فقد أولى اهتمامه لبلدته بحسب قدراته، وإمكانياته المادية، فأول مشروع عرف عنه وعمّت فيه المصلحة، وشاركه فيه أخوه وشقيقه علي بن محمد الخطيب أثابه الله، هو تفضلهما بالتبرع بقطعة أرض من ملكهما الزراعي الكائن موقعه في وسط البلدة بالجهة الغربية من حي المسجد الجامع، وذلك الإقامة أول مشروع حفر بئر ارتوازي لسقيا الأهالي بالماء العذب، وقد تم من قبل وزارة الزراعة والمياه حفر البئر، وإقامة المباني من خزان عالٍ وحجر وتركيب آلات التشغيل والضخ، ومد شبكة الأنابيب من الخزان حتى بيوت المواطنين، وصاروا بعدها يرتوون في بيوتهم من الماء العذب.
وتبرعهما لتلك الأرض احتسابًا وأحسانًا على الأهالي يبتغيان الأجر من الله .
ومن جهود الأخ في الله سليمان أنه حينما حصل لبئر المشروع توقفٌ أخذ يمدّ بيوت المواطنين بالماء العذب من بئر مزرعته الخاص به حتى أقيم مشروع السقيا القائم الآن، ومن ثم اقتصر في التبرع من ماء بئر مزرعته على حي المسجد المعروف باسمه (١).
وقال أيضًا:
مسجد الخطيب:
هذا المسجد موقعه في الجهة الجنوبية الغربية من حي البلاد في وسط البلدة: أي المريدسية.
إمامه محمد بن سليمان بن محمد الخطيب.
стр. 2417
ومنهم سليمان بن محمد الخطيب ذكره الشيخ صالح بن محمد السعوي، فقال: ومن ذوي الإحسان والبذل في طرق الخير من الأهالي لهذه البلدة وسكانها، الرجل النبيه، الواعي، المدرك، المحب المشفق، المحسن السخي الذي يعدُّ من كبار الأهالي وأعيانهم، الحريص على النهوض ببلدته بجهده ومجهوده، ورأيه وجاهه، الأخ في الله سليمان بن محمد بن عبد الله الخطيب، أثابه الله.
стр. 2418
والوثيقة التالية تتعلق بمداينة بين عبد الكريم الخطيب وبين الثري الكاتب محمد بن رشيد الحميضي بخط عبد الله الحنيشل مؤرخة في غرة رمضان سنة ١٣٠٨ هـ.
ويعني غرة رمضان: أول شهر رمضان وهو أول أيامه.
стр. 2419
وهذه وثائق تتعلق بالمزيد هؤلاء:
ورد ذكر جدهم محمد بن عبد الله المزيد من دون أن يذكر فيه الخطيب، وذلك إما أن يكون قبل أن يلحقه هذا اللقب أو لكونه لقبًا لا يرى الكاتب أنه ينبغي إثباته، كما في هذه الوثائق الثلاث.
стр. 2420
ولد سليمان الخطيب هذا في عام ١٣٤٠ هـ وعمره الآن - ١٤٢٥ هـ ٨٥ سنة وله واحد وعشرون ولدًا.
وهو سليمان بن محمد بن عبد الله بن مزيد بن عبد الله بن مزيد بن عبد الله الحميدي.
إن جماعة من شبانهم المتعلمين المشتغلين بالتدريس قالوا لي: إنهم من عنزة وإن جدهم الذي يرتفع إليه أسرة (المزيد) وهو (الحميدي) هو الحميدي من أهل الشقة، وإنهم لذلك من عنزة، وليسوا من آل أبو عليان، قال لي ذلك محمد بن سليمان الخطيب الذي يعمل في التدريس مصرًا على أنهم من عنزة وليسوا من بني عليان.
ثم اتصل بي خالد بن علي الخطيب منهم، وذكر لي: أنه مؤرخ، فسألته: هل اختصاصك في التاريخ؟ قال: نعم.
قال ومن هذا المنطلق أقول: إننا من ذرية الحميدي من عنزة.
فقلت له: ما الذي جعل الناس ومنهم أبناء عمكم المزيد يقولون: إنهم من بني عليان؟
فقال: كان يوجد حلف بين (ضنا ليلى) من عنزة وبين العليان وأنه الذي يقال فيه (ضنا ليلى والعليان).
فقلت له: هذا أول بيت لعرضة بني عليان ولفظه
حنَّا ضنا ليلى وترثه عليان
يقصد بنو عليان فيه أن (ليلى) هي أمهم التي ولدتهم، وأنهم نسل جدهم عليان.
وهذا هو المعروف المحفوظ عنهم، ولكنه لم يقتنع ولا أشك في أن هذا وهم وأنهم من آل أبو عليان.
стр. 2421
جيناك يا باريس، والحمد لله ... ثم الذي فضله علينا كبير
اللى مشوا بالحق الله شفناه ... طبايع - والله - تسر النظير
أبو فهد رَجْلٍ عزيز عرفناه .... (بعبدالله الخطاف) زين تعبيري
رَجْلٍ عزيز وبيّنه فضل يمناه ... ايقدر العاني صغير وكبير
الخطيب:
بفتح الخاء وكسر الطاء: أسرة صغيرة من أهل المريدسية متفرعة من أسرة المزيد الذين هم من العباس من بني عليان، ويرجعون إلى فرع آل حسن منهم.
منهم إبراهيم بن سليمان الخطيب: أحد كبار موظفي إدارة التعليم في القصيم - ١٤٢٣ هـ.
وكان يقال لهم (المزيد) ولكن جدهم محمد بن عبد الله المزيد صار لقبه الخطيب، قال لي أحد أحفاده: إن ذلك لفصاحته.
وبهذا اللقب خرجوا من لقب المزيد الذي لا تزال بقية أسرة المزيد من آل أبو عليان يتسمون به.
عرفت منهم سليمان بن محمد الخطيب في عشر الستين من القرن الرابع عشر، كان شديد العزيمة والتصميم، جلدًا على المتاعب فرغم كونه لا يبصر إلَّا ببعض عين فإنه كان يسافر إلى الأحساء والخليج والكويت والعراق يتبع الإبل التي يعمل عليها في نقل البضائع، وقد لاقى من ذلك مشاق ومتاعب جديرة بالتسجيل، غير أنني لم ألقه في وقت قريب.
стр. 2422
وفي أثناء الطريق كان عبد الرحمن بن محمد الخطاف يشاهد صبيين أخوين من سكان الخبوب يمشيان متلازمين فافتقد أحدهما في الطريق فسأل عنه أخاه فقال لقد عجز عن السير وانقطع في الطريق وتركته تحت ظل شجرة فعاد إليه عبد الرحمن بن محمد الخطاف على ناقته فوجده على وشك مفارقة الحياة من التعب والجوع والظمأ فأسقاه وأطعمه ثم حمله معه على ناقته ولحق به الركب، وقد أجهد ناقته.
ولما وصل إلى الركب ومعه الصبي وهو فرح بإنقاذه لاحظ أن مطيته مجهدة وأنها على وشك الموت فذبحها وأمر المسافرين بأخذ لحمها وأكله وقد عوضه الله عنها قبل الوصول إلى الكويت حيث كان معه بعيران غيرها، وقد بادل بهما رجلًا من البادية في الطريق بناقة أثمن وأحسن من بعيره.
ووصل المسافرون إلى الكويت بعضهم يركب وبعضهم يمشي على قدميه ومحمد بن أحمد الرواف وعبد الرحمن بن محمد الخطاف من الرجال المعدودين في نوائب الدهر شجاعة ورجولة وكرمًا في الأسفار، وقد توفي محمد بن أحمد الرواف في العراق، أما عبد الرحمن بن محمد الخطاف فقد توفي في الرياض (١). انتهى.
هذا ومن الخطاف: ضابط كبير في الجيش هو عبد الله بن فهد الخطاف شغل عدة وظائف في الجيش منها (وظيفة الملحق العسكري في باريس).
قال سليمان بن حاذور في عبد الله الخطاف هذا الملحق العسكري السعودي في باريس من قصيدة:
стр. 2423
فسأتركك تعيش في عذاب الدنيا فقيرًا وأعمى هذا نتيجة الغدر بأخيك المسلم وتعريضه وماله لعقوبة الدولة (١).
وقال أيضًا:
ابتلي سكان بريدة وغيرها من بلدان نجد بالحروب الأهلية في عام ١٣٢٦ هـ. وغلاء الأسعار وفي الحروب الأهلية يتحمل الناس مصاريف الحروب يلزمون بها من قبل أمراء بلدانهم وأصيب الناس بحاجة إلى الطعام وسميت سنة ١٣٢٧ هـ سنة الجوع للضيق والحاجة إلى الطعام مع قلته وارتفاع ثمنه وقلة النقود بأيدي الناس.
وقد اعتاد سكان بريدة الأسفار إلى الكويت للتجارة شأنهم في ذلك كشأنهم مع البلدان العربية الأخرى، وسافر ركب من أهل بريدة يريدون الكويت للتجارة في عام ١٣٢٧ هـ ولما وصلوا إلى الشماسية لحق بهم عدد كبير من الرجال والصبيان لا يقل عددهم عن مائتي رجل وصبي وفهم المسافرون أن هؤلاء يريدون صحبتهم إلى الكويت، وكان هؤلاء يمشون على أقدامهم وليس معهم طعام لفقرهم، وهناك قال لهم محمد بن أحمد الرواف وعبد الرحمن بن محمد الخطاف ليس معنا لكم طعام يكفيكم إلى الكويت، وليس معنا إبل تحملكم ومن الأفضل أن تعودوا إلى بريدة ويُعطي كل واحد منكم ريالين، فأصر اللاحقون بهم على السفر ومصاحبتهم، وكان البعض من هؤلاء من بريدة، والبعض الآخر من قرى بريدة، ولما رأى ابن خطاف إصرارهم على مصاحبتهم مر بسوق الزلفي واشترى حملين من الطعام لإطعام هؤلاء المسافرين في الطريق واستمروا في سفرهم إلى الكويت.
стр. 2424
وقال الأستاذ العمري أيضًا:
كان عدد من المشتغلين بالتجارة من أهل بريدة في دمشق يسكنون في منزل واحد وفيهم علي بن محمد الخطاف وعبد الرحمن بن محمد الخطاف يشتري الأسلحة ويضعها تحت كراسي النوم دون علم رفاقه في المنزل فجاء إليه رجل ناقص المروءة فقال لعلي بن محمد الخطاف أعطني نقودًا وإلا أخبرت عنك والي الشام بأن لديك أسلحة للتجارة ولم يخطر على بال علي الخطاف أن رجلًا من أهل نجد يوقع به عند الدولة ويستعديها عليه، ولكنه نقص الرجولة والمروءة ولم يعطه علي الخطاف ما طلب وفوجئ سكان المنزل بالعسكر يحيطون بمنزلهم فهرب صاحب السلاح علي الخطاف وأمسكت الشرطة بالباقين في المنزل وفتشوا المنزل فوجدوا الأسلحة فربط الشرطة كل خمس بنادق برباط وحملوها على رأس واحد من هؤلاء وربطوا يد كل واحد منهم إلى يد رفيقه وساقوا الرجال مربوطي الأيدي يحملون السلاح على رؤوسهم ويد كل واحد مربوطة إلى يد أحد زملائه ومضوا بهم إلى السجن.
وفي الطريق هرب عبد الرحمن بن محمد الخطاف وذهب إلى رجال من كبار أهل بريدة المشتغلين بالتجارة في دمشق وقص عليهم ما حدث وطلب مراجعة الوالي، فذهب التجار إلى الوالي التركي وأخبروه أن هؤلاء مظلومون وأن السلاح لعلي الخطاف، وقد هرب فأمر الوالي بإطلاق سراحهم وصادر السلاح وعدده خمسون بندقًا فقرر عبد الرحمن بن محمد الخطاف قتل المجرم الذي وشي بأخيه علي لدى الوالي التركي وبقي عبد الرحمن الخطاف سنة كاملة يبحث عن المجرم في مقاهي الشام فلم يجده وبعد بضع سنين وجده في حائل فقيرًا أعمى فعرفه وعاتبه ووبخه، وقال: لقد قررت قتلك ولم أجدك، أما الآن
стр. 2425
فأخبره أن راعي إبله لم يجده، ولم يصدق وقال: آخذ هذه البكرة مكان الجمل، فقال حمود بن خطاف: ما تأخذها إلا بحكم شرعي.
فقام المتعصب لقريبه بصفع حمود الخطاف فثار حمود الخطاف وأمسك بالمعتدي عليه وحمله بين يديه وقذف به في حفرة مجاورة ونزل عليه وضربه ضربًا مؤلمًا ووضع التراب في فيه ثم تركه ونفض المعتدي ثيابه وذهب يشتكي لولي العهد الأمير سعود بن عبد العزيز وقال: رجل من أهل القصيم في المكان - وحدده - اعتدى عليّ بالضرب، فاستدعى الأمير سعود حمود الخطاف برجلين من رجاله وحضر حمود بن خطاف بين يدي الأمير سعود فسأله قائلًا: هل ضربت هذا؟ قال: نعم، وأخبره بالحقيقة وأنه قد أحسن فظلم وضرب، فسأل الأمير سعود الشاكي: هل صحيح أنك أردت أن تأخذ ناقته، وقال لك ما تأخذها إلا بحكم شعري فضربته؟ فاعترف بالحقيقة فقال: تريد ناقة رجل من أهل القصيم بدون حق وتضربه معتديًا عليه فضربك وجئت تشتكي يكفيك ما حصل لك، وأذن لحمود الخطاف بالانصراف.
ووجد بعد أيام البعير المفقود فانتصر حمود الخطاف وأمسك برقبة صاحبه وقاده إلى القصر يريد وضعه أمام الأمير سعود بن عبد العزيز وحمله على ظهره فتوسط تاجر الإبل بناصر بن حميد بإطلاقه فأطلقه حمود بن عبد الرحمن الخطاف إكرامًا لناصر بن حميد، وأنا أعرف المعتدي الذي ضربه حمود الخطاف، وهو كبير الجسم جميل الصورة ولكن أحسن ما عنده أنه اعترف بالحقيقة أمام الأمير (١).
стр. 2426
ومضت السنون وجاء حمود بن عبد الرحمن الخطاف حفيد محمد بن خطاف إلى الأسياح وقدم على علي بن حمد الفهيد، وقد كبر وتقدمت به السن فسلم عليه، وأخبره أنه يريد عمالًا لقلع وغرس ستمائة فسيلة نخل، فسأله ابن فهيد عن صلته بمحمد بن خطاف، فقال حمود: ذلك جدي، فأخبره ابن فهيد بأنه قد قضى حاجته على غير معرفة وأبدي شكره لجده وقضى حاجة حمود بأن أحضر له عمالًا لقلع وغرس فسائل النخل (١). انتهى.
وحمود بن عبد الرحمن الخطاف اشتغل بتجارة الإبل مع والده ثم اشتغل بتجارة الإبل بنفسه فكان يعمل بتجارة الإبل في سوق الماشية في بريدة وفي الرياض والأحساء، وكان يسافر إلى العراق والشام ومصر بتجارة الإبل، وفي يوم من حياته التجارية بالإبل كان يعرض إيلًا في سوق الرياض للبيع ومعه راعي الإبل يخرج بها بعض الوقت إلى الصحراء لرعيها وسقيها وأراد أن يخرج راعي إيله بالإبل من السوق إلى الصحراء فجاء إليه رجل وقال: لنا جمل وناقة معقولة في المكان الذي عينه نأمل أن تكلف راعي إيلك يسوقها مع إيلك للمرعى، فأمر حمود بن عبد الرحمن الخطاف راعي إبله أن يأخذ الناقة والجمل اللذين ذكراله ويوصل الراعي إلى المكان المحدد لوجود الناقة والجمل.
فوجد الراعي الناقة ولم يجد الجمل فساق الناقة مع الإبل إلى المرعي، وفي المساء عاد الراعي فجاء صاحب البعيرين يأخذهما فلم يجد إلا الناقة وسأل الراعي عن الجمل فقيل له غير موجود، فظن سوءا بحمود الخطاف وهو بريء من سوء الظن، وذهب إلى قريب له يشكو حمود الخطاف، فجاء ذلك القريب إلى حمود الخطاف عند مخيمه في البطحاء وسأله عن جمل قريبه،
стр. 2427
بن حسين العرفج من أبرز أهل بريدة فيها الذين كانوا يستقبلون الناس وكان كريمًا يدعو الناس كثيرًا إلى بيته.
وكان مزيد قد عمل في التجارة في أول عمره منتقلًا على الإبل بين بريدة وبين عدة بلدان، ثم التحق بالوظائف الحكومية، وقد غادرت المدينة المنورة وهو مدير بيت المال فيها، قيل لي إنه تولى بعد ذلك إدارة فرع وزارة العدل بالمدينة المنورة.
وله أولاد متعلمون أكبرهم إبراهيم تخرج من كلية الآداب وتوظف في إدارة الشئون الصحية في المدينة المنورة.
ومن الخطاف إبراهيم بن سليمان الخطاف كان ضابطًا في الحرس الوطني.
ومنهم حمود بن عبد الرحمن الخطاف:
قال الأستاذ ناصر العمري:
نزل ضيوف على علي الحمد بن فهيد بالأسياح الواقعة شرقي مدينة بريدة وآل فهيد هم الذين عمروا الأسياح عمرانها الأخير في القرن الثالث عشر الهجري، وآل فهيد يعتبرون من كرام أهل القصيم، فبعث علي الحمد بن فهيد ولده إلى تاجر في بريدة ليشتري منه قهوة وهيلًا وسكرًا وشايًا، ووصل الولد إلى محل التاجر في السوق التجاري، ولم يجده وظل جالسًا على عتبة الدكان، ولاحظ محمد الخطاف أن الولد انصرف بدون أن يقضي حاجته، فناداه ابن خطاف وجاء إليه ولد ابن فهيد فسأله عن حاجته، فقال: أريد قهوة وهيلًا وسكرًا وشايًا ونقودًا قرضًا من صاحب هذا المكان، ولكنه لم يحضر، فسأله ابن خطاف عن اسمه، فانتسب إلى آل فهيد فعرض عليه ابن خطاف قضاء حاجته وقضاها له.
стр. 2428
للملك سعود الذي كان أعفاه في ذلك الوقت، وهو عدم رضاء عن بعض التنظيمات في رجال القضاء. والذي لا يعرفه الناس أن الشيخ ابن حميد طلب من الملك سعود أن يأذن له بالسفر إلى الرياض حيث هي مدينته ومدينة أجداده وهي مسقط رأسه، وفيها بيت له يملكه، فأوعز الملك إليه أن يبقى في بريدة، يوحي إليه أنه سيكلفه عملًا آخر.
قال شيخنا: والعجيب أنني لاحظت أن بعض الناس الذين كانوا يتقربون إليَّ عندما كنت في القضاء قد انقطعوا عني عندما تركته، ولم أر الوفاء إلاَّ من سائر الناس، وذكر منهم فهد المزيد الخطاف الذي قال لي شيخنا الشيخ ابن حميد: إنه مثال الوفاء في هذه الحالة التي حصلت.
هذا وقد كافًاه شيخنا على ذلك بأن نقله معه إلى مكة المكرمة عندما عينه الملك فيصل رئيسًا لشئون الحرمين الشريفين فانتقل إلى مكة وعين فهد المزيد في وظيفة جيدة هناك بل عين حتى أقارب له من الخطاف.
وكان تعيين فهد المزيد، لهذا السبب ولما لمسه فيه من كفاءة لما يناط به من عمل.
وقد بقي فهد المزيد وأسرته في مكة المكرمة بعد تقاعده ومات فيها في عام ١٤٠٦ هـ عن ٨٤ سنة.
ومنهم مزيد بن إبراهيم الخطاف: سكن المدينة المنورة وكان مدير بيت المال فيها لمدة طويلة.
وعندما نقل عملي إلى المدينة المنورة أمينًا عامًا للجامعة الإسلامية فيها وسكنت المدينة المنورة في عام ١٣٨١ هـ كان هو وإبراهيم الوقيصي ومحمد
стр. 2429
فكان ينفق على الشاي والقهوة والسراج الذي فيها لأنه لم تكن هنالك كهرباء في ذلك الوقت، ثم أرسل الملك عبد العزيز إلى الشيخ عبد الله بن حميد مبلغًا نقديًا من المال أظنه ثلاثة آلاف ريال فرانسي، فوزع الشيخ أكثرها على طلبة العلم على هيئة مخصصات شهرية، وكان الذي يقوم بخزنها ثم إعطاء كل من طلبة العلم ما قرره له الشيخ هو فهد المزيد الخطاف.
وأذكر بالنسبة إليَّ أن فهد المزيد أعطاني بعد صلاة العشاء من ليلة من ليالي شهر ذي القعدة عام ١٣٦٣ هـ ستة ريالات فرانسة، وقال: هذي من الشيخ عبد الله يسلم عليك ويقول: تراها إن شاء الله مستمرة كل شهر وذلك أن الملك عبد العزيز كان أخبر الشيخ عبد الله بأنها سوف ترسل منه سنوية، وقد وزعها الشيخ ابن حميد على المشايخ وطلية العلم الذين يدرسون عنده من ١٢ ريالًا في الشهر وهو أعلاها وقد صرف للشيخ صالح بن أحمد الخريصي والشيخ عبد الله بن رشيد الفرج وأدناها ريالان.
أما أنا فإن نصيبي كان ستة ريالات، وذلك لصلتي بالشيخ عبد الله الخاصة لأنني كنت أقرأ عليه أحيانًا في بيته.
وحتى الآن لا أنسى أثر تلك النقود الضئيلة في ذلك الوقت، مع أن الله قد أنعم عليّ بعد ذلك برواتب كثيرة ولدي دخول من هيئات ولجان ومداخيل من مؤلفاتي وكتبي، إلى جانب الربح الذي أحصل عليه من العقارات.
وقد توطدت صلة فهد المزيد الخطاف بالشيخ عبد الله بن حميد وازداد قربه منه حين أعفي من القضاء بناء على طلبه بسبب معروف للجميع حتى
стр. 2430
كما صارا يرسلان البضائع إلى تلك البلدان لتباع عند أناس يعملون مثل ذلك العمل فيها.
وقد لبثا فترة في هذا العمل واشتهرا بالضبط فيه، حتى حدثني حمد بن طريف من أهل عنيزة المقيم في الرياض قال لبثت سنوات وأنا صاحب دكان في الرياض: أراسل فهد المزيد الخطاف ومحمد الحمود المشيقح أرسل إليهما بضائع من الرياض فيبيعونها لي ويرسلون إليَّ بضائع وأشياء إلى الرياض أبيعها لهم، وقد لبثت على هذه الحالة سنوات، وأنا لا أعرفهما شخصيًا ولو قابلاني ما عرفتهما.
قال: وطيلة هذه المدة لم ألاحظ عليهما إلا الأمانة والضبط ولم يكن بيننا أية مشكلة.
وفي هذه الأثناء كان فهد المزيد الخطاف قد قوي صلته بشيخنا العلامة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد قاضي بريدة وكان بيته قريبًا من بيته إذْ كان يصلي معه في جامع بريدة الكبير.
وقد قربه الشيخ عبد الله منه حتى كان يضع عنده ما يكون لديه من نقود وبخاصة ما كان مخصصًا لطلبة العلم أو لصالح المسجد الجامع من نقود تعتبر الآن ضئيلة لكنها كانت في ذلك الزمان كثيرة.
وأذكر من ذلك أن شيخنا عبد الله بن محمد بن حميد ﵀ كتب في عام ١٣٦٣ هـ إلى الملك عبد العزيز آل سعود ﵀ يطلب منه أن يرسل نقودًا ينفق منها على مجلس الإخوان من طلبة العلم في مكتبة جامع بريدة المزمع إنشاؤها، وكنت بعد ذلك بسنة في وظيفة (قيم مكتبة جامع بريدة)
стр. 2431
ولما قرب من الكويت ركب مطيته وسري ليلًا ودخل الكويت بعد صلاة الفجر ونزل بتاجر من أهل بريدة اسمه ناصر الجار الله وأعطاه الذهب الذي معه وأمره بأن يشتري له قماش الخام بثمن الذهب فصرف له الذهب واشترى له الخام ولما قضى حاجته خرج إلى السوق فسأله الناس عن تجارته فقال: جئت بالذهب وأريد شراء الخام وخلفي في الطريق عدد من التجار معهم الذهب ويريدون شراء الخام فنزل سعر الذهب وارتفع سعر الخام ولما وصل مرافقوه الذين لم يرعوا حق الرفقة في الطريق وجدوا الأسعار قد تغيرت عليهم، وكان في الكويت تاجر من أهل بلد رفقاء ابن خطاف فعرف اللعبة فسألهم عما صنعوه بابن خطاف قالوا تركناه على اللهابة، فقال لقد أخطأتم ابن خطاف رجل طيب غدرتم به فغدر بكم، وعكر عليكم صفو ماء السوق وأنتم أهل لما صنع بكم (١).
انتهى ما ذكره الأستاذ العمري.
من الخطاف: فهد بن مزيد الخطاف: كان من أوائل النجديين الذين سافروا إلى بومبي في الهند، ثم سكن في البحرين للبيع والشراء مثلما كان حاله في الهند، وإن كان في وقت ذهابه للهند صغير السن لم يتمول كثيرًا.
ثم اشترك مع محمد بن حمود العلي المشيقح في تجارة وفتحا محلًا مشتركًا، وصارا يبيعان ويشتريان ويرسل إليهما الناس في المدن الأخرى في المملكة والبلدان المجاورة كالكويت والبحرين البضائع للبيع وتصفيتها فيفعلان ذلك مقابل عمولة محددة عرفًا.
стр. 2432
استحييت أن أركب خلف من هو أكبر مني سنًّا فلجأت إلى الحيلة في الحصول على ناقة غيرها أركبها وأنهي المهمة، وناب عن أخيه وحفظ دم وجه شريكهـ وعاد سالمًا دون أن يمسه أذي بعدما اشترك في الحرب (١).
وقال:
من عادة العرب حاضرة وبادية إكرام الرفيق في السفر، وقد سافر عبد الرحمن بن محمد الخطاف من بريدة إلى الكويت مع مسافرين ليسوا من أهل القصيم، وكان معه خمسة عشر بعيرًا، ولاحظ أن المسافرين معه قد استعدوا لموارد المياه بالحبال والدلي، وما يحتاجون إليه للحصول على الماء وسقيا إبلهم، فلم يستعد هو بما يحتاجه الموارد المياه لسقيا إبله والتزود بالماء ظنًّا منه أن رفقاءه يتركون له حاجته لكن رفقاءه أدركوا أنه تاجر وأنه ذاهب إلى الكويت للغرض الذي ذهبوا هم من أجله وهو بيع الذهب في الكويت وشراء الخام وهو نوع رديء من القماش كاسمه خام فأرادوا تعطيله في الطريق لكي يصلوا إلى الكويت قبله ويقضوا حوائجهم بالبيع والشراء فلا يكون لهم منافس، ولما وصلوا إلى مورد اللهابة اسقوا إبلهم وتزودوا بالماء وتركوه على الماء دون أن يتعاونوا معه ورحلوا وخلفوه على الماء فبقي وتخلف عنهم كما يريدون، فجاء رجل من البادية ومعه إبل واستعداد للماء فأسقي إبل ابن خطاف وزوده بالماء مقابل خمس عشرة طلقة رصاص بندق، ولما قضى ابن خطاف حاجة إبله من الماء وتزود بالماء لحق بالمسافرين الذين لم يخدموا رفقته، لكنه لما وصل إليهم تعداهم وتركهم جانبًا ونزل بعيدًا عنهم مع جماعة من البدو واستمر مرافقًا للبدو تاركًا صحبة الحضر.
стр. 2433
جماعة من مطير فقالوا من أين يا ابن خطاف، فقد عرفوه وسألوه عن الأخبار على عادة البدو، فقال أنيخوا الإبل وعقلوها قبل الأخبار فأناخوا إبله وعقلوها وجلسوا معه وأبدوا استغرابهم كيف جاء بهذه الإبل بمفرده، فأخبرهم بقصته مع مشاري بن بصيص وولده، ثم اتجه إلى جهة بريدة واتجه البدو إلى جهة يقصدونها وهو يثني على تعامل قبيلة مطير مع أهل بريدة.
ووصل الرجل إلى بريدة وباع البعارين وقت (شربة) الزرع وربح بها.
وقال أيضًا:
عبد الرحمن بن محمد الخطاف كان عمره خمس عشرة سنة في عهد حكم عبد العزيز بن رشيد وقد علم أن أخاه إبراهيم قد كُتِب مع الغزاة من بريدة فقال الوالده ولأخيه إبرهيم أنا أغزو عن أخي إبراهيم لأنه صاحب أسرة وأنا ليست لي أسرة وليست عليّ التزامات فذهب إلى أمير بريدة وقال له أريد أن أنوب عن أخي إبراهيم في الغزو وأن تعفي أخي من الغزو فضحك منه الأمير وقال أنت صغير، وكان عبد الرحمن بن محمد الربدي في مجلس الأمير ويعرف عبد الرحمن الخطاف في سوق الماشية ويعرف تصرفه فقال هذا عبد الرحمن الخطاف، وإن كان صغيرًا فهو جيد أقبله عن أخيه فقبله الأمير فأخذ ناقة وأخبر أن معه رديفًا يركب معه على الناقة، ولاحظ أن الرديف رجل كبير السن فاستحيا الصبي وقال في نفسه سوف احتال حتى أحصل على ناقة الرديفي واستقل الناقة، ولما خرج الغزاة من بريدة وعبد الرحمن الخطاف ورديفه على الناقة وصار في الليل قام عبد الرحمن بن خطاف وترك ناقته لرديفه وابتعد عنه وصار ينشد ضالته الناقة وألح يرفع صوته بطلبها، وفي الصباح ذهب إلى أمير الغزو وقال له ناقتي ضاعت وأريد بدلًا منها، فسأله هل أنت الذي كنت في الليل تنشد ناقتك؟ قال نعم فأعطاه ناقة أخرى فركبها وترك الناقة المشتركة لشريكه في ركوبها يقول: لقد
стр. 2434
حسابكم، فراجع عبد الله بن محمد المسفر الحساب وتبين أن لديه خمسين ريالًا زيادة واقتنع فأعاد عبد الرحمن بن محمد الخطاف خسمين ريالًا إلى محمد بن عبد الله بن مسفر فأخذها وهو يبدي ارتياحًا لأمانة عبد الرحمن بن محمد بن خطاف، رحم الله الجميع.
وقال الأستاذ ناصر العمري أيضًا:
في عام ١٣٣١ هـ ركب عبد الرحمن بن محمد الخطاف ناقته ومعه بندقيته ورصاسها وأربعة آلاف ريال وسار من بريدة إلى المجمعة وهو يريد قبيلة مطير في الدهنا شرقًا عن المجمعة، سأل عن بدوي يصحبه في الطريق فوجد رجلًا من مطير في سوق المجمعة وكان المطيري يريد أهله في الدهناء وسار الرجلان ووصلا إلى الدهنا عند قبيلة مطير ورئيسهم مشاري بن بصيص، وتحدث ابن خطاف مع مشاري بن بصيص وأخبره أنه يريد شراء بعارين لبيعها في سوق الماشية في بريدة والرزق على الله. اشترى ابن خطاف خمسة وثمانين بعيرًا بأربعة آلاف ريال فرنسي وأخذ يعقل الإبل واستلم الإبل من البائعين وسلمهم القيمة، وطلب من مشاري بن بصيص أن يعطيه راعيًا يصحبه يعينه على سقيا الإبل ورعيها وإيصالها إلى بريدة لكن مشاري بن بصيص أخبره أنه لم يجد رجلًا يرغب في السفر معه من الدهناء إلى بريدة، وهنا قال ابن خطاف يا مشاري أرسل معي ولدك على الفرس يؤدب لي البعارين مسافة من الطريق ثم يعود، فأمر مشاري ولده بركوب فرسه والسير مع البعارين وصاحبها مسافة حتى تألف السير ثم يعود.
فسار معه ولد مشاري بن بصيص على فرسه مسافة ثم عاد واتجه ابن خطاف بمفرده بالبعارين وعددها خمسة وثمانون بعيرًا، وفي الطريق وجد
стр. 2435
حيث يجتمع وينتشر أهل بريدة وغيرهم من المغيرين على جيش ابن رشيد واستمروا في مراماة جيش ابن رشيد ثم عادوا وتركوه (١).
ولعبد الرحمن الخطاف هذا قصص كثيرة سمعت الناس يتناقلوها ولكنني سوف أنقل هنا ما ذكره الأستاذ ناصر العمري لأنه مدون، قال:
التجارة في نجد في الأسواق تخضع للعرض والطلب، فقد يرخص سعر الذهب في حائل ويرتفع سعره في بريدة، وكذلك المواشي والأقمشة والمأكولات خاصة قبل وجود اللاسلكي في بريدة، وفي حائل حيث وجد في المدينتين بوقت، متقارب في عام ١٣٥١ هـ. فصار بعض التجار يستعملون البرقيات في أعمالهم التجارية ومنها معرفة الأسعار.
علم التاجر محمد العبد الله بن مسفر عن انخفاض سعر الذهب في حائل فاستدعى عبد الرحمن بن محمد الخطاف وطلب منه مشاركته في شراء ذهب من حائل فوافق ابن خطاف، ولكنه قال ولي حرية التصرف في شراء مال غير الذهب إذا رأيت هذا من المصلحة، فوافق ابن مسفر وسافر ليلا عبد الرحمن بن محمد الخطاف، ومعه ولده عبد العزيز، وخلال ثمان وثلاثين ساعة وصلا إلى حائل على بعيرين ومعهما ستة آلاف ريال فرنسي فاشترى ابن خطاف ذهبًا وبعارين وعاد بها إلى بريدة وتولى ابن خطاف بيع البعارين وتولى ابن مسفر بيع الذهب، وربحت تجارتهما آلفًا وخمسمائة ريال، وكان محمد بن عبد الله المسفر يعتمد على ولده الأكبر عبد الله في أعماله الكتابية فأعطى لابن خطاف سبعمائة وخمسين ريالًا ربحه أخذها ابن خطاف وذهب إلى بيته وفي الصباح رجع إلى محمد بن عبد الله بن مسفر قائلًا عندي لكم زيادة خمسين ريالًا فراجعوا
стр. 2436
وقد توفي عام ١٣٩٣ هـ بعد هذا العمر المديد، ولم يفقد من ذاكرته شيئًا، وكان لا يزال يحفظ أخبار المعارك والحروب التي خاضها.
قال الأستاذ ناصر العمري:
انسحب عبد العزيز بن متعب بن رشيد بجيشه وأعوانه من الشنانة في القصيم واتجه شرقًا منحدرًا مع وادي الرمة فلحق بجيشه خمسمائة رجل من أعوان ابن سعود معظمهم وأكثرهم من أهل بريدة وصاروا يراشقون جيش ابن رشيد بإطلاق النار، وكان من بين الذين تبعوا انسحاب جيش ابن رشيد عبد الرحمن بن محمد الخطاف، وهو رجل شجاع قوي الجسم حاد البصر كثير الأسفار والاختلاط بالبادية، ويعرف عادات العرب وتقاليدهم في الحروب، وقد استطاع أن ينفلت من بين خيل ابن رشيد ويلحق بالإبل التابعة لابن رشيد فغنم منها خمسة عشر بعيرًا، وانتحى بها جانبًا يسوقها فوجد أناسًا من البادية فاتفق معهم على إيصالها إلى بريدة، ولهم نصفها فأخذوها وعاد لمراماة جيش ابن رشيد المنهزم أو المنسحب على الأصح، وفوجئ بامرأة سافرة تصيح به فأعطاها الأمان وقال لها اقتربي مني ولا بأس عليك وكانت باكية، إنها عاطفة الأمومة الجياشة امرأة من قبيلة ابن رشيد فقدت طفلها، لقد سقط منها في معترك زحام انسحاب الجيش فأخذ ابن خطاف بيدها وسار بها وكان حاد البصر وتتبع أثر جيش ابن رشيد في انسحابه فرأى جسمًا ملفوفًا بملابس من بعيد واتجه إليه وصاح بالمرأة: أبشري بولدك وحمله واتجه به إليها وهي تكاد تطير من الفرح متجهة إلى طفلها وحامله ومنقذه وسلمه إليها فقبلت طفلها وطلبت من ابن خطاف أن يلحقها بجيش ابن رشيد لأنها خائفة على حياتها وحياة طفلها فقال لك عهد الله ما يمسك سوء، وسار معها حتى ألحقها بجيش ابن رشيد ثم عاد وأخذ طريقه إلى
стр. 2437
ومن (الخطاف) عبد الرحمن بن محمد الخطاف: المعروف بدحيم عُمِّر طويلًا، ومات بعد أن وصل عمره إلى عشر بعد المائة أو كاد، وقد تجاوز المائة وهو قوي الجسم سليم الحواس، وأقرب الأقوال أنه عمر مائة وثمان سنوات منها مائة وخمس سنوات كان فيها سليم الحواس، ومتمتعًا بصحة جيدة، واشتهر بقوته الجسدية إبان شبابه وقوة تحمله، وكان معروفًا بالشجاعة والإقدام في الحرب.
стр. 2438
ووجدت شهادة لمحمد بن عبد الرحمن الخطاف هذا في وثيقة كتبها الشيخ المعروف في زمنه إبراهيم بن عجلان في ٢٥ شوال سنة ١٢٨٣ هـ.
стр. 2439
أما محمد الراشد فالظاهر أنه محمد بن راشد الرقيبة ووالده راشد السليمان من كبار الجماعة المتميزين بالديانة والوجاهة والتدين، مع وفرة الثروة والمال، وسوف يأتي ذكره في حرف الراء إن شاء الله.
أول من جاء من (الخطَّاف) إلى بريدة: عبد الرحمن بن عبد الله الخطاف: من الوشم، جاء إلى بريدة في أول القرن الثالث عشر الهجري وسكن (بريدة) وتزوج بها وولد له فيها ابن أسماه محمدًا، وقد توفي عبد الرحمن وابنه محمد صغير السن، فكبر ونزل دكانًا في وسعة بريدة شمال المسجد الجامع، وقد وفق في البيع والشراء ووسع له في رزقه مما جعله يملك بيتا كبيرًا في السوق الرئيسي ببريدة وفيه أحد عشر دكانًا، وقد أتم عمارة هذا البيت عام ١٢٨٥ هجرية، ولا يزال باقيًا حتى الآن ومعروف (ببيت ودكاكين الخطاف) وآخر من سكن البيت من أبنائه عبد الله وهو أصغر أبنائه ويبلغ من العمر أكثر من ثمانين عامًا.
وقد ولد لمحمد تسعة أبناء وهم مزيد وعبد الرحمن وسليمان وصالح وراشد وعلي وناصر وحمد وعبد الله، وصار لهؤلاء أولاد وأحفاد، وصار لأبنائه أحفاد فأحفاد ابنه الكبير مزيد ثلاثة أولاد وهم عبد الله وإبراهيم وفهد.
وقد توفي عبد الله عام ١٣٦٠ هـ، وأما إبراهيم فقد توفي عام ١٣٥٨ هـ.
ورد ذكر محمد الخطاف وهو ابن عبد الرحمن الخطاف أول من جاء إلى بريدة من الوشم في وثيقة مؤرخة في عام ١٢٤١ هـ بخط سليمان بن سيف، وقد اكتفى الدائن والكاتب بشهادة محمد آل خطاف مع شهادة الكاتب، مما يدل على قدم وجودهم في القصيم.
стр. 2440
"من فهد بن معمر إلى الإخوان الكرام سعد العامر ومحمد الراشد وسليمان بن خطاف سلمهم الله آمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: بارك الله فيك طاح نظرنا ونظر الجماعة عليكم على أنكم تطرحون نظركم على جماعة مسجدكم وجيرانكم من جهة الصلاة مع الجماعة، ومن جهة الأمور التي فيها نقص وخلل على أمور الدين واللي تكفي فيه النصحية تنصحونه، واللي ما تكفي فيه النصحية ترفعون أمره للنائب عبد العزيز المقبل، وتلتزمون بذلك وتحتسبون، ولا تعدَّرون يكون معلوم، إنْ إن شاء الله.
٥ ربيع أول ١٣٣٨ هـ
وسعد العامر المذكور في هذا الكتاب شخص معروف مشهور سيأتي ذكره عند ذكر أسرته في حرف العين، إن شاء الله.
стр. 2441
الخَطَّاف:
من أهل بريدة جاءوا إليها من الوشم.
وقد أصبحوا من أهل الأملاك والعقارات فيها، إذ كان في سوق بريدة الرئيسي أسفل من سوق القشلة عدة دكاكين تعرف بدكاكين الخطاف كان يؤجرها سليمان بن محمد الخطاف في عهدنا وهي جزء من بيت كبير كان سليمان ساكنًا فيه يعرف ببيت الخطاف.
وسليمان هذا شخصية معروفة بالوجاهة والصدق وحسن المعاملة وكان كثير الأسفار في التجارة لذلك عينه أمير بريدة (فهد بن معمر) مع اثنين نظراء وهم أهل النظر على جماعة المسجد الذين يسكنون في المحلة التي فيها المسجد، وارتضاهم الأمير والقاضي للنظر في تلك الجهة من المدينة، ومن ذلك النظر في شوارعها، ورد من يتجاوز عليها ببناء أو نحوه، ومنها فض المنازعات بين المتخاصمين في الأمور التي لا يصل النزاع فيها إلى الإمارة أو القاضي، كما أنهم ينظرون في حدود الأملاك، ويقدرون الضرر لمن يدعي الضرر من جيرانه، سواء أكان ذلك ضررًا حقيقيًّا أم مزعومًا فيردونه، ويأخذ القاضي بقولهم في هذا الأمر لأنهم يكونون بمثابة الذين يقفون على العين المدعي فيها أمام القاضي.
هذه هي مهمة النظير وأحد النظراء إلى جانب ما ذكر في الكتاب الذي ننقل هنا نصه بحروف الطباعة.
توفي سليمان بن محمد الخطاف هذا في عام ١٣٦٧ هـ.
стр. 2442
وهذه ورقة مداينة مختصرة بين حمود العبد الله الخضيري وبين سند الإبراهيم الحصيني.
والدين: ستة وعشرون ريالًا عوض ناقة شقحاء، و (الشقحاء) البيضاء، يحل أجل الوفاء بها في شعبان سنة ١٣١٦ هـ.
وأرهنه في ذلك الناقة المذكورة.
الشاهد: عقيل السلمان، من السلمان أهل الشقة.
والكاتب إبراهيم الربعي من أهل الشقة أيضًا.
والتاريخ ١٥ ربيع الأول (سنة ١٣١٦ هـ).
стр. 2443
والثمن: ثلاثون ريالا، وهي دين حالٌّ أي غير مؤجل ثابت أي في ذمة سليمان بن حمد الخضيري للمذكورين.
وباقي مطلبهم أي باقي الدَّيْن الذي لهم في ذمته هو ألف وسبعمائة وزنة تمر وعبر عنها الكاتب بقوله: ستة عشر مائة وزنة تمر.
وأيضًا خمسة عشر ريال أبروا سليمان عنهن أي أبرؤا ذمته عنها بمعنى أنهم سامحوه عنها وأسقطوا هذا الدين من ذمته.
وهذا لا يستغرب من أعمال حمد الخضير ﵀ مع الذين يداينهم، فكان يوسِّع عليهم أو لا يضايقهم، ويعنيهم في بعض الأحيان من الدين.
قالت الوثيقة: وبعد ذلك مالهم على سليمان (الخضيري) دعوى، والمبيع المذكور خمسين مكان أبيه حمد الخضيري وهما جزءان من خمسة أجزاء منه بجميع ما تبعه من أرض وبئر وحي وميت.
ثم ذكر حدوده.
والشاهد: محمد الحصين راع الشماس، والمراد خب الشماس، وليس بلد الشماس الذي كان قد هجر وخرب قبل ذلك بسنين، وإبراهيم الحمد الخضيري من أسرة البائع.
والكاتب إبراهيم العبادي، ولم أره أرخها على خلاف عادته، ولكن مما يقرب وقتها لنا هو أن حمد الخضير أحد المشترين توفي في عام ١٣٠٨ هـ بعد أن بلغ عمره مائة سنة، أو ما يقرب من ذلك.
стр. 2444
الدكاترة من آل العمري المدرسين في الجامعات وهم عمر بن صالح العمري وعبد العزيز بن إبراهيم العمري وعبد الله بن ناصر العمري.
والدين: عشرة أريل مؤجلات يحل أجلها في شوال سنة ١٢٨٤ هـ.
وأرهنه في ذلك مخزنه أي دكانه المعلوم الكاين شمال عن مخزن ابن عمران، وهو دكان ابن عمران.
والكاتب هو الشاهد وهو الشيخ الجليل القاضي سليمان بن علي المقبل.
والوثيقة التالية متعلقة بأسرة الخضيري هؤلاء، من الذين كانوا يسكنون منها في الشقة، وهي مبايعة بين سليمان الحمد الخضيري - بالياء في آخره - والمشتري هو حمد المحمد الخضير - بدون ياء - وهو الثري الشهير من أهل بريدة الذي تقدم ذكره ومعه إبراهيم السند (الحصيني) من أهل الشقة بلد البائع.
والمبيع صيبة سليمان الحمد الخضيري أي نصيبه من أبيه بمعنى ما ورثه عن أبيه حمد الخضيري من نخله المعروف في الشقة قد باعه على الشخصين الثريين حمد الخضير وإبراهيم السند مشتركين فيه.
стр. 2445
وهذه وثيقة قديمة نسبيًا إذ هي مؤرخة في ٣ شوال لسنة ١٢٨٣ هـ وهي مداينة بين إبراهيم الخضيري وبين سليمان آل مبارك (العمري) وسليمان هو جد
стр. 2446
الأستاذ علي بن عبد العزيز الخَضيري، أستاذ بجامعة الملك سعود.
وكل هؤلاء هم بفتح الخاء وكسر الضاد.
هذه وثيقة مداينة بين محمد العبد الله الخضيري، ونفهم أنه من أهل الشقة وبين مزيد السليمان المزيد من المزيد أهل الدعيسة)، والدين ألف صاع شعير عوض ستين ريالًا مؤجلات يحل أجلها في شهر عاشور الذي هو شهر محرم أول عام ١٢٨٨ هـ. وأيضًا أربعة أريل مؤجلات يحل أجل الوفاء بها في رمضان سنة ١٢٨٨ هـ.
وقد يتساءل متساؤل لا يعرف الأمر من القراء الكرام عن سبب هذه الإستدانات؟ والجواب: أن الفلاح يحتاج إلى نقود في أثناء السنة في غير موسم الثمار، إما لشراء ناقة يسني عليها أو لشراء بقرة يحلبها ويأتدم بزبدها، أو لكي يتزوج أو يزوج ابنه فيستدين من التجار إلى أجل يوافق جني المحصول من العيش أو الحبوب أو التمر.
والشاهد محمد الفراج (من أهل الشقة) والكاتب مبارك بن عبد الله العمري من أسرة العمري الكبيرة، وفيهم أناس في الشقة.
التاريخ: يوم ١٨ من الفطر الأول وهو شهر شوال من عام ١٢٨٧ هـ.
стр. 2447
وكان من أسرة (الخَضيري) هذه طلبة علم من المعروفين بذلك، ذكر منهم الشيخ صالح العمري ثلاثة من تلاميذ الشيخ القاضي عبد الله بن محمد بن سليم: قاضي بريدة الذي توفي عام ١٣٥١ هـ وهم:
إبراهيم العبد الله الخضيري: بفتح الخاء وكسر الضاد، من (أهل الشقة).
والشيخ عبد الرحمن بن عبد الله الخضيري: بفتح الخاء وكسر الضاد من الشقة، كان من حُفاظ القرآن الكريم، وباشر التدريس في عدد من القرى والهجر، والمقصود التدريس في المساجد.
والشيخ أحمد العبد الله الخضيري: بفتح الخاء وكسر الضاد من الشقة (١)، وكان مرشدًا في الحرس الوطني.
وقد ضبط أسماءهم وكرر ذلك ليتميزوا بذلك فيعرف أنهم ليسوا من أسرة الخضيري) بإسكان الخاء وفتح الضاد الذين كان يوجد منهم أناس في الشقة.
ومنهم عبد العزيز الخضِيري - المدير العام للشؤون المالية والإدارية - وزارة الداخلية - سابقًا، ورجل الأعمال.
والدكتور حمد بن عبد العزيز الخضيري (قاضي) ونسّابة.
أحمد بن ناصر الخضيري تولى القضاء أيضًا.
عبد العزيز بن عبد الرحمن الخضيري، مدير عام فرع وزارة الشؤون الإسلامية بالحدود الشمالية.
عبد الله بن عبد العزيز الخضيري، مدير التدريب بشركة الاتصالات.
د. محمد بن عبد العزيز الخضيري، أستاذ بجامعة الملك سعود.
стр. 2448
الخضيري:
على لفظ سابقه.
أسرة أخرى صغيرة جدًّا من أهل بريدة.
منهم إبراهيم بن علي الخضيري: كان جزارًا في بريدة.
مات عام ١٣٩٠ هـ وله ابن واحد اسمه علي انتقل إلى الرياض ويعيش حتى الآن - ١٤٢٢ هـ ويعمل في تجارة السيارات.
الخضيري:
بفتح الخاء وكسر الضاد ثم ياء ساكنة فراء مكسورة فياء نسبة.
على لفظ النسبة إلى خَضير أو الخضير، والأمر كذلك فسبب تسميتهم به أن جدهم كان طفلًا رضيعًا أو في سنته الثانية من العمر فشغلت عنه أمه بفلاحتهم وبشغل جعلها تتخلف عنه، فلما عادت إليه بعد بطأ وجدت أن مظهره لا يسرها فهو عابس الوجه، يبين عليه عدم الارتياح، واعتقدت أنه جائع أيضًا، فقالت تخاطب أهل بيتها: يا ويلكم من الله، أو قالت: يا ويلي من الله، خليت ولدي إلى ما صار وجهه وجه خضير.
وخضير: رجل فقير بائس رث المنظر يعرفونه فلقبوه خضيرًا على اسم ذلك الرجل البائس، ثم لحق اللقب ذريته.
وهم من أهل الشقة تفرعوا من أسرة الحميدي الكبيرة ويرجع نسبهم إلى حمد بن سالم بن مؤسس الأسرة الحميدي الذي هو من آل أبو رباع، من عنزة.
من أقرب الأسر إليهم المديهش والفهدي.
وهم أبناء حمد بن سالم بن الحميدي (جدّ الحمادا).
стр. 2449
- فيصل بن محمد بن صالح بن عبد الله الخضيري: من أهل الحُمُر في الخبوب، ويسكن في الدمام، متخصص في الشريعة، ويعمل في الإستشارات، ويحضر الماجستير في العقيدة.
- عبد الله بن محمد بن صالح بن عبد الله الخضيري: من أهل الحمر ومقيم في الرياض، قاض في وزارة العدل.
- عبد الله بن إبراهيم بن صالح بن عبد الله الخضيري: من أهل بريدة، أستاذ في المعهد العلمي في بريدة، وخطيب جامع في بريدة.
- عبد الله بن صالح بن عبد الله الخضيري: من أهل الدعيسة، محاضر في كلية المعلمين في حائل، يحضر رسالة الدكتوراه في علوم الشريعة.
- ومنهم فهد بن محمد بن صالح بن عبد الله الخضيري: من أهل الحمر ويسكن في مدينة الدمام، وهو من حملة الشريعة، ويعمل في مجال المحاماة والتجارة، من شداة العلم والأدب، درس على عدد من المشايخ، كالشيخ محمد بن عثيمين، والشيخ محمد الصالح المنصور، والشيخ ناصر القفاري، وله اهتمام بعلم الأنساب والتاريخ والأدب، وحضر مجالس متعددة للشيخ حمد الجاسر، والشيخ محمد العثمان القاضي، والشيخ: عبد الله البسام، والشيخ أبي عبد الرحمن ابن عقيل الظاهري، وهو من المهتمين بالكتب والمتابعين للحركة العلمية والثقافية، كان يتصل بي يطلب مني ما صدر من كتبي الجديدة، ورأيته يعرفها وقد قرأها واستحضر ما فيها.
وكان يتحفني بما يصدر من الكتب التي أهتم بها.
وقد استفدت منه عدة فوائد جزاه الله خيرا، وكان آخر لقاء معه حتى كتابة هذه الحروف في وسط عام ١٤٢٥ هـ.
стр. 2450
الميدان وكان المشهود له أعلى رتبة في المجتمع فإنه يحق للمشهود عليه الطعن في الشهادة وطعنه معتبر".
ومن الأنواع التي يرى الخضيري بعدم قبول شهادتهم استنادا إلى قبول الفقهاء أنواع عدة كما جاء في قول أحد الفقهاء بما نصه: "لا شهادة مقبولة المتمسخر ورقاص ومشعوذ ومغن وطفيلي ومتزي بزي يسخر منه ولا شاعر يفرط في مدح في إعطاء أو ذم بمنع أو بأمرد أو بامرأة معينة محرمة ولاعب الشطرنج ولا من يمد رجليه في محضر الناس أو يكشف جزءًا من جسمه أمام الناس أو يحكي المضحكات، وكل هذا في الزمن الماضي واختلف أعراف الناس".
عودة إلى رجال أسرة الخضيري:
- الدكتور أحمد بن محمد بن صالح بن عبد الله الخضيري: من أهل الحُمُر، عضو هيئة التدريس في قسم الفقه بكلية الشريعة بالرياض، له إسهامات ومشاركات علمية في الداخل والخارج، ومن مؤلفاته: "مفردات الحنابلة في أحكام الأسرة" - عرضًا ودراسة -: رسالة ماجستير، وكتاب: "نقض الأحكام القضائية" رسالة دكتوراه.
- الدكتور محمد بن عبد الله بن علي الخضيري: من أهل الحُمُر، عضو هيئة تدريس في قسم العقيدة بجامعة القصيم، له إسهامات في الدعوة، ومن مؤلفاته: "تحقيق جزء من كتاب مدارج السالكين" لابن قيم الجوزية، وهو أطروحته للدكتوراه.
- الدكتور فهد بن محمد بن عبد الله بن سليمان الخضيري: من أهل الدعيسة، يعمل في مركز الأبحاث في مستشفى الملك فيصل التخصصي، ومن مؤلفاته: "السرطان والوراثة"، مطبوع.
стр. 2451
يعود الشيخ الخضيري من خلال حديثه لـ"الوطن" في تفصيل حالة الشهادة بشكل عام ومنها شهادة أصحاب المهن المستقذرة بين الناس ويقول: "الشهادة ومتانتها وقوتها تكون حسب المشهود عليه وحسب الحالة التي تكون فيها الشهادة، فإذا كان المشهود عليه من ديانة غير الإسلام والشاهد غير مسلم فتقبل الشهادة وتكون نسبية، وفي حال كون المشهود عليه مسلمًا والشاهد مسلمًا فتقبل الشهادة لأن العدالة في الشهادة تختلف باختلاف الزمان والمكان".
كما أكد أن حليق اللحية تقبل شهادته لأن حلق اللحية قد عم بين الناس ولا يعتبر من الفساق الذين لا تقبل شهادتهم وأضاف "تقبل شهادة حالق اللحية لأنه قد عم البلاء وأكثر الناس يحلق لحيته ويسيب ثوبه لذا فحالق اللحية تقبل شهادته ويؤخذ بها".
ويرى الخضيري أن أصحاب المهن المستقذرة من الفئات التي يحق للمشهود عليه المطالبة بعدم الأخذ بشهادتهم والطعن فيها، ومنها الجزار علي سبيل المثال ومن يعملون في الصرف الصحي، أو ما يتعلق بمياه المجاري، وأضاف "هناك أنواع ستة لا تقبل شهادتهم وهي أن يكون الشاهد ملكًا لمن شهد له، وأن يكون الشاهد يجر بشهادته نفعًا له، وأن يدفع عن نفسه بها ضررًا، وأن تكون بينهما عداوة لغير الله، وأن تكون هناك عصبية بين الأطراف، وأن يكون الشاهد فاسقًا، ومواصفات الفاسق تختلف من شخص لآخر وحسب الزمان كذلك والفسق هو معصية الله عن عمد وتعمد".
وعن العمل في الصرف الصحي قال الشيخ إبراهيم الخضيري: إن شهادة العامل في الصرف الصحي يحق للمشهود عليه الطعن فيها والطعن معتبر إن كان يعمل في الميدان قرب مياه الصرف الصحي، أما إذا كان يعمل في وظيفة إدارية فشهادته مقبولة وأضاف: "إذا كان موظف صرف صحي وينزل إلى
стр. 2452
ورفض بن مسبل تحديد مهن بعينها ترفض شهادة أصحابها، وقال إن العدل والإسلام هما الأساس.
والمستشار الشرعي والقانوني الدكتور محمد المشوح ذهب إلى نفس ما ذهب إليه ابن مسبل، وأكد أن الشهادة مبدئيًا تقبل بغض النظر عن مهنة من يدلي بها لأن الشاهد يتحمل تحملًا كاملًا ما أدلى به، وبعد ذلك يفتح الباب للخصوم للطعن في الشهادة، ومن يتأكد منها القاضي ويرفضها أو يأخذ بها حسب ما توصل إليه وأضاف "وحالة الشهادة تكون في أهمية الحالة المشهود فيها وقضايا الدم مثلًا ليست مثل قضية أذية الجار، ففي الحالة الأولى يتم تمحيص الشهادة والتأكد من حضور الشاهد للواقعة، وفي الحالة الثانية تكون شكوى بين شخصين قد يؤخذ تعهد مثلًا، ولا يكون مصاحب لها حكم شرعي في حال أذية الجار لجاره، فمن المنطق ألا يكون هناك تدقيق في مهنة الشاهد أو وضعه إلا أن يكون فاسدًا في عمله وسبق أن تم التشكيك في نزاهته وعدله".
وقال القاضي بديوان المظالم بأبها الشيخ عبد اللطيف القرني: إن الديانة وعدل الشاهد هما الأساس في قبول الشهادة، وعن عدم قبول شهادة غير الملتحي قال إنه قد عم أمر حلق اللحية ولا يمكن رفض شهادة غير الملتحي بسبب عموم بلاء حلق اللحية وانتشاره بين الناس، وهناك اجتهادات فقهية لبعض الفقهاء قد يؤخذ بها أو لا يؤخذ.
وعن أصحاب المهن المستقذرة قال القرني: إنها اجتهادات من الفقهاء في تحديد بعض الفئات التي لا يتقبل شهادتها لكن الأساس هو العدل والدين، ويري أن النظر في مهنة الشاهد أو محاولة التدقيق في الشهادة بشكل أكبر حين تكون القضية حقوقية أو قضية دم مثلًا.
стр. 2453
صفة معينة بين كثير من الناس مثل حلق اللحية والتي تحولت من صفة فاسق لا تقبل شهادته إلى أمر لا يؤخذ به أثناء الطعن في الشهادة من المشهود عليه.
وفي أحدث رأي فقهي حول وظيفة من الوظائف التي قد لا تقبل شهادة صاحبها شرط أن تحيط بها ظروف معينة، يرى القاضي بمحكمة التمييز الشيخ إبراهيم الخضيري أن موظف الصرف الصحي الذي يعمل في الميدان شهادته قابلة للطعن من المشهود عليه في حال كون المشهود له أعلى رتبة من هذا الموظف، وكذلك كون هذه المهنة من المهن المستقذرة والتي تقبل شهادة صاحبها لكنها قابلة للطعن في حال اعتراض المشهود عليه.
ثلاثة من المختصين في الشأن الشرعي والقضائي عارضوا قول الخضيري ويرون أن العدل والدين هما الشرطان المعتبران في قبول الشهادة في المقام الأول، وقد تكون هناك موانع يحددها القاضي أو يرفض الشهادة بناءً عليها مثل الفساد أو الطعن في الأخلاق للشاهد، ولا يرون أن هناك مهنًا مستقذرة لأن بعض المسلمين ومن أبناء البلد يعملون في مهن لأجل تأمين رزق أبنائهم ولمنع النفس من السؤال فهل تمنع شهادتهم؟
وقال نائب رئيس الشؤون الإسلامية والقضائية بمجلس الشورى الشيخ عازب بن مسبل إن الأصل في الشهادة أن تقبل من المسلم العدل وللقاضي الحكم بما يراه في الشاهد، والشهادة تكون شهادة تحمل وأداء، وأضاف" الشهادة ليست بالأمر الهين حتى يتحملها الشاهد، واختلف العلماء من قديم الزمان حول شروط قبول الشهادة أو منعها وهذا ما يجعل باب الاجتهاد متجددًا في الجانب مع تجدد الأوضاع المحيطة والاجتماعية ومثلًا قول العلماء في بائع الحمام لأنه يكذب عليها لكنه ليس من المنطق عدم قبول شهادة مربي حمام يربيها الاستعماله الشخصي ولا يبيعها".
стр. 2454
قالت الجريدة:
جدل قضائي وقانوني حول قبول شهادة أصحاب المهن "المستقذرة":
الرياض: عضوان الأحمري:
اختلف أربعة من المتخصصين في الشأن القضائي والمحاماة حول من تقبل شهادتهم وحول قبول شهادة أصحاب المهن (المستقذرة) كما تمت تسميتها في كتب الفقه.
ويرى القاضي بمحكمة التمييز الشيخ إبراهيم الخضيري أن شهادة موظف الصرف الصحي إذا كان يعمل في الميدان وقريبًا من مياه المجاري قابلة للطعن في حال اعتراض المشهود عليه، وكان المشهود له أعلى رتبة من الشاهد في حالة المهن المستقذرة، إلا أن عددًا من القضاة والمختصين في الشأن الشرعي عارضوا هذه الحالة وقالوا إن العدل في الشهادة يختلف باختلاف الزمان والمكان. ورأوا أن المهن المستقذرة مقبولة شهادة أصحابها شريطة أن يكون صاحبها مسلمًا عدلًا.
واختلاف القضاة والفقهاء فيمن تقبل شهادته قديمة، فبائع الحمام حسب أقوال الفقهاء تقبل شهادته إذا كان يربي الحمام ولا يبيعه ولا يقسم بإعادته، فيما ذهبت أقوال فقهية أخرى إلى الشك في بائع الحمام كونه قد يفعل عمل قوم لوط.
وهذا الاختلاط كان إلى وقت قريب في موضوع حلق اللحية ووصف الحليق بالفاسق الذي لا تقبل شهادته، إلا أن العلماء الذين تحدثوا لـ"الوطن" أبانوا أن العدل وصفات الفسق تختلف من زمن إلى آخر، خصوصًا حين تنتشر
стр. 2455
الإسلامي إنما يعود للتقوى، رافضة الاستناد في مسألة تكافؤ النسب والتفريق بين الزوجين إلى الدين والذي اعتبرته بعيدًا عن الدعوة إلى تدمير أسر مستقرة.
وأكدت عزيزة عنبر مسؤولية رجال الدين في النظر للقضية بتجرد وموضوعية، وليس لاعتبارات شخصية، متسائلة حول خلفيات مبررات حكم الفصل والتفريق بين الزوجين، من قبل بعض رجال الدين، ما أن كانت لرؤية شرعية أم نظرة شخصية.
انتهى إيراد ما رآه الشيخ إبراهيم الخضيري في قضية الكفاءة في النسب والتعليقات عليها.
شهادة ذوي المهن المستقذرة:
أثار رأي أبدأه الشيخ إبراهيم بن صالح الخضيري عاصفة من النقاش والتعليقات أيضًا وهو عدم قبول شهادة ذوي المهن التي أسماها مستقذرة.
وقد نشر رأي الشيخ الخضيري وآراء بعض المشايخ والمحامين في مقال في جريدة الوطن الصادرة في يوم الجمعة ٤ شعبان عام ١٤٢٩ هـ الموافق ١٥ أغسطس عام ٢٠٠٨ م (العدد ٢٨٧٧) من السنة الثامنة.
وسوف نذكر ما نشرته الجريدة حول هذا الرأي ثم نعقبه بذكر بعض التعليقات عليه من القراء، وهي تعليقات معارضة له في أكثر الأحيان، بعضها يتسم بالجد وبعضها بالسخرية وإخراج الموضوع بمخرج الفكاهة والتسلية.
ونحن هنا منطلقين من المبدأ الذي اتخذناه حول نشر الآراء العلمية، والمناقشات المتعلقة بها.