صار يسير بدون نعلين، فتنهدت وارتاعت، فقال لها ابنها لم يا أمي؟ فقالت: يخلف الله عليك يا بني إبلك الثمان، وكان يملك ثمانا من الإبل، يسني عليها، فماتت كلها دون سبب معروف، وهي قوية صحيحة.
ونساء متميزات معاصرات:
وليس تميز النساء من أسرة الحميد مقتصرًا على المتقدمات، بل كذلك المتأخرات في الزمن ومنهن الدكتورة فاطمة بنت عبد الرحمن بن مبارك الحمد الحميد إذ نشرت جريدة الرياض في عددها الصادر في يوم ٣٠/ ١ / ١٤١٨ هـ الموافق ٦/ ٦ / ١٩٩٧ م تهنئة لها شغلت حيزا كبيرا من الصفحة ونصها:
تهنئة:
تتقدم شركة عبد الرحمن وحمد مبارك الحميد وجميع منسوبيها إلى الابنة (فاطمة عبد الرحمن مبارك الحميد) بمناسبة حصولها على درجة الدكتوراه في العلوم: قسم علوم الحيوان، تخصص أنسجة وخلية من كلية التربية بالرياض، علمًا بأنها أول طالبة من كلية التربية بالقصيم - الأقسام العلمية، تحصل على درجة الدكتوراه متمنين لها مزيدًا من التوفيق والنجاح.
عود إلى شخصيات الحميد:
ومنهم - أي من الحميد - الديك عبد الكريم بن صالح الحميد، الملقب جده بالديك، ولد في بريدة عام ١٣٥٧ هـ على وجه التقريب.
ونشأ نشأة ترف لأن والده كان ميسور الحال، مغدقًا عليه بالنفقة غير أنه ترك ذلك وتزهد، وصاحب الشيخ فهد بن عبيد العبد المحسن، بل لازمه وناسبته طريقة الشيخ فهد في أطراح ما هو عصري وما هو كمالي مستحدث في الحياة.
ذلك إلى أن حدث بينهما شيء ليس خطيرا، ولكن تلك عادة الشيخ فهد بن
стр. 2032
عبيد مع ملازميه الا يغضي على القذى مع تلاميذه.
والقذى لا يكون الأمر من أمور الدنيا ولكنه يكون الأمر من الأمور المتعلقة بما هو عليه وتلامذته، كان يحس بتساهل من تلميذه في أمور الدين أو مخالفة له في شيء، كان مقررًا عندهم، أو الركون إلى شيء من الدنيا كانوا يكرهون الركون إليه.
وقد أوغل عبد الكريم بن فهد الحميد في الزهد والبعد عن الدنيا حتى اختلف مع زوجته في اللباس الذي تلبسه النساء في الوقت الحاضر، وطلب منها أن تلبس اللباس القديم، ثم وصل به الاختلاف معها في هذا الأمر أن أحرق بعض ملابسها العصرية فغضبت من ذلك ونفرت منه.
وقد نصب له خيمة في (شعيب العود) وجعل عنده غنيمات يرعاها ويشرب من ألبانها ويأتدم بزبدها وقيل لي إنه بقي على ذلك أربع سنين لا يتعدى ذلك المكان، إلَّا أن بعض أصدقائه من طلبة العلم والمحبين له كانوا يأتون له يوم الجمعة فيحملونه بسياراتهم لأداء الصلاة، ثم ترك الخيمة، وبني له بيتا في الخبيبية (غرب بريدة) من الطين قريب السقف، يكاد الواقف يلمس سقفه، وتزوج وعاش عيشة الزهد بالجديد من أمر الدنيا، والبعد عن ملذاتها، وصار يعيش العيش الذي يريده في هذا الأمر وحده، إلا أنه بني بقرب بيته مسجدًا يصلي فيه ومن حضر إليه.
فهناك عدد من الناس يحبونه ويعتقدون في صلاحه فيصلون معه، ولكن ذلك لا يتعدى ما ذكر، فهو سلفي متشدد في أمور العقيدة، لا يتساهل في ذلك ولا يسمح لأحد أن يتساهل فيها.
وله طبيعة خاصة منها ما ذكروه من أنه لا يسارع إلى المصافحة ولا يسمح لأحد أن يقول له: يا شيخ، وإنما يحب أن يقال له: يا فلان، أي يا عبد الكريم.
стр. 2033
وينفر من كل ما يتعلق ظاهره بمخالفة النصوص كالتصوير الفوتغرافي أو الضوئي الذي نعتقد وأمثالنا أنه لا بأس به ولا مانع منه لأنه ليس بالتصوير المنهي عنه، لأنه يعكس الصورة الحقيقية للجسم أو الشكل المصور، ولا يوجد صورة أخرى، والذي ورد في الحديث: (أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون الذي يضاهون خلق الله).
وليس في التصوير الفوتغرافي أو الضوئي أية مضاهاة لخلق الله، بل هو إمساك ما ينعكس على عدسة المصورة من خلق الله.
والحديث الآخر في النهي عن التصوير (ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا ذرة فليخلقوا شعيرة) والتصوير الضوئي الشائع هذا ليس خلقا لشيء غير ما خلقه الله، وإنما انعكاس ما خلقه الله على عدسة المصورة وهي كالمرآة الصغيرة فيها، مثلما ينعكس ذلك على وجه المرأة، وصفحة الماء الراكد، ولا يقول قائل: إن رؤية الشخص لصورته أو شكله ممنوع شرعًا وهو هو التصوير الضوئي غير أن الآلة تمسك بذلك فلا يذهب إذا ذهب الإنسان من مقابلته.
ذكر لي ابن أخي الأستاذ الشاعر صالح بن عبد الكريم العبودي أن عبد الكريم الحميد سأله عني عندما تحدث معه، وقال: فلان - يقصدني - كان مديرنا في المعهد العلمي عندما كنت أدرس فيه، ولكن أهل الجرائد لم يتركوه فنشروا صورته فيها كما بلغني - حسبي الله عليهم.
لقد كان عبد الكريم الحميد هذا يشغل وقته في وحدته وفراغه للعبادة وللمطالعة، وقد كتب عدة كتب ورسائل، رأيت منها كتابًا مطبوعًا بعنوان (بين زخارف الأقوال، وعبودية ذي الجلال) طبع عام ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م في ٢٣٦ صفحة.
نقد فيه طائفة من الشعراء على رأسهم المتنبي، وفي آخرهم الشابِّي وبيَّن ما في أشعارهم مما يخالف الشرع، كما نقد مجموعة من الكتب والمراجع الأدبية مثل (معجم
стр. 2034
الأدباء)، و (الأغاني) للأصفهاني منطلقا مما يجوز وما لا يجوز شرعًا، فهو إذًا منطلق في بحثه من غير ما انطلقوا منه في تأليف كتبهم، إذ هي كتب أدبية، اتخذت الأدب الذي ينظر إلى الأسلوب والفكر الأدبي قبل أي شيء آخر.
وقد انتقد بصفة خاصة ما نقلوه عن العلماء المشهورين بالعلم والورع من فقرات أدبية تخالف ما أمر الله به ورسوله حسبما أورده.
وكان يستدل على ذلك بنصوص لشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم.
وقد اشتد نكيره لما جاء فيها من ذكر الغلمان وإيراد الحكايات عنهم.
وهو كتاب جديد في بحثه، عميق في فكره، ولكنه أيضا انطلق فيه من غير ما ينطلق منه الأدباء في أدبهم.
حول العرب الخضيريين والعرب القبيليين:
وللشيخ عبد الكريم الحميد هذا درس في المسجد كلَّ يوم يعقده في مسجده الذي بناه لنفسه في (الخبيبية) ويظهر الناس إليه من بريدة ويأتون من أماكن بعيدة حتى يمتلأ المسجد يحضرون دروسه ويستمعون إلى أقواله، وله طريقة جيدة في الوعظ لأنه يطرق أحيانًا موضوعات حية مما يهم المجتمع، ولا يقتصر على وعظ الأولين المتعلق بالموت والقبر، وما بعده وإن كان ينكر هذا أحيانًا.
ومن ذلك أنه تكلم أكثر من مرة على موضوع (الخضيري) والقبيلي، وقال: هذه من عادات الجاهلية، ولا معنى لها، ولا ينبغي أن يعتقد بها المسلم، لأن المسلمين كلهم سواء، وأنا من الذين يقال: إنهم قبليون أقول وأعلن ذلك بأنها لا يجوز استمرارها لأنها تقدح في العلاقات الأخوية بين المسلمين، وإنها من عادات الجاهلية، وكان يقول، وقد قرر ذلك في درسه أكثر من مرة: إنني منذ مدة طويلة وأنا أبحث عن الاختلاف بين الخضيريين والقبيليين فلا أجد،
стр. 2035
ولو كنت من الخضيريين لقيل: إنني أريد أن أبرئ نفسي أو أن أتعصب للخضيريين، ولكنني لم أجد أي فرق بين الفريقين، حتى إنني تزوجت بامرأة من الخضيريين من أجل أن أعرف الفرق، فلم أجد أي فرق في أي شيء بينهم لا من العادات ولا من العبادات، ولا من ظواهر الأمور، ولا من بواطنها.
وقد تزوجت ولا تزال عندي زوجتان إحداهما من القبليين والأخرى من الخضيريين ولم أجد أي فرق.
أهل الخير من الزمان ماتوا:
قال مرة في درسه: لقد ذهب أكثر الأخيار في هذا الزمان حتى إنني أحيانا أشعر أنهم ماتوا وأنني صليت عليهم بخمس تكبيرات.
أقول: ذلك بأن العلماء ذكروا أن الرجل الفاضل لعلم أو دين أو غير ذلك يجوز أن يكبر في الصلاة على جنازته خمس تكبيرات بخلاف صلاة الجنازة المعتادة فإنه يكبر عليها أربع تكبيرات.
النهي عن الإسراف في استعمال الماء:
قال الشيخ عبد الكريم الصالح الحميد في وعظه مرة: لقد ورد النهي عن الإسراف في أشياء كثيرة من ذلك استعمال الماء في الوضوء فتجد بعض الناس يفتح بزبوز الماء إلى آخره ويتوضأ بهدوء، وربما جاءه من يشغله عن الإسراع فيه فلا يدري مقدار ما ذهب من الماء الذي يصب من البزبوز، ولو أنه أحضر ماعونًا ووضعه تحت البزبوز المجاور له وفتحه عندما فتح بزبوزه للوضوء لوجد أنه قد اجتمع فيه ماء عظيم لم يكن بحاجة إليه، وإنما يذهب هباءً إلى المجاري وهذا إسراف ظاهر.
الحوار بين النصارى والمسلمين:
قال مرة: إن من العجب أن ينادي بعض المسلمين في محاورة النصارى،
стр. 2036
ويقولون: لابد من أن نجري الحوار بين الطرفين، ولماذا يجرونه وهم يقولون ويعلنون أنهم نصاري ونحن ولله الحمد مسلمون؟
هل معنى ذلك أن يطلبوا منا أن نقترب منهم؟
ثم لماذا الحوار نفسه؟ ونحن مسلمون وهم كفار، وهذا أمر معروف للجميع، ولا يحتاج إلى إيضاح
غيرته على الدين:
أصدر ردًّا قويًّا على بعض المسئولين عن تصريحاته التي صرح بها خلال جولة له في أوروبا ونشر الشيخ عبد الكريم الحميد رده في (الانترنت)، أو نشره بعضهم ووزعه فتناقله الناس.
وقد أحببت نقله هنا لأنه لم ينشر في الصحف ولأنه دليل على حياته العقلية الدينية جريًا على عادتي في هذا الصدد، وإلا فإن نشره لا يعني اتخاذ موقف معين من جهة أو موقف خاص تجاه المسئول المذكور، وقد حذفت منها.
وقد أسماه (النكير على كلام ( .... ) الخطير).
كتبه الشيخ عبد الكريم بن صالح الحميد.
اعتقال الشيخ عبد الكريم الحميد:
بلغنا ونحن في الرياض اعتقال الشيخ عبد الكريم الحميد هذا.
وقد أسفنا لذلك لأن الرجل قد ترك الدنيا لأهل الدنيا واقتصر على الصلاة في مسجده وموعظة الناس فيه.
وكان الأولى بهم أن يتركوه وشأنه يعظ ويرقق قلوب الناس، وليس له هدف آخر كما يؤكد ذلك عنه عارفوه، وكان ذلك أي سجنه في آخر شهر جمادى الأولى عام ١٣٢٥ هـ.
стр. 2037
وقد بدأ أحد محبيه من أسرة البرادي فبنى له مسجدًا عوضًا عن المسجد الأول، وحاولوا أخذ تعهد من عبد الكريم الحميد على عدم إلقاء الدروس ووعظ الناس، وأخرجوه من السجن أيامًا فلم يمتثل لذلك، فأعادوا اعتقاله ولا يزال في المعتقل حتى كتابة هذه السطور في شهر شعبان من عام ١٤٣٥ هـ، وقد استاء عدد كبير من الناس من هذا التصرف تجاه الرجل، ثم خرج من السجن، بعد مدة يسيرة، وعاد إلى الصلاة في مسجده.
وحجة الذين اعتقلوه أنه يذكر أشياء في دروسه ضد الحكومة في هذا الوقت الذي تبحث فيه كيفية مقاومة جماعة ابن لادن والمتشددين الآخرين.
عبد الكريم الحميد ومنصور النقيدان:
نشر الكاتب منصور النقيدان مقالة في جريدة الوطن في عددها الصادر في تاريخ ٢٢/ ١٢ / ٢٠٠٢ م، العدد ٤٤٩، ذكر فيه أشياء لا يعرفها الناس عن خلفية الحالة التي عليها هذا الرجل العجيب عبد الكريم بن صالح الحميد، ومنصور النقيدان مثله من أهل بريدة، وعاش فترة قريبًا من طلبة العلم الملتزمين قال منصور النقيدان:
ألف الحميد ٢٠ كتابًا وله موقع على الإنترنت ويرى أن الشيطان انتفخ على هيئة القمر والقنبلة النووية قوى الشياطين الخارقة.
الشيخ فهد العبيد زعيم مجموعة اعتزلت وظائف الحكومة وأنشأت مدارس خاصة بها واعتبرت لبس ساعة اليد تشبها بالكفار وأشرطة القرآن بدعًا منكرة.
منع الشيخ المطوع إدخال مكبرات الصوت والمراوح الكهربائية في مسجده وبقي محمد السليم ٣٠ عامًا لا يأكل إلا من كسب يده.
نشب خلاف بين عبد الكريم وفهد العبيد حول كروية الأرض قسم أتباعهما إلى ثلاث فئات، وكنا نشبه هذا الخلاف بمحنة خلق القرآن.
стр. 2038
اعتزل عبد الكريم الحميد الناس في مسجد خاص به اشترط على من أراد الصلاة فيه أن لا يحمل أوراقا نقدية تحوي صورا ولا بطاقة شخصية.
من الطبيعي في مجتمع يعشق القرار والسكون ويعد الديمومة قيمة يعلي من شأنها ويعظمها أن يثير تحول الشخص ومروره بأطوار متغيرة في حياته ونظرته إلى التدين، وفهمه للحياة اشمئزاز البعض.
يعيش أغلب الناس حياة تمر في شبه خواء ورتابة أشبه بالموت لا نكهة ولا مذاق، يولدون بصمت ويودعون الحياة بصمت، ويدرج آخر في محيط يميل إلى الصرامة والجفاف في كل مناحي الحياة فينشأ شابًا بمطامح متوثبة تضطرب فيه نوازع الشباب طموحة ما تنفك تجيش قوية عنيفة إزاء أنظمة صارمة متخلفة فما يزال في نقلة وترحال حتى يلقي عصا الترحال لعل وعسى أن يجد في ذلك الطمأنينة والسعادة.
في مدينة بريدة عاصمة منطقة القصيم في قلب الجزيرة العربية نشأ وترعرع صاحبنا عبد الكريم بن صالح الحميد.
نشأ عبد الكريم فتى مترفًا لا تكاد عينه تطمح إلى شيء إلا نالته، شأن أترابه من أبناء البيوت الباذخة الثراء، حيث كان ابنا لإحدى أكبر العوائل التي كانت وما زالت من أغنى عوائل المنطقة، وكانت نجابته المبكرة ونجاحه في دراسته ينبئان بمستقبل زاهر ومكانة اجتماعية مميزة، غير أن تلك الحياة المترفة والنجاحات تلو النجاحات والسيارات الأمريكية الفارهة التي كان يقتنيها، كل ذلك ما كان له أن يفي بملء الفراغ الذي كان يكتسحه من الداخل، ولا أن يعوضه عن ذلك النقص الرهيب الذي يشعر به، فانقلبت حياته رأسًا على عقب، وعاد أدراجه من المنطقة الشرقية - حيث كان يعمل مترجمًا في (أرامكو) - إلى مسقط رأسه (بريدة) ليكون مريدًا وتلميذًا بارًا لواحد من أشهر
стр. 2039
الوعاظ والزهاد في قلب الجزيرة العربية، إنه الشيخ فهد بن عبيد آل عبد المحسن ﵀، الذي توفي في شهر جمادى الآخرة من هذا العام ١٤٢٢ هـ، بعد مائة عام حافلة بالتقوى والزهد، والذي كان منذ السابعة عشرة من عمره يعظ الناس ويذكرهم في المساجد، واستمر على ذلك في آخر حياته في منزله صبيحة كل يوم.
وعائلة آل عبد المحسن من العائلات التي عرف عدد من أبنائها بالعلم، حيث خرجت أربعة من العلماء منهم الشيخ إبراهيم صاحب تاريخ (تذكرة أولي النهي والعرفان)، وعبد الرحمن الذي توفي ولم يبلغ الثلاثين عام ١٣٣٧ هـ في عام الطاعون العام (سنة الرحمة)، وكان من الفقهاء الشباب الذين يعدون من أقران الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي السعودية السابق، ومنهم الشيخ عبد المحسن الذي توفي عام ١٣٦٤ هـ.
وفهد العبيد ﵀ أكثر الشخصيات أثرًا في حياة صاحبنا - هو امتداد المدرسة آل سليم علماء بريدة، امتاز الشيخ فهد وجماعة معه بالحرص على إتباع أقوال الإمام أحمد بن حنبل، والتمسك بتعاليم الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
وبما أن الوظائف الحكومية لم تكن محبذة لدى الشيخ فهد وأتباعه حيث رأوا أن طريق الورع الحقيقي هو التنزه عن العمل في الحكومة، والتوجه إلى التجارة، وقد كان محمد بن عبد العزيز السليم لا يأكل إلا من كسب يده، وقد يأتيك زائرًا أو عائدًا، ولكنه لا يشرب عندك فنجال قهوة، أخذ على هذا ثلاثين عامًا حتى فاضت روحه ﵀.
وحرصًا على تنشئة أبنائهم تنشئة سليمة أنشأوا مدارس خاصة بهم لا تتبع لوزارة المعارف، يضعون مناهجها، ويقررونها على التلاميذ مكتفين بالعلوم الشرعية من القرآن الكريم والتفسير والحديث والفقه، وأما العلوم الأخرى فإنما هي عندهم صناعات ومهن، أو علوم جهلها لا يضر والعلم بها لا ينفع!
стр. 2040
كان الشيخ فهد العبيد يسكن بيتا متواضعًا من لبن وطين بني قديمًا علي النمط المعهود في نجد، وأخذ أعظم سني عمره يستضئ بالسراج ويتخذ القربة وجرار الفخار (الزير) لتبريد الماء، ولم يدخل المصباح الكهربائي بيته إلا عام ١٩٨٣ م، ولكثرة الزحام وارتفاع درجة الحرارة في مجالس وعظه تم إقناعه مؤخرًا بالسماح بالمراوح الكهربائية لتلطيف الجو بدلًا من المراوح اليدوية التي تصنع من الجريد وورق النخيل، لم يركب الشيخ فهد العبيد السيارة إلا مرة واحدة حسب ما أخبرني به في منزلي عام ١٤٠٨ هـ.
سحرت هذه الحياة ببساطتها صاحبنا عبد الكريم فاكتفى بدكان صغير في شارع الصناعة ببريدة يكفيه حاجة يومه وضرورات عيشه، أعجب الشيخ فهد بما بلغه تلميذه عبد الكريم من مرتبة عالية في التقوى والصلاح، الأمر الذي جعله يتمنى من كل قلبه أن يقبض الله إليه عبده الصالح عبد الكريم وهو علي تلك الحال من الطهر والنقاء خوفًا عليه من أن يزيغ قلبه ويضعف إيمانه بعوامل المغريات وفتن الشهوات وشرك الشبهات التي تحيط بالمؤمن من كل جهة في هذا الزمن الذي يسميه الشيخ (زمن إبليس).
اكتفى عبد الكريم بمطالعة الكتب من دون أن يلازم أحدًا من العلماء يتلقى منه العلم ويعكف على الدراسة، سوى دروس قلائل للشيخ محمد المطوع (الحميدي)، والذي كان من أكثر أهل زمانه عبادة وصلاحًا، وكان لتقواه يشبه بالفضيل بن عياض، وحرصًا منه على اتباع حياة السلف لم يأذن باستعمال مكبرات الصوت في مسجده، ولا باتخاذ المكيفات، فلما كف بصره آخر عمره وضعت المراوح الكهربائية وجعلت على أدنى درجة من الدفع حتى لا يشعر بها فيأمر بإزالتها وإخراجها من المسجد.
دام اتصال عبد الكريم بشيخه أحد عشر عامًا منذ عام ١٩٧٠ م إلى عام ١٩٨١ م، ولكن عبد الكريم الذي كان يرى في فهد العبيد أنموذج الفضيلة ومثال
стр. 2041
القناعة، لم يكن هيكل تفكيره وقالب عقله قد صيغ بعد صياغة جديدة، ولم يكن قد قبل الكسر والذوبان في قناعات شيخه، ذلك الخلاف الذي كان أكبر المفاصل في حياة صاحبنا والذي كان له أعظم الأثر في تلك الأطوار اللاحقة في فكره، وما زالت تداعياته تلقي بظلالها إلى اليوم على حياته.
وجد عبد الكريم في كتب ابن تيمية وتلميذه ابن القيم أن الله خلق الأرض كروية الشكل ونقلا إجماع أهل السنة على ذلك، ولكن شيخه اعتبر ما نقل عنهما بدعة محدثة في الدين، وأصر على أن ما وجده تلميذه في كتب الإمامين ما هو إلا كلام مدسوس عليهما وهما مبرآن من كل ما نسب إليهما، بل الأرض مسطحة غير كروية كما ذكر السيوطي في تفسير الجلالين.
تمرد التلميذ على الشيخ وأبى أن ينصاع وشغب عليه في مجالسه ودروسه، فلم يكن من الشيخ إلا أن أعلن براءته من صاحبنا ومن يقول بقوله ودعا إلى مقاطعته ونبذه هو ممن جالسه أو اتصل به فأطاعت الأغلبية العظمى من أتباع الشيخ ولبت نداء زعيمها، وابتدأت محنة القول بكروية الأرض! .
يسأل الواحد عنها فمن أجاب بكرويتها نبذ وأعلنت البراءة منه في مجالس الشيخ، ومن توقف الحق بالقائلين بكرويتها، ومن قال بسطحيتها أبقي عليه، وقد كنا نشبه هذا الخلاف وما جره من انشقاقات وخلافات على الجميع بمحنة خلق القرآن، وظل صاحبنا وحده ولم يلق أي تأييد أو مناصرة له مما زاد في عزلته وعذابه وغربته، فألف قصيدته النونية التي أشار فيها إلى خذلان بعض أهل العلم له مع معرفتهم بأنه على الحق، والتي يقول فيها:
كم كاتم للحق يعلم أنه ... يوم القيامة ليس ذا إحسان
ألف عبد الكريم كتبًا كثيرة ومنها بعض الكتب التي تناول فيها ظواهر كونية وكشوفات جغرافية، كدوران الأرض، والصعود إلى القمر، ونزول المطر من
стр. 2042
السحاب، غير أنه حينما لا يجد عند ابن تيمية وابن القيم الإجابة يلجأ إلى تفسير تلك الظواهر والكشوفات بالسحر والطلاسم والخوارق الشيطانية، وهذا ما جعله يذهب إلى أن الشيطان انتفخ وخيل لرواد الفضاء أنهم نزلوا على سطح القمر ولم يكن ذلك سوى إبليس انتبر وظهر لهم بصورة القمر، وهذا هو ما حمله أيضًا على أن ينكر الذرة في كتابه (وحدة الوجود العصرية) ويفسر القنبلة النووية بقوى الشياطين الخارقة ليبلغ بالأمر منتهاه فيتوج ذلك بمذكرة (العلوم العصرية والآلات السحرية) والتي أصدرها عام ١٩٨٣ م، ذكر فيها أن كل ما توصلت إليه الإنسانية اليوم من تقدم في الصناعة وثورة الاتصالات والمواصلات وأجهزة إلكترونية وآلات كهربائية ما هو إلا خوارق شيطانية وخيال يلف حياتنا لا حقيقة له.
كان حب صاحبنا لشيخه قد استبد به فلم يقنع بأن تنتهي تلك الصلة الطويلة هذه النهاية المؤسفة، فواصل الكتابة إليه وتابع الرسائل على الشيخ يلين حديده ويقبل الخيارات التي عرضها عليه، إما أن يكف عن نقاش هذه المسألة، أو أن يوافقه في ما ذكره ونقله عن علماء لهم أعظم المكانة عند شيخه، ولكن الشيخ ظل صامتًا.
اعتزل صاحبنا مدينة بريدة عاتبًا آسفًا، وبنى له مسكنًا من صفيح في (الظليم) جنوب شرقي بريدة على يمين الذاهب إلى بلدة الشماسية، وأخذ في عزلته سنتين منصرفًا إلى نفسه فكانت تلك العزلة خلوة بربه صورت آلامه لذة، وغربته أنسًا وجوعه شبعًا، ومرضه صحة.
عرض عبد الكريم شيئًا من قناعاته على بعض العلماء الذين لم تعجبهم أفكاره، وكانت زيارته للرياض عام ١٩٨٣ م هي المرة الأخيرة التي ركب فيها السيارة وبعدها كتب مذكرته (العلوم العصرية والآلات السحرية) والتي ضمنها خلاصة أفكاره عن المدنية الحديثة.
استقر صاحبنا أخيرًا في حي (الخبيبية) في الريف الغربي لبريدة، حيث أنشأ
стр. 2043
له مسكنًا من لبن وطين بناه بمشاركة بعض الشبان المعجبين بشخصيته والمتأثرين بأفكاره، ولم يرتض شيئا من وسائل النقل الحديثة واكتفى بركوب الحمار ثم الحصان مؤخرًا، وأخذ ردحًا من الزمن ينسخ لقاءات وحواراته بألة نسخ يدوية حتى تم إقناعه أخيرًا بجدوى الطباعة الحديثة.
ومذ ما يزيد على ٧ سنوات وهو منعزل في مسجد لا يصلي فيه إلا من رضي بشرطه (أن لا يكون معه أي ورقة تحمل صورة الإنسان أو حيوان حتى وإن كانت البطاقة الشخصية).
فضل صاحبنا العزلة عن الناس لأنه رأى البشرية اليوم تهوي في مكان سحيق من الرذيلة ويموج بها محيط متلاطم من المغريات والشبهات، ففي هذا الغروب الشامل وقد قاربت الدنيا على النهاية وقرب (زمن خروج الدجال) تكونت قبسة الضوء الوحيدة هي وصف الغروب والشهادة عليه، ينتظر مع مغيب كل شمس أن يسدل الستار على حياته متلهفا ضارعا إلى الله أن يتقبله في الصالحين.
وقد هم بعض الشباب الذين عرفوا عبد الكريم وصحبوه مدة من الزمن أن يعيشوا هذه الحياة البسيطة، ولكنهم نسوا أنها قاسية رهيبة إذا قيست بالأحلام التي يحلمونها عنها، ظنًّا منهم أنهم يؤدون دورًا على مسرح تراهم فيه الأبصار وتمدحهم الألسن ثم ينتهي سريعا، ولم يكن الأمر كذلك!
إن مثل هذه الحياة التي يعيشها عبد الكريم منذ ٢٠ عاما تقتضي صبرًا وجهدًا وتتطلب شجاعة أكثر من الشجاعة التي تتطلبها التضحية بالحياة، تتطلب منك أن تموت أولًا لتعيش تلك الحياة! !
فإذا استهوتك هذه الحياة وأسرتك ببساطتها فلتعلم أن عزف الحياة على هذه السيمفونية حكر على صاحبنا وحده، وأنها إذا كانت حبل النجاة له، فإنها مقصلة لا تعرف الرحمة لمن يحاول أن يعزف على تلك الوتيرة.
стр. 2044
(إذا كان الإنسان قد يمر بتجربة المرض حتى ملامسة الموت أو حتى الإبحار ببعض شطآنه ثم العودة مرة أخرى من هناك ليعود بتجربة نادرة ونظرة جديدة إلى الحياة) فإن عبد الكريم قد أبحر ثم عاد بلا جديد، لقد كان ينتظر فطال الانتظار، وكثيرًا ما سمعته يقول لنا (والله لا أحد بأسعد مني اليوم بالموت، وأي شيء أريده في هذه الدنيا! ! ) وإذا ما الم به مرض، أو وعكة تلزمه الفراش يستبشر بأنها آخر أيامه، ويروي ما رآه هو أو رؤي له من منامات في ذلك.
٢٠ عامًا وصاحبنا يعيش حياته التي رضيها ووجد فيها راحته وطمأنينة نفسه، بيد أنه لم يكن بمعزل عما يدور من أحداث ويطرأ من تغيرات على الساحة المحلية والدولية، وكتبه التي جاوزت العشرين والتي تبحث - علي غرائبية بعضها في شتى القضايا الفكرية والاجتماعية والتربوية - أصدق دليل على ذلك.
وأغلب مصادر المعلومات لديه هي ما يزوده بها أصحابه وزائروه، إضافة إلى الجرائد التي تقع بيده، والتي يصادفها كثيرًا في طريقه.
أذكر أنني لم أعلم بنتيجة مباراة السعودية مع هولندا في مونديال أطلنطا عام ١٩٩٤ م إلا منه بعد أن انصرف من الصلاة واستقبلنا بوجهه ليزف إلينا بشرى هزيمة المنتخب السعودي! .
إضافة إلى تلك اللقاءات والجدالات والردود التي تدور بينه وبين موافقيه أو مخالفيه والتي كثيرًا ما تنتهي بمطالبته لهم بالمباهلة (أن يدعو كل واحد منهما على مخالفة بالهلاك إذا كان مبطلًا) إلى تلك التوترات التي شكلت معطيات فكرية ووجدانية غنية، كان يتفاعل معها ويتأثر بها، لكي تتيح له ذلك التحول الذي انتقل معه من طور إلى طور آخر.
وأخيرًا، لو استعرضنا حياة عبد الكريم اليوم وقد جاوز الستين عامًا لكانت
стр. 2045
شريطًا فيه شيء من الغرابة، والكثير من الخطوط المتعرجة، وقد تجمعك الأقدار به يوما لتراه إنسانًا متوسط الطول، نحيف الجسم، كليل البصر، ضعيف السمع، وأمن القوى، فلتعلم أنه يحمل بين جنبيه نفسا لا تعترف بالجزع الشديد ولا تعرف الأفراح الصاخبة، ولكنها نفس تعرف المواجهة الدافئة لكل الأفراح والأحزان.
للبعض أن يصف صاحبنا بالحدة والجفاء والشدة، وعبد الكريم ليس استثناءً فإنه فرد من مجتمع حيث نمط الحياة الاجتماعية والإنتاجية بسيط لا يتطلب حلولا تركيبية وإضافات جديدة، لهذا يسود نمط فكري أحادي الطبيعة حاسم قاطع محدد ملتزم بمعيار ثابت وقيم متجانسة واحدة.
كتب عبد الكريم كتبًا كثيرة أغلبها ردود على أشهر الفقهاء والعلماء المعاصرين كالقرضاوي والشعراوي والغزالي وحسن المالكي وغيرهم كثير.
عبد الكريم يعيش في عصرنا ويسكن بيننا ولكن قلبه وأشواقه ومحط رحاله إلى قرون مضت وعصور تصرمت، وأنماط عيش انقرضت، لقد كان بإمكانه أن يكون صاحب جاہ ومنصب ومال ولكنه فضل أن يعيش لمبادئه وطريقه الذي اختاره.
وإذا كان عدد ما زال في تناقص مطرد من أتباع الشيخ فهد العبيد ومحبي عبد الكريم والمعجبين به قد ظلوا أوفياء لمثلهم وأفكارهم إلى آخر لحظة في حياتهم، فإن كثيرًا منهم شبابًا وكهولًا قد اصطدموا بواقعهم وبالبيئة التي من حولهم وبالعوائق والمتاعب التي أوهنتهم، فلم يستطيعوا أن يثبتوا في مراكزهم أمام تيار الحياة الجارف، وهاهم اليوم شيوخًا يقبلون ما كانوا يرفضون، ويتنازلون عما كانوا ملتزمين به، فالوسط الذي يعيشون فيه وكلام الناس ومطالب الأولاد، وتوالي العقبات، وغلبة النساء، كل ذلك قد اضطرهم إلى أن يعيشوا الحياة كغيرهم.
كان يروق لنا أحيانًا أن نجري جردًا إحصائيًا لهم، لنعلم مدى التغير والتحول الذي أصاب الجميع، ونحمده سبحانه على الثبات على الحق في وقت
стр. 2046
كثر فيه الناكصون عن الجادة، وبعد أن كانوا يجاوزون المائة بأبنائهم عام ١٤١٠ هـ لا يكاد يجاوز عددهم اليوم عشرين شخصًا، ولو نظرت إلى البون الشاسع الذي يفصل بينهم وبين أبنائهم لتحققت صدق ما قاله مطرف بن عبد الله، (الناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم).
الكاتب
منصور النقيدان
الرد على منصور النقيدان:
صنف الشيخ عبد الكريم بن صالح الحميد رسالة في الرد على منصور النقيدان عنوانها: (آثار وروائح المدفون بين الجوانح) رد على منصور النقيدان، وتقع في ٣٥ صفحة من القطع الصغير، وقد وصف الشيخ عبد الكريم الحميد منصور النقيدان بأوصاف غير لائقة.
ونظرًا إلى ما التزمت به من بيان الأعمال الفكرية، أو لنقل الصراع الفكري، وقد نقلت مقالة لمنصور النقيدان رأيت أن أنقل بعض ما جاء في ذلك الرد لم أحذف منه إلَّا أشياء لا يضر حذفها اختصارصا أو تجنبًا للوصف بجملة حادة أو كلمة نابية.
قال الشيخ عبد الكريم الحميد:
استفتح النقيدان مقالته بالكلام عما حدث له وهو في سن السادسة عشرة، وأنه عصفت به شكوك وتساؤلات وحيرة، واستمر في كلامه حتى قال: ولأن الحديث عن مثل هذا النوع من العذابات الروحية داخل في نطاق المحرّم فقد لزمت الصمت ودفنته بين جوانحي.
أقول: نحن لا نشمت، وإنما نقول: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ وواجب علينا النصح للمسلمين بأن
стр. 2047
يحذروا هذا وأمثاله وما دفنه بين جوانحه فقد أبى هذا المدفون إلَّا أن يفضح نفسه، نعم يعرض للإنسان مما يعرض له من إلقاء الشيطان العدو المبين، وإنما دواء ذلك في الشريعة معلوم والشفاء منه محقق بيقين لمن لم يستمر مع هذه الإلقاءات والوساوس الشيطانية ويُساكنها ويطمئن إليها، ولقد كانت تعرض لسادات الأولياء وأفضل الخلق بعد الأنبياء أصحاب رسول الله عليه وعلى آله وسلم ورضي الله عنهم، وما كانت تضرهم لعملهم بإرشاد نبيهم ﵌، ولما وهبهم الله من الإيمان الدافع لنزغات الشيطان.
ويقال للنقيدان: إن الذي دفنته بين جوانحك دلائل سوء لذلك وصفتها بأنها داخلة في نطاق المحرم وأنها شكوك، وأعظم بذلك، وصحيح أن الإناء بما فيه ينضح، وقد بان ما في إنائك من نضحه في مقالاتك هذه وغيرها، وهذا هو السر الذي أشرت إليه سابقًا.
قال النقيدان في مقالته: فغالب من يتعرضون لتحولات صارخة إنما جاء تحولهم نتيجة تصادم داخلي وتوتر دائم بين أمرين لا يمكن فهم أحدهما فهمًا تمامًا بالإستناد إلى الآخر إلا أن الحديث عن مثل هذه الأحوال جرى اعتباره منذ فترة مبكرة في تاريخ الإسلام من المحرمات، وقد جاءت أحاديث مرفوعة إلى الرسول تشير إلى أن هذه العوارض والشكوك التي تطرأ على المسلم هي علامة صدق الإيمان وأن الواجب على المسلم أن يكتفي بالتعوذ من الشيطان ويطمئن لصحة إيمانه دون أن يعلن الحديث عنها أو يكاشف أحدًا بتفاصيلها.
جواب هذا أن العوارض واردة لأن مادتها تُستسقي من الشيطان وهو ما زال في إغواء بني آدم لكن المسلم مأمور بطردها وإبعادها لا تقريبها ومساكنتها، ثم إن المسلم معه سلاح الإيمان والعلم النبوي الذي نوره يصرع الشيطان ويهدم بنيانه، وما كان الشيطان ليطمع من الصحابة بأكثر من العوارض والتي هي بالنسبة لهم كالزبد الذي يذهب جفاء، أما من جاء بعدهم فكثيرون طمع فيهم الشيطان فلم يكتف
стр. 2048
لهم بالعوارض وإنما أخذهم بالشكوك، وذلك لغلبة الجهل وإيثار الهوى واستحكام الضلالة والشقاء، وإلا حتى الشكوك ففي الوحي المطهر ما يمحقها، ونتحدى أي مبطل يورد شكًّا من الإلحاد فما دونه إلا وفي الوحي ما يدحض ذلك ويُزْهقه، فليورد النقيدان علينا شكوكه وعوارضه لنجليها له.
ولو أنه أو غيره ممن اعتراهم وعرض لهم ما عرض في أمر العقيدة أتوا البيوت من أبوابها بأن طلبوا الحق من مظانه وتضرعوا لربهم واستكانوا لهُدوا، وإنما الحاصل أن أحدهم يركب رأسه مُدَّعيًّا أنه شبَّ عن الطوق، فيخوض في كل واد ويهذي في كل ناد باعتبار أنه المنقذ للأمة الكاشف للغمة، والعجب أن يُطلب الهدى من أهل الضلالة، فلقد أنهمك هذا الصنف في الإقبال على علوم الأمم المغضوب عليها، والضالة يطلبون قبس نور من لجج الظلمات، وفاقد الشيء لا يعطيه فازدادوا حيرة وتهوّكًا، ولهذا وصف شيخ الإسلام بمارتن لوثر الكافر.
ولماذا التحرّش بالعقيدة ولماذا الطعن في حملتها من الأئمة الأعلام؟ ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ أما كان الأولى بالنقيدان أن يعالج نفسه مما اعتراه وألمَّ به من العوارض والشكوك بدلًا من أن تتصدّر فيتعدى ضرره إلى غيره ويحمل من أوزار من يضلهم؟
وإذا كان التحدث عن الشكوك يثير الشبهات ويشيعها بين المؤمنين كما ذكر في مقالته، فلماذا وقع هو في المحذور لولا أنه مفتون فقد خاض في الدين منذ سنين، وكلامه ينتشر في الآفاق ونحن نحتج عليه بإقراره فقد قال بعد الكلام السابق: لكون التحدث عن تلك الشكوك والنقاش حولها ضربًا من إثارة الشبهات وإشاعتها بين المؤمنين تنعكس سلبيًّا عليهم، لهذا كان عمر بن الخطاب ﵁ ينظر إلى اسئلة صبيغ بن عسل حول بعض آيات القرآن إثارة للشبهات والشكوك أكثر من كونها أسئلة مسترشد أو جاهل.
نقول: وأنت ما كان كلامك في الدين وخوضك إلا إثارة للشبهات والشكوك فما
стр. 2049
زلت كل وقت تطلع على الناس بآفة وبليّة حتى افتريت أخيرًا على شيخ الإسلام ﵀ أنه لو تأخر زمنه لقدّم تفسيرًا جديدًا للإسلام، تريد بالتفسير الجديد مجاراة أهل الأهواء والضلالات والتنكّر لما كان عليه السلف من سلامة الاعتقاد وصحة المنهاج، هذا واضح من مقالاتك وأحوالك، والحمد لله الذي أخرج مكنونك بأن فضحت نفسك، وكأنك الآن تقول للناس: احذروني فقد دفنت بين جوانحي ما يزلزل عقائدكم وها أنا كل أوان أخرج لكم منه ما هو كفيل بتشكيك وإفساد من أغترّ بي.
وإن ضرب عمر ﵁ لصبيغ وتأديبه له وضع الدواء على الداء، وقد حصل الشفاء، وأين حال صبيغ وحالك؟ وأين قول صبيغ وقولك؟ إنك تأتي بالعظائم ولا عمر يضعك موضعك.
بعد ذلك ذكر النقيدان ما كان يعرض لشيخ الإسلام ﵀ ومحاربته أرواحًا شيطانية بالآيات القرآنية، يريد التشكيك بشيخ الإسلام وهذا مما يدل على علو مقام الشيخ ﵀، وقد عرض الشيطان للنبي ﵌ فكان ماذا؟
يحاول النقيدان التشكيك بشيخ الإسلام وبالإسلام أيضًا ويأبى الله إلا أن يكون ذلك من باب تعبير أسماء ﵂ بذات النطاقين.
يقول: كان ابن تيمية كثيرًا ما يخرج إلى الصحراء وحيدًا مرددًا بيتين يعكسان ذلك الخضم الهائل من الصراع المتلاطم داخله.
تموت النفوس بأوصابها ... ولم تدر عُوَّادها ما بها
وما انصفتْ مهجة إذ شكَتْ ... أذاها إلى غير أحبابها
أقول: ليس في صدر شيخ الإسلام خضم هائل من الصراع المتلاطم كما زعم هذا المتمعلم بل في صدره ﵀ جنته التي يتنعم بها في موضع
стр. 2050
البؤس ويُسَرّ بها في موضع الحزن حيث اشتهر قوله ﵀ وهو في السجن: ما يفعل بي أعدائي أنا جنتي في صدري، وإذا كان هذا في السجن فكيف في حياته العادية، ولما أغلقوا عليه السجن يقول: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ وسعادة شيخ الإسلام وسروره بدينه أشهر من أن يذكر أما البيتين فيُشبهان ما كان يتمثل به إذا خرج في الصحراء كما ذكر عنه ابن القيم:
وأخرج من بين البيوت لعلني ... أحدّث عنك النفس بالسرِّ خاليًا
وكل هذا لا يدل على صراع كما يصف المتعلم وإنما يدل على أُنسه بربه وشوقه إليه لعلو مقامه في التوحيد والمعرفة، وما زال أهل المعرفة بمعبودهم والشوق إليه يتمثلون بمثل ذلك.
فالنقيدان يريد التشويش في شأن شيخ الإسلام ويريد أيضًا المقارنة بين ما اعتراه من الوساوس والشكوك كما تقدم من كلامه وبين أحوال شيخ الإسلام ومقاماته السّنّية، وشتان بين مشرّق ومغرب، والثرى والثريا.
ثم قال النقيدان عن شيخ الإسلام: كما يحكي عنه تلاميذه أنه كان إذا أشكل عليه فهم آية قرأ كل ما وقع بيده من كتب التفسير، فإن فتح له شيء وإلّا لجأ إلى مسجد خرب أو عتيق وتمرغ فيه كما تمرغ الدابة ودعا قائلا: يا معلم إبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني.
قال النقيدان معلقًا على فعل الشيخ هذا قال: هذه القصة لا تعكس شغفًا معتادًا بالعلم ومعرفة القول الصحيح في تفسير آية ما بقدر ما تعكس حالة من الحيرة والقلق.
أقول: افترى النقيدان على الشيخ ﵀ حيث وصفه بالحيرة والقلق، يريد بذلك الجمع والمقارنة بما أصابه هو من الشكوك وما يفعله شيخ الإسلام إذا أشكل عليه فهم آية وهذا من مكره وكيده.
стр. 2051
العجب أن النقيدان ما زال مع الشيخ في باب (ذات النطاقين) هو يريد الطعن بالشيخ لكنه يُظهر محاسنه، وكأن شيخ الإسلام وأحواله طلسم لم تفتح رموزه القرون الماضية وجاء النقيدان في آخر الزمان ليُجلي حقيقته للناس.
إن مقاومة شيخ الإسلام ﵀ الأرواح الشيطانية بالقرآن ولجؤوه إلى ربه مع بذله جهده في معرفة كلام ربه لهو والله من أعلى المقامات والأحوال التي مَنَّ الله بها عليه، والنقيدان يجعلها من باب الأزمات الروحية والحيرة والقلق.
ثم قال النقيدان: فهل كان ابن تيمية فيما يحكيه ابن القيم عن تسلط الأرواح الشيطانية يشير إلى عاصفة من الشكوك كانت تُلمّ به بين الحين والآخر حتى تنعكس على حالته النفسية والصحية؟
انظر كيف أن النقيدان يريد أن يدخل شيخ الإسلام في عاصفة شكوكه وحيرته وقلقه ومرضه النفسي مع سلامة الشيخ ﵀ وعطب النقيدان نفسه.
ثم قال: هل كان ابن تيمية شخصية قلقة؟ رأيي بالإيجاب فتلك النفحة الروحية هي التي أبدعت قوله المثير بفناء نار الكافرين ودخولهم الجنة مع المؤمنين.
إن القول بفناء النار الذي استغله النقيدان لتمشية باطله وللطعن بشيخ الإسلام من أجله مما يحمد عليه الشيخ ﵀، ثم إنه لم يبتدعه فقد تبع في ذلك الصحابة ﵃ الذي علموه من كلام ربهم .
وسبق وباهت النقيدان على صحة هذا القول قبل عشر سنين، وإن أراد إعادة كرّة المباهلة فليتقدّم لأنه آذانا بهذه المسألة هو وصاحب كتاب (الاستنفار لمحق القول بفناء النار) البهيجي لكن صاحب كتاب الاستنفار خاف وأحجم عن المباهلة حيث دعوته إليها مرارًا، ولما رأيت ذلك فتحت باب دعاء أن يكف الله بصر الكاذب في مسألة النار أنا أو هو، وقد ذكرت ذلك في جواب أسئلة وُجّهت إليَّ بشأن كتاب البهيجي (الاستنفار) وطبعت مع الجواب في كتاب
стр. 2052
(فتوى وبيان في كتاب الاستنفار لمحق القول بفناء النار) والبهيجي تميّز بفرية أودعها كتابه المشؤوم لا يغطيها الليل ولا يسترها الذيل حيث زعم أن القول بالفناء مدسوس في الصواعق لابن القيم ولم يأت ببرهان على ذلك، ففتح باب ضلالة لمن شاء أن يطعن بكتب أهل السنة.
وحيث إن توضيح مسألة فناء النار وبيانها في كتابنا (الإنكار) وكتاب (فتوى وبيان) كذلك فيهما كلام شيخ الإسلام في المسألة وكلام تلميذه ابن القيم فلا داعي للدخول فيها هنا، ومن اطلع على هذه الكتب عَلِمَ أننا بيّنا زيف كل شبهة واردة على المسألة والحمد لله، وعلم أن تشنيع الخصوم عليها لأغراض في نفوسهم وعَلِم أنها باب معرفة لأسماء الرب سبحانه من رحمته وحكمته في خلق جهنم وإبليس وغير ذلك مما يُحبب العباد لربهم ويُعرِّفهم به.
والكلام هنا مع من يأبي أن يُقاد بالأرسان مقلدًا فلانًا وفلانًا بل ينظر بنفسه في المسألة، سيجدها متعة ونهمة ورحمة وعلمًا جليلًا حُرمه من ليس له بكفء.
أما زعم النقيدان أن شيخ الإسلام يقول بدخول الكفار الجنة مع المؤمنين فالمراد بذلك التشنيع على الشيخ وعلى من يقول بفناء النار، ولم يقل شيخ الإسلام هذه العبارة، لكن له كلام مبين وموضح في كتابنا (الإنكار) وما يصير إليه الكفار بعد الفناء، كذلك كلام ابن القيم في ذلك، والمسألة شَوَّهها الخصوم بالتشنيع كما يهذي النقيدان ويظن بعض الناس أن ما تكلم به الصحابة مثل عمر وابن مسعود وتكلم به السلف تكلم به شيخ الإسلام وتلميذه من فناء النار أن ذلك يُنافي خلود الكفار وتأبيدهم فيها والذي هو صريح في الكتاب والسنة وكثير يصعب حصره وليس الأمر كذلك، بل من أنكر خلود الكفار وتأبيدهم في النار فهو كافر لكن (عند جهينة الخبر اليقين) أقول في كتابنا الإنكار والفتوى ما يزيل كل شبهة واردة حتى أن من عرف حقيقة المسألة عرف جهل المشنِّعين وظلمهم، وأنهم ما عرفوا وما أنصفوا بل جاروا وظلموا.
стр. 2053
كذلك يرى إعادة تفسير آيات من القرآن متعلقة بالكونيات وينتقد شيخ الإسلام ﵀ في أنه يعتبر أي تفسير مخالف لتفاسير السلف إلحاد في كتاب الله. انتهى كلامه.
من مؤلفات الشيخ عبد الكريم الحميد:
من مؤلفات الشيخ عبد الكريم بن صالح الحميد رد على الشيخ يوسف القرضاوي عنوانه: (الحق الدامغ للدعاوي في دحض مزاعم القرضاوي) طبع في ٣٠١ صفحة عام ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م وناشره علي بن إبراهيم البرادي وهو أحد الأصدقاء الملازمين للشيخ عبد الكريم ومع ذلك كتب: حقوق الطبع محفوظة للناشر.
ورأيت في آخر صفحة من كتاب (الحق الدامغ للدعاوي في دحض مزاعم القرضاوي) المطبوع ثبتًا بمؤلفات الشيخ عبد الكريم ذكر فيه الأسماء فقط من دون توضيح المضامين، ولا حتى المقصود بالكتاب وذلك أنه أريد منه معرفة عنوان الكتاب حتى يطلبه من يريده، ولكن بعضها لافت للنظر مثل كتاب: "دش ودين كيف يجتمعان؟ ". والدش هو الطبق اللاقط للقنوات الفضائية.
وكتاب: (هداية الحيران في مسألة الدوران) المراد بذلك دوران الأرض وإن لم يوضح في القائمة.
وكتاب: "إعانة المتعالي لرد كيد الغزالي"، والمتعالي هو الله تعالى، يريد أن الله أعانه على تأليف هذا الكتاب.
و"إقامة الحجة والبرهان على من زعم أن الله في كل مكان"، رد على محمد متولي الشعراوي.
و"إثارة الدرب لما في تفسير قطب من آثار الغرب"، المراد بتفسير قطب (في ظلال القرآن).
وأكثر كتبه أو كثير منها ردود على علماء كبار أو صغار.
стр. 2054
نشر موقع الإسلام اليوم في الانترنت نبذة عن اعتقال الشيخ عبد الكريم بن صالح الحميد فقال:
اعتقال عبد الكريم الحميد:
قامت قوات الأمن صباح يوم أمس الأربعاء بالقبض على الشيخ عبد الكريم الحميد في منزله ببلدة الخبيبية غرب مدينة بريدة.
حيث قامت مجموعة بمحاصرة منزل الشيخ الحميد الذي رفض حسب مصادر خاصة بالإسلام اليوم أن يذهب معهم على أن يأتيهم هو بنفسه بمقر المباحث العامة بمدينة بريدة.
والشيخ عبد الكريم الحميد هو إمام مسجد في بلدة الخبيبية غرب بريدة منذ سنوات طويلة، وعرف عنه الزهد والتقشف وعدم رؤيته استخدام بعض الوسائل العصرية مثل ركوب السيارات والطائرات أو غيرها من الأجهزة، كما أنه كان يساهم ببياناته في الأحداث التي تمر بها الأمة الإسلامية سواء إبان الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق، أو ما حدث بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر في أمريكا.
ثم خرج الشيخ عبد الكريم الحميد من السجن ووجد أحد محبيه قد بنى له مسجدًا عوضًا عن مسجده، فصار يصلي فيه فيمتليء بالمصلين حتى إن الناس يصلون خارجه في صلاة العشاء لأنه وقت فراغ لهم فأشار عليه بعض محبيه ألا يصلي في مسجده وهو قريب من بيته في الخبيبية خوفًا من الفتنة أن يحدث من الجمهور المجتمع إخلال بالنظام فيه، فنزل عند رغبتهم وصار يصلي في مسجده كل الأوقات إلا العشاء فيصليها مأمومًا في مسجد آخر.
وفي السجن فنظم قصيدة منها:
أحقيقة هذا الذي أنا أسمعُ ... أمْ أنني في النوم كنتُ أروَّعُ
ما ذنبُ بيت إلهنا ما ذنْبُهُ ... يا جُرأةً والربُّ راءٍ يسمعُ
стр. 2055
إن القلوبَ إذا تموت تجبَّرَتْ ... فعَن العظائم لا تُرى تَتَمتَّعُ
يا عَبَرَة حرَّى تدَقَّقَ ماؤها ... يا عَبْرَة أخرى الفؤادُ يُجْرَّعُ
يا رافع السبع الطباق وفوقها ... عرشٌ عظيمٌ للمهيمن يخضعُ
يا عالم الأسرار أنت ملاذنا ... وأكُفُّنا لك بالضراعة تُرْفَعُ
وسؤالنا هو واحدٌ يا ماجدٌ ... أنت المؤمّل ما بغيرك مطمعُ
نصرٌ لدينك جابرٌ لِمُصابنا ... أنت المُرَجَّى لِلشدائد تدفعُ
حُرُمات ربي عُظِّمت بكتابهِ ... ومساجد المولى تُصان وتُرفعُ
أَذِنَ الإله بأنْ تُقام لِذكرهِ ... وبأنْ يُعَمِّرها السجودُ الرُّكّعُ
إنْ كان إسقاط المهابة حاصلٌ ... لبيوتِ ربي فالضلالةُ تنفعُ
أو كان إسقاط المهابة صالحٌ ... فذنوبُنا يوم القيامة تشفعُ
يا غَيرةً لمحارم المولى أبَتْ ... أن تستجيب لِزاجرٍ أو تسمعُ
الله حسبي وهو فارجٌ كربتي ... كم ضاقَ أمْرٌ والرحيمُ يُوسِّعُ
ولئن أُصِبْنا فالرجا مُتمكِّنٌ ... بمغيثنا لا يعتريه تزَعْزُعُ
يا فارج الهمّ المُلمّ بلطْفِهِ ... ومُغيث لهفان ببابك يَضرَعُ
خاب الذي يرجو سواكَ لغوْثِهِ ... ويظن غيرك في الشدائد ينفعُ
أنت الوليُّ وأنت مالِكُ أمرنا ... نحن العبيد بذلنا لكَ نخضَعُ
ملك الملوك تباركتْ أسماؤهُ ... أنت المغيث وما لغيرك تُقْرَعُ
وشفيعُنا أنت الرحيم شفيعنا ... وأكُفُّنا تأبى لغيرك تُرفعُ
حار الحليمُ وكاد يفقدُ حِلمَهُ ... ممّا دهاهُ ولم يكنْ يَتوقَّعُ
الحقُّ يثبتُ والضلالُ فزاهِقٌ ... والضيق يعْقُبُه فضاءٌ أوْسعُ
سنن الرحيم وليس تبديلًا لها ... الكربُ يكشفهُ قريبٌ يسمعُ
العُسْرُ يُتْبعُهُ يسارٌ مُرْدَفٌ ... باليُسْر فالإعسارُ حَتْمًا مُقلِعُ
حمدًا وحمدًا لا يُحَدُّ لِربنا ... فوق المحامِدِ للخلائق أجمعُ
وعلى النبي صلاتنا وسلامنا ... الله أكبر غَوْثُ ربي أسرعُ
стр. 2056
ترجمة الشيخ عبد الكريم الحميد، بقلم أحد تلاميذه المحبين له:
بعد كتابة ما سبق في عرض أحوال الشيخ عبد الكريم الحميد من وجهات نظر مختلفة، وجدت ترجمة له بقلم أحد تلامذته المخلصين له، فيها فوائد في هذا الموضوع لا توجد في غيرها، فنقلت تلخيصًا لها هنا، استكمالًا للموضوع:
ترجمة الشيخ الزاهد عبد الكريم بن صالح الحميد - حفظه الله:
هو الشيخ (أبو محمد) عبد الكريم بن صالح بن عبد الكريم الحميد، ولد - حفظه الله - في الخمسينيات الهجرية أي في العقد الخامس من القرن الماضي ١٣٠٠ هـ، وله من الأبناء ابنان وهما: محمد - النجل الأكبر - وأحمد، وثلاث بنات أصغرهن: شريفة.
درَس في معهد بريدة العلمي إيان تأسيسه، حيث كان بالفعل آنذاك معهدًا للعلم والعلماء، ثم تخرج منه ليصبح معلمًا في شركة أرامكوا في المنطقة الشرقية، ثم بدأ في مستهل التسعينيات الهجرية بحضور مجالس الإخوان في بريدة الذي كان يتزعمهم زاهد القصيم المعروف الشيخ فهد بن عبيد آل عبد المحسن ﵀ حتى التحق بهم ليكون التلميذ الأبرز للشيخ فهد العبيد ﵀.
طلب العلم بعد ذلك على فضيلة الشيخ محمد بن صالح المطوع ﵀ ولازمه كثيرًا، وكذلك فضيلة الشيخ فهد العبيد ﵀ وقد لازمه الأكثر من عشر سنوات.
الشيخ لا يحرم الكهرباء ولا السيارات - كما يتوهم البعض، وليتق الله من ينسب إليه ذلك - وإنما هو فقط زاهد فيها - والزهد هو ترك ما لا ينفع في الآخرة، وكثيرٌ من السلف الصالح كانوا طيلة حياتهم يزهدون في بعض
стр. 2057
المباحات لبذل المزيد من التفرغ للدين ونصرته - وإلا فإن كل طلابه ومحبيه مستعملون للكهرباء في منازلهم مستعملون للسيارات بينما هو يفضل علي المراكب العصرية أحد مراكب الأنبياء والمرسلين (الخيل) التي قال عنها رسول الله ﷺ : (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة)، بيد أن كبر سنه حفظه الله حال بينه وبين استعمالها الآن، وكذلك تسابق طلابه والإخوة الأفاضل لخدمته مما جعله يستغني عنها الآن ويتفرغ للتأليف واستقبال الناس لتذكيرهم وإرشادهم ووعظهم.
الشيخ من أكثر المشايخ تورعًا في الفتيا، ولا يحب التصدر أو التميز، بل إذا رأيته حسبته بهيئته المتواضعة أحد سائر الناس، وأكثر ما يضايقه أن يرى الشباب يسيرون جماعات من خلفه ويحفون به خشية أن يفتن، وكثير من السلف الكرام كانوا يفعلون ذلك، وهو لا يحب أن يُعظم أو يُغلا فيه، وهيئته المتواضعة شاهدة على ذلك، والله نسأل له الثبات على قوله الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
الشيخ هو إمام العصر في الزهد والورع بلا منازع، وأما في العقيدة والسلوك الذي من أعظم ما تميز به شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن القيم فلا يشق له غبار فيهما بالذات.
الشيخ نحسبه والله حسيبه من مستجابي الدعوة فله قصص كثيرة في ذلك، وقد رؤيت فيه بشائر كثيرة تدل بكل وضوح على أنه مستجابُ الدعوة، ومن العلماء العاملين وأولياء الله وعباده الصالحين، وواقعه شاهد على ذلك، وليس لنا سوى الظاهر ونحن شهود الله في أرضه، وقد شهدت الأمة له بالصلاح والعلم والله حسيبه ولا نزكي على الله أحدًا.
له رسائل راسل بها العلماء والأمراء، يذكرهم فيها بالله ويخوفهم من
стр. 2058
عدم القيام بشرعه وأن القيام بدينه موجب للعقوبات والنقم الربانية، وقد سبق وأن كتب خطابًا ربانيًّا من عدة صفحات كان قد وجهه إلى الأمير عبد الله بن عبد العزيز أيام حرب الخليج ١٤١١ هـ يذكره فيه بالله ويخوفه من عقابه إن لم يقم بدينه بين المسلمين، ويحثه على تعزيز جانب الحسبة ومعاقبة الفجرة والمنافقين، وقد أجابه الأمير بخطاب جميل يحتوي على شكر الشيخ علي نصيحته وقد وعده في كل ما طلب خيرًا - وقد رأيتُ خطاب الأمير بنفسي لدى أحد طلاب الشيخ منذ سنوات.
له رسائل علمية بينه وبين بعض المشايخ في بعض المسائل كمسألة الصور ودوران الأرض والوصول إلى القمر، حيث جرت بينه وبين فضيلة الشيخ ابن عثيمين ﵀ مراسلات عدة في ذلك، وله رسائل تذكيرية أخرى راسل بها بعض المثقفين والكتاب يذكرهم بالله ويخوفهم من أليم عقابه ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عما اقترفته أيديهم وكتبته أقلامهم من المنكر.
للشيخ في الأسبوع ثلاثة دروس في العقيدة والسلوك وبعض العلوم أحدها بعد صلاة العشاء لمدة ساعة من يوم الجمعة في استراحة مجاورة من الجهة الغربية الجنوبية لمنزله، ودرسان بعد صلاة العشاء من يومي الأحد والثلاثاء لمدة ساعة في استراحة تقع شمال منزله وشمال شرق مسجده ويحضره خلق كثير.
الشيخ إمامٌ منذ أعوام طويلة لمسجد كبير ومتواضع في حي الخبيبية غرب مدينة بريدة، وله درس يومي فيه بين أذان العشاء والإقامة لمدة تتراوح بين الساعة إلى الساعة إلا ثلث، يقرأ في هذا الدرس من كتاب منوع ويعلق عليه من تلقاء نفسه فتارة يقرأ في العقيدة وأخرى في الزهديات والسلوك وثالثة في السيرة النبوية وسير الصحابة وأحيانًا في الأمور الفقهية.
стр. 2059
ويحضر هذا الدرس كل ليلةٍ المئاتُ من الناس ما بين طلبة علم ومشايخ فضلاء وعوام.
ابتلي الشيخ وامتحن كثيرًا، وقد سجن عام ١٤٠٧ هـ لتطرقه لبعض الأمور السياسية، ومكث في السجن عدة أسابيع ثم أفرج عنه، وعلى الرغم من كونه في السن السبعين من العمر إلا أنه اعتقل قبل أيام عدة من الآن ثم أفرج عنه اليوم الأربعاء ١١/ ١٤٢٤ هـ.
للشيخ ديوان شعري مخطوط وفيه العشرات من القصائد والمنظومات والآلاف المؤلفة من الأبيات التي أوقفها على خدمة الدين والدعوة إليه والدفاع عنه.
ومن أبياته الرائعة، قوله مناديًا المسبل لثيابه ناصحًا له (المخاطر الأربع: ص ٢٤).
يا مسبلًا لثيابه متجمّلًا ... إن الجمال بطاعة الرحمن!
يختالُ يحسبُ أن في أثوابه ... غير الذي سيُلفُّ بالأكفان
هذي بدايته وتلك نهاية ... لابدّ منها في بني الإنسان
ومن أبياته قوله مناديًا المرأة المسلمة آمرًا لها بالتحجب بالحجاب الشرعي والحذر من دعوة المنافقين لها بالخروج والاختلاط بالرجال (جالب السرور لربات الخدور، ط ١٤٢١ هـ، ص ٥).
لا تخدعي إن الجمال لفي التقى ... وستذكرين نصيحتي يوم اللقا
لكنه ذكرٌ يفوتُ أوانُه ... إذ ما هناك سوى السعادة والشقا
فتأهبي للموت قبل نزوله ... ماذا لديك من الوسائل للبقا
وقوله أيضًا محذرًا المرأة المسلمة من الانخداع بدعوة المنافقين
стр. 2060
والعلمانيين لها بالتبرج والسفور:
لا تقربي ركبَ الغواة فإنما ... ركب الغواةِ إلى الجحيم يسيرُ
وقوله أيضًا ناصحًا للمرأة المسلمة (جالب السرور، ص ٧):
دعي داعٍ دعاكِ إلى السعير ... أفيقي قبل قاصمة الظهور
أما للقبر سعيكِ كل يوم ... وبعد القبر صائحة النشور؟
وقال أيضًا ناصحًا للمرأة المسلمة محذرًا إياها من التبرج والسفور:
قالوا: السفورُ تقدمٌ فتقدمي ... بشجاعةٍ فارم الحجابَ وأقدمي!
من تستجيب لدعوةٍ هدامةٍ ... للدين فهي على طريق جهنم
وقال مادحًا هذا الدين:
ما أجمل الدين الذي صرنا به ... بين الهدايةِ والضلال نفرقُ!
وقال أيضًا متأسفًا على ما آلت إليه حال كثير من الناس اليوم من الانهماك في الدنيا والانشغال عن الدين معتبرًا ذلك من نقص العقل:
أين العقولُ وأين الدينُ أين هما ... وهل نعيش بلا عقل ولا دين!
لا يرتجى الخيرُ من شرٍّ ولو كثرت ... فيه الأقاويل من مدح وتهوين
ومن أبياته الزهدية قوله عن النار متمنيًا أنه لم يخلق خشية منها:
من ذا يطيق الشمس في حر الضحي ... كيف الجحيم؟ نعوذ بالرحمن
يا ليت أمي لم تلدني ليتني ... ما كنتُ يومًا من بني الإنسان!
ومن أبياته التربوية محذرًا من حلق اللحى (المخاطر الأربع، ص ٢١):
стр. 2061
حلقُ اللحي مهما تطيلُ يعيبهِ ... مهما جهدتَ خفتكَ منه عيوبُ!
إن التشبه بالنساء نقيصة ... لا يرتضيه من الرجال نجيبُ!
ومن أبياته قوله معظمًا من غربة الدين في العصر الحاضر:
يا غربة للدين ليس كمثلها ... من غربة في سائر الأزمان!
ومن أبياته قوله عن أسرى كوبا وغيرهم من أسرى المسلمين داعيًا لهم بالفرج العاجل (منظمة الاستبشار بالانتصار على الكفار، الصفحة الأخيرة):
يا ربّ أسرى المسلمين تولّهم ... برعايةٍ وعنايةٍ وأمان
يا ربّ فرّج كربَهم وهمومَهُمْ ... أنتَ الرجا لإغاثة اللهفان
وهناك أبيات كثيرة في الغاية من الروعة والبلاغة لعلها تكون مضمنة في كتاب يعمل فيه بعض الإخوة الآن لجمع ترجمة وافية للشيخ - حفظه الله وله ردود قوية تعد بالعشرات، في الدفاع عن عقيدة أهل السنة والجماعة، وبعضها في بعض المسائل الفقهية التي يسع فيها الأخذ والرد.
مؤلفاته:
له الكثير من البيانات والمنظومات في الأحداث، هذا بعضها:
- مناصرة الطالبان في تحطيمهم لأصنام بوذا.
- إن تنصروا الله ينصركم (بيان حول نصرة الطالبان والمجاهدين العرب) طبع عبر الشبكة بعدة لغات، بشتو وفارسي وإنجليزي وأخرى، ووزع في أفغانستان وإيران وباكستان وفي دول الخليج.
- مركب النجاة (بيان حول أهمية ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).
стр. 2062
- نداء إلى حكام العرب.
- ليس لنا مثل السوء (توطئة لعودة حكم الإسلام لمجاهدي الأفغان).
- حيل مقارنة لسوء العمل.
- أيها الزنادقة: مهلًا عن الجبار مهلًا .. !
- معرفة الحق لأهله (رسالة إلى الإمارة الإسلامية في أفغانستان خصوصًا وإلى غيرها عمومًا: طبعت عبر الشبكة بعدة لغات، بشتو وفارسي وإنجليزي وأخرى، ووزع في أفغانستان وإيران وباكستان وفي دول الخليج.
- العز المفقود والأمل المنشود: بيان حول قضية المسجد الأقصى وفلسطين.
- نصيحة وذكرى للفلسطينيين خصوصًا وللمسلمين والعرب عمومًا.
- منظومة (المنهج المسدد)، أكثر من مائة بيت.
- منظومة (نداء التوبة)، أكثر من مائة بيت.
- منظومة (جلاء الصراط المستقيم)، أكثر من مائة بيت.
- منظومة (الاستبشار بالانتصار على الكفار)، أكثر من مائة بيت.
ومن أبيات هذه المنظومة قوله عن أمريكا:
يا دولة الجبروت والطغيان ... آن الأوانُ لترغمي وتهاني!
والغيظُ يُشفي منكِ دون تمنع ... وترَىْ عواقبَ صولةِ الطغيان
يا دولة بطِرَت معيشتها وما ... خافت عقوباتٍ من الديان
وكأنّ ربكِ زائلٌ عن ملكهِ ... ومقلدٌ لكِ كامل السلطان
له من المؤلفات التي أوقفها على نصرة الدين والدعوة ما يتجاوز المائة والعشرين مؤلفًا - قام بحصرها الأخ الراحل خالد المهيلب الذي توفي ١٤١٩ هـ، ﵀، فمنها ما هو مطبوع ومنها ما هو في طريقه إلى الطبع، ومنها ما هو مخطوط،
стр. 2063
وهذا سرد لبعض منها - مرتبة حسب الحروف الأبجدية (١):
- إبطال دعوى الخروج ليأجوج ومأجوج (رد على من تأول أوربا والصين وغيرهم بأنهم يأجوج ومأجوج).
- الإبطال والرفض على من تجرأ على (كشف الشبهات) بالنقض، ردّ على حسن فرحان المالكي (مجلد).
- الإتحاف بعقيدة الأسلاف، مجلد كبير.
- أحداث صحبة الأحداث.
- إحسان سلوك العبد المملوك إلى ملك الملوك، مجلد كبير.
- الأدب بين زخارف الأقوال وعبودية ذي الجلال، مجلد.
- أضواء المسارج لبيان جور التعليقات على المدارج (رد على تعليقات جزئية للفقي على مدارج السالكين لابن القيم).
- إعانة المتعالي لدر كيد الغزالي.
- إقامة الحجة والبرهان على من زعم أن الله في كل مكان.
- إلجام الأقلام عن التعرض للأمة الأعلام.
- إنارة الدرب لما في تفسير سيد قطب من آثار الغرب.
- الإنكار على من لم يعتقد خلود وتأبيد الكفار في النار، مجلد.
- بيان العلم الأصيل والمزاحم الدخيل.
- تصحيح الأفهام لمراد شيخ الإسلام (في مسألة الدخول في البرلمانات).
- التوسل بالقبور ضلال وغرور.
стр. 2064
- التوطئة للدجال.
- ثمار يانعة وتعليقات نافعة.
- جالب السرور لربات الخدور، نصائح تربوية للنساء حول الحجاب والخروج للأسواق.
- جواب الأمريكيين ببيان عزة المسلمين وذلة الكافرين: (رد على بيان المثقفين الأمريكيين، على أي أساس تقال؟ ).
- الحب في الله.
- الحضارة الغربية.
- الحق المستبين لبيان ضلال (للحيدي حسين).
- الحق الدامغ للدعاوي لدحض مزاعم القرضاوي، مجلد متوسط.
- دش ودين كيف يجتمعان؟
- دعوى الإصلاح.
- دعوي وصول القمر (الإبطال بالأدلة النقلية والعقلية للوصول إلى القمر).
- دواء العشاق.
- ذم التفريط الباطل والإفراط العاطل.
- السراج لكشف ظلمات الشرك في مدخل ابن الحاج.
- الشناعة على من رد أحاديث الشفاعة.
- العلم الذي يستحق أن يسمى علمًا.
- عوائق في طريق العبودية.
- عيوب تشييد البناء في دار الفناء.
- الفرقان في بيان إعجاز القرآن، مجلد كبير.
- الكافي في التحذير من مضلات القوافي (رد على أبيات شركية للشاعر أحمد شوقي).
стр. 2065
- الكسوف والخسوف.
- المخاطر الأربع.
- مختصر تفسير المفصل.
- مطالب الطالب ومثالب الناكب.
- مقدمات الدجال.
- معاول الحق تهدم بنيان الباطل.
- معرفة الكبير المتعال بالعظمة والجلال والكمال.
- ملامح الجهمية (رد على حسن فرحان المالكي وأتباعه).
- نظرات في مؤلفات الغزالي.
- نور البصيرة والبصر في مسائل القضاء والقدر (شرح تائية شيخ الإسلام).
- هداية الحيران في مسألة الدوران (الإبطال بالأدلة النقلية والعقلية لنظرية دوران الأرض).
- وحدة الوجود العصرية (الإبطال بالأدلة النقلية والعقلية لنظرية داروين القاضية بأن أصل الإنسان من قرد، والرد على كتاب الإنسان بين المادية والإسلام لمحمد قطب).
- الوعيد على أهل الغلو والتشديد.
انتهى.
كتبها أحد طلاب الشيخ
بريدة ٤/ ٢/ ١٤٢٤ هـ
стр. 2066
الحْمَيد:
بترقيق الميم في النطق.
من أهل بريدة جاءوا إليها من ناحية الشعيب بالجنوب، ولذلك يقال لهم الحميد بترقيق الميم على عادة أهل المنطقة أما لو كانوا جاءوا من الشمال لقيل لهم الحميد بتفخيم الميم لأنها لغة أهل الشمال.
منهم الشيخ عبد الله بن سليمان الحميد تولى عدة مناصب قضائية منها في جيزان رئاسة محكمة جيزان وتوابعها، وفي القصيم قضاء الأسياح والبكيرية، ثم رئاسة هيئات الأمر بالمعروف في بريدة.
والآن - ١٣٩٧ هـ - متقاعد يبلغ من العمر ٧٩ سنة وله عدة مؤلفات مطبوعة أكثرها رسائل في الموضوعات الدينية منها مجموعة تشتمل على أربع رسائل هي:
- "نصيحة المسلمين عن بدع المبتدعين".
- "رسالة في الربا والتحذير منه".
- "الهدية الثمينة، فيما يحفظ به المرء دينه".
- رسالة "حسن الإفادة، إلى طريق السعادة"، طبعت في مطابع مؤسسة الطباعة والصحافة والنشر في جدة عام ١٣٨١ هـ.
وقد أخبرني الأستاذ الدكتور محمد بن عبد العزيز الثويني أنه يعمل الآن في كتابة نبذة عن ترجمة الشيخ عبد الله بن سليمان الحميد سوف تطبع في كتاب إذا أتمها - ١٤٢٦ هـ -.
وكان الشيخ عبد الله بن سليمان الحميد من أوائل من أرسلوا إلى ما كان
стр. 2067
يسمي باليمن السعودي، لم نكن نعرفه عندما عقلنا الأمور إلّا بذلك وهو المسمى الآن بجنوب المملكة أي منطقة جازان وما والاها جنوبًا وشمالًا.
إذ كان ذهابه إلى هناك في عام ١٣٤٦ هـ بناء على أمر الملك عبد العزيز آل سعود وحسب ترشيح شيخه له الشيخ عمر بن محمد بن سليم قاضي بريدة وتوابعها.
وكانوا أربعة مشايخ ثلاثة منهم من أهل بريدة وهم الشيخ عبد الله الحميد والشيخ عبد العزيز بن حمد المضيان والشيخ صالح بن سليمان السيف، وواحد منهم من أهل عنيزة وهو الشيخ محمد بن إسماعيل.
عرفت الشيخ عبد الله بن سليمان الحميد كما أعرف غيره من طلبة العلم في أول الأمر لأنه كان يأتي إلى بريدة في فترات متباعدة بالنظر إلى صعوبة المواصلات بين القصيم وجازان، وكان إلى ذلك مزواجًا تزوج هناك بعدة زوجات.
ثم عرفته معرفة حقيقية بأن سافرت معه سفرتين إحداهما غير قصيرة إلى المدينة المنورة وهي أول زيارة لي إلى هناك، وكانت في عام ١٣٧١ هـ وقد ذكرت أمرها في كتاب (رحلات في البيت).
والثانية: في الحجاز عندما أمر الملك عبد العزيز آل سعود ﵀ على شيخنا الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد أن يسافر إلى الحجاز لإنهاء القضايا القديمة المعلقة في محاكمها.
وأن يأخذ معه هيئة قضائية مساعدة بمعنى لجنة، فاختار الشيخ عبد الله بن حميد ثلاثة ليس فيهم من سبق له العمل في القضاء إلا الشيخ عبد الله بن سليمان بن حميد وهم علي بن عبد العزيز العجاجي وهو شخص لا غني للمشايخ عنه في رحلاتهم، لأنه ينظم الرحلة ويظل يديرها، وكان قبل ذلك يرافق الشيخ عمر بن محمد بن سليم قاضي بريدة والقصيم في رحلاته ثم صار
стр. 2068
يسافر مع شيخنا الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد ومن الطبيعي أن المشايخ هم الذين يطلبون منه أن يرافقهم، وليس هو الذي يطلب ذلك.
والثالث هو كاتب هذه السطور، وقد اختارني الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد - بالإضافة إلى قربي منه قرابة روحية - لأنني أستطيع - كما صرح بذلك - استخراج المسائل من الكتب، ولأنني كنت القارئ عليه، وإلا فإنني لم أمارس القضاء من قبل وكانت سني في السابعة والعشرين.
فكان الشيخ عبد الله بن سليمان بن حميد أكثرنا مشاركة في موضوع الأحكام، وكان الشيخ عبد الله يرسله إلى الأماكن المتنازع عليها من العقارات والأراضي ويكون معه بعض المشايخ أو موظفي الجهات الرسمية ذات العلاقة.
وينبغي أن نوضح هنا أنه لا توجد قرابة نسب بين شيخنا الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد وزميلنا الشيخ عبد الله بن سليمان بن حميد هذا، فالأول من أهل معكال حارة في الرياض تقع إلى الجنوب من حي دخنة في مدينة الرياض، والثاني من أهل بريدة، وإنما ذلك مجرد مصادفة وتشابه أسماء.
وقد استمرت هذه المهمة لإنهاء القضايا القديمة في الحجاز نحوًا من أحد عشر شهرًا كلها في عام ١٣٧٢ هـ وتركتها بعد أن انتهى عملهم في جدة وصاروا يتهيئون للسفر إلى المدينة المنورة بعد أن جاءني تعيين في إدارة المعهد العلمي ببريدة الذي كان أول معهد علمي يفتتح في المملكة بعد معهد الرياض العلمي، فتوجهت إلى الرياض.
وقد ذكرت أمر هذه المهمة القضائية وما صاحبها في كتاب: (ستون عامًا في الوظيفة الحكومية).
وكان الشيخ عبد الله بن سليمان بن حميد يسعى في حاجات الناس ويشفع لهم، يسرع إلى ذلك حتى يصل ذلك به أحيانًا إلى حد التطفل أو عدم الحصافة.
стр. 2069
ومن ذلك أنني عندما كنت مديرًا للمعهد العلمي في بريدة جاءني كتاب من الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم الذي كان (المدير العام للكليات والمعاهد العلمية) يقول فيه: إنه تلقى كتابًا أو قال تلقى الشيخ محمد بن إبراهيم رئيس الكليات والمعاهد العلمية كتابًا من الشيخ عبد الله بن سليمان بن حميد يرشح فيه الأستاذ علي بن عبد الله الحصين لوظيفة مساعد مدير المعهد العلمي أي وظيفة مساعدي في المعهد.
فعجبت من ذلك وقلت في نفسي: ألم يكن الأولى بالشيخ عبد الله الحميد أن يتصل به ويسألني عما أراه في هذا الأمر، لأن وظيفة (مساعد مدير المعهد العلمي) تمسني أكثر من غيري؟
ألم يعلم أن الأصول المتبعة في مثل هذا الأمر أن يكون ترشيح الموظف لوظيفة رئيسية هو من قِبَل رئيس الإدارة، وهو أنا في هذه الحالة، وليس من الشيخ عبد الله بن سليمان بن حميد وأمثاله ممن لا علاقة لهم بالوظيفة، ولا بهذا العمل ولا يعرفون معرفة حقيقية ما يتطلبه من مؤهلات، وما يتصل به من ظروف.
هذا وقد أبلغت الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم أن وظيفة (مساعدي مشغولة الآن بشخص مؤقت، وإنني مرشح لها شخصيًّا أثق به.
فكر الشيخ عبد الله بن سليمان بن حميد من إحدى رسائله:
لم يكن من عادة مشايخنا في بريدة الإسراع للتأليف، ولذلك تجد أن مؤلفاتهم قليلة بالنسبة إلى علمهم الكثير، ونحن لا نلومهم فيما يتعلق بالتأليف في الأمور الدينية المجردة التي خدمها علماء الإسلام من قبل، فهي صارت معروفة مألوفة، إلا فيما يتعلق بما كان استجد من المسائل وهي قليلة بالنسبة إلى الفترة التي نعنيها، وهي التي تنتهي بنهاية اصطلاحية هي عشر الستين من القرن الرابع عشر الهجري.
стр. 2070
ولكن هناك موضوعات لا نجد عذرًا لهم في عدم الكتابة والتأليف فيها مثل تراجم طلبة العلم، وبيان وفياتهم وكيفية طلبهم العلم.
ونستثني من ذلك ما صار يعرف بالنصائح وهي الرسائل الصغيرة التي تتلى في المساجد ويكتبها طلبة العلم وتتألف في الغالب من عدة ورقات.
وقد سجلت بعضها مما ذكرته ومن ذلك فيما يتعلق بفكر الشيخ عبد الله بن سليمان بن حميد هذه، وهي:
حسن الإفادة إلى طريق السعادة:
جمعها ووجهها الشيخ عبد الله السليمان بن حميد - أثابه الله تعالى وغفر لنا وله.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:
إلى من يراه ويسمعه من المسلمين، وفقنا الله وإياهم لقبول النصائح، وأجارنا وإياهم من موجبات الخزي والفضائح، آمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فإن مما أوجب الله على عباده التناصح والمذاكرة، فقال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقال تعالى ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾.
وقال ﷺ : (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان).