← Ансаб

Ансаб · id 147374

معجم أسر بريدة

محمد بن ناصر العبودي

Полный текст (11 097 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

صالح بن عبد الله الرشودي: (جد الرشود الصالح). من شخصيات الرشودي (صالح بن عبد الله بن علي الرشودي). ولد في بريدة وبقي فيها لم يبرحها للتجارة فلم يسافر إلى العراق والشام كما كان كثير من أسرته يفعلون، بل كما كان طلاب الثروة يفعلون، وإنما لزم فلاحة والده في الصباخ يصلحها ويعيش منها. ثم غرس أرضا في رواق نخلًا وعمره، ولما سئل عن ذلك مع صعوبة وعظم تكلفته قال قولة سارت في الناس وهي (رواق، ولا العراق)، ومعناها: أن التعب في فلاحة ينشئها في رواق، أفضل من حاجته وحاجة أبنائه إلى أن يسافروا للعراق في طلب العيش. وكان صاحب ديانة وورع وعبادة وربى أولاده على الطاعة والعبادة وتزوج مزنة بنت محمد بن الأمير عبد العزيز المحمد آل أبو عليان، ورزق منها بأولاد، هم: عبد الله وإبراهيم ومحمد، وكانوا على منهجه في الديانة والعبادة والورع، توفي ﵀ في عام (١٣٣٦ هـ)، وقد عده الشيخ صالح العمري من جملة تلاميذ الشيخ محمد بن عمر بن سليم. وإذا ذكر الناس الرشود الصالح وهم صالح الرشودي هذا وأبناؤه تبادر إلى الذهن الديانة والورع وكف الأذى عن الناس، وشيء آخر وهو محبة الشيخ إبراهيم بن جاسر، ومناصريه ضد الذين كانوا لا يحبونه من طلبة المشايخ آل سليم وتلامذتهم من دون أن يسبوا أحدًا، أو يقعوا في عرضه إلَّا ما يوجبه البحث العلمي. كانوا فلاحين في الصباخ ثم في رواق يكتفون مثل غيرهم بذلك، ولهم يد في شراء الإبل واستخدامها لحاجتهم.

стр. 3397

هذا مع العلم بأن الشيخ صالح بن سليمان العمري عد (صالح بن عبد الله الرشودي) هذا من تلامذة الشيخ محمد بن عمر بن سليم، كما تقدم ولكن كثيرًا من طلبة العلم الذين يناصرون الشيخ إبراهيم بن جاسر ومن معه من المشايخ وطلبة العلم كانوا من تلامذة آل سليم، حتى الشيخ إبراهيم بن جاسر نفسه كان معدودًا من تلامذة آل سليم، وإن اختلف هو ومن شايعه معهم في مسائل من المسائل الظاهرة مثل تحريم السفر إلى بلاد المشركين، بل مثل مسألة أعمق من ذلك وهم عدم الحكم بالكفر على من عمل أعمالًا تكفره قبل أن يموت ويعرف أنه مات على ذلك، لاحتمال أن يكون تاب في آخر حياته كما يقولون. وصالح بن عبد الله بن علي الرشودي جد الرشود الصالح أهل الصباخ ورواق معروف بالعبادة والصلاح له في ذلك أخبار كثيرة. من أخبار صالح هذا أن هرًا هجم على دجاج عنده بجانب مراح الإبل في فلاحته فطارت الدجاج والهر يتبعها وطاحت جميعها على الإبل وهي أربع فجفلت الإبل وشردت وكان هذا آخر الليل فجاءه العامل يصيح فوجده يصلي يتهجد من آخر الليل، فأخبره بأن الإبل شردت يريده أن يجد طريقة يردها بها، وذكر العامل أنها خرجت من الصباخ فأتم صلاته كالمعتاد ثم سلم وقال: لا تخاف إن البعارين يروحن البل تجي بحول الله بس وخر عن وجهي أكمل صلاتي. واستمر في صلاته فلحق العامل بالإبل فرآها قد رجعت من عند رواق ثم ساقها بنفسه وردها إلى مكانها من حائط الرشودي بسهولة. ومن قصص صالح الرشودي أبو الرشود الصالح هذا أنه ذكر له مرة أن جماعة من أهل جنوب نجد يشترون الحمير الجيدة للسواني من عنيزة فارسل حمارًا له جيدًا مع عامل عنده إلى عنيزة فلما عرضه للبيع ادَّعاه أناس من أهل عنيزة وأوردوا شهودًا عند قاضي عنيزة بأنه هذا حمار آل فلان الذي نعرفه

стр. 3398

وذكر راعي عنيزة المدعي أن حماره مفقود منذ شهرين فقال لهم العامل هذا حمار صالح الرشودي اللي ولدته الحمارة الفلانية فطلب الشيخ القاضي البينة منهم، فأحضروها للقاضي وهي شهود يشهدون بأن هذا هو حمار فلأن المفقود، فقال القاضي لعامل الرشودي: البينة معهم. فأخذ العامل (وثارة) الحمار وعاد بها للرشودي وحدثه بالأمر طالبًا منه أن يشتكي على أمير بريدة أو يعمل شيئًا ولكن الرشودي قال: يا وليدي ما دام أخذوه شرعًا، أمر الشرع مطاع وتركهـ. وبعد حوالي شهر ونصف قدم ابن للفلاح صاحب عنيزة الذي أخذ الحمار وقال لأهله: يا أبوي هذا ماهوب حمارنا هذا فيه شامة صغيرة وحمارنا ما فيه شيء، فأرسله أهل عنيزة للرشودي بالصباخ وأدخلوه إلى حائطه. وكان عند صالح الرشودي هذا حمارة جيدة وعنده رجل يعمل لديه اسمه إبراهيم تركت اسم أسرته عمدًا، فأخذ الحمارة وذهب مع ابن حمد راع رواق إلى شعيب فوق العود من جنوب بريدة يحشون فجاءهم حنشل من البدو الحفاة فأخذوا الحمارة منهم وما معهم وحتى ملابسهم، والحنشل هم اللصوص المشاة. فلما خبروا الرشودي قال: تجي إن شاء الله. وكانت الحمارة (موطي) وهي التي قاربت الولادة فأحرزت أي ولدت عند اللصوص، وولدت جحشة ثم توسعوا لها بمعني عرضوها للفحل من الحمير في اليوم التاسع لأن الحمارة تطلب أي تكون طالبا بمعنى أنها تطلب الفحل بعد ولادتها بوقت قصير. ثم لم تلبث شهورًا قبل أن تطلب ثانية قالوا وبعد حوالي السنة كانت معها الجحشة الأولى وجحش صغير ولدته، وكان اللصوص الذين أخذوها قربوا من القصيم قليلًا يقال على مسافة ثلاثة أيام فانطلقت منهم في إحدى الليالي ولم يشعر

стр. 3399

الناس إلَّا وهي مع اثنين من أولادها في حائط صالح الرشودي في الصباخ! ولا ينبغي أن يستغرب المرء الحديث عن الحمار والحمارة في مثل هذه المناسبة لأنها كانت للفلاحين في القديم بمثابة السيارة للفلاحين في الوقت الحاضر وهي أهم عندهم حتى من الجرار الزراعي، لأنهم يركبونها ويحملون عليها الأحمال وينقلون على ظهورها ما يحتاجون إلى نقله من المدينة إضافة إلى كون الأنثى منها تلد فيبيعون ما لا يحتاجون إليه من نسلها، وقد امتن الله على عباده بركوبها، فقال (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة)، وهي أنواع أهمها النوع الذي يعرف بالشهرى وهي طويلة القوائم قوية، بيضاء اللون يقرب حجمها من حجم الفرس ويتغالون في ثمنها حتى إن الواحدة منها يبلغ ثمنها ثمن ناقة. وثائق فيها ذكر صالح بن عبد الله الرشودي: لم يكن صالح الرشودي هذا تاجرًا يبايع الناس ويشاريهم، ولا كان ثريًا يداين الفلاحين ويأخذ منهم ما زعمه حقه أو فوق حقه، ولم يكن من تجار عقيل والمسافرين إلى العراق والشام. ولذلك قل ذكره في الوثائق إلَّا ما ورد من كونه مشتريًا لعقار أو شاهدًا في وثائق. ومن ذلك وثيقة مداينة بين محمد بن خلف الباحوث والشيخ العلامة محمد بن عمر بن سليم. والدين أحد عشر مائة وخمس وخمسون وزنة تمر أي ألف ومائة وخمس وخمسون وزنة. والشاهدان فيها هما (صالح آل عبد الله الرشود) وفوزان العلي من أهل

стр. 3400

خضيرا وهو من الفوزان (العتبان) وليس من الفوزان (أهل الشماس). أما الكاتب فإنه عبد الله بن حسين الصالح والده أخو الأمير مهنا الصالح أبا الخيل كما ألحق شهادة سابق الفوزان والد الشيخ السفير العالم فوزان السابق. وتاريخ الوثيقة جمادى الآخرة سنة ١٢٩٦ هـ.

стр. 3401

ووثيقة أخرى مشابهة لهذه بين المتعاقدين المذكورين في الأولى، وجاء فيها شهادة (صالح الرشود) إلى جانب شهادة فوزان آل علي وسابق الفوزان. والكاتب نفسه عبد الله بن حسين بن صالح بن حسين أبا الخيل، والتاريخ نفسه. وقد ورد أن لصالح بن عبد الله الرشودي ملكًا أو نخلًا في رواق أو في الخضر) الذي سبق أن اشترى والده فيه نصف ملك جدعان والد أسرة الجدعان أهل الخضر.

стр. 3402

وأولى هذين أنه اشترى من حمد بن مبارك آل حمد بن حميد ملكًا أي نخلًا كثيرًا، أو لنقل كما كانت العامة تقول: إنه مكان أي نخيل مجتمعة في مكان واحد. وذلك في وثيقة مبايعة مكتوبة بخط العلامة الشيخ محمد بن عمر بن سليم مؤرخة في شوال عام ١٣٠٣ هـ. وقد حدد الملك المذكور من جهة القبلة والجنوب بأنه يحده السوق، ومن شمال أرض ابن نصيان، ومن شرق مقطر أم حمد، ولم يذكر اسمها ولا اسم أسرتها، وذلك أن المقطر المذكور معروف بين الطرفين، والمقطر هو الصف من النخل، ولذلك ذكرت الوثيقة أن المقطر المذكور وصيبته أي نصيبه بمعنى الذي يتبعه من الأرض معروفة عندهما. والثمن كثير بالنسبة إلى أثمان العقارات في تلك الحقبة فهو ثلثمائة وخمسون ريالًا (فرانسه) وصل خمسون ريالًا على عقد البيع قبضهن حمد بن حميد) وثلاثمائة مؤجلات ست سنين، كل سنة يحل منها خمسون ريالًا متتابعات أولهن بربيع أخر سنة أربع، بعد الألف وثلثمائة من الهجرة متتابعات، وآخرهن سنة تسع بعد الألف وثلثمائة. والشاهدان على هذا البيع عمير الحجيلان وهو معروف من العمير الذين يرجع نسبهم إلى الدواسر، أما الشاهد الثاني فإنه (سعد بن عبد العزيز) ولا أعرفه.

стр. 3403

والمبايعة التالية بين صالح العبد الله الرشودي وبين علي آل محمد بن حبيب. والمبيع ملك أي نخل أيضًا لأبيه أي أبي علي بن محمد بن حبيب في

стр. 3404

الخضر) الخب الجنوبي من خبوب بريدة الجنوبية، وحدوده كما ذكرت وثيقة المبايعة هي من جهة القبلة السوق بمعنى الزقاق النافذ أو الشارع غير الواسع، ومن جنوب أرض المزيرعي، والمزيرعي أسرة معروفة من أهل الخضر سيأتي ذكرها في حرف الميم بإذن الله، ومن شرق الجردة وهي الأرض الرملية المستوية غير المعمورة، ومن شمال الصعنوني أي أرض الصعنوني أو ملك الصعنوني، وهذه أسرة سيأتي ذكرها في حرف الصاد إن شاء الله، وذكرت تمام الحد الهملان وهو النخل المتروك من دون سقي أو رعاية. والثمن لذلك ألف ريال مؤجلات تسعة آجال أولهن يحل في رجب مائتين ريال سنة ١٣١٧ هـ والباقي ثمانمائة ريال ثمان سنين متتابعات كل موسم تصرم الثمرة، أي تجد ثمرة النخل وهي التمر: مائة ريال. ثم ذكر المستثنى من ذلك النخل وأنها شقراء المطوع الذي (التي) عن الراقود شرق، وأيضًا سبع نخلات للفضل، وأسرة (الفضل) معروف أنها من أهل الخضر أو بعضها من أهل الخضر في القديم، وأيضًا سبع نخلات للفضل، ونخيلات أم العيال الشماليات، ولم يذكر اسمها إلَّا أنه قال: ما تبعن البيع، وليست داخلة في هذا البيع، ونخلة ابن حبيب الشقراء ما تبعت البيع. والشاهد على ذلك عثمان الحمد العميريني وشهد به كاتبه عبيد بن عبد المحسن، وهو والد المشايخ من آل عبيد الذين هم أربعة من مشاهير المشايخ وطلبة العلم أكبرهم عبد الرحمن وأصغرهم إبراهيم صاحب التاريخ. وتاريخ المبايعة ١٩ صفر من عام ١٣١٧ هـ. وأوضحت الوثيقة في آخرها أن لمحمد الوابلي من أسرة الوابلي أهل بريدة دينًا اسمته طلبًا قبض منه عشرة ريالات والباقي من دينه ثابت ولذلك قالت: كثيرًا من قليل.

стр. 3405

وجدت وثيقة بخط محمد بن عبد العزيز بن سويلم تفيد إقرارًا من صالح بن عبد الله الرشودي لعيال ( .... ). وتاريخها ٧ رمضان عام ١٣٢٦ هـ. وهي من آخر الوثائق التي ورد فيها ذكر لصالح بن عبد الله الرشودي، إلَّا أنها ليست واضحة. والشاهد عليها ابنه عبد الله الصالح الرشودي.

стр. 3406

وصية صالح بن عبد الله الرشودي: أوصى صالح بن رأس الأسرة عبد الله بن علي الرشودي بوصية مشابهة الوصية والده الذي هو الوصي على تنفيذها إلَّا أنها أكثر اختصارًا. ومن الغريب أنها كتبت في التاريخ الذي كتبت فيه النسخة الثانية من وصية الوالد بخط الكاتب نفسه وهو عبد الله الراشد بن بطي. ذكر صالح الرشودي في وصيته بعد الديباجة المعتادة أنه أوصى بنصف ملكه المعروف في رواق، والمراد بالملك هنا حائط النخل الكثير كما تقدم، ولا ندري أقصد بذلك نصف ثمرته من التمر أو نصف أصله، ولكنه قال: ينفق في أبواب البر على نظر الوكيل مما يراه الأصلح من إطعام جائع، وحاجة قريب، وإعانة حاج لفرضه وأضحية، وغير ذلك من أعمال البر على ما يراه الوكيل - يعني الوصي - ويلتمس الأصلح في تنفيذه، وكَّلَ على ذلك ابنه عبد الله وإخوته إبراهيم ومحمد نظراء عليه، وكل على وصية أبيه عبد الله العلي الرشودي، ابنه محمد الصالح، شهد على ذلك عبد الله النصار، وشهد به كاتبه عبد الرحمن الراشد

стр. 3407

بن بطي حرر في ٥ ذي الحجة آخر عام ١٣٣٤ هـ. في آخر الوصية: وثواب ما ذكر إن شاء الله له ولوالديه، وأهل بيته، وهذه الوصية ناسخة ما قبلها من الوصايا إن وجد شيئًا فالعمل على هذه.

стр. 3408

علي بن عبد الله الرشودي

стр. 3409

ومنهم علي بن عبد الله الرشودي: وهذا الرجل ابن رأس الأسرة ومؤسسها عبد الله بن علي الرشودي، ووالد زعيم بريدة في وقته فهد بن علي الرشودي ووالد إبراهيم بن علي الرشودي من كبار جماعة أهل بريدة، وسيأتي ذكرهما، عمل بالتجارة وسافر إلى الشام والعراق ومصر مع العقيلات تجار المواشي، حتى أصبح من التجار المعروفين، واشترى بيتًا في بريدة لازال معروفًا هو الذي أدركناه يسكنه إبراهيم العلي الرشودي، آل إلي إبراهيم بالإرث من والده وهو مجاور لبيت فهد العلي الرشودي من الجنوب - على سوق الرشود في بريدة القديمة، كما اشترى أملاكًا ونخلًا في الصباخ جنوب بريدة، وملكًا شرق رواق، المسمى الآن بالمنصورية الذي فيه الشركة الموحدة للكهرباء على طريق عنيزة، وأصبح من تجار وكبار أهل بريدة. وقد رزق بأولاد عدة حرص على تعليمهم وتأديبهم وأن يعملوا مثله في التجارة وهم: عبد الرحمن وحمد وسليمان وهؤلاء انقطع عقبهم ولم يبق لهم نسل، وفهد وإبراهيم هما اللذان لهما ذرية كثيرة الآن. كان من حرصه ﵀ على تعليم أبنائه أن صاروا يقرأون ويكتبون، قرأوا على المشايخ في شبابهم، واستمروا يجالسون العلماء ويحضرون الدروس العلمية بعد ما كبروا رغم انشغالهم بالتجارة. وكان ذا ثروة يظهر ذلك من آن لكل واحد من أبنائه وبناته الذين ورثوا - وبالأخص من تقدمت وفاته منهم وهم: عبد الرحمن (ت: ١٣٠٨ هـ)، وحمد وسليمان توفيا بعده، ومنيرة ونورة - أوقافًا في حويلان والطعمية وبريدة والصباخ وغيرها.

стр. 3410

توفي علي العبد الله الرشودي عام ١٣٠٥ هـ، ﵀. وثائق لعلي بن عبد الله الرشودي: وصلت إلينا وثائق عديدة تتعلق بمعاملات بيع وشراء ومداينة ونحوها من أنواع التعاملات المعروفة السائرة في القديم. من ذلك هذه المبايعة التي تمت بين علي بن عبد الله الرشودي وبين مهنا الصالح وهو مهنا بن صالح بن حسين أبا الخيل الذي كان أميرًا على القصيم إبان تلك المبايعة إذ تولى الإمارة في عام ١٢٨٠ هـ، وتوفي قتيلًا بايدي جماعة من آل أبو عليان عام ١٢٩٢ هـ. ومن اللطيف في هذا الأمر أن مهنا وعلي كتبا المبايعات تحت مشتري مهنا الملك المذكور من منصور بن فهد البطي وبين شرائه وبيعه سنتان فقط. وربما كان ذلك من صنع الكاتب بينهما وهو عبد المحسن (بن محمد) بن سيف الملقب بالملا. وشهود هذا البيع سليمان بن رشيد الحجيلاني من آل أبو عليان وتولي إمارة بريدة لفترة قصيرة، وسعيد الحمد هو من السعيد الذين كانوا يلقبون بالمنفوحي لكون جدهم جاء إلى بريدة من منفوحة. والتاريخ ثمانية عشر جمادى الأولى من عام ١٢٩٠ هـ. ثم صدق على هذه المبايعة قاضي بريدة الشهير في وقته الشيخ سليمان بن علي المقبل، فقال: هذا العقد المذكور أعلاه صحيح لأزم، قاله كاتبه سليمان بن علي آل مقبل، تاريخ ٢٥ جمادى الآخرة لسنة ١٢٩٠ هـ.

стр. 3411

وجدنا في مخلفات علي بن عبد الله الرشودي صكين متحدين في الشكل والظاهر مختلفين في الموضوع وهو البيع الذي تضمنه كل واحد منهما. ومع أن البائع والمشتري كليهما من أهل بريدة، بل من أهل الصباخ بالذات فإن هذين الصكين قد صدرا في بغداد من دون شك حيث عرفنا أن (علي بن عبد الله الرشودي) وكذلك ابناه من بعده فهد وإبراهيم كانوا يسافرون إلى العراق يقيمون فيه فترة للبيع والشراء وأنهم كانوا يشتروا فيه عقارات وتملكوا أشياء. ولكننا الآن بصدد هذين الصكين الغريبين في خطهما الجميل وفي كيفية نظمهما وكتابة شهادة الشهود وكثرتهم كثرة غير مألوفة بالنسبة إلى عادة أهل نجد الذين كانوا يكتفون في أكثر الأحيان بشهادة شاهد واحد مع الكاتب، وفي أحيان أخرى بشاهدين مع شهادة الكاتب. والعجيب أنهما كتبا في يوم واحد هو العاشر من شهر ذي القعدة من عام ١٢٩٠ هجرية. والأول منهما يتعلق بشراء نخل اشتراه علي بن عبد الله الرشودي من محمد بن فهد بن بطي، والنخل في صباخ بريدة نص على ذلك في الصك نصًّا صريحًا، وذكر في حدوده ما يوضح ذلك وهو أنه يحده من جهة القبلة ملك الحميدي والحد الثاني ملك منصور الفهد بن بطي من جنوب، والحد الثالث ملك إبراهيم الرسيني من شرق، والحد الرابع ملك سليمان بن فهد البطي من شمال. وثمن المبيع سبعون ريالًا (فرانسه). وأما الشهود فإنهم سبعة وكلهم على وجه التقريب من أهل القصيم المقيمين في بغداد أولهم معروف لنا معرفة تامة وهو الحاج دخيل بن جار الله، وهو والد العالم المعروف في بريدة الذي ولد في العراق ثم عاد إلى

стр. 3412

سكنى بريدة حتى مات، وهو الشيخ صالح بن دخيل الجار الله، وهو والد صديقنا عبد الرحمن بن صالح بن دخيل - بكسر الدال والخاء - الذي تزوج إبراهيم بن علي الرشودي بعد ذلك بدهر ابنته، والحاج دخيل هو أيضًا والد سليمان بن دخيل أول نجدي عمل في الصحافة، وقد سبق ذكره مفصلًا في حرف الدال، والثاني سليمان الحسن والثالث علي الصالح العيد والرابع: عبد الرحمن بن عودة، والخامس عبد الرحمن بن داود الضحيان، والسادس عبد الله بن إبراهيم العَسَّاف من أهل الشماسية، والسابع ناصر الهزاع، وقد حرف الكاتب اسمه فكتبه الهازع. وهذا يدل على ما قلناه من كون البيع صدر في بغداد والشهود من أهل نجد إلى جانب توقيع البائع وإقراره، وهذه صورة الصك المذكور.

стр. 3413

والصك الثاني قيمة المبيع فيه أقل كثيرًا من قيمة المبيع في الصك الذي قبله من حيث الذكر هنا وإلا فإنهما صدرًا بتاريخ واحد كما قدمت فهو سبعة ريالات أي عشر الثمن في الأول أو ١٠ % منه. ويتضمن شراء علي بن عبد الله الرشودي حصة محمد الفهد بن بطي من بيتين متقاربين انتقلا إليه إرثًا من والدته ميثا بنت جميعة، والجميعة أسرة من أهل بريدة القدماء كان لها ذكر في القديم هاجر بعض أفرادها إلى حائل ومنهم إبراهيم بن جميعة من رجال الملك عبد العزيز آل سعود المقربين إليه، وقد يفهم من اللفظ أن جميعة هو والد المرأة المذكورة والواقع أنه اسم أسرتها. وتوضح الحدود المذكورة لهذا المبيع أنه في صباخ بريدة لأن أصحاب الأملاك المذكورة في تحديده كلهم من أهل الصباخ إذ يحده من جهة القبلة ملك قرعيط وهو من القرعيط الآتي ذكرهم في حرف القاف وملك المحيطب وهم كذلك من أهل الصباخ الذين كانت لهم أملاك كثيرة مزدهرة فيه وهم أخوال المشايخ من آل عبيد: أبناء عبيد بن عبد المحسن من جهة الأم، والحد الثاني وهو الجنوب ملك بنت ابن محيطب، والحد الثالث وهو الشرقي السوق والحد الرابع وهو الشمالي ملك الرشودي. وأثبت الكاتب في آخر الكتابة توقيع البائع محمد الفهد بن بطي وإقراره بالبيع، وقبض الثمن، إلى جانب شهادة خمسة من الشهود كتبت أسماؤهم في طرة الصك من جهة اليمين كما كان يفعل أهل الأمصار وهم عبد الرحمن العودة، وفهيد المحمد الفهد، ومحمد الفهد، وعثمان المحمد وناصر الهزاع الذي حرف الكاتب اسمه أيضًا إلى ناصر الهازع. وتاريخه كتاريخ الصك الأول ١٠ ذي القعدة من عام ١٢٩٠ هـ.

стр. 3414

ومن دلائل غني (علي بن عبد الله الرشودي) هذا السند الذي ذكر فيه أنه كان اشتري من نصار المحمد ملكًا له في الصباخ موضحًا في بطن الورقة، ولكننا لم نحصل على نص المبايعة المذكورة، وإنما حصلنا على ما يشير إليها في وثيقة بين ابن البائع وهو عبد الله النصار المحمد وبين ابن المشتري وهو فهد بن علي الرشودي سيأتي نصها بعد هذا.

стр. 3415

وتدل ضخامة المبلغ المذكور هنا بأنه وصل إلى نصار المحمد بن علي العبد الله الرشودي وهو مائة وتسعون ريالًا ثم مائتان وتسعون ريالًا على نفاسة ذلك النخل المبيع، وعلى حد تعبيرهم الملك لأنه يشتمل على نخل وبئر أو آبار وبيت للفلاح في النخل ولكن عماده النخل. والإيصال هذا مكون من اثنين وكلاهما بخط عالم من علماء بريدة الأول بخط الشيخ صعب بن عبد الله التويجري وبشهادة صلطان بن الأمير الشاعر المشهور محمد بن علي العرفج وهو مؤرخ في عام ١٢٩٠ هـ. والثاني بخط إبراهيم بن عجلان وشهادة محمد بن نطيح ولا أعرفه وتاريخ كتابته في ٢٤ ربيع الأول سنة ١٢٩٢ هـ. وأما الوثيقة التي تشير إلى ذلك المبيع المهم فإنها مذكورة هنا أو لنقل إنها مشار إليها هنا ولكنها بين ابني المتبايعين الأولين وهما نصار المحمد وعلي بن عبد الله الرشودي. وهي واضحة، لأنها بخط العالم المشهور في وقته صالح بن إبراهيم المرشود المعروف في بريدة وسيأتي ذكر ترجمته في حرف الميم بإذن الله.

стр. 3416

وخطه واضح لا يحتاج إلى توضيح وقد كتبها في ١٨ ذي الحجة لسنة ١٣٢٦ هـ. والشاهد فيها عالم جليل مشهور وهو الشيخ صالح الدخيل الجار الله.

стр. 3417

مداينات لعلي بن عبد الله الرشودي: وهذه جملة من مداينات علي بن عبد الله الرشودي: من مداينات المذكور وثيقتان بخط علي بن عبد العزيز بن سالم من أسرة السالم الكبيرة القديمة السكنى في بريدة، والمستدين فيها محمد الغصن والدين ثلاثة عشر ريالًا وربعين قرش ويساوي الربعان سدس ريال لأن القرش كان في اصطلاحهم يساوي ثلث الريال الفرانسي. يحل أجل وفاء الدين المذكور طلوع صفر أي إنسلاخه من عام ١٢٧٨ هـ. والثانية كان المستدين فيها سليمان آل محمد أخو راشد والدائن فيها كالتي قبلها هو (علي بن عبد الله الرشودي). والدين أربعة عشر ريالًا ونصف ريال يحل أجلهن طلوع شهر صفر أي انسلاخه وانقضاؤه من عام ١٢٧٨ هـ، والشاهد صالح الحسن ( ... ).

стр. 3418

وهذه الوثيقة التي تتضمن مداينة بين عبد العزيز بن مجيدل وبين علي بن عبد الله الرشودي بدين هو ستة وسبعون ريالًا (فرانسه) وهي بخط حمد بن سويلم، وهو من أسرة السويلم أهل بريدة الذين راسهم القاضي الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن سويلم قاضي القصيم. وهذه الوثيقة تحتاج إلى نقل بحروف الطباعة لتتضح قراءتها وتاريخها هو شهر ربيع سنة ١٢٧٠ هـ. وهذا نصها بحروف الطباعة: "أقر عبد العزيز بن مجيدل أن في ذمته لعلي العبد الله الرشودي ستة وسبعين ريالًا فرانسي مؤجلات أربعة نجوما كل نجم يحل فيه تسعة عشر ريال، وأول النجوم شهر شوال ١٢٧٠ هـ. وآخرهن في شوال ١٢٧٣ هـ شهد على ذلك عبد الله الحميدي وسعيد بن صقيه وشهد كاتبه حمد بن سويلم، وقع تاريخه في ربيع ١٢٧٠ هـ. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم".

стр. 3419

محمد بن عبد الله الرشودي

стр. 3420

محمد بن عبد الله الرشودي: هذا أخ لعلي الرشودي المذكور قبله وهو عم فهد بن علي الرشودي وأخيه إبراهيم كما هو ظاهر. عمل بالتجارة وسافر إلى الشام والعراق ومصر وغيرها حتى أصبح من التجار المعروفين وتملك في بريدة بيتًا وتزوج لطيفة بنت الأمير حسن المهنا ورزق منها بولد اسمه سليمان ثم حصل أن الأمير حسن المهنا أوقف ابن مطلق أمير قصيبًا بحجة أن له اتصالا مع محمد بن عبد الله بن رشيد أمير حائل فطلب ابن مطلق من محمد العبد الله الرشودي أن يشفع له عند الأمير حسن المهنا فشفع له عند الأمير فأجاب الأمير بأن لك ما طلبت إلَّا ابن مطلق حيث أنه فعل وفعل .... فاقتنع الرشودي. وبذلك خرج من عند الأمير حسن وبعد يومين أو ثلاثة وجد محمد الرشودي ابن مطلق حرا طليقا فسأله ما الخبر؟ فأجاب بأنه شفع له عند الأمير فلان رجل من رجال الأمير حسن أو عتيق من عتقائه فغضب محمد الرشودي وأضمر أمرًا لم يُطلع عليه أحدًا وهو الانتقال بالكلية من بريدة إلى العراق لأنه رأى أنه لم ينزل منزلته وكان الأوضاع تغيرت والموازين انقلبت فباع بيته سرًّا دون أن يعلم والده أو أخوه علي، وطلق زوجته لطيفة بنت الأمير حسن المهنا. وخرج من بريدة في تجارة بمرافقة شقيقه علي، فلما وصلا قرب الشام قال محمد: أنا سأذهب إلى العراق لأن سوق العراق أفضل فتوجه شقيقه علي إلى الشام واستمر هو بالسير إلى العراق حتى وصل إلى العراق فنزل بغداد واشترى بيتًا وعمل بالتجارة هناك واستقر بالعراق، وتزوج عراقية وخلف ابنًا واحدًا اسمه عبد الله عمل بعد والده بالتجارة في محل تجاري في بغداد وتزوج عبد الله عراقية هي شقيقة رئيس جمهورية العراق السابق عبد السلام عارف

стр. 3421

وعبد الرحمن عارف الذي صار أيضًا رئيسًا للعراق ورزق منها بابنين وبنت هما عبد الستار وعبد الحميد توفي عبد الستار ولم يعقب، وتوفيت البنت ولم يبق على قيد الحياة إلَّا عبد الحميد وذريته ولا زالوا في بغداد. وأقول أنا مؤلف الكتاب: فيما يتعلق بعبد الحميد هذا الذي هو حفيد محمد بن عبد الله الرشودي الذي نتكلم عليه أذكر أنني عندما أصدرت كتابي (الأمثال العامية في نجد) - القسم الأول في عام ١٣٩٠ هـ الموافق لعام ١٩٧٠ م كتب عبد الحميد الرشودي عنه مقالًا بل دراسة في إحدى المجلات العراقية، فأثنى على الكتاب وعلى مؤلفه: مؤلف هذا الكتاب وعرفت من ذلك التاريخ أن عبد الحميد الرشودي الذي هو عراقي من أنسال جماعتنا الرشود أهل بريدة هو أديب وكاتب. توفي محمد بن رأس الأسرة ومؤسسها عبد الله بن علي الرشودي في حدود عام (١٣٠٨ هـ) والذي ذهب إلى العراق وقام بتصفية تركته هناك وتسديد ما له وما عليه هو سليمان العلي الرشودي (ابن أخيه) بوكالة من قاضي بريدة الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم فأصبح له ذرية في بريدة وذرية في بغداد إلَّا أن ذريته قليلة. وقد وقفت على كيفية تصرف سليمان بن علي الرشودي في تصفية تركة عمه (محمد بن علي الرشودي) هذا، وعلى ما عمله في ذلك، وذلك بصك واضح بخط الشيخ عبد الله بن عمرو وذكره أن سليمان العلي الرشودي تصرف في ذلك بتوكيل من محمد بن سليم، هكذا جاء ذكر الشيخ القاضي محمد بن عبد الله بن سليم قاضي بريدة وما يتبعها من القصيم، ولم ينعت ابن سليم حتى يلقب الشيخ الذي يستحقه بل يستحق أن يلقب بشيخ المشايخ وطلبة العلم من أهل بريدة، بل من أهل القصيم كله، وذلك لخلافه أي ابن عمرو مع المشايخ آل سليم وتلامذتهم.

стр. 3422

وهو خلاف نتج عنه أن والى ابن عمرو ومن معه آل رشيد ومن خلفهم الأتراك، في حين كان آل سليم وتلامذتهم يتولون آل سعود، والمشايخ من آل الشيخ محمد بن عبد الوهاب. وقد أفضى هذا الخلاف مع أمور أخرى إلى أن يقتل الشيخ عبد الله بن عمرو في الرياض عام ١٣٢٦ هـ. مع التنبه إلى أن الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم عين سليمان بن علي الرشودي على تصفية تركة عمه المذكور قد فعل ذلك حال كونه قاضيًا في بريدة وحاكمًا للشرع الشريف فيها، ومن عمله المحافظة على أموال الغرباء والمتوفين، الذين لم يوصوا لأحد من بعدهم، وقد أحسن في هذا الأمر ﵀ كما هو ظاهر مما فعله سليمان بن علي الرشودي في التركة. وهذه صورة الوثيقة المذكورة:

стр. 3423

وعرفنا أن (محمد بن عبد الله العلي الرشودي) كاتب ذو خط مضبوط وإن لم يكن جميلًا كما يتضح ذلك من هذه المداينة بين حمد الحصين وبين عبد الله العلي الرشودي وكتب اسمه فيها (الرشود) مع أن كاتبها هو ابن الدائن وهو محمد بن عبد الله العلي الرشودي.

стр. 3424

والدين خمسة عشر ريالًا فرانسه حالَّات غير مؤجلات. والشاهد فيها عبد الله بن عثمان بن رميان مما يدل على أن الحصين المذكور هو من الحصين أهل اللسيب، وليس من الحصين أهل الشماس. وشهد به وكتبه محمد العبد الله العلي (الرشودي) وتاريخها ٢٨ من شعبان ١٢٧٩ هـ. والأخرى اتفاقية بين والده عبد الله العلي الرشودي وبين مطلق الجبر بن كبريت وتقول: إن مطلق قضب نخله من عبد الله الرشودي بخمسين وزنة تمر صبرة، أي بمثابة الأجرة التي تسلم كل سنة وتعني قضّب بفتح القاف وتشديد الضاد، أبرم اتفاقية مع الرشودي.

стр. 3425

إلى أن قال: والنبتة المسماة السكرة تنقطع بالدراهم، والمراد بالنبتة هنا السكرية المعروفة بهذا الاسم حاليًا، وكان يقال لها نبتة الجمعة، أو سكرة الجمعة، إضافة إلى أسرة الجمعة من أهل حويلان لكونها نبتت أول مرة في نخلهم بحويلان. وتاريخ الكتابة ٢٨ من شعبان سنة ١٢٧٩ هـ.

стр. 3426

فهد بن علي الرشودي: هو فهد بن علي بن عبد الله بن علي الرشودي. زعيم بريدة وكبير جماعتها، وحكيمها وصاحب الرأي الراجح الذي يغلب عليه الحلم والتؤدة والتروي في الوقت الذي يتعين فيه الأخذ بذلك، ويغلب عليه الشجاعة والإقدام في الوقت الذي يتطلب الأمر ذلك. ويسميه أهل بريدة (العم فهد) وهو في الحقيقة بمثابة الأب للجميع، لأنه يعرف لهم كلهم حقهم، ولا يحتقر أحدًا منهم، وإذا لحق بأحدهم ضيم من أحد منهم لجأ إليه فأنصفه ممن ظلمه بالرأي والفعل والتدخل لدى الحكام. وهو إلى ذلك متدين صادق الديانة، محب للعلم والعلماء، ومستمع في حلقات الذكر. وأذكر فيما يتعلق بتدينه ومحبته للاستماع إلى العلم أنه كان يحضر إلى المسجد الجامع كل يوم على وجه التقريب ما عدا يوم الجمعة لأنه لا دروس فيه، وكنا آنذاك نقرأ على شيخنا الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد في المسجد الجامع. فيأتي فهد الرشودي بقامته المديدة ولونه الأبيض المتميز خاشعًا يتمتم بالدعاء والذكر، فلا يحدث أحدًا ولا يتحدث إليه أحد في المسجد، وإنما يصلي تحية المسجد ركعتين وأحيانا يصلي أربع ركعات ويجلس يستمع إلى الدروس المتنوعة التي كان طلبة العلم ومنهم كاتب هذه السطور يدرسونها على شيخهم الشيخ ابن حميد، ولا يخرج في الغالب حتى تنتهي الدروس جميعها وأحيانًا يعرف آخرها فيخرج أثناءه دون أن يكلم أحدًا أو يتكلم معه أحد. أما نحن طلبة العلم فإننا أصغر سنا من أن نتحدث إليه من جهة ومن جهة أخرى نحترم رغبته التي رأيناه يواظب عليها وهي الصلاة والدعاء والاستماع إلى الأحاديث وغيرها من الدروس.

стр. 3427

قال حفيده وسمية الدكتور فهد بن عبد الله بن فهد (الرشودي): اعتني والده بتعليمه، وتعلم القراءة والكتابة، ثم قرأ العلم على الشيخين محمد بن عبد الله بن سليم، ومحمد بن عمر بن سليم، وعاش طيلة حياته يحضر مجالس العلم ويجالس العلماء ويسمع منهم. وبرنامجه اليومي حسب رواية أبنائه الكبار وزوجته ابنة ابن عمه أم أولاده عبد الله ومحمد الفهد ينام بعد صلاة العشاء مباشرة، فإذا ذهب نصف الليل أو أكثر بقليل قام يصلي من الليل ويقرأ كل ليلة في صلاة الليل ثلاثة أجزاء من القرآن، فإذا بقي سدس الليل انتهى من الصلاة وجلس يتناول القهوة. ثم اضطجع قليلًا ثم قام وذهب يصلي الفجر فإذا صلى الفجر جلس في المسجد يذكر الله حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس صلى ركعتين ثم عاد إلى البيت وشرب فيه القهوة والشاي ثم توضأ وخرج إلى الجامع الكبير وحضر الدرس مستمعًا عند قاضي البلد ثم خرج قبل انتهاء الدرس أو مع انتهائه وذهب إلى السوق وجلس في دكانه يبيع ويشتري ويقضي حوائج ذوي الحاجات بين المتخاصمين. لم يسافر فهد الرشودي خارج البلاد في حياة والده وإنما سافر بعد وفاة والده ﵀ أكثر من مرة، غير أن أولاده هم الذين يقومون بتدوير ثلث ماله بالتجارة، أما الثلث الآخر فيدفعه للناس مضاربات تجارية وثلث عنده في الصناديق لا يشغله إطلاقًا خشية الخسارة أو الإفلاس. وعادته أن يعود قبل الظهر بساعة إلى بيته ويتناول وجبة الغداء ثم ينام القيلولة ثم يقوم ويذهب لصلاة الظهر، ثم يعود ويجلس في بيته ويستقبل من يأتي إليه حتى قبيل آذان العصر ثم يذهب ويصلي العصر ويجلس بعد العصر في المسجد قليلًا يستمع لحديث ويقرأ أوراده.

стр. 3428

ثم يخرج إلى السوق ويجلس في دكان أحد أصدقائه ومن أشهرهم وأكثرهم جلوسًا عنده، بل كانت دفاتر فهد الرشودي موجودة في دكانه محمد بن عبد الله الأردح من الحلوة أبناء عم المشيقح، وهم الذين نسب إليهم (خب الحلوة)، ثم اتخذ الرشودي لنفسه دكانًا ليس فيه بضاعة وإنما فيه دفاتره وأوراقه المتعلقة بالتجارة حتى قبل الغروب بقليل ثم يعود إلى البيت ويتعشى هو ومن يحضر معه ثم يصلي المغرب في المسجد ويجلس في المسجد عند الدرس حتى يصلي العشاء ثم يعود إلى البيت وهكذا في كل يوم.

стр. 3429

الزعيم: فهد بن علي الرشودي

стр. 3430

فهد بن علي الرشودي: والدة فهد بن علي الرشودي هي (رقية العبد الله الخَمَّاس) بفتح الخاء وتشديد الميم وهي من أسرة منقرضة الآن، ولا نعرف لها بقية في بريدة. وفي ذاكرتي عن زمن بعيد أن حائطًا من النخل المشهور في الصباخ كان يسمى (خماسة) ربما كان منسوبًا إلى أسرة الخَمَّاس هؤلاء. ورد ذلك في وثيقة تضمنت اقتسام نصيب أبيه إرثًا من نخله في النقيعة - في الصباخ - وجاء فيه ذكر زوجة علي الرشودي والدة فهد العلي، وأن اسمها (رقية العبد الله الخَمَّاس). ورد ذكر والدة فهد الرشودي (رقية العبد الله الخَمَّاس) في وثيقة مؤرخة في عام ١٣٣١ هـ وأنها زوجة علي الرشودي.

стр. 3431

ولادته ووفاته: ولد في عام ١٢٨٢ هـ في بريدة وتوفي فيها في ذي القعدة من عام ١٣٦٧ هـ ﵀ رحمة واسعة. ورغم ما عرف إبان الخلاف بين المشايخ آل سليم ومن تبعهم من طلبة العلم من جهة، والشيخ إبراهيم بن جاسر ومن معه من أتباعه من جهة أخرى، وما عرف من أن أسرة الرشودي على وجه الاجمال تعظم الشيخ إبراهيم بن جاسر وتتبع آراءَه وبخاصة من الرشود (الصالح) فإن فهد بن علي الرشودي لم يظهر انحيازه لأحد الطرفين، بل سلك في ذلك مسلك السياسي العاقل الذي يتعامل مع الجميع. وفي عهد طلبي العلم على شيخنا الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد ابتداء من عام ١٣٦٣ هـ وحتى عام ١٣٦٦ هـ كنت أرى فهد بن علي الرشودي يحضر الدرس يوميًا في جامع بريدة الكبير، فكان يحضر إلى المسجد ويصلي السنة ويدعو وهو وحده، لا يخالط طلبة العلم ولا يخالطونه مثله في ذلك مثل التجار وكبار القوم، يحضرون الدروس ولا يشاركون طلبة العلم في البحث لأنهم لا يستطيعون ذلك. فكان فهد الرشودي يستمع إلى الدروس التي ينبغي أن نوضح أنها دروس يقرؤها الطلبة على الشيخ في فنون عديدة، وأغلبها في التفسير والحديث والفقه، فيعلق الشيخ عليها، وقد تقدم ذكر ذلك. سفارة فهد الرشودي: السفارة بإصطلاح علمائنا الأوائل هي ذهاب المرء الكفء برسالة شفهية أو رسالة مكتوبة وكل إليه شرحها شفهيًا من حاكم إلى حاكم آخر، أو من مجموعة من أناس ذوي نفوذ كلمتهم واحدة إلى حاكم ونحوه.

стр. 3432

ولا يختار لحمل السفارة المذكورة إلَّا رجل كفء لها يملأ عين المرسل إليه، ويحسن أن يبلغه ما طلب منه، ويحسن أن يذكر له ما قد يطرحه مما لم يطلب منه، ولكنه وكل إليه عرفًا أن يقوله ويفعله، من هذا النوع تلك السفارة التي بعث بها الملك عبد العزيز بن سعود فهد بن علي الرشودي إلى الأمير عبد العزيز بن متعب بن رشيد، وذلك أنه بعد معركة البكيرية التي انتصر فيها الملك عبد العزيز وأهل القصيم في المعركة، التي دارت بين جند ابن رشيد ومعهم جنود الأتراك النظاميين في البكيرية التي انهزم فيها جيش ابن رشيد وقتل أكثر جنود الترك بقي الملك عبد العزيز آل سعود ومعه أهل القصيم وطائفة من أهل نجد نازلين على الرس، وبقي عبد العزيز بن متعب بن رشيد، ومن معه على الشنانة وعماد جيشه خيالة من شمر فترة طويلة، وكان فيها ابن سعود مستندًا على القصيم في المؤن بل والرجال إذا احتاج إلى زيادة منهم، أما ابن رشيد فإنه ليس وراءه أمكنة يمتار منها، أي يزود جيشه من المؤن منها. وقد صار جنده يقطعون نخيل الشنانة ويأكلون جمارها ثم صاروا يأكلون النحيت وهو الذي يكون بجانب جمارة النخل ولكنه ليس حلوًا ولا لذيذًا كالجمار، وصارت خيولهم لا تجد العليق الكافي. ومع ذلك بقي ابن رشيد صابرًا في محاذاة ابن سعود لا يستطيع أن يهاجمه، وابن سعود لا يريد مهاجمة ابن رشيد لأن معه خيلًا كثيرة من شمر، ففكر الملك عبد العزيز بن سعود في وسيلة تؤلب جماعة ابن رشيد عليه، وتجعل قومه من شمر وأهل الشمال يرتحلون من مكانهم أو على الأقل تنشر الفرقة والخلاف بينهم. فطلب الملك عبد العزيز من فهد الرشودي أن يذهب برسالة منه إلى عبد العزيز بن رشيد يقول فيها: يا عبد العزيز بن متعب بن رشيد، لقد تضرر المسلمون من طول هذه الحرب وامتدادها وتعطلت مصالحهم، والواجب عليَّ أنا وأنت إننا نحقن دماء المسلمين على الأساس السياسي التالي:

стр. 3433

يكون لك أنت يا ابن رشيد بلدك حايل وقراياها، ويكون لأبا الخيل بريدة وقراياها، ويكون لابن سليم عنيزة وما يتبعها، ويكون لي أنا الرياض وقراياها وما يتبعها، وكلٍّ يرجع إلى ديرته، وتزول المحاربة بين الطرفين. وكان الملك عبد العزيز آل سعود يطلب من فهد الرشودي ذلك أمام الناس فربما تبلغ ابن رشيد أيضًا من غير طريق الرشودي. وقال الملك عبد العزيز لفهد الرشودي: يا فهد، بلغه الرسالة في مجلسه بعد العصر، ولا يكون ذلك بينك وبينه، خل الناس اللي عنده يسمعونها. ذهب فهد الرشودي على فرس يقود بها شخص من أهل بريدة نسيت اسمه، ولما أقبل على معسكر ابن رشيد قال الذي يقود به الفرس لجنود ابن رشيد: هذا فهد الرشودي مندوب من عبد العزيز بن سعود يبلغ الأمير ابن رشيد رسالة. والرشودي معروف بالاسم لابن رشيد والمقربين من قومه. قالوا: فأخذوا فهد الرشودي إلى مجلس عبد العزيز بن متعب بن رشيد، فأبلغه فهد الرشودي بالرسالة التي حملها اياها عبد العزيز بن سعود، وهي رسالة شفهية. فلما أكمل الرشودي كلامه علق ابن رشيد على ذلك بقوله: أنا يصير لي حايل وقراياها، وش هي قرايا حايل؟ طابه، والعظيم، والمكحول؟ أنا أبي القصيم ذنبه والذنبة ألية الخروف لأنها دسمة صافية. لكن يا فهد الرشودي قل لعبد العزيز بن سعود: نجد ما يصلح فيها حاكمين، ما تصلح إلَّا لحاكم واحد، إن كان ابن سعود يبينا نحقن دماء المسلمين فيطلع لي في سهلة رهداء، والسهلة الأرض الرملية، والرهداء المستوية، ونتذابح أنا وإياه أي نتقابل، إن كان ذبحني فنجد له، وإن ذبحته فنجد لي، وهذا هو اللي يحقن دماء المسلمين.

стр. 3434

ثم قال للرشودي: يا فهد اسمع، قل لابن سعود هذا الكلام في مجلسه والناس يسمعون مثلما قلت لي كلامه والناس يسمعون. عاد فهد الرشودي إلى معسكر ابن سعود وهو معسكر أهل القصيم أيضًا، ولما رآه الملك عبد العزيز قام من مجلسه قاصدًا شراعه، ليستمع إلى رد ابن رشيد على رسالته الشفهية من فهد الرشودي على انفراد، ولكن الرشودي توقف قائلًا لابن سعود: يا طويل العمر الرجل حملني أمانة طلب مني أني أقولها لك والناس يسمعون مثلما أني قلت له كلامك وهم يسمعون. ثم نقل لابن سعود وقومه وغيرهم ممن في مجلسه يسمعون، وكان مجلسه حافلًا، فقال الملك عبد العزيز بن سعود عند ذلك: الحي ما يطارد الميت، يريد أنه أي ابن سعود حيٍّ بمعنى أن موقفه جيد وأن ابن رشيد ميت على عكس ذلك. ثم قال ابن سعود: لكن الله يعينني عليه بالدبور، وهذا دعاء على ابن رشيد بإدبار أمره. قال والدي ﵀ وهو يقص عليَّ هذه القصة، وقد أعان الله عبد العزيز بن سعود على ابن رشيد بالدبور، فكان تدبيره في غير مصلحته حتى قتله الملك عبد العزيز ومن معه في روضة مهنا في أول عام ١٣٢٤ هـ. وقد دخلت قصة سفارة فهد الرشيد هذه إلى الأدب الفصيح المكتوب، قال الأستاذ خالد الفرج في ذكرها نظمًا (١): أدرك السأم منهم ابن السعود (٢) وهو دارٍ بعزم ذاك العنيد (٣) فسعى للوفاق وابن الرشيد

стр. 3435

باعثًا نحوه (بفهد الرشودي) وهو نَدْبٌ، ورَبٌّ رأي سديد فأجاب الجبار بالتهديد ... مَنْ يرد نَجْدًا فليكن ذا اصطبار لا تُغرُّوا جهلًا بذي الاعلام انا ما جئتكم بجيش النظام (١) ابتغي العود عَنْكُمُ بسلام فاستعدوا مني لموت زُؤام فرماها قنابلًا من كلام هي في الوقع مثل حد الحسام ... زادها فَهْد بالكلام الناري * * * قام (فَهْدٌ) من بينهم فاستَفَزَّا ما بهم من حمية ثم هزَّا بكلامٍ يُهَيِّج القلب وخَزا هاجِموه فإنَّ من عَزَّ بَزَّا فاصاخوا فلست تسمع ركزا ... ثم قاموا للحرب مثل الضواري هذا وقد غلط في هذه المسألة طوائف من غير ذوي الفهم والبصيرة بمثل هذه الأمور، فذكروا أن الملك عبد العزيز أرسل فهد الرشودي في مهمة مصالحة بينه وابن رشيد. وذكر بعضهم أن بداية هذه المصالحة هي من عند فهد الرشودي ووافق عليها الملك ابن سعود.
следующие страницы →