الحْمَيد:
بترقيق الميم في النطق.
من أهل بريدة جاءوا إليها من ناحية الشعيب بالجنوب، ولذلك يقال لهم الحميد بترقيق الميم على عادة أهل المنطقة أما لو كانوا جاءوا من الشمال لقيل لهم الحميد بتفخيم الميم لأنها لغة أهل الشمال.
منهم الشيخ عبد الله بن سليمان الحميد تولى عدة مناصب قضائية منها في جيزان رئاسة محكمة جيزان وتوابعها، وفي القصيم قضاء الأسياح والبكيرية، ثم رئاسة هيئات الأمر بالمعروف في بريدة.
والآن - ١٣٩٧ هـ - متقاعد يبلغ من العمر ٧٩ سنة وله عدة مؤلفات مطبوعة أكثرها رسائل في الموضوعات الدينية منها مجموعة تشتمل على أربع رسائل هي:
- "نصيحة المسلمين عن بدع المبتدعين".
- "رسالة في الربا والتحذير منه".
- "الهدية الثمينة، فيما يحفظ به المرء دينه".
- رسالة "حسن الإفادة، إلى طريق السعادة"، طبعت في مطابع مؤسسة الطباعة والصحافة والنشر في جدة عام ١٣٨١ هـ.
وقد أخبرني الأستاذ الدكتور محمد بن عبد العزيز الثويني أنه يعمل الآن في كتابة نبذة عن ترجمة الشيخ عبد الله بن سليمان الحميد سوف تطبع في كتاب إذا أتمها - ١٤٢٦ هـ -.
وكان الشيخ عبد الله بن سليمان الحميد من أوائل من أرسلوا إلى ما كان
стр. 2067
يسمي باليمن السعودي، لم نكن نعرفه عندما عقلنا الأمور إلّا بذلك وهو المسمى الآن بجنوب المملكة أي منطقة جازان وما والاها جنوبًا وشمالًا.
إذ كان ذهابه إلى هناك في عام ١٣٤٦ هـ بناء على أمر الملك عبد العزيز آل سعود وحسب ترشيح شيخه له الشيخ عمر بن محمد بن سليم قاضي بريدة وتوابعها.
وكانوا أربعة مشايخ ثلاثة منهم من أهل بريدة وهم الشيخ عبد الله الحميد والشيخ عبد العزيز بن حمد المضيان والشيخ صالح بن سليمان السيف، وواحد منهم من أهل عنيزة وهو الشيخ محمد بن إسماعيل.
عرفت الشيخ عبد الله بن سليمان الحميد كما أعرف غيره من طلبة العلم في أول الأمر لأنه كان يأتي إلى بريدة في فترات متباعدة بالنظر إلى صعوبة المواصلات بين القصيم وجازان، وكان إلى ذلك مزواجًا تزوج هناك بعدة زوجات.
ثم عرفته معرفة حقيقية بأن سافرت معه سفرتين إحداهما غير قصيرة إلى المدينة المنورة وهي أول زيارة لي إلى هناك، وكانت في عام ١٣٧١ هـ وقد ذكرت أمرها في كتاب (رحلات في البيت).
والثانية: في الحجاز عندما أمر الملك عبد العزيز آل سعود ﵀ على شيخنا الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد أن يسافر إلى الحجاز لإنهاء القضايا القديمة المعلقة في محاكمها.
وأن يأخذ معه هيئة قضائية مساعدة بمعنى لجنة، فاختار الشيخ عبد الله بن حميد ثلاثة ليس فيهم من سبق له العمل في القضاء إلا الشيخ عبد الله بن سليمان بن حميد وهم علي بن عبد العزيز العجاجي وهو شخص لا غني للمشايخ عنه في رحلاتهم، لأنه ينظم الرحلة ويظل يديرها، وكان قبل ذلك يرافق الشيخ عمر بن محمد بن سليم قاضي بريدة والقصيم في رحلاته ثم صار
стр. 2068
يسافر مع شيخنا الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد ومن الطبيعي أن المشايخ هم الذين يطلبون منه أن يرافقهم، وليس هو الذي يطلب ذلك.
والثالث هو كاتب هذه السطور، وقد اختارني الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد - بالإضافة إلى قربي منه قرابة روحية - لأنني أستطيع - كما صرح بذلك - استخراج المسائل من الكتب، ولأنني كنت القارئ عليه، وإلا فإنني لم أمارس القضاء من قبل وكانت سني في السابعة والعشرين.
فكان الشيخ عبد الله بن سليمان بن حميد أكثرنا مشاركة في موضوع الأحكام، وكان الشيخ عبد الله يرسله إلى الأماكن المتنازع عليها من العقارات والأراضي ويكون معه بعض المشايخ أو موظفي الجهات الرسمية ذات العلاقة.
وينبغي أن نوضح هنا أنه لا توجد قرابة نسب بين شيخنا الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد وزميلنا الشيخ عبد الله بن سليمان بن حميد هذا، فالأول من أهل معكال حارة في الرياض تقع إلى الجنوب من حي دخنة في مدينة الرياض، والثاني من أهل بريدة، وإنما ذلك مجرد مصادفة وتشابه أسماء.
وقد استمرت هذه المهمة لإنهاء القضايا القديمة في الحجاز نحوًا من أحد عشر شهرًا كلها في عام ١٣٧٢ هـ وتركتها بعد أن انتهى عملهم في جدة وصاروا يتهيئون للسفر إلى المدينة المنورة بعد أن جاءني تعيين في إدارة المعهد العلمي ببريدة الذي كان أول معهد علمي يفتتح في المملكة بعد معهد الرياض العلمي، فتوجهت إلى الرياض.
وقد ذكرت أمر هذه المهمة القضائية وما صاحبها في كتاب: (ستون عامًا في الوظيفة الحكومية).
وكان الشيخ عبد الله بن سليمان بن حميد يسعى في حاجات الناس ويشفع لهم، يسرع إلى ذلك حتى يصل ذلك به أحيانًا إلى حد التطفل أو عدم الحصافة.
стр. 2069
ومن ذلك أنني عندما كنت مديرًا للمعهد العلمي في بريدة جاءني كتاب من الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم الذي كان (المدير العام للكليات والمعاهد العلمية) يقول فيه: إنه تلقى كتابًا أو قال تلقى الشيخ محمد بن إبراهيم رئيس الكليات والمعاهد العلمية كتابًا من الشيخ عبد الله بن سليمان بن حميد يرشح فيه الأستاذ علي بن عبد الله الحصين لوظيفة مساعد مدير المعهد العلمي أي وظيفة مساعدي في المعهد.
فعجبت من ذلك وقلت في نفسي: ألم يكن الأولى بالشيخ عبد الله الحميد أن يتصل به ويسألني عما أراه في هذا الأمر، لأن وظيفة (مساعد مدير المعهد العلمي) تمسني أكثر من غيري؟
ألم يعلم أن الأصول المتبعة في مثل هذا الأمر أن يكون ترشيح الموظف لوظيفة رئيسية هو من قِبَل رئيس الإدارة، وهو أنا في هذه الحالة، وليس من الشيخ عبد الله بن سليمان بن حميد وأمثاله ممن لا علاقة لهم بالوظيفة، ولا بهذا العمل ولا يعرفون معرفة حقيقية ما يتطلبه من مؤهلات، وما يتصل به من ظروف.
هذا وقد أبلغت الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم أن وظيفة (مساعدي مشغولة الآن بشخص مؤقت، وإنني مرشح لها شخصيًّا أثق به.
فكر الشيخ عبد الله بن سليمان بن حميد من إحدى رسائله:
لم يكن من عادة مشايخنا في بريدة الإسراع للتأليف، ولذلك تجد أن مؤلفاتهم قليلة بالنسبة إلى علمهم الكثير، ونحن لا نلومهم فيما يتعلق بالتأليف في الأمور الدينية المجردة التي خدمها علماء الإسلام من قبل، فهي صارت معروفة مألوفة، إلا فيما يتعلق بما كان استجد من المسائل وهي قليلة بالنسبة إلى الفترة التي نعنيها، وهي التي تنتهي بنهاية اصطلاحية هي عشر الستين من القرن الرابع عشر الهجري.
стр. 2070
ولكن هناك موضوعات لا نجد عذرًا لهم في عدم الكتابة والتأليف فيها مثل تراجم طلبة العلم، وبيان وفياتهم وكيفية طلبهم العلم.
ونستثني من ذلك ما صار يعرف بالنصائح وهي الرسائل الصغيرة التي تتلى في المساجد ويكتبها طلبة العلم وتتألف في الغالب من عدة ورقات.
وقد سجلت بعضها مما ذكرته ومن ذلك فيما يتعلق بفكر الشيخ عبد الله بن سليمان بن حميد هذه، وهي:
حسن الإفادة إلى طريق السعادة:
جمعها ووجهها الشيخ عبد الله السليمان بن حميد - أثابه الله تعالى وغفر لنا وله.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:
إلى من يراه ويسمعه من المسلمين، وفقنا الله وإياهم لقبول النصائح، وأجارنا وإياهم من موجبات الخزي والفضائح، آمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فإن مما أوجب الله على عباده التناصح والمذاكرة، فقال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقال تعالى ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾.
وقال ﷺ : (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان).
стр. 2071
مزايا الأمر بالمعروف:
والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، قوام الدين، ولا صلاح للعباد في معاشهم ومعادهم إلا بالقيام به، والتواصي عليه، والصبر على ما فيه من المشقة، فإن العبد لا يكون من المؤمنين على الحقيقة، الموعودين بالرحمة، والفوز بالجنة، إلا إذا اتصف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع الإيمان بالله، وإقام الصلاة، كما ذكر الله ذلك في كتابه.
خطر ترك الأمر بالمعروف:
ومتى ترك الناس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسكت بعضهم عن بعض، استحقوا من الله المقت واللعنة، وحلت عليهم العقوبات، وضرب الله قلوب بعضهم على بعض، قال ﷺ لما ذكر قصة بني إسرائيل: (كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد السفيه أو قال الظالم ولتأطرنه على الحق أطرأ، ولتقصرنه على الحق قصرًا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم يلعنكم كما لعنهم).
وقال ﷺ (إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعقابه).
المعاصي وأثرها في حياة الأفراد والأمم:
وأعظم عقاب حل بالمسلمين اليوم موت القلوب، وغفلتها عن عقوبات الذنوب، فكل ذنب معاقب عليه صاحبه في العاجل قبل الآجل، قال تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾.
ولكن الغافل لا يحس بالعقوبات المتتابعة، يرى العاصي سلامة بدنه وماله وهو غافل عن العقوبة، وغفلته عما عوقب به عقوبة، فالمعصية بعد المعصية، عقوبة المعصية، زيادة في هذا عذاب الله، كما أن الحسنة بعد الحسنة، ثواب الحسنة.
стр. 2072
قال بعض الأحبار: يا رب كم أعصيك ولا تعاقبني فقيل له: كم أعاقبك وأنت لا تدري، أليس قد حرمتك مناجاتي.
وقيل لوهيب بن الورد: أيجد لذة الطاعة من يعصي؟ فقال: ولا من همّ بالمعصية، فرب شخص أطلق بصره فحرم اعتبار بصيرته، أو لسانه فحرم صفاء قلبه، أو آثر شبهة في مطعمه فأظلم سره، وحرم قيام الليل، وحلاوة المناجاة، إلى غير ذلك.
ومنه قوله ﷺ : (إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه).
وقوله ﷺ : (نوم الصبحة تمنع الرزق).
ومن تأمل هذا الجنس من العقاب وجده بالمرصاد، ولا يعرف ذلك إلا من حاسب نفسه.
قال الفضيل: إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق دابتي وجاريتي، أما من اعتبر بصحة الجسم، وسعة الرزق، وأشتغل بدنياه، فقد مات قلبه، فلا يحس بشيء من العقوبات.
قال الحسن البصري: من وسع الله عليه فلم ير أنه يمكر به فلا رأي له.
وفي حديث عبادة بن الصامت: (إذا أراد الله بقوم اقتطاعًا فتح لهم أو عليهم باب سخائه حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذوا بغتة فإذا هم مبلسون، أي آيسون من كل خير).
وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
أي لما أعرضوا عنه، وتناسوه، وجعلوه وراءهم ظهريًّا، فتحنا عليهم أبواب الرزق استدراجًا وإملاء، عياذًا بالله من مكره وأليم عقابه.
العلم والمعرفة سبيل الخير:
إذا فهمتم هذا فأصل كل بلاء وفساد وغفلة هو الجهل في الدين الصحيح،
стр. 2073
وما ينافي كماله الواجب، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والله قد بيّن سبيل الخير، وسبيل الشر، وأمرنا باتباع سبيله ونهانا عن السبل المظلمة التي تخالف سبيله، وأقام الحجة على خلقه، وسد الذريعة التي تؤدي إلى المعاذير، أو التأويلات الباطلة.
﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾.
فالسعيد من أطاع الله ولو خالف أهواء الناس، والشقي من عصى الله واتبع هواه بغير هدى من الله، وأكثر الناس اليوم يدعي الإسلام قولًا، بلا عمل يقول: لا إله إلا الله بلسانه، ويخالفها بأفعاله، أو يعبد الله على جهل وضلال، فمن هذه حاله فهو من الهالكين الخاسرين، ولا ينجو من عذاب الله إلا من عبد الله بعلم ويقين وإخلاص ومتابعة لسيد المرسلين محمد ﷺ وعلى آله وأصحابه أجمعين.
الأفعال المنافية للتوحيد صحة وكمالًا:
أيها المسلمون: اتقوا الله فمن اتقاه وقاه، وبتقواه تغفر الذنوب، وتفرج الكروب، وتتيسر الأرزاق، ويحصل الفوز والسعادة في الدنيا والآخرة.
ومن أعظم التقوى بعد تحقيق الشهادتين اتقاء ما ينافي التوحيد، أو ينافي كماله الواجب، مما يجري من غالب المسلمين، كالاعتقادات والتوسلات والتقربات إلى الأولياء والصالحين، والذبح عند قبورهم، والصدقة على نيتهم لقعد القربة والشفاعة، وكالحلف بحياتهم، والتبرك بهم.
وفي الحديث الأول: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك).
وفي الحديث الثاني: (من حلف بالأمانة فليس منا).
وفي الحديث الثالث: (لا تحلفوا بآبائكم ولا بالكعبة فإنه كفر).
ومن ذلك فعل الزار، وتصديق الكهان، وتعليق الودع والخرز والحديد
стр. 2074
والخيوط والحروز المجهولة، وغيرها من الآفات والعين، كل ذلك من الشرك.
ومن الأمور المنافية للإيمان إنكار شيء من صفات الله أو تنقصها، أو الاستهانة بكتاب الله، وسنة رسوله، وتنقص أنبياء الله ورسله وأوليائه الصالحين، أو رد شيء من الحق، أو تحريم ما أجمع على حله، أو تحليل ما أجمع على تحريمه، أو الاستهزاء بشيء فيه ذكر الله، أو القرآن أو الرسول، فهذا كله كفر بالله، وسواء الجاد فيه والهازل، وبعض المسلمين والعياذ بالله يتكلم بسبِّ الدين، والاستهزاء بأهله، وفي الحديث (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب).
وربما خرج من الإسلام بكلمته وهو لا يشعر، فالكلام مزلة أقدام، ومن كثر كلامه كثر سقطه.
فالشرك في هذه الأمة أخفي من دبيب النملة السوداء في ظلمة الليل، ومنه أن تحب على شيء من الجور، أو تكره على شيء من العدل، ومنه أن يحسن الرجل صلاته لنظر رجل إليه، ولا يسلم من الشرك في الأقوال والأعمال والإرادات إلا من عصمه الله بالعلم النافع، فليتنبه الناصح لنفسه، وليحاسبها على ما فرط منها، ويستدرك ما فات بالتوبة، فمن تاب إلى الله تاب عليه.
الصلاة والمحافظة عليها:
ومن التقوى أداء الصلوات المكتوبة، والمحافظة عليها في أوقاتها، قال تعالى ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، وقال تعالى ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾.
أي مفروضًا في الأوقات، وقد وعد الله المحافظين عليها بالفردوس والكرامة، ومن المحافظة عليها أداؤها في أوقاتها مع الجماعة في المسجد،
стр. 2075
ومن المعلوم أنه لا يحافظ عليها إلا مؤمن، ولا يتخلف عنها إلا منافق، فعظموا رحمكم الله الصلاة، وأحكموها وحافظوا عليها في المساجد، وأنكروا على من يتخلف عنها لتسلموا من غضب الله وأليم عقابه.
حكم ترك الصلاة:
ومن المنكرات الظاهرة ترك الصلاة من كثير ممن يدعي الإسلام: وترك الصلاة كفر كما صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (بين العبد وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة).
وقال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر).
ومن ضيع الصلاة فهو لما سواها أضيع، فهي عمود الإسلام، ولا دين ولا إسلام لمن تركها، وترك الصلاة من أسباب دخول النار.
قال تعالى عن المجرمين: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾، وقال تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾، ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾.
فجعل إقامة الصلاة شرطًا من قبول التوبة، والدخول في الإسلام.
وقال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
وأجمع علماء السلف والخلف على قتل من أصر على تضييعها، وتكاسل عن أدائها.
والآيات والأحاديث في كفر تارك الصلاة ومضيعها أكثر من أن تحصر، ومن تضييعها تأخيرها عن أوقاتها، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾.
стр. 2076
وقال تعالى ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾.
أي واد في جهنم لو سيرت فيه الجبال لذابت من شدة حره - وليس معني أضاعوها تركوها بالكلية، ولكن أخروها عن أوقاتها كحال أكثر الناس اليوم لا يصلي الفجر حتى تطلع الشمس والعياذ بالله.
ومن إضاعة الصلاة ترك الجماعة مع القدرة على ذلك.
قال ﷺ (من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له).
وقال: (لا صلاة لجار المسجد إلا بالمسجد).
وجار المسجد من سمع النداء، أو قال: (من سمع النداء فلم يجب صب في أذنه الآنك يوم القيامة).
ولا يتخلف عن صلاة الجماعة إلا منافق كما قال ابن مسعود ﵁.
ومن إضاعة الصلاة تخفيفها، وعدم الطمأنينة فيها في الركوع والسجود، ومسابقة الإمام فيها، فمن سابق الإمام فلا وحده صلي، ولا بإمامه اقتدي، ناصيته بيد الشيطان، وتخفيف الصلاة، وعدم الطمأنينة فيها ومسابقة الإمام مناف للخشوع الذي هو ثمرة الصلاة وروحها، ولا تقبل صلاة بدون خشوع، بل تلف كما يلف الثوب الخلق، ويضرب بها وجه صاحبها، وتقول ضيعك الله كما ضيعتني، كما صح ذلك في الأحاديث الواردة عنه ﷺ .
الراديو وحكم سماعه:
ومن المنكرات الظاهرة: فتح الراديو على الغناء وسائر الملاهي، وهي محرمة إسماعًا وسماعًا وصنعة، وهي من شعائر الفساق لا يتوقف في تحريمها من شم رائحة العلم الصحيح.
стр. 2077
والملاهي جميعها بدؤها من الشيطان، وعاقبتها غضب الرحمن، فالمزمار مؤذن الشيطان.
قال ابن القيم ﵀: وكونه مؤذن الشيطان في غاية المناسبة، فإن الغناء قرآنه، والرقص والتصفيق اللذين هما المكاء والتصدية صلاته، فلابد لهذه الصلاة من مؤذن وإمام ومأموم، فالمؤذن المزمار، والإمام المغني، والمأموم الحاضرون والمستمعون.
والملاهي تنبت النفاق في القلب كما ينبت الماء العشب.
وهي من لهو الحديث الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾.
قال مجاهد وغيره بالغناء والمزامير.
وقال ﷺ : (إن الله بعثني هدى ورحمة للمؤمنين، وأمرني بمحق المعازف والمزامير والأوتار والصليب وأمر الجاهلية).
وقال أيضًا ﷺ : (أمرت بهدم الطبل والمزامير).
وقال ﷺ : (من استمع إلى قينة صب في أذنه الآنك يوم القيامة).
وقال بعض العلماء: إن استماع الملاهي والتلذذ بها معصية توجب الفسق، وترد به الشهادة وأبلغ من ذلك في الزجر قول أصحاب أبي حنيفة ﵏: إن السماع فسق، والتلذذ به كفر، وقالوا في دار يسمع منها صوت الملاهي والمعازف يدخل عليهم بغير إذنهم، لأن النهي عن المنكر فرض فلو لم يجز الدخول لغير إذن لامتنع الناس من إقامة الفروض.
стр. 2078
وما ورد في الملاهي من التحريم والوعيد الشديد على استعمالها أكثر من أن تحصر، إذا عرف هذا فإن الراديو الحادث في هذه الأزمان قد جمع آلات الملاهي كلها، وكلام العلماء ينطبق عليه في التحريم، وفسق المستمعين للملاهي فيه، وعدم الضمان والغرم على من كسر وأتلف آلات الملاهي، والراديو من أكبر الفتن التي أدخلها الغربيون على المسلمين فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
التصوير وحكمه:
ومن المنكرات الظاهرة صور ذوات الأرواح الموجودة في السيارات والمجلات وغيرها، فقد جاء الوعيد الشديد في عظم وزر المصورين.
قال ﷺ : (إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا ما خلقتم).
وقال ﷺ : (أشد الناس عذابًا عند الله الذين يضاهئون بخلق الله).
وقالت عائشة ﵂: سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل، فلما رآها رسول الله ﷺ تلون وجهه، قالت: فقطعناه.
وفي رواية ثم تناول الستر فهتكه.
وفي رواية قام على الباب ولم يدخل فعرفت في وجهه الكراهة، فقلت يا رسول الله أتوب إلى الله ورسوله.
وقال ﷺ : (إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة).
وقد ورد الأمر بإتلافها وطمسها إذا وجدت، منها قوله ﷺ لعلي: (أن لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرًا مشرفًا إلّا سويته).
стр. 2079
وقول علي لأبي الهياج، ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسولًا لله ﷺ (أن لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته).
والأحاديث في تحريم الصور والوعيد الشديد على المصورين والمتخذين لها كثيرة.
قال العلماء ﵏: سبب امتناع الملائكة من دخول البيت الذي فيه صورة كونها معصية، وفيها مضاهاة لخلق الله، وبعضها في صورة ما يعبد من دون الله، فالمراد بالملائكة ملائكة الرحمة والبركة والاستغفار.
حرمة الصور بأنواعها:
فالصور حرام بكل حال، سواء كانت الصورة في ثوب أو بسط أو درهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها، وسواء ما له ظل أو ما لا ظل له، ويؤيد التعميم ما أخرجه الإمام أحمد من حديث علي أن النبي ﷺ قال: (أيكم ينطلق إلى المدينة فلا يدع بها وثنًا إلا كسره ولا صورة إلا لطخها)، (أي طمسها) الحديث، قال النووي الأظهر أنه عام في كل صورة لإطلاق الحديث.
وإن الصور التي في المجلات وعلى السيارات وغيرها من ذوات الأرواح هي منكر مما يجب على المسلمين إزالته، وقرر العلماء أنه يجب على من رأي الصور كسرها ولا غرم ولا ضمان عليه، وإذا لم يقدر لضعفه، أو لخوف فتنة، وجب عليه رفع خبرها إلى ولي الأمر، ولا تبرأ ذمته إلا بذلك.
العدوان على اللحية بالحلق:
ومن المنكرات الظاهرة ما ابتلي به بعض الناس من حلق اللحي، وحلقها من تغيير خلق الله، ومخالف لهدي رسول الله، فإن الله تفضل بها على الرجال جمالًا لهم، وميزة فارقة بينهم وبين النساء.
стр. 2080
وأهل الفضل جاهلية وإسلامًا يحتفظون بها ويفتخرون ويعدونها شرفًا لهم، وقد ثبت أن رسول الله ﷺ كان ذا لحية كثيرة الشعر، وكان يأمر بتركها مخالفة للمشركين.
وقال ﷺ (خالفوا المشركين وفروا اللِّحى، وأحفوا الشوارب).
وعن ابن عمر أنه قال: (أمرنا بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحي).
وكانت عائشة ﵂ كثيرًا ما تقول: لا والذي جمل الرجال باللحى.
ومن صفته ﷺ أنه كان كثير شعر اللحية، فهذا رسول الله ﷺ كان يترك شعر لحيته، ويأمر أمته بأن تخالف المشركين بحف الشوارب وإعفاء اللحي، ومخالفتهم أمر مقصود للشارع، فمشابهتهم في الظاهر مظنة مودتهم في الباطن، ومن تشبه بقوم فهو منهم، والله يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾.
فاللحية شريفة، ولها أهمية كبيرة، ولشرفها وعظم شأنها قرر الفقهاء على من جنى عليها، وأذهب جمالها ومنفعتها (الدية كاملة)، وشعر العوارض من اللحية.
بلية الزمان:
وقد حدث في هذا الزمان أناس عادوا اللحية وقلوها، وبالأمواس أو النتف أزالوها، فوجوههم خالية من الشعر، جرد مرد، كوجوه النساء، قد استحوذ عليهم الشيطان، فهم يميلون إلى الرقة والليونة في الأخلاق والملابس، مخالفون لهدي نبيهم.
صبغ الشعر بالسواد (محظوره ومباحه):
ومما يحرم أو يكره كراهة شديدة تغيير شيب اللحية بالسواد لقوله ﷺ في والد أبي بكر: (غيروا شعره وجنبوه السواد).
стр. 2081
وفي حديث ابن عباس أنه قال: (يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة)، نسأل الله العافية.
إطال الثياب، التقصير أتقى للرب وأنقى للثوب:
ومن المنكرات الظاهرة الإسبال في الثياب، قال ﷺ : (ما أسفل من الكعبين فهو في النار).
وفي الحديث: (بينما رجل يجر إزاره خيلاء أمر الله الأرض أن تأخذه فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة).
وفي الحديث: (من جر إزاره بطرًا لم ينظر الله إليه يوم القيامة)، إنما الكبرياء لله رب العالمين، وما ورد في ذلك أكثر من أن يحصر، واتباع السنة في اللباس أتقى للرب وأنقى للثوب، والإسبال في الثياب لا يفعله إلّا ناقص عقل، أو متكبر، والعياذ بالله.
الداء الدوي في خروج النساء متبرجات:
ومن المنكرات الظاهرة خروج النساء من البيوت، وتجولهن في الأسواق، متجملات متعطرات، مخالطات للرجال، فاتنات مفتونات، فهن ملعونات.
قال ﷺ : (أيما امرأة خرجت بزينتها لعنتها الملائكة حتى ترجع)، وقال ﷺ : (ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء)، وقال ﷺ : (يا أيها الناس انهوا نساءكم عن لبس الزينة والتبختر فإن بني إسرائيل لم يلعنوا حتى لبس نساؤهم الزينة وتبخترن).
سأل رسول الله ﷺ ابنته فاطمة: (أي شيء خير للمرأة)، قالت: أن لا ترى رجلًا ولا يراها رجل، فضمها إليه وقال: (ذرية بعضها من بعض).
стр. 2082
نظام سليم لحياة المرأة يتجلى في الحجاب:
وقال علي ﵁: ألا تستحون ألا تغارون يترك أحدكم امرأته تخرج بين الرجال، تنظر إليهم وينظرون إليها.
وكان الصحابة ﵃ يسدون النوافذ وثقوب الجدران، لئلا تطلع منها النساء على الرجال، أو الرجال على النساء.
وقد رأى معاذ بن جبل زوجته تطلع في كوة فضربها وأقره النبي ﷺ ، وكان علي ﵁ يقول: أكفف أبصارهن بالحجاب، فإن شدة الحجاب عليهن خير من الارتياب، فإن استطعت أن لا يعرفن غيرك فافعل.
فائدة الحجاب:
فالحجاب حصن حصين للمرأة يمنع عنها الشكوك والأوهام، ولزومها بيتها خير وأسلم عاقبة، وبذلك صيانة الأعراض، والدين أمر بالحجاب، وحذر من تركه، فعلى العاقل أن يمنع نساءه عن الخروج إلى الأسواق، والتحكك بالرجال للبيع والشراء فهذا التجول لا خير فيه، ولا تؤمن عاقبته.
والله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾.
جعلنا الله وإياكم ممتثلين لأمره، وستر الجميع بستره.
منكرات متداولة:
ومن المنكرات الظاهرة القذف واللعن والسب الفاحش، والغيبة والنميمة، وقول الزور، وغير ذلك مما يجري من السفهاء، ومن لا خلاق لهم، وسبب انتشار ذلك عدم الإنكار عليهم ممن يسمعهم، والقذف للمسلم من كبائر الذنوب، وفيه الحد على البالغ ثمانين جلدة، والتعزير على من دون البلوغ، والله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ
стр. 2083
الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.
والنبي ﷺ يقول: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام)، الحديث.
وقال ﷺ (ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا الفاحش البذي).
التربية الصحيحة للأسرة:
إذا فهمتم كلام العلماء في جميع ما تقدم من المنكرات المحرمة، فيجب على كل مسلم أن يقوم على من ولاءه الله من أولاد ونساء، فيربيهم ويؤدبهم ويأمرهم، فهم أمانة عنده، ومسئول عنهم يوم القيامة أمام الله.
قال العلماء يجب الإنكار حتى على من دون البلوغ، سواء كانوا ذكورًا أو إناثًا، تأديبًا لهم وتعليمًا لقوله ﷺ : (مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر).
وقال لقمان الحكيم: ضرب الوالد للولد كمطر السماء على الأرض، ومن أدب ابنه صغيرًا قرت عينه به كبيرًا.
وكان يقال: الأدب من الآباء، والصلاح من الله.
فمن أمرهم بالخير، وعودهم عليه، وحذرهم من الشر، ومنعهم منه، سعد وإياهم في الدنيا والآخرة، ومن أهملهم كان الوزر عليه، والله تعالى يقول: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾.
ويقول تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
فيجب علينا جميعًا التعاون، وأن نكون يدًا واحدة في إنكار المنكرات الظاهرة التي لا عذر لأحد في السكوت عن إنكارها، وأول مسئول أمام الله هم طلبة العلم، وأئمة المساجد والمؤذنون، وأعيان الجماعة في كل مسجد، ومعلمو المدارس، وكل فرد على حسب حاله، لا عذر لأحد في ترك الواجب عليه ما
стр. 2084
دامت حكومتنا أيدها الله تأمر بالمعروف، وتشجع المسلمين بالقيام بأمور دينهم، فقد قامت الحجة على الجميع.
ونسأل الله الكريم أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويجعلنا وإياكم من أنصار دينه، وأن يتجاوز عنا وعن جميع المسلمين بعفوه وكرمه، ويعيننا على أنفسنا ويعيذنا من الشيطان الرجيم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
حرر في ٢٦/ ٧/ ١٣٧٤ هـ
رسالة من الشيخ عبد الله بن سليمان الحميد إلى المؤلف:
رأيت أن أثبت هنا إحدى الرسائل التي وردتني من الشيخ عبد الله بن سليمان الحميد، بمثابة الأنموذج لرسائله وكتاباته إلى إخوانه:
стр. 2085
توفي الشيخ عبد الله بن سليمان بن حميد في عام ٣/ ٦/.
وقد رثاه ابنه عبد العزيز بكلمات نشرها في جريدة الجزيرة، وذكر فيها أنه توفي صباح الاثنين الثالث من الشهر السادس، ولم يذكر السنة.
стр. 2086
قال:
دعوات من القلب:
اللهم إغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم وأبدله دارًا خيرًا من داره وزوجًا خيرًا من زوجه، وافسح له في قبره ونور له فيه، وأعذه من عذاب النار، اللهم اجعل مسكنه جنة النعيم مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
بهذه الدعوات الخالصة المخلصة أدعو بها من قلبي الراضي بقضاء الله وقدره لوالدي الشيخ عبد الله السليمان الحميد، الذي وافاه الأجل المحتوم صباح الاثنين الثالث من الشهر السادس، ذلك الرجل المجاهد في سبيل الله الذي أمضى عمره في خدمة دينه ومليكه ووطنه بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
نعم كان ﵀ قد قضى قرابة ثلاثين عامًا في جهات تهامة من مناطق المملكة الجنوبية في البرك، والقنفذة، وجيزان، وغيرها، مجاهدًا في سبيل الله بتنوير بصائر الناس في تلك المناطق عن طريق النصح والوعظ والإرشاد والتوجيه الصحيح لمعرفة أمور دينهم وما ينفعهم في دنياهم وآخرتهم بإلقاء النصائح التوجيهية سواء في المساجد أو المجتمعات، وتزويدهم بالنصائح المطبوعة التي يستفيدون منها، مع ما يقوم به من عمل القضاء في تلك الجهات وتدريس لبعض طلاب العلم هناك، حيث تولى الكثير منهم مناصب قضائية.
واضطرته ظروف عائلية بعد طول هذه المدة إلى الانتقال للقصيم بعد موافقة الجهات المختصة، فتم له ذلك بمباشرة عمله قاضيًا في بعض قري منطقة القصيم، ومنها الفوارة، والأسياح، والبكيرية، حتى أحيل إلى التقاعد في آخر النصف الأول من عام ١٣٨٣ هـ بعد أن كان له الشرف في خدمة الدولة قرابة (أربعين عامًا).
стр. 2087
ففرغ نفسه لطلاب العلم في أحد مساجد بريدة القريبة من مسكنه للقراءة عليهم والمطالعة حيث يقوم بشرح ما يقرأ عليه، ومع هذا وخلال تلك السنوات رأت جماعة تحفيظ القرآن الكريم بمكة المكرمة فتح العديد من مشاريعها الخيرية وهو تحفيظ القرآن الكريم بالمساجد حيث كلف ﵀ بالإشراف على هذه الجماعة وطلبتها في القصيم، وملاحظة ما يقف في طريقهم من عقبات بدون مقابل احتسابًا لوجه الله وابتغاء لثوابه، حيث حفظ الكثير من صغار السن القرآن الكريم عن ظهر قلب حفظًا وتجويدًا، مع ما يقوم به ﵀ بالشفاعة لمن يستحق الشفاعة وخصوصًا مع الفقراء والمحتاجين لدى الجهات التي تتطلب ذلك مهما كان مقرها وجهتها ويحضر الندوات التي تقام في المساجد في أوقاتها ولا يعطي لنفسه الراحة التامة عن مساعدة المحتاج، وبذل الصلح بين الطرفين مهما كانت قضيته في بيته، أو في المسجد أو في أي جهة كانت، حتى يذهب الطرفان من عنده متصالحان قد دب في نفسيهما المحبة والرضاء، وكان ﵀ يؤدي مناسك العمرة في شهور رمضان من كل عام ويبقى في مكة المكرمة حتى الانتهاء من صيام الستة من شوال ويؤدي مناسك الحج في الوقت الذي يرى فيه نفسه نشيطًا حتى أقعده المرض وانتقل إلى رحمة الله بعد عمر يشهد له إن شاء الله بالخير والثناء الطيب والعمل الصالح الذي يرجو ثوابه من عند الله.
فرحمك الله رحمة واسعة وجعل قبرك روضة من رياض الجنة والحمد لله على قضائه وقدره فإنا لله وإنا إليه راجعون.
عبد العزيز بن عبد الله الحميد
ترجم له الأستاذ محمد بن عثمان القاضي ترجمة موسعة ذكر فيها تواريخ الأعمال التي قام بها الشيخ عبد الله بن سليمان الحميد وهو يعرفه معرفة شخصية.
стр. 2088
وهذا نصها:
هو العالم الجليل الورع الزاهد الشيخ عبد الله بن سليمان بن عبد الله بن حميد، ولد هذا العالم في مدينة بريدة في بيت علم وتُقى ودين سنة ١٣٢٠ هـ، ورباه والده أحسن تربية وقرأ القرآن وحفظه في الكتاتيب وتعلم مبادئ العلوم وقواعد الخط والحساب فيها ثم شرع في طلب العلم بهمة ونشاط ومثابرة.
مشائخه: والده سليمان وعبد الله بن مفدَّى وعبد الله وعمر بن سليم وعبد العزيز العبادي وعبد الله بن سليمان بن بليهد وحمود بن حسين الشغدلي ومحمد بن كريديس لازم هؤلاء في أصول الدين وفروعه وفي الحديث والتفسير وعلوم العربية وتعيَّن في أحد جوامع بريدة وهو يافع في سنة ١٣٣٨ هـ، ودرَّس في أصول الدين وفي الفرائض فيه سنة ١٣٤٥ هـ وفي ذي الحجة سنة ١٣٤٦ هـ سافر مع رجال الدعوة والإرشاد إلى تهامة في القنفذة إمامًا ومرشدًا ثم في العرضية وفي وادي حلي ثم خلف الشيخ محمد بن مقبل على قضاء القنفذة مدة إجازته، وفي سنة ١٣٤٩ هـ تجوَّل في القنفذة وما حولها للدعوة والإرشاد وترتيب أئمة المساجد والمؤذنين بأمر من الحكومة، وفي سنة ١٣٥١ هـ نُقل إلى قضاء البرك والإمامة والخطابة في جامعه والدعوة والإرشاد فيه، وكان يصدع بكلمة الحق لا يخاف في الله لومة لائم، وظل في هذه المنطقة سنين ونفع الله به فقد تخرج على يديه قضاة ومدرسون وإداريون.
وفي سنة ١٣٦٢ هـ نُقل إلى قضاء عسير في أبها وما حولها وفي عام ١٣٦٣ هـ عاد إلى قضاء البرك، وفي سنة ١٣٦٦ هـ نُقل إلى قضاء القنفذة وأنهى دعاوي قديمة، وفي سنة ١٣٦٧ هـ نُقل قاضيًا في جيزان بعد محمد التويجري، وفي شهر شوال سنة ١٣٧٠ هـ سافر إلى القصيم وعُيّن قاضيًا في الفوّارة من منطقة القصيم، وفي سنة ١٣٧٢ هـ صحب الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد من قبل حكومتنا للنظر في دعاوى وقضايا في الحجاز، وفي سنة
стр. 2089
١٣٧٣ هـ عيَّنه الشيخ عمر بن حسن رئيس الهيئات للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر رئيسًا لهيئة القصيم والمرشدين والدعاة والوعَّاظ ثم طلب الإعفاء فأعفي. وفي سنة ١٣٧٦ هـ تعين قاضيًا في الأسياح، وفي سنة ١٣٧٨ هـ نُقل قاضيًا في البكيرية خلفًا للشيخ عبد العزيز السبيل، وظل في قضائها والإمامة والخطابة فيها إلى إحالته للتقاعد في دخول رجب سنة ١٣٨٣ هـ.
وكانت له حلقات في كل المدن التي زاول العمل في قضائها وله تلامذة كثيرون منهم صالح بن عبد العزيز الخضيري وعبد الرحمن بن محمد الجطيلي وعبد الكريم التويجري، وعبد الله بن عمر بن سليم وعلي الحواس وعلي الغُضية وعبد الله الزامل وعبد الرحمن الزامل آل عفيسان في آخرين من الذين خارج نجد، وانتدبته حكومتنا الرشيدة في مهمات رسمية وقام بإنهائها على أكمل وجه، وكنت من رواد المكتبة العلمية في بريدة ورأيته مرارًا فيها، وعليه حلقة يدرسون عليه في الكافية الشافية لابن القيم، وفي غيرها إمرارًا على طريقة تدريس القدامى، وقد قام بتأسيس مكتبة علمية في البكيرية ذكره ابنه عبد العزيز وله مؤلفات كثيرة مختصرة ورسائل عديدة منها نصيحة المسلمين عن البدع وحسن الإفادة وفي النهي عن الربا والغش في المعاملات والهدية الثمينة ومجموعة خطب منبرية.
أثنى عليه ثُلة من العلماء ومن بينهم حافظ الحكمي، وقال إنه لم يقتصر علمه على حل القضايا فحسب بل تعداها إلى أعمال جليلة نافعة في التوجيه والإرشاد والوعي والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وكان يعتمر في رمضان كل عام ويحج كثيرًا ومرض زمنًا ولكنه لم يُقعِده عن حضور الجمع والجماعات، ولما اشتدَّ به المرض نقل إلى المستشفى وبقي عشرين يومًا وضعف جسمه ووافاه أجله المحتوم يوم .....
стр. 2090
وقد أكثر من قراءة الكتب على والده أن قيامه بإمامة مسجد ماضي المعروف في بريدة، وأخذ من علوم الشريعة كثيرًا حتى تأهل ووصل إلى مكانة العلماء.
نشاطه العلمي وأعماله وسيرته:
أم الناس في أحد مساجد بريدة وهو صغير السن عدة سنوات، وفي عام ١٣٤٦ هـ عُيِّن في تهامة اليمن، أولًا بالقنفدة إمامًا ومرشدًا في وادي حلي، ثم في العرضية ثم خلف الشيخ محمد بن صالح المقبل مدة إجازته بقضاء القنفدة.
وفي عام ١٣٤٩ هـ تجول في قضاء القنفذة للدعوة والإرشاد وترتيب أئمة المساجد والمؤذنين بأمر من ولاة الأمور، وكان له في تلك المنطقة أثر طيب.
وفي بداية عام ١٣٥١ هـ نقل إلى قضاء البرك وتولى الإمامة والإرشاد فيها، ومكث فيها مدة طويلة وجلس للتدريس خلال هذه المدة ونفع الله به.
فكان له تلاميذ عدة، تولوا مناصب دينية وإدارية نذكر على سبيل المثال منهم الشيخ عبد الرحمن شيبان القائم بقضاء النماص (١)، والشيخ حسن زيد القائم بقضاء القحمة (٢)، سابقًا وأحد القضاة في المحكمة الشرعية في أبها، ومحمد بن علي بن مشعي القائم بإمامة وخطابة المسجد الجامع في البرك، وغيرهم كثيرون لا تحضرني أسماؤهم.
وفي عام ١٣٦٢ هـ نقل إلى قضاء عسير أبها وملحقاتها وكيلًا لقاضيها مدة مرضه، ثم عاد إلى البرك حتى عام ١٣٦٦ هـ إذ نقل إلى قضاء القنفذة، وأسس مدة بقائه فيها هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكتب نصائح لعموم مشايخ القبائل هناك، وكان له أثر طيب ونفع كثير، وأنهى دعاوي قديمة، ولكن لم يطب له المقام لرداءة الأحوال الجوية، فنقل منه إلى قضاء جازان ومكث فيها مدة، وبعد مراجعات كثيرة أعفي من القضاء في شوال عام ١٣٧٠ هـ. وسافر إلى بلده،
стр. 2091
وفور وصوله كُلف بقضاء الفوارة من منطقة القصيم.
ولما كلف الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد بالتوجه إلى الحجاز للنظر في الدعاوى والقضايا القديمة، كلف الشيخ عبد الله بن حميد بمرافقته فرافقه وعاد معه بعد انقضاء المهمة.
وفي محرم عام ١٣٧٣ هـ نقل إلى رئاسة هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقصيم فقام بها خير قيام، ورتب أعضاء المرشدين والوعاظ الآمرين بالمعروف في كل بلد من القصيم، ثم طلب الإعفاء منها وبالغ بالطلب، فنقل إلى قضاء الأسياح، وباشر العمل فيه في ربيع الأول من سنة ١٣٧٦ هـ حتى عام ١٣٧٨ هـ حيث نقل منه إلى قضاء البكيرية ولم يزل فيه حتى عام ١٣٨٣ هـ حيث أحيل إلى التقاعد.
ولثقة المسؤولين بفضيلته ولكفاءته وإخلاصه وحرصه على العدل والخير، كان كثيرًا ما ينتدب في مهمات رسمية فيعينه الله ويسدد خطاه، وتحصل قناعة المتنازعين ورضاء الطرفين به.
وقد أسس مكتبة علمية في مدينة البكيرية زودها بالكتب النافعة بمساعدة بعض الأدباء الحريصين على منفعة المواطنين جزى الله الجميع خيرًا.
وقد أسهم ﵀ بتأليف الكتب المفيدة فله مصنفات دينية قيمة، وله مجموعة خطب منبرية.
وقد أثنى عليه عدد من العلماء في سيرته.
فكتب في الثناء عليه عدد ممن عرفه من تلاميذه وغيرهم، وكتب عنه أحد تلاميذه مقالًا بعنوان: (إذا أحب الله عبدًا وضع له القبول في الأرض).
وقال فيه الشيخ حافظ بن أحمد حكمي عالم جازان المشهور ﵀: (إنه لما كان انسلاخ شهر رمضان عام ١٣٧٠ هـ بلغنا خبر فادح، وحادث
стр. 2092
جلل على الجميع وهو نقل قاضي جازان الشيخ عبد الله السليمان بن حميد، ذلك الكفؤ الشديد الأمين، ذو الورع الديني، والدين المتين الذي ما برئت ذمة ولي الأمر برائتها بمثله، ولا فرح الرعية بأحد فرحهم به، ولا حزنوا على مثله كلهم عامة وطلبة العلم خاصة، ذلك بأنه لم يكن عمله منحصرًا في وظيفته التي هي سماع الدعوى والبينة فحسب، بل اجتمعت فيه النصيحة بكل معانيها وجميع وجوهها، فكان مفتاحًا للخير، داعيًا إليه، حاثًّا عليه، حريصًا على براءة ذمة المسلمين، وإصلاحهم، حاضًّا لهم على ما يكفل نجاحهم وخلاصهم، مصلحًا ذات بينهم، مجدًا في تصحيح عقائدهم وأعمالهم، ورفضهم لقبيح الأعمال، ناشرًا في ذلك الرسائل، آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر.
ومنهم الشيخ علي بن سليمان الحميد شغل عدة مناصب، آخرها مساعد رئيس هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقصيم، ثم رئيس هيئة الأمر بالمعروف في بريدة.
دهسته سيارة في جردة بريدة وسط جمع من الناس، فكان أن نادي بأقصى ما يستطيع من صوت مع أنه في حالة أقرب من الموت إلى الحياة قائلًا: اشهدوا تراي سامحته، إشهدوا تراي سامحته، ثم مات من يومه بسبب هذه الدهسة.
إنها عجيبة من الصعب تصورها لولا أنها مشهودة من كثير من الناس في ذلك اليوم.
وكان علي بن سليمان الحميد لي صديقًا لأنه كان ذكيًّا رقيق الطبع يحب النكت والنوادر، ويسجل المسائل ذات الوضع الخاص في الفقه، ونحوها مما كان العلماء الأوائل يسمونها باللطائف، وكذلك كان يكتب القصائد من الأشعار الفصيحة على قلتها، وحتى الموجود منها كان مقطوعات موزونة، وكان يسجل ذلك في ورقة أو ورقتين، وليس له مؤلف مكتوب فيما أعرفه.
وقد سألت ابنه عبد الرحمن عما إذا كان يوجد الآن شيء في أوراقه مما
стр. 2093
ذكرته، فأخبرني أنه لا يوجد لديهم من ذلك شيء، ولا أشك بأن السبب هو أن الناس حتى طلبة العلم لم يكونوا يبالون بمثل هذه الأمور.
كان الشيخ علي بن سليمان الحميد شديدًا، في فرض العقوبة على الذين يخالفون الأوامر الشرعية كالذي يفتح دكانه في وقت الصلاة، وكالمرأة التي تظهر إلى السوق بلباس متبرج، ومن ذلك عقوبة من لا يحضرون صلاة الفجر مع الجماعة أي أنهم لا يصلون الفجر جماعة، وكان من أولئك عدد من طلاب معهدنا لأنهم شبان بعضهم غرباء لا يسكنون مع أهلهم، لذلك ربما غلبهم النوم، فكان إمام المسجد القريب من بيوتهم إذا عدهم مع الجماعة في صلاة الفجر والعدد للصلاة في الفجر هو أن ينادي مؤذن المسجد على جماعة المسجد واحدًا واحدًا، كل منهم باسمه فيقول: فلان بن فلان فإن قال: نعم، أو خير، أو حاضر، عرف أنه قد حضر صلاة الجماعة، لأن المساجد لم تكن فيها أنوار في الفصول الثلاثة التي هي غير فصل الشتاء حيث يكون في المسجد سراج.
ومن لم يجب النداء عرف أنه لم يصل، فيعظه إمام المسجد أو مؤذنه عن عدم العودة إلى التخلف عن صلاة الجماعة في الفجر، فإن عاد أخذ شماغه وهو غطاء رأسه.
وعندما تطورت الأمور وصار أخذ الشماغ لا يعد عقوبة فعالة صار أئمة المساجد يرفعون بأسماء المتخلفين عن صلاة الفجر إلى رئيس هيئة الأمر بالمعروف فيحضرهم عنده ويكتب عليهم تعهدًا يوقعون عليه أنهم سوف يحضرون صلاة الجماعة في الفجر، لا يتخلفون عنها، ومن عادوا للتخلف كتب رئيس هيئة الأمر بالمعروف إلى الأمير بحبسه، وقد يصل الأمر بالمصرين على ترك الصلاة مع الجماعة إلى التأديب بالضرب.
وكان الشيخ علي بن سليمان الحميد في المسئولية في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من موقعه نائبًا للرئيس ثم لكونه الرئيس، فصار لا يتساهل ولا
стр. 2094
يتهاون في عقوبة من يرفع عنهم أئمة المساجد بأنهم لا يصلون الفجر مع الجماعة.
ومرة تخلف أحد موظفي المعهد العلمي وكنت مديره فكتب الشيخ علي بن سليمان الحميد إلى أمير القصيم يطلب منه حبسه عقابًا له على ذلك.
وقد أرسل إليَّ أمير القصيم آنذاك، وهو ابن بتال الأستاذ سالم بن إبراهيم الدبيب رئيس ديوان الإمارة يخبرني بذلك شفهيًّا ويقول: إذا لم تسووا الأمر مع رئيس الهيئة - يعني علي السليمان الحميد - فإننا سوف نسجن الرجل.
فشق عليَّ الأمر وكلمت الشيخ علي بن سليمان الحميد فوجدت إصرارًا منه على ذلك، فقلت له: إنه لا يليق أن يسجن مدرس بالمعهد، وماذا يبقى من منزلته عند طلبته، بل وعند سائر الناس، إذا سجن لتهاونه في أمر ديني؟
فقال الشيخ علي: هو يستحق، والمعهد الذي عينه في هذه الوظيفة يستحق.
وبعد أخذ ورد معه قبل الشيخ علي أن نكلفه بألا يعود إلى ترك صلاة الجماعة في الفجر في مقابل ألا يسجن وقد تم ذلك.
وهذه رسالة موجهة من الشيخ علي بن سليمان الحميد إليَّ وإلى صديقي الأستاذ علي الحصين، وقد كتبها الشيخ علي من القنفذة عندما وصل إليها قال:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
جناب الأخوان الكرام المشايخ محمد بن ناصر العبودي وعلي عبد الله حصين - سلمهما الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته على الدوام أدام الباري علينا وعليكم نعمة الإسلام.
موجب الكتاب إبلاغكم السلام والسؤال عن حالكم لا بكم سوء ولا مكروه، بعده نخبركما أننا ولله الحمد بأتم الصحة والعافية نرجو أنكم كذلك.
стр. 2095
وصلنا القنفذة وتوجه الأخ عبد الله لجيزان وأنا مقيم بباقي أشغال للأخ وعن قريب أتوجه طرفكم إن شاء الله.
إخواني من طرف السند حق الاشتراك فهو ياصلكم والسبب الذي أخره أني اشتغلت بمكة ولا أعرف مكان عبد القدوس الأنصاري، ووجدناهم زائدين قيمة الاشتراك جعلوه عشرة أريل وإليكم السند بذلك.
أخي محمد، أرجوك غاية الرجاء أنك تكتب أسماء الكتب التي عندك لنا وتحفظها جزيت عنا خيرًا، هذا ما لزم بلغوا سلامنا أنفسكم والوالدين والشيخ والإخوان عموم كتبت هذا وأنا مشغلون الفكر ولا أحد من يوسع الصدر سوي كتب أطالع فيها ومن لدينا الأخ عبد الله توجه أمس هو والقرعاوي وحافظ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محبكم: علي بن سليمان الحميد
١٦/ ٥/ ٦٧
ومنهم صالح بن سليمان الحميد أحد طلبة العلم على المشايخ أمَّ في مسجد في بريدة ثم بعث إلى اليمن السعودي الذي يراد به منطقة جازان، وما كان عنها جنوبًا مرشدًا وإن لم يتول منصبًا هناك.
ومات في تلك البلاد، لأنها كانت بلادًا وبيئة فيها حمى الملاريا، وغيرها من الأمراض المستوطنة.
ذكره الشيخ صالح العمري من بين تلاميذ الشيخ القاضي عبد الله بن محمد بن سليم فقال: تولى بعض المناصب الدينية في منطقة جيزان، وتوفي هناك، ﵀ (١).
стр. 2096
قال الشيخ صالح بن سليمان العمري:
الشيخ صالح بن سليمان بن حميد:
ولد ﵀ بمدينة بريدة بحدود عام ١٣٣٢ هـ تقريبًا، وقد تعلم القراءة والكتابة في بريدة، وحفظ القرآن عن ظهر قلب، ثم لازم الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم فأخذ عنه حتى توفي.
كما لازم الشيخ عمر بن محمد بن سليم وأخذ عنه، وهو أكثر مشايخه نفعًا له، كما أخذ عن الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم العبادي، واستمر في الطلب حتى أدرك في كثير من العلوم.
وفي آخر عام ١٣٥٣ هـ اختاره شيخه الشيخ عمر ضمن العلماء الذين بعثوا إلى منطقة جيزان، وقد عين إمامًا ومرشدًا في تلك النواحي، واستمر على ذلك مدة سنتين أو ثلاثا، ثم توفي ﵀ هناك.
وهو في رأيي أعلم من بعض المشائخ الذين عينوا قضاة هناك، ولكني لا أدري لماذا لم يعين قاضيًا إلَّا أن يكون الورع منعه من ذلك، وكان له نشاط في الدعوة والإرشاد، ﵀، توفي ﵀ في حدود عام ١٣٥٧ هـ تقريبًا. انتهى.
وأبوهم سليمان بن عبد الله بن حميد طالب علم مجيد كان إمامًا في مسجد ماضي في جنوب بريدة لمدة طويلة، وقد عرفته وهو مسنٌّ، وكنت صغيرًا فكان معروفًا بالديانة والصلاح وقوة الشخصية.
ترجمة الشيخ صالح العمري، فقال:
الشيخ سليمان بن عبد الله بن حميد: ولد في بريدة عام ١٢٩٢ هـ وهو إمام مسجد ماضي في بريدة من عام ١٣٣٨ هـ، فهو الذي خلف الشيخ عبد الله بن إبراهيم المعارك على الإمامة في هذا المسجد، كان من كبار طلبة العلم في بريدة
стр. 2097
ومن المهتمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وله قوة في ذلك.
وهو والد الشيخ عبد الله السليمان بن حميد قاضي جيزان والبكيرية، ووالد الشيخ صالح السليمان بن حميد، ووالد الشيخ علي رئيس الهيئة ببريدة، أخذ عن الشيخين محمد بن عبد الله بن سليم والشيخ محمد بن عمر بن سليم، ثم أخذ عن الشيخين عبد الله وعمر بن محمد بن سليم، وفي حائل أخذ عن الشيخ صالح السالم البنيان، ولا أعلم أنه درس أو تولي شيئًا غير الإمامة ﵀ توفي ﵀ عام ١٣٦٢ هـ حسب ما ذكره ابنه الشيخ عبد الله (١).
ومن متأخري أسرة (الحميد) هؤلاء الأستاذ عبد الرحمن بن علي بن سليمان الحميد من رجال التربية والتعليم، ذكره الأستاذ عبد الله بن سليمان المرزوق وترجم اله: ترجمة حافلة في كتابه (رجال من الميدان التربوي) فقال:
عبد الرحمن بن علي بن سليمان الحميد (أبو عبد الله):
ولد الأستاذ عبد الرحمن الحميد في مدينة بريدة عام تسعة وستين وثلاثمائة وألف للهجرة، ودرس المرحلة الابتدائية في مدرسة السادة ببريدة (مدرسة القدس حاليًا) وقد أكمل الدراسة الابتدائية في سنتين حيث قفز (رفع) من الصف الأول إلى الثاني ثم إلى الثالث ونجح إلى الرابع في نفس العام، ومع بداية العام الدراسي التالي نقل إلى الصف الخامس ثم إلى السادس حيث حصل على الشهادة الابتدائية في نفس العام من المعهد العلمي ببريدة حيث التحق بالصف الثاني تمهيدي، وكان حصوله على الشهادة الابتدائية عام ١٣٧٦ هـ والسبب في هذا - بعد توفيق الله - أنه قد درس على والده ﵀ وحفظ عليه جزئي تبارك وعم وهو في الخامسة من عمره، إضافة إلى الأصول الثلاثة وآداب المشي إلى الصلاة، كما تعلم عليه مبادئ النحو والكتابة والتجويد، فلما
стр. 2098
التحق بالمدرسة الابتدائية كان مستواه عاليًا وتميزه على زملائه واضحًا، فكان يرفع في السنة أكثر من مرة.
وبعد الابتدائية درس في المعهد العلمي ببريدة وأنهى فيه المرحلتين المتوسطة والثانوية عام ١٣٨٣ هـ، ثم التحق بكلية الشريعة في الرياض، وحصل منها على الشهادة الجامعية عام ١٣٨٧ هـ.
وإضافة إلى دراسته النظامية فقد طلب العلم على عدد من المشايخ، ومنهم: الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد، والشيخ صالح بن أحمد الخريصي والشيخ محمد بن صالح المطوع، والشيخ علي بن عبد الرحمن الغضية، والشيخ محمد بن صالح المرشد، إضافة إلى والده رحم الله الجميع رحمة واسعة.
ابتدأ الأستاذ عبد الرحمن حياته العملية عام ١٣٨٧ هـ معلمًا للغة العربية في متوسطة وثانوية عرعر، وفي نفس العام نقل إلى منطقة القصيم فتم توجيهه إلى متوسطة أبي عبيدة ببريدة فدرس فيها اللغة العربية حتى عام ١٣٩٠ هـ ثم كلف بالإشراف الاجتماعي في متوسطة أبي عبيدة من عام ١٣٩٠ هـ حتى عام ١٣٩٦ هـ. حيث رشح مديرًا لمتوسطة ابن قدامة ببريدة، وقد بقي مديرًا لهذه المدرسة حتى عام ١٤٠٦ هـ، ثم انتقل إلى الرياض، وهناك كلف بإدارة متوسطة الخليج، ثم كلف وهو مدير بالعمل موجهًا متعاونًا، وفي عام ١٤٠٨ هـ رشح للتوجيه (الإشراف) التربوي.
وقد باشر عمله موجهًا (مشرفًا) تربويًا في شعبة التربية الإسلامية في إدارة تعليم الرياض (الإدارة العامة حاليا) في ٧/ ١١/ ١٤٠٨ هـ، وفي عام ١٤١٢ هـ انتقل إلى منطقة القصيم فعمل فيها موجهًا (مشرفًا) تربويًا في شعبة (وحدة) التربية الإسلامية في إدارة تعليم القصيم (الإدارة العامة حاليًا) واستمر كذلك حتى أحيل على التقاعد المبكر بناء على طلبه في ٧/ ٦/ ١٤١٤ هـ.
стр. 2099
حضر أبو عبد الله دورة التأهيل للإدارة المدرسية لما فوق المرحلة الابتدائية في كلية التربية بجامعة الملك سعود في الرياض ودورة في التوجيه التربوي في مركز خدمة المجتمع بجامعة الملك سعود في الرياض، ودورة في الإرشاد الوقائي من المخدرات في المركز الجامعي لخدمة المجتمع في جامعة الإمام محمد بن سعود في الرياض (١).
وذكره الدكتور عبد الله الرميان في كتابه: (مساجد بريدة) لكونه أمَّ في جامع ابابطين، فقال:
عبد الرحمن بن علي بن سليمان الحميد: تَولَّى إمامة المسجد والخطابة فيه سنة ١٣٩٨ هـ وبقي فيه مدة عشر سنوات حيث استقال من الإمامة سنة ١٤٠٨ هـ فتكون إمامته لهذا المسجد في الفترة (١٣٩٨ هـ - ١٤٠٨ هـ).
ولد في بريدة سنة ١٣٦٩ هـ ونشأ فيها وتلقى تعليمه في مراحله الأولى فيها، حتى تخرج من المعهد العلمي عام ١٣٨٣ هـ ثم التحق بكلية الشريعة بالرياض، وتخرج منها سنة ١٣٨٧ هـ، إلى أن قال: ثم انتقل إلى إدارة التعليم بمنطقة القصيم عام ١٤١٢ هـ، وفي عام ١٤١٤ هـ طلب الإحالة إلى التقاعد المبكر وتفرغ للأعمال الحرة (٢).
ورد ذكر أحدهم وهو محمد الحميد - بترقيق الميم في محاسبة بينه وبين محمد السليمان (العمري) فصح آخر حساب في ذمة محمد الحميد لمحمد السليمان أربعة أريل إلَّا جرش، والجرش: هو ثلث الريال وليس القرش الذي نعرفه الآن، لأنه لم يكن يعرف فضلًا عن أن يوجد في نجد في ذلك الزمان.
وهذه الأربعة إلَّا الثلث مؤجلات يحل أجلهن في رمضان سنة ١٢٩٠ هـ وأرهنه في ذلك بيته المعروف بشمالي بريدة الذي انتقل إليه من (نصرة السليم) .. الخ.
стр. 2100
والشاهدان فيها هما عمر السليمان بن فضل وعيسى العبد الكريم (العيسى)، والكاتب هو راشد السليمان ابن سبيهين وهو المعروف بأبو رقيبة، ثم حذفت كلمة (أبو) من اسم ذريته فصاروا يسمون الرقيبة.
وبيته الذي أشار إليه معروف لنا فهو يقع على شارع الصناعة القديم قبل أن يوسع الشارع إلى الجنوب من مسجد ابن شريدة في شمال بريدة القديمة، وقد عهدت أحفاده يسكنون فيه.
ومنهم إبراهيم ... الحميد كان يعمل في خفر السواحل في جدة وكان قبل ذلك يذهب مع عقيل أهل الشام وكان يحفظ الشعر والأخبار ذا ذاكرة عجيبة.
حدثني فهد المبارك (أبو صدام) قال: سافر معي إبراهيم ... الحميد من بريدة إلى جدة فكان طول الطريق يحدث وينشد الشعر حتى - والله - لقد تمنيت أن جدة أبعد من ذلك المكان وأننا لم نصل إلى جدة.
стр. 2101
الحميدان:
بإسكان الحاء بعد (أل) فميم مفتوحة فياء ساكنة فدال فألف ثم نون، على صيغة تصغير الحمدان، وهذا من الأسماء الشائعة في نجد، ومن ذلك اسم حميدان الشويعر العامي المشهور.
والحميدان هؤلاء أسرة متفرعة من أسرة البريدي الذين هم من الوهبة من تميم.
من المعاصرين منهم الأستاذ عبد الرحمن بن حمد بن عبد الرحمن بن حميدان بن تركي بن عقيل البريدي ويعمل في مدرسة ابن الأثير في بريدة.
أعطاني أوراقًا في هذا المعنى وذكر أن حمد وحميدان هما من أبناء تركي العقيل البريدي.
وحمد البريدي أخو عقيل وهو الأكبر وأن النخل المسمى فيد رشيد بالقصيعة كان لمحمد وعقيل كذلك في الوثيقة التي توضح أن عائلة الحنايا والمرشد أمهم بنت حمد البريدي، وأنهم من عائلة (الصالح) جاءت من عنيزة من (أم حمار).
وعائلة (القفيدي) أبناء عمهم غير عائلة القفيدي الموجودة في البصر، ولكن جاء اسم الخراز من اسم خريزة بعنيزة حيث أن أمهم من هذه القرية فينسبون مرة إلى البريدي ومرة الخراز، ولكن في الحاضر الآن منهم عائلة البريدي.
أقول: سيأتي الكلام بإذن الله على أسرة (الخراز) في حرف الخاء، وسبب تلقيبهم بالخراز، وأنه غير ما ذكر، بل إن تسميتهم بالخراز قديمة كانت قبل أن يقدموا إلى القصيم.
стр. 2102
وثائق الحميدان:
الحميدان هؤلاء فلاحون في الخب وهو خب البريدي الذي إذا أطلق اسم (الخب) لم ينصرف إلَّا إليه لأهميته، والفلاحون كلهم محتاجون إلى أن يستدينوا من التجار ديونًا يوفونها من ثمرة النخل إذا حان جدادها، ولابد لذلك من مكاتبة وتوثيق ويستدعي ذلك ذكر التاريخ وذكر أسماء الدائن والمدين والشهود على الدين.
وهذا نفعنا في تتبع أسماء بعض الأسر، ولو لم يكن ذلك موجودا لأصبح ذكر شخصيات تلك الأسر من الفلاحين من الأساطير الشفهية التي تنسى بسرعة.
ولذلك حرصت على إيراد تلك الوثائق للاستفادة التاريخية منها، رغم ما قد يصحب ذلك من كراهية بعض الأسر من كون المنتسب إلى أسرتهم لم يذكر إلَّا في معرض الدَّين والدائنين، ولكن تلك كانت حالة البلاد والعباد الاقتصادية الحرجة، وليس في ذكر الدين حرج على أحد كما ذكرت ذلك في مقدمة الكتاب.
وقد عثرت على أوراق عديدة تذكر محمد بن عثمان بن حميدان راع الخب - أي خب البريدي.
وتذكر كما تذكر غيرها علو همة الرجل، وثقة التجار به لأنه كان يستدين مبالغ كبيرة ويسددها لهم ثم يستدين غيرها من ذلك ما ورد في هذه الوثيقة التي تتضمن مداينة بينه وبين غصن الناصر (بن سالم) وهو رأس أسرة الغصن السالم وثري معروف إن الدين فيها هو ألفان من وزنات التمر شقر ومكتومي عوض أربعة .... يحل التمر في صفر الخير من عام ١٢٧٥ وأقر محمد بن عثمان أنه أرهن غصن على هذا الدين ثمرته على عمارته فيه وهي ثلثان الملك ونصف، وأيضًا أقر أن لحق عليه في ذمته وقال الكاتب: أعني محمد بن عثمان بن حميدان لغصن - الناصر، مائة وخمسين وزنة تمر شقر، و ... وزنة تمر من تمر السكره الفائق لغيره وأيضًا سبعة أربيل وأرهن ...
стр. 2103
ولم يذكر كاتب الوثيقة، وليس فيها إلَّا كلمات معدودة تحتاج إلى تفسير مثل العمارة وسبق الكلام عليها، وسوف يأتي أيضًا ربما في أكثر من موضع وأنها ما يملكه الفلاح في النخل والفلاحة التي ليست له، وإنما هي لقوم آخرين اتفقوا على أن يفلحها ويستغلها بجزء من ثمرتها للذين يملكونها، وغالبًا ما تكون العمارة جزءا من ثمرة النخل أكثر من نصيب مالكي النخل.
أما السكرة الفائقة لغيرها فهي السكرية المعروفة الآن، وكان يقال لها سكرية الجمعة، لأنها نبتت أول الأمر في ملك لآل جمعة في حويلان.
ويدلنا على ذلك أن غصن الناصر ذكر سكرة الجمعة في مداينة أخرى إذ طلب أن يكون التمر منها، وقد ذكرت ذلك في ترجمة (الجمعة) في حرف الجيم.
وهذه وثيقة مداينة كاملة مؤرخة ومعروف كاتبها والشهود فيها، وهي تشبه التي قبلها حتى في ذكر تمرة السكرية التي أسميت هنا (السكيكرة) تصغير السكرة، المنسوبة إلى السكر لفرط حلاوتها، والوثيقة بخط حمد بن سويلم كتبها في ٢٥ من ربيع الأول سنة ١٢٧٤ هـ.
стр. 2104
والشاهد فيها محمد بن عبد المحسن بن سيف.
وتحتها وثيقة أخرى بخط إبراهيم بن علي بن مقبل وهو أخو الشيخ القاضي الشهير سليمان بن علي المقبل كتبها في نهار رابع من جمادى الآخر سنة ١٢٧٤ هـ والدائن فيها هو غصن بن ناصر (السالم) والشاهد فيها هو حسين بن هديب.
ووثيقة ثالثة بخط إبراهيم بن علي المقبل أيضًا فيها مبلغان يحل أجل أحدهما في عام ١٢٧٥ هـ ويحل أجل الثاني في عام ١٢٧٦ هـ والشاهد فيها علي العجلان.
وتحتها وثيقة رابعة بخط إبراهيم بن علي المقبل أيضًا وتتضمن دينًا بمبلغ ضيئل هو خمسة وعشرون صاع حنطة، ومع ذلك كان الشاهد رجلًا كبير القدر، بل يعتبر من الزعماء في بريدة وهو عودة الرديني رأس أسرة العودة الرديني الآتي ذكرهم في حرف العين، وستأتي ترجمته هناك.
стр. 2105
على أن الأمر يحتاج إلى تدقيق، فربما يكون هذا الرجل من الحميدان المتفرعين من الربيش.
ووثيقة خامسة بعد هذه الرابعة وقد اختلف الكاتب فيها فهو صالح الجناحي الذي سبق الكلام عليه في أسرة (الجناحي) في حرف الجيم.
وتتضمن هذه دينا بثمانية عشرة ريالًا، وهذا مبلغ جيد في ذلك الوقت يكفي أن نقرأه لنعرف ذلك إذ ذكر أنه ثمن ناقة والناقة تساوي في معدل الثمن ثلاثة آلاف ريال في الوقت الحاضر، وفهمنا أن هذا الدين داخل في رهن سابق الغصن يحل الدين في صفر ١٢٧٥ هـ وأيضًا ريال ثمن صفحة، والصفحة هي