وأخو الشيخ صالح الخريصي هو عبد الرحمن إمام المسجد الذي عرف بعد ذلك بمسجد الخريصي قبل أن يكون الشيخ صالح إمامًا لذلك المسجد إلى أن توفي عبد الرحمن عام ١٣٥١ هـ.
أما أخواه الآخران وهما عبد العزيز ومحمد فليسا من طلبة العلم.
حدثني والدي ﵀ قال: كان ابن منصور يؤم في مسجد الحويزة فأصيب بمرض صار يسعل منه سعالا شديدا ثم طاوله المرض حتى مات وهو إمام ذلك المسجد فعين بعده عبد الرحمن بن أحمد الخريصي أخو الشيخ صالح إمامًا في ذلك المسجد فأصابه المرض نفسه فيما يراه الناس ومات في عام ١٣٥١ هـ فعين الشيخ عمر بن سليم في إمامة المسجد تلميذه الشيخ صالح بن أحمد الخريصي فخافت أم الشيخ صالح على ابنها صالح أن يصيبه ما أصاب إمامي المسجد قبله، مع أنها امرأة صالحة مشهورة بالديانة وطيب المطعم، فطمأنها الشيخ عمر بن سليم وقال: هؤلاء ماتا بأجلهما وليس بسبب إمامتهما في المسجد، ونرجو أن ينفع الله بابنك صالح في هذا المسجد.
وقد كان ذلك بالفعل فقد امتدت مدة إمامة الشيخ صالح في ذلك المسجد لأكثر من ٥٠ سنة.
وليس ذلك فحسب، وإنما صار المسجد مقصدا لطلبة العلم الذين كانوا يتحلقون حلقات واسعة في دروس الشيخ صالح الخريصي في أوقات متعددة.
وكنت من بين طلبته إذ كنا نذهب إليه من بيتنا الواقع في شمال بريدة القديمة، وذلك المسجد في محلة (الحويزة) التي تقع في الغرب من بريدة القديمة.
وكنت أقرأ عليه في الفقه أو التوحيد والحديث فكان يفيدنا بتعليقاته على دروس الطلبة.
стр. 2277
إلا أنه عندما حضر شيخنا الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد إلى بريدة وانتظمت دروسه قلَّ ذهابي إلى دروس الشيخ صالح الخريصي إلى أن تركتها تماما متفرغًا للدراسة في فنون مختلفة من النحو والفرائض وغيرهما على الشيخ عبد الله بن حميد في أوقات مختلفة من اليوم أولها بعد صلاة الفجر مباشرة وآخرها بين العشائين وهما صلاتا المغرب والعشاء.
خط الشيخ عبد الرحمن الخريصي شقيق الشيخ صالح، وقد كتب اسمه فيه (دحيم) بالتصغير (ودحيم): تصغير عبد الرحمن عند العامة كما هو معروف.
وقد شهد في الوثيقة الشيخ صالح بن أحمد الخريصي ولم يذكره أخوه (دحيم) بلقب الشيخ.
وتاريخ الوثيقة في ١٣٤٥ هـ.
ورد اسم الشيخ عبد الرحمن بن أحمد الخريصي أخي الشيخ صالح في ورقة مداينة بين عبد الله الناصر الشقيران وبين عبد الكريم بن إبراهيم العبودي.
والدين سبعة عشر ريالا، وهو مؤجل يحل أجل وفائه في ربيع الأول من عام ١٣٤٩ هـ.
стр. 2278
ثم خمسة أريل من يد (دحيم الخريصي) أيضا.
والدة الشيخ صالح الخريصي:
على ذكر ما مر عن والدة الشيخ صالح الخريصي يجدر أن نذكر أنها من أسرة (الحسين) الذي أصلهم من (آل مسعود) أهل الزلفي انتقلوا من هناك إلى بريدة وتقدم ذكرهم في حرف الحاء.
وكانت والدة الشيخ صالح معروفة بالديانة وصدق اللهجة، والأثر الحميد في قراءتها على المصابين بأمراض لها علاقة بالنفس أي العين، كما يعتقد كثير من الناس في تلك الأزمان.
حدثني جارنا في بريدة عبد الله بن سليمان الطرباق في عام ١٤٢٠ هـ بحضور أخيه الأصغر الدكتور عبد العزيز عميد كلية الزراعة في جامعة الملك سعود، قال:
стр. 2279
نحن كما تعلم من عقيل الذين كانوا يعملون في تجارة الإبل ما بين القصيم والشام وفلسطين ومصر، وعندما توقفت تلك التجارة بسبب إغلاق الطريق لأجل قيام دولة اليهود هناك، صرنا نتاجر بالإبل في داخل المملكة.
قال: ومرة زاد سعر الإبل في بريدة التي هي أكبر سوق للإبل في المملكة آنذاك وذكر لنا أنها موجودة رخيصة في جهة مكة المكرمة وحتى تبوك.
قال: فأخذت ما عندنا من النقود وهي قليلة وأخذت معها (نقودا بضاعة) والبضاعة من النقود أن يعطيها صاحبها لأحد الذين يتاجرون بها وله جزء من الربح الذي ينشأ عن ذلك وغالبا ما يكون ذلك الجزء النصف إذا كان طعام الذي يتاجر بها عليها أو الثلث إذا كان يأكل ويشرب من نفسه.
قال: وذهبت إلى الحجاز واشترت إبلا جيدة المقدار فبعتها في سوق بريدة بمكسب كبير، مما حدا ببعض الأثرياء إلى أن يبدؤني بأن يعطوني نقودًا أتاجر بها، وكنت أبدأهم قبل ذلك ومن ذلك أن (أحمد العييري) ﵀ أعطاني خمسمائة جنيه ذهبا بضاعة.
قال: فحصل لي من ذلك مكسب، فأصبت بمرض عضال لم يمر عليَّ في حياتي مثله لأنني صرت أحس أن نصف جسمي الأسفل لا يتجاوب معي إذا أردت تحريكه وكان يؤلمني ألما شديدا حتى كنت أصرخ إذا قلبني أهلي على جنبي.
قال: فقالت خالتي وهي زوجة أبي بعد أمي التي كانت قد ماتت وتزوجها والدي سليمان بن علي الطرباق بعد موت والدتي لأهلي: روحوا بعبد الله للخريصي وأمه يقرون عليه، وألحت في ذلك.
стр. 2280
قال: وكانت المشكلة أنني أتألم وأصيح، بل أصرخ من أية حركة, فانتدب لحملي من أقاربنا خمسة أحدهم اعتني بالحمار الذي ينقلني إلى بيت (الخريصي) واثنان منهم عن يمين ممسكين بجسمي واثنان من جهة اليسار.
وقد حملوني عرضًا على ظهر الحمار.
قال: فقرأ عليَّ الشيخ صالح الخريصي وأمه فأحسست بالراحة النفسية عند قرءآتهما عليَّ وفي المرة الثالثة وكان أهلي يذهبون بي إليهم، أحسست بالبرء، وبعد أربع جلسات غابت عني الآلام، وعدت إلى صحتي كأن لم يكن أصابني شيء.
الشيخ الخريصي زعيم المحافظين:
لو قسمنا المشايخ وطلبة العلم في بريدة بل في نجد إلى قسمين محافظين ومتساهلين في الأمور الشكلية المتعلقة بالدين لوجدنا أن الشيخ صالح الخريصي هو من أشد الناس محافظة على حمى الدين، وحتى في الأمور الشكلية لم يكن يقبل أي تغيير حديث يتعلق بتنفيذ الأوامر الدينية.
وقد ذكرت في كتاب (يوميات نجدي) أن الشيخ صالح الخريصي اجتمع عنده جماعة من المحافظين، وبحثوا ما كان يسعى إليه المثقفون من إنشاء شركة للزراعة في بريدة قد تحتاج إلى احضار خبراء أجانب من غير المسلمين، فمانعوا في ذلك.
كما أنني عندما عينت مديرًا لمعهد بريدة العلمي، ولم يكن المعهد قد أنشيء من قبل وإنما طلب مني أن أقوم بإنشائه وإدارته، قلت للشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رئيس القضاة والمفتي الأكبر للمملكة، وهو رئيس الكليات
стр. 2281
والمعاهد العلمية: إنه لكي نضمن نجاح المعهد لابد من تعيين أربعة مشايخ هم كبار طلبة العلم في بريدة آنذاك ليكونوا مدرسين، وهم الشيخ صالح بن أحمد الخريصي والشيخ صالح بن عبد الرحمن السكيني والشيخ علي بن إبراهيم المشيقح والشيخ صالح بن إبراهيم البليهي.
فوافق الشيخ محمد إبراهيم ﵀ على ذلك فأعددت أربعة كتب باسم كل واحد كتاب ختمه الشيخ محمد بن إبراهيم وعندما عدت إلى بريدة من الرياض سلمت كل واحد الكتاب الذي يخصه، وقد ذكرت تفصيل ذلك في كتاب (ستون عاما في الوظيفة الحكومية).
وفيما يتعلق بالشيخ صالح الخريصي قال لي: سوف أنظر في الأمر وأخبرك ثم قال لي: يا أخ محمد لو لم يكن في المعهد إلا أنت والمشايخ الآخرون الموثوق بهم من السعوديين لما ترددت في الاستجابة والقبول بوظيفة التدريس في المعهد، ولكن سوف يكون فيه أجانب أغلبهم من الأشاعرة في عقيدتهم، هذا إذا لم يكونوا من الذين يعتقدون عقيدة أكثر من عقيدة الأشاعرة ومن الصعب عليَّ أن أجالسهم وأعاشرهم، وأنا أعرف أنهم من أهل البدع.
وقد أكسبته منعته تلك التي هي عدم التهاون حتى في الأمور الشكلية المتعلقة بالدين مكانة عظيمة في نفوس المحافظين أضيف إليها ما يتحلى به من ورع وما يحافظ عليه من عبادة وما يقوم به من مساعدة للمحتاجين وغيرهم.
ولذلك كان منهجه في البحث في تدريسه، بل وسلوكه منسجمًا مع هذا الاتجاه.
حدثني الشيخ محمد بن علي الحركان وزير العدل السابق، الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، قال: كنا عند الملك خالد في مجلسه في الطائف فدخل
стр. 2282
عليه الشيخ صالح الخريصي وألقى كلمة مدعمة بالاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية أعجبت الملك خالد، وهي على هيئة نصيحة وتذكير للملك، ثم جلس الشيخ صالح الخريصي قليلا، وانصرف.
قال: وبعد ذلك حضر ولي العهد (آنذاك) الأمير فهد بن عبد العزيز - الملك فهد الآن - فقال له الملك خالد: يا أخ فهد: ليتك حاضر يوم يلقي الشيخ صالح الخريصي كلمته الطيبة النافعة كان أعجبتك واستفدت منها، هذو لا هم العلماء اللي نعرفهم ماهمب علماءكم القطان، وفلان و .... من الذين لا يدخل كلامهم إلى القلوب، لأن القلب يدخله الكلام إذا كان من قلب راعيه عن صدق، مثل الشيخ صالح الخريصي، قال: وكان مجلسه غاصًا بالناس عندما قال ذلك.
ومن مظاهر محافظة شيخنا الشيخ صالح الخريصي أنه كان ملتزمًا بالفقه بما قرره علماء الحنابلة، لا يرى الخروج عنه إلى اختيارات أخرى لأهل المذاهب الأخرى أو لقول غير مشهور في المذهب، ومن ذلك عدم أداء أي صلاة في أوقات النهي التي من أوسعها: ما بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس وبعد صلاة الفجر إلى طلوعها.
ولو كانت ذات سبب مثل تحية المسجد ركعتين، ومثل صلاة الكسوف.
وقد وقعت واقعة أخرجت ذلك من الفقه النظري إلى العملي سجلتها في مذكرة في عام ١٣٦٤ رأيت نقلها هنا من دون تغيير حرف واحد.
وهذا نصها:
في سنة ١٣٦٤ كسفت الشمس والقمر في شهر رجب وتحدث الناس بخسوف الشمس قبل وقوعه لأن أهل التقاويم ذكروا أن الشمس تكسف في تاسع عشر من رجب بالعصر وحدث ..... كلام من الناس بسببها وأمر الشيخ
стр. 2283
ابن حميد الناس أن يصلوا الكسوف بعد العصر فصلي الناس وامتنع الشيخ صالح بن أحمد الخريصي عن الصلاة، وكان الأمير عبد الله ابن فيصل قد أرسل إلى الشيخ يقول له خسفت الشمس بعد العصر ماذا نصنع فأرسل إليه أن صلوا فأم رجاله فدخلوا السوق والناس مجتمعين بعد العصر ينادون بأعلى أصواتهم الصلاة ويأمر الصلاة، فذهب الناس إلى المساجد وصلى أكثرهم وصلى صالح بن عبد العزيز المقبل فيما قيل إلى آذان المغرب.
أول ما عرفت الخريصي:
عرفت الشيخ صالح الخريصي في وقت مبكر كان ذلك قبل أن يكتسب لقب (الشيخ) بل كان يقال له مثلما كان يقال لأمثاله من طلبة العلم الذين لم يبلغوا درجة المشيخة (الأخ صالح) ومع أن كلمة (الأخ) صالح لا يوصف بها كل شخص، فإن أهل نجد لم يكونوا يطلقونها إلَّا على طلبة العلم والمتدينين جدًّا، لأن هؤلاء يستعيضون بها عن ذكر الأسرة أو القبيلة لكونها وصفًا إسلاميًّا مستوحى من الآية الكريمة (إنما المؤمنون إخوة) ولذلك سمي بها المتدينون من الأعراب أنفسهم حتى صاروا يعرفون عند الناس بالإخوان إذا أطلق هذا الاسم انصرف إليهم دون غيرهم.
وكان عمري آنذاك ثمان سنين أو نحوها، وكان دكان والدي لا يزال في السوق الشمالي الذي ينطلق من الوسعة الواقعة إلى الشمال من جامع بريدة القديم، وهو الذي سمي بعد ذلك بسوق الخراريز - جمع خراز.
فكان فيه عندما عقلت الأمور في أول عشر الستين من القرن الرابع عشر بعض الدكاكين لغير الخرازين، وهي لأناس بقوا فيه، ثم ارتحلوا عنه بعد ذلك فصار خالصًا للخرازين دون غيرهم، كان فيه من غير الخرازين دكان والدي،
стр. 2284
ودكان المطوع (الشيخ صالح بن كريديس) ودكان صالح بن سليمان الغليقة، ودكان محمد بن سعيد العبدان هؤلاء كلهم ليسوا من الخرازين.
وقد ترك والدي هذا السوق منتقلًا عنه إلى سوق بريدة الرئيسي الذي ينطلق من الجردة متجهًا إلى الغرب وينتهي بسوق قبة رشيد في عام ١٣٥٥ هـ.
كان الشيخ صالح الخريصي وأخوان له خرازين، وكان دكانهم مقابلًا لدكان والدي، فكان الشيخ صالح يعمل في الخرازة ولكنه لم ير قط إلا تاليًا للقرآن وهو يخرز النعال، أو مستذكرا لدروسه التي كان يتلقاها على شيخه الشيخ عمر بن سليم أو شيخه الآخر عبد العزيز العبادي.
فقال له والدي ﵀ وكان حريصا جدا على أن أستفيد من أي طالب علم - رغم سني -: يا أخ صالح أبيك جزاك الله خير تخلي الولد محمد يقرأ عليك بالمصحف.
يقصد من ذلك والدي أن يصحح تلاوة القرآن لي، فوافق الخريصي على ذلك مع شحه بالوقت، فكنت أدخل إلى دكانه الذي كان مقابلا لدكان والدي وأقرأ عليه وهو يعمل بالخرازة.
وما أذكر أنني رأيته في ذلك الوقت إلا وهو يتلو القرآن بصوت خفيض أو كان أمامه كتاب يستظهر منه دروسه فيعمل في الخرازة ويفصل بين ذلك بنظرة أو نظرتين إلى الكتاب.
وكان الشيخ صالح يترفع عن الخوض في الأحاديث التي يتداولها أرباب الصناعات يسرون بها عن نفوسهم، بل كان يزهد في الخوض حتى في الأحاديث العامة التي لا تتعلق بالعلم أو الدروس.
стр. 2285
وكان يبين على وجهه نور الإيمان لاسيما أنه كان أبيض الوجه بياضًا مشوبًا بحمرة، ويبدو عليه الصفاء والنقاء، وكان الناس يعظمونه في ذلك الوقت لهذا السبب، وليس لأنه ذو منصب لأنه لم يكن تولى منصبا من قبل، حتى إمامة مسجده لم يتولها إلا بعد وفاة أخيه عبد الرحمن في عام ١٣٥١ هـ.
لم أكن أفقه في ذلك الوقت شيئا عما يتعلق بالتلاوة، ولم يكن (الأخ) صالح الخريصي يعلق أو يوضح شيئا يتعلق بذلك، لأنه إنما فعل ذلك استجابة لرغبة والدي، ولذلك لم أر أي شخص آخر يفعل له مثل ذلك أي يقرأ عليه في دكانه.
ولذلك لم أكن اعتبر الشيخ صالح الخريصي أول شيخ لي من المشايخ العلماء وإنما اعتبرت الشيخ صالح بن كريديس الذي كان شيخه أيضا هو أول شيخ بدأت عليه طلب العلم.
وبعد سنوات عديدة وعندما كبر سني فأصبحت في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة قرأت على الشيخ صالح الخريصي قراءة علمية استفدت منها كثيرا، جزاه الله عني خيرًا.
وللشيخ صالح الخريصي تلاميذ تولى بعضهم القضاء وبعضهم أصبحوا علماء كالشيخ صالح بن إبراهيم البليهي.
قال الدكتور محمد بن عبد العزيز الثويني في كتابه عن الشيخ صالح البليهي:
"والمستمع أو القارئ الشيخ صالح البليهي وهو يتحدث عن شيخه الخريصي يلحظ تلك العلاقة التي لم تكن مجرد تتلمذ، بل تجاوزتها إلى أن أضحى كل واحد منهما يرى أن للآخر الحق عليه.
قال الشيخ البليهي عن هذا التتلمذ:
стр. 2286
"وفي سنة أربع وخمسين وثلاثمائة وألف من الهجرة كانت بداية قراءتي على شيخنا العلامة صالح بن أحمد الخريصي، قرأت عليه عدة كتب من أهمها كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وقرأت عليه في الإقناع في فقه الحنابلة، وقرأت عليه في كشاف القناع من كتاب الطهارة ووصلت فيه إلى كتاب الوصايا، ومضى عليَّ ست سنوات ولم أنتصف بالكتاب لأن شرح الإقناع مبسط ومطول، وقرأت عليه كثيرا في النحو في الأجرومية، وقرأت عليه في الكواكب الدرية شرح متممة الآجرومية في النحو، وقرأت عليه الفرائض أكثر من أربع سنين، وقد جئت على البداية والنهاية لابن كثير قراءة كاملة بحضرة شيخنا صالح إذ كلفنا بقراءتها (١).
أنموذج من كلام الشيخ صالح الخريصي:
وهذا أنموذج لكلام الشيخ صالح الخريصي في نصيحة من نصائحه التي كان يوجهها لعامة الناس وعنوانها:
نصيحة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتحذير من ترك الصلاة وبعض المنكرات:
للشيخ صالح بن أحمد الخريصي - رحمه الله تعالى وبوأه القصور العالية في الجنة.
يقول العبد الفقير المعترف بالذنب والتقصير، الراجي لعفو ربه القدير، صالح بن أحمد الخريصي:
الحمد لله الذي جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سهمين من سهام الإسلام، وصلى الله على محمد سيد الأنام، وعلى آله وأصحابه الأئمة الأعلام.
стр. 2287
أما بعد فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باب عظيم، به قوام الأمر وملاكه، وإذا كثر الخبث عم العقاب الصالح والطالح، واعلموا أيها الإخوان أنه لا يقوم دين ولا يستقيم إلا بهما، وهما المقام الذي يستجلب به النعم، ويستدفع به النقم، وقد أثبت الله ﵎ الخيرية لهذه الأمة بهذا فقال تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾.
وحصر الفلاح في أهله فقال تعالى ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
وهو من صفات المؤمنين الكمل، قال تعالى ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
وهو نجاة لمن قام به في الدنيا والآخرة قال تعالى ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.
وفي الحديث الصحيح عنه ﷺ (إن من كان قبلكم كانوا إذا عمل العامل بالخطيئة جاء الناهي إليه تعذيرًا فإذا كان السر جاء إليه وواكله وشاربه كأن لم يره على خطيئة بالأمس، فلما رأى الله ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض، ثم لعنهم على لسان نبيهم داود وعيسي بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطرًا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم).
стр. 2288
وذكر ابن أبي الدنيا عن إبراهيم بن عمرو الصماني قال أوحى الله إلى يوشع بن نون أني مهلك من قومك أربعين ألفا من خيارهم، وستين ألفا من شرارهم، قال هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار، قال إنهم لم يغضبوا لغضبي وكانوا يواكلونهم ويشاربونهم.
وذكر أيضًا من حديث ابن عمر ﵄ (لينقضن الإسلام عروة عروة حتى لا يقال الله الله، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيسومونكم سوء العذاب، ثم يدعوا خياركم فلا يستجاب لهم، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، وليبعثن الله عليكم من لا يرحم صغيركم، ولا يوقر كبيركم).
وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يوشك أن تخرب القرى وهي عامرة، قالوا: كيف تخرب وهي عامرة قال: إذا علا فجارها على خيارها وساد القبيلة منافقوها.
وفي حديث النعمان بن بشير ﵁ أن النبي ﷺ قال (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا في سفينة فصار لبعضهم أعلاها، ولبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم قالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإذا تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا جيمعًا).
وهكذا الحال الراهنة التي نحن عليها، إن أخذنا على أيدي إخواننا، وحلنا بينهم وبين مراتع الهلكة، نجونا جميعًا، وإن تركناهم هلكنا جميعا.
وفي حديث أم سلمة ﵂ قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعقاب من عنده)،
стр. 2289
قلت يا رسول الله الله أما فيهم يومئذ قوم صالحون قال (بلى) قلت كيف يصنع الله بهم قال: يصيبهم ما أصاب الناس ثم يكونون إلى مغفرة من الله).
وفي حديث زينب أم المؤمنين ﵂ أن النبي ﷺ خرج فزعًا يقول (لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج وماجوج مثل هذا) وحلق الإبهام والتي تليها قلت يا رسول الله أفنهلك وفينا الصالحون قال (نعم إذا كثر الخبث).
وفي حديث ابن عمر ﵄ قال كنت عاشر عشرة من المهاجرين عند رسول الله ﷺ ، فأقبل علينا بوجهه وقال (يا معشر المهاجرين خمس خصال أعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوها إلا ابتلاهم الله بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولا نقص قوم المكيال والميزان إلا ابتلوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان، وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولا خفر قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوًا من غيرهم فأخذوا ما في أيديهم، وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه إلا جعل باسهم بينهم).
إذا تقرر هذا وعرف فاعلموا رحمكم الله أن من أعظم المنكرات ترك الصلاة وهو كفر كما قال ﷺ (بين العبد وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة).
ومن المنكرات الظاهرة ترك الصلاة جماعة مع المسلمين لأنه ﷺ هم بتحريق بيوت المتخلفين عن الجماعة بالنار، وما ذاك إلا بتركهم واجبًا عظيمًا من واجبات الإسلام.
стр. 2290
وقد سئل حبر الأمة وبحرها عبد الله بن عباس ﵄ عن رجل يصوم النهار، ويقوم الليل، ولا يشهد الجمعة ولا الجماعة، فقال هو في النار، فتردد عليه السائل شهرا ويقول هو في النار.
ومن المنكرات الظاهرة ما فشا وعمت به البلوى من اتخاذ آلات اللهو والمزامير، واستماعها والعكوف عليها، وهي مما استفز بها الشيطان بني آدم قال تعالى (واستفزز من استطعت منهم بصوتك)، فصاد بها الشيطان في هذه الأزمان خلقًا كثيرًا، وجمعًا غفيرًا، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون، فتجد من هي في بيته، ملازمًا لها هو ونساؤه وأولاده لا ينكر ذلك منهم منكر، فيا عظم عقوبة هذا المسكين، ويا شدة حسرته عند المعاينة.
وفي حديث أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال (إن الله بعثني رحمة للعالمين، وأمرني ربي بمحق المعازف والمزامير، والأوثان والصليب، وأمر الجاهلية، وحلف ربي بعزته أنه لا يشرب عبد من عبيدي جرعة من خمر إلا سقيته من الصديد مثلها، ولا يتركها من مخافتي، إلا سقيته من حياض القدس).
ومن المنكرات التي فشت وانتشرت شرب المسكرات على اختلاف أنواعها، وهي أم الخبائث، ومفتاح كل شر، وسلابة للنعم، وجلابة للنقم، فكم سلبت من نعمة، وأحلت من نقمة، وجلبت من محنة، ومن أنواعها التتن الخبيث المضر على البدن والدين والمال، وضرره ظاهر، وفساده للمجتمع لا يعرفه إلا أهل البصائر، وإن أهله المولعين به يبذلون أعراضهم إذا فقدوه، ويحدث الأمراض الفتاكة كما هو معروف من علم الطب.
стр. 2291
ومن المنكرات الظاهرة التي اتخذت عادة حلق اللحي، وهو أمر محرم قال تعالى (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا).
وقد نهى ﷺ عن حلقها في عدة أحاديث صحيحة صريحة في التحريم كقوله ﷺ (جزوا الشوارب، وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس، خالفوا المشركين).
فيكون التحريم مستفادًا من أمرين من نهيه ﷺ عن حلقها، ومن التشبه بالمشركين، ويكفي في جمالها وكمالها وشرفها ومحلها من الشريعة المطهرة أن فيها الدية كاملة مائة من الإبل إذا جني عليها.
ومن المنكرات أيضا التي أغوى الشيطان أهلها اتخاذ تواليت النصارى تشبها بهم، وقد قال ﷺ (من تشبه بقوم فهو منهم) وأقل الأحوال التحريم كما ذكره شيخ الإسلام ﵀.
ومن المنكرات اتخاذ المصورات واقتناؤها، وهي شيء محرم بنص السنة، وقد أمر ﷺ بطمسها إذا وجدت.
ومن المنكرات كشف العورة كما يجري فعله من بعض الشبيبة عند اللعب بالكرة من كشف الفخذين أو بعضهما، لأن الفخذ عورة لقوله ﷺ لعلي ﵁ (لا تبرز فخذك ولا تنظر فخذ حي أو ميت).
كذلك ما يفعله بعض الناس في لباسهم السراويل القصار التي يسمونها الهاف، ويلبسون عليها ثوبا رقيقا يصف البشرة من بياض وسواد وهذا فيه خطر عظيم في الصلاة خاصة، وفي غيرها عامة.
فيا معشر المسلمين، ويا معشر المسؤولين من العلماء والأمراء والكبراء والزعماء، اتقوا الله وراقبوه، وقوموا بما أوجب الله عليكم من الأمر بالمعروف
стр. 2292
والنهي عن المنكر، ولا تأمنوا مكر الله فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، ولا تغتروا بستره وحلمه، وما فتح عليكم من النعم، فإنه ما أخذ قوم إلا عند غرتهم ونعمتهم وسلوتهم، وهذا الواجب العظيم لا يختص به فرد دون فرد، لأنه ﷺ خاطب الأمة كلها في قوله (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده) إلى آخر الحديث، لكن على أهل الحسبة، وهم النواب من المسئولية ما ليس على غيرهم، فاتقوا الله عباد الله وحولوا بين إخوانكم، وبين مراتع الهلكة، وذودوهم عن موارد العطب، فإنكم مسئولون عنهم أمام الله، كما ورد في الحديث (إن الجار يتعلق بجاره يوم القيام، ويوقفه بين يدي الله ، ويقول: يا رب سل هذا لم خانني فيقول يا رب ما خنته في أهل ولا مال فيقول صدق، ولكنه رآني على ذنب كذا من فعل محظور أو ترك مأمور فلم يأمرني ولم ينهني).
فإن أخذتم على أيديهم نجوتم جميعًا، وإن تركتموهم هلكتم جميعًا، فما أهون الخلق على الله إذا أضاعوا أمره كما قال أبو الدرداء ﵁ لجبير بن نفيل حين رآه يبكي بعد فتح قبرص، وقد فرق بين نسائهم وذرياتهم، فقال مالك تبكي في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله، وأذل الشرك وأهله، فقال ويحك يا جبير ما أهون الخلق على الله إذا أضاعوا أمره، بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الأمر، أضاعوا أمر الله فصاروا كما ترى.
هذا وأسأل الله تعالى الكريم أن ينصر دينه، ويعلي كلمته، وأن يجعلنا وإياكم من أنصار دينه، وأن يحفظ إمام المسلمين وولي عهده وأسرتهما.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
стр. 2293
رسالة أخرى للشيخ صالح الخريصي:
ومن رسائل الشيخ صالح الخريصي أيضا (١):
من صالح بن أحمد الخريصي إلى من يراه ويسمعه من إخواننا المسلمين.
وفقني الله وإياهم للقيام بواجبات الدين، وعصمني وإياهم من طرق المغضوب عليهم والضالين، ورزقني وإياهم التفقه في الدين آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فقد نمى إلينا وسمعنا ما يقع في حفلات الزواج غالبا من الأمور المحرمة، كالتصوير وإعلان أصوات المغنيين والمغنيات بمكبرات الصوت، وحيث إن الكثير من الناس يفعلون تلك الأمور المحرمة تقليدا للآخرين، وجهلًا بسنة سيد المرسلين، فأقول وبالله التوفيق، وأسأله العصمة والتحقيق.
قال الله تعالى ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
وقال تعالى ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾.
وقال تعالى ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾.
وقال تعالى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ (قال تعالى من أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة) أخرجاه.
стр. 2294
وعن ابن عباس ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم).
وعنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول (من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ) متفق عليه.
وأخرج الترمذي وقال حديث حسن صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان يبصر بهما وأذنان يسمعان ولسان ينطق يقول إني وكلت بثلاثة: بمن جعل مع الله إلها آخر، وبكل جبار عنيد وبالمصورين).
وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (إذا عملت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء، إذا كان المال دولًا، والأمانة مغنمًا، والزكاة مغرمًا، وأطاع الرجل زوجته، وعق أمه، وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره، ولبس الحرير، واتخذت القينات والمعازف، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليتوقعوا عند ذلك ريحًا حمراء ومسخًا وخسفًا).
وعن معاوية أن رسول الله ﷺ : نهى عن تسع وأنا أنهاكم عنهن، ألا إن منهن الغناء والنوح والتصوير، الحديث.
وعن أبي أمامة عن رسول الله ﷺ قال (إن إبليس لما نزل إلى الأرض قال: يا رب أنزلتني إلى الأرض وجعلتني رجيمًا فأجعل لي مبيتًا، قال: الحمام، قال: فاجعل لي مجلسًا قال: الأسواق ومجامع الطرق، قال: فاجعل لي طعامًا قال: كل ما لم يذكر إسم الله عليه، قال فاجعل لي شرابة، قال: كل مسكر، قال فاجعل لي مؤذنًا، قال: المزمار، قال: اجعل لي قرآنا، قال: الشعر، قال فاجعل
стр. 2295
لي كتابا، قال: الوشم، قال: اجعل لي حديثا قال: الكذب، قال: اجعل لي رسلا قال: الكهنة، قال: اجعل لي مصائد قال: النساء).
وعن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم قردة وخنازير) وهذا إسناد صحيح.
وعن سهل بن سعد الساعدي، قال: قال رسول الله ﷺ (يكون في أمتي خسف وقذف ومسخ) قيل يا رسول الله متى؟ قال: (إذا ظهرت المعازف والقينات، واستحلت الخمر).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (يمسخ قوم من هذه الأمة في آخر الزمان قردة وخنازير) قالوا يا رسول الله، أليس يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قال: بلي (ويصومون ويصلون ويحجون) قيل فما بالهم، قال (اتخذوا المعازف والدفوف والقينات فباتوا على شربهم ولهوهم فأصبحوا وقد مسخوا قردة وخنازير).
وعن أبي أمامة عن رسول الله ﷺ قال (يبيت قوم من هذه الأمة على طعام وشرب ولهو، فيصبحون وقد مسخوا قردة وخنازير، وليصيبنهم خسف وقذف حتى يصبح الناس فيقولون خسف الليل بدار فلان، خسف الليلة ببني فلان، وليرسلن عليهم حجارة من السماء، وليرسلن عليهم حجارة من السماء، كما أرسلت على قوم لوط على قبائل فيها، وعلى دور فيها، وليرسلن عليهم الريح العقيم التي أهلكت عادًا، بشربهم الخمر، وأكلهم الربا، واتخاذهم القينات، وقطيعتهم الرحم).
стр. 2296
قال ابن أبي الدنيا: حدثنا هارون بن عبيد الله، حدثنا يزيد بن هارون حدثنا أشرس أبو شيبان الهذلي قال: قلت لفرقد السبخي أخبرني يا أبا يعقوب من تلك الغرائب التي قرأت في التوراة، فقال، يا أبا شيبان والله ما أكذب على ربي مرتين أو ثلاثا، ولقد قرأت في التوراة، ليكونن مسخ وخسف وقذف في أمة محمد ﷺ في أهل القبلة، قال: قلت يا أبا يعقوب ما أعمالهم قال باتخاذهم القينات وضربهم بالدفوف، ولباسهم الحرير والذهب، ولئن بقيت حتى ترى أعمالا ثلاثة، فاستيقن واستعد واحذر، قال قلت ما هي قال: إذا تكافأ الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، ورغبت العرب في آنية العجم، فعند ذلك، قلت له العرب خاصة، قال لا بل أهل القبلة، ثم قال: والله ليقذفن رجال من السماء بحجارة يشدخون بها في طرقهم وقبائلهم كما فعل بقوم لوط، وليمسخن آخرون قردة وخنازير كما فعل ببني إسرائيل، وليخسفن بقوم كما خسف بقارون.
إذا عرف هذا فاعلموا يا عباد الله أنكم مسئولون ومحاسبون، فقد قال رسول الله ﷺ (لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن خمس، عن عمره فيما أنفقه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وماذا عمل بما علم).
فسارعوا إلى الخيرات، وبادروا بالأعمال الصالحات، فقد قال النبي ﷺ (بادروا بالأعمال سبعة، هل تنتظرون إلا فقرًا منسية، أو غنى مطغيًا، أو مرضًا مفسدًا، أو هرمًا مفندًا، أو موتًا مجهزًا، أو الدجال، فالدجال شر غائب ينتظر، أو الساعة، فالساعة أدهى وأمر).
وتعلمون عباد الله ما أنتم عليه في الأزمان الماضية من الفقر والحاجة، وعدم القدرة على شيء من الدنيا، وقد بسط الله عليكم الآن من النعم ما
стр. 2297
تشاهدونه وتنظرون إليه، فاتقوا الله في أنفسكم، وخافوا من التغيير، لأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وأعمالكم هذه التي تعملونها ليست مسبوقة لأحد منكم، مع العلم أن خياركم تعلمون ما هم عليه من التمسك بهذا الدين، والنهي عما يخالفه.
وهذه الأعمال التي ذكرنا في حفلات الزواج تشمئز منها القلوب، وتنكرها الفطر السليمة، ويخاف من مغبتها.
فعليكم النزع عن هذه الأشياء، والتوبة الصادقة، والإنابة الخالصة، فإن العبد لا يدري متى رحلته عن هذه الدار، وملاق ربه، ثم إذا ظهر له ذلك وبان، عض يديه وطلب الرجعة ليعمل صالحًا، فيقال له هيهات ليس هذا وقت رجوع، فنسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، أن يرفع عن المسلمين البأس، وأن يرزقهم الإنابة إليه، والرجوع إلى طاعته، إنه جواد كريم، رؤوف رحيم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. انتهى.
وفاة الشيخ صالح الخريصي:
أكمل الشيخ صالح الخريصي المدة النظامية للعمل في الحكومة فصدر أمر ملكي بتمديد عمله وكان في وظيفة (رئيس محاكم القصيم) ثم مدد عمله أيضا إلى أن تقاعد نهائيا بعد أن نيف على الثمانين.
ثم توفي في ٢٨ من رمضان عام ١٤١٥ هـ.
وقد حزن الناس لوفاته وصليت عليه صلاة الغائب في الحرمين الشريفين وكنت حضرت صلاة الغائب عليه في الحرم المكي.
стр. 2298
ونشرت الجرائد وفاته وكلمات الرثاء فيه، ومنها كلمة للأستاذ عبد العزيز الدباسي نشرها في جريدة (الجزيرة) ورايت ذكرها هنا لأنه ذكر فيها أيضًا معلومات عن الشيخ، قال الدباسي:
ورحل العالم الصالح:
لقد فجعت مدينة بريدة صبيحة يوم الاثنين قبل الماضي بفقد العالم الصالح والرجل الوقور الكريم الفاضل الجواد فضيلة الشيخ صالح بن أحمد الخريصي ﵀ بعد معاناة مع المرض عن عمر يناهز الثمانين عامًا قضاها يرحمه الله في طلب العلم وتولي القضاء والإمامة والتدريس.
وقد ولد فضيلته في مدينة بريدة عام ١٣٢٧ هـ وتعلم القرآن الكريم والنحو على يد الشيخ صالح الكريديس يرحمه الله والمطوع ابن حمد يرحمه الله، وتعلم التوحيد والفقه وباقي العلوم الشرعية على يد الشيخ محمد بن عبد الله الحسين والشيخ عبد العزيز العبادي والشيخ عبد الله السليم والشيخ عمر بن محمد السليم والشيخ عبد الله بن محمد بن حميد يرحمهم الله جميعًا.
وقد تولى فضيلته يرحمه الله الإمامة وفتح حلقة ذكر وتدريس في المسجد عام ١٣٥٤ هـ وعمره ٢٧ عامًا وتولى القضاء وعمره ٣٣ عامًا وتولى القضاء والإمامة والتدريس في مدينة الأسياح وعمره ٤٣ عامًا وبعدها بعام تولى القضاء والإمامة والتدريس في مدينة الدلم التابعة لمنطقة الخرج وقبل أن يكمل هناك العام عاد إلى مدينة بريدة وتولى القضاء ثم تولى رئاسة المحكمة الكبرى ببريدة.
وفي عام ١٣٧٨ هـ صدر أمر كريم بتعيينه رئيسا لمحاكم منطقة القصيم، وقد كان فضيلته يرحمه الله لا يريد القضاء ولكنه لم يستطع الإعفاء
стр. 2299
عنه كما كان محبوبًا لدى ولاة الأمر في هذه البلاد المباركة فكلمته مسموعة وآراؤه مقبولة لأنه ناصح لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.
وكان فضيلة الشيخ صالح الخريصي يرحمه الله لا يدع الحج والعمرة ولا يدع صيام ثلاثة أيام من كل شهر ولا يدع قيام الليل سفرًا وحضرًا، وكان زاهدا ورعا بكاءً من خشية الله عندما يخطب الجمعة أو غيرها أو عندما يؤم للمصلين فيبكي لبكائه من حضر، وكان شافعًا لكثير من أصحاب الحاجات والغارمين واليتامى والمساكين والأرامل جاهه لهم وماله مشترك بينه وبينهم في وجه طلق وقلب رحيم.
وقد امتلأ مصلى العيد الجنوبي ببريدة بالمصلين على جنازته وحضر جمع غفير جدًّا من المصلين وساروا بالجنازة إلى مقبرة الموطأ ببريدة سيرًا على الأقدام بالرغم من بعد المسافة وأديت الصلاة على جنازة الشيخ في المقبرة أكثر من خمس مرات وإلى يومنا هذا وهو يصلى عليه في القبر كما أديت عليه صلاة الغائب في عدة مناطق ولعل أبرز صالة الغائب في الحرم المكي الشريف.
نسأل المولى أن يتغمد فضيلته بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته ويلهم أهله وذويه وجميع محبيه وعارفي فضله الصبر والسلوان وإنا لله وإنا إليه راجعون.
من الرثاء الشعري:
رثاه الشيخ عبد العزيز بن عبد الرحمن اليحيى بمرثية قدم لها بقوله:
هذه مرثية بالشيخ الجليل العالم الفاضل صاحب السيرة الحميدة والأفعال المجيدة الشيخ صالح بن أحمد الخريصي ﵀ الذي فجعت بموته البلاد
стр. 2300
عامة والقصيم خاصة المتوفى صبيحة يوم الإثنين الموافق ٢٨/ ٩ / ١٤١٥ هـ عن عمر يناهز الرابعة والثمانين عاما قضاها في خدمة الإسلام والمسلمين فجزاه الله خيرًا وأسكنه فسيح جناته:
عظم المصاب وحارت الأفهامُ ... وعلا النشيج وضَجَّت الأقوامُ
وسألتهم في دهشة ماذا جرى؟ ... قالوا توفي في القصيم إمامُ
شيخ الورى، بحر الندي, علم الهدى ... العالم العلامة المقدامُ
من لم يخف في الله لومة لائم ... ولذا نعاه بوقتنا الإسلامُ
كهف الديانة والمرؤة والتقى ... بحر العلوم القانتُ القوَّامُ
تلميذ من بخل الزمان بمثلهم ... وبذكرهم قد كلت الأقلامُ
آل السليم أئمةٌ فيما مضى ... أهل الدراية دونما إيهامُ
فهم الهداة لكل خيرٍ يحتذى ... وهم الشيوخ السادة الأعلامُ
كم خرجوا من جهبذٍ ومحققٍ ... نور الشريعة بالأولى بسّامُ
ولذا نعت أم القصيم إمامها ... وغشى الحمى بعد الضياء قتامُ
ومجالس التعليم تبكي جهرة ... وأراملُ الفقراء والأيتامُ
جمعٌ عظيمٌ في مصلى عيدنا ... ينعون شيخًا حقه الإكرامُ
نعْش على الأكتاف يحمل عالمًا ... والناس تبكي والطريق زحامُ
يتسارعون على قوائم نعشه ... واحتكت الأكتافُ والأقدامُ
من ذا سيخلف شيخنا في نهجه ... لو أكثر الحسَّادُ واللوّامُ
نبكي الخريصي الشهير المرتضى ... ما دامت الساعات والأيامُ
بدرَ القصيم ونوره بل قطبه ... والقول هذا ليس فيه ملامُ
فرحيل أهل العلم خطبٌ فادحٌ ... لله في تقديره أحكامُ
بالأمس كنا نازلين بسوحهم ... للقلب في تلك الرياض غرامُ
بمجالس التعليم راق شرابنا ... ينتابها بعد الإمام إمامُ
стр. 2301
كم عالم قد حل بين ربوعها ... نبكي عليه وفي الفؤاد كلامُ
فالنصح والتوجيه جل جهادهم ... لا الفخر والتفخيم والإقحامُ
فالموت يفجعنا بنزع خيارنا ... في كل حين والقلوب نيام
فالموت حق والفناء مصيرنا ... ومصير ما فوق التراب حطامُ
ثم النشور وبعده حشرٌ لنا ... عند الإله وتصدر الأحكامُ
هذا إلى الجنات يدعى آمنًا ... ويطيب في تلك الديار مقامُ
والآخر المحروم نحو جحيمها ... قد ساقه العصيان والاجرامُ
نرجو من الرحمن ﷻ ... من عنده الإفضال والإنعامُ
أن يجبر القلب المصاب بشيخه ... فهو الكريم الواحد العلامُ
وعسى جنانَ الخلد مؤى شيخنا ... يحظى بفوزٍ منك يا علامُ
في ثامن العشرين أرخ خطبه ... من شهر صوم والحشود صيامُ
في خامس للعشر بعد مئينها ... ثنتين مع ثنتين هي أعوامُ
من بعد ألفٍ والحياة مراحلٌ ... قد فات شيخي والسلام ختامُ
ثم الصلاة على النبي محمدٍ ... ما إخضرت الأشجارُ والأكمامُ
والآل والأصحاب أرباب الحجى ... ما ناح من فوق الغصون حمامُ
قائلها الفقير إلى عفو ربه
عبد العزيز بن عبد الرحمن اليحيى
قال الأستاذ الشاعر محمد بن حمد بن إبراهيم العويد:
هذه مرثية في الشيخ الجليل والعالم النبيل الحبر العلامة البحر الفهامة الشيخ صالح بن أحمد الخريصي ﵀ رحمة واسعة وغفر له ولوالديه ولجميع علماء المسلمين، المتوفى في يوم الاثنين الموافق ٢٨/ ٩ / ١٤١٥ هـ:
مررت بالحيّ قدمًا من لياليها ... والشمل ملتئم والطير شاديها
стр. 2302
فيها الأوانس قد طابت وقد سحبت ... ذيل التصابي وقد تمت غوانيها
والكاعب الخفرة البيضا يجللها ... درع البهاء بحسن كان في فيها
منضود در بثغر ظل مبتسمًا ... عذب اللَّمَى في عذاب من تجنيها
عجزاءُ بهنكة درما مهفهمة ... كالشمس في الحسن ذاك الفرع داجيها
واليوم أضحت خرابًا لا يرى أثرٌ ... إلا الأثافي فيا لله راعيها
* * * *
دع ذكر هند وسلمى والرباب فما ... يجديك تشبيب أبيات قوافيها
(أستغفر الله لكن النسيب حُلىً) ... الشعر يكسبها الأمثال تشبيها
تبكي المنازل أهليها وتندبهم ... دلالة النص تكفي عند واعيها
هذي بريدة تبكي اليوم عالمها ... بوارف الدمع سحًا من مآقيها
على إمام كريم فاضل وجلٍ ... نال الإمامة حقا من أعاليها
أعني التقي النقي الطاهر الورع الـ ... ـحبر الإمام تقي الدين جاليها
وافي الجلالة مقدام لنجدة من ... يرجو الشفاعة باديها وخافيها
أعني الخريصي كريم النفس من عرفت ... فينا سجاياه تعليمًا وتوجيها
صافي الوداد لمن أصفى مشاربه ... والضد يسقي ذعافًا في تحسيها
يدعو إلى الله في سر وفي علنٍ ... بذل النصائح تقويمًا معاطيها
وافي الخصال حيي في تدرعه ... ثوب الحيا سابغًا بالطهر ثانيها
من الأولى بلغوا في العلم منزلةً ... عالي الأسانيد من تحديث راويها
ففي الأصول درار مثلها وسنا ... هدية من شيوخ العلم يهديها
هي الرسائل في التوحيد نمقها ... أعني ابن قاسم يعزوها لأهليها
وفي الأحاديث تصحيحًا ومعرفة ... قد حاز فيها لعمري طود راسيها
فقوله مقنع كافٍ عمدته الشو ... رع الشريف وما قد سَنَّ هاديها
في الفقه فاق، وفي العلم الشريف سما ... سبحان من خصته بالفضل تنويها
стр. 2303
في الفقه مغني مع الكافي ويتبعه الـ ... ـكشاف يكشف عن تعبير ممليها
في النحو إلف مع القطر الندى فلذا ... فات ابن مالك تقديمًا حواشيها
في الوعظ تبصرة زينت بعمدتها ... حذف المخيف وإبدالا معانيها
مآثر الشيخ كالشمس المنيرة في ... وسط النهار فلا تحفي لرائيها
سل المساجد عند كل آونة ... إذ خطَّها بصواب الفعل بانيها
أيضا المقابر إذ قد حاط أبنية ... لها وقد صانها عمن يداجيها
باق من السلف الماضين من ذهبوا ... أبقوا علوما وأفعالا يساميها
حتى إذا اعتكر الليل البهيم يُرى ... قد صفَّ أقدامه لله حَانيها
والعين من خشية المولى مدامعها ... كالصيب العارض الهطال يحكيها
يخاف من سطوة المولى ويحذره ... إذ كان يصدع بالمعروف ناديها
ملازم الذكر والأوراد يتبعها ... بالصوم الله والليلات ساريها
مهذب الرأي في التحقيق همته ... يبدي علومًا ويروي اليوم صاديها
مسدد في القضا والعلم ينشره ... بعزمة الماجد المقدام يزجيها
فخر القصيم سخي الطبع نشأته ... وكفه بالسخا سبحان منشيها
ومغرم بفعال الخير من صغرٍ ... مذ شب يافعًا العلياء يأتيها
هو الحبيب لأهل الخير قاطبة ... لكنّه الضد للأضداد صاليها
كالبدر أضحى يباهي النجم رونقه ... استغفر الله لكن شمس ضاحيها
كم من أيادٍ له عظمى مجللة ... بذل النوال لأيتام يحييها
والعيب فيه لدى الأقوام تعرفه ... بذل الندى والوفا بل كل ما فيها
إذا مررت ببيت الشيخ تلق بهِ ... أهل الحوائج يرضي الله قاضيها
من للأرامل والأيتام يمنحهم ... صفو الوداد ويولي اليوم ساعيها
من لم يخف قط في الرحمن لائمة ... ولم يبال بلوّام يداريها
تبكي المنابر شيخًا مصقعًا لقنًا ... يدعو إلى الخير لم يغرره زاهيها
في الأصل قد حاز في التحقيق مرتبة ... في الجود يحكي فخارًا عندَ ماضيها
стр. 2304
شمائل الشيخ مثل الروض باكره ... صوب الغمام رذاذًا ينثني تيهًا
رب الفصاحة مع نهج البلاغة مع ... سمت الوقار مع العرفان كاسيها
قد ظل قلبي لفقد الشيخ ذا وله ... أبكي وأندب قاضيها ومفتيها
يا حر قلبي ويا حزناه يا لهفا ... لفقد ذا الشيخ حارت من عواليها
مجالس اشيخ أمست وهي دارسة ... فما البكأ مجديًا من كان باكيها
فيا بني الشيخ هبوا من رقادكمو ... دعوا الهوينا وصاحب كل أهليها
تعلموا العلم في الإصباح واجتهدوا ... من لم ينله يقوم اليوم ينعيها
هذا وإنّا لنرجو الله خالقنا ... مجالس الشيخ عبد الله يحييها
فانهض بعزمة صدق لا ترى خجلا ... عن العلوم ودع إحجام جافيها
ثم الصلاة على المختار سيدنا ... أزكى البرية قاصيها ودانيها
والآل والصحب ما حنت محجلة ... تبكي على الإلف فوق الغصن شاجيها
قالها الفقير إلى عفو ربه
محمد بن حمد العويد
القصيم - بريدة
في ١/ ١٠ / ١٤١٥ هـ
وقال الأستاذ صالح بن سليمان المقيطيب:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
انتقل إلى رحمة الله فضيلة الشيخ صالح بن أحمد الخريصي في ٢٨/ ٩ / ١٤١٥ هـ وصلي عليه في مصلى العيد الجنوبي ظهرًا والشيخ فقيد العلم والمعرفة حبر لا يباري، وبحر لا يجاري، جمع بين العلم والورع والزهد في الدنيا كان كريمًا في أخلاقه كريمًا ببذل المال يشاركه الفقراء في مأكله ومشربه ومن صفاته تفقد الفقراء والمساكين ويخص جيرانه المستحقين بمزيد من العناية، مات ﵀ ولم يترك إلا الثناء العطر، وكان ملوكنا أعزهم الله
стр. 2305
يقدرونه كعادتهم في إكرام العلماء ويخصونه بمزيد من التقدير من لدن الملك عبد العزيز طيب الله ثراه إلى عهد الملك فهد أمد الله في عمره ووفقه لما يحبه ويرضاه، له صفات ألبسته هيبة عند الخاصة والعامة فرحم الله الشيخ وجميع أموات المسلمين، وإليك الأبيات وهي جهد المقل من أخيك صالح بن المقيطيب:
لك الحمد يا ربي على ما هديتنا ... وألهمتنا صبرا به الحزن يذهب
رزئنا بموت الشيخ والباقي ربنا ... وليس لنا عما قضى الله مهرب
ألا إن موت الشيخ كان مصيبة ... فصبرًا أخا الإسلام فالصبر مطلب
وماذا يقول الناس حين تبلغوا ... ألا فاصبروا فالصبر ينسي ويرأب
وصلوا على الشيخ الخريصي وشيعوا ... إلى قبره والكل يبكي وينحب
فما لمت من يبكي عليه تأسفًا ... وما لمت من يبكي عليه ويندب
فكم طالب يبكي وينعاه مسجد ... أحاديثه تحيي القلوب وتطرب
به زانت الدنيا بشمس علومه ... غدا منهلا للعلم والناس تشرب
تذكرت طلابًا عليه تحلقوا ... وأقلامهم جُلَّ الفوائد تكتب
وأبكي على من يبذل العلم جاهدًا ... له من صفات الخير ذكر محببُ
وقد غادر الدنيا بخير وذكره ... لتاريخنا عطر يفوح وأطيب
فتلك لعمر الله سنة ربنا ... ومن ذا الذي من سنة الله يغضب
أيا موت رفقا بالكرام فجعتنا ... جموع من الأخيار بالموت غيبوا
لقد كان شمسًا للبلاد يضيئها ... كريمًا ببذل المال للأجر يطلب
له أسوة بالمصطفي عند بذله ... يرى أن بذل المال للمرء مكسب
فما مال للدنيا لجمع حطامها ... ولكنها تأتيه طوعًا وتخطب
فسل عنه أيتامًا وسل عنه جيرة ... وسل معدمًا يحنو عليه ويكسب
لكم حائر يأتيه يشكو حياته ... فيرجع مسرورًا ويثني ويطنب
بيوت بموت الشيخ ضاقت بأهلها ... وألف بفقد الشيخ تُجفي وتخرب
стр. 2306
فقدنا أبا برًا رحيمًا وخيره ... كثير به الأمثال بالبذل تضرب
إذا جن ليل الغافلين فليله ... يناجي ويدعو ربه يتقرب
فسل مصحفًا يتلوه بالليل قائمًا ... ودمع من العينين في الخد يسكب
وسل عنه محرابًا، وسل عنه منبرًا ... وسل جبهة الله في الأرض تترب
فيا راحم الأحوال ترحم فقيدنا ... وجنبه نارًا للعصاة تلهَّبُ
فنم في نعيم القبر إن شاء ربنا ... لقد كنت في الدنيا من الله ترهب
وأبشر بجنات ستجني ثمارها ... وأنهارها تجري ومنها ستشرب
إذا شاء مولانا عليك ومنة ... إذا أسلف الإنسان خيرًا يقرب
وأرجو لك الفردوس مأوى ومنزلا ... فربي كريم للخلائق يعجب
لكم في قلوب الناس حب وهيبة ... من الله تعطى للكريم وتوهب
ومن صان علمًا للإله فإنه ... سيحيا عزيزًا في القلوب يحبب
فكم عبرة فاضت وأهريق دمعة ... ألا إن فقد الشيخ للنفس متعب
نصوح لوالي الأمر سرًّا وجهرة ... له عند والي الأمر قدر محبب
له منزل عند القضاة جميعهم ... بفضل التقى والزهد للخير يجلب
فيا شيخنا أبشر بخير نقوله نقول ... كلام المصطفى لا نكذب
قضيت وسيرت القضاء بحكمة ... ولم تلتفت إلا لمن هو أصوب
تحال إليك المشكلات إذا التوت ... وحارت بها الأفهام والحكم يطلب
فتقضي بشرع الله فيها بنية ... فيرضي كلا الخصمين والغيظ يذهب
وآخت نفوس بعدحال تأزمت ... من الغيظ كاد البعض للبعض يضرب
وحل الرضا حتى بدا الوجه مسفرًا ... وهذا بفضل العدل والعدل مطلب
وما نية الإنسان إلا مطية ... تنجى إذا طابت وللخير تركب
وصلوا على من جاء بالخير مرسلًا ... لكم أجرها يوم القيامة يحسب
стр. 2307
وذكر الشيخ محمد بن حمد بن خريف التويجري صفة موت الشيخ صالح الخريصي في آخر كتابه (طرائف وذكريات في أحوال الأولين والسوالف) فقال:
مناقب الشيخ صالح الخريصي:
حدثني رجل ثقة يقول: إن القاضي فلانًا حصلت عنده قضية صعبة، فلم يتيسر له وجه الحكم فيها لعزوب الدليل عنه فيها، فأهمه ذلك، وجعل يفكر فيه عدة أيام.
وذات ليلة رأي شيخ الإسلام ابن تيمية في المنام فقال له (أسأل عنها الشيخ الخريصي تراه فيه بركة) وكان هذا القاضي زميلًا للخريصي، فأتي إليه وأخبره بالقضية وبكلام شيخ الإسلام.
فقال الخريصي (الحكم بالقضية كذا وكذا، واكتم علي) يعني كلام شيخ الإسلام فيه.
قلت: وليعلم أن أهل السنة والجماعة لا يعوِّلون على المنامات في جميع الأحكام الشرعية، وإنما يعولون على (قال الله تعالى، قال رسول الله ﷺ ، قال الصحابة ﵃.
ولكن هذه رؤيا حق أرشده فيها إلى حَيِّ حاضر أهلًا لذلك لأنه عالم البلد وقاضيها، كما قد حصل ذلك، ولا يبعد أن يكون هذا من كرامات الأولياء، والحمد لله رب العالمين.
ومن لطف الله تعالى بالشيخ الخريصي في مرض موته: أن الله رحمه فلم ينزعج للمرض، فلم ينقل المستشفيات، ولا غرف الإنعاش، ولا سافر للخارج ولله الحمد، بل صبر للمرض في بيته، وفي الآخر قد أسندوا له
стр. 2308
وأجلسوه، إذ انخفض رأسه فنظروه وإذا هو قد مات، ﵀، وهذا والله أعلم أستجابة من الله تعالى لدعائه في القنوت (اللهم أحيينا بعافية، وأمتنا بعافية، وأبعثنا بعافية، وأدخلنا الجنة بعافية) اللهم آمين.
انتهى كلام الشيخ محمد بن خريف.
هذا ورأيت إثبات ما أورده الأستاذ الأديب عبد الكريم بن صالح الطويان من ذكر الساعات الأخيرة للشيخ صالح بن أحمد الخريصي وبيان سيرته وعلاقاته بالآخرين، لأنني رأيته أجمع من ذكر ذلك، والشيخ صالح يستحق أن ينقل عنه ذلك.
قال الأستاذ عبد الكريم الطويان في كتابه (نبض الحياة):
رجلٌ كان على الأمر الأول:
حين أبيضَّ خيط الفجر الصادق في مشرق مدينة (بريدة) فجر الاثنين الثامن والعشرين من شهر رمضان من عام ١٤١٥ هت، كان الشيخ صالح بن أحمد الخريصي (١٣٢٧ - ١٤١٥ هـ) مستلقيًا في فراشه، بعد أن أسنَّ وبلغ الثامنة والثمانين من عمره، وأقعده المرض، وكانت زوجته الوفية، التي سهرت معه تلك الليلة، تُمرضه في ذلك الصباح، وتتلو على مسامعه آيات من كتاب الله، وكان سمعه معها، ونظره إليها، في تلك اللحظات، فاضت روحه إلى بارئها! ! ليكون آخر شيء سمعه هو كتاب الله العظيم، الذي أحبه، وعاش عمره كله يتلوه، ويحفظه، ويقضي بأحكامه ويتخلق بأخلاقه، ويدعو الناس إلى الاستمساك به، وتدبره وإحلال حلاله، وتحريم حرامه، ويقول لهم بصوته الجهوري (يا عباد الله، إن كتاب الله هو عصمة أمركم، وسبيل نجاتكم وقائدكم إلى مرضاة الله).
стр. 2309
وحين أصبح الناس في منطقة القصيم، وأشرقت الشمس، وشاع نبأ وفاته، أقبلوا للصلاة عليه، من كل قرية وهجرة، وكانت جنازته، والصلاة عليه، وتشييعه يوما مشهودا ما شهد الناس شبيهه، فقد أديت الصلاة عليه في مسجد العيد الكبير ببريدة، وازدحم المسجد الواسع بخلق كثير، وجمع غفير، وبكاه الناس، وذكروا سيرته بالخير، وأثنوا عليه بما هو أهله، ودعوا له بالمغفرة والرحمة والرضوان.
لقد كان الشيخ (الخريصي) تغمده الله بواسع رحمته، أحد العلماء الصالحين المصلحين، الأمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وكان قاضيا عدلا نزيها، حريصا على إصلاح ذات البين، محبا للفقراء والمساكين، عطوفا عليهم، وكان زاهدا في الدنيا زهادة القادر لا زهدة العاجز، كثير المكث في مسجده، تاليًا للقرآن، ذاكرا للرحمن، مُسبحًا بحمده، وكان جهوري الصوت في قراءته ووعظه، لقد كانت سيرته أكثر تأثيرا في القلب من لسانه، وكانت أعماله أبلغ وأفصح من أقواله، لقد رحل عن دنيانا، لكن سيرته الحميدة وأقضيته العادلة، وذكراه الجميلة، في ذاكرة الأجيال التي رأته وسمعت منه، وتعلمت عنه.
لقد نشأ ﵀ في أسرة متدينة، وبيئة صالحة، يُحدثني الأستاذ (علي بن عبد الله الحسين) عن أحد إخوان الشيخ: أن الشيخ (الخريصي) كان في صباه، صالحًا متعبدًا، وحين كان عمره تسع سنوات بعثته والدته لخراف التمر من إحدى المزارع، فاستبطأته، فأرسلت في أثره أخاه الكبير، فوجده في عرض الطريق، قد ألقى (مطحن) الخراف، وقام مصليًا .. !
وقال لي الشيخ علي بن عبد الله المشيقح: كان والده تاجرًا، محبا لأهل الخير حريصا على تنشئة أولاده تنشئة إسلامية، وتولى أحد أبنائه إمامة مسجد الخريصي الواقع قبلة جامع بريدة الكبير، ولما توفاه الله، خلفه أخوه، ثم لم
стр. 2310
يلبث أن لحق بأخيه، رحمهما الله، فلما طلب الشيخ (صالح) لإمامة المسجد، رفضت والدته، فأقنعها الشيخ عمر بن سليم ﵀ فتولى الشيخ إمامة المسجد والتدريس فيه ابتداء من عام ١٣٥٣ هـ، وكان قد ترك حرفته التي يسترزق منها، وتفرغ لطلب العلم، فمر بحالة شديدة من العوز والحاجة.
وقال لي الشيخ علي العبد الله المشيقح: كان الخصم إذا أساء القول علي الشيخ في مجلس القضاء، يأتيه من غدٍ في الجلسة التالية، فلا تجد الشيخ قد حمل عليه غلًا أو أضمر حقدًا.
وحدثني ابنه الكبير الشيخ (سليمان) قال: (جلس والدي للقضاء في بريدة عام ١٣٦٠ هـ نيابة عن قاضي القصيم الشيخ عمر بن محمد بن سليم، وكان أول وقته يقضي في منزله، الصباح وبعد العصر، وأذكر أنه أنهى إحدى عشرة قضية بعد صلاة العصر، وربما جلس في ضحوة عيد ليحكم بين خصمين متنازعين).
لقد كان ﵀ زاهدا في الدنيا، بسيطا في ملبسه ومسكنه ومركبه لا يتأنق بها ولا يختار لها، وكانت الدنيا لا تُذكر في مجلسه، وقلَّ أن يرى إلا ومصحفه بيده، أو يقرأ القرآن عن ظهر غيب، وكان قلَّ أن يفارق مسجده، فبعد قضاء الصلاة، وانتهاء درسه، يمكث في خلوة المسجد، تاليًا للقرآن ذاكرًا لله، وربما دخل عليه، صاحب حاجة من حوائج الدنيا، وبيده ورقته، فيضع عليها الشيخ ختمه وهو مواصل قراءته لا يقطعها! وكأن لسان حاله يقول: إن التجارة مع الله، هي التجارة التي لا تبور، وهي خير وأبقى.!
لقد كان أحد العلماء الكبار، الذين صغرت الدنيا في أعينهم، وأفنوا أعمارهم في سبيل الله، وأبلوا أجسامهم في طاعة الله، لقد زهد بما في أيدي الناس، فأحبه الناس، بذل العلم والنصيحة والدعوة والعدل، وسد ثغرة زمنية ومكانية، قام فيها مقامًا صالحًا وأمينًا وسديدًا.
стр. 2311
وكان ﵀ عابدا لله، يقوم الليل، ويحرص على النوافل، قال لي ولده الأكبر (الشيخ سليمان): (لقد حج والدي فرضه سنة ١٣٤٧ هـ ولم يدع الحج بعدها سوي موسم واحد، وكان يتابع العمرة، ويصوم التطوع، ولو قلت لك: إنه يقوم الليل كله، لما كنت مبالغًا، بل كلما أفاق من نومه صلى ما كتب الله له، وكان يصلي بالناس في التراويح بثلاث وعشرين ركعة، ويختم القرآن مرتين في شهر رمضان، وربما ختمه ثلاثة مرات، وربما قرأ في ركعة القيام بجزء ونصف جزء، وكان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، وربما سمعت قراءته في خلوة المسجد وأنا مقبل على المسجد، وكان يحرص على ختم القرآن في آخر نهار عرفة، وفي إحدى السنوات بدأ القراءة آخر نهار الثامن من ذي الحجة، وختم في موعد نهار التاسع!
ويتنفل بعد صلاة المغرب، بثلاث تسليمات، يطيل في الركعتين الأخيرتين) ﵀، كان سلفيًا على الأمر الأول، حريصا على إتباع السنة عاضًا عليها بالنواجذ، نابذا للبدعة، متمسكًا بأخلاق أهل القرآن، قال لي الشيخ علي بن عبد الله المشيقح: إن الشيخ (الخريصي) صلى مرة صلاة (المغرب) فقرأ فيها سورة (الأعراف) إحياء لسنة فعلها رسول الله ﷺ بعد شهر رمضان.
وقال لي ابنه (سليمان): كان والدي قبل غروب الشمس بنصف ساعة يقوم من مجلسه مهما كانت أهميته، ليوُرد، فيبتهل إلى الله وُيسبحه ويذكره حتى غياب الشمس، وكان إذا عاد من الوضوء صلى ركعتين، وإذا قام أحد من مجلسه للوضوء ورجع سأله: هل صليت ركعتي الوضوء؟ بل ربما قام من مجلس القضاء للوضوء فإذا عاد صلى الركعتين، والخصوم جلوس ينتظرونه .. ! !
وكان كثيرا ما يردد، دعاء أبينا إبراهيم ﵇: (واجعل لي لسان صدق في الآخرين)، ثم يقول: هو الثناء الحسن والذكر الطيب .. ! !
стр. 2312
وقال الأستاذ: عبد العزيز بن حمود المشيقح: (كان الشيخ (الخريصي) إذا زار والدي، وجلس في المجلس، يأتي ومعه أولاده، فيستفتح المجلس بدعوتهم لقراءة القرآن واحدا بعد الآخر، ثم يفرغ بعد ذلك للحديث والطعام، وكان إذا أم الناس وصلي لا تكاد تسمع قراءته من البكاء والخشوع، وفي السنوات الأخيرة من عمره، كان يشغله بذكر الله والبكاء! ).
ومما يُروى عنه حبه للفقراء والمساكين، حدثني الأستاذ محمد المندرج قائلا: (كان الشيخ في بداية عمله بالقضاء، حين يتسلم راتبه، يشتري بمعظمه أطعمة يوزعها على المحتاجين من جيرانه)، ولا يأتيه رجل تحمَّل حمالة أو غرمًا أو فقير عاجز، أو مسكين بائس إلا كتب له، يحث الناس على مساعدته ومديد العون له، وكان مجرد توثيق الشيخ له كافيًا لكي يجعل الناس يسارعون إلى إعانته.
وحدثني الشيخ صالح بن محمد الصعنوني، قال: جاء رجل يشتكي أقاربه الذين حالوا بينه وبين الزواج من إحدى الأسر، فأحضرهم الشيخ وقال: إذا رفضتم هذه الأسرة، فأعينوه ليتزوج من غيرهم، وهذه مساهمة مني لزواجه، ودفع لهم جزءًا كبيرًا من مهره.
وقال حفيده الأستاذ محمد بن أحمد الخريصي، في كلمة بجريدة الجزيرة عدد ٨١٩٨: (كان يُقرب الفقراء والمساكين في مجلسه ويحبهم ويكرمهم غاية الإكرام ويكسوهم الملابس، ويُطعمهم الطعام، بفضل الله، كل يوم جمعة ويدعوهم لولائمه الخاصة دائما، بل إن مائدته اليومية يندر أن تخلو من عدة مساكين يتناولون الطعام معه جنبا إلى جنب، ويسأل عنهم إذا غابوا، ويزورهم في حال مرضهم، ويصرف على إعاشتهم بشكل شهري، ويشفع لذوي الحاجات عند الولاة، وبابه مفتوح يدخله الغني والفقير وطلبة العلم والزائرون من كل
стр. 2313
بلد، فهو كما قال عنه الملك فيصل ﵀ لجلسائه: (إن هذا الرجل ليس هذا زمانه فالرجل من بقية السلف الصالح) .. انتهى.
وقال لي إبنه (سليمان): (كان والدي عند عزمه على الحج، يصحب معه كل قريب أو جار لم يسبق له الحج ليتم فرضه معه، وكان في سنين الحاجة، إذا اشترى كيس سكر أو أرز أو ربطة كبريت وزعها على المحتاجين، ولا يبقي للبيت سوى نصف ذلك .. ).
وكان ﵀ يحرص على تزويج أبنائه وبناته منذ أن يتم لهم البلوغ، فقل أن يتجاوز الولد ستة عشر عاما إلا زوجه، ويقول (سليمان) قلت لوالدي: إن زواج البنت المبكر، ينتج عنه بعض المشاكل لصغر سنها، قال لي: (ما دامت هي عندي فقلبي على وجل)! بل إن والدي في صباي استدان (ديته) من أحد التجار ليزوجني وعمري ستة عشر عامًا، ولم أعلم بذلك إلا في كهولتي حين حدثني بذلك أحد أصدقاء والدي .. ! ! ).
وكان جُل وقته لقضاء مصالح الناس الشرعية، فبعد فترة الدوام الرسمي في رئاسة محاكم القصيم، وذهابه إلى منزله، يظل أصحاب الحاجات يراجعونه في منزله ومسجده، وربما لحقوه في مزرعته التي يستريح بها بعض الأيام بعيد العصر، وربما المغرب، وفي هؤلاء من يستفتيه ومن يسعى في حق عام، ومن يطلب شفاعته، أو ليُصدق على وثيقته أو ليكتب له ليستعين بالله ثم بإخوانه المسلمين لوفاء دينه .. ، وكان يستقبل أولئك كلهم بابتسامته المعهودة، وحلمه وسعة صدره ولا يضيق بأحد، ولهذا كان ﵀ محبوبًا من كافة فئات المجتمع من الشيوخ والشباب، والعلماء وطلبة العلم، وفي أوساط الصناع والزراع والتجار وعامة الناس، ولم نعلم له مبغضًا أو ناقدًا، وكان لصفاء نفسه
стр. 2314
ونقاء فطرته، يحسن الظن بالناس جميعًا، ويستجيب لدعوات الناس في منازلهم، ويحرص على مناسباتهم، ويعود المريض ويهنئ المسرور، ويعزي المصاب، وكنت ترى فيه شمائل العالم الصادق النزيه الذي يُخالط الناس، ويصبر على أذاهم، ويشاريهم ويبايعهم ويشاركهم حياتهم حلوها ومرها ... !
قال الأستاذ عبد الكريم الطويَّان:
وأذكر أنني زرته قبل بضع سنوات بعد صلاة العشاء في منزله المفتوح دائما للناس، وبينما نتحدث إذ دخل عليه أحد أعيان البلد، فتحدث معه عن حاجة بريدة إلى توسعة مسجد العيد الجنوبي ... لقد كان الشيخ (الخريصي) يسعى ويشفع لإنجاز كثير من المرافق الدينية العامة، ويقدم وساطته لأصحاب الحاجات وتُقبل شفاعته، وتُلبي طلباتهم، فكم سعي ﵀ لتأسيس مقبرة أو تسويرها، أو لحضور خطة مسجد، وتحديد قبلته وذكر لي ابنه (سليمان) أن الشيخ (صالح) دخل على الملك فيصل ﵀ يعرض عليه إنشاء (مقبرة) لإحدى المدن ثم دخل عليه بعد ذلك شخص آخر في حاجة له، فقال لجلسائه: هذا الشيخ (الخريصي) جاء من بريدة، ليطلب تأسيس مقبرة، وذلك جاء لحاجة خاصة به .. ! !
وكان دائمًا في طليعة الاجتماعات العامة التي تعقدها جمعية البر الخيرية ببريدة، وجماعة تحفيظ القرآن الكريم بالقصيم، وأحد المتحدثين في هذه الاجتماعات.
وإذا توفي أحد العلماء الكبار صلى عليه بنفسه وشيعه للمقبرة ولا زلت أذكر وفاة الشيخ صالح البليهي ﵀ حين أم الشيخ (الخريصي) جموع المصلين عليه فبكى وأبكى الناس خلفه ... ! !
стр. 2315
وقال لي ابنه (سليمان) حين توفي الشيخ محمد المطوع ﵀ كان والدي في مكة، وحين عاد وزاره الشيخ عبد الله المطوع قال له والدي: لو كنت موجودا لصليت على والدك ولزدته تكبيرات ... ! !
وقال عنه حفيده محمد بن أحمد الخريصي: (له أعمال جبارة في مجال الدعوة إلى الله بالتي هي أحسن، وله رسائل مختصرة في العقيدة والإرشاد الدعوي والنصائح الاجتماعية، وله باع طويل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بطرق حكيمة لاحتواء المفاسد ومعالجتها بأسلوب حكيم، فكثر حامدوه، واهتدى على يديه بتوفيق الله خلق كثير ... ).
وحدثني الأخ (عبد الرؤوف البندي) من جيران الشيخ، قال: لما انتقل الشيخ من حيه القديم، وسكن في منزله الجديد بجوارنا وصلي بالناس في أحد الأوقات، وكان خلفه عدد قليل من المصلين، ولما أتم الصلاة، فإذا الذين يقضون الصلاة ضعف العدد، فتوجه إلى المصلين يعظهم ويخوفهم من التفريط والغفلة، ولما عدت إلى منزلي قال لي أهلي: لقد أخرجنا إلى فناء الدار، صوت الشيخ الجهوري وهو يقول: (يا عباد الله) .. ! !
وفي كلمته بجريدة الرياض عدد ٩٧٤٧ كتب الدكتور حسن الهويمل، مُخبرًا عن الشيخ جاء فيها: (عندما عينت مديرًا لمكتب الضمان الاجتماعي ببريدة، كان ﵀ إذ ذاك رئيسًا لمحاكم القصيم، زرته في بيته لإبلاغه، واسترشاده، فدعا لي بالخير، وقال اسمع يا بني: (هذا الكرسي الذي تحل به اليوم ستبرحه يومًا ما، إما بالوفاة أو بالترقية، أو بالنقل، وأنت بين يومين، يوم بالبدء ويوم النهاية، فلا تشغلك فرحة البدء عن موقف النهاية، فكر في اليوم الذي ستترك فيه هذا الكرسي، وأعمل ما يحفظ لك ذكرك ودينك ويؤنس