الأمير رشيد الحجيلاني:
هذا الرجل مدة حكمه قصيرة جدًّا، ويكاد الإخباريون يجمعون على أن (رشيد الحجيلاني) لم يتمتع بالإمارة إلا نحو شهر أو أربعين يومًا، وقد حصل على الإمارة بقتل الأمير عبد الله بن حجيلان كما سبق.
وقتلته والدة الأمير عبد الله انتقامًا لقتله ابنها، ولا نعرف بالضبط أيام ملكه ولكنه يمكن القول كما أفاد بذلك الإخباريون أنها ما بين شهر إلى أربعين يومًا.
وقد سجل المؤرخون إمارته في سياق هجومه على الأمير عبد الله بن حجيلان وقتله وانتزاع الإمارة منه، ولكنهم لم يسجلوا أشياء مما حدث أثناء إمارته، كما أننا لم نجد في الوثائق شيئًا يدل على ذلك.
وينبغي التنوية بما نعرفه عن هذا الرجل بأنه من ذرية الأمير مقرن الحجيلاني كما أننا نعرف يقينًا عددًا من الوجهاء من ذريته على رأسهم ابنه الأمير سليمان بن رشيد الذي تولى الإمارة لمدة قصيرة كما سيأتي، كما أن من ذريته المحسن الذي بني الجامع الكبير في الموطأ في بريدة المسمى (جامع الشيخ محمد بن عبد الوهاب).
стр. 212
الأمير عبد الله بن محمد بن عبد الله بن حسن:
كانت إمارته في عهد الاضطراب والاحتراب الداخلي الذي أعقب انهيار الدولة الإسلامية السعودية الأولى، ولذلك لم نجد تفصيلًا عن إمارته، والمفهوم لنا أنها صارت بعد مقتل قتلة عبد الله بن حجيلان لأنه أقرب الأسرة إلى عبد الله بن حجيلان، فهو عبد الله بن محمد بن عبد الله بن حسن وعبد الله بن حجيلان هو عبد الله بن حجيلان بن حمد بن عبد الله بن حسن.
وإنما وجدنا المؤرخين ذكروا سنة وفاته بل مقتله وأنه في عام ١٢٣٦ هـ كما قال ابن بشر.
وقتل في القصيم عبد الله بن محمد بن عبد الله بن حسن رئيس بلد بريدة (١).
وقد ذكر أنه رئيس بلد بريدة بمعنى أميرها وما حولها، ولكن عبارته مختصرة لا تعطي المطلوب من المعلومات عن أمير عريق في الإمارة، ويقول الإخباريون: إن الذي قتله هو حسين بيك الذي ظهر إلى نجد في مصر في عام ١٢٣٦ هـ وأنه أخذه هو ومحمد بن غانم رهينتين وحبسهما في ثرمدا، ثم قتلهما مع من قتل معهما من أهل نجد.
وقد خلّف الأمير عبد الله بن محمد هذا ابنًا واحدًا اسمه فهد وثلاث بنات هن نورة ونهير وطرفة.
ووجدت ورقة قديمة كتب بعضها فيما يظهر بعد وفاته مباشرة وكتب بعضها بعد ذلك بدهر لأنه يوضح ورثة والده وورثتهم، وربما كان سبب هذا التفاوت في هذه الورقة أنها كانت لفقت أو جمعت من عدة أوراق متفاوتة التاريخ.
وذكر في صدر الوثيقة عبارة (الملك لله، ثم لمحمد بن عبد الله)، وهو والده الذي تقدم ذكره، وذكرت في أولها ورثة محمد بن عبد الله الذي هو محمد
стр. 213
بن عبد الله بن حسن والد الأمير الشهير عبد العزيز بن محمد آل أبوعليان الذي تولى الإمارة لمدة طويلة ثم عزل عنها ثم أعيد إليها أكثر من مرة.
فذكرت أبناءه وأكبرهم - فيما يظهر من تقديمه في الذكر - هو عبد الله هذا يليه أخوه عبد العزيز المذكور.
ولم يذكر المؤرخون ابتداء إمارة عبد الله بن محمد بن حسن هذا ولكننا عثرنا عليها يقينًا في وثيقة مؤرخة فيما يظهر من أمرها في عام ١٢٣٤ هـ. وقد وصفت
стр. 214
عبد الله آل محمد - أي ابن محمد بن حسن بأنه يومئذ - أمير بريدة وهي بخط الشيخ عبد الله بن صقيه الذي أصبح قاضيًا في بريدة بعد كتابة تلك الوثيقة بزمن.
وفي أسفل الوثيقة تذييل أو إيضاح كتبه صالح بن سيف كاتب قاضي القصيم الشيخ عبد العزيز بن سويلم، وذكر تاريخها، فقال: جرا ذلك نهار تسع وعشرين من رجب سنة أربع وثلاثين من الهجرة، ويريد بذلك بعد المائتين والألف، كما هو ظاهر.
وأما الوثيقة الرئيسية فإنها تتعلق بدين لحسن الحمود آل أبي عليان على عقيل العلي (من آل أبو عليان أيضًا) وأقرب آل أبوعليان إليه هم (السُّليِّم) بإسكان السين في أول وفتح اللام ثم ياء مشددة مكسورة.
والشهود على ذلك عدد من المشاهير منهم صالح آل حسين وهو أبا الخيل والد الأمير مهنا الصالح أبا الخيل، وعبد الكريم بن جربوع ومسعود آل محمد أكثر سكان المريدسية ثراء في وقته، وسنذكره في حرف الميم بإذن الله.
والشهود على الوثيقة السفلى محمد آل مبارك، ومحمد بن عمران، وهو من آل عمران الدواسر من أهل الشماس، وقد تغير اسمهم إلى (الأحمد) وهم غير (العمران) المعروفين الآن بهذا الاسم، فهؤلاء من الغيهب من بني زيد كما سيأتي بيان ذلك في حرف العين.
وهذا نص الوثيقة:
стр. 215
سليمان بن علي العرفج:
لم ينص المؤرخون على أن سليمان بن علي بن عرفج تولى إمارة بريدة، وإنما ذكره الإخباريون في الأخبار الشفهية، وإن كان المؤرخون ذكروا أنه من كبار (آل أبو عليان) وأنه قتل، قتله جماعته آل أبو عليان، ولم يفرقوا بين جماعته في الذكر، والواقع أن الأمر يقتضي التفريق فالذين قتلوه، والمتهم الرئيسي في ذلك هو فهد المرشد، وهو من فرع الحسن، وهو الفرع نفسه الذي ينتمي إليه العرفج، فليس فيه من فرع الدريبي أحد.
وذكر المؤرخون أن الذي تولى قتله هو فهد المرشد وأن محمد بن علي العرفج قتل فهد المرشد اجتمع على قتله معه عدد من أبناء عمه فقتلوه.
وأوردوا شعرًا لمحمد العرفج يصفه بأنه طويلان، وأنه لابد من أن يقتل قاتله.
ثم قتل محمد العرفج قاتل أخيه سليمان، وهو فهد بن مرشد ولكن صالحًا بن فهد المرشد قتل محمد العرفج بدم أبيه فهد.
فهد هذا ذكر الإخباريون أنه هو الذي قتل سليمان بن عرفج من أجل الإمارة، وأن محمد بن علي العرفج أخو سليمان بن عرفج قتله بدم أخيه.
وقد نوه المؤرخون بقتله، ولكنهم لم يذكروا إمارته بالتفصيل، والظاهر أنها قصيرة لأن محمد بن علي العرفج ومن معه قتلوا فهد المرشد هذا.
وقد ذكرت قصة قتله في (معجم بلاد القصيم) (١).
قال ابن بشر في حوادث سنة ١٢٣٧ هـ:
وفيها قتل سليمان بن عرفج في بريدة، وهو من رؤساء آل أبي عليان،
стр. 216
قتله عشيرته، ثم سطا عليهم بعد ذلك محمد بن علي، وهو من أوليائه فقتل فهد بن مرشد وعم القتل في هذه السنة في القصيم وسدير والوشم والعارض والخرج والجنوب (١).
وكان صالح بن فهد المرشد صغيرًا، فلما كبر عيرته أمه بكونه لم يقتل قاتل أبيه محمد بن علي العرفج، فرصد له وهو خارج من بيته في سوق داحس الذي يقع شمال المقصب القديم وقد أزيل ذلك في العهد الأخير الآن.
وقد بقي بيته على حاله يسكنه حفيده سليمان بن سلطان العرفج دعانا فيه هو ثم ابنه سلطان عدة مرات.
خرج محمد بن علي العرفج من بيته قاصدًا المسجد الجامع ليصلي فيه صلاة الفجر ففاجأه صالح المرشد وأطلق عليه النار، وغاب في الظلام ولكنه معروف للناس، وأقر بأنه قتله قصاصًا منه لقتل أبيه.
ومن المعلوم أن القصاص يكون من ولي الأمر وبحكم الحاكم الشرعي، ولكن في تلك الفترة كان الحكم بالشرع قد اعتراه الوهن، لأن الدولة السعودية الأولى التي تحكم بالشريعة قد سقطت، والأمر في بريدة نفسها قد انتقض حتى إننا لم نعرف بالضبط من كان القاضي فيها في تلك الفترة العصيبة، لأن القاضي الأصيل الذي هو الشيخ عبد العزيز بن سويلم قد اعتزل القضاء الرسمي وافتتح له دكانًا في بريدة، فكان لا يقضي إلّا بأمر من ولي الأمر في بريدة، أو إذا اصطلح المتخاصمان على الرجوع إليه.
стр. 217
وسيأتي بيان لما في هذه الوثيقة عند الكلام على (الحمود) من بني عليان أيضًا، وقد نصت هذه على أن سليمان بن عرفج وهو من آل أبو عليان، وكيل لآل حجيلان، وأنه ادعى بصفته تلك على مقبل العلي (من بني عليان) بأن عنده لآل حجيلان مطلب أي مبلغ مالي، وانتهت بمصالحة وهي بخط الشيخ عبد الله بن صقيه في ٥ من محرم ١٢٣٦ هـ.
محمد بن علي العرفج:
محمد بن علي العرفج أشهر أمراء بني عليان في غير الإمارة فهو شاعر كبير، بل هو فحل من فحول شعراء العامية، طرق في شعره فنونًا
стр. 218
عديدة من فنون الشعر مثل الشعر السياسي والغزلي والوصفي وشعر الشكوى.
وتولى على إمارة بريدة، ولكن كان ذلك إبان غياب الدولة السعودية بعد سقوطها على يد إبراهيم باشا المصري الذي أسقطها باسم الترك.
إلا أن إمارة محمد بن علي العرفج استمرت إبان حكم الإمام تركي بن عبد الله بن محمد آل سعود الذي حاول في تلك العصور المظلمة تجديد الدولة السعودية فابتدأ فيما يصح أن يسمى بالدولة السعودية الثانية.
وقد عزل الإمام تركي محمد بن علي العرفج من إمارة بريدة، وولاها عبد العزيز بن محمد بن عبد الله بن حسن، لأن جده لأبيه عبد الله بن حسن كان رجل صدق ونظام، وسار مع الدولة السعودية الأولى قلبًا وقالبًا، وكذلك والده الذي لم يلبث في الإمارة طويلًا.
ونفترض إن إمارة محمد بن علي العرفج على بريدة ابتدأت في عام ١٢٣٧ هـ وذلك بعد أن قتل فهد المرشد، فهذا هو مفهوم كلمة (سطي) عليهم من السطو بمعنى القوة، والمراد: استعمال القوة في إسقاط الحاكم القائم بالحكم وانتزاع الحكم منه.
ولم يذكر المؤرخون صراحة تاريخ استيلاء محمد بن علي العرفج على الإمارة، ولكن وجوده أميرًا استمر حتى عهد الإمام تركي بن عبد الله الذي عزل محمد بن علي العرفج عن إمارة بريدة في عام ١٢٤٣ هـ حيث ورد ذلك صراحة، وولي الإمارة بدلًا منه عبد العزيز بن محمد آل أبو عليان، حفيد عبد الله بن حسن الذي له سابقة تعاون ومناصرة مع آل سعود، وقتل وهو غازٍ مع الإمام عبد العزيز بن محمد آل سعود في غزوة (مخيريق) عام ١١٩٠ هـ كما سبق.
قال ابن بشر حوادي سنة ١٢٤٣ هـ:
وفي هذه السنة أرسل تركي إلى رؤساء القصيم وأمراء بلدانه وأمرهم بالقدوم
стр. 219
إليه، فأقبل جميع أمراء القصيم ورؤسائه فقدموا عليه في الرياض وبايعوه كلهم على السمع والطاعة، وعزل محمد بن علي الشاعر عن إمارة بريدة، وجعل فيها مكانه عبد العزيز بن محمد بن عبد الله، ثم بعد ذلك بلغ تركي ما يريبه من محمد آل علي فأرسل إليه وجعله عنده في الرياض، وذلك أنه خاف على عبد العزيز منه، فلم يأذن له في العودة إلى بلده حتى قوي عبد العزيز وقويت شوكته فأذن له بالرجوع إليها (١).
وقال ابن عيسى:
في حوادث سنة ١٢٤٣ عزل تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود، محمد آل علي بن عرفج عن إمارة بريدة، وجعل مكانه عبد العزيز آل محمد آل عبد الله بن حسن (٢).
أقول: (آل) هنا معناها ابن وليس اسم أسرة.
والذي بلغ الإمام (تركيًّا) مما يريب من محمد بن علي العرفج يتعلق بكونه يعمل على أخذ الإمارة من عبد العزيز بن محمد الذي عينه الإمام تركي، وأن يستعيد هو إمارة بريدة.
ولذلك استدعاه الإمام تركي إلى الرياض وأمره بالبقاء عنده هناك.
وهنا يتدخل الإخباريون حيث أحجم المؤرخون أو جهلوا فيما حدث لمحمد بن علي العرفج في الرياض وأنه صار ينظم القصائد لأنه شاعر غزلي ويراسل أنصاره في بريدة فخشي الإمام تركي منه.
قال الإخباريون: فعينه الإمام تركي أميرًا على الجوف لأن أهل الجوف في ذلك التاريخ كانوا بعيدين عن مراكز العلم والفقه في الدين، وكانوا بعيدين
стр. 220
أيضًا عن مركز الحكم في الرياض، وقد قتلوا قبل ذلك أميرًا كان مرسلًا إليهم من الرياض، فأراد الإمام تركي - كما يقولون - أن يرسل محمد بن علي العرفج أميرًا على الجوف عسى أن يقتله أهلها فيستريح أمير بريدة وبالتالي يستريح الإمام تركي منه.
وأرسل الإمام معه مرافقين من الرياض إلى الجوف، وأمرهم ألا يسمحوا له بالدخول إلى بريدة، حذرًا من أن يحصل ما لا تحمد عقباه بينه وبين أمير بريدة عبد العزيز بن محمد.
قالوا: فلما حاذى مدينة بريدة في ذهابه إلى الجوف ومنعه الذين معه، وهم رجال الإمام من دخولها نظم قصيدة رنانة في ذلك منها قوله:
لي ديرة صوت الضحى عن أو أقرب ... وأبعد من الأمصار شوفي خياله
دار بها: أشرب يا شريبي وأنا أشرب ... وأنا يتمنى شرب دمّي رجاله
يريد أن بريدة بلده مفتوحة لاستقبال الغرباء، وأنها الدار التي يقول لسان حال من يصل إليها من الغرباء: (اشرب با شريبي وأنا أشرب) والشريب هو الذي يشاركك في الشرب من موارد المياه في الصحراء، فلا يمنعك من ذلك، ولا يحتكر الماء لنفسه دونك.
قال، إلا أنا، فإن فيها رجالًا يتمنون شرب دمي، يريد أنهم يتمنون قتله، ويريد بذلك أميرها وبعض جماعتها.
قال الإخباريون: وصل محمد بن علي العرفج إلى الجوف وهو يعرف قصد الإمام تركي من إرساله إليها، فقال لهم:
اسمعوا يا أهل الجوف لا تظنون أني جاي لكم أبي أغصبكم على تعلم الدين، وأمنعكم من الغناء والطرب، خلوكم على ما أنتم عليه من ذلك، وأنا
стр. 221
شاعر أبدع لكم من القصائد اللي تغنون بها ما ستطربون له.
قالوا: ولم يطب له المقام في الجوف، بل إنه اعتبره كالمنفى له، لأنه كان فيه بعيدًا عما كان يسعى إليه من استعادة الإمارة، وهو بعيد أيضًا من الرياض مركز الحركة والنفوذ في نجد، فأنشأ قصيدته الميمية المشهورة التي أولها:
قلت: آه، من جفن قزى، شاف الوزا ... جر هدي الليل بالبرد الصريم
وسيأتي ذكر ذلك في ترجمته في حرف العين عند الكلام على أسرته العرفج.
وعندما تحقق الإمام تركي من كونه لم يعمل كما كان يعمل الولاة الذين كان يرسلهم أمراء على البلدان من تعليم الناس أمور الدين، ومنعهم من العادات المتوارثة المنافية له أعفاه من إمارة الجوف.
فغادرها ولا ندري أأتجه منها إلى بريدة أم إلى الرياض، وتدل قصيدته على أنه ذهب إلى بريدة، ولكننا نعرف أنه بقي في بريدة حتى قتله صالح المرشد في عام ١٢٥٨ وقد ذكر المؤرخون ذلك.
قال ابن بشر في حوادث سنة ١٢٥٨ هـ:
وفيها قتل محمد آل علي شاعر بريدة المشهور، قتله بنو عمه في دم بينهم (١).
ومحمد بن علي العرفج شاعر مشهور، بل هو أحد أساطين الشعر العامي في جزيرة العرب، ذكر ذلك الشعراء في قصائدهم كما سيأتي ذكر ذلك عند الكلام على ترجمته في ذكر أسرته (العرفج) في حرف العين.
وكان له شعر سياسي معروف، وإن لم يكن كل شعره.
стр. 222
والشيء الذي ينبغي التنويه به بالنسبة إلى شعره أن له شعرًا غزليًّا رقيقًا سيأتي نقله عند ذكر ترجمته باذن الله.
أما شعره السياسي فإنه كثير ينبغي أن نذكر هنا شاهدًا منه لأن موضوع بحثنا هو ما يتعلق بالسياسة، قال في سنة بقعا التي حدثت عام ١٢٥٧ هـ مع أنه لم يكن في السلطة آنذاك، بل كان منافسًا لمن كان في الإمارة وهو عبد العزيز بن محمد آل أبو عليان، وكلاهما من فرع الحسن.
قال محمد بن علي العرفج في وقعة بقعاء:
آه من هم مكسر للضلوع ... داوي بالقلب يا مشكاي جاش
احترق جفني وعاف من الهجوع ... هاج دمع العين من موقه وشاش
غارت الدنيا وجتنا بالفجوع ... وصطت مضرابها ماجت نواش
جت على حد العلامه زود بوع ... في ثمرة القلب قلَّت بانحياش
من تدابيره مصانيم الدروع ... خيلهم عقب السهل تاطا العفاش
ما قدّر والي القدر ماله منوع ... ما كتب باللوح ما عنه انحياش
مار حكم اللي عبيده له خضوع ... عالم الجهري ولا عنه اختفى آش
يا منجي السفن في غب الطبوع ... ما تنتحي من على شاش النشاش
ثفٍّ يا قوم يبارون النجوع ... رايهم مع بدوهم ما قط عاش
خص ابن (مفعال) دوالبو الهموع ... بدلوا ذاك المنافش بانغشاش
قال: خفوا ربعكم راحوا منوع ... هيه يالقصمان ما منكم بقاش
ركب ابوسره على الصفرا اللموع ... قال: يا القصمان ما فيها مهاش
دلبحت شيخانهم مايه رجوع ... ما بهم من رد للساقه وهاش
في ركونه مثل براق لموع ... والغلب بالهندي والميدان شاش
خليت شيخانهم طرحًا صروع ... في نهار حل تقريط الكباش
واقبلوا شمر يجرون الفزوع ... مثل صولات الدبا وان جا ايحاش
مشهرين فوق حسنات الطبوع ... في نهار من بغي الشوشات شاش
стр. 223
مردفين كل عسلوج فروع ... كنهن وصف المها بيض نشاش
ردوا الفتنة لزينات الصنوع ... وردوهن وردة الذود العطاش
والحقوهن تقل من عقب جوع ... وزيّدوا بكيال زينات الحناش
ذي بحافتها والأخرى بالطلوع ... إلى قذفن السم ما جن بجراش
* * * *
ذا وفي قلبي من الفرقا صدوع ... يحسبون الشبح مسبور ابلاش
آه واويلاه ذا سابع سبوع ... لا تبين لي ولا عني خفاش
ياهل العادات ذاوقت النفوع ... شيخكم في وصطكم مار ماش
ما حسبت أنه يجي رد السبوع ... في الخميس وجن في الهيه جرى اش
افزعو للشيخ في وصط الجموع ... واقعدوا راسه بسلات النماش
كيف عقب الشيخ واجواد الربوع ... تشربون الما ولو صرتوا عطاش
كيف عقب اللي لكم لطفٍ وزوع ... تأكلون الزاد ولو زان المعاش
تحسبون الهرج في وصط الجموع ... هرجةٍ من فوق زينات الفراش
تحسبون التفاخر في الزروع ... أو تصاريف الذهب وكثر القماش
التفاخر خضبوا حدب الضلوع ... لا تحسبونه تبي تصفي على ماش
التَّلطم والتظلم والدموع ... للحريم ومثلهن ذاك الخشاش
الرجال اللي كما وصف الضلوع ... يبردون القلب من ما فيه جاش
يكشفون بكل هندي لموع ... عن صدى المكنون يجلون الغشاش
وانتن البيض حسنات الطبوع ... في هواهم كان ما من ذا جراش
إن جبرتوا كسرهن عقب الفجوع ... رششن جيوبكم في عطر شاش
رشتن في عطرهن من كل نوع ... خمرّنه للذوايب بالفراش
صلى الله على سيد الجموع ... ما هما ذوٍّ من الوسمي طشاش
وهذه القصيدة التي تتصل بالسياسة لأن (محمد بن علي العرفج) نظمها وهو
стр. 224
في الجوف عندما كان الإمام تركي بن فيصل أرسله أميرًا على الجوف من أجل إبعاده عن ابن عمه الأمير عبد العزيز بن محمد، طلبًا لهدوء الأمور في القصيم، فقال محمد بن علي العرفج يذكر ذلك ويرسل ذلولًا له من الجوف إلى بريدة.
آه وآعزّاه من جفن جفاه ... جرهدي النوم من جلد الصريم
جال عقلي اجتدلت وقمت أجول ... واتقلب واجتلد كني كصيم
ذكرن يرد الشتا عصر مضى ... لذة الدنيا وجنات النعيم
لي عتن الشبط واحمر السما ... عند اهلنا كنه ايام الحميم
لي تزحرف وقتنا فارجي الذي ... بالمناجا والعصا خصَّ الكليم
آهـ! آلا وا وحشتي وا غربتي ... مثل وحشة يونس أو غربة تميم
* * * *
لي مع الويلان هوجا فاطر لي ... من سكرها تصفق قودا هميم
ما ينوش معذره راس العصا ... للرديف محصره دوشق حشيم
كن عينه يوم عين الشمس تبدى ... يوم تقلبها كما عين العديم
المرافق والعضود وزورها ... بعد ذا عن ذاك عن هذا جسيم
كنها ذيب إلى اهرف من بعيد ... يوم شاف الشاة والشاوي عشيم
قوطرت تشبه فحل شرشوح جول ... نفضت جنحانها مثل الظليم
اسم ابوها في عمان وامها ... وسمها المغزل على فخذه يثيم
كنها والي رقت روس الطعوس ... كنها تاطا على شوك الصريم
شتت الصمان وفياض الحجر ... والعروق وربعت بأرض القصيم
صيفت واقفا الربيع وقيضت ... من حمى دخنه إلى واد النعيم
يوم جتني شبهروا به وأعجبتهم ... عذتها بالله من عين الرجيم
نضوة لي يوم تبدي حاجة لي ... مثل هذا اليوم والطارش هميم
قدم اسم الله واركبها وسِر ... يحفظك ياقاك واياها الكريم
اركبه ليلين والثالث عشاه ... عند اهل جبه ولو عقب العتيم
стр. 225
والضحا باكر وفيد تلتفت له ... من ورا متروس فخذيها مقيم
* * * *
والعشا باكر بديرة عزوة لي ... مبرمة لبتوت نقاض البريم
حي هاك الدار جاره ما يذار ... من خلاص النار ذكرة راس هيم
دارنا وبها ندلل جارنا ... جالها لمن جالها وحش وهيم
دارنا ما احلي هاشم درها ... امنا يا جعل من عقه يتيم
دارنا هي عزنا هي كارنا ... مرْجلة رجالها لو هو دميم
خصهم لي بالسلام وقل لهم ... حاير بالجوف والمرعي وخيم
حار فكري من بكم يا عزوتي ... يتبصر بالحال يا عز السقيم
ذكرتني عندكم وضحا خلوج ... عذبتني واشغلتني بالرزيم
حرة وركينها وركي صهاة ... من حليب الشول وارقاب الزميم
الخصر والجيد منها والنّسَم ... ما يدور الّا بشراب النسيم
والمكالي هاضمات والردوف مزبرات ... والقرون مذيرات ما ينوشن البريم
والثنايا الغردر ذبل والريق در ... والنهود من القدر ما لهجهن الفطيم
والترايب واللواحظ والجعد ... نور صبح ناشعه ليل بهيم
هل ترا صعب العزوم لي جميع ... وادركه ظبي الحزوم لو هو كليم
وبدواوين العرب عبر لمن اعتبر ... كل من لا ذل دل وكل من لا ضام ضيم
والتلطم والدعا والتحطم والنعا ... والتجني والتمني والتثني للحريم
ذا علم واقع في ذا الزمان ... من صدق واجهد بلى بأمر عظيم
ذا وصلى الله ما سمع من الرعد ... للنبي والآل ما لفح ريح النسيم
وقال محمد العرفج لما ضربه عبد الله الحجيلان بجناية له على صالح أبا الخيل:
هاض الغرام وباح ما كنت كامي ... ومن العباير هاض ما كان مكتوم
والتج جيش الجاش زايد غرامي ... ما كان في لاجي دجى الروح مردوم
ومن الخطا يا ناس هيض كلامي ... حيف ولا يصبر على الحيف شغموم
стр. 226
شم، لا تحامي يا قليل الرحام ... عن ديرة ظليت برباه مكلوم
دارٍ جفت لاعيانها والقطامي ... ياطاه بَهْ وطى الوطا كل محجوم
يا دار سادوا بك عيال الحرام ... والحر يا دار الخنا فيك محروم
دار به الداشر غدا له مقام ... ياخذ عليها من عمى الرأي معلوم
يا دار عيانك غدوا ارمام ... اهل الحجا يا ما غدوا فيك من يوم
قلط على حيك حمى كل حامي ... وقران عامك كالعلم عندك اليوم
رجالنا كنه من الهم سامي ... والا سقيم مسَّته سَقوة الرُّوم
والجسم مني تقل يسناه سامي ... من شاف حالي قال يا ميت مرحوم
لي ديرة القرب قرب الندامي ... ومن العباير ذربها اليوم مدقوم
لعزاك يا دار الندم والندامي ... ولعداك ألذ الشهد دايم الدوم
ما لي على يا دار حيك يحامي ... يضرب على ما يزعج المر والزوم
يضرب بمسمار على القلب حامي ... ومعزته أبعد من أمس عن اليوم
سادوا بك القابات، واهل اللقام ... وهل الثنا رجالهم تقل مسموم
فيك السحا يا دار والفار نامي ... واهل الثنا والكار يا دار لك قوم
شروي يا شم النشامى الحسام ... لا لعنبو رجل يجامل على اللوم
الحر يا صبيان وان ضيم شام ... والدرّ بالسكر مع الضيم زقوم
بار العتيق وكل حد الحسام ... بها الغضب من ضيعة الرأي مزكوم
جاكم دبور يا نشامى ولام ... واستنعج السرحان واستفرس البوم
من يوم شفت بها الجفا من عمامي ... بعت الرجا بالياس وابديت منظوم
* * * *
من بعد هذا يا ربيع اليتامي ... عنوى لاخو طرفه حجا كل مضيوم
لي شبت الهيجا وثار القتام ... وتعاقبوا فرسان الاولاد بسهوم
إلى ضرب بركن من القوم زامي ... كم راس راس عن علاييه مزموم
ريف الضيوف اللي قلاص أعيامي ... او شحشح الرعاد والزاد معدوم
عنده ربيع للنشامي دوام ... وبدكته حق للاجواد مرسوم
стр. 227
يا من لكبد الضد سم سقامي ... يا من شهر لمصطر الغوش زيزوم
ان سلتني يا شيخ عما جرام ... اخبرك مضيوم ولا نيب مرحوم
امشي بها واتلي العصي تقل عامي ... ويش السبب لي من حضر ما اقدر أقوم
لا شك ما تجنى الحذاره مرامي ... والذل يا صبيان ما فكه بشوم
وجيته وعجل لي برد السلام ... وانكر علي وقال بالحق مدهوم
قلت: الشريعه يا رفيع المقام ... قال انكعم يا ظالم الناس مظلوم
أقفوا بي العانه ودارَوا احزامي ... والما قسي عن الذي غر بلعوم
وعذره وسيع يوم كسر عظامي ... قال ان غدا للناس مع مدرج الحوم
في ديرة الغربة قريب الندامي ... ومن العياير ذربها اليوم مدقوم
لابد انا من فوق عرب همام ... نذكر محاسنكم على بزل كوم
هوارب دوارب كالنعام ... علاكم جن من صماصيم علكوم
يزمن بداوي دية ما ترام ... عنها ردي الخال جاذ ومقصوم
إما جليت الهم هو والهيام ... واحييت ذكر باول العمر مرسوم
وجليت مرّ في لجا الكبد طامي ... وطعنت بالخاطي ايمام وماموم
ولا فللرحمة وجنة مقام ... والعمر لابده ولو طال مصروم
وصل الرحيل وغردن الحمام ... بازكي صلاة لمن عن العيب معصوم
ويقول الإخباريون: إن محمد بن علي العرفج، عندما أفاق بعد الرمية سأل وهو في سكرات الموت عن الذي قتله، فذكروا أنه صالح المرشد بن فهد المرشد، فقال: الحمد لله الذي جعل قتلى على يده حتى يكفر ذلك عني خطيئة قتل والده.
أما كيفية قتله، فإنه كان خارجًا من بيته في سوق داحس جنوب جامع بريدة خارجًا لصلاة الفجر فكمن له صالح المرشد خلف ركن البيوت ورماه ببندق معه كما تقدم.
стр. 228
عبد العزيز بن محمد آل أبو عليان:
هو عبد العزيز بن محمد بن عبد الله بن حسن بن محمد بن عبد الله بن حسن بن محمد بن عليان (آل أبو عليان)، وهو عريق في الإمارة من طرفيه فجده لأبيه عبد الله بن حسن هو الأمير الشهير الثابت على ما فيه نفع البلاد والعباد كما سبق ذكره، وجده لأمه هو الأمير الحازم العادل، بل الفذ حجيلان بن حمد الذي استقر القصيم في وقته وازدهر واتسعت العمارة فيه كما لم يحدث أن حصل من قبل.
وأبوه هو الأمير محمد بن عبد الله بن حسن، وأمه هي قوت بنت الأمير حجيلان بن حمد التي سبق ذكرها.
ولاه الإمام تركي بن عبد الله إمارة بريدة، وما يتبعها من القصيم في عام ١٢٤٣ هـ، وما زال فيها إلى أن قتل مع عدد من أبنائه في الشقيقة عام ١٢٧٧ هـ أي مدة أربع وثلاثين سنة، تخللتها فترات قصيرة جدًّا خرجت منه فيها الإمارة ثم عادت إليه.
وقد شهد القصيم في عهده ازدهارًا في الزراعة والتجارة، وفي إقبال الناس على الانتقال إليه وفي ترحال أهله للتجارة مع الأمصار القريبة والعودة بعد ذلك إليه.
فكان القصيم في تلك العصور أشبه بالواحة الخضراء وسط الصحراء.
ولكن الرجل لم يكن شخصية تاريخية كما يقال فلم يكن مثل جده لأبيه عبد الله بن حسن ولا مثل جده لأمه حجيلان بن حمد، بل كان يتنازعه عاملان في حكمه أحدهما الإخلاص لحاكمي الدولة السعودية الثانية، وهما الإمام تركي ومن بعده ابنه الإمام فيصل والعامل الثاني: استقلال القصيم، وتفرده بالتصرف فيه.
وهذا ما جعل المؤرخين يصفونه بالتقلب في سياسته، أي مفهومه للسياسة وعدم الإخلاص لمن ولوه الإمارة من آل سعود.
ولا عبرة لما ذكره ابن بشر من كون عبد العزيز بن محمد من أوسط
стр. 229
عشيرته التي معناها أنه في منزلة بين منزلتين من عشيرته، فإنه كان على خلاف أكثرهم عريقًا في الإمارة، بل هو سليل أميرين جليلين منهما.
قال ابن بشر:
وكان عبد العزيز بن محمد رجلًا من أوسط عشيرته وليس له قبل ذلك قوة ولا شهرة، ولكن الإمام تركي قدس الله روحه اختاره واستعمله أميرًا في بريدة لأن أباه وجده أهل صدق مع المسلمين، وقتل جده مع المجاهدين في موقعة مخيريق.
فلما استعمله كف عنه عشيرته ومن أقواهم وأمضاهم محمد بن علي الشاعر المشهور أمر عليه الإمام تركي يرحل معه إلى الرياض خوفًا منه على عبد العزيز، فأقام محمد بن علي في الرياض مدة سنتين ولم يأذن له تركي يرجع إلى بريدة حتى قوي عبد العزيز وكثرت أمواله واشتدت قوته وقويت شوكته ورجاله، ويعد منظومة جعلها في الإمام تركي وشفاعات من رؤساء المسلمين فترقت بعبدالعزيز الأحوال، وبلغ غاية الآمال.
هذا وعين الإمام من دونه ومن وراه، خوفًا عليه من سطوة أعداه، فإن عشيرته من أشرار العشائر وأقطعها للرحم وأقدمها على اقتحام الكبائر، فإنه لما كانت البلدان فلت وزال عنها الحكم وانفلت، صاروا أشر أهل نجد بعضهم على بعض، ويسهل عليهم العهد والنقض، يتقاطعون الأرحام ولا يدارون عواقب الآثام، فمن جراءتهم واعتدائهم وسوء فعالهم أن رشيد الحجيلاني صعد على عبد الله بن حجيلان في سطح بيته وقتله، وقد أعطاه قبل ذلك العهد، ثم حصروا رشيد في بيته وأوقدوا عليه النار والبارود حتى مات ومن معه، ثم صدروا للفارس الشجاع سليمان بن عرفج وقتلوه بالسيوف في وسط السوق، ثم حربة السنان من محمد آل علي الشاعر أثبتها في فهد بن مرشد حتى ثبتت في الجدار من وراه، فما أخذوها حتى مات، ثم ذلك الشجاع محمد بن علي (العرفج) قتلوه عند باب داره فهذا شيء يسير في وقت قصير من سيرة هذه العشيرة بينهم،
стр. 230
وحلول القطيعة فيهم، نعوذ بالله من موجبات سخطه (١).
مواقف عبد العزيز بن محمد:
وربما صح القول بأن عبد العزيز بن محمد أوقفه غيره فيها أي أن غيره جعله يقف فيها، وإذًا يكون البحث في رد فعله عليها، وماذا قال فيها وماذا قيل له؟
وتلك المواقف ذكرها المؤرخون وبخاصة المؤرخ عثمان بن بشر وهي تمثل وجهة نظر واحدة في الموضوع، إذ لم نجد رواية لها من الجانب الآخر الذي هو جانب عبد العزيز بن محمد ومن كان معه، وليس معنى ذلك أننا نقول: إنها غير صحيحة، وإنما معناه أنها من جانب واحد، أوردناها هنا استكمالًا لما ذكره المؤرخون عن شخصية الرجل، ورد فعله على بعض الأحداث، ورد فعل القيادة السعودية آنذاك على فعله أو أفعاله، وسوف نسردها من دون تعليق، لأنه ليس لدينا ما ننقله عن الإخباريين فيها، إذ هي جرت خارج منطقة القصيم، ولم يتيسر من ينقلها أو ينقل مقابلها للإخباريين من أهل القصيم.
قال ابن بشر في حوادث عام ١٢٥٩ هـ بعد كلام عن خروج ابن ثنيان إلى نجد وهو معارض للإمام فيصل بن تركي، قال:
رحل ابن ثنيان من الخفس ونزل أرض سدير، فوافاه رسل عبد العزيز بن محمد رئيس بريدة يستدعوه إليه، وأعطاه العهود والمواثيق أنك تقبل إلينا ونحن لك سامعون ومطيعون، ومعك محاربون، وسبب ذلك أن بين أهل القصيم وابن رشيد العداوة العظيمة والدم المنثور، فظن أنهم إذا صاروا يدًا واحدة مع هذا الشجاع المطاع، أدرك الثأر ويأبى الله إلا ما أراد، وهو بصير بالعباد.
فلما نزل ابن ثنيان بلد المجمعة وافاه رجل من عبد العزيز يستحثه ويعجله لأنه بلغه أن فيصل رحل من الجبل ونزل الكهفة الماء المعروف،
стр. 231
فرحل من المجمعة وقصد بلد بريدة ونزل خارجها، فخرج إليه عبد العزيز وبايعه، فلما سمع بذلك رئيس عنيزة عبد الله بن سليمان بن زامل تشاوروا في هذا الأمر، وكان فيهم الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين وابنه عبد العزيز، فغلب الرأي منهم أنهم يرسلون عبد العزيز ابن الشيخ عبد الله إلى فيصل ويبايعه لهم، ويقبل به إليهم، فركب إليه عبد العزيز (١) في رجال معه فألفي عليه في الكهفة، وذكر له أنه يرحل معه إلى بلد عنيزة منصورًا ومسرورًا، فعزم فيصل على المسير، وذلك بأمر اللطيف الخبير (٢).
إلى أن قال ابن بشر بعد كلام طويل:
ثم دخلت السنة الحادية والستون بعد المائتين والألف فيها سار الإمام فيصل بجنوده من أهل القصيم والوشم وسدير والمحمل والعارض والخرج والجنوب ووادي الدواسر وغير ذلك، فقصد الأفلاج، ومعه الشيخ القاضي محمد بن مقرن وأمير بريدة عبد العزيز بن محمد، وكان عبد العزيز قد غضب عليه الإمام فيصل فأرسل إليه وقيده بالحديد وسجنه في بيت وأقام فيه مدة أشهر، ثم شفع فيه رجال من رؤساء المسلمين، فأطلقه وسار معه في هذه الغزوة (٣).
ثم قال:
وفيها أرسل الإمام متع الله به محمد بن جلاجل عاملًا في القصيم حتى ينقضي الموسم، ويقبض من عمال الخرص، ويحاسبهم، فقدم بلد بريدة، وأقام فيها أكثر من شهرين، فلما أراد الرحيل منها فإذا رؤساء القصيم وأمراؤهم أرادوا أن يفدوا إلى فيصل ويبايعونه بعد متابعة الشريف، ونزوله عندهم فأقبل مع محمد بن جلاجل رئيس بريدة عبد العزيز بن محمد، وأمير عنيزة ناصر السحيمي ورؤساء
стр. 232
بلدانهم فقدموا على الإمام فيصل في الرياض وبايعوه، ثم قدم عليه عبد العزيز ابن الشيخ عبد الله أبا بطين ولي بيت مال القصيم فأكرمه الإمام وأعطاه حصانين (١).
وقعة بقعا على أهل القصيم:
وقعة (بقعا) هي أولى الوقعات الكبيرة على أهل القصيم جميعهم، وقد ذكرها الإخباريون وأولهم ابن بشر ﵀، وذكر سببها عنده وهو غزو أناس من عنزة وهم من أتباع أهل القصيم أو حلفائهم على أناس من شمر وهم أتباع ابن رشيد حاكم الجبل وهو مدينة حائل وما يتبعها.
قد يكون هذا هو السبب الظاهر، ولكن السبب الأساسي غير هذا كما ذكره لنا الإخباريون الذين كثيرًا ما تكون في جعبتهم أخبار أوضح أو أدنى للعقل مما لدى المؤرخين بحكم كون المؤرخين من خارج منطقة القصيم وكثيرًا ما يتناولون الأمور حسب أخبار أو إفادات تصل إليهم من أناس لم يعرفوا الأمور على حقيقتها.
يقول الإخباريون: إنه بعد أن رحَّل الأتراك الذين يراد بهم في نجد الجنود المصريون الإمام فيصل بن تركي عن نجد بالقوة وأخذوا معه بعض اخوانه وأسرته حملوهم من نجد إلى المدينة المنورة في عام ١٢٥٤ هـ فمروا بهم على المدينة المنورة ثم ذهبوا بهم إلى مصر، فأرجف بأن الدولة السعودية التي هي الثانية قد انتهت برحيل الإمام فيصل بن تركي وأنها لم تقم لها قائمة، والذين لم يعتقدوا ذلك عرفوا أن الإمام فيصل رحل من نجد قهرًا عنه وأبقي في مصر.
ومن أولئك أهل القصيم فاجتمع أهل القصيم أو من يمثلون أكثريتهم وهم أهل بريدة ومن يتبعونها من سائر القصيم الذين رئيسهم جميعًا عبد العزيز بن محمد آل أبو عليان وأهل عنيزة الذين رئيسهم أميرها ابن سليم على أن يكونوا
стр. 233
يدًا واحدة على من حاربهم، بل على من ناواهم، وكان أهم من في أذهانهم من أولئك آل رشيد في منطقة حائل.
فصاروا يتلمسون كيف يلقنون ابن رشيد درسًا وهم على ما هم عليه من كثرة في الرجال ووفرة في الأموال، بالنسبة إلى أهل نجد.
وقد حدثنا الإخباريون عن الازدهار الذي كان في القصيم في تلك الفترة بالنسبة إلى سائر نجد وبخاصة جنوبها الذي لو لم تكن لهم من مصيبة إلا مصيبة ترحيل الإمام فيصل بن تركي رأس الدولة المعروف بحلمه وأناته وبعده عن الظلم لكفت، فكانت واقعة غزو أمير حايل ومن معه من شمر وأهل الشمال على عربان عنزة حلفاء أهل القصيم مبررًا فيما رآه أمراء القصيم الذين على رأسهم عبد العزيز بن محمد.
وعندما عزم على غزو حايل بلغ ذلك الشيخ سليمان بن علي المقبل قاضي بريدة فاستنكره اشد الاستنكار، وأعلن من منبر المسجد الجامع في بريدة ذلك لأنه خطيب الجامع ولو لم يصرح باسم الأمير عبد العزيز بن محمد، وإنما قال: الفتنة راقدة الخ.
وقد ذكرت ذلك في (معجم بلاد القصيم) (رسم بريدة) وبينت ما يتعلق بهذه المسألة مما لا أرى داعيًا لإعادته هنا، وربما يأتي الكلام عليه في ترجمة الشيخ سليمان المقبل في حرف الميم.
أما الوقعة نفسها فإن الهزيمة حلت فيها بأهل القصيم، وقتل فيها منهم جماعة منهم أمير عنيزة يحي السليم.
ويقول أهل القصيم: إن سبب الهزيمة أن عربان عنزة الذين كانوا معهم قد تخلفوا عنهم عندما احتدمت المعركة، بل ذكروا ابن مجلاد من شيوخهم بالاسم وقالوا: إنه نادى بأعلى صوته (يا القصمان ترى ما فيها مهاش) أي لا مجال للحرب.
стр. 234
وكان أهل القصيم يعتمدون على خيالة عنزة في مقاومة خيالة شمر، لأن أهل الحضر كانوا من جنود المشاة والرماة.
وقد قيل في ذلك أقوال رواها أهل القصيم ذكروا أنها سبب هزيمتهم في (بقعا) وهي أن أمير حائل أرسل سرًّا إلى كبير قبيلة عنزة وقال له ما معناه: إنه إذا انتهت الحرب عاد راعي بريدة إلى بريدة وعاد راعي عنيزة إلى عنيزة، وكلّ تحصن في ديرته واعتبر أن الحرب قد انتهت، أما بالنسبة إلينا وإليكم فإن الأمر مختلف، إذ نحن من أهل البادية التي لا غنى لها عن طلب المرعي والاحتكاك بعضها ببعض، فالأولى أن تكفونا شركم وتأخذوا كذا وكذا، مبلغًا من المال بالذهب - كما روي رواة أهل القصيم - وتتركوننا والحضران أهل القصيم.
قالوا: فأثمر ذلك وكان سبب تخلف بعض شيوخ البادية عن الاستمرار في الحرب.
قال الإخباريون: وكانت الوقعة في زمن الحر، فتفرق أهل القصيم في نخيل بقعا يبحثون عن الظل والماء وتركهم أهل حايل وأهل الحضر ومن معهم من أهل البدو الذين يتبعون أمير حائل حتى عرفوا أنهم تفرقوا في النخيل ثم هجموا عليهم بالبنادق، واعترضت الخيل على من أراد الهرب، فكانت مقتلة عظيمة على أهل القصيم كلهم ممن اشتركوا في هذه الوقعة.
وهذا ما ذكره المؤرخ ابن بشر ﵀ عن وقعة بقعا، قال:
وقعة بقعَا على أهل القصيم:
وفي جمادى الأولى جرت الوقعة العظمى والحادثة الكبرى بين أهل القصيم وأتباعهم من عربان عنزة وبين عبد الله بن علي بن رشيد وأتباعه من عربان شمر وحرب وغيرهم، وذلك أنه لما رحل عبد العزيز أمير بريدة وعبد الله بن رشيد من الرياض وكلٌّ قصد بلده كما سبق بيانه، أغار غازي بن ضبيان رئيس عربان الدهامشة على عربان ابن طوالة من شمر، وهم نازلون
стр. 235
في الشعيبات الماء المعروف في أرض الجبل، فأخذهم ومعهم إبل كثيرة لأهل الجبل، وكان غازي من أتباع أهل القصيم، فركب عبد الله بن رشيد بجنوده وأغار على غازي فأخذ منهم إبلًا كثيرة، فغضب لهم أمير بريدة وانتدب لحرب ابن رشيد، وكان أهل القصيم متعاقدين على حرب كل عدو يقصدهم بعداوة، فأجمعوا على حرب ابن رشيد، فركب يحيى بن سليمان بجنود كثيرة من عنيزة وأتباعها، وركب عبد العزيز بأهل بريدة وجميع أهل القصيم، واجتمعوا على بقيعا (١) نحو ستمائة مطية ومعهم غازي بن ضبيان وأتباعه، وقاعد بن مجلاد وأتباعه من عنزة، وابن صبر من السلاطين والصقور من عنزة، وسار الجميع من بقيعاء (٢) فأغاروا على وجعان الرأس من شمر، فأخذوا منهم أموالًا كثيرة من الإبل والإثاث والأغنام، فلما أخذوا هؤلاء العربان قال يحيى لعبد العزيز لابد أن نرجع على هذا النوماس، فحلف أنه ما يرجع حتى يقاتل ابن رشيد (٣).
قول غربي:
أخبرنا الأشياخ كبار السن والإخباريين أنه عندما انتهت الوقعة الرئيسية بين أهل القصيم وأهل حائل وكان الوقت قيظًا جعلت طوائف من أهل القصيم تقيم متفرقة في ظلال النخل والأشجار عن الحر، فصار أهل حائل يتتبعونهم ويقتلونهم لأنهم كانوا متفرقين، وإن كانوا مسلحين ويدافعون عن أنفسهم حتى يقتلوا هذا هو المشهور المعروف غير أنني رأيت رواية لهذه الحادثة في كتاب مستشرق ألماني اسمه: (البير سوسين)، ذكرها في كتابه الذي تعريب عنوانه (ديوان وسط الجزيرة العربية) وهو بالألمانية، وقد عاش المذكور في القصيم فترة طويلة ذكر ما ننقله بالعربية نقلًا عن لفظ العوام وأن الشاعر الأمير محمد
стр. 236
بن علي بن عرفج قال في ذلك قصيدة.
قال البيرساسين:
راعي بريدة (١) عبد العزيز بن محمد أمير القصيم غزا على ابن رشيد عبد الله وعبيد أمراء الجبل ونزل بقعا وتلقى هو وابن رشيد وصار بينهم ذبحة بقعة وانكسروا أهل القصيم والدنيا بالقيظ ولحقهم عطش وتخفوا في صبران نخل بقعا يجيء أربعمائة زلمة من غزو أهل القصيم، وجاءهم عبيد بن رشيد ودلّي يصيح لهم تعالوا أزملكم وأصَمِّلكم (٢) وعلى هذا عهد الله وأمان الله والخائن يخون به الله، فطلعوا عليه من الصبران وجاءوا إلى يمِّه كلهم وخان بعهد الله وذبحهم كلهم صبرًا وجاب فيه محمد بن علي قصيدة وغزوا عليه عقبها بستة أشهر، وأخذوا الشجعان من ديار ابن رشيد ونهبوا حلالهم ونبحوا رجالهم وردوا إلى القصيم:
هيهي يا راكبًا حمرا فريع ... عليها التي من نبت العدام
من بريدة تعلوطها سريع ... واربع الرأس وخذ مني كلام
خصهم كنّهم وانخ الجميع ... من قصيبة إلى صبيان بام
شبوا الحرب وايتموا الرضيع ... تصل أذكاركم شرقًا وشام
جردوا مرهفات لها لميع ... والفرنجي وقولوا يا سلام
خل برقها ينوض بكل ريع ... وأنت يا شيخنا ذروة سنام
بس اريدك لمطلوبي تطيع ... إلى أن أخلّي حريبي ما ينام (٣)
стр. 237
ماذا لو كان الإمام موجودا ؟
حدثت وقعة بقعاء عندما كان الإمام فيصل بن تركي في مصر قد فرضت عليه الإقامة الجبرية هناك.
ولذلك كان السؤال: ماذا لو كان الإمام فيصل بن تركي موجودا.
والجواب بدون تردد: أنه لن تكون هناك مثل وقعة بقعاء لأن الإمام لا يرضى أن يبادر أحد من رعيته إلى قتال الآخرين منها.
ولا شك في أن أهل القصيم لم يكونوا على علم بموعد خلاص الإمام فيصل من الأسر في مصر، بل ربما ظن بعضهم، وهذا هو الأرجح أنه لن يتمكن من العودة، وذلك لقلة المعلومات، وغياب مصادر الأخبار، ففكر أهل القصيم أنه في ظل غيابه لا ينفعهم ويرد غائلة من قد يفكرون في الهجوم عليهم أو على رعاياهم إلا بان يبدؤهم بالحرب والقتال.
ويتضح ذلك من كون أهل عنيزة قد انضموا إلى أهل بريدة وسائر القصيم في هذه الوقعة لأنهم اعتقدوا أن ذلك سيكون أفضل القصيم على وجه العموم.
قال ابن بشر في حوادث سنة ١٢٦٧ بعد أن ذكر أن عبد العزيز بن محمد تابع شريف مكة ووثق به على أشياء، وأن الشريف قد رجع عن ذلك وقد شفع لعبد العزيز بن محمد لدى الإمام فيصل، قال:
فما زال الشريف يتودد إلى فيصل ويشفع لعبد العزيز أن يرده أميرًا في بلاده ولا عليه بأس، ولا له أمر ولا نهي على أحد من الناس، فسمح له بذلك، وأنه يركب مع جلوي غازية إلى قطر، فرحل جلوي بغزو أهل القصيم، وعبد العزيز معهم، وذلك في أول ربيع الأول من السنة السابعة والستين، فقدموا على فيصل في العريق فأنبه الإمام على ما مضى منه، من قطع الإمام ومنابذة جماعة أهل الإسلام، فما أجاب إلا بالاعتراف وأن له بما ذكرنا اقتراف، ولكن
стр. 238
يطلب العفو والمسامحة، فعفا عنه وسامحه، فأقام معه حتى قفل من قطر، ووفى له بما وعده صغيرًا وكبيرا واستعمله في بلده أميرًا (١).
أما سبب اتصال عبد العزيز بن محمد بشريف مكة فهو أن العلاقات كانت رديئة بين شريف مكة الشريف بن عون وهو الحاكم فيها وبين الإمام فيصل، فاتصل الأمير عبد العزيز بن محمد بشريف مكة وذلك في ظننا لغرضين أو لأحدهما وهما هنا أنه إذا حصل على عبد العزيز بن محمد شيء من الإمام فيصل بن تركي مثل عزل أو ضغط أو نحوهما كان له فرصة الذهاب إلى مكة.
والثاني: تقوية موقفه أمام الإمام فيصل إذا كانت له علاقة قوية مع الشريف وسبق أن زار عبد العزيز بن محمد شريف مكة وأقام هناك مدة.
وكان الإمام فيصل يسعى إلى تقوية علاقاته بالشريف دفعًا لشر يأتيه منه وذلك أن الشريف خرج غازيا إلى نجد ووصل القصيم.
ثم حسنت علاقة الشريف بالإمام فيصل، فلم يبق ما كان يريد (عبد العزيز بن محمد) من اتصاله بالشريف.
ونورد شاهدًا على تضاءل قدر أمراء نجد بعد نقل الإمام فيصل إلى مصر بجواب كتاب موجه لأمير حائل عبد الله بن رشيد الذي وصفه الكتاب بأنه أمير شمر، ومضمونه إجابة خورشيد باشا له على طلب كان تقدم به أي أمير حائل، إلى خورشيد بالإذن له بالحج وفيه يتهكم به بقوله: (فأرسل رشيد الجبر يحج عنك).
وهذا نص الكتاب (الرسالة) وهو مكتوب بالعربية، مع نقله إلى حروف الطباعة.
وتاريخه في ٢٦ رمضان عام ١٢٥٥ هـ.
стр. 239
ونقله بحروف الطباعة:
стр. 240
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من خورشيد باشا سر عسكر نجد إلى عبد الله ابن رشيد أمير شمر:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
وصلنا جوابك وبه تذكر أنك تبي إذن لتروح تحج بيت الله الحرام، فالذي نعرفك به أنه الآن كلانا في خدمة أمة سيد الأولين والآخرين فلو يكون في سعة وفضا من الخدمة نحنا كنا أولى بالحج ونتوجه على العمانيات والخيول المشوصات ثم من بعد الحج نرجع إلى مدينة خير الأنام لنحظى بالروضة وذاك المقام، ولكن إن الله تعالى الكريم لابد ما نبلغ المقصود ونعم إنه كان مقصدنا نرسلك مع الرحلة إلى مكة ليزداد شرفك على الغير، إلَّا أننا لما نعلم أن أهل نجد جميعهم أحباك وبعد أن كنت تتوجه تريحوا أهل الجبل كثير وإنما إذا كنت رأيت في المنام أنك تحج هذا العام وصار لك شوق للحج فأرسل رشيد الجبر يحج بدلا عنك، وأما طلبك الحج في وقت الخدمة فلا نريد إلا حكي وتأخذ منا حكي وفرض الحج لمرة واحدة، وأما أنت يلزمك أربعين مرة حتى تمحى الذنوب والسلام.
(٢٦ ن ١٢٥٥ هـ).
ومما سبق ذكره أن (خورشيد باشا) هذا هو الذي اضطر الإمام فيصل بن تركي إلى أن ينتقل إلى مصر، تاركًا نجدًا وأهلها مع أنه كان إمام المسلمين فيها وذلك في عام ١٢٥٤ كما سبق، وقد سافر بالفعل إلى مصر، وبقي فيها نحو خمس سنين، ثم عاد إلى نجد. ـ
стр. 241
الأمير عبد المحسن بن محمد:
الأمير عبد المحسن بن محمد هو أخو الأمير عبد العزيز بن محمد آل أبو عليان استعمله الإمام فيصل بن تركي على بريدة أي ولاه إمارتها وما يتبعها عندما غضب على أخيه عبد العزيز بن محمد.
قال ابن بشر في حوادث سنة ١٢٦٦:
كان عبد العزيز أمير بلد بريدة، لما أقبل الإمام فيصل بجنود المسلمين داخله الوجل والخوف لأجل ما سلف منه من النقض والحرب المتقدم ذكره، فأمر أهل بلده بالتجهز للمغزا، وتجهز معهم، فلما خرجوا قاصدين الإمام، صرف ركائبه وخيله وقصد الشريف ابن عون في مكة، وكان قد تأهب لذلك، وخرج بخيله وركابه وأولاده، وترك نساءه وأمواله ونخيله وأدباشه.
فلما علم فيصل بذلك رحل بالمسلمين ونزل بريدة فوافاه عبد العزيز بن الشيخ القاضي عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين فأضافه ومعه رؤساء المسلمين، فاستلحق الإمام إخوان عبد العزيز وقال لهم: إن أخاكم هرب من البلد بلا سبب أتاه منا ولا من طوارفنا والآن ليس في ذمة الإسلام والمسلمين منه شيء، فخافوا على أمواله وأجابوه وتلطفوا له بالقول وقالوا: عادتك الصفح والإحسان لمن أساء، وقد جرت عادة الله لك فيمن أحسنت إليه، وكفر إحسانك أنه لا بد أن يكون في قبضتك جالس بين يديك على أمرك، فترك الإمام سلمه الله تعالى لهم جميع أمواله الداخل منها في البلد والخارج عنها، واستعمل في بريدة أميرا أخاه عبد المحسن.
стр. 242
ووجدت ذكرًا لأخ لهما اسمه عبد الرحمن آل محمد يدل تصرفه في كتاب أرسله إلى سليمان السعوي أنه في السلطة، وأنه يتصرف بناء على قربه من أهلها.
ونص الكتاب:
"بسم الله
من عبد الرحمن آل محمد إلى سليمان السعوي.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
خَرَّج على عبد الرحمن الحنيشل مائتين وزنة (تمر) وهن من النصف
стр. 243
اللي الشيوخ، وأنت سالم والسلام.
١١ رمضان سنة ١٢٦٠ هـ
الختم
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
فالشيوخ: اسم للحاكم الكبير وهو هنا أمير المنطقة، الذي هو عبد العزيز بن محمد آل أبو عليان، وهي كامة باقية حتى الآن عند العامة.
وقوله: خَرَّج, بصيغة الأمر معناها: اعط عبد الرحمن بن حنيشل أو أوصل إلى ابن حنيشل ما ذكره وهو المائتا وزنة من التمر.
стр. 244
عودة الأمير عبد العزيز بن محمد إلى الإمارة:
عاد الأمير عبد العزيز بن محمد إلى إمارة بريدة وما يتبعها من القصيم، وصار أخوه عبد المحسن بمثابة النائب له إذا غاب عن بريدة.
وقعة اليتيمة:
وقعة اليتيمة على لفظ تصغير اليتيمة، وذلك أن أهل ذلك الزمان يسمون الرملة المنقطعة عن الرمال الأخرى اليتيمة - بالتكبير وهذه أسموها اليتيمة بالتصغير - على اعتبار أنها صغيرة.
وهذه الوقعة هي إحدى وقعتين كبيرتين، وقعتا على أهل بريدة هما (اليتيمة) و (بقعا) والأخيرة كانت على أهل القصيم مجتمعين اشترك فيها أهل عنيزة وأهل بريدة وسبق ذكرها وهي وقعة بقعا، وهذه هي وقعة اليتيمة بعدها.
وقد رضي الإمام فيصل بن تركي على الأمير عبد العزيز بن محمد وأعاده إلى إمارة القصيم.
وفي هذه الأثناء حصلت وقعة اليتيمة الشهيرة على أهل بريدة، وكانت في عام ١٢٦٥ هـ.
وملخص ما ذكره لنا أشياخنا من الإخباريين المسنين، وبالدرجة الأولى والدي عن عمه عبد الله بن عبدالكريم العبودي وكان شيخًا معمرًا ذكر والدي أن عمره زاد على مائة سنة، وأنه كان أدرك وصول إبراهيم باشا إلى نجد، ويذكر وجوده قرب بريدة بعد حرب الرس، وقد أدركت أنا ابنه الوحيد عبدالكريم بن عبد الله العبودي شيخًا قد خلف ابنتين، وليس له أبناء، وبذلك انقطع نسل هذا الفرع من الأسرة.
قال والدي: حدثني عمي وغيره ممن حضروا وقعة اليتيمة أو خبروها أن أهل بريدة بلغهم أن الأمير عبد الله بن الإمام فيصل بن تركي قد عدا على
стр. 245
ملحقات بريدة وأخذ إبل قبيلة عنزة في الطرفية، وأنه قادم إلى بريدة ليهاجمها، وقبيلة عنزة هذه هي حليفة لأهل بريدة ولأهل بريدة معهم إبل، ثم أقبل يريد مهاجمة بريدة كما بلغهم.
قالوا: فنفر الناس لقتاله بشكل غير معتاد، وبسرعة عظيمة حتى إن القصاب أخذ معه الفأس الذي كان يقطع به اللحم، والنجار أخذ القدوم الذي ينحت به الخشب، والخراز أخذ السكين التي يستعملها في تقطيع الجلد، ونفروا لملاقاته من أجل صده عن دخول بريدة، ومن أجل افتكاك الإبل التي أخذها من عنزة.
هذا إلى جانب المسلحين بالبنادق والرماح وظنوا بأنهم سيواجهون رجالة مثلهم، وكانوا جمعا عظيما عندما رآهم عبد الله بن فيصل ومن معهم عرفوا أنه من الصعب عليهم مواجهتهم فاستشار عبد الله بن فيصل كبار الذين معه وكان من بينهم ابن بصيص شيخ بريه من مطير فأشار عليه أن يرسل الإبل التي غنمها من عنزة وهي كثيرة العدد جهة غزو أهل بريدة، وذلك من أجل أن تشيع الاضطراب بينهم وأن يعمي غبارها عيونهم، وأن تخبط بعضهم.
قالوا: ففعل ذلك إذ ساقوا الإبل نحوهم وتعقبها الفرسان من أهل الخيل الذين معهم بأيديهم الرماح ينخسون بها الإبل يحثونها على سرعة السير إلى جهة أهل بريدة من جميع الجهات، وإن هذه الخطة نجحت إذ تخبطتهم الإبل وأصابت كثيرًا منهم، والذي لم تصبه ملأت عينيه غبارًا وترابًا، بما أثارته من الأرض إذ اتجهت نحوهم مذعورة بسبب وخز الرماح في أواخرها.
قالوا: فكان هذا أول الفشل، إذ بدأ بعضهم بالفرار هربا من الإبل وطلبًا للنجاة، وعندما رآهم الأمير عبد الله بن فيصل كذلك أمر أصحابه بتعقبهم ووضع السيف فيهم، ورميهم بالبنادق حتى يقتلوا أكبر عدد يستطيعون منهم.
هذا ما سمعناه من المشايخ الإخباريين، أما ابن بشر فإنه ﵀ ذكر أن هذال
стр. 246
بن بصيص رئيس بريه أشار على عبد الله الفيصل بعكس ذلك، وأنه قال له: إننا أخذنا هذه الغنائم من الإبل من عنزة وإننا نرى أن نترك أهل بريدة ولا نقاتلهم.
قال ابن بشر فأجابه عبد الله الفيصل بقوله: لابد أن يطأهم جيشنا، وتجول عليهم فرسان خيلنا، حتى يحكم فينا وفيهم ربنا.
ويلاحظ المرء أن الأمير عبد الله بن فيصل لم يأخذ بأمر والده الذي هو إمام المسلمين في عدم قتال أهل القصيم، فضلًا عن أن يتعقبهم، كما قال ابن بشر وهو يتحدث عن عبد الله بن فيصل:
فاجتمع الجيش المأمور عليه من النواحي، ومن أهل الرياض ورجال الإمام وخدامه، فلما أرادوا الركوب أوصاه أبوه فقال له: إن أهل القصيم قد صدر منا لهم أمان لما أرسلوا إلينا أنهم قد ندموا على ما فعلوا، فإياك أن تتعرض لهم ولطوارفهم ولا لأحد من المسلمين، فركب الولد الشجاع، والسيف الصارم القطاع، عبد الله بن الإمام بجميع من معه من سرية أهل الإسلام وركب معه الشيخ القاضي عبد الله بن جبر، فوافاه في مسيره إبلا وقافلة لأهل القصيم فتركها، نزل بساحة العرب وهيا جموعه ليغير عليهم وجدهم منتذرين وقد هربوا عنه فحقق الغارة عليهم فلحقتهم الخيل وسباق الركاب على بعد، فأخذوا أغنامهم وأثاثهم وشيئا من إبلهم وقتلوا عليهم رجالًا، فلما رجع بالغنائم وورد الماء (١) وجد عليه أعرابا من عنزة ليس لهم علما بالأمر فشن عليهم الغارة وأخذهم، فهرب رئيس العرب وقصد عنيزة واستصرخ عبد العزيز وجنوده وهو فيها.
فصاح بقومه واستفزعهم، وخص على رجال من أهل البلد وأخرجهم، وقال لهم: متى يحصل لنا هؤلاء في فلاة من الأرض، وقد امتلأت قلوبنا لهم من البغض، والجيش الذي مع عبد الله نحو ثلاثمائة مطية فنفر من عنيزة بجيش وعدد
стр. 247
كثير يضيق منه الفضاء ويحطم ما وطاه ولأمر ما قدره الله للمسلمين وقضى، وتلك الجنود التي هي شوكة بلدان القصيم نحو ألف وخمسمائة رجل (١).
وحدثت في هذه الموقعة قتلة عظيمة قتل فيها من أهل بريدة جماعات كثيرة فيهم أعيان مثل علي بن ناصر (السالم) وسعد التويجري وفيهم أناس من سائر الناس، وقل أن يوجد بيت لم يقتل منه أحد ممن حضروا الوقعة، وإنما سلم من لم يحضروها وأخبرونا أن بيتنا وهو بيت جد والدي عبد الكريم بن عبد الله العبود (ي) قتل منه اثنان أحدهما عم والدي ناصر بن عبد الكريم العبودي والثاني خاله عبد العزيز بن محمد بن سيف.
وسمعت والدي في مناسبة من المناسبات يحدث عن والده جدي المباشر عبد الرحمن بن عبد الكريم العبود (ي) قال كنت بعد وقعة اليتيمة شابًا غريرًا فطلبت مطلبًا من أمي طرفة بنت محمد السيف، وألححت في ذلك، فقالت لي: أنت أوذيتني وأنا جايني علم ولدي ناصر وأخوي عبد العزيز أنهم مذبوحين في اليتيمة.
أقول: هذا الذي حدث من الأمير عبد الله بن فيصل حدث رغم أمر والده له بعدم التعرض لأهل القصيم ولا لطوارفهم ولا لأحد من المسلمين، وقد تعرض لطوارفهم المكانية فأغار على الطرفية التي لا تبعد عن مدينة بريدة القديمة إلا بنحو ٢٨ كيلومترا، وتعرض لطوارفهم القومية أو القبلية بإغارته على أناس من قبيلة عنزة التي هي أقرب القبائل من أهل بريدة.
قال ابن بشر:
الولد الشجاع النجيب والفارس الشعشاع المهيب، صار هو الأول وهو الذي عليه في هذا الحرب المعول، فشجع المسلمين ونخاهم وأمرهم ونهاهم، فأتى إليه رجال من رؤساء القوم، فأشاروا بالرأي السديد وهو عنوان التوفيق
стр. 248
من الله والتسديد أنهم يجمعون ما معهم من الإبل، وتسوقها عليهم الخيل والمقاتلة في أثرهم، فيدهمونهم بالإبل والخيل المقاتلة جميعا، فأجمع رأيهم على ذلك فركب عبد الله وانتهض وشمر وجال في ميدان الوغي وهلل وكبر وتحركت منه غيرة الغضب، واشتعل واهج الحمية في جأشه والتهب فحمل حملة عظيمة بقلب ثابت وقوة وعزيمة، وحف به المسلمون من كل جانب، والله معهم ومن كان الله معه فهو الغالب، فتوجه إليهم باذلا نفسه ورجاله مع أهل نجدة من شجعانه وأبطاله، فكان هو الأقدم، وكل من رآه أحب أن يتقدم، فكرّ عليهم والمسلمون كرة واحدة، كأنهم أقبلوا للسلام أو دعوة إلى مائدة فغابت عنهم الشمس قبل وقت غيوبها وأظلم بحالك الغبار شمالها وجنوبها، فوطأهم المسلمون كأنهم لا يرون ولا يسمعون، فلم يقفوا لهم حين سمعوا ضرب الهام، وحامت عليهم حوائم السام، حتى ولوا منهزمين، وعلى وجوههم هاربين، وذهل الوالد منهم عن ولده، والمنهزم أشفق على السلامة فرمي ما بيده، واستمر الضرب والطعن في أقفيتهم بعد أن كان في صدورهم، وانتقل القتال من نحورهم إلى ظهورهم، فلم تر إلا رؤوسًا مقطوعة وأسلابًا منزوعة وأشلاء مطروحة وجلودا مجروحة، فلم ترجع عنهم خيل المسلمين ورجالهم وأبطالهم حتى قتلوا فيهم قتلًا ذريعًا (١).
ثم ذكر ابن بشر شيئا غير معقول ولا تقره الوقائع المعروفة، وهو أن عبد العزيز بن محمد خرج من عنيزة بجيش وعدد كثير يضيق منه الفضاء، ويحطم ما وطئه، لولا ما قدره الله للمسلمين وقضى، وتلك الجنود التي هي شوكة بلدان القصيم نحو ألف وخمسمائة رجل، فهل يعقل أن يطيع أهل عنيزة، وهم المستقلون عن بريدة في قديم الزمان وحديثه عبد العزيز بن محمد أمير بريدة بأن يرسلوا معه جيشا يضيق به الفضاء ثم قوله إن ذلك الجيش هو شوكة
стр. 249
بلدان القصيم، مع أنه لم يكن إلا على أهل بريدة.
ولكن الظاهر أن ابن بشر أراد أن يبرر فعل الأمير عبد الله الفيصل بذكره هذه الجموع الوهمية التي خرجت من عنيزة لقتاله.
لاسيما أن والده الإمام فيصل بن تركي كان نازلا في مكان بين عنيزة والمذنب ولا يمكن أن يحصل جمع هذا الجيش الذي يضيق به الفضاء في عنيزة بدون علمه، وبدون أن يصنع شيئا لمنعه.
ثم ماذا يقول ابن بشر في المشورة التي نقلها عن الذين كانوا مع الأمير عبد الله الفيصل ومؤداها أنهم يتجاوزون جيش أهل بريدة ويتركونه وأنهم إن لحقوا بهم قاتلوهم وإن لم يلحقوا بهم كان ذلك أفضل.
والرأي الآخر الذي ذكره ابن بشر أيضا عن كبير العربان الذين مع عبد الله بن فيصل بعد أن سلط إبل عنزة على غزو أهل بريدة فردتهم عنه بأن يتركهم، ولكنه كان يصر على قتالهم وقتلهم.
والعجيب من ابن يشر كيف يثني على الأمير عبد الله الفيصل هذا الثناء العاطر لإصراره على القتل الذي نهاه عنه والده الإمام فيصل الذي يمكن تلافيه، وكيف يصف جنوده وحدهم بجنود المسلمين على حين أن الذين يقابلونهم هم مسلمون أيضًا.
ثم قال ابن بشر:
رجعنا إلى تمام قصة أهل القصيم، ولما وصل عبد العزيز بلد عنيزة أمر أصحابه وأهل البلد يعرضون ويلعبون ويغنون، وهو يشجعهم للحرب والقتال، وليس على ما أظهر وقال، ولكن التشجيع بعد الذل يخذل من همم الرجال، فتقاعس عنه الناس ولا رفعوا لأمره ونهيه رأس، وكان قد كتب إلى أخيه
стр. 250
عبد المحسن في بريدة أن سعد التويجري وعلي بن ناصر وفلان عد أكثر من العشرة تخلفوا عنا في الهزيمة وندخلوا البلد فألزمهم يأتون إلينا كل هؤلاء العدد، فكتب إليه أخوه عبد المحسن إني إذا نصحتك أو خالفتك في شيء من الأمر قلت لي: أنت مجنون، وهذه الرجال الذين أنت عددتهم كلهم، في المفازة صرعى، هربت وتركتهم، ونجوت بنفسك وأسلمتهم، فحقك عليهم بالأمس مضى، واليوم نفذ فيهم حكم القضاء، وحقهم عليك تدفن أجسادهم وتعزي أولادهم، ثم بعد ذلك اختلط عليه رأيه وتدبيره، وكثر عاذله ومثيره (١).
ثم ذكر ابن بشر ﵀ بعد ذلك أن عبد العزيز بن محمد لم يكن له وجه يواجه به الإمام، فأشار عليه إخوانه وأولاده ورؤساء قومه، وقالوا: إن هذا الإمام حليم وكريم وعادته العفو والصفح فاجلس في بلدك ودعنا نركب إليه ونجلس بين يديه فلعله يعفو عنك ويسمح.
فركب أخوه عبد الرحمن ومعه أولاده ورؤساء قومه إلى الإمام فيصل.
إلى أن قال ابن بشر:
وضمن له - أي للإمام فيصل - أولاد عبد الله بن محمد وأخوانه عبد المحسن وعبد الرحمن على عبد العزيز جميع المخالفات والحادثات وبذلوا للإمام الأموال والسلاح والخيل العتاق واتبعوا ذلك بالعهود والميثاق، فسمح الإخوانه وولده، وجعله - أي عبد العزيز بن محمد - أميرا في بلده (٢).
هكذا ذكر ابن بشر مع أنه لم يذكر قبل ذلك أن الإمام فيصل كان عزل عبد العزيز بن محمد عن الإمارة.