وكان ﵀ عابدا لله، يقوم الليل، ويحرص على النوافل، قال لي ولده الأكبر (الشيخ سليمان): (لقد حج والدي فرضه سنة ١٣٤٧ هـ ولم يدع الحج بعدها سوي موسم واحد، وكان يتابع العمرة، ويصوم التطوع، ولو قلت لك: إنه يقوم الليل كله، لما كنت مبالغًا، بل كلما أفاق من نومه صلى ما كتب الله له، وكان يصلي بالناس في التراويح بثلاث وعشرين ركعة، ويختم القرآن مرتين في شهر رمضان، وربما ختمه ثلاثة مرات، وربما قرأ في ركعة القيام بجزء ونصف جزء، وكان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، وربما سمعت قراءته في خلوة المسجد وأنا مقبل على المسجد، وكان يحرص على ختم القرآن في آخر نهار عرفة، وفي إحدى السنوات بدأ القراءة آخر نهار الثامن من ذي الحجة، وختم في موعد نهار التاسع!
ويتنفل بعد صلاة المغرب، بثلاث تسليمات، يطيل في الركعتين الأخيرتين) ﵀، كان سلفيًا على الأمر الأول، حريصا على إتباع السنة عاضًا عليها بالنواجذ، نابذا للبدعة، متمسكًا بأخلاق أهل القرآن، قال لي الشيخ علي بن عبد الله المشيقح: إن الشيخ (الخريصي) صلى مرة صلاة (المغرب) فقرأ فيها سورة (الأعراف) إحياء لسنة فعلها رسول الله ﷺ بعد شهر رمضان.
وقال لي ابنه (سليمان): كان والدي قبل غروب الشمس بنصف ساعة يقوم من مجلسه مهما كانت أهميته، ليوُرد، فيبتهل إلى الله وُيسبحه ويذكره حتى غياب الشمس، وكان إذا عاد من الوضوء صلى ركعتين، وإذا قام أحد من مجلسه للوضوء ورجع سأله: هل صليت ركعتي الوضوء؟ بل ربما قام من مجلس القضاء للوضوء فإذا عاد صلى الركعتين، والخصوم جلوس ينتظرونه .. ! !
وكان كثيرا ما يردد، دعاء أبينا إبراهيم ﵇: (واجعل لي لسان صدق في الآخرين)، ثم يقول: هو الثناء الحسن والذكر الطيب .. ! !
стр. 2312
وقال الأستاذ: عبد العزيز بن حمود المشيقح: (كان الشيخ (الخريصي) إذا زار والدي، وجلس في المجلس، يأتي ومعه أولاده، فيستفتح المجلس بدعوتهم لقراءة القرآن واحدا بعد الآخر، ثم يفرغ بعد ذلك للحديث والطعام، وكان إذا أم الناس وصلي لا تكاد تسمع قراءته من البكاء والخشوع، وفي السنوات الأخيرة من عمره، كان يشغله بذكر الله والبكاء! ).
ومما يُروى عنه حبه للفقراء والمساكين، حدثني الأستاذ محمد المندرج قائلا: (كان الشيخ في بداية عمله بالقضاء، حين يتسلم راتبه، يشتري بمعظمه أطعمة يوزعها على المحتاجين من جيرانه)، ولا يأتيه رجل تحمَّل حمالة أو غرمًا أو فقير عاجز، أو مسكين بائس إلا كتب له، يحث الناس على مساعدته ومديد العون له، وكان مجرد توثيق الشيخ له كافيًا لكي يجعل الناس يسارعون إلى إعانته.
وحدثني الشيخ صالح بن محمد الصعنوني، قال: جاء رجل يشتكي أقاربه الذين حالوا بينه وبين الزواج من إحدى الأسر، فأحضرهم الشيخ وقال: إذا رفضتم هذه الأسرة، فأعينوه ليتزوج من غيرهم، وهذه مساهمة مني لزواجه، ودفع لهم جزءًا كبيرًا من مهره.
وقال حفيده الأستاذ محمد بن أحمد الخريصي، في كلمة بجريدة الجزيرة عدد ٨١٩٨: (كان يُقرب الفقراء والمساكين في مجلسه ويحبهم ويكرمهم غاية الإكرام ويكسوهم الملابس، ويُطعمهم الطعام، بفضل الله، كل يوم جمعة ويدعوهم لولائمه الخاصة دائما، بل إن مائدته اليومية يندر أن تخلو من عدة مساكين يتناولون الطعام معه جنبا إلى جنب، ويسأل عنهم إذا غابوا، ويزورهم في حال مرضهم، ويصرف على إعاشتهم بشكل شهري، ويشفع لذوي الحاجات عند الولاة، وبابه مفتوح يدخله الغني والفقير وطلبة العلم والزائرون من كل
стр. 2313
بلد، فهو كما قال عنه الملك فيصل ﵀ لجلسائه: (إن هذا الرجل ليس هذا زمانه فالرجل من بقية السلف الصالح) .. انتهى.
وقال لي إبنه (سليمان): (كان والدي عند عزمه على الحج، يصحب معه كل قريب أو جار لم يسبق له الحج ليتم فرضه معه، وكان في سنين الحاجة، إذا اشترى كيس سكر أو أرز أو ربطة كبريت وزعها على المحتاجين، ولا يبقي للبيت سوى نصف ذلك .. ).
وكان ﵀ يحرص على تزويج أبنائه وبناته منذ أن يتم لهم البلوغ، فقل أن يتجاوز الولد ستة عشر عاما إلا زوجه، ويقول (سليمان) قلت لوالدي: إن زواج البنت المبكر، ينتج عنه بعض المشاكل لصغر سنها، قال لي: (ما دامت هي عندي فقلبي على وجل)! بل إن والدي في صباي استدان (ديته) من أحد التجار ليزوجني وعمري ستة عشر عامًا، ولم أعلم بذلك إلا في كهولتي حين حدثني بذلك أحد أصدقاء والدي .. ! ! ).
وكان جُل وقته لقضاء مصالح الناس الشرعية، فبعد فترة الدوام الرسمي في رئاسة محاكم القصيم، وذهابه إلى منزله، يظل أصحاب الحاجات يراجعونه في منزله ومسجده، وربما لحقوه في مزرعته التي يستريح بها بعض الأيام بعيد العصر، وربما المغرب، وفي هؤلاء من يستفتيه ومن يسعى في حق عام، ومن يطلب شفاعته، أو ليُصدق على وثيقته أو ليكتب له ليستعين بالله ثم بإخوانه المسلمين لوفاء دينه .. ، وكان يستقبل أولئك كلهم بابتسامته المعهودة، وحلمه وسعة صدره ولا يضيق بأحد، ولهذا كان ﵀ محبوبًا من كافة فئات المجتمع من الشيوخ والشباب، والعلماء وطلبة العلم، وفي أوساط الصناع والزراع والتجار وعامة الناس، ولم نعلم له مبغضًا أو ناقدًا، وكان لصفاء نفسه
стр. 2314
ونقاء فطرته، يحسن الظن بالناس جميعًا، ويستجيب لدعوات الناس في منازلهم، ويحرص على مناسباتهم، ويعود المريض ويهنئ المسرور، ويعزي المصاب، وكنت ترى فيه شمائل العالم الصادق النزيه الذي يُخالط الناس، ويصبر على أذاهم، ويشاريهم ويبايعهم ويشاركهم حياتهم حلوها ومرها ... !
قال الأستاذ عبد الكريم الطويَّان:
وأذكر أنني زرته قبل بضع سنوات بعد صلاة العشاء في منزله المفتوح دائما للناس، وبينما نتحدث إذ دخل عليه أحد أعيان البلد، فتحدث معه عن حاجة بريدة إلى توسعة مسجد العيد الجنوبي ... لقد كان الشيخ (الخريصي) يسعى ويشفع لإنجاز كثير من المرافق الدينية العامة، ويقدم وساطته لأصحاب الحاجات وتُقبل شفاعته، وتُلبي طلباتهم، فكم سعي ﵀ لتأسيس مقبرة أو تسويرها، أو لحضور خطة مسجد، وتحديد قبلته وذكر لي ابنه (سليمان) أن الشيخ (صالح) دخل على الملك فيصل ﵀ يعرض عليه إنشاء (مقبرة) لإحدى المدن ثم دخل عليه بعد ذلك شخص آخر في حاجة له، فقال لجلسائه: هذا الشيخ (الخريصي) جاء من بريدة، ليطلب تأسيس مقبرة، وذلك جاء لحاجة خاصة به .. ! !
وكان دائمًا في طليعة الاجتماعات العامة التي تعقدها جمعية البر الخيرية ببريدة، وجماعة تحفيظ القرآن الكريم بالقصيم، وأحد المتحدثين في هذه الاجتماعات.
وإذا توفي أحد العلماء الكبار صلى عليه بنفسه وشيعه للمقبرة ولا زلت أذكر وفاة الشيخ صالح البليهي ﵀ حين أم الشيخ (الخريصي) جموع المصلين عليه فبكى وأبكى الناس خلفه ... ! !
стр. 2315
وقال لي ابنه (سليمان) حين توفي الشيخ محمد المطوع ﵀ كان والدي في مكة، وحين عاد وزاره الشيخ عبد الله المطوع قال له والدي: لو كنت موجودا لصليت على والدك ولزدته تكبيرات ... ! !
وقال عنه حفيده محمد بن أحمد الخريصي: (له أعمال جبارة في مجال الدعوة إلى الله بالتي هي أحسن، وله رسائل مختصرة في العقيدة والإرشاد الدعوي والنصائح الاجتماعية، وله باع طويل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بطرق حكيمة لاحتواء المفاسد ومعالجتها بأسلوب حكيم، فكثر حامدوه، واهتدى على يديه بتوفيق الله خلق كثير ... ).
وحدثني الأخ (عبد الرؤوف البندي) من جيران الشيخ، قال: لما انتقل الشيخ من حيه القديم، وسكن في منزله الجديد بجوارنا وصلي بالناس في أحد الأوقات، وكان خلفه عدد قليل من المصلين، ولما أتم الصلاة، فإذا الذين يقضون الصلاة ضعف العدد، فتوجه إلى المصلين يعظهم ويخوفهم من التفريط والغفلة، ولما عدت إلى منزلي قال لي أهلي: لقد أخرجنا إلى فناء الدار، صوت الشيخ الجهوري وهو يقول: (يا عباد الله) .. ! !
وفي كلمته بجريدة الرياض عدد ٩٧٤٧ كتب الدكتور حسن الهويمل، مُخبرًا عن الشيخ جاء فيها: (عندما عينت مديرًا لمكتب الضمان الاجتماعي ببريدة، كان ﵀ إذ ذاك رئيسًا لمحاكم القصيم، زرته في بيته لإبلاغه، واسترشاده، فدعا لي بالخير، وقال اسمع يا بني: (هذا الكرسي الذي تحل به اليوم ستبرحه يومًا ما، إما بالوفاة أو بالترقية، أو بالنقل، وأنت بين يومين، يوم بالبدء ويوم النهاية، فلا تشغلك فرحة البدء عن موقف النهاية، فكر في اليوم الذي ستترك فيه هذا الكرسي، وأعمل ما يحفظ لك ذكرك ودينك ويؤنس
стр. 2316
وحشتك)! لقد كانت تلك الكلمات محفورة في ذهني كلما ذكرتها دعوت له، وكلما تسلم عزيز منصبًا رويتها له) انتهى.
وفي عدد الجزيرة ٨١٩٥, كتب الأستاذ عبد العزيز الدباسي، يروي عن القاضي الشيخ علي الصقعبي، أنه قال: (كنت في إحدى مدن القصيم قاضيًا وفي أحد الأيام نمت بالليل وأنا أفكر في مسألة من المسائل، فرأيت في النوم شيخ الإسلام (ابن تيمية) ﵀ فقال لي: إن المسألة في المجلد، وأخبر برقمه، ثم قال اذهب إلى الشيخ: صالح الخريصي، فإن فيه بركة، يقول القاضي المذكور، فلما قمت ذهبت إلى بريدة، وأتيت إلى الشيخ صالح في المحكمة، وسألته عن المسألة، فأجابني إجابة شافية ثم قصصت له الرؤيا، فبكى الشيخ صالح، وأمسك بعضدي وقال: لا تذكرها حتى ألقى ربي، ولكن القاضي (الصقعبي) مُرض وأحس أنه مرض الموت فأخبر بها، رحمهما الله جميعًا) انتهى.
وذكر لي ابنه الشيخ (سليمان): (أنه في صباح يوم الاثنين، وهو اليوم الذي توفي فيه والدي، بعث الشيخ (فهد العبيد) أحد تلاميذه إلى أخي (عبد الله) وأوصاه أن يذهب إلى (الوالد)! ! ويظهر أن الشيخ (فهد) رأى في تلك الليلة رؤيا تفيد وفاة والدي، فجاءني، أخي وذهبنا إلى الوالد، فوجدناه متوفي في ذلك الصباح ﵀ كما ذكر (سليمان) أن (السويد) رأى في صباح ذلك اليوم في منامه، أن رجلًا عليه عمامة خضراء نزل من السماء ومعه كفن للشيخ (الخريصي) قبل أن يبلغه نبأ الوفاة .. ! !
وروى القاضي (الشيخ علي بن إبراهيم المشيقح) في مقدمة كتابه (العقيدة الجامعة الكافية) تفاصيل رؤيا طويلة، أريها يوم ٧/ ٩ / ١٣٩٩ هـ حيث رأى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وراجع معه بعض المسائل العلمية، ثم
стр. 2317
يقول في ختم ما ذكر: (وبينما نحن نتحدث معه إذا مُستأذن يقرع باب المجلس، فقمت إليه، وفتحت الباب فإذا هو الشيخ (صالح بن أحمد الخريصي) فقلت: له هذا شيخ الإسلام (ابن تيمية) فدخل ومعه أناس، ففرح بشيخ الإسلام فرحًا شديدًا، وعند ذلك استيقظت، وكتبت الرؤيا) انتهى.
إلى أن قال:
وقد ترك بعده أبناء بررة، خلفوه في مآثره، وفي إمامة مسجده، وهم حريصون على أن يسيروا بسيرته، إذ هم امتداد مبارك، وعقب صالح - إن شاء الله ﵀ وبارك له في عقبه، ونفع الأجيال المسلمة بعلمه وخبره وسيرته، وأسكنه فسيح جناته، كفاء نصحه للأمة، وقيامه بالواجب، وأدائه للحقوق (١).
قال الدكتور عبد الله الرميان:
وعبد الله بن صالح الخريصي: خلف والده في إمامة المسجد ومازال وكان يؤم في حياة والده خصوصًا بعد عجز والده وملازمته للبيت وقد طلب العلم على والده ولازمه ملازمة تامة حتى تأثر به وسار على نهجه وهو الإمام والخطيب في هذا الجامع الأن ويشرف على مكتبة الجامع الكبير (٢).
ومن الأخبار المتعلقة بالشيخ صالح الخريصي ما ذكره الأستاذ ناصر العمري، قال:
كان لأسرة الفضل ملك زراعي قد أجروا أرضه وعمرت بيوتا غربي مدينة بريدة ومن هذه البيوت بعض بيوت عبد العزيز الحمود المشيقح وبيت عبد الرحمن الخضير وقد رغب أصحاب البيوت، وكذلك الفضل في فسخ الإجارة والتعويض
стр. 2318
عن الملك بحيث تكون أراضي البيوت ملكًا للمستأجرين الذين أقاموا بيوتهم عليها وحضر الفضل والمشيقح والخضير لدى القاضي الشيخ صالح بن أحمد الخريصي رئيس المحكمة الكبرى في بريدة ولما دخلوا عليه في مكتبه غضب عبد الرحمن العلي الفضل وقال: المشيقح والخضير والخريصي.؟
ضاع حقنا وهو يقصد أن الخريصي صهر لآل مشيقح كما أنه صهر لآل خضير وهنا صرفهم القاضي الشيخ الخريصي قائلا: لن أسمع خصومتكم اذهبوا إلى من شئتم من القضاة في محكمة بريدة فانصرفوا إلى غيره حيث سمع دعواهم وتم بينهم الصلح على دفع خمسة وعشرين ألف ريال تعويضًا للفضل عن كل بيت، وانتهت قضيتهم بالصلح عند القاضي الذي هو غير الخريصي ثم ذهبوا إلى الخريصي وأخبروه بالصلح فتدخل لصالح الفضل قائلا: المبلغ المدفوع لا يكفي أري رفعه إلى ثلاثين ألف ريال وألزمهم بالزيادة وهي لصالح الفضل الذي أساء أحدهم الظن به، وقبل الجميع رأي الشيخ صالح بن أحمد الخريصي وانصرفوا من عنده، وهكذا أخلف الشيخ ظن الذي أساء به الظن (١).
نماذج من خط الشيخ صالح بن أحمد الخريصي:
стр. 2319
أنموذج من تسجيلات الشيخ صالح الخريصي على الأوراق، أسفل منه تسجيل للأمير عبد الله بن عبد العزيز بن مساعد أمير منطقة القصيم في ذلك الوقت الذي هو عام ١٣٧٤ هـ:
стр. 2320
من ترجمة الشيخ صالح الخريصي لابنه عبد الله:
بعد كتابة ما سبق وقفت على ترجمة الشيخ صالح بن أحمد الخريصي كتبها ابنه عبد الله وذكر أن هذا هو الجزء الأول منها ويقع في ٣٠ صفحة من القطع الكامل مكتوبة على الآلة الكاتبة ولم تطبع، رأيت منها أشياء لم تذكر من قبل ورأيت أن من المفيد نقل ما ليس فيما ذكرته من الترجمة أو ما هو موضح فيها أكثر من الأولى، قال:
هذا وقد كتبت عن سيرة والدي الشيخ صالح بن أحمد الخريصي ﵀، وجمعت ما يسره الله لي مما حضرني وكنت أعرفه عنه، ومما حدثني به بعض الإخوان.
ذكر نسبه ونشأته:
هو الشيخ الفقيه العالم العابد الزاهد الورع التقي النقي الكريم السخي ذو السيرة المرضية والأخلاق الحميدة والصفات الحسنة القاضي أبو سليمان صالح بن أحمد بن عبد الله بن حسين بن سمران بن جابر الخريصي.
ولد ﵀ في مدينة بريدة في عام ألف وثلاثمائة وسبع وعشرين من الهجرة وقيل قبل ذلك، وتوفي أبوه أحمد والشيخ ما يقارب أربع سنين، فنشأ يتيمًا وتربى في أحضان والدته، وكانت امرأة صالحة عابدة قارئة للقرآن كثيرة الذكر والعبادة تقوم الليل للصلاة والتهجد، وتوقظ أولادها لصلاة الليل، فتربي الشيخ في بيت خير وصلاح وكرم، وقامت أمه بالحنو والشفقة عليه مع إخوانه الأشقاء وهم عبد الرحمن ومحمد وعبد العزيز وقد رغبت أن تبقى مع أولادها ولم تتزوج.
فتفرغت لخدمتهم وحرصت على تربيتهم جزاها الله خيرًا وأحسن إليها، وكانت تدعو لأولادها بالصلاح والهداية، وقد حفظ عنها أنها كانت تقول:
стр. 2321
يا الله، يا والي الأمر ... والعبد بحكم مولاه
صالح طول له العمر ... واسعده بدينه ودنياه
وكان الشيخ صالح ﵀ منذ صغره يذهب إلى المسجد وهو صغير السن.
وكان إخوانه يبعثونه ليأتي لهم بتمر من نخيل غربي بريدة فيذهب الشيخ ماشيًا على قدميه ثم يتأخر عليهم، فيقول بعض إخوانه تلقونه هالحين، أي تجدونه، قد أخذ التمر ثم وقف يصلي بالنفود، ثم يذهب أخوه فيجده قائمًا يصلي ساجدًا الله، فيأخذ أخوه التمر ويرجع إلى البيت والشيخ في صلاته.
ذكر طلبة العلم:
بدأ الشيخ ﵀ بالتعلم والقراءة أولًا على المعلم المطوع محمد بن حمد الهويمل وعبد العزيز الصالح الفرج، فقرأ عليهما في تلاوة القرآن وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، ثم بعد ذلك جد واجتهد وشمر في طلب العلم وعكف على القراءة في مختلف العلوم الشرعية ولازم علماء فطاحل وفقهاء أفاضل فمن مشايخه علامة القصيم الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم المتوفى سنة ١٣٥١ هـ ﵀، قرأ عليه في التوحيد والفقه والحديث وغيرها.
ومن مشايخه أيضا العلامة الشيخ عمر بن محمد بن سليم ﵀ المتوفى سنة ١٣٦٢ هـ، وقد لازمه وأخذ عنه في صنوف العلوم من عقيدة وفقه وحديث وتفسير ولغة وفرائض ومصطلح وأصول.
ومن المشايخ الذين قرأ عليهم الشيخ العلامة عبد العزيز بن إبراهيم العبادي المتوفى سنة ١٣٥٨ هـ. وكان كفيف البصر، وقد لازمه الشيخ ملازمة تامة وقرأ عليه في جميع الفنون والمتون والمطولات، وحل عليه كتبًا كثيرة كما هي طريقة طلاب العلم المتقدمين.
стр. 2322
وكان العبادي من محبته للعلم والكتب يأخذ الكتاب بيده فيلمسه ويقلبه ثم يناوله للشيخ ثم يقول عطنا يا صالح من هالنور.
ومن مشايخه الذين قرأ عليهم الشيخ صالح بن إبراهيم الكريديس ﵀، وهو إمام مسجد ابن شريدة المعروف الآن في شارع الصناعة، قرأ عليه حفظ القرآن وتجويده وقرأ عليه في النحو وغيره من المتون.
ومن مشايخه الذين قرأ عليهم الشيخ الفقيه محمد بن عبد الله الحسين المتوفى سنة ١٣٨٢ هـ، إمام مسجد العجيبة، قرأ عليه الشيخ في التوحيد والفقه والنحو وغيرها، وكان الشيخ محمد إذا غاب يخلف الشيخ صالح يصلي بالجماعة، وذلك قبل أن يكون الشيخ إماما في مسجده، لأن الشيخ كان في العجيبة قريبًا من مسجد ابن حسين.
ومن مشايخه العلامة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد ﵀، المتوفى سنة ١٤٠١ هـ، وقد قدم إلى بريدة سنة ١٣٦٣ هـ بعد وفاة الشيخ عمر، فقرأ الشيخ صالح عليه أول ما قدم بريدة في الفقه.
هؤلاء مشايخه الذين قرأ عليهم وأخذ عنهم.
وجلس في المسجد المنسوب إليه في غرب بريدة للتعليم والتدريس والتف عليه جملة من طلاب العلم، وكان من أوائل من قرا عليه عبد الله المحسن، وسليمان العناز، ومحمد الدخيل ورشيد المشيقح، ومحمد العبد العزيز المشيقح، وعلي البراهيم المشيقح، ومحمد بن عبد الله السليم، ومحمد بن عبد العزيز السليم، ومحمد العبودي وأخوه سليمان العبودي، وأبو حماد الرسي وصالح الموسى، ومحمد الموسى، وعبد الله السليمان السيف، وعبد الله المحمد الحسين وغيرهم.
стр. 2323
ولما سافر الشيخ عمر إلى الرياض عام ١٣٦٠ هـ وقد صحبه في سفره الشيخ عبد الله الرشيد خطيب الجامع الكبير ببريدة، خلف الشيخ عمر الشيخ صالح على إمامة الجامع والخطابة فيه، فامتثل الشيخ، ثم قال له الشيخ عمر وإذا جاءك خصوم فاقض بينهم.
يقول الوالد الشيخ صالح فخفت ورعبت وخشيت أن يغمي علي من الخوف والوجل، فقلت يا شيخ أعفني عن القضاء، فقال اسمع بارك الله فيك.
يقول الوالد الشيخ الخريصي، فخرجت وأنا لا أرى الشمس من الوجل، لأن القضاء شأنه عظيم، وقد قال النبي ﷺ من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين.
ثم ذهب الشيخ صالح إلى عبد العزيز الحمود المشيقح ﵀ وكان من وجهاء بريدة ومعروفًا بمحبة العلم وأهله وإكرام العلماء فطلب منه الشيخ أن يشفع له عند الشيخ عمر ليعفيه من القضاء.
فقال عبد العزيز الحمود: لو استشارنا الشيخ عمر لأشرنا عليه أن يوليك القضاء نيابة عنه.
فامتثل الشيخ وقام بالقضاء والإمامة والخطابة بالجامع الكبير.
وجلس فيه للتعليم والتدريس فكثر عليه الطلاب وقرأ عليه من طلاب العلم الذين يقرءون على الشيخ عمر، وكان يحضر ويستمع لدرس الشيخ بعض وجهاء البلد، وكانت طريقة الشيخ في التدريس طريقة مشايخه، فإذا جلس في الحلقة، قال للطالب: سم أي أبدأ القراءة بالتسمية فيقرأ الطالب في الكتاب ما يتيسر من المسائل والأبواب ثم يقول له الشيخ بركة - أي بارك الله لك فيما قرأت.
стр. 2324
وكان الشيخ حال قراءة الطالب يعلق ويقرر على بعض المسائل التي تحتاج إلى توضيح، وإذا كان الطالب يقرأ حفظًا في متن فإذا انتهى من حفظه، أعاد الشيخ قراءة المتن ثم يقرر ويشرح.
وكان يبدأ تقريره وشرحه بقوله بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صلي على محمد قال رحمه الله تعالى. وكان يجلس بعد صلاة الفجر فيقرأ الطلاب أولا جميعًا حفظًا متنًا أو متنين تارة في الأصول الثلاثة أو كتاب التوحيد وتارة في العقيدة الواسطية أو كشف الشبهات، وتارة في الأربعين النووية وتارة في النحو في الأجرومية أو ملحة الإعراب، ثم بعد شرح الشيخ وتقريره يقرأ كل طالب بكتابه في مختلف الفنون، وبعض التلاميذ يقرأ حفظا في القرآن ثم يقرأ في الكتاب وهذه الجلسة بعد الفجر كانت تنتهي بعد طلوع الشمس ثم يقوم الشيخ فيصلي ركعتين في مكانه، ثم يخرج إلى بيته ومعه بعض الطلبة فيتناول الجميع القهوة والشاهي والحليب في وقت الشتاء مع إفطار خفيف.
وكانت هذه الجلسة بعد الفجر تطول في أول ما بدأ الشيخ بالتدريس وتمتد إلى الضحى كما ذكر ذلك بعض طلابه الأوائل.
ثم كان الشيخ يجلس بعد صلاة الظهر في المتون والمطولات ويكثر عليه الطلاب خصوصًا ممن كان يشتغل في التجارة أول النهار، وكانت تطول هذه الجلسة وتمتد في بعض الأحيان إلى قبيل العصر، ثم يخرج الشيخ إلى بيته فيتناول ما يتيسر من القهوة والشاي ومعه بعض الطلاب، ولما قيل للشيخ لعلك تجعل وقت الظهر راحة لك فقال: راحتنا بالقراءة.
ثم بعد صلاة العصر مباشرة يقرأ عليه بعض طلاب العلم في رياض الصالحين أو مشكاة المصابيح، يقرأ ثلاثة أحاديث أو أربعة ثم يشرح الشيخ كل
стр. 2325
حديث بعد قراءته له، ثم يقوم فيجلس في الحلقة مستقبل القبلة فيقرأ عليه الطلاب أولا في المتون تارة بزاد المستقنع أو آداب المشي إلى الصلاة وتارة في عمدة الأحكام أو بلوغ المرام، وتارة بالورقات في أصول الفقه، ثم بعد شرح الشيخ يقرأ كل طالب بكتابه، وبعد انتهاء هذه الجلسة يخرج الشيخ إلى بيته ومعه بعض طلابه لمشاركته في طعام العشاء لأن الشيخ كان يتعشى ذلك الوقت قبيل المغرب وهذا كان في حدود عام ١٣٧٥ هـ، ولما قيل لأحد طلاب الشيخ الملازمين لدروسه لماذا لا تقرأ إلا على الشيخ، فقال الشيخ صالح عنده فائدة ومائدة، وغيره ليس عنده إلا فائدة.
وكان بعد صلاة المغرب يجلس في المسجد فيقرأ عليه كل طالب وجهًا من القرآن حفظًا، ثم يقرءون عليه في علم الفرائض في الرحبية وتارة في النحو وغيرها من المتون.
ثم إذا أذن المؤذن للعشاء يقوم الشيخ فيجلس في المحراب مستقبلًا الجماعة المسجد فيقرأ عليه ثلاثة من كبار الطلبة في تفسير ابن كثير وفي البداية والنهاية، وفي كتاب في الوعظ أو في مختصر التبصرة لابن الجوزي أو لطائف المعارف لابن رجب أو في الترغيب والترهيب للمنذري ﵀.
ثم بعد صلاة العشاء يخرج الشيخ إلى بيته أو بيت بعض المحبين ومعه بعض طلاب العلم فيقرءون عليه في القرآن كل طالب يقرأ وجها ثم يختم أحد الطلبة هذا المجلس بكتاب متنوع.
ولما سأله أحد الطلاب وكان مبتدأ بماذا يقرأ فقال له الشيخ عليك بالمفتاح، عليك بكتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فهي مفتاح العلم النافع.
ـ
стр. 2326
وكان يوصي بطلب العلم وكثرة القراءة ويقول القراءة نور للأشخاص ونور للمساجد ونور للبيوت وكانت حلقة الشيخ لطلب العلم واسعة وكانت مهيبة جدًّا ويظهر عليها أثر السكينة والخشوع كأن على رؤوس الجالسين الطير.
وكان الطالب بين يدي الشيخ متأدبًا متواضعًا جالسًا جلسة المتعلم بين يدي معلمه، فكان لا يتكلم ولا يتلفت ولا يتململ ولا يعبث وغالبًا أنه ما يقوم من الحلقة حتى ينتهي الدرس، وكان يحضر حلقة الشيخ عدد كثير من بين طالب ومستمع وقد يبلغون في بعض الأيام ما يقارب مائة وكان المستمع للدرس يجلس خلف الحلقة
ذكر شيء من صفاته وأخلاقه:
كان ﵀ طويل القامة أبيض الوجه خفيف شعر اللحيين قوي الجسم قليل اللحم يعلوه بهاء العلم والطاعة والعبادة وكان على سمت السلف الصالح والرعيل الأول من رآه وشاهده فكأنما رأى رجلا من السلف المتقدمين ذا سمت حسن وعقل رزين.
وكان الشيخ حريصا على إتباع السنة في كل قول وعمل محافظا على السنن والمستحبات ويكره التساهل بها، وكان محافظا على وقته وأيام عمره وملازما للمسجد في غالب أوقاته، بل كان قلبه معلقًا في المسجد.
وكان يحب الطيب ويكثر منه في شماغه ولحيته ويحرص على البخور في مجالسه بل كان جيبه لا يخلو من كسر البخور وكان إذا لبس نعليه أو خفيه بدأ بالأيمن ثم الأيسر وإذا خلع بدأ بالأيسر ثم الأيمن وكذلك في ثيابه اقتداء بالسنة.
وكان لا يخوض في أمر الدنيا ولا يحب أن تذكر في مجلسه، وكان لا يتكلم فيما لا يعنيه ولا يسأل عما لا يخصه، وكان يتكدر إذا ذكرت عنده الغيبة أو النميمة أو احتقار الناس وينهى عن ذلك، وكان كثير الصمت من جالسه تعجب من قلة كلامه إلا فيما ينفعه أو ينفع إخوانه المسلمين.
стр. 2327
وكان يحب المسابقة على الأقدام فكان إذا خرج إلى البر هو والإخوان وطلبة العلم يأمر بالمسابقة فيسابق معهم وكان سريعا لا يسبق، وكان يجيد السباحة فيسبح في البحر وغيره، وكان يحرص على النوم مبكرًا أول الليل، وكان لا يحب السهر بل ينهى عنه، وكان يحرص على القيلولة، وهي النوم قبل الظهر أو بعده لأن فيها إعانة على قيام الليل، وكان ينام آخر الليل بعد تهجده ليستقبل أول النهار بقوة ونشاط وربما نام يسيرا بعد ارتفاع الشمس.
وكان ﵀ يأمر أهل بيته بالصلاة والمحافظة عليها والاهتمام بها في أوقاتها، وكان يحث أبناءه على الصلاة في المسجد مع الجماعة، وكان يحرص على إيقاظهم لصلاة الفجر ويتفقدهم ويغضب على من يتأخر عنها أو تفوته ويؤدبه على ذلك.
وكان يقول الأدب الحسن ينفع الأب والولد في حياتهما وبعد وفاتهما.
وكان ﵀ بارا بوالدته حريصا على أرضائها وإدخال السرور عليها وقضاء حوائجها، وكان إذا دخل بيتها يسلم عليها ثم يقبلها ويجلس بجانبها موقرًا لها متواضعًا ويتكلم معها برفق ولين وتقدير واحترام، وكان كثير الدعاء لوالده أحمد ﵀ ويتصدق عنه ويهدي له الثواب، وقد رأى بعض المحبين ممن عاصر والد الشيخ رؤيا حسنة وقصها على الشيخ في حياته، فقال له: إني رأيت والدك أحمد في بستان فسيح فيه نخيل وهو يقول هذا كله من صالح.
فكان ﵀ جوادا كريما سخيا بماله وعلمه، وجاهه يحب البذل والعطاء والكرم والسخاء ويرغب في ذلك.
وكان أهل الحاجات يأتون الشيخ في عمله ومنزله وفي مسجده ومزرعته القضاء حوائجهم وتصديق وثائقهم، فكان الشيخ يستقبلهم بانشراح صدر، وقد
стр. 2328
حدث بعض المزارعين المتضررين أنه سافر إلى الشيخ وهو في مكة في وقت إجازته فصدق الشيخ على وثيقته ثم ساعده وأعطاه مبلغًا من المال، وقال هذا أجرة لسفرك، فرجع الرجل مسرورا شاكرًا للشيخ داعيًا له.
وكان يحب الشفاعة للفقراء والمحتاجين والمرضى والمعسرين وغيرهم ممن نزلت به فاقة واشتدت به كربة فلا يألو جهدًا في ذلك.
وكان في شهر رمضان من كل سنة يشتري ثيابًا وشمغًا ثم يوزعها.
وكان يقيم وليمة كلما قدم من سفر ويدعو لها المشايخ والإخوان والأقارب والجيران وكان يأمر بتوزيع ما يبقى من الأرز واللحم والفواكه وفي بعض الأحيان، يأمر بعض من حضر أن يحمل معه صحنا من الطعام لأهله.
وكان ﵀ مكرما لجيرانه محسنًا إليهم ينفق عليهم ويتعاهدهم فيما تجود به نفسه، وكان في الشتاء يشتري حطبا ثم يهدي إليهم وإذا اشترى من الأطعمة كالسكر وغيره وزع عليهم. وفي رمضان يوزع عليهم تمرًا.
وكان ﵀ يفتح باب مجلسه كل جمعة بعد صلاة الجمعة مباشرة القهوة والشاي والطيب، وكان يوزع على من حضر ما تيسر من الدراهم.
وكان أيضا في آخر عمره يفتح بابه كل ليلة ويقيم عشاء فيتعشى معه من يزوره ويحضر المجلس ويوزع عليهم ما تيسر من الدراهم.
ذكر أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر:
كان ﵀ أمرًا بالمعروف ناهيًا شديد الغيرة على محارم الله، صابرًا على ما يناله من أذى ومشقة، وكان شجاعًا جسورًا صادعًا بأمر الله لا يهاب ولا يخاف في الله لومة لائم، وكان يغير المنكر بيده إن استطاع فإن لم يستطع فبلسانه.
стр. 2329
وكان يحرص على الرفق واللين ويدفع بالتي هي أحسن مما فيه درءً المفسدة أو جلب لمصلحة، وكان يحب الصفح والستر ويقيل ذوي العثرات، وكان يستعمل الهجر إذا كان أنفع لصاحبه.
وقد تولى ﵀ رئاسة الهيئة قبل تعيينه قاضيًا، وكان عضدًا وكهفًا للمتطوعين وأهل الحسبة، وكان خير سند ومعين بعد الله جل وعلا لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان كثير التوجيه والنصح للقيام بهذا الواجب العظيم وكان يقول لا صلاح للعباد والبلاد إلا بقيام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وكان يجمع أئمة المساجد والمؤذنين وأعضاء الهيئة فيذكرهم ويحثهم على التعاون والتعاضد والقيام بهذه الأمانة العظيمة.
ولم يشتغل ﵀ بالتأليف بسبب انشغاله بالقضاء والتدريس، ولكن له نصائح ورسائل تزيد على ستين وهي مجموعة في كتاب وسوف يطبع إن شاء الله تعالى، وله تقاريظ على بعض الكتب، فله تقريظ على كتاب "السلسبيل في معرفة الدليل" للشيخ صالح البليهي ﵀، وله تقريظ على كتاب "الريحانة في خطب المنابر" للشيخ عبد الله الخليفي ﵀، وله تقريظ علي كتاب "المناهل العذاب" للشيخ صالح السعوي وفقه الله.
ذكر عمله في القضاء:
ولما تولى الشيخ عبد الله بن حميد القضاء في بريدة كان الشيخ صالح مساعدًا له ثم تولى الشيخ القضاء في الأسياح وفي الدلم ثم عيين في قضاء بريدة ثم بعد ذلك صار رئيسًا لمحاكم القصيم، ولم يزل في القضاء حتى عام ١٤٠٧ هـ.
وكان ﵀ مسددًا في قضائه وأحكامه حريصًا على إيقاع الصلح بين أهل الخصوم، وكان واسع الصدر حليمًا ذا تثبت فلا يستعجل في صدور
стр. 2330
الأحكام القضائية، وكان صابرًا على ما يحصل عليه من تطاول من بعض الخصوم عفوا عنهم، وكان الناس في الحاضرة والبادية يرغبون أن يتولى الشيخ صالح حل مشاكلهم والنظر في قضاياهم لاقتناعهم به وحرصه على إنجاز قضاياهم وتخليص معاملاتهم.
وكان الشيخ ﵀ يحث القضاة على الصبر والاحتساب والتثبت والاجتهاد وتحري الحق والصواب واللجوء إلى الله في حل القضايا وفصل الخصومات.
وقد وجه بذلك نصيحة قيمة مفيدة لعموم القضاة فهي مطبوعة في عالم ١٣٨٢ هـ، وذكر بعض القضاة وفقه الله أنه لا يزال يقرأ هذه النصيحة المباركة ويكررها، وأنه قد انتفع بها واستفاد منها فائدة كبيرة.
وكان الشيخ ﵀ مع قيامه بالقضاء والتدريس فهو إمام جامعه المعروف وسط البلد وقد أم فيه من عام ١٣٥٤ هـ حتى عام ١٤١١ هـ.
ذكر اتصاله بولاة الأمور:
كان ﵀ يواصل زيارة الملوك والأمراء ويكرمهم ويقدرهم ويسمع ويطيع لهم بالمعروف ويكثر الدعاء لهم، وكان محبوبا لديهم لصدقه وإخلاصه ونصحه لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم وكانت كلمته بحمد الله وشفاعته مقبولة، وكان في عيد الفطر والأضحى يزور الملك فيسلم عليه ويهنئه ويدعو له، وكان يقول له من فضل الله عليكم أنه يدعي لكم سرًّا وجهرًا علي المنابر، وكانوا يزورنه في بيته ويقيم لهم مأدبة تكريما لهم وقياما بحقهم، وكان كثيرًا ما يبذل لهم النصيحة سرًّا وجهرًا.
стр. 2331
ذكر شيء من عبادته:
كان يصلي في السفر التطوع المطلق وكان يصلي على الراحلة وعلى السيارة وكذلك يتنفل وهو ماشي.
وكان يوم الجمعة يتفرغ للعبادة ولا يجلس للطلبة، وكان يكثر فيه من الذكر والقراءة، وكان يطيل التنفل قبل صلاة الجمعة، وكانت خطبه ﵀ بليغة ومؤثرة ترقق القلوب، وتبعث على العمل الصالح وتذكر بالدار الآخرة، وكان إذا خطب يعتمد على عصى بيده اليسرى.
وكان إذا استسقى في خطبة الجمعة يرفع يديه ويبالغ في رفعهما ثم يقلب يديه وهو يدعو فيجعل ظهورهما إلى السماء وبطونهما إلى الأرض.
وكان يدعو في خطبة الجمعة لولاة الأمر بالصلاح والتوفيق والهداية ويستغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وكان يختم الخطبة الأولى بقراءة آية ثم يقول بارك الله لي ولكم .. الخ. ويختم الخطبة الثانية بقوله تعالى (إن الله يأمر بالعدل والإحسان ... الخ).
وكان يصلي الراتبة بعد الجمعة ست ركعات في المسجد، وكان في عصر الجمعة يتحرى ساعة الإجابة فيجتهد في الدعاء وقد حدثني بعض المحبين أن رجلا رأي الشيخ ذات مرة بعد صلاة العصر يوم الجمعة أنه استقبل القبلة ثم رفع يديه يدعو فلم يحطهما حتى غربت الشمس وكان بعد فراغه من الدعاء يمسح وجهه بيديه.
وكان ﵀ له حظ وافر من قيام الليل فكان يحافظ عليه حضرًا وسفرا حتى في شدة البرد لا يتركه.
وقد حدث بعض من كان يصحب الشيخ في سفره يقول كنا مسافرين في وقت الشتاء فلما كان في ليلة شديدة البرد استيقظت من النوم فإذا الشيخ قائم
стр. 2332
يصلي فأردت أن أقوم فعجزت أن أخرج رأسي من الغطاء من شدة البرد فتعجبت من همة الشيخ وقوة صبره في ذلك البرد الشديد.
وقد حدثت أيضا أحد زوجات الشيخ أنه في ليلة زواجه عليها قام فاحيا غالب الليل بالصلاة، تقول فتعجبت من هذه الصلاة وطول ركوعه وسجوده في ليلة عرسه، وكان ﵀ غالبا ما يستيقظ في منتصف الليل، ففي الشتاء في الساعة السادسة غروبي أي ما يوافق الحادية عشر ونصف زوالي، فما يزال يتهجد إلى قبيل الفجر بساعة، وكان يجهر بقراءته في صلاة الليل.
وكان يطيل القيام في رمضان إذا دخلت العشر الأواخر فيقرأ بالركعة نصف جزء أو ما يقارب جزءا، وقد حدثني من صلى معه في وقت الشتاء أن الشيخ قرأ البقرة في ركعة وآل عمران في ركعة ثم سلم، ثم قرأ النساء في ركعة والمائدة في ركعة ثم سلم، ثم جعل يقرأ في كل ركعة سورة كاملة حتى قرأ عشر سور في عشر ركعات وحدث أيضا من صلى مع الشيخ في آخر ليلة من رمضان أن الشيخ في صلاة القيام ابتدأ بالقراءة من سورة الشعراء فختم بهم تلك الليلة.
وكان ﵀ كثير البكاء والخشية الله.
وكان الشيخ مرة في قيام رمضان يقرأ سورة طه فلما بلغ قوله تعالى: (وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلمًا) بكى بكاء عظيمًا فلم يستطع أن يواصل القراءة فتأخر وقدم من خلفه فأتم بهم الصلاة.
وكان ﵀ يعود من أصابه مرض سواء كان في بيته أو في المستشفى ويدعو له بالشفاء والعافية ويضع يده عليه وتارة يرقيه، وكان حريصًا على الزيارة في الله فيزور أهل العلم والصلاح وكبار السن.
وكان ﵀ يتبع جنازة الميت في بعض الأحيان ويحثو على القبر ثلاث مرات ويعزي أهل الميت في مصابهم ويبعث لهم طعاما، وكان يصلي على الجنازة
стр. 2333
في المقبرة إذا لم يكن صلى عليها في المسجد، ويصلي على القبر الذي يعرف صاحبه إذا فاتته الصلاة عليه، وكان لا يصلي على الجنازة مرة ثانية، ويكره أن يصلي على القبر في وقت النهي
وكان يكثر من زيارة القبور بل كان كل جمعة يذهب إلى المقبرة ماشيًا، ثم بعد ذلك كان يذهب راكبا، وكان إذا دخل المقبرة يحب أن يخلع نعليه بين القبور ويأمر بعض أبنائه بحملها، وكان يسلم على صاحب القبر الذي يعرفه ويدعو له، خصوصا مشايخه وأقاربه، وكان يهتم بزيارة قبر أبيه وقبر أمه فيسلم عليهما ويدعو لهما ويبكي.
وكان ﵀ حريصا على المحافظة على مقابر المسلمين وغيرها من مصالح أهل البلد فكان يهتم بحمايتها والمدافعة عنها، ويسعى جهده في تحصيل ما فيه نفع لأهل البلد في دينهم ودنياهم.
وكان إذا سافر يحب الخروج أول النهار بل كان يستحب أن يمشي آخر الليل قبل الفجر بساعة أو ساعتين، ويقول إن الأرض تطوى في الليل وفي هذا الوقت بركة.
ولما كان السفر على الإبل كان يقوم آخر الليل ثم يمشي قبل الفجر وكان يأمر بعض طلبة العلم ممن له صوت حسن وحافظ للقرآن أن يقرأ ويرفع صوته وهم يمشون راكبين على الإبل.
وكان في بعض الأحيان إذا دخل وقت الصلاة وهو يسير في الطريق يأمر بالآذان فيؤذن بعض أبنائه وهو راكب على سيارته، فيجيب المؤذن ثم يدعو ثم بعد ذلك يقف فيأمر بالإقامة ويصلي.
стр. 2334
الْخْرَيِّف:
بإسكان الخاء بعد (ال) فراء مفتوحة فياء مشددة مكسورة ففاء.
على صيغة تصغير الخروف عند العامة.
والخريف من أهل الصباخ في جنوبي بريدة.
وهم من الجبور من بني خالد أبناء عم للطويان والثويني والحامد والقصير أهل الأسياح.
ووجدت في وثيقة اسم جدهم خريف بن طويان مما يدل على أنهم متفرعون منهم.
منهم الأستاذ الشاعر عبد الله بن سليمان الخريف المدير العام للإذاعة السعودية.
ثم استقال الأستاذ الشاعر عبد الله بن سليمان الخريف من وظيفته المهمة التي هي (المدير العام للإذاعة السعودية) قبل أن يصل إلى سن التقاعد، وذلك فيما ذكره لكونه أنشأ مطابع كبيرة في الرياض خاصة له، وصار يطيع فيها الكتب، ويكسب منها مكسبا جيدا وهي مطابع الأطلس للأوفست.
قال: وقد بحثت عن مدير جيد لمطابعي أعطيه راتبًا كبيرًا فلم أجد، فقلت في نفسي: لماذا لا أستقيل وأتفرغ لإدارة المطابع وأنا لي خدمة طويلة في الدولة أستفيد من راتبها التقاعدي وأوفر مع ذلك راتب المدير العام للمطابع.
والأستاذ عبد الله بن سليمان الخريف شاعر مجيد كان ينظم الشعر وهو طالب عندنا في المعهد العلمي في بريدة وقد واصل نظم الشعر ونشره في الصحف والمجلات حتى اجتمع له من ذلك عدة دواوين أهدى إلي نسخا منها لأنه كان يعتبرني أستاذه، لكونه كان درس في المعهد العلمي في بريدة إبان أن كنت مديرًا له.
стр. 2335
وقد أهدى إليَّ ديوانين من شعره أحدهما عنوانه "رذاذ الضوء"، طبع في الرياض عام ١٤١٦ هـ ويقع في ١٤٠ صفحة وقدم له بمقدمة أحببت نقلها هنا من أجل أن أوضح نهجه في شعره ورأيه في نشر هذا الديوان قال فيها.
مقدمة:
أشعر بسعادة غامرة لا أملك كبحها عندما أمسك بالقلم، أو أجدني في سبيل ذلك، أو حتى عندما أفكر بالاستمتاع بممارسة ذلك النمط من التسلية المحببة، أو الهم الذي يفرض نفسه أحيانا، لكنني (وللحقيقة أعترف) خاصة في منثوري أتوقف كثيرا وبطريقة نفسية حادة لأتساءل: (ماذا أكتب ... ؟ ، ولمن أكتب ... ؟ ولماذا أكتب ... ؟
غيري كتب فأجاد، وقال فأفاض، ونظم فأشجي، فإذن ... ؟
صحيح أنها لحظات، بالطبع أكثر من ثوان، ربما دقائق كثيرة، لكنها بالتأكيد قلَّ أن ترقى إلى ساعة، وهي - جزمًا - فترة، أو جزء زمني مؤرق، ومقلق، لكنه أس (قعر) العدسة التي ستنتج أو قد تنتج صورة ربما صافية اللاشعورية مرهفة أملت على يدي سحب القلم، ونزع طربوشه الكئيب من على رأسه المتبرم من سجن متجدد، وعليكم إن شئتم ترجمة تأتاته.
ما يلي هذا وهو ما بين أيديكم لا تنطبق عليه حالة التوقف الحائر هذه، لأنه أكثر جراءة من أن يقع في دائرة اختياري، ولأنه أيضا الشيء الوحيد الذي يملي نفسه ويفرض تسطيره وتجسيمه مكتوبا، (ربما ومقروءا) كما لو كنت أداة طيِّعة مسخرة لهذه الرغبة، وأمام تلك الجراءة أنسى في خضم هذه الحالة وذلك الفرض أني وسط طابور متراص، أو أقود سيارتي بسرعة اضطرني إليها تأخري عن
стр. 2336
عمل هام، فأجدني في هالة اللاشعور هذه أقف وبهدوء مفاجئ لأكتب بيتًا أو شطر بيت أو حتى فكرة قصيدة ما، أو في حالات نادرة مشروع مقال.
في هذا قد يجد المتذوق أو الباحث عن ذلك شيئًا يستحسنه، أو يتقبله، أو لا يمجه على الأقل، وقد يجد فيه ما لا يطيق قراءته، أو ما لابد من تقيؤه لو فرض عليه، وذلك مستبعد من حسن حظ أولئك لأن القراءة اللامنهجية حالة فردية خاصة يحددها الاختيار الحر.
مع كل ذلك فهي النتيجة، وإنه الجهد والطاقة وهي أوهما ما استطعت تقديمه في هذا المعنون، وما شجعني على إعلانه (ولست أدري أيبعث على الراحة أو القبول أو الاشمئزاز) سوى القناعة بأن الأدب السلوكي يفرض على الضيف أن يأكل مما يقدم له، أو يعتذر أو يتخلى بهدوء وضمت، وليس له أن يملي على مضيفه أصناف أكله، أو طريقة مأكله، أو الشكل الذي يرغب أن يُقدم به هذا الأكل وفق بروتوكوله الخاص جدًّا.
كل ما أرجوه في واقع الأمر أن تكون الأصناف والطريقة هما ما يتوق إليه، أو ما قد يقبلهما من وقعت في يده تلك المشاعر، وذلك البوح، وألا أكون في هذا قد آذيت ذوقه، أو عبثت في ظرفه، وعذري لو حدث هذا لا سمح الله أني لو كنت حتى لحظة نفحه أملك أفضل منه لما ادخرته.
عبد الله بن سليمان الخريف
وأولى قصائد هذا الديوان قصيدة غزلية طويلة، وينبغي أن نلاحظ أن معظم شعره المنشور هو من الغزل، لذا يصح وصفه بأنه شاعر غزلي، والشعر الغزلي لا يصدر إلا من طبع رقيق، وحس مرهف:
стр. 2337
لا تَذهَبي
فنحن في أنفِ اللقاء
في الصَّفحَةِ الأولى
مِنَ المَسَا
لم نَبْدأ الشّواءْ
ولم نُمزِّقْ بعدُ يا سَيّدَتي
مُلاءَةَ الحَيَاء
ولا تفَقَّدنا إلى الآنَ
تَضَارِيسَ البنَاء
وَلمْ نَعِش بَعدُ
هُنَيهَاتِ الهَنَاءْ
وَعِندَمَا يَشيِخُ لَيلنَا
وَتَهرَمُ النّجُوم
ويَرَكنُ الهُدوُء
لِلهُدوء
وَتنشقُ الغُيُوم
رَحيِقَ حُبّنَا
وَيَبزُغُ الضياء
وَتَبدأ المراكبُ العَتِيقَة
تحوُم في رَتَابَة
عَلى مَرافئ الأزَل
وتلفظُ الرّعَاةُ
أحْيَاؤُنَا السَّحِيقة
وعَاشِقُ نَبتَةِ سِحرٍ سَئُولٌ ... لحُوحٌ وَخَابَ وَلمّا انْتَهَر
وَصَرتُ بَريِئًا صَريِعَ جَمَالٍ ... وَحِسًّا تَفَطَّرَ ثُمَّ انْشَطَر
* * *
رأيْتُكِ نُورًا أمامي وَنَارًا ... وَرَاحَ السَّعَادِ وَريحَ الكَدَر
فَفيك الرَّبيع وَحَرُّ المَقِيظِ ... وَدِفْءُ الشِّتَاءِ وَغَدرُ الدّسُر
فلِلَّه كُنتِ وَلِلَّه صِرتِ ... وَلِلَّهِ أنتِ سِيَاط القدَر
وَلِلَّهِ منِكِ تَعَاليتِ حَتَّي ... أصَابَ المَدَامِعَ مِنكِ الخَوَر
وَللهِ أنتِ جَمَتِ المَعَانِي ... فسَلَّمَكِ اللهُ مِن كُلَّ شَر
سَيَحكِي الجَمِيعُ بأنِّي (خَبَالًا) ... تَمَنّيتُ مَا ليسَ بالمقتَدَر
* * *
ووالد الشاعر هو سليمان ... الخرَّيف كان صديقًا لي وهو دلال في سوق بريدة معروف بصدقه وأمانته، ولذلك يعتمد الناس قوله، وبخاصة ما يتعلق بالعبئ والمشالح.
وانتقل أناس من (الخريف) هؤلاء من الصباخ إلى خب الخضر الواقع جنوبًا من الصباخ وهم بلا شك من خريف الخوالد أهل الصباخ.
منهم عبد العزيز بن عبد الله الخريف إمام مسجد في الخضر - ١٤٢٥ هـ -.
و(الخْرَّيف) هؤلاء هم أبناء عم الطويان كما تقدم، لذلك وجدنا في بعض أسمائهم (طويَّان بن خريف) جاء ذلك في وثيقة مختصرة بخط العالم الشهير في وقته الشيخ إبراهيم العجلان، وقد كتبها في ١٣ محرم من عام ١٢٧٢ هـ.
وتتضمن إقرار سليمان الصالح (ابن سالم) بأن عنده لورثة ابن رواف ثمانين وزنة (تمر) يحل أجلهن في عام ١٢٧٣ وهن باقي الدين الذي على ثنيان السالم وأخته رقية.
والشاهد طويان بن خريف.
стр. 2344
وهذا التمر يحتاج ذكره إلى إيضاح وهو أن سليمان الصالح بن سالم المذكور ثري شهير وهو يداين الفلاحين وغيرهم، وليس من المعقول أن يستدين من أحد، ولذلك أوضح الشيخ إبراهيم بن عجلان أمر ذلك التمر بأنه الذي على ثنيان السالم وأخته رقية لابن رواف.
وذلك أن الرواف كانوا يداينون ثنيان السالم، الذي لا تربطه رابطة نسب بسليمان الصالح بن سالم، بل هو من أسرة أخرى، وكان آل رواف قد رهنوا ما يملكه ثنيان السالم كما ذكرنا ذلك فاتفقوا مع سليمان بن صالح السالم على أن يعطيهم ما لهم من الدين الذي لهم على ثنيان، وأن يطلقوا رهنهم عليه حتى يرهنه سليمان الصالح بن سالم، وقد بقيت من ذلك الدين بقية هي هذه المذكورة لأنه يظهر أن ابن رواف الذي كان يعامله سليمان الصالح بن سالم توفي، وكان لابد أن تعطي ورثته ما تبقى من التمر الذي كان على ثنيان السالم وتكفل سليمان الصالح بدفعه لهم.
وذكر (طويان بن خريف) في الوثائق مثل ذكر (خريف بن طويان) يدل على قرابة النسب بين الطويان والخريف، وسوف نوضح ذلك في رسم (الطويان) في باب الطاء بإذن الله، ولكننا نورد هنا وثيقتين تدلان على ذلك إحداهما مؤرخة في شعبان سنة ١٣١٧ هـ بخط الشيخ عبد الله بن علي العبد العزيز بن سالم من أسرة السالم الكبيرة في بريدة.
стр. 2345
والثانية بخطه أيضًا مؤرخة في شعبان أيضا من عام ١٣١٨ هـ، وكلتاهما مداينة بين (عبد الله الخريف بن طويان) وبين عبد العزيز الغانم من (آل غانم الذين هم من آل أبو عليان) الدين في الأولى خمسون ريالا مؤجلات يحل أجل الوفاء بها إنسلاخ جمادى الآخرة سنة ١٣١٨ هـ.
والدين في الثانية مائتان وستون صاع حب سلم ثلاثين ريالا، يحل أجل الوفاء بها طلوع أي إنسلاخ شهر محرم عام ١٣١٩ هـ.
والحب هو القمح والسَّلم، سبق شرحه.
стр. 2346
ومن الخريف هؤلاء أيضا الأستاذ محمد السليمان الخريف مدير مدرسة الأندلس في بريدة، وتقاعد وسكن الرياض - ١٤٢٨ هـ -.
وعبد الله بن محمد الخريف مشرف تربوي في مدارس القصيم ١٤٢٨ هـ.
الخْرَيِّف:
في الزرقاء الواقعة في الشمال الغربي من بريدة.
هم من الجبور من بني خالد أبناء عم للخريف أهل الجناح في عنيزة.
وقد اشتهرت الزرقاء هذه التي كانوا يملكونها لأنها شهدت أول بئر ارتوازية انبثقت في منطقة بريدة ولم يكن الناس يعرفون، بل ولا يتخيلون أن الماء يمكن أن يخرج من البئر، فيصب في سطح الأرض من دون إخراج.
وسبب ذلك أن البئر التي في الزرقاء قل ماؤها لأنهم كانوا يركبون عليها آلة رافعة للمياه (مكينة) فكانوا مثل غيرهم من الفلاحين يثقبون قاع البئر بأنبوبة يتفجر منها الماء في قاع البئر ولكنهم اختبروها مصادفة فوجدوا أن ماء تلك الأنبوبة عندما ركبوا فوقها أنبوبة أخرى وصل إلى مستوى سطح الأرض وصار يصب على وجه الأرض.
وقد اعتبر هذا حدثا تاريخيا في منطقة القصيم وصارت الزرقاء ثمينة، وصار الناس يزورونها من سائر أنحاء المنطقة فكنت ممن يفعل ذلك، وكنا نخرج إليها للنزهة ونقيم بعض الوقت نتغدى فيها أو نشرب الشاي.
وكان انبثاق الماء من بئر الزرقاء هذه في ٤ شوال عام ١٣٧٢ هـ.
стр. 2347
ثم اعقبتها بئر ارتوازية في نخل في جنوب الغاف لآل مشيقح وهو وقف لوالدهم الثري الوجيه عبد العزيز بن حمود المشيقح.
ونظرا إلى أن آل مشيقح قد حفرو الأنبوبة بمثابة البئر الارتوازي المحفور فإنها انبعثت أقوى من الزرقاء ثم توالى ذلك حتى صار جريان الماء من بطن الأرض إلى سطحها أمرا معتادا لا يسترعي الانتباه.
وهذه مداينة بين (علي الخريِّف راع الزرقاء) وبين دائن آخر هو محمد بن سليمان آل مبارك (العمري) وهو جد صديقنا الشيخ صالح بن سليمان العمري أول من شغل وظيفة (مدير التعليم في القصيم) وإن كانت تحت اسم (معتمد المعارف بالقصيم).
والدين ثمانية أريل (فرانسه) يحل أجل وفاء ريالين منها طلوع رمضان أي انتهاء شهر رمضان سنة ١٣٠٣ هـ وستة منها يحل أجل وفائها طلوع صفر سنة ١٣٠٤ هـ.
стр. 2348
والشاهدان فيها هما (حمد السالم) من أسرة السالم الكبيرة في بريدة وعيد بن عبد الرحمن (آل شارخ) والكاتب هو الشيخ العلامة محمد بن عمر بن سليم والتاريخ: شهر محرم ابتدا ١٣٠٣ هـ.
ووقفت على وثيقة مهمة على قصرها واختصارها لأن فيها كتابة شيخين أحدهما تولى قضاء القصيم في وقت من الأوقات خلال عهد عبد العزيز بن متعب بن رشيد وهو الشيخ صالح بن قرناس من أهل الرس، والثاني أيضا من الماثلين لعبد العزيز بن رشيد وهو الشيخ عبد الله بن عمرو الذي قتل في الرياض بسبب إنحيازه لعبد العزيز بن رشيد ولأسباب أخرى.
стр. 2349
وموضوع الوثيقة ليس على أهمية كاتبيها فهو يتعلق بنفي وإثبات، أما النفي فإنه يذكر أن أرضًا كان غرس فيها علي الخريِّف في الزرقاء ليست له، والإثبات أن تلك الأرض هي للعميري ولم يذكر اسمه الشخصي ولا اسم والده.
ولكننا نعرف أن (العميري) من سكان الزرقاء، كما سيأتي في حرف العين، بإذن الله.
وتاريخها في ٢ جمادى الأولى عام ١٣١٩ هـ أي أثناء حكم عبد العزيز بن رشيد على نجد.
والوثيقة التالية خطها وإملاؤها ليس بذاك تتعلق بالخرِّيف هؤلاء وتتضمن عقد مبايعة بين عثمان الخريف وبين محيسن وهو شخص معروف بأنه من آل أبو عليان، والملك وهو النخل موجود في الزرقاء فصح أن عثمان الخريف المذكور فيه وهو المشتري هو من الخريف أهل الزرقاء.
والغريب أنه لم يذكر اسم البائع محيسن ولا اسم أخيه إلا أنه عبد العزيز ومحيسن وكيل عنه في البيع.
стр. 2350
والوثيقة مكتوبة بخط سليمان بن محمد الغليقة والشاهد عليها هو راشد السليمان بن سبيهين وتاريخها في صفر سنة ١٢٩٦ هـ.
وصدق عليها القاضي الشيخ سليمان بن علي المقبل في ٢٠ ربيع الأول عام ١٢٩٦ هـ.