← Ансаб

Ансаб · id 147374

معجم أسر بريدة

محمد بن ناصر العبودي

Полный текст (11 097 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

بن بصيص رئيس بريه أشار على عبد الله الفيصل بعكس ذلك، وأنه قال له: إننا أخذنا هذه الغنائم من الإبل من عنزة وإننا نرى أن نترك أهل بريدة ولا نقاتلهم. قال ابن بشر فأجابه عبد الله الفيصل بقوله: لابد أن يطأهم جيشنا، وتجول عليهم فرسان خيلنا، حتى يحكم فينا وفيهم ربنا. ويلاحظ المرء أن الأمير عبد الله بن فيصل لم يأخذ بأمر والده الذي هو إمام المسلمين في عدم قتال أهل القصيم، فضلًا عن أن يتعقبهم، كما قال ابن بشر وهو يتحدث عن عبد الله بن فيصل: فاجتمع الجيش المأمور عليه من النواحي، ومن أهل الرياض ورجال الإمام وخدامه، فلما أرادوا الركوب أوصاه أبوه فقال له: إن أهل القصيم قد صدر منا لهم أمان لما أرسلوا إلينا أنهم قد ندموا على ما فعلوا، فإياك أن تتعرض لهم ولطوارفهم ولا لأحد من المسلمين، فركب الولد الشجاع، والسيف الصارم القطاع، عبد الله بن الإمام بجميع من معه من سرية أهل الإسلام وركب معه الشيخ القاضي عبد الله بن جبر، فوافاه في مسيره إبلا وقافلة لأهل القصيم فتركها، نزل بساحة العرب وهيا جموعه ليغير عليهم وجدهم منتذرين وقد هربوا عنه فحقق الغارة عليهم فلحقتهم الخيل وسباق الركاب على بعد، فأخذوا أغنامهم وأثاثهم وشيئا من إبلهم وقتلوا عليهم رجالًا، فلما رجع بالغنائم وورد الماء (١) وجد عليه أعرابا من عنزة ليس لهم علما بالأمر فشن عليهم الغارة وأخذهم، فهرب رئيس العرب وقصد عنيزة واستصرخ عبد العزيز وجنوده وهو فيها. فصاح بقومه واستفزعهم، وخص على رجال من أهل البلد وأخرجهم، وقال لهم: متى يحصل لنا هؤلاء في فلاة من الأرض، وقد امتلأت قلوبنا لهم من البغض، والجيش الذي مع عبد الله نحو ثلاثمائة مطية فنفر من عنيزة بجيش وعدد

стр. 247

كثير يضيق منه الفضاء ويحطم ما وطاه ولأمر ما قدره الله للمسلمين وقضى، وتلك الجنود التي هي شوكة بلدان القصيم نحو ألف وخمسمائة رجل (١). وحدثت في هذه الموقعة قتلة عظيمة قتل فيها من أهل بريدة جماعات كثيرة فيهم أعيان مثل علي بن ناصر (السالم) وسعد التويجري وفيهم أناس من سائر الناس، وقل أن يوجد بيت لم يقتل منه أحد ممن حضروا الوقعة، وإنما سلم من لم يحضروها وأخبرونا أن بيتنا وهو بيت جد والدي عبد الكريم بن عبد الله العبود (ي) قتل منه اثنان أحدهما عم والدي ناصر بن عبد الكريم العبودي والثاني خاله عبد العزيز بن محمد بن سيف. وسمعت والدي في مناسبة من المناسبات يحدث عن والده جدي المباشر عبد الرحمن بن عبد الكريم العبود (ي) قال كنت بعد وقعة اليتيمة شابًا غريرًا فطلبت مطلبًا من أمي طرفة بنت محمد السيف، وألححت في ذلك، فقالت لي: أنت أوذيتني وأنا جايني علم ولدي ناصر وأخوي عبد العزيز أنهم مذبوحين في اليتيمة. أقول: هذا الذي حدث من الأمير عبد الله بن فيصل حدث رغم أمر والده له بعدم التعرض لأهل القصيم ولا لطوارفهم ولا لأحد من المسلمين، وقد تعرض لطوارفهم المكانية فأغار على الطرفية التي لا تبعد عن مدينة بريدة القديمة إلا بنحو ٢٨ كيلومترا، وتعرض لطوارفهم القومية أو القبلية بإغارته على أناس من قبيلة عنزة التي هي أقرب القبائل من أهل بريدة. قال ابن بشر: الولد الشجاع النجيب والفارس الشعشاع المهيب، صار هو الأول وهو الذي عليه في هذا الحرب المعول، فشجع المسلمين ونخاهم وأمرهم ونهاهم، فأتى إليه رجال من رؤساء القوم، فأشاروا بالرأي السديد وهو عنوان التوفيق

стр. 248

من الله والتسديد أنهم يجمعون ما معهم من الإبل، وتسوقها عليهم الخيل والمقاتلة في أثرهم، فيدهمونهم بالإبل والخيل المقاتلة جميعا، فأجمع رأيهم على ذلك فركب عبد الله وانتهض وشمر وجال في ميدان الوغي وهلل وكبر وتحركت منه غيرة الغضب، واشتعل واهج الحمية في جأشه والتهب فحمل حملة عظيمة بقلب ثابت وقوة وعزيمة، وحف به المسلمون من كل جانب، والله معهم ومن كان الله معه فهو الغالب، فتوجه إليهم باذلا نفسه ورجاله مع أهل نجدة من شجعانه وأبطاله، فكان هو الأقدم، وكل من رآه أحب أن يتقدم، فكرّ عليهم والمسلمون كرة واحدة، كأنهم أقبلوا للسلام أو دعوة إلى مائدة فغابت عنهم الشمس قبل وقت غيوبها وأظلم بحالك الغبار شمالها وجنوبها، فوطأهم المسلمون كأنهم لا يرون ولا يسمعون، فلم يقفوا لهم حين سمعوا ضرب الهام، وحامت عليهم حوائم السام، حتى ولوا منهزمين، وعلى وجوههم هاربين، وذهل الوالد منهم عن ولده، والمنهزم أشفق على السلامة فرمي ما بيده، واستمر الضرب والطعن في أقفيتهم بعد أن كان في صدورهم، وانتقل القتال من نحورهم إلى ظهورهم، فلم تر إلا رؤوسًا مقطوعة وأسلابًا منزوعة وأشلاء مطروحة وجلودا مجروحة، فلم ترجع عنهم خيل المسلمين ورجالهم وأبطالهم حتى قتلوا فيهم قتلًا ذريعًا (١). ثم ذكر ابن بشر شيئا غير معقول ولا تقره الوقائع المعروفة، وهو أن عبد العزيز بن محمد خرج من عنيزة بجيش وعدد كثير يضيق منه الفضاء، ويحطم ما وطئه، لولا ما قدره الله للمسلمين وقضى، وتلك الجنود التي هي شوكة بلدان القصيم نحو ألف وخمسمائة رجل، فهل يعقل أن يطيع أهل عنيزة، وهم المستقلون عن بريدة في قديم الزمان وحديثه عبد العزيز بن محمد أمير بريدة بأن يرسلوا معه جيشا يضيق به الفضاء ثم قوله إن ذلك الجيش هو شوكة

стр. 249

بلدان القصيم، مع أنه لم يكن إلا على أهل بريدة. ولكن الظاهر أن ابن بشر أراد أن يبرر فعل الأمير عبد الله الفيصل بذكره هذه الجموع الوهمية التي خرجت من عنيزة لقتاله. لاسيما أن والده الإمام فيصل بن تركي كان نازلا في مكان بين عنيزة والمذنب ولا يمكن أن يحصل جمع هذا الجيش الذي يضيق به الفضاء في عنيزة بدون علمه، وبدون أن يصنع شيئا لمنعه. ثم ماذا يقول ابن بشر في المشورة التي نقلها عن الذين كانوا مع الأمير عبد الله الفيصل ومؤداها أنهم يتجاوزون جيش أهل بريدة ويتركونه وأنهم إن لحقوا بهم قاتلوهم وإن لم يلحقوا بهم كان ذلك أفضل. والرأي الآخر الذي ذكره ابن بشر أيضا عن كبير العربان الذين مع عبد الله بن فيصل بعد أن سلط إبل عنزة على غزو أهل بريدة فردتهم عنه بأن يتركهم، ولكنه كان يصر على قتالهم وقتلهم. والعجيب من ابن يشر كيف يثني على الأمير عبد الله الفيصل هذا الثناء العاطر لإصراره على القتل الذي نهاه عنه والده الإمام فيصل الذي يمكن تلافيه، وكيف يصف جنوده وحدهم بجنود المسلمين على حين أن الذين يقابلونهم هم مسلمون أيضًا. ثم قال ابن بشر: رجعنا إلى تمام قصة أهل القصيم، ولما وصل عبد العزيز بلد عنيزة أمر أصحابه وأهل البلد يعرضون ويلعبون ويغنون، وهو يشجعهم للحرب والقتال، وليس على ما أظهر وقال، ولكن التشجيع بعد الذل يخذل من همم الرجال، فتقاعس عنه الناس ولا رفعوا لأمره ونهيه رأس، وكان قد كتب إلى أخيه

стр. 250

عبد المحسن في بريدة أن سعد التويجري وعلي بن ناصر وفلان عد أكثر من العشرة تخلفوا عنا في الهزيمة وندخلوا البلد فألزمهم يأتون إلينا كل هؤلاء العدد، فكتب إليه أخوه عبد المحسن إني إذا نصحتك أو خالفتك في شيء من الأمر قلت لي: أنت مجنون، وهذه الرجال الذين أنت عددتهم كلهم، في المفازة صرعى، هربت وتركتهم، ونجوت بنفسك وأسلمتهم، فحقك عليهم بالأمس مضى، واليوم نفذ فيهم حكم القضاء، وحقهم عليك تدفن أجسادهم وتعزي أولادهم، ثم بعد ذلك اختلط عليه رأيه وتدبيره، وكثر عاذله ومثيره (١). ثم ذكر ابن بشر ﵀ بعد ذلك أن عبد العزيز بن محمد لم يكن له وجه يواجه به الإمام، فأشار عليه إخوانه وأولاده ورؤساء قومه، وقالوا: إن هذا الإمام حليم وكريم وعادته العفو والصفح فاجلس في بلدك ودعنا نركب إليه ونجلس بين يديه فلعله يعفو عنك ويسمح. فركب أخوه عبد الرحمن ومعه أولاده ورؤساء قومه إلى الإمام فيصل. إلى أن قال ابن بشر: وضمن له - أي للإمام فيصل - أولاد عبد الله بن محمد وأخوانه عبد المحسن وعبد الرحمن على عبد العزيز جميع المخالفات والحادثات وبذلوا للإمام الأموال والسلاح والخيل العتاق واتبعوا ذلك بالعهود والميثاق، فسمح الإخوانه وولده، وجعله - أي عبد العزيز بن محمد - أميرا في بلده (٢). هكذا ذكر ابن بشر مع أنه لم يذكر قبل ذلك أن الإمام فيصل كان عزل عبد العزيز بن محمد عن الإمارة.

стр. 251

وقد وهم ابن عيسى في تاريخه عندما تحدث عن وقعة اليتيمة حيث ذكر أنها بين عبد الله بن فيصل وبين أهل عنيزة، والواقع أنها بينه وبين أهل بريدة. وأول وهمه أن ذكر أن الإمام فيصل بن تركي سار بجنوده عام ١٢٦٥ من البادية والحاضرة ونزل بين عنيزة والمذنب وأغار عبد الله بن فيصل على بعض البوادي الذي بالقرب من منزلهم، وذلك أنه أغار على عنزة في الطرفية وهي بعيدة عن منازلهم وأخذ إبلهم، إلا إذا كانت الإغارة إغارتين أولاهما ما ذكرها، والثانية وقعة الطرفية وبعدها اليتيمة. قال ابن عيسى: فلما بلغ أهل عنيزة ومن عنده من أهل القصيم غارة عبد الله بن فيصل، خرجوا للقائه فالتقوا باليتيمة وتقع إلى الشرق من مدينة عنيزة وهي رمل شقها الآن طريق القصيم إلى الرياض، غير بعيدة من وادي (الظليم). وقال: حصلت بينهم وقعة، وصارت الهزيمة على أهل القصيم ولم يقل على أهل عنيزة مما يعني وهمه أو اضطرابه في النقل (١). والحقيقة فيما يتعلق بوقعة اليتيمة هو ما قدمناه، وأن عبد العزيز بن محمد أمير القصيم كان في عنيزة أيام الوقعة ولم يكن عرف بتفصيل ما حدث في الوقعة حتى أخبره أخوه خليفته في الإمارة مدة غيابه وهو عبد المحسن. ولكن المؤرخ ابن بشر ﵀ كان أكثر ضبطا لما حصل، في تصوير الواقعة، وإن لم يذكر التفصيلات على الوجه الذي يعرفها به أهل بريدة. والإمام عبد الله بن الإمام فيصل بن الإمام تركي بن عبد الله آل سعود بطل معركة اليتيمة ومعارك أخرى عديدة كبيرة تولى الإمامة بعد وفاة والده الإمام فيصل بن تركي في عام ١٢٨٢ هـ.

стр. 252

وهو شجاع مقدام، ولذلك كان بمثابة قائد الجيش إبان حياة والده الإمام فيصل بن تركي وهو شجاع ومقدام، وهذه من أهم الصفات اللازمة لقائد الجيش أي جيش. ولكنه لم يكن مثل والده في ميدان السياسة والحلم، ومراعاة أحوال الناس وما يجول في خواطرهم وبخاصة من ذلك ما يتعلق بولائهم للدولة السعودية، في وقته - ومدى تأثير ذلك على علاقتهم بها في المستقبل ما بينهم وبينها ممثلة في شخص الإمام عبد الله. ومن أمثلة ذلك معالجة أو عدم معالجة النزاع الذي حدث بينه وبين أخيه سعود بن فيصل. ومن ذلك ما وصل به إلى حد أن استدعى الجنود الأتراك إلى الأحساء الاحتلال جزء من البلاد التي تتبع آل سعود من أجل التغلب أو محاولة التغلب على أخيه الأمير سعود. ومن بوادر عمله ذلك ما ذكرناه في وقعة اليتيمة التي كان يمكن تلافيها بدون أي عراك، وسفك دماء كما ذكر ذلك بعض مرافقيه أي مرافقي الإمام عبد الله الفيصل في تلك الوقعة. وقد جلبت سياسته تلك عليه سخط العلماء المتبصرين من آل الشيخ وغيرهم وقد وجدنا رسائل لهم في استنكار بعض ما اتخذه الإمام عبد الله بن فيصل من إجراءات وعواقب ذلك على المسلمين. وقد تحقق ما ظنوه، إذ كان سقوط الدولة السعودية الثانية في نهاية حياته وبأسباب منها سياسته المذكورة. قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن - رحمهما الله - يبين ملابسات الخلاف بين عبد الله وسعود ابني الإمام فيصل بن تركي ﵏.

стр. 253

قال ﵀: (من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم: حمد بن عتيق، سلمه الله تعالى، ونصر بن شرعه ودينه، وثبت إيمانه ويقينه، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فأحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، على حُلو نعمه ومرِّ بلواه، وبديع حكمه، والخط وصل؛ وما ذكرت صار معلوما، وكتبت لك خطَّأ أولًا، على نشر النصائح، وكتب الرسائل، لأني استعظمت ما فعل (سعود) من خروجه على الأمة وإمامها، يضرب برها وفاجرها، إلا من أطاعه، وانتظم في سلطه؛ و (عبد الله) له بيعة وولاية شرعية في الجملة. ثم بعد ذلك بدا لي منه: أنه كاتب الدولة الكافرة الفاجرة، واستنصرها، واستجلبها على ديار المسلمين، فصار كما قيل: المستجير بعمرو عند كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار فخاطبته شفاها بالإنكار والبراءة، وأغلظت له بالقول: إن هذا هدم الأصول الإسلام، وقلع لقواعده، وفيه وفيه وفيه، مما لا يحضرني تفصيله الآن، فأظهر التوبة والندم، وأكثر الاستغفار؛ وكتبت على لسانه لوالي بغداد؛ أن الله قد أغني ويسر، وانقاد لنا من أهل نجد والبوادي، ما يحصل به المقصود، إن شاء الله تعالى، ولا حاجة لنا بعسكر الدولة، وكلام من هذا الجنس، وأرسل الخط فيما أرى، وتبرَّأ مما جرى. فاشتبه عليَّ أمره، وتعارضا عندي موجبان: إمامته، ومبيح خلعه، حتى نزل (سعود) بمن معه من أشرار نجد، وفجارها، ومنافقيها، فعثي في الأرض بسفك الدماء، وقطع الثمار، وإخافة الأرامل والمحصنات، وانتهاك حرمة اليتامى والأيامي، هذا وأخوه منحصر في شعب (الحائر) وقد ظهر عجزه، واشتهر، وأهل البلد معهم من الخوف، ومحبة المسارعة إليه، وما قد عرف؛

стр. 254

فرأيت من المتعين على مثلي: الأخذ على يد أهل البلد، والنزول إلى هذا الرجل، والتوثق منه، ودفع صولته، حقنا لدماء المسلمين، وصيانة لعوراتهم؛ ونسائهم، وحماية لأموالهم وأعراضهم، وكان لم يعهد لي شيئا، ولكن الأمر إذا لم يدرك كان الرأي فيه: أصوبه وأكمله وأعمُه نفعًا. إلى أن قال: وبعد ذلك: أتانا النبأ الفادح الجليل، والخطب الموجع العظيم، الذي طمس أعلام الإسلام؛ ورفع الشرك بالله وعبادة الأصنام، في تلك البلاد، التي كانت بالإسلام ظاهرة، ولأعداء الملة قاهرة، وذلك بوصول عساكر الأتراك، واستيلائهم على الأحساء والقطيف، يقدمهم طاغيتهم (داود بن جرجيس) داعيًا إلى الشرك بالله، وعبادة إبليس. فانقادت لهم تلك البلاد، وأنزلوا العساكر بالحصون والقلاع، ودخلوها بغير قتال ولا نزاع، فطاف بهم إخوانهم من المنافقين، وظهر الشرك برب العالمين، وشاعت مسبة أهل التوحيد والدين، وفشا اللواط والمسكر، والخبث المبين، ولم ينتطح في ذلك شاتان، لما أوحاه وزينه الشيطان، من أن القوم أنصار لعبد الله بن فيصل، فقبل هذه الحيلة من أثر الحياة الدنيا وزينتها، على الإيمان بالله ورسله، وكف النفس عن هلاكها، وشقاوتها. وبعضهم: يظن أن هذه الحيلة لها تأثير في الحكم، لأنهم لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق، بل بلغني: أن بعض من يدَّعي طلب العلم، يحتج بقول شاذ مطرح، وهو: أن لولي الأمر أن يستعين بالمشرك عند الحاجة، ولم يدر هذا القائل، أن هذا القول يحتج قائله بمرسل ضعيف، مدفوع بالأحاديث المرفوعة الصحيحة، وأن قائله اشترط أن لا يكون للمشركين رأي في أمر المسلمين، ولا سلطان، لقوله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمين سبيلا﴾ (النساء: ١٤١)، فكيف بما هو أعظم من ذلك وأطم، من

стр. 255

الانسلاخ الكلي، والخدمة الظاهرة لأهل الشرك. إذا عرفت هذا، عرفت شيئًا من جناية الفتن، وأن منها قلع قواعد الإسلام، ومحو أثره بالكلية، وعرفت حينئذ أن هذه الفتنة، من أعظم ما طرق أهل نجد في الإسلام، وأنها شبيهة بأول فتنة وقعت فيه، فالله الله في الجد والاجتهاد، وبذل الوسع والطاقة في جهاد أعداء الله، وأعداء رسله، قال تعالى (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتب لتبيننه للناس ولا تكتمونه) (آل عمران: ١٨٧)، إلى أمثال ذلك في القرآن يعرفها الخبير بهذا الشأن. هذا ما عندي في هذه الحادثة، قد شرحته وبسطته، كما ذكرت لي ما عندك وأسأل الله أن يهديني وإياك إلى صراطه المستقيم، وأن يمن علينا وعليك بمخالفة أصحاب الجحيم، والسلام" (١). وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ أيضًا: من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الإمام المكرم الشيخ إبراهيم ورشيد بن عوين، وعيسى بن إبراهيم، ومحمد بن علي، وإبراهيم بن راشد، وعثمان بن رقيب، وإخوانهم، سلك الله بنا وبهم سبل الاستقامة، وأعاذنا وإياهم من أسباب الخزي والندامة. سلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: تفهمون أنه لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمامة، وقد حصل من التفرق والاختلاف، والخوض في الأهواء المضلة، ما هدم من الدين أصله وفرعه، وطمس من الدين أعلامة الظاهرة وشرعه، وهذه الفتنة يحتاج الرجل فيها: إلى بصر ناقد عند ورود الشبهات، وعقل راجح عند حلول

стр. 256

الشهوات، والقول على الله بغير علم، والخوض في دينه من غير دراية ولا فهم، فوق الشرك، واتخاذ الأنداد معه. وقد صار لديكم وشاع بينكم، ما يعز حصره واستقصاؤه، فينبغي للمؤمن الوقوف عند كل همة وكلام، فإن كان الله مضى فيه، وإلا فحسبه السكوت، وقد عرفتم حالنا في أول هذه الفتنة، وما صدر إليكم من المكاتبات والنصائح، وفيها الجزم بإمامة عبد الله، ولزوم بيعته، والتصريح بان راية أخيه راية جاهلية عمية، وأوصيناكم بما ظهر لنا من حكم الله وحكم رسوله، ووجوب السمع والطاعة. فلما صدر من عبد الله ما صدر، من جلب الدولة إلى البلاد الإسلامية، والجزيرة العربية، وإعطائهم الأحساء والقطيف، والخط، تبرأنا مما تبرأ الله منه ورسوله، واشتد النكير عليه شفاها، ومراسلة لمن يقبل مني ويأخذ عني، وذكرت لكم أن بعض الناس جعله ترسًا، تدفع به النصوص والأحاديث والآثار، وما جاء من وجوب جهادهم، والبراءة منهم، وتحريم موادتهم ومؤاخاتهم، من النصوص القرآنية، والأحاديث الصحيحة الصريحة النبوية. والقول بأنهم جاءوا لنصر إمام أو دين قول يدل على ضعف دين قائله، وعدم بصيرته وضعف عقله، وانقياده لداعي الهوى، وعدم معرفته بالدول والناس، وذلك لا يروج إلا على سواسية الأعراب، ومن نكب عن طريق الحق والصواب، وأعجب من هذا: نسبة جوازه إلى أهل العلم، والجزم بإباحة ذلك، والصورة المختلف فيها مع ضعف القول بجوازها وإباحتها، والدفع في صدرها كما هو مبسوط في حديث: "إنا لا نستعين بمشرك" هي صورة غير هذه ومسألة أخرى. وهذه الصورة، حقيقتها: تولية وتخلية، وخيانة ظاهرة، كما يعرفه من له أدنى ذوق ونهمة في العلم، لكن بعد أن قدم عبد الله من الأحساء، ادعى التوبة والندم، وأكثر من التأسف والتوجع فيما صدر منه، وبايعه البعض، وكتبت إلى ابن عتيق أن الإسلام يجُبُّ ما قبله، والتوبة تهدم ما قبلها، فالواجب السعي فيما

стр. 257

يصلح الإسلام والمسلمين، ويأبى الله إلا ما أراد (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (يوسف: ٢١). والمقصود: كشف حقيقة الحال في أول الأمر وآخره، وقد تغلب سعود على جميع البلاد النجدية، وبايعه الجمهور وسموه باسم الإمام، وقد عرفتم: أن أمر المسلمين لا يصلح إلا بإمام، وأنه لا إسلام إلا بذلك، ولا تتم المقاصد الدينية، ولا تحصل الأركان الإسلامية، وتظهر الأحكام القرآنية إلا مع الجماعة والإمامة، والفرقة عذاب وذهاب في الدين والدنيا، ولا تأتي شريعة بذلك قط. انتهى. وله أيضًا رحمه الله تعالى: من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الإخوان من بني تميم، سلمهم الله تعالى، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو على نعمه، وعلى أقداره وحكمه، ونسأل الله أن يحسن عزانا وعزاكم في الأخ الشيخ: عبد الملك بن حسين، غفر الله ذنبه ورحمه، ورفع في المقربين درجته. وما ذكرتم من جهة حالكم، مع عبد الله، وصدقكم معه، صار معلومًا، نسأل الله لنا ولكم التوفيق، وقد بذلنا الاستطاعة في نصرته، حتى نزل بالناس ما لا قبل لهم به وخشينا على كافة المسلمين من أهل البلد، من السبي وهتك الأستار، وخراب الدين والدنيا والدمار، ونزلنا وسعينا بالصلح، بإذن من عبد الله في الصلح، وألجأتنا إليه الضرورة، ودفعنا عن الإسلام والمسلمين ما لا قبل لهم به، فإن يك صوابًا فمن الله، وإن يك خطأ فمنَّا والشيطان، وفي السير ما يؤيد ما فعلناه، وينصر ما انتحلناه، وقد صالح أهل الدرعية وآل الشيخ، وعلماؤهم وفقهاؤهم على الدرعية، لما خيف السبي والاستئصال.

стр. 258

وعبد الله ظهر بمرحلة عن البلد، ونزل الحائر ولم يحصل منه نصر ولا دفاع (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (يوسف: ٢١)، ثم بلغنا أن الدولة ومن والاهم من النصارى وأشباههم نزلوا على القطيف، ويزعمون نصرة عبد الله، وهم يريدون الإسلام وأهله، وحضينا سعودًا على جهادهم ورغبناه في قتالهم، وكتبنا لبلدان المسلمين بذلك، قال الله تعالى: (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر) (الأنفال: ٧٢)، والعاقل يدور مع الحق أينما دار، وقتال الدولة والأتراك، والإفرنج وسائر الكفار من أعظم الذخائر المنجية من النار، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، والسلام، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم (١). وله أيضًا إليهم ما نصه: "من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الإخوان المكرمين من أهل الحوطة، سلمهم الله تعالى وهداهم، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فأوصيكم بتقوى الله وطاعته، والاعتصام بحبله، وترك التفرق والاختلاف ولزوم جماعة المسلمين، فقد قامت الحجة بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وعرفتم أنه لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمارة، ولا إمارة إلا بطاعة، وقد أناخ بساحتكم من الفتن والمحن، ما لا نشكوه إلا إلى الله. فمن ذلك الفتنة الكبرى، والمصيبة العظمى: الفتنة بعساكر المشركين أعداء الملة والدين، وقد اتسعت وأضرت، ولا ينجو المؤمن منها إلا بالاعتصام بحبل الله، وتجريد التوحيد، والتحيز إلى أولياء الله وعباده المؤمنين، والبراءة كل البراءة ممن أشرك بالله، وعدل به غيره، ولم ينزهه عما انتحله المشركون، وافتراه المكذبون" (٢).

стр. 259

وله أيضًا: "من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الإخوان المكرمين، زيد بن محمد، وصالح بن محمد الشثري، سلمهم الله تعالى، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فأحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو على نعمه، والخط واصل، أوصلكم الله إلى ما يرضيه، وما ذكرتموه كان معلومًا، وموجب تحرير هذا ما بلغني بعد قدوم عبد الله وغزوه، من أهل الفرع، وما جرى لديكم من تفاصيل الخوض في أمرنا والمراء والغيبة، وإن كان قد بلغني أولًا كثير من ذلك، لكن بلغني مع من ذكر تفاصيل ما ظننتها، فأما ما صدر في حقي من الغيبة والقدح والاعتراض ونسبتي إلى الهوى والعصبية، فتلك أعراض انتهكت وهتكت في ذات الله، أعدها لديه جل وعلا ليوم فقري وفاقتي، وليس الكلام فيها. والقصد: بيان ما أشكل على الخواص، والمنتسبين من طريقتي في هذه الفتنة العمياء الصماء. ثم قدم علينا سعود بمن معه من العجمان والدواسر، وأهل الفرع، وأهل الحريق وأهل الأفلاج، وأهل الوادي، ونحن في قلة وضعف، وليس في بلدنا من يبلغ الأربعين مقاتلا، ، فخرجت إليه، وبذلت جهدي، ودافعت عن المسلمين ما استطعت، خشية استباحة البلدة، ومعه من الأشرار وفجار القرى من يحثه على ذلك، ويتفوه بتكفير بعض رؤوساء أهل بلدتنا، وبعض الأعراب يطلقه بانتسابهم إلى عبد الله بن فيصل، فوقي الله شر تلك الفتنة ولطف بنا، ودخلها بعد صلح وعقد. وما جرى من المظالم والنكث، دون ما كنا نتوقع، وليس الكلام بصدده، وإنما الكلام في بيان ما نراه ونعتقده، وصارت له ولاية بالغلبة والقهر، تنفذ بها أحكامه، وتجب طاعته في المعروف، كما عليه كافة أهل العلم على تقادم الأعصار ومر الدهور، وما قيل من تكفيره لم يثبت لدي، فسرت على آثار أهل

стр. 260

العلم، واقتديت بهم في الطاعة في المعروف، وترك الفتنة، وما توجب من الفساد على الدين والدنيا، والله يعلم أني بار راشد في ذلك. ومن أشكل عليه شيء من ذلك، فليراجع كتب الإجماع، كمصنف ابن حزم، ومصنف ابن هبيرة، وما ذكره الحنابلة وغيرهم، وما ظننت أن هذا يخفى على من له أدنى تحصيل وممارسة، وقد قيل: سلطان ظلوم خير من فتنة تدوم. وأما الإمام عبد الله: فقد نصحت له كما تقدم أشد النصح، وبعد مجيئه لما أخرج شيعة عبد الله سعودًا، وقدم من الأحساء، ذاكرته في النصيحة، وتذكيره بآيات الله وحقه، وإيثار مرضاته، والتباعد عن أعدائه، وأعداء دينه أهل التعطيل والشرك، والكفر البواح، وأظهر التوبة والندم، واضمحل أمر سعود وصار مع شرذمة من البادية حول المرة والعجمان، وصار لعبد الله غلبة ثبتت بها ولايته، على ما قرره الحنابلة وغيرهم، كما تقدم: أن عليه عمل الناس من أعصار متطاولة. إلى أن قال: وأما بعد وفاة سعود فقدم الغزاة ومن معهم من الأعراب العتاة، والحضر الطغاة، فخشينا الاختلاف وسفك الدماء وقطيعة الأرحام بين حمولة آل مقرن، مع غيبة عبد الله، وتعذر مبايعته، بل ومكاتبته، ومن ذكره يخشى على نفسه وماله، أفيحسن أن يترك المسلمون وضعفاؤهم، نهبًا وسبيًا للأعراب والفجار؟ وقد تحدثوا بنهب الرياض قبل البيعة. ومن توهم أني وأمثالي أستطيع دفع ذلك، مع ضعفي وعدم سلطاني وناصري، فهو من أسفه الناس وأضعفهم عقلا وتصورا، ومن عرف قواعد الدين وأصول الفقه، وما يطلب من تحصيل المصالح ودفع المفاسد، لم يشكل عليه شيء من هذا، وليس الخطاب مع الجهلة والغوغاء، إنما الخطاب معكم معاشر القضاة والمفاتي، والمتصدرين لإفادة الناس وحماية الشريعة المحمدية،

стр. 261

وبهذا ثبتت بيعته، وانعقدت، وصار من ينتظر غائبًا لا تحصل به المصالح، فيه شبه بمن يقول بوجوب طاعة المنتظر، وأنه لا إمامة إلا به. إلى أن قال: فيسر الله قبل قدوم عبد الله بنحو أربعة أيام، أنه وافق على تقديم عبد الله وعزل نفسه، بشروط اشترطها، بعضها غير شائع شرعًا، فلما نزل الإمام عبد الله ساحتنا، اجتهدت إلى أن محمد بن فيصل يظهر إلى أخيه، ويأتي بأمان لعبد الرحمن وذويه، وأهل البلد، وسعيت في فتح الباب، واجتهدت في ذلك، ومع ذلك كله فلما خرجت للسلام عليه، وإذا أهل الفرع، وجهلة البوادي، ومن معهم من المنافقين يستأذنونه في نهب نخيلنا وأموالنا، ورأيت معه بعض التغير والعبوس، ومن عامل الله ما فقد شيئا، ومن ضيع الله ما وجد شيئًا (١). انحيازه إلى آل أبي عليان: مما أخذ على الإمام عبد الله بن فيصل في سياسته انحيازه لآل أبي عليان وهم ضعفاء في القصيم ضد آل مهنا الذين كانوا الأقوياء، الممسكين بزمام الأمور، وسوف يأتي ما نقل إلينا عن الملك عبد العزيز آل سعود وهو ابن أخي الإمام عبد الله بن فيصل حول هذا. وقد ذكر المؤرخون قدوم أناس من آل أبي عليان على الإمام عبد الله بن فيصل وتزيين قتال آل مهنا له، وانحيازه لرأيهم. وقد لخص ذلك الشيخ إبراهيم العبيد منقولًا عنهم. قال ابن عبيد في حوادث ١٢٩٢ هـ: وفيها كتب آل مهنا إلى الإمام عبد الله يشكون آل أبي عليان فلم يسمع شكايتهم بل انحاز إلى آل أبي عليان يريد مناصرتهم فلما لم يسمع من آل المهنا

стр. 262

شكاية ولم يروا منه مساعدة بل انحاز إلى نصرة عدوهم قطعوا العلائق منه وذهبوا يستنجدون الأمير محمد بن رشيد والتجؤا إليه فلباهم ابن رشيد ليضعف جانب آل سعود فإذا حصل له ذلك فإن آل مهنا ليسوا بذوي أهمية، وما كان محمد بن عبد الله ليناصرهم لحظ أنفسهم إنما ذلك منه لأمر يريده، وكان ميل الإمام عبد الله بن فيصل إلى نصرة آل أبي عليان اضرم حقدا عظيما في قلوب آل مهنا على عبد الله بن فيصل وإخوانه وصار هذا الحقد كامنًا في نفوسهم كالنار في الزناد. إلى أن قال: ثم دخلت سنة ١٢٩٣ هـ. في هذه السنة قدم على الإمام عبد الله بن فيصل آل أبي عليان رؤساء بلد بريدة في الماضي، وهؤلاء عبد الله بن عبد المحسن آل محمد ومحمد بن عبد الله بن عرفج وحمد بن غانم، وإبراهيم بن عبد المحسن بن مدلج آل عليان، وكان قدومهم من عنيزة لأن آل مهنا قد أجلوهم عن بريدة، وكان معهم كتاب من زامل بن عبد الله آل سليم أمير عنيزة يطلب من الإمام القدوم عليه في عنيزة ويعده القيام معه ومساعدته على استيلائه على بريدة وطلب عبد الله بن عبد المحسن آل محمد المذكور ومن معه من عشيرته القيام معهم والمساعدة في أخذ بريدة من أيدي آل أبي الخيل وذكروا للإمام أن لهم عشيرة في البلد وأنهم إذا وصلوا إلى البلد ثاروا فيها وقاموا معهم وفتحوا الباب فسار معهم الإمام عبد الله الفيصل بجنوده من المسلمين بادية وحاضرة وقدم بلد عنيزة ولما أن قدمها كان حسن بن مهنا لما بلغه مسيرهم قد كتب إلى محمد ابن رشيد أمير الجبل يستحثه في المناصرة فخرج ابن رشيد من حائل بجنوده واستنفر من حوله من بادية حرب وشمر وهتيم وبني عبد الله نزح بهم متوجها إلى بلدة بريدة، فنزل عليها بمن معه من الجنود، وكان ابن رشيد قد أرسل إلى أهل عنيزة يلتمس منهم أن لا يساعدوا عبد الله بن فيصل فلم يرجع منهم الرسول بجواب ثم إنه حصل الاتفاق على أن

стр. 263

ابن رشيد يرجع إلى الجبل وأن الإمام عبد الله بن فيصل يرجع إلى الرياض، وتبقى الأمور على ما هي عليه وهذا يعتبر أول مسير حصل بين ابن سعود وابن رشيد، فأما عبد الله بن فيصل فإنه يرجع إلى الرياض، وأما ابن رشيد فإنه أقام على بريدة مدة أيام ثم رجع إلى الجبل (١). إلى أن قال أيضًا: ذكر الأمور التي عارضت استقامة أمر الإمام عبد الله بن فيصل، وكان أمر الله قدرًا مقدورا. أما الأمور التي عرقلت المساعي فهي منازعة أخيه له في الملك وبعده أبناؤه في الخرج يحرضون القبائل عليه فكان سعود وأبناؤه العدو الألد للإمام عبد الله، ومنها مناصرته لآل عليان على أعدائهم آل مهنا الأمراء الحاكمين في بريدة ذلك الوقت، وكان صاحب الجلالة عبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود يقول لم يستقم الأمر العبدالله الثلاثة أسباب: أولًا: وجود أبناء أخيه في الخرج يحرضون القبائل عليه. ثانيا: مناصرته لآل أبي عليان أمراء القصيم السابقين على أعدائهم آل مهنا الأمراء الحاكمين بعدهم، وكان هذا جهلًا من عبد الله لأنه في وقت ضعفه ليس من الحكمة أن يتحزب لبيت مغلوب فيضعضع نفوذه في القصيم. ثالثًا: ظهور محمد بن رشيد الطامع بحكم نجد فقد تحالف مع آل أبي الخيل من آل مهنا فكانوا يدا واحدة على ابن سعود، هذه بعض الأمور ومنها أنه كان أذنا سامعة لكلام أهل النميمة والمغرضين، وجرى بسبب ذلك بعض إهانة منه يرحمه الله لبعض العلماء، ووالله إنه لما يؤسف أن لا يجد المؤرخ مندوحة عن ذكر الأمور على حقائقها لواجب الإخلاص للتاريخ (٢).

стр. 264

ومثل آخر من تصرف الإمام عبد الله الفيصل. قال ابن عيسى: ثم دخلت السنة الخامسة بعد الثلاثمائة والألف، وفيها في آخر المحرم سطا أولاد سعود بن فيصل في الرياض، وقبضوا على عمهم الإمام عبد الله بن فيصل فكتب الإمام عبد الله إلى محمد بن عبد الله بن رشيد أمير الجبل، واستنجد به على أولاد أخيه سعود فسار ابن رشيد بجنوده إلى الرياض ومعه حسن بن مهنا أبا الخيل أمير بلد بريدة، وحاصر البلد أيامًا قلائل، ثم وقعت المصالحة بين ابن رشيد وبين أهل الرياض، وبين أولاد سعود على أن تكون لهم إمارة بلد الخرج، فخرج أولاد سعود إلى الخرج، وأقام ابن رشيد هناك أيامًا، وجعل محمد بن فيصل أميرا في بلد الرياض والمتصرف فيها من جهته سالم بن سبهان، ثم ارتحل في جمادى الأولى من السنة المذكورة راجعًا إلى الجبل ومعه الإمام عبد الله بن فيصل، وابنه تركي، وأخوه عبد الرحمن بن فيصل وسعود بن جلوي، وأذن لأهل النواحي بالرجوع إلى أوطانهم (١). إلى أن قال ابن عيسى: ثم دخلت السنة السابعة بعد الثلاثمائة والألف: وفيها خرج الإمام عبد الله بن فيصل من حائل متوجهًا إلى بلد الرياض ومعه أخوه عبد الرحمن بن فيصل، وكان الإمام عبد الله إذ ذاك مريضًا، فلما وصل إلى الرياض اشتد به المرض، وتوفي بعد قدومه بيوم، وذلك في اليوم الثالث من ربيع الثاني من السنة المذكورة (٢). انتهى.

стр. 265

أنموذج من كتابات الإمام عبد الله بن فيصل ومكاتباته لأناس في القصيم، وذلك في رسالة موجهة منه إلى آل فهيد .. أهل الأسياح: وسماهم كافة أهل السيح، ومنطقة الأسياح التي كان العرب القدماء يسمونها النباج كان يقال لها السيح يصيغة الإفراد، والأسياح بصيغة الجمع، وقد أوضحت أمرها في (معجم بلاد القصيم). قال الإمام عبد الله بن فيصل: ويلاحظ بساطة تعبيره، إن لم يقل إن ذلك يدل على عدم تعظيمه وتكبيره، لآل سعود الأماجد الذين أسسوا الدولة السعودية الأولى، وهم الإمام

стр. 266

عبد العزيز بن محمد بن سعود، والإمام سعود والإمام ابنه عبد الله، قال: جدي تركي ووالدي فيصل، ولم يذكر أيا منهم بصيغة التعظيم، أو حتى بلقب الإمام أنهم ممضين لآل محمد آل فهيد عينهم وسواقيها الشمالية والجنوبية. قال: وأنا ممضي لآل محمد ما أمضوا لهم، ولا لأحد عليهم اعتراض، ومن تعرض لهم فلا يلومن إلا نفسه، والسلام، غرة صفر سنة ١٢٨٦ هـ. ومن كتاباته الأمير بريدة الذي كان والده الإمام فيصل قد عينه فيها هذه الرسالة التي تؤكد على حق عبد الله المشيطي الذي كان قد توفي ﵀ وتأكيد الإمام عبد الله بن فيصل على أنه طارفة له أي من المقربين لديه، والذني لهم حق عليه ويأمر بأن يكون أخوه جارالله في مكانه. وقد وجه كتابه إلى أمير بريدة عبد الرحمن بن إبراهيم ومن يراه من أهل القصيعة وهي الخب المعروف الآن في الخبوب الغربية الجنوبية لبريدة. وهذا نص الرسالة بحروف الطباعة: "بسم الله من عبد الله بن فيصل إلى الأخ عبد الرحمن بن إبراهيم ومن يراه من أهل القصيعة. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد. عبد الله المشيطي ﵀ طارفة لنا وقسم الله عليه وغدا، وبالحاضر أخوه وولده في مكانه، ووكلنا أخوه جارالله على أشياه كلها يبيعها كذاك سعة العطل في حبوب القصيعة، وهي فوق نقرة الجهني، وما كان له الله يرحمه لا يعارض جار الله فيه أحد لا من شمال ولا من طرق ولا غيره يكون معلومًا. ٥ شوال سنة ١٢٧٨ هـ.

стр. 267

قوله: قسم الله عليه وغدا، أي مات من (غدا) الشخص بمعنى مات، ومعنى العبارة قدر الله عليه الموت. عبد المحسن بن محمد ثانية: عبد المحسن بن محمد هو أخو الأمير الشهير عبد العزيز بن محمد، وهو عبد المحسن بن محمد بن عبد الله بن حسن آل أبو عليان. ولاه الإمام فيصل بن تركي إمارة بريدة لما غضب على أخيه عبد العزيز بن محمد لسفره إلى شريف مكة، والتجائه إليه. ذكر ذلك ابن بشر في تاريخه في حوادث ١٢٦٦ وسبق ذكره. وكان أخوه عبد العزيز بن محمد يوليه على إمارة بريدة وما يتبعها إذا غاب. ورد ذكر ذلك في التاريخ المكتوب في الكلام على وقعة اليتيمة السابق ذكرها.

стр. 268

وقد عادت الإمارة بعد ذلك من عبد المحسن بن محمد إلى أخيه الأمير عبد العزيز بن محمد. مقتل عبد العزيز بن محمد آل أبو عليان وبعض أبنائه: لما تفاقم الخلاف بين الإمام فيصل بن تركي والأمير عبد العزيز بن محمد آل أبو عليان وكان الإمام فيصل بن تركي حليما كريما، ولكن كان ابنه الأمير عبد الله على ليس كذلك، فأكثر من الإغارة على أهل بريدة وتوجيه الضغوط العسكرية على أميرها عبد العزيز بن محمد الذي لم يكن من الحنكة السياسية بالدرجة التي ينبغي أن يكون عليها لذا خاف على نفسه منه وحزم أمره في أن يترك القصيم، ويذهب إلى شريف مكة المكرمة ليقيم فيها إقامة طويلة حتى ينجلي الأمر، ولكنه يعرف بخبرته أن ذلك سيكون إلى مدة طويلة فحمل أموالًا له معه وكانت بيد أحد أفراد أسرة الصقعبي المشهورة الذين كانت لهم وظفيتان يتوارثونهما في بريدة هما حمل البيرق في الحرب، والأمانة على بيت المال، إلًا إذا اضطر أمير بريدة لغير ذلك، والصقعبي هذا سليمان بن حمد. يحدثنا الإخباريون أن عبد الله الفيصل عندما علم بذهاب عبد العزيز بن محمد إلى مكة قال لمن معه: ليذهب ما دمنا تخلصنا منه، ولكن مهنا الصالح أبا الخيل الذي كان يطمع في الإمارة ويخطط لحصوله عليها منذ زمن بعيد قال للأمير عبد الله بن فيصل: إن هذا ليس هو بالرأي الصواب، لأنه سيعود بعد ذلك، والرأي أن تلحق به وتقضي عليه. فقال عبد الله بن فيصل: حنا ما عندنا جيش يلحقهم، أكثر الإبل اللي معنا صعب من أباعر البدو ولا معنا سلاح يكفي. قالوا: فقال مهنا له: أنا عندي الجيش وعندي السلاح أعطيك إياه كله. قالوا: فاستجاب عبد الله بن فيصل وكان يود ذلك في نفسه وأعطاه ذلك وأمر على

стр. 269

أخيه محمد بن فيصل مع سرية من قومه أن يلحقوا بعبد العزيز بن محمد الذي كان نازلًا في الشقيقة، آمنًا من أن يلحقوا به بعد أن فارق حدود بريدة. قالوا: فأدركه هذا الجيش ومعه أولاده الثلاثة، ولم يكن معه من الرجال والسلاح ما يقاوم به هذا الجيش الذي لحق به وبادروا إلى قتله ومن معه ولم يسلم منهم إلا الصقعبي الذي كان على بعيره المحمل بالريالات الفضية والجنيهات الذهبية فكانوا إذا لحقوا به يريدون قتله، ولم يعلموا بما معه فكان إذا رآهم قربوا منه أخذ بيده مجموعة من الريالات الفضية الكبيرة (الفرنسة) ورماهم بها فانشغلوا بالبحث عنها في أرض الشقيقة الرملية، وأخذها منها. فعل ذلك أكثر من مرة إلى أن بعدوا عن جماعتهم فصار يرميهم ببندقه حتى أصاب أحدهم وانصرفوا عنه راجعين إلى أصحابهم، وقد سلم الصقعبي من القتل ووصل إلى مكة فكان الناجي المعروف من الرفقة التي كانت مع عبد العزيز بن محمد آل أبو عليان. وقتل في هذه الوقعة الأمير عبد العزيز المحمد وثلاثة من أبنائه وهم تركي وحجيلان وعلي، وهؤلاء بعض أبنائه إذ كان له من الأبناء سبعة هم صالح، تركي، علي، عبد المحسن، حجيلان، عبد الله، محمد. وله من البنات ثمان هن حصة، بريدة، - هكذا بلفظ مدينة بريدة وقد تزوجها محمد بن صالح أبا الخيل أخو الأمير مهنا بن صالح، ثم هيا بفتح الهاء والياء مع تخفيفها وطرفة - منيرة - لطيفة - مزنة - فاطمة. وآخر أبناء عبد العزيز بن محمد وفاة هو ابنه عبد المحسن الذي عمر طويلًا، ومات في ذي القعدة من عام ١٣٥٥ هـ أي بعد مقتل والده بثمان وسبعين سنة، إذ كان مقتل والده عبد العزيز بن محمد ومن معه من أبنائه في عام ١٢٧٧ هـ.

стр. 270

وقد ذكر المؤرخون مقتل عبد العزيز بن محمد وأبنائه ومن معه في الشقيقة على لفظ تصغير الشقيقة والشقيقة المكان المطرد من الرمال على حد تعبير الأقدمين، وتقع الشقيقة إلى جهة القبلة من مدينة عنيزة. قال إبراهيم بن صالح بن عيسى ﵀ بعد أن ذكر أن الأمير عبد الله بن فيصل كان غازيا جهة الكويت، وأنه قفل بمن معه من جنود المسلمين راجعًا إلى نجد، فلما وصل إلى الدهنا بلغه أن سحلي بن سفيان ومن تبعه من بني عبد الله من مطير على (المنسف) بالقرب من بلد الزلفي فعدا عليهم وأخذهم وقتل منهم عدة رجال منهم حمدي بن سقيَّان أخو سحلي قتله محمد بن الإمام فيصل. ثم توجه إلى القصيم ونزل روضة (الربيعية) ولما بلغ الخبر إلى أمير بريدة، عبد العزيز المحمد بن عبد الله بن حسن ركب خيله وركابه، هو وأولاده حجيلان وتركي وعلي، ومعهم عشرون رجلا من عشيرتهم، ومن خدامهم، وهربوا من بريدة إلى عنيزة، ثم خرجوا منها متوجهين إلى مكة، ولما بلغ عبد الله بن فيصل خبرهم أرسل في طلبهم سرية مع أخيه محمد بن الإمام فيصل، فلحقوهم في (الشقيقة) وأخذوهم، وقتلوا منهم سبعة رجال، وهم الأمير عبد العزيز وأولاده حجيلان وتركي وعلي، وعثمان الحميضي، من عشيرة عبد العزيز المذكور من آل أبي عليان، والعبد جالس بن سرور، وأخوه عثمان بن سرور، وتركوا الباقين. ثم إن عبد الله رحل من روضة (الربيعية) ونزل في بلدة بريدة، وأقام فيها مدة أيام، وكتب إلى أبيه يخبره بمقتل عبد العزيز آل محمد وأولاده، ويطلب منه أن يجعل في بريدة أميرا، فأرسل الإمام فيصل رحمه الله تعالى عبد الرحمن بن إبراهيم إلى بلد بريدة، واستعمله أميرا فيها، وهدم بيوت عبد العزيز المحمد، وبيوت أولاده، وقدم عليهم في بريدة طلال بن عبد الله بن رشيد، بغزو أهل الجبل من البادية والحاضرة.

стр. 271

ولما فرغ من هدم تلك البيوت ارتحل من بريدة بمن معه من جنود المسلمين، وعدا على ابن عقيل ومن معه من الدعاجين والعصمة والنفعة من عتيبة وهم على (الدوادمي) فصبحهم وأخذهم ثم قفل راجعًا إلى الرياض، مؤيدًا منصورا، وأذن لمن معه من أهل النواحي بالرجوع إلى أوطانهم. وكان عبد الله بن عبد العزيز المحمد قد أمر عليه الإمام فيصل بالمقام عنده في الرياض، حين أذن لأبيه عبد العزيز بالمسير إلى بريدة كما تقدم في السنة التي قبلها، فخرج عبد الله المذكور غازيا مع عبد الله بن الإمام فيصل، في هذه الغزوة، فلما قرب من الرياض شرد من الغزو، فالتمسوه فوجدوه قد اختفى في غار هناك، فأمسكوه وأرسلوه إلى القطيف وحبسوه فيه، فمات في حبسه ذلك (١). قال عبد الله بن محمد البسام في حوادث سنة ١٢٧٧: قتل عبد الله الفيصل أمير بريدة عبد العزيز آل محمد وأولاده، ألحقه أخيه محمد الفيصل ومعه سريتين، ولحقهم بأرض الشقيقة وأمنهم ثم قتلهم غدرًا، وكانوا هاربين خوفًا منه، وذلك في ٨ شوال (٢). وذكر ابن عبيد أن عبد العزيز بن محمد خاف على نفسه فركب هو وأولاده حجيلان وعلي وتركي ومعهم عشرون رجلًا من خدامهم وعشيرتهم وهربوا إلى عنيزة ثم خرجوا منها وتوجهوا إلى مكة، ولما بلغ عبد الله خبرهم أرسل في طلبه سرية يرأسها أخيه محمد بن فيصل فلحقوهم بالشقيقة مسيرة ٦ ساعات من عنيزة وأخذوهم وقتلوا منهم ٧ رجال وأسماؤهم هي الأمير عبد العزيز وولده حجيلان وولده تركي وولده علي وعثمان الجميضي من عشيرة العليان، وخادمهم جالس بن سرور وأخوه عثمان بن سرور وترك

стр. 272

الباقين ثم إن عبد الله بن فيصل رحل من روضة الربيعية ونزل بلدة بريدة وكتب إلى أبيه يخبره بمقتل عبد العزيز ومن معه ويطلب منه أن ينصب في بريدة أميرا، فأرسل الإمام فيصل عبد الرحمن بن إبراهيم وجعله أميرًا فيها، ثم أن عبد الله بن الإمام فيصل هدم بيت الأمير عبد العزيز المحمد وبيوت أولاده ولما أقام في بريدة قدم عليه طلال بن عبد الله بن رشيد بغزو أهل الجبل من البدو والحاضر ولما فرغ عبد الله من هدم البيوت المذكورة عدا على ابن عقيل والعصمة والنفعة من عتيبة من برقا وهم نازلين على الدوادمي فصبحهم وأخذهم ثم قفل إلى الرياض ظافرا منصورا وأرخص لمن معه من الغزوان بالرجوع إلى أهليهم وبلدانهم (١). غزوات عبد العزيز بن محمد آل أبي عليان: لم يكن الأمير عبد العزيز بن محمد مشهورًا بغزواته مثل حجيلان بن حمد، بل ولا مثل حسن المهنا. والغزوات المشهورة التي نظمها وقام بها هما وقعتا اليتيمة وبقعا وكلتاهما هزم فيها وقتل فيها عدد كبير من أهل القصيم. ولكن المستشرق الألماني البير سوسين يذكر في كتابه: (ديوان وسط الجزيرة العربية) (٢) أن عبد العزيز غزا على الدعاجين وأخذهم وغنم منها خيلًا وإلا قال في كتابه المذكور (ص ٧٥): غزا عبد العزيز راعي بريدة على الدعاقين من بريه وكان عليهم ببلغة وأخذ حلالهم وذبح منهم مائة وخمسين زلمة وجاب حلالهم إلى بريدة وحطه بالمزاد وعزل ستمائة ناقة وعشرة رؤوس خيل وبعثهن مع ولده عبد الله لابن

стр. 273

سعود، وجاب فيه شاعر ها القصيدة: نحمد المعبود يا حمود جيّاب المطر ... خيِّرٍ كل الملا ترتجي فضائله نضرب البرّ على عبر ما نذلّ من الخطر ... بأمر شيخ مقدام قد مضت فعائله كلما عمين الأرياء يفرها بالمُغَرِّ ... ينقض المبروم ما تاه في دلائله شيخ بن شيخ شجاع إلى منه شهر ... من ينوشه بمخلبه رُكزِت نصائله من القصمان ما زيَّنه عنا البحر ... ما يجي من غربته غير نفسه زائله الهيبري يوم رأسه يفوح من السكر ... إلى الحشر ما ظنتي ترتحل رحائله وهذه أبيات في مدح الأمير عبد العزيز بن محمد آل أبو عليان لأحد شعراء بريدة الذي طلب فيها من الأمير أن يعطيه ناقة يسني عليها، وقد نقلها المستشرق الألماني البير ساسين في كتاب (ديوان وسط الجزيرة العربية): لحقت أمي دام عزها لسبب ... فعلها بي قبل اشوف بها المشيب وحلفت عشرين دين ما تطبّ ... دارنا إلى ما يجي حبّك صبيب او نجيب إلى الحقب لو تنصلب ... تُطلعه لو كان في قاع القليب ولا عبيّت أحسب أنه عجب ... تاليا قلت انقطع منه النصيب من بغى عزا وللعليا طلب ... فاحذره وانخه لا يبلى القريب من فعائلهم بي العمر انحطب ... جاني بأسباب الحقب فعل يُشيب يا نديمي دزّ لي حمرا شبب ... من هجاهيج الانضاء قطعها عجيب تبعد المطلوب عن راعي الطلب ... مبهم زورها لعضديها حريب كأنه زولها حين مندوبي ركب ... زرقة النشاب من قوس كريب من وطن دار العلّيا إذا انجلب ... ضوح نور الصبح فاركب يا نديب وانحر المذكور فكاك الحسب ... حاوي الآداب والرأي الصليب بالتواضع نافل كلّ العرب من ... نشأ ما قد مشى إلى أمر يعيب

стр. 274

باسط يمني تعاطى للمهب ... مكرم ضيفه يفرّق ما يجيب مرهب العدوان يُخشى أن طلب ... وان طلب دينا فلا يَخشَى الطليب شيخنا عبد العزيز إلى حرب ... ما حواء قاف قزي جفن الحريب ما ينام الليل إلى أن لما طلب ... عزّ الدائم لمطلوبه مجيب يا أخو مزنة من فعائلهم ضرب ... ضامري جرحًا يحير به الطبيب لي مكان ما تعيد به الصعب ... من سبب غير الصدا ما به مُجيب باغي لي ناقة فوقها قتب ... أسُنيها إلى أنّ مرجاعي نطيب كان طرشك عازبًا فيش فالجلب ... بالبلاد فلا تتعذر بالعزيب وجبة الخُطار او خرج الحطب ... عندكم يومًا لمطلوبي مجيب (١) أوراق تتعلق بالأمير عبد العزيز بن محمد آل أبو عليان: كل المؤرخين يقتصرون على الناحية السياسية الحاكم الذي يذكرونه، أما الاجتماعيات ويهمنا هنا ما يتعلق بتصرف الحاكم تجاه رعيته، وصيانته للمال العام فإنهم لا يذكرونها. وقد وصلتنا أوراق متفرقة متعلقة من ذلك بحكم (عبد العزيز بن محمد) ومنها رأينا أنه مثل غيره من أمراء بريدة سواء أكانوا من (آل أبو عليان) أو من (المهنا) لا يمسون بيت المال إلَّا فيما يتعلق بالمصلحة العامة، وكانوا يستدينون أحيانًا إذا ألجأتهم الحاجة إلى الاستدانة من دون أن يجرؤا على الإقدام على ظلم الآخرين من سائر الناس.

стр. 275

وهذه نماذج من ذلك: أولها وثيقة تتعلق بالأمير عبد العزيز بن محمد حال وجوده في الإمارة وهو أنه استدان من علي الناصر (السالم) أحد زعماء بريدة الكبار وأثريائها ثلاثمائة وخمسين وزنة تمر مؤجلة يحل أجل وفائها في رمضان من سنة ١٢٥٨ والشاهد على ذلك عودة الرديني والكاتب هو عبد المحسن بن سيف الشهير بالملا. وهذه صورة المداينة: وهذه وثيقة محاسبة تدل على أن الأمير عبد العزيز بن محمد كان يداينه صالح بن حسين أبا الخيل والد الأمير مهنا الصالح. وتقول الوثيقة: إنه تحاسب صالح وعبد العزيز بن محمد فصار آخر حساب ثابت بذمة عبد العزيز مائتين وثلاثين ريالًا ونصف ريال. وهي بخط الشيخ القاضي عبد الله بن صقيه في الثاني من جمادى الأولى سنة ١٢٤٣ هـ وهذه صورتها:

стр. 276

وثيقة غريبة: رأينا وثيقة غريبة تتعلق بعبد العزيز بن محمد وأنه كان يستدين إلى درجة أنه كان يبيع سلاحه كسيفه وبندقه. ومن ذلك أنه باع على صالح آل حسين (أبا الخيل والد الأمير مهنا بن صالح الذي تولى بعد آل أبي عليان على إمارة بريدة وسوف يأتي الكلام على أحواله مفصلا في حرف الميم عند ذكر المهنا). وقد نعت ذلك السيف بأنه الذي جاه من آل خليفة والمراد بهم آل خليفة حكام البحرين وكذلك التفق وهي البندق التي يرمي بها. ونعتها بأنها الستاتي - وربما كان هذا نسبة إلى رقم ستة أو نحو ذلك مما يتعلق بهذا الرقم، ونعتها أيضًا بأنها (تفق هباس) مما يدل على شهرتها بذلك. كل ذلك ثمنه اثنان وثلاثون ريالا وعباءتان تثنية (عباءة) التي تلبس فوق الثياب وثمنها ثلاثة ريالات، ومعنى ذلك أن ثمن العباءة الواحدة ريال فرانسي ونصف. وقد أكد الكاتب ذلك بقوله: "صح جميع الثمن خمسة وثلاثين ريالًا"

стр. 277

واشترى صالح وأثناء الخيار إلى طلوع رمضان من سنة ١٢٣٩ هـ ومعنى أثناه الخيار أن جعله بالخيار إلى انسلاخ شهر رمضان المذكور إن أحضر الثمن الذي كان دفعه له صالح الحسين وهو خمسة وثلاثون ريالًا سقط البيع وبقي المذكورات وهي السيف والبندق والعباءتان لعبد العزيز بن محمد وإلا لزم البيع، وصارت للمشتري صالح الحسين. وقد كتب هذه الوثيقة الشيخ القاضي عبد الله بن صقيه وأرخها في خامس من ربيع الأول من سنة ١٢٣٩ هـ. وتحتها وثيقة أخرى تتضمن شهادة إبراهيم آل محمد - ابن محمد - بن سالم وآل سالم هم أسرته وهي الأسرة الكبيرة القديمة السكني في بريدة، وناصر السليمان بن جربوع من أسرة الجربوع المشهورة في بريدة، بأن عبد العزيز بن محمد أقر واعترف بأن عنده وفي ذمته لصالح (الحسين أبا الخيل) ألف وتسعمائة وخمس وعشرون وزنة تمر، وقد عبر عنها الشيخ الكاتب بأنها تسعة عشر مائة وخمسة وعشرون وزنة تمر ووصف التمر بأنه شقر ومكتومي عوض خمسة وثلاثون ريالا، يحل الوفاء بها طلوع صفر أي انقضاؤه وانسلاخه من عام ١٢٤٠ هـ وكأنما كان هذا التمر عوضًا عن السيف والبندق الذي كان عبد العزيز بن محمد قد أقر بأنه باعه على صالح بن حسين لأنه أرهنه به في هذا الدين وذكر أنه سيفه الذي جاءه من آل خليفة، وهذه صفة السيف الأول، وكذلك بندق الستاتي المذكورة في الوثيقة التي قبلها. وهي بخط الشيخ القاضي عبد الله بن صقيه نفسه.

стр. 278

والوثيقة التالية فيها غرابة أيضًا ليس في المقدار الكبير من الدين الذي فيها فحسب وهو أربعة آلاف ومائتا وزنة تمر وقد عبر الكاتب عن ذلك بقوله، أربعة آلاف وزنة تمر شقر ومكتومي يزيد مائتين وزنة. وبين أنها (مكتب) وهي بفتح الميم وإسكان الكاف التي تنطق كما ينطق بها في كلمة قليل: ضد كثير، وقربة وهي وعاء الماء، وقدر الذي يطبخ به ولا ينطق بها بكاف قرآنية محققة لأنها تصبح في هذه الحالة لها معنى آخر.

стр. 279

و (الكتب) المراد هنا السلم في الفصحى، وهو أن يشتري التاجر من الفلاح تمرا من نخله قبل وقت التمر بثمن أرخص مما عليه سعر السوق، ويكون ذلك الرخص في مقابل تأجيل قبض التمر. وذكر أنها مكتب مائة ريال أي أنها ثمنها هو مائة ريال. وأيضًا أقر عبد العزيز بن محمد بأن في ذمته لصالح الحسين ألفين وتسعمائة وأربعين وزنة تمر (مكتب) سبعون ريالًا. والرهن في هذا الدين غريب فهو (حشفية) كبيرة و (الحشفية) حلية ذهبية كبيرة ثمينة. وذكرت الوثيقة فيما يتعلق بهذه الحشفية ما يفهم منه أنها ليست مملوكة لعبد العزيز بن محمد وهذا طبيعي لأنها حلية من حلي النساء وقد نصت الوثيقة على أن صاحبتها مزنة وهي زوجة الأمير عبد العزيز بن محمد وأنها اذنت برهنها في هذا الدين. وقد أوضح الكاتب وهو الشيخ القاضي عبد الله بن صقيه بأن الحشفية هي (القلادة).

стр. 280

والوثيقة التالية مثل التي قبلها أو تقرب منها في غرابة الرهن فيها. أما الدين فإنه مألوف مثلما أن المتاينين والكاتب معروفون. أما الرهن فإنه غريب وبعضه لا نعرفه رغم قرب العهد فقد ذكر أنه رهن مقبوض وأنه (تحافيظ) ومريقيل صغير الحجم. أما التحافيظ فإنها فيما أفهم نوع من الحلية كالقلادة يوضع على صدر المرأة. وأما المريقيل الصغير وهو بصيغة التصغير فإنني لا أعرفه ولا أعرف الاسم المكبر منه. وأما ذكر الكاتب أن الجميع من هذه الأشياء المرهونة بهن وزن عشر

стр. 281

حمران والحمران جمع أحمر، وهو نقد ذهبية كانوا يتعاملون به في القديم. ثم ذكر الكاتب أنها وخرزهن مما يدل على أنها من القلائد والأساور. والأول أقرب المعنى أنها مرهونة هي وخرزها: جمع خرزة. وتاريخ الوثيقة ٢١ من جمادى الآخرة عام ١٢٣٨ هـ. وهذه وثيقة مداينة والرهن فيها أيضا سيف غير السيف الأول المذكور في الوثيقة التي قبلها فهذا سيف جاء به من البحرين ويميزه عن الأول بأن نصابه قرن أسود. والمتداينان هما عبد العزيز بن محمد وصالح بن حسين (أبا الخيل). والكاتب هو الكاتب الشيخ عبد الله بن صقيه. والتاريخ ٢ شعبان سنة ١٢٣٨ هـ.

стр. 282

وهذه وثيقة مشابهة من حيث وحدة الدائن والدين والكاتب. تاريخها في آخر ليلة بقيت من ربيع الآخر سنة ١٢٤١ هـ.

стр. 283

وهاتان ورقتا محاسبة بين الطرفين المتداينين المذكورين وهما عبد العزيز بن محمد (آل أبو عليان) وصالح (بن حسين أبا الخيل) وكلتاهما مؤرخة في عام ١٢٤٣ هـ وكلتاهما بخط الشيخ القاضي عبد الله بن صقيه، غير أن الشهود فيها مختلفون ففي الأولى منهما شاهدان هما سليمان العجاجي وهو شخص معروف بل مشهور في وقته، وحمد بن منيع من (آل منيع) أهل الصباخ الذين تفرعت منه أسرة تسمى (المبارك) في الوقت الحاضر. أما الوثيقة الثانية فإنها ليس فيها أي شاهد ما عدا كاتبها.

стр. 284

وهذا أنموذج من رسائل عبد العزيز بن محمد آل أبو عليان إلى أمراء القرى التي تتبع بريدة، وتدل في الوقت نفسه على حرصه على إعطاء ذوي الحقوق حقوقهم. وهي رسالة موجهة منه إلى عبد الله (لراشد المحيميد) أمير البصر تتضمن أن عمر بن سليم له دين علي عثمان المحمد (المحيميد) وكذلك على سليمان الشعيب (بن محيميد). ويقول فيها الأمير عبد العزيز بن محمد بعد السلام: إن عمر بن سليم يذكر أن عند عثمان المحمد له دين وأنه ماهوب ملقبه قبله، بمعنى أنه لا يبالي بذلك، ويقول الأمير عبد العزيز: فأنت فك له دينه، إلا إن كان ما عنده عقار يوفي عنه، أو دبش، أي مواشٍ، لا يعود عليَّ أي لا تجعله يعود إليَّ مرة ثانية يطلب تحصيل دينه، بل يجب أن تعمل على ذلك. وقد توعده الأمير عبد العزيز بقوله: تراني أخدم عليه، يعني ذلك أن يرسل إليه خادمًا من عنده وهو رجل الأمير الذي يرسله الأمير ليحضر الخصوم، ويفتك الحقوق لأصحابها وهم عند الأمير بمثابة رجال الشرطة اليوم.

стр. 285

وقوله أخَدِّم عليه، له فائدة أخرى وهي أن أجرة الخادم وهي ريال فرنسي واحد ويسمونها فيما أدركناهم عليه: (خدمه) تكون على المشكو، وليس على الشاكي، إذا امتنع من الأداء، أو من الجلوس عند حاكم الشرع. ثم قال: كذلك سليمان الشعيب شرى من عثمان نخل، ويذكر عمر أنه راهنه فهو يعطيه اللي وجب من ثمنه، وإن كان له دعوي شرع فأدفعه معه للشرع أوقفه معه على سليمان العلي، والمراد به قاضي بريدة الشيخ سليمان بن علي بن مقبل، وما أفتى به يمشي عليه. ثم أكد ذلك بقوله: لا يعود عليَّ إلَّا خالص، يريد أن عمر بن سليم يجب أن ينهي موضوعه. ثم قال: ترى إن ما خلصته تراي ... ولا أبيع نخله للدين لو بربع قرش، وأنت سالم والسلام. الختم وربع القرش هو ربع ثلث الريال الفرانسي.
следующие страницы →