وقد عد في آخر عهده من العلماء المتمكنين ولكن لا سبيل له أن يتولى وظيفة قضاء أو نحوه لما ذكرته.
ويقول المنصفون بحق الرجل: إنه كان عالمًا حقا فهو فقيه بل متفنن في علومه، ولو كانت الدولة في جانبه لتولى أحد المناصب الرفيعة في القضاء أو التدريس، ولكن انحرافه عن المشايخ آل سليم، والتظاهر بأنه من جماعة ابن جاسر وابن عمرو والمراد بذلك أنه يرى رأيهم هو الذي حرمه من المناصب مثله في ذلك بقية تلك الفئة، وتلك الفئة معروفة بتعاطفها مع آل رشيد خصوم الملك عبد العزيز آل سعود.
توفي صالح بن دخيل الجار الله في عام ١٣٤١ هـ.
ومنهم جار الله الدخيل وهو عم سليمان بن صالح الدخيل هاجر إلى بغداد وصار وكيلًا لآل رشيد أمراء نجد هناك.
وقد أنشا مع ابن أخيه سليمان مجلة الرياض في بغداد.
فكان مما قاله فيها الشيخ علي بن سليمان بن جلوه من أبيات:
حي الرياض وحيِّ اليوم منشيها ... وحيِّ يا خلِّ بالاجلال ياويها
وحيَّ يا صاح (جار الله) إنَّ له ... على الورى مننا جلت أياديها (١)
ذكره الأستاذ ناصر العمري، فقال:
جار الله الدخيل من أهل بريدة وهو من قبيلة الدواسر تاجر كان يقيم في بغداد، وذكر من أرخ لجريدة الرياض التي أصدرها سليمان الصالح الدخيل
стр. 2767
في بغداد أن جار الله الدخيل تاجر وله مضيف وأنه وكيل لابن رشيد أمير حائل في العراق.
وفي عام ١٣٣١ هـ وفد جار الله الدخيل على الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود في بريدة فأكرم وفادته وأنزله في بيت كبير فخم ووضع عنده الخدم والطباخين وبقي أيامًا في بريدة يزور الإمام ويهتم به، وقد أعطاه الإمام مائتي جنيه ذهبية بعثها له مع الوزير محمد بن صالح بن شلهوب فأخذها جار الله الدخيل ووزعها كلها على من في البيت من الذين يخدمونه وعرف ذلك محمد بن صالح بن شلهوب فعاد إلى الإمام يضحك وقال: الجنيهات التي أعطيتها لجار الله الدخيل فرقها ولم يدع منها شيئًا لنفسه، وكان الإمام عبد العزيز قد اقترض الجنيهات من رجل من أهل بريدة وقرر الإمام أن يعوض ضيفه بمبلغ أكبر وأخذ يفكر من أين يأتي بالمبلغ ثم قام الإمام يتبعه بعض رجاله وذهب إلى تاجر من أهل بريدة واقترض منه خمسمائة جنيه ذهبا وجاء بها الإمام عبد العزيز وسلمها لمحمد بن صالح بن شلهوب وأمره أن يعطيها لجار الله الدخيل ويعتذر إليه، فسلمها محمد بن صالح بن شلهوب لجارالله الدخيل فقبلها شاكرًا ولم يوزع منها شيئًا حيث اكتفى بتوزيع الهبة السابقة على من حوله.
وذهب جار الله الدخيل لوداع الإمام عبد العزيز فاختلى به ونصحه بالتوجه إلى الأحساء واحتلالها واحتلال بلدان المنطقة الشرقية، وكانت ثروتها في النخيل وواردات البحر (١).
وقال الأستاذ ناصر العمري أيضًا:
جار الله الدخيل من قبيلة الدواسر من أهل بريدة أقام في العراق للتجارة، وكان له مركز مرموق، فهو رجل كريم يكرم ضيوفه في العراق وله مكانة
стр. 2768
عند أمراء العرب في نجد، وهو عم سليمان الصالح الدخيل الذي أصدر جريدة الرياض في بغداد في أوائل القرن الرابع عشر الهجري، وأصدر مجلة المجتمع في بغداد ونشر عددا من الكتب التي لها صلة بتاريخ نجد، جار الله الدخيل نظر إلى اضطراب الأحوال السياسية في نجد وأدرك بمعرفته أن المستقبل لابن سعود فنصح الدولة التركية التي كانت تحكم العراق وتجاور ابن سعود أن تعتمد على ابن سعود وتحالفه وتتخلى عن غيره فمركز السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود في نجد قوي خاصة بعد انضمام القصيم إليه فأمرته الدولة التركية بالوفود على ابن سعود في الرياض ومفاوضته في الاعتراف بابن سعود والتخلي عن غيره.
وفد جار الله الدخيل على السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود فأكرمه لمعرفته بمكانته ودفع إليه السلطان الإمام عبد العزيز بمبلغ كبير من الذهب أخذها جار الله الدخيل، وفرقها على الرجال الذين كلفوا بخدمته مدة إقامته في الرياض وعاد إلى بغداد وعلم الإمام عبد العزيز آل سعود بما فعل الرجل فتبسم وقال هذا الرجل كريم ولم يفد علينا من أجل المال (١).
وقد أصهر الملك عبد العزيز آل سعود إلى هذه الأسرة فتزوج بلؤلؤة بنت صالح بن دخيل الجار الله هذا العالم المعارض لآل سليم الذين هم أنصار آل سعود والمشايخ من آل الشيخ.
وهي أخت صديقنا عبد الرحمن بن صالح الدخيل.
ورزق منها الملك عبد العزيز بابن اسماه (فهد) عاش فترة قصيرة ثم توفي، وبعد وفاته بزمن قليل ولد له ولد فأسماه على اسم ولده الذي مات الذي أمه من (الدخيل) هؤلاء.
стр. 2769
وفهد الأخير هو الذي أصبح الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية في الوقت الحاضر، وهو من أكثر أسرة آل سعود نشاطًا بعد وفاة الملك خالد وحتى قبله، كان له دور رئيسي في العمل على تعيين الملك فيصل نائبًا للملك سعود وتوليه إصلاح أمور الدولة كما هو معروف.
حدثني زميلنا وصديقنا الشيخ محمد بن عبد الله السبيِّل إمام الحرم الشريف، قال: عندما زار الملك سعود بن عبد العزيز بريدة في عام ١٣٧٦ هـ، دعاه صالح بن الزعيم فهد بن علي الرشودي إلى بيته، وكان عبد الرحمن الدخيل جارًا له فلما خرج الملك سعود من قهوة الرشودي قال له عبد الرحمن الدخيل: يا طويل العمر، فنجال جاهز، يدعوه إلى أن يدخل إلي بيته ويشرب القهوة فيه، ولم يكن الملك سعود يعرفه، إذ لم يقدمه له أحد، فلم يستجب له بسرعة، فقال عبد الرحمن الدخيل: يا طويل العمر، أنا خال فهد بن عبد العزيز آل سعود وهنا تدخل بعض الحاضرين وعرفوه به فدخل بيته وشرب فيه القهوة، وجامله مجاملة ظاهرة.
إن تاريخ ولادة الملك فهد بن عبد العزيز الذي يسمى على اسم أخيه المتوفى الذي أمه من الدخيل هؤلاء هو معروف سجله الزركلي في كتابه (شبه الجزيرة العربية في عهد الملك عبد العزيز) فذكر أن ولادة الملك فهد كانت في عام ١٣٣٨ هـ، ومن هذا يعلم تاريخ موت فهد الأول.
وقد عهدت الملك عبد العزيز آل سعود ﵀ أنه لابد إذا أتي إلى مدينة بريدة وكان يحضر إليها في القديم بعد كل ٤ سنوات من أن يزور أم زوجته وهي أم صديقنا عبد الرحمن الدخيل واسمها طرفة الفواز فيأتي إليها بمرافقيه وجنوده الكثر، ويقف أكثرهم في الزقاق الذي فيه بيت عبد الرحمن الدخيل، لكثرتهم، ويدخل الملك عبد العزيز إليها في البيت فيسلم عليها ويشرب عندها القهوة والشاي لا يخل بذلك أبدًا.
стр. 2770
وكنا نعرف ذلك من احتشاد الزقاق بالناس ونحن ذاهبون إلى دكان والدي في أعلى سوق بريدة القديم، ونعرف أن الملك عبد العزيز جاء إلى هنا للسلام على رحيمته أو نسيبته التي تزوج بنتها (طرفة الفواز).
ومن الأشياء اللافتة لنظر مثلي أنني كنت أسمع عندما أمرُّ ببيت الدخيل المذكورين ويقع على الشارع الذي عليه المدرسة الفيصلية إلى الجنوب من الميدان المتصل بميدان الجردة في القديم صياح امرأة، فلما عقلت الأمور عرفت حقيقة ذلك وهو أنه صادر من جارية كرجية كانت أهديت للملك عبد العزيز آل سعود إبان كونه في بريدة ولكن تبين أن في عقلها لوثة ربما كانت قديمة خفية أو أنها حدثت حدوثا فتركها عند نسيبته (طرفة الفواز) أم عبد الرحمن الدخيل وصار يرسل لها نفقة مع ما يبر به طرفة الفواز.
وقد رأيت تلك الجارية الكرجية مرة واقفة في الباب فرايتها ذات شعر ذهبي أحمر شديدة البياض.
والمعروف أن الكراجي - جمع كرجية - هم من أهل جورجيا في جبال القوقاز التي عاصمتها تفليس وتعتبر نساؤهم من أجمل نساء العالمين، وقد ألفت كتابًا عنوانه: (بلاد العربية الضائعة: جورجيا) تكلمت فيه بتوسع على بلاد جورجيا، هذه وهو كتاب مطبوع وتعرف في كتبنا العربية القديمة ببلاد (الكرج).
سليمان بن صالح الدخيل:
ومن الدخيل هؤلاء، بل هو أشهرهم عند المؤرخين والكتَّاب في داخل بلادنا وخارجها وفي العراق بالذات سليمان بن العالم المتقدم ذكره صالح بن دخيل الجار الله، الذي كان - بحق - أول نجدي اشتغل بالصحافة حيث أقام في بغداد وأصدر مع عمه جار الله بن دخيل جريدة الرياض، وقد نوه بعمله هذا الكتاب الأوائل من أهل نجد، ولكن أكثرهم أهمل دور عمه (جار الله) في
стр. 2771
مساعدته في أن يكون الصحفي النجدي الأول.
وترجم له الكثير من الكتاب والمؤلفين سواء من أهل العراق أو من أهل نجد.
ولم يقتصر عمل سليمان بن صالح الدخيل على إنشاء جريدة الرياض ومجلة الحياة في بغداد بل كان يكتب مقالات في مجلة (لغة العرب) التي كان يصدرها انستاس ماري الكرملي في بغداد واستمرت تصدر مدة طويلة.
وبمطالعة ما كان يكتبه فيها سليمان الصالح الدخيل تبين أن فيها معلومات جمة مفيدة عن بلادنا في وقت كانت المعلومات عنها شحيحة، بل نادرة ولكن يلاحظ أيضًا أن في بعضها مبالغات تذكر غير الواقع من ذلك ما ذكره في العدد الأول من مجلة (الغة العرب) الصادر بتاريخ تموز ١٩١١ م، من كثرة الذين يعرفون اللغات الأجنبية في القصيم: فتجد إذا دخلت بلدهم هذا يتكلم التركية وذاك يكلمك بالفارسية وآخر يتكلم بالإيطالية .. الخ.
مع أنه لا توجد من المشاهير الذين نعرفهم من يتكلمون لغة أجنبية إلَّا قلة مثل (عبد الله الخليفة) الذي كان يتكلم الإنكليزية بطلاقة، لأنه كان قد عاش سنين في الولايات المتحدة الأمريكية، كما سبق ذكر ذلك في ترجمته وإلا أناسًا يعرفون الأوردية لأنهم عاشوا في الهند مثل خالي عبد الله بن موسى العضيب الذي كان سكن في الهند وتزوج فيها قبل أن يستقر في البحرين ويتزوج فيها فهو يتكلم اللغة الأوردية بطلاقة.
وبعد أن سودت شيئًا من التعليق على ذلك قرأت بحثا للباحثة (فاطمة المحسن) التي تقيم في لندن نشر في جريدة الرياض الصادرة في يوم الخميس ٢٧ ذي القعدة عام ١٤٢٣ هـ الموافق ٣٠ يناير عام ٢٠٠٣ هـ (عدد الجريدة ١٢٦٣٨) فرأيت أنه بحث ما يتعلق بالمذكور بحثًا مستفيضًا من أحسن ما قرأته عنه قالت الباحثة:
стр. 2772
سليمان الدخيل المؤرخ الأديب:
في تراجم أدباء العراق مطلع القرن العشرين يتردد اسم سليمان الدخيل الأديب النحرير والمؤرخ الخطير والصحافي القدير، حسب تعبيرات ذاك الزمن، وسليمان الدخيل يمثل أحد أوجه الإفصاح عن تعددية الأصول والمنابع واختلاف الاهتمامات في الثقافة العراقية عند مفتتح القرن المنصرم، فقد أسهم في (لغة العرب) مجلة الأب انستاس الكرملي منذ صدور العدد الأول ١٩١١ م، متتبعًا منهج المؤرخ والعارف والمهتم بطبوغرافيا البشر والقبائل في الجزيرة العربية والعراق، وتلك كانت من المواضيع التي أولتها المجلة اهتمامًا يضارع انشغالاتها التأسيسية الأخرى في معرفة الأصول اللغوية والأثنيات والطوائف في بلاد ما بين النهرين، كما يتردد في كتابات مطلع القرن.
اختلاف الدخيل عمن سواه من الكتاب العراقيين، ينبع من أصوله النجدية، حيث أعاد إنتاج ذلك الانتماء معرفيا من دون أن يركنه زاوية معتمة في حياته ليظهر على هيئة ولاء ضيق الأفق، على هذا استطاع أن يجد مكانة منفردة بين أدباء وباحثين معظمهم من بغداد ومن المدن الرئيسية.
يحتاج سليمان الدخيل للتعريف به، ما يشبه التفرغ والمؤسف أن القارئ خارج العراق يلقي العنت في الحصول على كتبه التي نشرها في بغداد، شأنه شأن الكثير من أدباء وصحافي مطلع القرن العشرين الذين طواهم النسيان مع كل الجهود التي بذلوها.
برز الدخيل في وقت بدت فيه الثقافة العراقية مقبلة على نهضة لا تنبع قيمتها مما شهدته من تطور في ميدان الأدب حسب، بل من اتساع أفقها الفكري واستيعابها مكونات مختلفة من الآراء والأفكار، وظاهرة سليمان الدخيل في تلك الثقافة تعكس أحد أوجه التنوع المعرفي الذي يتجه عمقًا نحو
стр. 2773
تعريف الهوية والانتماء إلى المكان، فقد سجل سابقة في ميدان دراسة القبائل وعاداتها وطباعها وطرق انتقالها من حياة البداوة إلى التجمعات المدنية والإمارات والممالك.
الدخيل في جهده هذا أكثر من مؤرخ أو ملاحظ عابر في أحوال القبائل وأصولها، بل هو أميل إلى الحكماء الذي يجمع خبرة التناقل الشفاهي للأنساب التي يجيدها من انتمى وعاش في مجتمع قبلي، إلى ثقافة وقوة ملاحظة اكتسبها من التعليم والمطالعة والسفر ومعرفة قيمة الجغرافيا وأبعاد التوزيع السكاني والقدرة على المقارنة بين المجتمعات، سبق للدخيل أن طاف البلدان العربية وذهب إلى الهند وتركيا، ودرس ببغداد وهو صغير السن على يد محمود شكري الألوسي أحد بناة النهضة العراقية من رجال العلم والدين.
لعل مفارقة عراقية الدخيل تحمل دلالة تشير إلى ما يمكن أن نسميه المادة الغفل في دراسة طبوغرافية تلك الثقافة، فهي تساعد الناظر على التوصل إلى معاني ظاهراتها وبينها تمثلات الهوية الوطنية، فالدخيل الذي يفاخر بنجديته وانتسابه إلى المكان الذي يسميه باعتزاز كبد جزيرة العرب: القصيم، لا يجد المتابع سيرته التي سجلتها كتب الأدب العراقي، صدي يذكر لتلك المعلومة، حيث لا يتوقف الكتاب أمام هذه الملاحظة، قدر ما يؤكدون عراقية له غير منقوصة.
ولا يمكن أن نفهم تلك المفارقة إلَّا في إطار نوازع أناس تعودوا استيعاب الاختلاف في الأعراق على نحو ربما لا يشبه البلدان العربية الأخرى فالمتابع أدب تلك الفترة يستطيع أن يصل بأصول الكثير من كتَّاب العراق إلى ما لا حد له من الأعراق والمنابع غير أنه سيكتشف أن الانصهار والتواجد بداهة لا يتوقف عندها الدارس، وفي الظن أنما يعزز عراقية الدخيل أن معظم قبائل العراق وقتذاك هي من هجرات الجزيرة العربية سواء تلك
стр. 2774
التي استوطنت الجنوب أو الشرق حيث تمركز القبائل.
سليمان الدخيل، بإضافة إلى مساهماته الأدبية والتجارية أوكلت إليه مراكز إدارية مرموقة كقائمقام لعدد من المدن، ومدير ناحية وغيرها من المناصب على عهد الدولة العراقية الناشئة إبان العشرينات.
ولد الدخيل في القصيم العام ١٨٧٣ م، من أب هو صالح بن دخيل بن جار الله النجدي.
الذي وفد إلى العراق وسكن وعائلته الجنوب في منطقة على الأرجح تقع قرب الناصرية التي ستصبح القبائل المحيطة بها، موضع دراسة سليمان بعد أن أضحت تلك الديار موطنه الثاني، ومن تقصيه أوضاع مدينة سوق الشيوخ وما حولها، تلمس تلك المحبة التي غمرت قلب الصغير لتتمثل في عقل الباحث رغبة في معرفة منطقته على نحو علمي.
نشأ الدخيل كما يبدو في عائلة مهتمة بالعلم والمعارف، فوالده صالح بن دخيل نشر مقالات في مجلة (المقتطف) المصرية دفاعًا عن المذهب الوهابي الذي كان محاربًا من الباب العالي في الاستانة، وكان الوالد على سعة عيش مكنته من بعث ولده إلى بغداد للدراسة وهيأ له من أسباب العلم والسفر والتفرغ إلى الأدب والتأريخ ما أغناه عن العمل مطلع شبابه.
أسهم الدخيل في الحياة الأدبية العراقية وهو في عشرينياته، وأصدر جريدة الرياض، الأسبوعية (٨ كانون الثاني ١٩١٠ م) بمعية الصحافي العراقي المعروف إبراهيم حلمي العمر، وكان الأخير مواليا الإنكليز في سوريا وتحول عنهم في العراق، أصدر الدخيل بعد سنتين مجلة (الحياة) بمساعدة العمر أيضًا، بيد أن المجلة لم تعمر طويلًا، ومن توقيع الدخيل على مقالاته في مجلة (لغة العرب) تدرك أن جريدته استمرت إلى فترة طويلة، وكان يهتم بتواتر
стр. 2775
اسمه على النحو التالي:
سليمان الدخيل صاحب جريدة (الرياض) ومنشئها.
بين كتبه المنشورة في بغداد والبصرة كما يرد في كتاب مير بصري عن أعلام الأدب العراقي: (عنوان المجد في تاريخ نجد ١٩١٠) (الفوز بالمراد في تاريخ بغداد) ١٩١١ (والعقد المتلالئ في حساب اللآلي) "تحفة الألباء في تاريخ الحساء ١٩١٣ هـ، (الوهابية) ١٩١٤ (القول السديد في أخبار إمارة آل رشيد) ١٩١٦ ولعل ما يلفت النظر في مقالاته، أسلوبه الممتع الطلي الذي يبث فيه الرأي الشخصي سواء كان موضوعيًا أو منحازًا من دون أن يترك عند القاريء سوى الإعجاب بمعلوماته الغزيرة وقوة ملاحظته واهتمامه بالمستقبل عند الحديث عن الماضي، فهو إذ يرصد التعليم وانتشار المعرفة، وبداية الاتصال بالعالم بين تلك القبائل، يتتبع الصراع الضاري على السلطة والرياسة، في عودة إلى أصول تبدو أقرب إلى المباحث التي تهتدي بما وضعه ابن خلدون موضع الاهتمام في الربط بين التقدم وحاجات الاقتصاد ونزعة الاستقرار.
في العدد الأول من (لغة العرب) تموز ١٩١١ ينشر مقالة عن نجد فيضع في القلب من اهتمامه تطور المعارف العصرية وإنشاء طرق المواصلات والاستقرار السياسي والتحضر، ويمزج في تصوره طباع الناس بأحوالهم المعيشية، ويتحدث على نحو فيه الكثير من الانتباهات النادرة حول علاقة التقدم بمخالطة الأمم الأخرى، يتوقف طويلًا عند بلد أجداده القصيم، وبنبرة لا تخلو من الفخر، وهي عادة كتاب تلك المرحلة من العرب، يورد معلومة تكتسب أهمية استثنائية لدارس بدايات التكوين الثقافي في تلك الأصقاع، حيث يقول: (البحث في علوم وآداب أهالي القصيم يتناول البلدتين المذكورتين - بقصد عنيزة وبريدة - اللتين تتقوم منهما، فأهل هذه البلاد ليسوا كأهل البلاد الأخرى، فقد دخلوا بتجاربهم الكثيرة من الأصقاع المتمدنة كالهند ومصر والشام ولندن ومدن أميركة، وتجد
стр. 2776
بعضهم قد توطئوا تلك الربوع كما احتلوا بلاد العراق كبيرها وصغيرها، ولقد تقدموا في التجارة أحسن من غيرهم بكثير.
وكذلك قل في العلوم على مختلف أنواعها وتشعب أفنانها كل ذلك في البلاد المختلفة المذكورة كما في ديار قطرهم الواسع، فإنك لا تسير إلى بلد إلَّا وتجد فيه منهم نفرًا يتعاطى الأمور التجارية غير غافل عن العلوم المعروفة في تلك البلدة مقامه.
ولهذا إذا تيسر لك فدخلت بلادهم ترى فيهم هذا يكلمك بالتركية وذاك يطارحك الكلام بالفارسية وتسمع واحدا يذاكرك بالهندية ويقبل إليك آخر يفاتحك بالإيطالية، ويقترب منك صديق يحب مخاطبتك بالفرنسوية إلى غير هذه اللغات من أوردية وتاميلية وانكليزية.
إن هذه المعلومة وحدها تبعث على العجب في فترة مبكرة من تاريخ الاتصال بين الجزيرة العربية والبلاد الغربية، فالمستشرقون يحددون مجموعة من الهجرات الحديثة من نجد إلى مصر والسودان وشمال إفريقيا، فضلًا عن العراق والشام وفلسطين، أما الصلة بالهند فربما هي التقليد الراسخ بسبب التنافس التجاري البحري، ولكن المعلومة الجديدة التي تبعث على التأمل وتستحق التقصي هي وصول أهل القصيم في ذلك الوقت إلى إيطاليا وأميركا وانكلترا.
وعن حائل ينتقي في مدحها الجانب الذي يناسب ولعه وهواه فيقول: وترى في بلادهم اليوم الكتب العربية القديمة النادرة الثمينة التي لا ترى لها وجودًا في سائر البلاد العربية وأغلبها غير مطبوع، وتؤانس جماعة منهم تطالع الصحف السيارة والمجلات الموقوتة، وأهل هذه الديار أنور من غيرهم من تلك الأقطار في العلوم العصرية وأوسع إطلاعًا في الأمور السياسية، ولهم ميل شديد إلى الحكومة العثمانية، وهذا الميل أظهر فيهم ممن سواهم، لكن
стр. 2777
الحكومة لا تزال في ريب من أمر العرب والأحجام عنهم، وعلى ما أرى: أنها تود أن تكون في غنى عن نصرتهم، ولعلها تخاف من أنهم إذا تمدنوا قلبوا لها ظهر المجن وعادوا إلى مجدهم السابق، وهذا كله من التخيلات السياسية والأوهام التي لم تدر في خلد العرب.
ناضل سليمان الدخيل من أجل ربط الجزيرة العربية بالدولة العثمانية، ولكن مسعاه كان يخيب في كل مرة، مع أنه فاتح أولياء الأمر وثابر الكتابة إلى الباب العالي، وأرسل المبعوثين، وفي الظن أن إغراء النهضة الثقافية في تركيا أواخر الفترة العثمانية، ومحاولة الأتراك التشبه بالقوانين الأوروبية الحديثة والدساتير، كانتا وراء تلك الرغبة العارمة في علاقة نوعية مع الأتراك المسلمين، ولا نجد له كبير اهتمام بوصف العلاقة مع الغرب وبريطانيا على وجه التحديد التي كان وجودها في الشرق الأوسط وتطلعاتها إلى الجزيرة العربية والعراق، موضع جدل وتوتر بين الفئة المثقفة التي كانت تحمل لبني عثمان بعض الولاء.
هل تعرَّض الدخيل إلى اضطهاد الحكام العثمانيين؟ شأنه شأن الأدباء العراقيين المتنورين، أو ربما المخالفون مذهبيًا؟ هذا ما يرد عابرًا في أحد كتب التراجم، وتبقى الرواية بحاجة إلى التثبت، ولكن المؤكد أنه عاد إلى نجد إبان الحرب الكونية الأولى، ولكنه قفل راجعًا إلى بغداد بعد نهايتها، ليموت في العراق العام ١٩٤٥ م، وكان خلال تلك الفترة يتأرجح بين سطوع نجمه وخفوته في كل الحقول التي كتب فيها.
يشخص سليمان الدخيل أمامنا نموذجًا لرعيل من الكتاب وأصحاب الاختصاصات المهمة الذين وفدت عوائلهم من نجد، وبعضهم ولد وتعلم في العراق فكانوا من بناة النهضة العراقية، حيث تطلعوا في كل مشاريعهم إلى إشادة عراق متحضر مديني، بل قاد بعضهم تلك النهضة، سواء كانوا أدباء مثل
стр. 2778
محمود البريكان وسعدي يوسف ونجيب المانع ومجموعة من كتاب البصرة، أو كانوا تكنوقراط ورجال قانون أو أصحاب الاختصاصات الأخرى وبينهم من شارك في الأحزاب العراقية وأسهم في نضالاتها، ولعل سليمان الدخيل يمثل فاصلة في الانتماء والانفصال عن نجد، فهو رحل إلى العراق صغيرًا، وتسربت ثقافة أبيه الدينية والتاريخية إلى مشروعه الصحافي والبحثي فعبر عنها على نحو يتساوق مع فكرة النهضة والتنوير العربي، ويتجاوب مع اختلاف النوع في الثقافة العراقية، في حين محا الزمن من ذاكرة الرعيل الذي ظهر بعده من أصحاب الأصول النجدية، تلك الانتسابات بل جعل الكثير منهم من أشد الناس رفضًا لفكرة القبلية والأنساب والحنين إلى البادية.
انتهى كلامها.
وكتب الأستاذ إبراهيم بن حمد آل الشيخ كلمة في جريدة الرياض الصادرة في يوم الجمعة ٧ رمضان عام ١٤١٩ هـ حول سليمان الدخيل بعنوان: سليمان الدخيل الصحفي والمؤرخ النجدي .
وقال: أنشأ جريدة الرياض في بغداد للعناية بأخبار نجد عام ١٩٢٣ م، ودافع عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، واهتم بتاريخ الجزيرة العربية.
سليمان الدخيل الصحفي والمؤرخ النجدي:
أنشأ جريدة الرياض في بغداد للعناية بأخبار نجد عام ١٩٢٣ م.
دافع عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب واهتم بتاريخ الجزيرة العربية. ولد سنة ١٢٩٠ هـ في مدينة بريدة من أسرة كريمة من قبيلة الدواسر الوداعين.
ولقد هاجر إلى البصرة والهند طلبًا للرزق وعمل كاتبا لدى عبد الله بن محمد الفوزان، ولا شك أن لتلك الهجرة آثارا بعيدة في سيرة الرجل، فقد أتاحت له أن يطلع على أحوال الناس في العراق والهند، كما أتاح له فرصة
стр. 2779
اللغات الأجنبية، وقد شجعه على ترك عمله في الهند بعدما قضى سنين في الهند والعودة والمقام في العراق مما أصاب عمه جار الله الدخيل من المكانة المرموقة والثراء الواسع، ومع أنه هبط بغداد وقد تجاوز سن الشباب وبلغ مرحلة الرجولة، وقد عرك الدنيا وجرب الناس وتجول في البلاد وأصاب من العلم والثقافة قدرًا كبيرًا إلَّا أنه أنس في نفسه حب إتقان بعض العلوم العربية والإسلامية فدفعه ذلك إلى قراءة العربية على الإمام الكبير الشيخ محمود شكري الألوسي، وواضح أن الأستاذ سليمان الدخيل لم يكن معنيًا بالتجارة ولا حريصًا على مزاولتها وإنما كان يعد نفسه ليدخل ميدان الأدب والصحافة والتأليف.
وقد بدأ نشاطه في الصحافة والنشر والتأليف منذ خلع السلطان عبد الحميد وصدور الدستور سنة ١٩٠٨ م، ثم اضطر إلى ترك العراق والفرار إلى نجد والحجاز عند قيام الحرب العالمية الأولى سنة ١٩١٤ م، ثم عاد إلى العراق بعد انتهاء الحرب واستوطن بغداد وتزوج من أهلها.
كان من رواد العمل الصحفي ومن الرعيل الأول في الصحفيين العرب الذين مارسوا مهنة الصحافة ووضعوا قواعدها، ولقد كان الأستاذ أول نجدي مارس الصحافة وقد أسس (جريدة الرياض) في بغداد وقد صدر العدد الأول منها في ٧ كانون الثاني سنة ١٩١٠ م - ١٣٢٨ هـ وبقيت حتى سنة ١٩١٤ م، صفر ١٣٣٢ هـ، وكانت جريدة أسبوعية أبرز صفاتها العناية الفائقة بأخبار نجد وجزيرة العرب وإمارات الخليج العربي.
ومع أن هذه الجريدة الرائدة فإن الذي صدر منها حوالي المائتين، وفي كانون الثاني سنة ١٩١٢ م، صفر ١٣٣٠ هـ أصدر الأستاذ سليمان الدخيل بالاشتراك مع إبراهيم حلمي العمر وهو صديقه وتلميذه العدد الأول من (مجلة الحياة) وهي مجلة شهرية تبحث في السياسة والاقتصاد والتاريخ والاجتماع، ولكنها توقفت بعد أربعة أعداد فقط لقلة عدد القراء والمؤازرين.
стр. 2780
وقد توقف الأستاذ الدخيل عن العمل الصحفي بعد الحرب العالمية الأولى وأثر الاستقرار والعمل في وظائف الدولة، ولكن الحنين إلى الصحافة ومتاعبها عاوده مرة أخرى فعاد إليها بعد سبعة عشر عامًا من الانقطاع عنها، ففي يوم السبت ١٢ كانون الأول سنة ١٩٣١ م صدر في بغداد العدد الأول من جريدة (جزيرة العرب) لصاحبها داود العجيل ورئيس تحريرها سليمان الدخيل، وهي جريدة سياسية أسبوعية ولكنها احتجبت بعد ثلاثة أشهر لقة عدد المؤازرين لها.
وكان ذلك آخر عهد الأستاذ الدخيل بالصحافة وأعمالها.
ومن المؤسف حقا أن تضيع معظم أعداد الصحف والمجلات التي أصدرها ونأمل من جريدة (الرياض) وأيضًا دارة الملك عبد العزيز وهي المعنية بتاريخ المملكة أن تبحث عن هذه الإصدارات خاصة وإننا نحتفل بمناسبة الذكرى المئوية لدخول الملك عبد العزيز ﵀ الرياض.
نشاطه في التأليف والنشر:
لم يكن الأستاذ الدخيل صحفيا فحسب، وإنما كان كاتبًا مؤلفًا أديبًا مؤرخًا ناشرًا، ومن كتبه وأبحاثه المنشورة ما يلي:
١ - تحفة الألباء في تاريخ الأحساء، نشره في بغداد سنة ١٩١٢ م - ١٣٣٠ هـ، وهو يبحث في تاريخ الأحساء والبحرين والقطيف وقطر.
٢ - القول السديد في أخبار الرشيد.
٣ - العقد المتلألئ في حساب اللآلئ.
٤ - حقيقة المذهب الوهابي. وهي رسالة صغيرة في بيان حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب والدفاع عنها، ورد ما لفقه خصومها عنها، وقد أوقف الأستاذ الدخيل كثيرًا من وقته وجهده ليشرح للعراقيين خاصة
стр. 2781
وللناس عامة حقيقة تلك الدعوة وما تهدف إليه.
٥ - تاريخ نجد. الذي يعد مرجعًا لمن يريد الوقوف على تاريخ هذه البقعة، وقد نشر فصولًا مسهبة منه في جريدة الرياض.
٦ - مجموعة من البحوث المختلفة (النجديات). نشرها في مجلة العرب منذ سنة ١٩١١ م - ١٩١٤ م.
ما نشره ببغداد من كتب ورسائل علمية وهي:
١ - عنوان المجد في تاريخ نجد لابن بشر. نشره ببغداد بالاشتراك مع محمد بن عبد العزيز بن مانع النجدي التميمي سنة ١٣٢٨ هـ.
٢ - الفوز بالمراد في تاريخ بغداد للأب آنستاس الكرملي. نشره الدخيل ببغداد سنة ١٩١١ م - ١٣٢٩ هـ.
٣ - نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب للقلقشندي. نشره سنة ١٩١٤ م - ١٣٣٢ هـ.
والملاحظ أن للأستاذ الدخيل عناية فائقة بجزيرة العرب وتاريخها وأخبارها مع اهتمام خاص بنجد وكل ما يتصل بها ولا شك أن الذي دفعه إلى كثرة كتابة بحوثه النجديات سعة علمه بها وغزارة معرفته ببلادها وقبائلها.
وقد كان الدخيل معاصرًا لأمارتي نجد الكبيرتين إمارة آل سعود وإمارة آل رشيد، وقد كتب عنهما وهما قائمتان، وقد دفعه كل ذلك إلى التجرد من التعصب والتحيز وجعل الموضوعية والأمانة العلمية نصب عينه فيما يكتب وفي تحليله العلمي الصائب لطبيعة الإمارتين وقيام إحداهما على الرابطة الدينية وقيام الثانية على الرابطة العصبية القبلية واسمعه يقول (إمارة آل سعود إمارة نشأت من الدين ورضعت حليب الدين وترعرعت بفضل الدين وقويت
стр. 2782
بأمور الدين وشربت وتشرب من ماء الدين وتعيش لتقوية حقائق الدين وبثه بين العالمين فهي إذن إمارة دينية أكثر منها سياسية، وأما إمارة الرشيد فمع كونها متمسكة بأهداب الدين المكين، إلَّا أن حفظ حياتها متوقف على عصبية أهلها فهي إمارة ذات عشائر كثيرة كبيرة وافرة العدد والعُدد، وتعصبهم بعضهم البعض أمر لا يصفه واصف وإن أطنب فيه، وإن الإمارة إمارة قومية وعصبية وإمارة ابن سعود إمارة دينية) (١).
وفاته:
ولقد توفي الأستاذ سليمان الدخيل عن أربعة وسبعين عامًا ببغداد يوم الخميس ١٢ محرم ١٣٦٤ هـ الموافق ٢٨ كانون الأول ١٩٤٤ م، ونشرت نعيه الصحف العراقية مع الإشادة بجهوده وآثاره، وذكر وفاته خير الدين الزركلي سنة ١٩٤٥ م.
لقد حظي سليمان بن صالح الدِّخيل بالاهتمام الكبير في حياته وبعد مماته، وذلك أنه قضى الفترة الأخيرة في العراق وهو في دائرة الضوء، فكان الحديث عنها هناك من الحديث الثقافي عن العراق، ثم حظي بدراسات وبحوث من أهل المملكة العربية السعودية لكونه سعوديًا أسهم في الصحافة والحركة الثقافية في العراق.
وقد نشر مقالات عديدة في مجلة (لغة العرب) التي كان يصدرها اللغوي الشهير (إنستاس الكرملي) في العراق فكان سليمان الدخيل ينشر فيها مقالات وأبحاثًا في موضوعات عربية لم يستطع أحد أن يتطرق إليها غيره من ذلك ما يتعلق بالأمور الداخلية لأهل عرب الجزيرة، ومناطق نجد وكان يوقع بصيغة (سليمان بن دخيل صاحب الرياض) وأحيانا يضيف: ومجلة الحياة. انتهى.
стр. 2783
ـوقد اشتهر عندنا بلقب أول صحافي نجدي، وهو لقب ينطبق عليه بحق، وفي المدة الأخيرة نشرت عنه فذلكات ومقالات بل وكتب، منها ما كتبه الدكتور محسن غَيَّاض عجيل بعنوان (سليمان بن صالح الدِّخيل النجدي، والصحفي السياسي المؤرخ: سيرته، آثاره، منهجه العلمي، جهاده السياسي، بحوثه النجديات) وهو كتاب يقع في ١٧٣ صفحة، طبع مرتين إحداهما في عام ١٩٨٢ م - ١٤٠٢ هـ والثاني في عام ٢٠٠٢ م وصدر عن الدار العربية للموسوعات.
وهذا الكتاب هو أحسن ما كتب عنه، وقد نقل فيه بعض مقالات سليمان الدخيل في (مجلة لغة العرب) وبحث ما يتعلق به منذ نشأته حتى وفاته في بغداد يوم الخميس ١٢ محرم الحرام عام ١٣٦٤ هـ عن أربعة وسبعين عامًا.
وقد كتب جميع الذين نشروا كتبه نشرًا حديثًا عن ترجمته وحياته وجهوده الثقافية.
ولسليمان بن صالح الدخيل (البحث عن أعراب نجد، وما يتعلق بهم)، نشرته الدار العربية للموسوعات بتحقيق الدكتور مهدي عبد المحسن النجم في ٢٩٦ صفحة.
وقد رأيت تلخيص ما ذكره الدكتور محسن غياض عجيل عن حياة الأستاذ سليمان الدخيل لأنه وافي واضح.
قال فيما قاله:
إن سليمان بن صالح الدخيل، يعتبر واحدا من الرواد العرب الذين أسهموا في مجالات متعددة توزعتها الصحافة والسياسة والتاريخ واللغة والأدب، فكان متمكنا بكل ما طرحه وواثقًا ثقة العالم الجاد.
إن الدراسات اللغوية والأدبية في مركز دراسات الخليج العربي إذ تقدم هذا الأديب الصحفي، السياسي والإنسان، وما خلفه من مآثر علمية جليلة، إنما تسعى جادة في أن تقدم الشخصية العربية ذات السمات والملامح الحضارية الإنسانية في تطلعاتها نحو مستقبل الأمة العربية ووحدتها.
стр. 2784
إلى أن ذكر رحلته إلى الهند وأنها فيما يبدو مدة طويلة امتدت لأكثر من سنة واحدة، وهو ما يدل عليه قوله، في النص السابق (بعدما قضيت سنين في الهند) وأنا أرجح أن هجرته هذه كانت قبل أن يصهر الأمراء إلى أسرته، وقبل أن يرتفع نجم جار الله الدخيل، ويصبح وكيلًا للأمير ابن رشيد في العراق، له تجارة واسعة ونفوذ كبير (١).
ولا شك أن لتلك الهجرة آثارا بعيدة في سيرة الرجل، فقد أتاحت له أن يطلع على أحوال الناس في العراق والهند، ويرى ويسمع ويقرأ ويقارن بين الأقطار التابعة للخلافة العثمانية والأقطار التابعة للإمبراطورية البريطانية، وقد جعله ذلك أكثر ثقافة وأوسع أفقًا، كما أتاح له فرصة لتعلم اللغات الأجنبية ومخالطة أهلها والمثقفين بها، وقد ظهر آثار كل ذلك في كتاباته وبحوثه التي نشرها في العراق بعد ذلك.
وقد شجعه على ترك عمله في الهند، والعودة للعراق والمقام به، ما أصابه عمه جار الله من المكانة المرموقة والثراء الواسع، بعد أن أصبح وكيلًا للأمير ابن الرشيد في الخطة العراقية.
ومع أنه هبط بغداد وقد تجاوز سن الشباب وبلغ مرحلة الرجولة، وقد عرك الدنيا وجرب الناس وتجول في البلاد، وأصاب من العلم والثقافة قدرًا غير قليل، إلَّا أنه أنس في نفسه فيما يبدو نقصًا في إتقان بعض العلوم العربية والإسلامية، فدفعه ذلك إلى (قراءة العربية على الإمام الكبير أستاذنا السيد محمود شكري أفندي الآلوسي، وعلى غيره من العلماء والأدباء) (٢).
وواضح أن الأستاذ الدخيل لم يكن معنيًا بالتجارة ولا حريصًا على
стр. 2785
مزاولتها، وإنما كان يعدّ نفسه، ليدخل ميدان الأدب والصحافة والتأليف، وليكون من الرواد الأوائل في كل هذه المجالات إبان فجر النهضة الحديثة.
وقد بدأ نشاطه في الصحافة والنشر والتأليف منذ خلع السلطان عبد الحميد وصدور الدستور سنة ١٩٠٨ م. ثم اضطر إلى ترك العراق والفرار إلى نجد والحجاز عند قيام الحرب العالمية الأولى سنة ١٩١٤ م، وبدء مطاردة الاتحاديين لأحرار العرب وتنكيلهم بهم. ثم عاد للعراق بعد انتهاء الحرب، واستوطن بغداد وتزوج من أهلها، ولكنه لم يرجع إلى نشاطه السابق في حقلي الصحافة والتأليف.
ولعل ما أصابه من تشرد وأذى وما لحق بدار نشره وصحيفته من خسارة وتوقف، وما ألقي عليه من أعباء أسرته وتكاليف عيشها، أقول: لعل ذلك كله زهده في العودة إلى الصحافة ومتاعبها، وحبّب غليه الوظيفة الحكومية وما تعنيه من الاستقرار والمرتب الثابت، وقد كان العراق، أول قيام الحكم الملكي فيه، بحاجة إلى كل من يحسن القراءة والكتابة، ليشغل وظائف الدولة الناشئة.
مناصبه:
وقد شغل الأستاذ الدخيل مجموعة من الوظائف الإدارية في الدولة، وردت الإشارة إليها مفرقة في بعض المصادر، فقد عيّن مديرًا لناحية المحمودية سنة ١٩٢٣ م، ووصفه من عمل معه آنذاك بأنه (رجل وديع لا يميل إلا للخير في كل ما يعمل أو يضمر)، ثم عين مديرًا لناحية بلد ثم صار قائم مقام لقضاء عانه، وقائم مقام لقضاء الجبايش سنة ١٩٢٧ م.
وفي سنة ١٩٣٦ شغل وظيفة مدير تحريرات كربلاء، ولما تقدم به العمر، رأت الحكومة نقله إلى وظيفة الملاحظية في مديرية الدعاية العامة للاستفادة من خبرته، وبقي فيها إلى أن توفاه الله.
стр. 2786
ولا شك أن هذه ليست كل ما تولاه الأستاذ الدخيل من المناصب، فهناك فترة غامضة في حياته الوظيفية بين توليه لقضاء الجبايش سنة ١٩٢٧ إلى عمله مدير تحرير سنة ١٩٣٦.
ولا شك أنه تدرج تدرجًا طبيعيًا في مناصب الدولة ورقي من (مدير ناحية) إلى (قائم مقام) وكان ينبغي أن يرقي بعدها إلى منصب (المتصرف) أو المحافظ كما يسمى الآن، ولكنه بدل أن يرقى إلى ذلك، أنزلت درجته الوظيفية إلى (مدير تحرير) سنة ١٩٣٦ ثم أنزلت مرة أخرى، حتى انتهى به الحال إلى وظيفة (ملاحظ) في مديرية الدعاية العامة.
ونحن لا نملك تفسيرًا واضحًا لذلك، ولم يتح لنا أن نطلع على ملف خدمته المحفوظ في وزارة الداخلية العراقية، ولا شك أن فيه سجلًا كاملًا لمناصبه ووظائفه الحكومية وأسباب نزوله في التدرج الوظيفي بعد ذلك، وهذا يعزز دون ريب ما ذهب إليه الجاسر من معاناته للفقر والبؤس في سنواته الأخيرة واضطراره إلى بيع كتبه ومسودات مؤلفاته.
وفاته:
وقد توفي الأستاذ الدخيل، عن أربعة وسبعين عامًا، ببغداد يوم الخميس ١٢ محرم الحرام سنة ١٣٦٤ هـ الموافق ٢٨ كانون الأول سنة ١٩٤٤ م، ونشرت نعية الصحف العراقية، مع الإشادة بجهوده وآثاره، وقد رثاه الأستاذ رفائيل بطّي وابنه تأبينًا بليغًا مؤثرًا، وقد أخطأ من جعل وفاته سنة ١٩٤٥ كالأستاذة خير الدين الزركلي وكوركيس عواد وعلي جواد الطاهر.
نشاطه الصحفي:
كان الأستاذ الدخيل، دون شك، رائدًا من رواد العمل الصحفي في المشرق العربي، وواحدًا من الرعيل الأول من الصحفيين العرب، الذين
стр. 2787
مارسوا مهنة الصحافة ووضعوا قواعدها وتقاليدها، وعانوا كثيرًا من العذاب وصمدوا في وجه كثير من العقبات، في سبيل أن تكون للعالم العربي، صحافته المميزة المستنيرة المستقلة المعبرة عن طموحه وأمانيه وآماله.
كان واحدًا من القلة المثقفة المستنيرة من أبناء هذه الأمة، ممن نحتوا الصخر بأظفارهم وتحملوا كثيرًا من الإيذاء والعنت والمطّاردة والتشرد والفقر، في سبيل الصحافة وحريتها وازدهارها، وهي لا شك مظهر من مظاهر الحضارة والتمدن والرقي.
وقد أسس الأستاذ الدخيل جريدة (الرياض متخذًا أسمها من قاعدة نجد)، وقد صدر العدد الأول منها في ٧ كانون الثاني سنة ١٩١٠، وبقيت حتى سنة ١٩١٤ كانت جريدة أسبوعية (ابرز صفاتها العناية الفائقة بأخبار نجد وجزيرة العرب وإمارات الخليج العربي)، وقد وصفها الصحفي الكبير الأستاذ رفائيلي بطي بقوله إنها كانت (جريدة ذات لون خاص في الصحف العراقية، بل في الصحف العربية قاطبة في ذلك الجيل).
وقد أثنى مؤرخو الصحافة العربية على هذه الجريدة وصاحبها وأشادوا بجهوده، في خدمة القضية العربية ونشر الوعي القومي آنذاك.
فقد قال الأستاذ المؤرخ عبد الرزاق الحسني (ونشرت أبحاثًا قيمة عن الجزيرة العربية وإمارات الخليج وحث الحكومة العثمانية كثيرًا على مساعدة الأمة العربية في النهوض من كبوتها).
وقد أشاد الأستاذ رفائيل بطي طويلًا بهذه الجريدة، وقال: (إنها خدمت القضية العربية وساعدت على نشر الوعي القومي)، وإنها كانت مصدرًا لكل ما ينشر أو يذاع في العالم آنذاك، من أخبار الجزيرة العربية وحوادثها (إن أكثر مروياتها تشيع في عالم الصحافة فتتناقلها الجرائد في العراق والشام
стр. 2788
ومصر، وقد تشغل بعض مروياتها، عن جزيرة العرب، أسلاك البرق، ودواوين الدولة العثمانية أيامًا بل أشهرًا).
ومع أن هذه الجريدة الرائدة ذات اللون الخاص المتميز استمرت في الصدور أربع سنوات طويلة، فإنه من المؤسف حقًّا ألا يبقى من أعدادها، التي قد تبلغ المائتين، غير عدد واحد فقط، محفوظ في المكتبة الوطنية ببغداد، وهو (العدد ١٠٨ سنة ١٩١١).
وفي كانون الثاني من سنة ١٩١٢ (صفر ١٣٣٠) أصدر الأستاذ الدخيل بالاشتراك مع المرحوم إبراهيم حلمي العمر، وهو صديقه وتلميذه، العدد الأول من (مجلة الحياة) وهي مجلة شهرية (تبحث في السياسة والاقتصاد والتاريخ والاجتماع)، ولكنها توقفت بعد أربعة أعداد فقط، لقلة عدد القراء والمؤازرين، وفي المتحف العراقي العدد الأول منها فقط.
وقد توقف الأستاذ الدخيل عن العمل الصحفي بعد الحرب العالمية الأولى، وآثر الاستقرار والعمل في وظائف الدولة، ولكن الحنين إلى الصحافة ومتاعبها، عاوده مرة أخرى فعاد إليها بعد سبعة عشر عامًا من الانقطاع عنها، ففي يوم السبت ١٢ كانون الأول سنة ١٩٣١، صدر في بغداد العدد الأول من جريدة (جزيرة العرب) لصاحبها داود العجيل ورئيس تحريرها سليمان الدخيل، وهي جريدة سياسية أسبوعية، وصفها الأستاذ الحسني بقوله (فكان جل غايتها، خدمة الأمة العربية، ولكنها احتجبت بعد ثلاثة أشهر، لقلة عدد المؤازرين لها)، وفي المتحف العراقي ببغداد، العدد الأول من هذه الجريدة، وكان ذلك آخر عهد الأستاذ الدخيل بالصحافة وأعمالها، وقد زهده في ذلك، دون ريب كثرة ما أصابه من أذى وتشريد وخسارة ومطاردة من سلطات الاتحاديين الأتراك، ثم ما أصاب العمل الصحفي من ركود ومضايقة في سنوات الحرب الأولى، وكثرة الصحف وأدعياء الصحافة وقلة القراء والمثقفين والمؤازرين فيما تلا الحرب من سنوات عجاف.
стр. 2789
ومن المؤسف حقًّا أن تضيع معظم أعداد الصحف والمجلات التي أصدرها، ولو وصلت إلينا كاملة، لوقفنا دون ريب على كثير من مقالاته وأبحاثه وآرائه، ولاستطعنا أن نفصل القول على نحو أفضل، في جهوده وأعماله الصحفية التي تمثل دون شك علامة مضيئة على طريق تاريخ الصحافة العربية بشكل عام.
١ - رواية أدبية تاريخية اجتماعية سياسية:
كذلك سماها الأستاذ الدخيل، وهي قصة دافع بها عن ناظم باشا، وهو أحد الولاة المصلحين الذين تولوا بغداد، وقد عاصره الدخيل وأعجب به وحاول الدفاع عنه وإثبات براءته مما اتهم به من علاقته بسارة الأرمنية، حتى ظلمته السلطة العثمانية وثار الشعب انتصارًا له.
وقد نشر الجزء الأول من هذه القصة في العدد الأول من مجلة الحياة، وضاعت أجزاؤها الباقية بضياع الأعداد الأخرى من تلك المجلة.
٢ - مجموعة من البحوث المختلفة (النجديات):
معظمها في تاريخ نجد خاصة، نشرها في مجلة لغة العرب منذ سنة ١٩١١ إلى سنة ١٩١٤، وقد تناول فيها تاريخ نجد، ووصف بلادها وذكر أمرائها وقبائلها ومدنها وعادات أهلها وتقاليدهم وأعرافهم.
وللأستاذ الدخيل آثار لا زالت مخطوطة لم تنشر حتى الآن، وهي:
١ - مجموعة أشعار عامية لمشاهير شعراء نجد:
واسم الكتاب (البحث عن أعراب نجد وما يتعلق بهم)، وقد طبع وسيأتي الكلام عليه، وتوجد منه نسخة مخطوطة في المتحف العراقي ببغداد (برقم ١٩٢٦).
ولا شك أن الشعر الشعبي النجدي الكثير يساعد الباحثين كثيرًا في الكشف
стр. 2790
عن عادات أهل نجد وتقاليدهم وأعرافهم ولهجاتهم، وهو دون شك سجل أمين لكثير من الحوادث السياسية والأحداث الكبيرة التي وقعت في قلب الجزيرة العربية آنذاك، ومن أجل ذلك كله كان نشر هذا الشعر ذا فائدة كبيرة للمؤرخين والمتخصصين في الدراسات الاجتماعية.
٢ - تاريخ إمارات العرب:
رسالة صغيرة في ٦٩ صفحة، فيها معلومات موجزة عن إمارة آل رشيد وعن آل سليم أمراء عنيزة وعن أمراء بريدة، (مخطوط برقم ٨٩٥ في مكتبة المتحف العراقي ببغداد).
وللأستاذ الدخيل جهود علمية أخرى منها اختصار لكتابين تاريخيين هما حديقة الزوراء للسويدي ومنهل الأولياء من تاريخ الموصل الحدباء للعمري.
ومنها ما نشره ببغداد من كتب ورسائل علمية، وهي:
١ - عنوان المجد في تاريخ نجد، لابن بشر النجدي:
نشره ببغداد بالإشتراك مع محمد بن عبد العزيز بن مانع النجدي التميمي سنة ١٣٢٨ هـ، قال الأستاذ الجاسر (هو أول من نشر تاريخ ابن بشر)، وقرظه العلامة الكرملي بقوله (نجد من البلاد العربية التي لا نعرف عنها إلا الشيء النزر، وهل من أمر أشهر من مذهب الوهابيين، ومع ذلك فإنك تجد أناسًا لا يعرفون أتم المعرفة ما يتعلق بأصل صاحب هذا المذهب ومنشأه والبلاد التي اختلف إليها، ولهذا فكل كتاب أو رسالة أو مقالة تكتب في هذا المعنى، تحل في القوم أحسن محل، لقلة ما اتصل إلينا منها ولا سيما إذا كان الكاتب ممن له إطلاع على تلك الأرجاء العربية البحتة).
стр. 2791
٢ - الفوز بالمراد في تاريخ بغداد، للأب أنستاس الكرملي:
نشره الدخيل ببغداد سنة ١٩١١.
٣ - ديوان عبد الرحمن البناء:
نشره الدخيل ببغداد سنة ١٣٣١ هـ.
٤ - حساب الجفر، منسوب لابن العربي:
نشره الدخيل ببغداد.
قال الأستاذ رفائيل بطي: إن ذلك الكتاب در أموالا طائلة على ناشريه وإنه من نسج خيال سليمان الدخيل وإبراهيم العمر.
علمه وثقافته:
ولا شك أن الناظر إلى ما ذكرناه من كتب الأستاذ الدخيل والمتمعن في موضوعاتها والقارئ لما اقتطفناه من بحوثه في هذا الكتب، يعتقد الآن مطمئنًا أنه أمام رجل واسع العلم متعدد جوانب الثقافة، ونحن نعلم أن الأستاذ الدخيل ﵀ لم يظفر في حياته بإجازة علمية في أي فرع من فروع المعرفة، ولم يدرس دراسة منظمة متصلة في أي معهد من المعاهد، ولم ينقطع طويلًا إلى شيخ من الشيوخ أو عالم من العلماء، غير ما نعرفه من صلته بالعلامة الكرملي وتلمذته للإمام الآلوسي، بعد تجاوزه سن الطلب والشباب، ولا ريب في أنه درس العربية وبعض علوم الدين في كتاتيب نجد، في طفولته وصباه، ثم خرج منها وهو يحمل قلبًا ذكيًّا وحافظة واعية وطموحًا كبيرًا وشعورًا بقلة محصوله الثقافي، فعلم نفسه بنفسه. انتهى.
стр. 2792
نماذج من كتابات سليمان الدخيل:
هذه نماذج من كتابات سليمان الدخيل كما ذكرها صاحب الكتاب المذكور: أوردت بعضها ملخصًا ومختصرًا:
القصيم:
أهل هذه البلاد ليسوا كأهل الديار الأخرى، فلقد دخلوا بتجارتهم البلاد الكثيرة من الأصقاع المتمدنة كالهند ومصر والشام ولندن ومدن أمريكية، وتجد بعضهم قد توطنوا تلك الربوع كما احتلوا بلاد العراق كبيرها وصغيرها، ولقد تقدموا في التجارة أحسن من غيرهم بكثير، وكذلك قل في العلوم على مختلف أنواعها وتشعب أفنانها كل ذلك في البلاد المختلفة المذكورة كما في ديار قطرهم الواسع، إلى أن قال:
أما التاريخ فهم يعتنون به أشد الاعتناء، وكذلك يزاولون علوم الاجتماع والسياسة مزاولة تفوق معالجة سواهم لها، وهنا نختصر القول بإضافة إلى ما تقدم ذكره عن الإمارتين الأوليين بخصوص العلوم والمعارف أنه لا يوجد في تلك الربوع مدارس أو مكاتب على ما نشاهده في البلاد الأخرى المتمدنة من ابتدائية ورشدية (١)، وكلية وجامعة، أما مدارسهم فهي مدارس خاصة بهم تشمل جميع المطالب وتجمع في ردهتها كل طالب على السواء، فالتلميذ يأخذ أي كتاب كان أو أي كتاب أراد قراءته ثم يحضر المدرسة ويقرأه على المعلم الموجود فيها بدون أن ينتظم في سلك حلقة تتلقى العلم معًا من الأستاذ في وقت محدود كما هو الأمر الجاري في المكاتب العصرية المنتظمة.
وبيوت أكثرهم ليست إلا مدارس ونوادي علم، إذ ترى فيهم من ينضم إلى رفيق ثان أو إلى ثالث أو أكثر حسبما يتفقون عليه فيجتمعون في بيت واحد منهم،
стр. 2793
أو إنهم يجتمعون في كل يوم في بيت غير البيت الأول بل في بيت الرفيق على التوالي فيتدارسون في الكتب التي وقعت بأيديهم وهكذا يفعلون حتى النهاية على ما كان جاريًا في سالف الزمن في أنديتهم ومجالسهم ومجتمعاتهم (١).
سليمان الدخيل
صاحب جريدة الرياض ومنشئها
ومن كلام سليمان بن صالح الدخيل:
أخلاق أهل نجد:
أخلاقهم هي أخلاق العرب الأقدمين العزيزي النفس المتوقدي الذهن الأذكياء الشهام الأباة أخلاقهم لم تغيرها الحوادث والأزمان فهم اليوم أهل كرم وشجاعة ووفاء وسماحة وحمى ودخالة (٢)، وسيرهم توافق قوانينهم وتنطبق عليها أتم الانطباق ولا تحيد عن الكتاب والسنة فهم يجلونهما أعظم إجلال ولا يعتبرون إلا إياهما.
نعم يوجد بين القبائل من يجري على قوانين وسنن وشرائع راجعة إليهم وخاصة بهم يقومون لها ويقعدون لكن إذا جاءوا المدن رجعوا إلى الشرع الشريف في أمورهم وشؤونهم الاجتماعية، هذا فضلًا عن أن لهذه السنن من المزايا والمحاسن ما تفيد كل الإفادة تلك الأقوام في هاتيك الربوع، ولولا ضيق المقام لأتينا على ذكر بعض منها إظهارًا لمنافعها ولما أودعتها من الحكمة البعيدة المرمى والمبني والمعنى
تجارتهم: التجارة التي يتعاطاها أهل تلك الأرجاء هي الخيل والإبل وكلاهما من أحسن ما وجد من جنسيهما في الدنيا كلها جمعاء.
стр. 2794
تعريفات الدخيل:
وللأستاذ سليمان بن صالح الدخيل تعريفات وشرح لمصطلحات وتعبيرات كانت تعتبر بمثابة الألغاز عند أهل الأمصار آنذاك كأهل العراق أوردها صاحب الكتاب المذكور، ومن نماذجها:
العرائف:
جاءت لفظة العرايف بمعان شتى في لغة أهل نجد الحاليين، فنحن نذكر هنا أهمها، ثم نذكر في الآخر المعنى الذي عقدنا له هذا البحث فنقول: العرائف جمع عرافة بكسر الأول ويراد بها أولًا: ما يعرف به الشيء أي يعلم به بعد ضياعه أو فقده فيشمل الضالة، والذاهبة، والضائعة، والمسروقة، والمبطوحة، والعبد الأبق، والبعير الشارد، وغيرها، وإذا عرف الرجل ماله الضائع فوجده عند رجل آخر أو عند قوم غير قومه أطلق على ذلك المال اسم (العرافة) باسم المصدر فيقول صاحبه والمطالب به "عرافتي كذا أي مالي المفقود الذي وجد الآن هو عند فلان".
ومنهم من لا يطلق على الأشياء المفقودة اسم العرافة إلا بعد المطالبة بها أو حين الشروع بالمطالبة، ومنهم من يطلقها عليها حين العرف بها (أي حين العلم بها)، فإذا قيل مثلًا: الشيء الفلاني عرافة فهم السامعون أن الشيء الفلاني الضائع قد صار إلى غير صاحبه أو قد وجد عنده وهو لغيره.
وسواء كان حافظ المفقود رجلًا واحدًا أو قومًا، لأن المشروط في العرافة أن يكون الشيء منتقلًا إلى آخر بغير طريقة مشروعة عندهم لأن المشروعات عندهم هي البيع والشراء والمبادلة والكسب وغارة الضحى، وما شاكل ذلك في الغزوات من أخذ وسلب وغيرهما.
والعرافة عندنا هي غير العارفة، لأنك رأيت ما نريد بالأولي، فأما
стр. 2795
العارفة فهو عندنا وعند أهل البادية جميعًا بمنزلة القاضي عند المتحضرة، وسمي بالعارفة على وزن فاعل مع تاء في الآخر، وهي تاء المبالغة كالراوية لا تاء التأنيث لأنه يعرف المتحاكمين إليه بالحق ويحكم به أو لأنه يعرفهم بحق كل واحد منهم حينما ارتضوه حكمًا لهم، وكان الأقدمون من العرب يسمونه الحاكم، وهو مشتق من الحكم لا من الحكمة كما يتوهمه قوم من الكتاب ومنهم أكثم بن صيفي وحاجب بن زرارة والأقرع بن حابس وعامر بن الظرب وهاشم بن عبد مناف وعبد المطلب بن هاشم.
وإذ علمت ما هي العرافة فأعلم الآن أنه يجوز عليها القرع، أما القرع عندنا، فهو عبارة عن التنبيه والإخطار أو بعبارة أخرى هو أن ينبه صاحب الضائعة لمن عنده حينما عرفها أنها له فيقول: إن عرافتي الفلانية هي عند فلان بن فلان أو عند العرب الفلانيين أو في المحل الفلاني وهي (مقروعة أو مقروع عليها أو مقروعة عليه)، وله وجه فصيح في اللغة من قرع السهم القرطاس إذا أصابه، لأن الإنسان إذا أصاب شيئًا مطلق الحرية بسهم من سهامه أخذه له فكيف لا يأخذه وهو له في الأصل، ولهذا لا يجوز للرجل أن يبيع العرافة أو المقروعة كما لا يجوز لأحد أن يشتريها إلى أن تنتهي المحكمة، فإن باعها خسر ثمنها أو ما يقابلها ودفعه إلى صاحبها الأول.
ويجوز لصاحبها بعد القرع أي بعد التنبيه أن يأخذها إن وجدها عند آخر وهو الذي وجدت عنده أخيرًا، أما هذا صاحبها الأخير فله حق استرجاع ثمنها من صاحبها الغير الشرعي وهو الذي وصلت منه إليه (وعلى تعبيرهم: الذي درجت منه إليه) وأما إذا انتهت المحاكمة بعد القرع فإن أثبت المدعي أنها له أخذها منه ودفع صاحبها إلى أن يتتبع الذي وجدت عنده إن كانت درجت إليه من أحد، فإن لم يثبت أنها له سقط القرع وجاز لذاك التصرف فيها، ولهذا البحث فروع كثيرة يطول ذكرها وليس هذا محلها.
стр. 2796
ولكن هناك شيئًا وهو هل يجوز القرع على من وجدت عنده العرافة (الضائعة أو نحوها) إذا كان من أعراب أو من قبيلة معادية لقبيلة القارع أو لا؟
قلنا: إن بعضهم لا يجوز القرع في مثل هذا المقام وسببه أن القرع لا يتمشى حكمه على العدو، لكن إذا تم الصلح بين القبيلتين وكان قد اشترط رد العرائف أرجعت في إبان الصلح، هذا إذا لم تكن قد انتقلت (وبتعبيرهم إذا لم تكن قد درجت) من عند من علمت أنها عنده ببيع أو شراء أو مبادلة أو ضياع قبل الصلح، أما إذا كانت قد درجت إلى آخر في حين عداوتهم فالقرع يسقط عن ذلك الرجل، فإذا صار الصلح فما لم يكن قد وقع عليه شرط رد العرائف لا يعاد، والعكس بالعكس، أي إذا درجت إلى آخر وهم في حين المحاربة لا يشملها شرط إرجاع العرائف في إبان الصلح كما تقدم بيانه ويجوز القرع بعد الصلح إن لم يعلم بالعرافة إلا بعد الصلح فقط.
وقد جوز البعض الآخر القرع في حين العداوة وذلك إن كانت العرافة قد درجت إلى من وجدت عنده قبل حدوث العداوة (أي في زمن الصلح) ثم نشأت بعد ذلك فنشبت المحاربة جاز لصاحبها أن يقرعها ويشهد على ذلك شهودًا، فإذا تم الصلح طالب بها إن أراد وخاصم مناوئه عليها إذ تجري عليها الشروط المتقدم ذكرها بتمامها بدون أن يثلم منها حرف واحد.
أما المحكمة فتجري عند القاضي إن كان المتخاصمون في المدن، أو عند الأمير إن كان حولهم أمير، أو عند العارفة إن كان هناك عارفة، وإن أصدر أحد هؤلاء المحكمين أمرًا فلا يجوز لأحد تغييره أو الجري بخلاف ما قضى.
بقي علينا هنا أن نذكر أمر المغصوبة، وهل تعد عرافة وهل يقدر صاحبها أن يسترجعها أم لا؟ قلنا: إن بعضهم ينفي ذلك لأن حكم المغصوبة داخل في حكم الغنيمة، ولهذا تسمي باسم المغصوبة حين المطالبة بها أو حين المحاكمة.
стр. 2797
وبعضهم يعد الاغتصاب كاللصوصية داخلًا في الطرق الغير المشروعة عندهم، ولهذا يطلق عليها اسم (عرافة) والقائلون بهذا القول أقرب إلى الحق منه إلى خلافه، وهذا ما يظهر لك صدقه من سرد العرائف الذين نعقد لهم هذا الباب.
وقد ضربنا صفحًا عن أشياء كثيرة يطول ذكرها كمنفعة العرافة في عهد من عرفت عنده كما لو كانت مثلًا جوادًا أو هجينًا فغزا به وغنم فهل يرجع الغنم على صاحبه الأصلي أم إلى من غزا به؟ أم هل يكون لصاحبه الأصيل الربح أم لا؟ وما حقوق العارفة وكيف تجري على من حفظها وعلى أي وجه تجري المحاكمة وكيف تكون الأيمان والشهود والاستشهاد وغيرها، من الاصطلاحات المعروفة عندهم من سابق العهد وهي كلها غير مدونة في الكتب والمؤلفات إن قديمة وإن حديثة وإنما تناقلوها خلفًا عن سلف منذ العهد العهيد.
أما العرائف الذين قد أرصدنا لهم هذه الأسطر فهم رجال يعرفون بهذا الاسم من أمراء نجد ويعرف احدهم باسم (عرافة) وإنما سموا بهذا الاسم للحروب التي حدثت بين أمراء نجد في القرن الأخير، وقد استطار هذا الاسم في جزيرة العرب كلها حتى إنك إذا حللت قومًا أو نزلت دارًا أو دخلت عمرة (ندوة) وسمعت لفظة العرائف فاعلم أنه لا يراد بها إلا هؤلاء الأمراء الآتي ذكرهم، فإذا حفظت كل ذلك نقول:
العرائف بمعنى جماعة من أمراء نجد:
لما تضعضعت أركان دولة آل سعود في نجد وأفضت بعد وفاة الإمام فيصل سنة ١٢٨٢ هـ (١٨٦٥ م) إلى أولاده الثلاثة: عبد الله وسعود (وقد توفيا) وعبد الرحمن الفيصل (١)، (وهو حي يرزق إلى اليوم) حدث بينهم شقاق أنتج حروبًا كثيرة متتالية أضرت الجميع، وفي أثناء تلك المعارك كان الأمير محمد
стр. 2798
ابن الرشيد يغتنم الفرص كلما سنحت له ليوسع أملاكه فساعده الحظ والجد على أن تعنو له نجد كلها، وذلك بين سنة ١٢٩٧ وسنة ١٣٠٨ هـ، (بين سنة ١٨٧٩ وسنة ١٨٩٠ م) وكان قبل هذا العهد قد وقع بين سعود الفيصل وأخيه عبد الله وقائع جمة توفي في أثنائها سعود فقام أحفاده محمد وعبد العزيز وسعد وخرجوا على عمّهم عبد الله الفيصل وأذاقوه الأمرين فاستنجد بالأمير محمد بن الرشيد فسار بجيش لهام وزحف به عليهم وأخرجهم من الرياض، وبعد أن مات البعض ألقي القبض على الباقين وعلى أولادهم وسجنهم في (حائل) مقر إمارته إلى أن توفي سنة ١٣١٥ هـ فخلفه الأمير ابن أخيه وهو عبد العزيز بن متعب الرشيد، وفي أيامه وقعت تلك الفتن فأطلق سراح الباقين مع أولادهم، ومن ذلك العهد لقبوا بالعرائف.
ولما أطلق سراحهم استقبلهم عبد العزيز باشا السعود بالسرور والإكرام ورحب بهم كل الترحيب (١).
سليمان الدخيل
صاحب الرياض ومجلة الحياة
وقال سليمان الدخيل:
خاتمة البحث في إمارة السعود:
أجمعنا القول عن إمارة السعود فأتينا في مقالتنا بما يتعلق عن أصل هذه الإمارة ومنشأها وحياتها والأحداث التي عرضت لها في سبيل رقيها، ثم تكلمنا عن نشأتها الجديدة إلى يومنا هذا، ثم أردفنا هذا بشيء عن حالة البلاد وأخلاق أهاليها وعاداتهم وقوانينهم، وأشرنا بعض الإشارة إلى تاريخها وصناعتها إلى غير هذه من الفوائد التي تخفي على كثيرين - وهنا نحن نختم
стр. 2799
هذا الفصل بذكر معاملات أهالي تلك الديار ونقودهم التي يتعاملون بها وأوزانهم وما ضاهي هذا المعنى.
وأول كل شيء نقدمه للقارئ هو أن يعلم أن المعاملات في تلك الأرجاء تجري في البيع والشراء على أحسن وجه، وكلها لا تتعدى أحكام الشريعة المنيفة.
ولهذا لا يعرف الربا ولا بيع العين بالعين مثلًا، وإنما يجري عندهم نوع من البيع إلى مدة أو إلى آجال معينة بزيادة في القيمة عن حالتها الأولى في حين بيعها مثلًا: إذا اشترى رجل بضاعة، وليس له ما يدفع قيمتها يقول للبائع: انتظر عليّ مدة كذا وكذا وأنا أدفع لك ثمنها مع زيادة كذا تعويضًا للضرر الحاصل من تأخير الدفع.
وأما النقود التي يتعاملون بها فغريبة السعر لأنه يتغير من حالة إلي حالة، والنقود هي وبعبارة أخرى: إن أسعار الدراهم تختلف باختلاف الوقت، فإن زادت مقاديرهم انحطت أسعارها، وإن قلت: ارتفعت فهي كالسلعة أو الطعام، مثلًا لو فرضنا أن الليرة تساوي اليوم ٩ ريالات فيأتي يوم وإذا قيمتها أصبحت ١٠ ريالات أو بالعكس ٨ ريالات ونصف، مع أن الليرة باقية على حالها، وهذا السعر يختلف أيضًا إذا زادت الرغبة في النقود الفلانية دون الفلانية وكذلك الحاجة إليها.
وأروج النقود اليوم في ديارهم وأكثرها تداولًا عندهم هو الريال الفرنسوي وقيمته عندهم في هذا العهد اثنا عشر قرشًا صحيحًا ونصف على حساب نقود بغداد و ٥٠ متليكًا أو فرنكان و ٨٣ سنتيمًا، وهو أساس جميع معاملاتهم، وقيمة هذا الريال فقط ثابتة لا تتغير، والنقود الذهبية تباع وتشتري به، ومن دراهمهم النافقة عندهم الليرة العثمانية وقيمتها تختلف بين عشرة أريل، وأحد عشر ريالًا، وبدل الليرة الإنكليزية ليرة عثمانية وريالان
стр. 2800
فرنسويان، أما المجيدي فتارة يكون بريالين إلا ربعًا وحينًا بريالين ونصف، وقد يكون سعرهما بين هذين السعرين أيضًا بزيادة أو نقصان.
وفي هذه الأيام الأخيرة انتقلت إلى ديارهم الربية الهندية وكثر التعامل بها، وقد أوشكت أن تكون أساس النقود والمعاملة لكثرتها.
وقد كان آل سعود الأولون حاولوا في غضاضة سطوتهم وقوتهم وامتداد شوكتهم وملكهم أن يضربوا نقودًا عربية خاصة بهم وببلادهم فأفلحوا في بادئ الأمر ثم نكصوا، أما إنهم أفلحوا فلكونهم سكوا نقدًا سموه (الطويلة) لصورته وهي قطعة نحاس مربعة في طول هكذا، وأنشئوها بدلًا من النحاسات أو البارات والمتليكات ووسموها سمة بحيث يصعب تقليدها، ووضعوا على أحد وجهيها اسم الحاكم، وأما أنهم نكصوا فلكونهم لم يستطيعوا أن يحققوا كل ما كان في نيتهم إذ تقلب بهم الزمان ظهرًا لبطن فلم يضربوا القضية ولا الذهبية.
ويوجد اليوم من (الطويلة) في الأحساء والمعاملة تجري بها: ٣٥ طويلة أو ٤٠ طويلة تساوي ريالًا فرنسويًا - وقد حاول الأمير ابن رشيد أن يضرب سكة جديدة وجلب لها من الهند مقدارًا وافرًا من النحاس والفضة ثم أحجم لخوفه من أرباب الدولة العثمانية ومن سوء العقبي، ولعله كان يعود إلى تحقيق فكره في فرصة مناسبة لولا أن الموت عاجله قبل أن يتم ما نواه.
أما الوزن عندهم فينقسم إلى عدة أقسام ترجع كلها إلى أم واحدة هي (الوزنة) والوزنة عندهم عبارة عن ثقل ٦٤ ريالًا فرنسويًا موزونًا معًا، و (المن) عندهم يساوي ٣٣ وزنة وتقسم الوزنة إلى (نصف وزنة) وهي عبارة عن تقل ٣٢ ريالًا فرنسويًا (وثمن وزنة) و (نصف ثمن الوزنة) وهذه الأوزان تتخذ لبيع التمر والسمن [الدهن] وما شاكلهما - أما المثقال وما يتفرع منه مما يتخذ لبيع الذهب وسائر الأشياء الثمينة فهو بالوزن كان معروفًا في أيام الدولة
стр. 2801
العباسية أي نحو ٥ غرامات من العيار الأفرنجي.
أما الكيل فأساس المعاملة به هو [الصاع] ويقسم إلى ثلاثة أمداد، وإذا وزن ما يحويه من الحنطة تساوي ثقله ٦ وزنات مع شيء زهيد يقل أو يزيد لا يحضر لي الآن قدره على التحقيق.
وأعلم أنه لا يجوز لأحد أن يعمل الأوزان والمكاييل والمقاييس ما لم يطلع عليها الحاكم ويسمها بخاتمه وقد نقش عليه اسمه أو شعاره دلالة على أنه يجوز العمل بها وهناك أشياء تباع جزافًا أو قطرًا [أي كوترا كما يقول أهل بغداد] مثل التبن والحطب والفحم واللحم والملح وما شابهها فتباع بالتخمين والظن والنظر حسب المراضاة وبهذا القدر كفاية (١).
سليمان الدخيل
صاحب جريدة الرياض
آخر ما طبع للأستاذ الدخيل:
وآخر ما طبع للأستاذ سليمان بن صالح الدِّخيل كتاب بعنوان: (البحث عن أعراب نجد وما يتعلق بهم) تحقيق الدكتور مهدي النجم، الطبعة الأولى، كما كتب عليها عام ١٤٣٤ هـ - ٢٠٠٣ م في ٢٩٦، مع الفهارس والمقدمات، والتعليقات الكثيرة، وقد ذكر محقق الكتاب ترجمة لسليمان بن صالح الدخيل في ست صفحات.
وقد تضمن الكتاب في أوله ما أسماه المؤلف أخبار الأعراب في هذه الأعصر المتأخرة وشيئًا من أدوار النهضة الشعرية وأطوارها وموقف القبائل والأعراب في ذلك ثم فصل في الفرق بين القبائل والأعراب الرُّحَّل وبين
стр. 2802
الحضر في الفصاحة والبلاغة إلى أن وصل إلى القصائد النبطية (العامية) التي ألفت معظم الكتاب وهي محرفة في الطبع بحيث لا يستطيع الشخص الاعتماد عليها وحدها، بل لابد له من المقارنة بنسخ أخرى أو الرجوع إلى مصدر آخر، وبذلك فقد الكتاب جزءًا كبيرًا من أهميته.
وقد عقب الأستاذ سليمان بن عبد الله بن إبراهيم التويجري في جريدة الجزيرة العدد ١١٨٧٥ الصادر في يوم الأحد ٢٤/ ٢/ ١٤٢٦ هـ الموافق ٣ أبريل ٢٠٠٥ م على ما نشر في بعض الكتب عن سليمان الدخيل بعنوان: (والدي) لأنه كان والد أمه، قال:
الأستاذ سليمان الدخيل تزوج من لؤلؤة بنت إبراهيم الربدي، وزواجه من لؤلؤة الربدي هي أول زيجاته عام ١٣٢٦ هـ. حيث عاد من الهند والعراق في هذا العام إلى بريدة وبيَّت أن يلقي عصا الترحال ويستقر في بريدة، فتزوج من لؤلؤة الربدي عام ١٣٢٦ هـ وأنجبت له بنتًا هي الوالدة حصة عام ١٣٢٧ هـ، ولم تكتحل عيناه برؤيتها، حيث خرج من القصيم وهي حمل في بطن أمها، وذلك عندما دخل الملك عبد العزيز إلى بريدة لأن الدخيل كان مواليًا لإمارة الرشيد والدولة العثمانية، لذلك خرج إلى بغداد وقام بتحرير جريدة (الرياض) وإن كان رجع بعد ذلك إلى نجد فقد رجع إلى حائل والمدينة، ولم يرجع إلى القصيم أبدًا، وهروبه من العراق إلى المدينة كما حدثتني الوالدة أنه كتب في الجريدة نقدًا شديدًا وسبًا لوالي العراق مما جعل الوالي يرفع ذلك للدولة في الاستانة فجاء رد البرقية من الوالي التركي إلى بغداد بقتله، ولكن موظفي البرق أخبروا الدخيل قبل تسليم البرقية للوالي مما جعله يتمكن من الهروب إلى المدينة النبوية.
وقد تزوج من أهل العراق من ابنة عمه نجدية الأصل وهي رقية بنت سليمان الدخيل، أنجبت له ابنًا (فيصل) وبنتا (آمنة)، ثم تزوج من امرأة أرمنية وأنجبت له سعدون.
стр. 2803
ثم قال التويجري: أما والد سليمان وهو صالح بن دخيل بن جار الله فهو عراقي المولد، أما المنشأ فهو عراقي نجدي، فقد انتقل والده دخيل من بريدة إلى بغداد وتزوج من هناك من بادية العراق وأنجب أبناء وبنات لا أعرف عنهم شيئًا، إلا أن صالحًا سافر إلى دمشق لطلب العلم وجلس هناك ما شاء الله، وأحب أن يكمل مشواره التعليمي في بلاد آبائه وأجداده: القصيم فارتحل من دمشق إلى بريدة وتزوج منها وأقام بها إلى آخر حياته، وقد تزوج من طرفة بنت عبد الله الفواز أم سليمان بن صالح الدخيل، وهي امرأة صالحة ومتعلمة، فقد كانت تقرأ وتكتب، ولها مجلس بعد صلاة العصر يحضره كثير من نساء بريدة وتقرأ عليهن، تقول الوالدة - رحمها الله - كانت أكثر ما تقرأ من كتاب رياض الصالحين والنونية لابن القيم، أما الجد صالح ﵀ فهو طالب علم وله بحوث فقدت.
سليمان بن عبد الله بن إبراهيم التويجري
حفيد سليمان بن صالح الدخيل
ثم صدر أخيرًا كتاب موسع بل مبسوط عنوانه (سليمان بن صالح الدخيل) (١٢٩٠ - ١٣٦٤ هـ، ١٨٧٠ - ١٩٤٤ م) صحفيًا ومفكرًا ومؤرخًا.
تأليف الأستاذ محمد بن عبد الرزاق القشعمي طبعه النادي الأدبي في الرياض (الطبعة الأولى عام ١٤٢٥ هـ ٢٠٠٤ م).
ويقع في ٤٠٣ صفحات.
وقد استوعب فيه مؤلفه المعلومات المهمة عن هذه الشخصية الفذة.
ومن أعيان الدخيل الذين عاصرناهم بل عايشناهم عبد الرحمن بن العالم صالح بن دخيل وكان يعرف في شبابه عند أهل بريدة بـ (دحيم) وهي تصغير عبد الرحمن، ورغم كونه من الجيل الذي قبلنا، بل إن ابنه عبد الله هو أكبر مني كثيرًا، ونعتبره من الجيل الذي هو أكبر منا أيضًا فإن عبد الرحمن الدخيل قد سبق زمانه فصار يدلي بأفكار عصرية، وصار يشترك في ذلك أيضًا ومن
стр. 2804
ذلك أنه في عام ١٣٦٨ هـ اختير عضوًا في مجلس الإدارة الشركة بريدة للري والزراعة التي أنشأها جماعة من الأثرياء ومعهم بعض المثقفين فكان أعضاء المجلس ثمانية كان عبد الرحمن الدخيل أحدهم، وكنت أنا أيضًا أحدهم، وقد ذكرت ذلك في كتاب (يوميات نجدي).
ودكان عبد الرحمن الدخيل يعد بحق أول صيدلي في بريدة وليس المراد بذلك أنه درس الصيدلة، فذلك غير ممكن عندنا لو أراده ولكن معنى ذلك وواقع الأمر فيه أنه أول من صار يبيع الأدوية الأوروبية المغلفة المستوردة، ويعرف أسماء الشائعة منها مع أنه لم يدرس هو ولا غيره في ذلك الوقت، شيئًا من علم الصيدلة، ولم تكن توجد في بريدة آنذاك صيدلية نظامية مرخصة واحدة.
وكان عبد الرحمن الدِّخيل في أعلى سوق بريدة القديم العظيم في وقته، إذا نزل المرؤ من ميدان الجردة مع هذا السوق منحدرًا من الشرق إلى الغرب وجده على يده اليسرى.
وقد بقي فيه سنوات طوالًا، وكان بينه وبين دكان والدي دكانان فقط، أحدهما الملاصق لدكان والدي وأكثر من كان نزله إبراهيم بن عبد العزيز اليحيى، لأن الدكان يرجع ملكه لنساء من أسرة المهنا حكام بريدة السابقين وهو - أي إبراهيم اليحيى - قد تزوج امرأة منهم فابنه عبد العزيز أخواله المهنا.
ودكانه ملاصق لدكان والدي من جهة الشرق والثاني ملاصق من جهة الغرب لدكان عبد الرحمن الدخيل، وقد عرفت أنه نزل فيه جماعة عديدة في المدة التي كان والدي في دكاننا، أذكر منهم خالي إبراهيم بن موسى العضيب، ومحمد بن إبراهيم الرسيني وعبد الرحمن العقيلي وصقر الرميح وإبراهيم بن محمد الصالح اليحيى.
أما عبد الرحمن فإنه ظل ثابتًا في دكانه، وكان يجلس عنده بصفة مستمرة
стр. 2805
صهره إبراهيم بن علي الرشودي أحد كبار جماعة بريدة، بل كان ثالث ثلاثة الذين يمثلون جماعة بريدة وهم أخوه فهد وعبد العزيز الحمود المشيقح.
خط عبد الرحمن بن صالح الدخيل:
وقد أصهر إبراهيم العلي الرشودي إلى عبد الرحمن الدخيل، هذا حيث تزوج ابنة عبد الرحمن الدخيل.
وقد رزق منها بأبناء لعل أكثرهم نجابة لكونه أعلاهم رتبة وظيفة صاحب المعالي حمد بن إبراهيم الرشودي المدير العام للجمارك في المملكة العربية السعودية، وقد حصل على لقب (معالي) الذي لا يحصل عليه إلا الوزير وموظف المرتبة الممتازة التي هي مرتبة نائب وزير، والطيار حمود بن إبراهيم الرشودي قائد القوة الجوية لسلاح المدرعات في الجيش السعودي، وأخوهما ناصر مدير بلدية الأسياح سابقًا.