقلمي المتحطم أن يصف عشرها وصلت إلى الهدف إلى مرقدي لأنام لا تداوي بالنوم (كما يتداوي شارب الخمر بالخمر).
وما كاد شعاع الشمس يمد أسلاكه ذهبية ثم فضية إلا وصدى صوت أحد الإخوان يتردد في مسمعي ... العبودي، الحميدي ...
سم، خير، نعم، هاه ... ؟ لا أدري بأيها أجبته وكل ما أعقله أني أجبته بأحدها، عقلت بعد ذلك أنه يدعوني للقهوة قهوة الصباح ذهبت إلى القهوة ذهابًا
стр. 1800
آليًا، تشد أزري العادة، ويشترك، ... (١).
أرضًا اقشعر جلدها، وعمها الأوار، واشتاقت إلى النار، أرضًا لم تنافق فتستر ظاهرها ولو بقليل من الطحلب والثيل بل صرحت بخلوها من الخضرة التي أنعم بها الله، أرضًا قد انقسمت إلى مرتفعات ومنخفضات وشلالات تجري خلالها الأعاصير السوداء، والنُكب الهوجاء في آن بعد آن، وتتجاوب في أرجائها الجنادب والأنبة، أرضًا تكاد أمعاؤنا تتقطع من تضاريسها، وأحذيتنا توشك أن تنتقل إلى جبلتها من نباتها الشائك.
إن هذا - يا صديقي - هو الوصف الحقيقي لـ .... ، ومن طريق التمثيل بالمشاهدات فمثل ما تقول (وهطان) لو قد مسخت واديًا من أودية تنساب في أرجائه الديدان، وتتموج في شعابه الخنافس والجعلان، أو عكرشة في عدد النخلات فقط إذا حلف سلطان مسلط ألَّا يبقى فيها غير تسع نخلات.
أنا يا صديقي - لا أحب وصف الشيء على حقيقته إذا كانت مؤلمة ولكني صورتها هنا لتتصور مدى تأثيرها في نفس محبك هذا مع التقصير في التعبير اللازم للكتعاء مثلي.
في مأدبة الغداء:
أول ما حططنا رحالنا في صالون الاستقبال أديرت من جانب الفلاحين كؤوس القهوة والشاي الصباحية ثم وضعت سفرة الطعام وهي تقوم مقام السماط عند أهل اللغة وتربع في وسطها - مع أنه ملعون من جلس وسط الحلقة، ولذلك لم تأخذنا والفلاحين بها رأفة في دين بطوننا - صينية كبيرة فيها جريش أبيض لا يخالطه أي لون آخر وفي قمته قدح من سمن البقر، مكثنا
стр. 1801
ردحًا من الزمن نرمي شيطان عقبة التعب والمشي والجوع بسبع فسبع إلى أن أكملنا السبعين ولم نشأ التعجل بيومين - بفكوك ريق فقط - بل آثرنا التأخر ومع كل حصاة الله أكبر ولله الحمد إرضاء لهم، وأغضابًا لاكرشنا التي لم تشكر نعم الله لما توالت عليها تحقر النعمة الصغيرة عند التي أكبر منها ولا ترى الكبيرة لها قدرًا، اللهم غفرًا، فإننا قد جنينا على أنفسنا وأنت الحليم، اللهم لا توأخذنا بما فعل السفهاء منا (معدنا والسنتنا).
عدنا من ( .... ) والشمس ضاحية متعالية، واتون الرمضاء القاتم قد اشتعل والمسافة تستغرق ثلث ساعة أو زهاءها والصداع قد اشتد على كاتب السطور ...
وبعد كلال وتعب حسًا ومعنى، وصلنا الرياض وصلنا الدار، على تلك الحالة على ما بي من صداع في راسي، وفتور في جميع أعضائي وأحاسيس مختلفة عنك يا صديقي، هل وصلك كتابي فيكون التقصير منك إذ لم ترسل لي جوابا وأكون قد أقمت عليك الحجة الأخوية، وخرجت أنا من عهدة المقاطعة، وقد أيست من الشفاء الناجز الشامل لما بي من أدواء مختلفة قد تحالفت وتظاهرت علي في ذلك اليوم العصيب، فأنا محتاج بالطبع إلى شتى الأشفية الحسية والمعنوية لتخفيف أوصا بي وذلك متعذر لكثرتها وصعوبتها، أو لترياق شاف منها أجمع ذلك بأجر المقدم لا في أساطير الأولين ...
بينا أنا على تلك الحالة إذا بالسكيتي قد أقبل عليَّ يمشي رويدًا كأنما يختل صيدًا - إنه لذلك يتلطف لي لئلا يهجم السرور عليّ فأموت فرحًا يحمل علي بنانه شيئًا أبيض ناصعًا انتعش له ذهني وتزلزلت جيوش الهموم عن ساحة فكري، ودبت روح الحياة والانبساط في قلبي وانفسح حتى لكأنما يمشي في أركانه وغشاه سواد عيني حتى ستره من جميع جهاته الست.
هذا كتاب، إنه والله من صديقي علي، بعدما لاح لي وتبينته أجلته عن
стр. 1802
التشبيه بشراع سفينة لاح على بعد لغريق ظل في اليم أيامًا وقد سقطت قواه وانهدت من العوم أركان آماله وألبسه الشيطان جلبابًا من جلابيب الياس، وبالكوكب الزاهر الثابت لاح من خلال الغمام الكثيف لرائد سفر في مهمهه وعسآء في ليلة سوداء قد ضلوا طريقهم وفقدوا رواحلهم وصارت السماء كالأرض في أعينهم والمشرق مغربًا والمغرب مشرقًا.
وبالغدير الزلال المتأود طربًا، والمائس عجَبًا وخيلاء ملاعبة للرياح واعتزازًا بكثرة الماء لاح لأحد قوم قد يبست شفاههم، وفغروا أفواههم، واندلعت ألسنتهم بعد طول لهث متواصل وانقلب الضياء في أعينهم ظلامًا، وأصوات الأثير في مسامعهم كأنها أصوات رعد قاصف أو قذف بركان هائل.
لأن هذه الصفات ليس لها من فرحتي إلا مجرد الصورة.
بعد ذلك ناولني السكيتي كتابًا إنه كتاب في نظره أما في نظري فكما ذكرت.
فلما تناولته ولا قميص يوسف عندما تناوله يعقوب، حَلّ في يدي فكانما أوتيت كتابي بيميني بعد أن شاهدت أناسًا أوتوه وراء ظهورهم ... الحمد لله اللهم لا تجعل فيه من أحد غير أخي علي.
قرأته كما قرأت صاحبه من قبل وما أن أتممت قراءته حتى تلاشي وتدهور جميع ما بي مما أحِسُّ به من أذي وقمت وبعد الحمد لله ثم لك كأنما نشطت من عقال، وما أن أتممته حتى لا أحس داء وقمت ولله الحمد، وما بي من قلبة، وما أن أتممته حتى شعرت بأني قد غمست في النعيم غمسة قلت معها يا رب ما رأيت قبل ذلك بؤسًا قط فلك الحمد ثم لصديقي علي ذلك.
وما أن أتممته حتى ازدحمت عليَّ المسرات فلا أدري بأيها أبدأ، بصحتك وسرورك أم برضاك عن كتابي سواء أكان رضا أم تراضيًا، أم ببلوغك الشأو الأقصى في الفصاحة، أم بأخبارك الشيقة الممتعة أم بكرم
стр. 1803
أخلاقك وطيب عاطفتك، أم بالرأفة والشفقة والتواضع لمحبك حتى أهلته لما لم يكن له أهلًا، أم أم .. أم الخ.
(بشرى بعد إخفاق)
أخي لم نأل جهدًا في التعريض ثم في التصريح بأدب ثم بالتصريح بلا أدب عند الشيخ شيخنا حفظه الله (١)، بصدد مكتبة الجامع بطلب نقود لها من الأمير سعود أو غيره، أو بالسعي في نشرة يدار بها على أعيان المواطنين الكرام الذين يعرفون بالغيرة على الوطن وبسخاء النفس في سبيله ولكن - ويا للأسف - قد أخفقت مساعينا كلها وذهبت أدراج الرياح.
وإليك آخر مرحلة من مراحل هذه القضية الهامة لدى النابهين من ذوي الوطنية الصادقة.
في أصيل يوم قد بلغ السرور من الشيخ منتهاه وانحلت عقدة لسانه بالفكاهة، فكان حتمًا علينا طبعًا مقابلة ذلك بمثله عند ذلك أشرت لعلي العجاجي من جهة المكتبة وقلت له: إمزج الجد بالهزل فما أحلى الكلام بمثل هذه الساعة (لا أريد أن أحكيه لك بالأسلوب القصصي لأني طفيلي فيه، والشيء المتكلف يؤذي الروح).
قلت للشيخ يا شيخ - أحسن الله عملك - أترون أن تكتبوا ورقة وندور بها على كبار الجماعة؟ قال لأي شيء؟ قلت لأجل كتب لمكتبة بريدة، قال محمد الرشيد لا يا شيخ هذا الذي قال لنا في بريدة أشروا كتب للمكتبة وأسلم دراهمها هذا هو بالرياض الآن فأعرضوا عليه المسئلة قال الشيخ: هذاك يقول بس بمائة ريال أو مائة وخمسين ريال.
قال علي العجاجي: ماش يا شيخ، إنْ ما حصل من سعود ما نفعت المسئلة وقلت أنا قريبًا من قوله: قال الشيخ: أنا لي بالأمير سعود ثلاثين حاجة
стр. 1804
ما يمكن أن أقول له من جهة المكتبة الآن.
قال العجاجي إجعلهن واحد وثلاثين ولا تقعد المكتبة؟
قال الشيخ لا نجعلهن خمسة عشر وعسى الدعوى تطلع، قال العجاجي أجل إجعلهن من القسم الذي لا يترك.
قلت: لا، الوسط اجعلوا طلبكم كنصف طلب أو أعيلوا لها من الحوائج الأخرى إذا كان يدخلها العول.
قلت هذا الكلام بعد ما ظهر من الشيخ أنه لا يمكن أن يطلب لها الآن اللهم إلا أن طرأ على سياسته ما يغير وجهتها.
بعد ذلك ببرهة قصيرة قلت يا شيخ أجل طول الله عمرك الكتب التي وعدتنا في بريدة أن تعطينا إياها في الرياض قال: وش مثل؟ قلت: لا تمثيل بل هي محصورة في روضة الناظر والرد على السبكي ومجموعة الحديث ومجموع بن قاسم وتوحيد ابن خزيمة، وتاريخ ابن بشر.
قال لا نبي نكتب للشايقي خط نبي منه هالكتب ونحوها للإخوان والمكتبة.
قلت أحسن الله إليك أنا أبي أكفيكم السعي بها وإخراجها حتى إيصال الورقة فاكتبوا الآن له كتاب، قال ما يخالف فقمت وجبت الورقة والقلم وعطيتهن ابن رشيد وقلت "جبناهن، قال: لا، هين عاد سوينا بعدين - قلنا أنا والعجاجي - المعنى واحد - الذي وعدكم هذاه بالرياض اشتروا بدراهمه لو هو بريال وخبروه والحمد لله.
قال الشيخ: ما يخالف اشتروا بمائتين ريال كتب من مكتبة أبابطين ولا يخالف، وهذاكم تبون تقبضون دراهم من رواتب الإخوان - أي عن امره - احسموها منها.
стр. 1805
فالحمد لله هذه خطوة، نرجو الباري تعالى مجيب الدعاء أن تليها طفرة إلى الأمام - وقد تعين من الكتب المذكورة ضمن الذي سنشتريه: صقر الجزيرة لعطار ولابد إن شاء الله إن كان عندنا فيه تأخر في الرياض إذا شريناها أن نبعث لكم بقائمتها.
بشرى أخرى سارة:
بعد محاولة بيني وبين شيخنا حفظه الله أسفرت الأبحاث الدبلوماسية عن إذن لي أن أكتب لعثمان الجلاجل كتابًا من الشيخ بأن ياخذ اشتراكًا في مجلة الرسالة للمكتبة وتكون دراهمها من غير المائتين التي سيشتري بها كتب وسبق ذكرها، فلك الحمد اللهم لا نحصي ثناء عليك.
هل حصلت على مجلات؟
إنني للآن لم أحصل على شيء يذكر من المجلات سوى ثلاثة أعداد من الهلال هي آخر ما ورد أد هي ما يو، أبريل، نوفمبر سنة ١٩٤٨ م، وثم عدد رابع عندي وصلني عارية وهل صاحبه يسمح لي به؟ وما إخاله، وحصلت أيضا على عدد من مجلة (كلمة ونصف)، وهي مجلة مصرية أسبوعية غالبها نقد وهي أيضًا سياسية وحصلت أيضا على عدد من مجلة (قرأت لك) اللبنانية، وحصلت أيضا على عددين من مجلة (الرسالة) في ربيع الثاني ١٣٦٧ هـ، وحصلت لكم العدد الممتاز من البلاد السعودية ولولا أني أذكر أن نسختي منه عندكم لكنت أرسلته لكم حين حصلته لأني ما أستحصلته إلا بنية أنه لكم هذا الذي حصلته لي يعني دائمًا.
أما ما اطلعت عليه فعشرين عدد من جريدة الأهرام اليومية من آخر ما ورد من ناصر الرواف ورديتهن عليه وجملة أعداد من (المصور) ورديتهن، وأعداد من مسامرات الجيب كذلك، وأعداد من (الهلال) في مكتبة الأمير
стр. 1806
مساعد، وأؤمل إذا حصل أيضًا من (الهلال) ومن الدنيا الجديدة، أما لو أردت أعدادًا من المصور لحصلت منها كثيرًا ولكني لا أود ما يمس بالأخلاق، ولعلك تقول وما عليك لو عرضتها علي لعلي أرغب فيها، إني أقول حينئذ وكذلك لا أود لك ذلك أيضًا.
عزيزي، إني كما يقال عني - طُفِّي - قد تطور الهلال في نظري ولمست الفائدة من الاشتراك فيه لأنه أشبه بموسوعة علمية أدبية أو دائرة معارف كذلك، فهل تود أن أكتب لابن جلاجل يشترك لي أنا وإياك فيه، أرجوك الإسراع بالإجابة لأجل أكتبه في الطائرة وارد به سريعًا إذا رأيتم ذلك.
حركة شيخنا وسياسته:
في يوم الخميس الموافق ٥ من الشهر وهو اليوم الذي يجلس فيه الملك عبد العزيز إلى المشايخ بصفة دائمة كل أسبوع ذهب الشيخ في جملة من ذهب فلما أراد القيام قال الملك للشيخ (جماعتك أهل بريدة خائفين عليك يخافون نطمع فيك وقلنا لهم: لا، إن شاء الله يجيكم لا تخافون قال الشيخ عبد الله: الله يسلمك أنا ولدكم).
هذا الذي أخبرني به الشيخ نفسه وقال إنه ما قال غير هذا أما الشيخ ابن عقيل فقال إن الملك قال له: توكل على الله وامش إننا قائلين لهم ما يعوق - وتعشينا يوم تاسع منه عند محمد بن سعيد كاتب الأمير سعود وقال إن أهل بريدة كتبوا خط للملك وخط لسعود بصدد الشيخ واطلعت على خط الأمير سعود ورد لهم سعود ردًّا جاء فيه إن الشيخ عبد الله ما قال أنا ما أبي قضاء بريدة ولو قال ما وافقناه ولابد إن شاء الله يتوجه إليكم من دون حدوث تغيير.
قال ابن سعيد ورد عليهم الملك كتابًا بمعنى هذا ولكنه ألين منه.
أما عن التوجه فإلى الآن لم يبن ممشى قريب مع أن الأحوال هادئة والجو صافي والشيخ بكل حال قد اشتاق إلى بريدة وأهلها كما يظهر من كلامه، ونحن قد
стр. 1807
طال مقامنا في الرياض - مع أننا إلى الآن ما ظهر لنا خرجية ولا رخصة.
أما عن حالتنا فنحن بأحسن ما يُتَمنَّى، على إكرام زائد ورزق موفور وكلام طيب، وسلامة صدور فيما بيننا والشيخ عبد الله أظهر من الاحتفاء بجميع الأحوال ما يؤمل فيه جزاه الله أحسن الجزاء ولا مزيد عليه - إننا بكل خير لولا تلك الجاذبية العنيفة التي تجذبنا إلى تلك الرملة الذهبية المحبوبة (١) وإلى قاطنيها - قدر الله الاجتماع على أحسن حال والعودة إلى الوطن بسرور.
أعمال المملكة نحو فلسطين بمناسبة الحوادث الأخيرة:
علمت من مصادر موثوق بها أنه عندما تعاقدت الدول العربية على إمداد فلسطين حسب ما في الجريدة - أرسلت الحكومة أربعة آلاف جندي نظامي من وزارة الدفاع، وستين مصفحة سعودية واثني عشرة طائرة حربية، وكل ما ذكر وصل إلى القاهرة وانضم إلى الجيش المصري، وجعلت قيادة هذا الجيش بيد قائدين قصيمين هما منصور الشقحى وإبراهيم بن طاسان وسمعت الأمير عبد الله بن فيصل اليوم (١٠) منه يقول إنهم أمس أرسلوا أيضًا أربعمائة جندي نظامي - زيادة على ما سبق بالطائرات، وفي هذا اليوم أيضًا استلحقوا جماعة من البدو الذين كتبوهم سابقا ثم أرخصوا لهم بعد ذلك - وسلموهم السلاح وإلى الآن لم يتبين على التحقيق إلى أين بهم يقصدون.
اجتماعيات:
في الساعة الثالثة والنصف من ليلة ٩ من الشهر قدم إلى الرياض الأمير عبد الله بن فيصل من رحلته في البادية التي استغرقت زيادة على ثلاثة أشهر.
وصل هذه الأيام عبد الله بن عقيل راعي قصر ابن عقيل مستلحق وأكثر الناس
стр. 1808
يقولون إنه لأجل الذين يبون قبل يذهبون إلى فلسطين أي الجيش الغير نظامي.
وصل في ٢ من الشهر الشيخ ابن عودان قاضي عنيزة كما وصل بعده بقليل أميرها أي أمير عنيزة ابن سليم كذلك وصل شيخ ساجر والسر الشيخ محمد البواردي كما وصل أيضًا هذه الأيام الأمير عساف الحسين أمير الرس.
عن المكاتب في الرياض أيضًا:
فاتنا في خطابنا لكم السابق سهوًا أن نذكر أن تلك المكتبة التي ذكرناها في الرياض هي مكتبة الأمير مساعد بن عبد الرحمن، أما عن المكاتب سواها فأولها مكتبة أبابطين إن اسم المكتبة الأهلية أخي لدى التحقيق إنما هو اسم مستعار أو سطحي، إنك تعلم ارتفاع أسعارها إن ذلك الفهرس لها هو كل ما قد اقتنته من أول تأسيسها إلى الآن وليس في الرياض غيرهما، وأما كتاب العراقي المذكور فلم أره إلا في مكتبة مساعد كما ذكرت لك.
إشاعات وأكاذيب ملفقة:
وأما ما ذكرت من شيوع أن الشيخ قد استقال من قضاء بريدة وأنه سيقدم الفاروق ملك مصر او غيره إلى الملك فكل ذلك ونحوه ليس له نصيب من الصحة.
هذا ما لزم مع إبلاغ السلام نفسكم والوالدة وأرجو إن تفضلتم برد الكتاب أن تجعلوه على الظرف بواسطة عبد الله المحمد العبدان لأجل أخبره إن كان حنا مشينا قبل وصول الكتاب يرسله لنا إلى بريدة من دون أن يكسره، ومنا الشيخ والإخوان بخير ودمتم بأمان الله تعالى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أخوكم
محمد العبودي
стр. 1809
رسالة الأستاذ علي الحصين إلى المؤلف:
الصفحة الأولى من رسالة الأستاذ علي الحصيّن إلى المؤلف بخط الأستاذ الحصيّن.
стр. 1810
رسالة الأستاذ علي الحصين إلى المؤلف:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أخي الأعز وحبيبي الأفخم محمد بن ناصر العبودي المحترم
تحية خالصة وسلامًا عاطرًا أزفهما إلى حضرة الأخ العزيز تحية تليق بجنابك الرفيع ومحلك الأسني وسلامًا صادرًا عن أخيك الذي ألمه البعد وأزعجه الفراق، أحييك تحية الولد لوالده والعبد لسيده وأسلم عليك سلام الصديق لصديقه الذي طالت غيبته وبعدت سفرته.
بيد الشكر تناولت كتابك العزيز تناولت كتابك فكدت أطير فرحًا تناولت كتابك فكان بردًا وسلامًا على قلبي المعنى، تناولت كتابك فصرت أميس طربًا واختال تيهًا وعجبًا تناولت كتابك فوضعته على رأسي إجلالًا ولثمته احترامًا (وليس شغفًا بالقرطاس ولكن شغفًا بمن كتب بالقرطاس).
تناولت كتابك فقرأته مثنى وثلاث ورباع وخماس الخ تناولت كتابك فكتبته بقلم النور على صفحات قلبي تناولت كتابك فشفي علتي وأروى غلتي وبرد نار قلبي، تناولت كتابك فجعلت أهتف بحياتك وأهذي بحبك - كيف لا وقد صدر من أخ عزيز وصديق كريم فلله أنت من صديق حافظ للصداقة ومحترم لقوانينها بالرغم من بعد المزار والدار، تناولت كتابك فسرني منه أشياء وساءني منه أشياء، سرني منه صحتكم وأنسكم وسروركم لأنه في الحقيقة الحقة صحة وسرور لي.
وسرني جدًّا بسطكم الكلام وأشباعكم النهمة الخ.
وساءني منه أخباركم من جهة الشيخ عبد الله وأنه سيتأخر أو .... !
وسآءني أن لم يكن خرج للمكتبة كتب ولكن لا أزال أذكر أخباركم بأن الشيخ سيطلب من ولي العهد نقودًا لها وسرني من كتابكم تلك الأخبار الجليلة
стр. 1811
التي صارت عندي من التقدير بالمكان الرفيع فمن بين أخبار عن المكتبة إلى إخبار عن الكتب التي فيها والحقيقة أن هذه المكتبة سرني من جهة وساءني من وجوه، سرني بأنها فخمة جليلة وسرتني بأنها في نجد ولكن يا أخي ساءتني لعلك تعجب من ذلك أي اجتماع الضدين ولكن هذا شأن الأقزام كأنا - ساءتني أولًا بأنها ليست في بريدة ثانيًا لما قدر الله أن يكون في بريدة مكتبة (اللهم غفرًا، لا، حجيره) جعلها صفرا من هذه الكتب كتب أولئك الأساطين الأعلام ومما زاد مساءتي انقطاع الأمل من وجودها في حجيرتنا الصغيرة من جهة هذه الكتب النفيسة العظيمة القدر.
ولكن الأمل وطيد من جهتكم أن تحببوها إلى قلب الشيخ وتختاروا منها ما لذ وطاب وتقرأه على الشيخ وتبين له ببلاغتكم السحبانية وبيانكم السحري وكلامكم الجذاب - ضرورة توريد مثل هذه الكتب إلى حجيرة بريدة وأنها لا يمكن ولا ينبغي أن تكون دينية فحسب فلعل قلبه أن يلين وما ذلك على ربنا بعزيز.
ومما سرني إخباركم بذلك الكتاب (كتاب العراقي) الذي أرجو أشعاري إذا رأيتم بكتب مثله وأرجو أن تخبروني هل مطبوع أو مخطوط وهل صاحبه حي أو ميت ومتى مات ومتى كتبه ومتى طبع؟ وإن كان مطبوعًا فعلى نفقة مَنْ؟ وهل هو موجود بكثرة أو بقلة أرجو إخباري بذلك ولكم جزيل الشكر.
وما ساءني أنني لست معكم فأتلذذ بهذه الكتب، أشبع نهمتي، وأروي غلتي وما زاد الطين بلة انقطاع الأمل بوصول الرياض ودخول هذه فإلى الله أشتكي ولكن لعلي بعد ثلاثة أشهر أرى نحو هذه الكتب وأزيد منها في مكتبة بريدة اللهم وبلي، وليس ذلك على الله بعزيز.
وسرني من كتابكم تلك الحوادث والأخبار - فلسطين - المأدبة - التي أرجو من صديقي العزيز أن يطرف أخاه بمثلها مرة إثر مرة.
стр. 1812
وسرتني تلك الفذلكات التي ذكرتم عن مسألة على الغضية وسرتني تلك الاجتماعات وسرني ذلك الكلام السحري ولا عجب فقد صدر من معدن البلاغة والفصاحة: العبودي.
هذا وأرجو إخباري عن الشيخ وعلى أي الأمور عزم ولعلك تقول لماذا يقول هذا الكلام؟ إن تقل فإنني قزم وذلك فعل الأقزام - أخبرني صالح المشيقح أن جاءهم كتاب من جلالة الملك يأمرهم بأن يطمئنوا من جهة رجوع الشيخ إليهم ذلك لأنهم قد كتبوا مع العجاجي يوم رحتم كتابا للملك بصدد رجوع الشيخ إليهم - وقد أخبرني بعد ذلك عبد الله الرشيد بأنه رأى كتابًا من الملك إلى ابن مشيقح وحده: قد شاع عند الناس بأن الشيخ قد استقال من قضاء بريدة.
أرجو أن تخبروني عن ما جرى من شأن فلسطين.
أرجو أن تخبروني هل اتفقتم بأبي بطين؟ ورأيتم مكتبته؟ وما تعليقاتكم عليها وعن ما رأيتم عنده من الكتب والمجلات وعن ما شاق لكم منها؟
أرجو أن تخبروني عن مؤسس المكتبة التي ذكرتم وهل توجد في الرياض غيرها.
شاع بين الناس أن الفاروق ملك مصر وبعض ملوك العرب سيأتون إلى جلالة الملك في الرياض وقد أتوا بعضهم والخبر من جهة الراديو على ما أظن وأرجو أن تخبروني هل خرج للمكتبة نقود؟ وهل عندك أمل أن نطلب مطبوعات الملك؟
حوادث محلية:
المدير ومدرسة الرياض - من مدة خمسة أيام جاء المدير برقية من المعارف يعرضون عليه إدارة مدرسة الرياض الأهلية وراتبها ٤٠٠ ريال وقد أراني البرقية فكتب لهم برقية يعتذر فيها اعتذارًا رقيقا يبين عن رغبته فيها ولكن جعلها بصيغة الاعتذار - اعتذار بأمه - فجاءته برقية بعد ٤ أيام يؤكدون عليه السفر ويعدون
стр. 1813
ببلوغ جميع مطالبه وهو الآن يتهيأ للسفر إلى الرياض بأهله (١).
قدم من مدة ثلاثة أيام حسن النعيم ومعه محمد بن عبد العزيز المطوع من عنيزة بصدد نقود الإعانة إعانة الزراعية وطلبوا أن يكون لأهل عنيزة نصفها.
لأنهم أكثر ضررًا وثانيًا لأنهم هم الذين طلبوا من الملك الإعانة فجعلها لهم ولأهل بريدة حفظ الله الملك وقد جاءوا المكتبة وأخذوا فهرسها وتصفحوه.
أما ابن عبد العزيز فجاء بعد ذلك وأخذ كتاب الإرشادات الإلهية يطالع فيه، وقد سافروا صباح اليوم.
الإخوان يطالعون بعد الأخير على العادة وسلطان يقهويهم يعطيهم عادة ثلاثة فناجيل شاي و ٧/ ٩ فنجال (ومن نوقش الحساب عذب) وقد فعل سلطان ذلك توفيرًا واقتصادًا وأنا أكثر الليالي لا آتيهم.
قد أتينا بسراج من عندي وجعلنا نأخذ القاز من القهوة وتركنا سلطان وسلطنته وفهد المزيد ورياسته.
عجيبة:
كانت البارحة ظلماء فأخذ خالك (٢) سراج المكتبة بدلًا من أن يأخذ سراجنا، فلما حول وصار يمشي بالسرحة لحقه صلطان مهرولًا وقصر السراج وقال (وراك ما قصرته) ثم رجع إلى قهوته فهذا هو التوفير وهذا هو الاقتصاد حقًّا.
جاء الدبيب إلى المدرسة ومعه عشرون نسخة من كتاب (سعد قال لي) لأحمد جمال فأعطاني منها عشرا، قال بعها وقيمة النسخة ريال وهو في ٩٥ صفحة.
стр. 1814
أظن أن صالح العمري سيتعين مديرًا للمدرسة بعد سفر المدير.
من جهة الشركة الزراعية فلم يعثروا على ماء مع الأسف الشديد: جاء أمس طائرة ومعها قصبة للأرتواز وفيها أمريكاني واحد وقد اشتغل بالجنوبي ولست على علم بما حدث بعد عمله.
دعس أمس صبي من آل أبي الخيل ومات فورًا.
جاء كتاب من العجاجي (على ما بذكر ابن أخيه) يقول فيه إني سوف استرخص من الشيخ وآتي إلى بريدة فهل هو صحيح؟ وهل لكم أمل في الاسترخاص من الشيخ إذا كان سيتأخر.
جاء أمس بالبريد خبر يفيد أن المعارف سوف يخصمون علينا نصف شهر وكذلك سوف يخصمون على يومين أحدهما الذي رحنا للودي والآخر الذي رحنا مع الشيخ فيه وكذلك سيخصمون على الخضر ٢٠ يومًا.
هذا ما لزم بيانه وأرجو إبلاغ سلامي فضيلة الشيخ عبد الله ودمت بأمان الله محفوظًا.
صديقك المخلص
علي بن عبد الله الحسين
هل تريد نسخة من كتاب سعد قال لي؟
стр. 1815
الصفحة الأخيرة من كتاب الأستاذ علي الحصيّن بخطه:
رأيت اليوم مجلة عجيبة وليس عجبها من الوجهة الأدبية ولكن من الوجهة الإخبارية إذ أنها في ٣٠ صفحة ليس فيها صفحة إلَّا وفيها كلام من جهة المملكة ففي أول ورقة منها مقال ليوسف ياسين بعنوان (المملكة السعودية في ٢٥ عامًا) وهنا رسم بعض الأشياء المهمة كاستخراج الذهب والماء وذكر
стр. 1816
أنه يستخرج من تعدين الذهب ١١٠ أطنان يوميًا ثم مقال الحافظ وهبة كذلك ثم مقال لهيكل بعنوان (المدن المقدسة في حكم ابن سعود) ثم مقال لأحمد أمين بعنوان (الحج وابن سعود) ثم مقال لأحمد ثابت بعنوان (التمثيل السياسي للمملكة السعودية) ثم مقال بعنوان (ذكرياتي في جدة) لكونيل جور، ثم مقال لفيلبي بعنوان (عبقرية ابن السعود) ثم مقال بعنوان (البلاد السعودية) لرجل إنجليزي والمجلة ساقط أولها وآخرها ولا أدري ما هي.
ومن لدنا الوالدة ووالدكم ووالدتكم وإخوانكم وخالك بخير ويسلمون ودمتم سالمًا.
أرجو أن تخبروني أن اشتريتم شيئًا من الكتب أو عثرتم على شيء من المجلات وأرجو لكم أن تأخذوا من أبي بطين بعض الكتب النفيسة بقصد البيع فأراه موافقا لأنه يحصل فيه من بيعهن واطلاعنا عليهن وخصوصًا أن استطعتم أن تأتوا معكم بشي من كتب العقاد وتوفيق الحكيم أو جورجي وسيد قطب.
اليوم استلم صالح العمري من المدير أثاث المدرسة وذكر في قيد الاستلام حتى البراميل المشققة.
أما من جهة تلك الكلمة التي لم تسركم (طولت ولعله لا يعجبكم) فهي ليست بعبارة سطحية بل هي على معناها دلك لأنكم قد كتبتم لي كتابًا لا يزيد عن ٧ أسطر ولا يزيد عن ٧٤ كلمة مع البسملة فلذلك خفت أن لا يسركم تطويل الكلام ولهذا فإني كتبت هذا الكتاب وأنا مطمئن من هذه الجهة.
أخي أرجوكم أن لا تعوقوا عن محبكم أخباركم الحبيبة إلى نفسه، ودمتم.
التعليق على هذه الرسالة:
كتبت في عام ١٣٦٧ هـ وقد مضت عليها حتى وقت تبيض هذا الكتاب في عام ١٤٢٧ هـ ستون سنة، ولذا صارت مهمة بنصها من ناحية التاريخ الأدبي، وربما صح هذا القول بالنسبة إلى رسالتي المطولة إليه.
стр. 1817
ولذلك أيضًا صورتها بنصهما من دون تغيير.
ويلاحظ على رسالة الأستاذ علي الحصين أنها كلها جدية، رغم ما قد ورد أثناءها من كلمات قليلة توحي بغير ذلك.
فهي ثقافية - إن صح التعبير - لكونها تتعلق بالثقافة والعلم من السؤال عن بقاء الشيخ عبد الله بن حميد في الرياض، إلى أخبار الكتب والمكتبات.
وتوحي بقسوة الفراغ الذي أحدثه سفر الشيخ عبد الله بن حميد ونحن معه في نفس الأستاذ الحصين، لأن الشيخ عبد الله بن حميد ﵀ كان شيخنا ووالدنا وكنت أنا والاستاذ علي الحصين من أقرب المقربين إليه.
ولم تخل الرسالة من الاهتمام بالناحية السياسية ومن ذلك تسأءل الأستاذ الحصين كما قيل من كون (الفاروق) والمراد به الملك فاروق ملك مصر قد حضر إلى المملكة مع بعض زعماء العرب الآخرين والتقوا بالملك عبد العزيز آل سعود ﵀.
رسالة أخرى من الأستاذ الحصين:
بسم الله الرحمن الرحيم أرجو أن تعفيني عن إطالة الكلام ..
أخي العزيز وصديقي الجليل الأستاذ الشيخ محمد بن ناصر العبودي الموقر
بعد التحية والاحترام أرجو أن تكون دائم الصحة والسرور، ولم يحدث ما يجب رفعه إليكم سوى كمال الصحة والسرور وسوى أن المدير أخبرني أن المخصوم عليَّ شهرًا كاملًا.
أعطاني أمس فهد المزيد كتابًا من علي السليمان الحميد برفقه سند المنهل وأنه أعطى لمدير المجلة ١٠ ريال ولكن في السند من العدد الثالث والذي أتانا العدد الخامس فقد أسقط اثنين ما العمل؟
стр. 1818
أخي طال غيابكم والشيخ جدًّا وقد أرجف البريديون وزلزلوا زلزالًا شديدًا وبلغت القلوب الحناجر وظنوا بالملك الظنونا.
أبلغني صالح العمري أنه قد أرسل لكم برقية يريد منكم أن تتوجهوا ويظهر من كلامه إنه إنما أراد إنذاركم وإلاّ فأظنه سيبرق للمعارف إذا لم تأتوا هذا ما ظهر لي من فحوى كلامه.
هذا ما لزم بيانه وأرجو إبلاغ سلامي الشيخ ودمتم.
وقد كتبت للحميد رد كتابه، المدير يتهيأ للرحيل هذه اليومين بدون أهله.
رد على عود (١):
قاتل الله هذا الرسول فأنا أعطيته الكتاب أمس الظهر وأسأله اليوم عنه فإذا هو معه.
صديقي الكريم.
تحية واحترامًا طويلين عريضين.
وبعد أما أنا فلله الحمد أستطيع أن أكتب لك الجواب حال وصول الكتاب لأن سيدنا (٢)، قد طار به الشيطان هذا الصباح ولهذا لا يسعني إلا أن أشكره وإن كان عدوًا لنا، وليس ما على عيني من جهة المصور مجرد غبار لا ولكن العين انطمست من أصلها ولكن سوف ألبس النظارة التدليس بأني لست أعمى، أنا لم أكتب شيئًا وأظنك واهمًا وإن كنت كتبتها فهي سبقة قلم أو لسان وإلا فهي سبقة عين.
يا سيدي العزيز - استغفر الله أنا أبغض هذه الكلمة - ولذا أقول يا أخي العزيز لماذا تشاورني على شراء الكتاب، وأنت تعرف أن كل ما يصلح لك يصلح لي؟
стр. 1819
اقترح أن نضم إليها ديوان الشوق العائد لمحمود طه، فهل يوافق المجلس العالي على هذا الاقتراح؟
ودمت لأخيك المحب:
علي الحصين.
انتهى.
ومن متأخري أسرة الحصين في الزمن الدكتور عبد الله بن علي الحصين وهو نجل صديقنا علي الحصين ﵀.
وهو رئيس شئون كليات البنات في المملكة منذ سنين، له من التآليف كتاب: "تدريس العلوم" وقد قدم له الدكتور عبد العزيز بن عبد الله الخويطر وزير المعارف ويقع الكتاب في ٢٢٦ صفحة من القطع المتوسط.
والدكتور عبد الله بن علي الحصين هو الآن في المرتبة الخامسة عشرة (رتبة وكيل وزارة).
ترجم الأستاذ محمد بن عثمان القاضي لصديقنا الأستاذ علي بن عبد الله الحصين، فقال:
هو العالم الجليل والأستاذ الفاضل النبيل الشيخ علي بن عبد الله بن الحصين دوسري وداعين، ولد هذا العالم سنة ١٣٥١ هـ وتعلم في المدرسة الفيصلية التي كان يُديرها الأستاذ عبد الله البراهيم السليم وذلك سنة ١٣٥٨ هـ فأخذ الشهادة الابتدائية فاق زملاءه لفرط ذكائه ونبله وسرعة فهمه، ثم غين مدرسًا فيها وظل يدرس زمنًا، وقرأ على كثير من علماء بريدة ولازمهم، ولما تعيَّن العلامة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد في قضاء بريدة لازم حلقاته في
стр. 1820
المساء والليل والفجر وصار هو الذي يُحضر له دُروُسه في منزل الشيخ قبل أن يذهب لإلقائها في الحلقة فانتفع منه.
وكان بن حميد ﵀ معجبًا بقوة حفظه وسرعة فهمه على صغر سنه، ثم تعين مفتشًا في إدارة التعليم، فقام بوظيفته خير قيام وانتسب إلى المعهد العلمي فأخذ شهادته ثم انتسب إلى كلية الشريعة فأخذ شهادتها، وكان من دعاة الخير والرشد والصَّلاح ويصدع بكلمة الحق لا يخاف في الله لومة لائم، وآخر عمل زاوله نائبًا عن مدير التعليم ثم موظفًا بشركة الكهرباء، وله نشاط ملموسٌ في الإعلام وفي المحاضرات في المساجد والنوادي وفي كل المناسبات وبينا العيون إليه شارعة ترمقه وإذا بالمنية تواجهه أحوج ما كان تلامذته وأصدقاؤه إليه إثر حادث أليم كان حتفه بسببه، بحادث سيارة بطريق الدرعية، وقد أخرج رأسه من بابها فضربه ضربة موجعة قضت عليه، وسلم من معه، وكان ذلك في الثاني من جمادى الآخرة سنة ١٣٨٢ هـ وحزن الناس لمصابه حُزنًا شديدًا لما كان يتمتع به من صفات فذة وأخلاق عالية خلدت ذكراه ورثاه زميله عبد العزيز بن محمد النقيدان ومطلعها:
قلبٌ يئن ومقلة تتألمُ ... وأسى به فيض الدِّموعُ يترْحِمُ
والنفس بادية الشحُوب كئيبة ... حَيِّرى مصدّعة القوى تتألمُ
أرَّزَت بها الأحداث في جَرّياتها ... تنأى بها يؤذي النِّفوسَ ويُؤلم
دنيا كما شاهدت في أكفانها ... عِبَرًا تساقُ غرائبًا تتكلمُ
من كان بالأمس القريب مُنعمًا ... خَصِلا بدُنياه يتيه ويَبْسُمُ
تأتيه من حُمَم الزمان وقيعة ... ما كان فيها من بَعِيدَ يَحلم
سكر بدنياه يخَالِسُهُ الرَّدَى ... بَعُد الحياة وما به يتنعّمُ
فإذا مقاييسُ الحياة معادُه ... والمرء رهن للقضا يتحَكمُ
حقا هي الآجال حَدٌّ مُرُهَفٌ ... مهما يُعمَّرُ فالرحيل محتَّمُ
ماذا أقول وفي فوادي عَبْرة ... والعَيِّنُ بالدَّم المقرّحُ يُسجمُ
стр. 1821
ولقد فقدَتُ خليل صِدق راحل ... نفسي إليه من القديم تهمهمُ
رجُل النّضال لما سَيُسْعِدُ مَوطني ... لنظل في عليائه نَترحَّمُ
رجُل مَساعيه تحدَّث خَيُرُها ... للقاطنين فكيف بي أتلعْثمُ
هذا العَزَاءُ أزُفه من مِهْجتِي ... ثرى لمجتمعي عُقوُدًا تُنْظمُ
من مَهبَط الوحي المقدس راجيًا ... عفو الإله على ثراك يُخَيّمُ
وعلى ضَريحك مُزنة هطَّالة ... نرجُو له جنّاتِ عدنٍ ينعَمُ
وكان ﵀ ممن يتحمَّسُ لافتتاح مدارس للبنات وعارضَه آخرون وحصل زوبعة وهرج ومرج فرحمه الله برحمته الواسعة.
تصويب:
ذكر الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام في ترجمة الشيخ صالح بن أحمد الخريصي أنه قد رثاه عدد من الأساتذة منهم علي الحصين .
وهذا غير صحيح فالأستاذ علي الحصين توفي قبل وفاة الشيخ صالح الخريصي بسنوات طويلة.
ولا شك في أن هذا سهو من الشيخ عبد الله البسام ﵀، إذ إن الشيخ عبد الله بن بسام نفسه ذكر ما يفيد ذلك، في ترجمتة الأستاذ علي الحصين، وأنها كانت بسبب حادث سيارة وذلك في ٢/ ٦/ ١٣٨٢ هـ فكيف يرثي الشيخ الخريصي؟
الحْصَيِّن:
على لفظ سابقه:
أسرة أخرى من أهل اللسيب.
وقد يقال لهم (ابن حصين) منهم .... ابن حصين كان يوزع البرقيات
стр. 1822
التي ترد إلى محطة اللاسلكي في بريدة على أربابها.
ورد ذكرها في وثائق مداينات عديدة على العادة في معيشة الفلاحين.
стр. 1823
ومن أقدم الوثائق التي ذكر فيها شخص من أسرة الحصين هؤلاء هو عبد الله الحصين، وقد حملنا على زعم ذلك أن الكاتب والمتبايعين من أهل اللسيب أو قربه مع عدم التأكد من كون عبد الله الحصيِّن من الحصيِّن أهل الشماس فذلك محتمل.
والوثيقة مؤرخة في عام ٦٢ (١٢) وذكر الكاتب عبد الرحمن بن عبيد ذلك بقوله: جرى نهار ثلاث عشر من شبعان من سنة اثنين وستين من الهجرة النبوية، وهذا ظاهره غير صحيح، ولكن المراد منه واضح والأشخاص المذكورون في الوثيقة عبد الله بن محمد الصمعاني وعثمان بن مبارك الرميان معروفون ومعروف زمنهم، بل إن الكاتب عبد الرحمن بن عبيد معروف لنا أيضًا، فقد اطلعنا على عشرات الوثائق التي كتبها، وأرخها بتاريخ صحيح في هذه الفترة.
والوثيقة هي مبايعة بين عبد الله بن محمد الصمعاني (بائع) وبين عثمان بن مبارك بن رميان (مشتر).
والمبيع نصيب البائع من العدانة وهي نخيل في اللسيب والثمن: خمسة عشر ريالًا فرانسه.
стр. 1824
الحْصَيِّن:
على لفظ سابقه.
أسرة أخرى صغيرة العدد متفرعة من أسرة الحصان من أهل بريدة التي سبق ذكرها والذين منهم الحصان رجل حسن المهنا وصالح الحصان الذي سبق ذكره.
منهم عبد الله الحصين كان يجالس بعض طلبة العلم وإن لم يكن من الطلبة.
الحْصَيِّن:
على لفظ من سبقوه أيضًا.
من أهل محلة الصبيحية في بريدة قدموا لبريدة قبل ١٥ سنة وقبل ذلك كانوا في البدائع جاءوا إليها من الفوارة.
أسرة صغيرة ترجع لبني سالم من حرب.
أبناء عم المعتق.
اشتهروا بأن أحد الأشخاص قتل شابًا منهم ببندقيته فعفوا عنه وقد أكبر الناس ذلك منهم ونشرته الجرائد منوهة به، ذاكرة أنهم ينبغي أن يقتدي بهم الناس في العفو والمسامحة، رغم شدة المصيبة، وشهوة النفس إلى الانتقام في مثل هذه الحالة.
بل إنهم قاوموا حتى استغلال القائل فلم يشترطوا عليه أن يدفع مبالغ مالية طائلة لهم حتى يعفوا عنه كما يفعل بعض أولياء المقتولين!
стр. 1825
الحْصَيْنِي:
على لفظ تصغير الحصني الذي هو الثعلب في لغتهم العامية، أخذًا من كنيته الفصيحة (أبو الحصين) التي لا تزال مستعملة في العامية.
أسرة كبيرة من أهل الشقة السفلى، بل هم كانوا أمراءها منذ أكثر من نصف قرن، واستمروا كذلك إلى العقد الأول من القرن الخامس عشر.
ومنهم سند بن إبراهيم الحصيني كان ثريًا عاقلًا كريمًا، توفي عام ١٣٤٧ هـ أقر له أهل الشقة السفلى بالإمارة، رغم شدتهم وصعوبة السيطرة عليهم لما يتمتع به من ثراء وعقل، بل وبر وإحسان.
وقد حدثني أحدهم أنهم أحصوا من أسرة الحصيني أكثر من ثلثمائة رجل، ولكن أكثرهم يعيشون خارج الشقة.
كان سند بن إبراهيم الحصيني تولى إمارة الشقة السفلى، ورزق من المال والولد كثيرًا، وكان مع ذلك طيب نفس، مكرمًا للقريب والبعيد والضيف لذلك أحبه الناس، وصارت له يد عند الحكام.
وكان يداين الفلاحين من أهل الشقة والخبوب، وحتى من أهل بريدة، فلا يضيق عليهم في طلب الوفاء، وهذا هو السبب الذي جعل المستدين يأتي إليه من مسافة بعيدة، وهو سند بن إبراهيم بن عبد الله بن محمد الحصيني.
وكان أمراء بريدة يقرون (سند الحصني) على إمارة الشقة السفلى لوجاهته وكرمه لمن يقصده من الضيفان، وقد مكنه من ذلك أنه كان ذا ثروة، وكان يداين حتى الأعراب كان يتعامل معهم، وكانت معاملته كريمة.
وقد بقي أميرًا للشقة حتى وفاته، فتولى الإمارة بعده ابنه إبراهيم ثم عبد العزيز ابن ابنه، ولكن أهل الشقة السفلى كان بعضهم استغنى وبعضهم تعلم، فلم يقبلوا أن تستمر الإمارة في ذرية سند الحصيني ورفعوا أمرهم إلى