ولادته ووفاته:
ولد في عام ١٢٨٢ هـ في بريدة وتوفي فيها في ذي القعدة من عام ١٣٦٧ هـ ﵀ رحمة واسعة.
ورغم ما عرف إبان الخلاف بين المشايخ آل سليم ومن تبعهم من طلبة العلم من جهة، والشيخ إبراهيم بن جاسر ومن معه من أتباعه من جهة أخرى، وما عرف من أن أسرة الرشودي على وجه الاجمال تعظم الشيخ إبراهيم بن جاسر وتتبع آراءَه وبخاصة من الرشود (الصالح) فإن فهد بن علي الرشودي لم يظهر انحيازه لأحد الطرفين، بل سلك في ذلك مسلك السياسي العاقل الذي يتعامل مع الجميع.
وفي عهد طلبي العلم على شيخنا الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد ابتداء من عام ١٣٦٣ هـ وحتى عام ١٣٦٦ هـ كنت أرى فهد بن علي الرشودي يحضر الدرس يوميًا في جامع بريدة الكبير، فكان يحضر إلى المسجد ويصلي السنة ويدعو وهو وحده، لا يخالط طلبة العلم ولا يخالطونه مثله في ذلك مثل التجار وكبار القوم، يحضرون الدروس ولا يشاركون طلبة العلم في البحث لأنهم لا يستطيعون ذلك.
فكان فهد الرشودي يستمع إلى الدروس التي ينبغي أن نوضح أنها دروس يقرؤها الطلبة على الشيخ في فنون عديدة، وأغلبها في التفسير والحديث والفقه، فيعلق الشيخ عليها، وقد تقدم ذكر ذلك.
سفارة فهد الرشودي:
السفارة بإصطلاح علمائنا الأوائل هي ذهاب المرء الكفء برسالة شفهية أو رسالة مكتوبة وكل إليه شرحها شفهيًا من حاكم إلى حاكم آخر، أو من مجموعة من أناس ذوي نفوذ كلمتهم واحدة إلى حاكم ونحوه.
стр. 3432
ولا يختار لحمل السفارة المذكورة إلَّا رجل كفء لها يملأ عين المرسل إليه، ويحسن أن يبلغه ما طلب منه، ويحسن أن يذكر له ما قد يطرحه مما لم يطلب منه، ولكنه وكل إليه عرفًا أن يقوله ويفعله، من هذا النوع تلك السفارة التي بعث بها الملك عبد العزيز بن سعود فهد بن علي الرشودي إلى الأمير عبد العزيز بن متعب بن رشيد، وذلك أنه بعد معركة البكيرية التي انتصر فيها الملك عبد العزيز وأهل القصيم في المعركة، التي دارت بين جند ابن رشيد ومعهم جنود الأتراك النظاميين في البكيرية التي انهزم فيها جيش ابن رشيد وقتل أكثر جنود الترك بقي الملك عبد العزيز آل سعود ومعه أهل القصيم وطائفة من أهل نجد نازلين على الرس، وبقي عبد العزيز بن متعب بن رشيد، ومن معه على الشنانة وعماد جيشه خيالة من شمر فترة طويلة، وكان فيها ابن سعود مستندًا على القصيم في المؤن بل والرجال إذا احتاج إلى زيادة منهم، أما ابن رشيد فإنه ليس وراءه أمكنة يمتار منها، أي يزود جيشه من المؤن منها.
وقد صار جنده يقطعون نخيل الشنانة ويأكلون جمارها ثم صاروا يأكلون النحيت وهو الذي يكون بجانب جمارة النخل ولكنه ليس حلوًا ولا لذيذًا كالجمار، وصارت خيولهم لا تجد العليق الكافي.
ومع ذلك بقي ابن رشيد صابرًا في محاذاة ابن سعود لا يستطيع أن يهاجمه، وابن سعود لا يريد مهاجمة ابن رشيد لأن معه خيلًا كثيرة من شمر، ففكر الملك عبد العزيز بن سعود في وسيلة تؤلب جماعة ابن رشيد عليه، وتجعل قومه من شمر وأهل الشمال يرتحلون من مكانهم أو على الأقل تنشر الفرقة والخلاف بينهم.
فطلب الملك عبد العزيز من فهد الرشودي أن يذهب برسالة منه إلى عبد العزيز بن رشيد يقول فيها: يا عبد العزيز بن متعب بن رشيد، لقد تضرر المسلمون من طول هذه الحرب وامتدادها وتعطلت مصالحهم، والواجب عليَّ أنا وأنت إننا نحقن دماء المسلمين على الأساس السياسي التالي:
стр. 3433
يكون لك أنت يا ابن رشيد بلدك حايل وقراياها، ويكون لأبا الخيل بريدة وقراياها، ويكون لابن سليم عنيزة وما يتبعها، ويكون لي أنا الرياض وقراياها وما يتبعها، وكلٍّ يرجع إلى ديرته، وتزول المحاربة بين الطرفين.
وكان الملك عبد العزيز آل سعود يطلب من فهد الرشودي ذلك أمام الناس فربما تبلغ ابن رشيد أيضًا من غير طريق الرشودي.
وقال الملك عبد العزيز لفهد الرشودي: يا فهد، بلغه الرسالة في مجلسه بعد العصر، ولا يكون ذلك بينك وبينه، خل الناس اللي عنده يسمعونها.
ذهب فهد الرشودي على فرس يقود بها شخص من أهل بريدة نسيت اسمه، ولما أقبل على معسكر ابن رشيد قال الذي يقود به الفرس لجنود ابن رشيد: هذا فهد الرشودي مندوب من عبد العزيز بن سعود يبلغ الأمير ابن رشيد رسالة.
والرشودي معروف بالاسم لابن رشيد والمقربين من قومه.
قالوا: فأخذوا فهد الرشودي إلى مجلس عبد العزيز بن متعب بن رشيد، فأبلغه فهد الرشودي بالرسالة التي حملها اياها عبد العزيز بن سعود، وهي رسالة شفهية.
فلما أكمل الرشودي كلامه علق ابن رشيد على ذلك بقوله: أنا يصير لي حايل وقراياها، وش هي قرايا حايل؟ طابه، والعظيم، والمكحول؟ أنا أبي القصيم ذنبه والذنبة ألية الخروف لأنها دسمة صافية.
لكن يا فهد الرشودي قل لعبد العزيز بن سعود: نجد ما يصلح فيها حاكمين، ما تصلح إلَّا لحاكم واحد، إن كان ابن سعود يبينا نحقن دماء المسلمين فيطلع لي في سهلة رهداء، والسهلة الأرض الرملية، والرهداء المستوية، ونتذابح أنا وإياه أي نتقابل، إن كان ذبحني فنجد له، وإن ذبحته فنجد لي، وهذا هو اللي يحقن دماء المسلمين.
стр. 3434
ثم قال للرشودي: يا فهد اسمع، قل لابن سعود هذا الكلام في مجلسه والناس يسمعون مثلما قلت لي كلامه والناس يسمعون.
عاد فهد الرشودي إلى معسكر ابن سعود وهو معسكر أهل القصيم أيضًا، ولما رآه الملك عبد العزيز قام من مجلسه قاصدًا شراعه، ليستمع إلى رد ابن رشيد على رسالته الشفهية من فهد الرشودي على انفراد، ولكن الرشودي توقف قائلًا لابن سعود: يا طويل العمر الرجل حملني أمانة طلب مني أني أقولها لك والناس يسمعون مثلما أني قلت له كلامك وهم يسمعون.
ثم نقل لابن سعود وقومه وغيرهم ممن في مجلسه يسمعون، وكان مجلسه حافلًا، فقال الملك عبد العزيز بن سعود عند ذلك: الحي ما يطارد الميت، يريد أنه أي ابن سعود حيٍّ بمعنى أن موقفه جيد وأن ابن رشيد ميت على عكس ذلك.
ثم قال ابن سعود: لكن الله يعينني عليه بالدبور، وهذا دعاء على ابن رشيد بإدبار أمره.
قال والدي ﵀ وهو يقص عليَّ هذه القصة، وقد أعان الله عبد العزيز بن سعود على ابن رشيد بالدبور، فكان تدبيره في غير مصلحته حتى قتله الملك عبد العزيز ومن معه في روضة مهنا في أول عام ١٣٢٤ هـ.
وقد دخلت قصة سفارة فهد الرشيد هذه إلى الأدب الفصيح المكتوب، قال الأستاذ خالد الفرج في ذكرها نظمًا (١):
أدرك السأم منهم ابن السعود (٢)
وهو دارٍ بعزم ذاك العنيد (٣)
فسعى للوفاق وابن الرشيد
стр. 3435
باعثًا نحوه (بفهد الرشودي)
وهو نَدْبٌ، ورَبٌّ رأي سديد
فأجاب الجبار بالتهديد ... مَنْ يرد نَجْدًا فليكن ذا اصطبار
لا تُغرُّوا جهلًا بذي الاعلام
انا ما جئتكم بجيش النظام (١)
ابتغي العود عَنْكُمُ بسلام
فاستعدوا مني لموت زُؤام
فرماها قنابلًا من كلام
هي في الوقع مثل حد الحسام ... زادها فَهْد بالكلام الناري
* * *
قام (فَهْدٌ) من بينهم فاستَفَزَّا
ما بهم من حمية ثم هزَّا
بكلامٍ يُهَيِّج القلب وخَزا
هاجِموه فإنَّ من عَزَّ بَزَّا
فاصاخوا فلست تسمع ركزا ... ثم قاموا للحرب مثل الضواري
هذا وقد غلط في هذه المسألة طوائف من غير ذوي الفهم والبصيرة بمثل هذه الأمور، فذكروا أن الملك عبد العزيز أرسل فهد الرشودي في مهمة مصالحة بينه وابن رشيد.
وذكر بعضهم أن بداية هذه المصالحة هي من عند فهد الرشودي ووافق عليها الملك ابن سعود.
стр. 3436
وأوغل بعضهم في الغلط والبعد عن الواقع فذكر أن عبد العزيز بن سعود وعبد العزيز بن رشيد قد اختارا فهد الرشودي ليكون وسيطًا بينهما في المصالحة مع أن المسألة ليس فيها مصالحة، وإنما هي خطة سياسية من الملك عبد العزيز بن سعود، الكل يعلم أن ابن رشيد سيرفضها لأنه - فيما زعمه - هو الذي أخذ منه ابن سعود الملك الذي ورثه ابن رشيد عن عمه محمد بن عبد الله بن رشيد الحاكم قبله.
وقد تأكد فهد الرشودي مما كان يعرفه من قبل من إصرار ابن رشيد على القتال وعلى عزمه على الثأر من أهل القصيم فوصف للملك عبد العزيز بن سعود ما لمسه من عناد ابن رشيد وبعده عن المهادنة.
مواقف فهد الرشودي السياسية:
ليس هذا العنوان من عندي، وإنما هو من حفيده صديقنا الدكتور فهد بن عبد الله بن فهد الرشودي، فقد أعطاني مشكورًا أوراقًا تتضمن حالة جده زعيم بريدة في وقته فهد بن علي الرشودي فيها موضوعات تحت عنوان: المواقف السياسية لفهد الرشودي.
منها مشورته على الملك عبد العزيز بعد وقعة جراب في عام ١٣٣٣ هـ حينما انسحب الملك عبد العزيز من موقع المعركة ووصل إلى شقراء أرسل فهد الرشودي إلى الملك وهو في بريدة يطلب منه أن يقدم إلى بريدة، فقدم الملك إلى بريدة، فأشار عليه بمشورة عمل بها الملك.
ومنها مشورته على الملك عبد العزيز عام ١٣٤٦ هـ في بريدة، حينما اجتمع الإخوان من أهل البادية قبل معركة السبلة بسنة بمشورة نفذها الملك وهو في بريدة.
إقراضه الملك عبد العزيز عشرة آلاف ريال فرانسه في عام ١٣٣٩ هـ - ١٣٤٠ هـ، حينما قام الملك عبد العزيز بحصار حائل واستعادة الحكم فيها.
стр. 3437
إقراضه للملك عبد العزيز ثلاثة آلاف ليرة عصملية اثناء حصار جدة في عام ١٣٤٣ هـ - ١٣٤٤ هـ، واستعادة الحكم فيها.
مشاركته في تمويل جيش بريدة المشارك مع الملك عبد العزيز في معركة السبلة التي وقعت في ١٩/ ١٠ / ١٣٤٧ هـ، حيث قام بتمويل الجيش هو وشقيقه إبراهيم العلي الرشودي وعبد العزيز الحمود المشيقح، ويوجد رسالة من الملك موجهة لفهد وإبراهيم العلي الرشودي وعبد العزيز الحمود المشيقح وجهها لهم الملك ثاني يوم المعركة بتاريخ ٢٠/ ١٠ / ١٣٤٧ هـ يخبرهم بما حدث ويبشرهم بالنصر.
ومنها مشورته على الملك عبد العزيز بعد السبلة في عام ١٣٤٨ هـ في بريدة، حينما اجتمع الإخوان بعد هزيمتهم بمعركة السبلة يريدون الأخذ بالثأر وإعادة الكرة على الملك عبد العزيز فأشار عليه بمشورة عادت على الجميع بالراحة التامة وكفى الله المؤمنين القتال.
وأما المواقف الحربية:
فإن من أهمها قيامه بقيادة الجناح الجنوبي لجيش بريدة حينما هاجمها سعود بن عبد العزيز بن رشيد عام ١٣٣٣ هـ، بعد معركة جراب، وكان الملك عبد العزيز محاصرًا في الهفوف من قبل العجمان، فأبدى شجاعة وحسن تصرف، وتعرف تلك الواقعة بمعركة (خب القبر).
أقول: ذكر هذه الوقعة (وقعة خب القبر) وموقف فهد الرشودي فيها الشاعر العامي علي بن محمد بن طريخم فقال:
امس الضحى فوق النفود ... يوم الملاقي بالوعد
عينت من سمي سعود ... علم لفانا به وكد
حطوا حياته والجرود ... من فعلنا كل شرد
стр. 3438
لي لابسة مثل الأسود ... تضرب عليهم البَرَدْ
أولاد علي بالوجود ... ما منهم اللي ما شهد
الملك لله والسعود ... واللي له البيضا فهد (١)
يريد أن الملك لله ثم لآل سعود، ولكن فهد الرشودي له البيضاء وهي الفعلة الجيدة الناجحة، كما نقول له الأيادي البيض، وذلك على حسن تدبيره في هذه الواقعة.
زعامة فهد الرشودي في بريدة:
لقد كانت زعامة (فهد الرشودي) لبريدة حاجة قبل أن تكون مصادفة - إن صح أن الأمر فيه مصادفة - فأهل بريدة اشتهروا في القديم بإسراعهم في الدفاع عن بلادهم، ليس ذلك خاصًّا ببريدة، وإنما ذلك عام للدفاع عن القصيم كله الذي هو كل بلدان القصيم ما عدا مدينة عنيزة وما يتبعها من أماكن قليلة.
لذلك اعتادوا على سرعة الخروج إلى قتال من يقاتلهم قبل أن يهاجم مدينتهم، واكتسبوا صفة الإسراع في هذا الأمر الذي يحتاج في بعض الأحيان إلى تثبت وتأن وروية.
(فهد الرشودي) هو ذلك العاقل المتزن الذي يتحكم بعواطفه ويزن عواقب الأمور كما يزن مقدماتها، لذلك لا يرى أن يقدم أهل بريدة إلَّا حيث لا ينفع إلَّا الإقدام، وليس ذلك من خور فيه وضعف، لأن واقعة حرب (خب القبر) المعروفة عندهم باسم الطرفية التالية التي وقعت بين أهل بريدة وبين سعود بن رشيد في عام ١٣٣٣ هـ نهض بنفسه وأشرف على الواقعة التي كان هدفها محاربة ابن رشيد، وصده عن دخول بريدة، لأن الملك عبد العزيز بن سعود كان مشغولًا بحرب (العجمان) في الأحساء، ولم يكن لديه من القوة ما
стр. 3439
يرسله عاجلًا إلى القصيم لحمايته من عدوه اللدود ابن رشيد.
ولكن (أولاد علي) أهل بريدة وما يتبعها بقيادة فهد الرشودي قد تكفلوا بالتصدي بقوة السلاح لسعود ابن رشيد وصده، بل وطرده عن بلادهم منهزمًا.
وقد كان لفهد الرشودي رأي سديد في هذه الوقعة إذ كان الوقت صيفًا فنزل ابن رشيد في أطراف القصيم الشمالية، فكان أن أسرع أهل بريدة بالاستعداد بالخروج إليه وقتاله هناك، ولكن (فهد الرشودي) لم ير ذلك، وقال: الوقت حَرٌّ، ولتكن الوقعة الفاصلة معه قرب بريدة لأننا نستند إلى أهلنا، وديارنا، فيأتينا المدد من الرجال والطعام، وحتى الماء ولكن لا ندعه يدخلها، بل نعد عنها دفاعًا قويًّا إلى جانب الذين سيقاتلونه خارجها.
وكان ذلك بالفعل، إذ حدثت الوقعة في خب القبر شرقي بريدة، وكان منفصلًا عنها في ذلك الوقت، فكانت الهزيمة على ابن رشيد، كما أوضحنا ذلك فيما سبق.
وقد بلغ من آثار رأي فهد الرشودي السديد في هذا الأمر إن النساء اللاتي من عادتهم البروز كالروَّايات وهي النساء اللاتي يحضرن الماء إلى البيوت وأمثالهن اسهمن في توفير الماء لمؤخرة المقاتلين، وبرزت منهم واحدة اسمها (هيا الغانم) فجمعت الروَّايات والعبدات ونحوهن وصرن يسعفن الجرحى ويحملنهم إلى داخل بريدة من أجل تمريضهم والعناية بهم.
وكان الملك عبد العزيز آل سعود حليف أهل بريدة وملكهم المشارك لهم في حرب آل رشيد في الأحساء ويقاتل العجمان، وقد قتل أخوه سعد في تلك المعركة وجرح هو بالذات.
حدثني الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ وهو ثقة إخباري من الطراز الأول، قال: سمعت الملك عبد العزيز بن سعود يقول: ما أنسى لأهل بريدة مواقف عديدة ولكن أهمها عندي أنني كنت في الأحساء أقاتل العجمان
стр. 3440
وغيرهم فانتهز سعود بن رشيد الفرصة وهاجم بريدة لأنه يعرف أنني لا أحضر للقصيم ولكن أهل القصيم - أولاد علي هزموه حين هاجمهم وابعدوه عن ديرتهم - ثم أرسلوا إليَّ كتابًا مع اثنين من كبارهم هما منصور بن شريدة، والثاني الرشودي هو إبراهيم العلي الرشودي يقولون في الرسالة: إننا عيالكم أهل القصيم على العهد الذي خبرتنا عليه، اطمئن ولا تكون في فكر من جهة ابن رشيد أعاننا الله عليه، وإن شاء الله إن الله يبي يعيننا عليه في المستقبل، إن كان أنت بحاجة إلى مال أو رجال فحنا حاضرين الله يعينك وينصرك على أعدائك.
تسجيل التاريخ:
سجلت هذه الوقعة وما يتعلق بها في التاريخ المكتوب وأكثر من رايته فصلها تفصيلًا المؤرخ إبراهيم بن محمد القاضي: وهو معاصر لها، قال:
وقصة ذلك أنه في خامس رجب سنة ١٣٣٣ هـ: انحدر ابن سعود للأحساء، والعجمان مضيقين على الأحسا، ولما وصل ابن سعود أطراف الأحسا، وإذا هم على هالحالة دخل الأحسا واستنفر أهله مع أهل الرياض، ومشى على العجمان ولما أقبل عليهم يريدهم هجاد، وإذا هم بمنتذرين شببوا نيرانهم وانفهقوا عنها، فلما وصلها ابن سعود وورد على البيوت ضربوه قافي، ثم انكسروا أهل الحسا وتبعوهم أهل الرياض، ولا صار جريرة، قتل في هاك الكون سعد بن عبد الرحمن والكون المذكور يوم ١٥ شعبان.
إلى أن قال في الكلام على سعود بن رشيد:
ثم وافق اثنا عشر رعية أباعر على الصريف وست رعايا أباعر على الهدية، وأربع فرقان غنم كلها لأهل بريدة، فأخذهن، وعدا وهم مطمئنين، ولا تحفظوا ولا حاذروا من شي، ثم عدى في قواياهم وأكان عليهم فوق الدويحرة، وأخذ الحلة ونصف البل ونصفها سلم، هذا وكل راتع بعد الصلح ما صار رونقًا ولا إنذار، ثم رجع ونزل
стр. 3441
الطرفية بالنصف من رمضان ثم أرسل كتابين واحد لعبد العزيز بن سليم، وواحد لأهل بريدة والأمير فيها هاك الوقت فهد بن معمر مضمون الكتابين واحد، معناه: أنا ما بيني وبين ابن سعود تجاويد على الصلح وهو مات.
وجاينا رجال مع الذي صلوا على جنازته، كان تريدون تصيرون تبع لنا، فأنا أحسن لكم من ابن سعود أنا أعطيكم ما أخذ منكم، والذي أخذت منكم أرجعه عليكم، فلا والله ترون ما تكرهون.
ثم ردوا له جميع جواب متقارب بعضه من بعض، قالوا: أما الصلح فهو واقع بينكم ويشهد عليها الله سبحانه ثم البادية والحاضرة، ونحن وابن سعود ولينا طوارفك وجبناه خوفًا من الله ثم المنقود (١)، والبدو والحضر كل مطمئن بالصلح وراغب الزين (٢)، وابن سعود كل ما جا منه خط، وإذا هو ينخا ويحذر عن الخمال، ولو كان عند العرب خبرما أدركت شيء مثلما تخبر قبل، وإن شاء الله تشوف عقب، ولكن هذه خيانة بالخالق والمخلوق وعليك عون من الله تعالى.
وابن رشيد موصي حامل خطه - لابن سليم ليبلغه من رأسه، قال له: يسلم عليك سعود بن عبد العزيز (ابن رشيد) ويقول: والله يا ما أراد مني أنه يتم ديرته له وأعطيه الزود من عندي، يعرف العلم وتراي أحسن له وإلَّا والله إني معاهد الله ياعج الخيل أن يغطي عنيزة وإلَّا بريدة، قال ابن سليم للوصي:
قل له: والله ونعم، لكن ترى الكريم إذا وعد وفى وترانا دافنين رأس أبوه تحت العقدة، والحروة إن شاء الله إن حنا نحطه معه.
ثم أن ابن رشيد جهز خيله وجيشه على جانب من أطراف بريدة يبي مادة تنومسه وتروع أهل بريدة وتلين رؤوسهم، وحسوا فيه أهل بريدة
стр. 3442
وظهروا، وهو حذف على خب القبر شرقي بريدة، ولما وصله وصاروا قومه يجدون بالنخل وإذا هم يفيضون عليه يوم ثوروا أول هيق، والثاني: انسحبوا قومه وخلوا الطايح من القش بالأرض ورجع على الطرفية.
إلى أن قال: فشد ابن رشيد وانكف على ديرته في سلخ شوال (١).
ثروة فهد بن علي الرشودي:
فهد الرشودي حصل على ثروة عظيمة بمقاييس ذلك العصر، وكان حريصًا على المحافظة عليها حتى أخبرني الثقات من ذريته، أنه كان يقسم ماله ثلاثة أقسام:
قسم منه وهو ثلثه يدخره ولا ينفق منه شيئًا حذرًا من أن يحوجه الدهر إليه.
والقسم الثاني يبضع به الناس الذين يذهبون إلى الخارج كالعراق والشام وبخاصة من عقيل.
واشتهر عند الناس ونحن صغار أن (فهد بن علي الرشودي) لا يبضع كل شخص، وإنما يبضع من يصفه هو بأنه كسيب بكسر الكاف وتشديد السين المكسورة أيضًا، وهذه كلمة معروفة لهذا المعنى ولكنه كان يستعملها.
ومعلوم أن تبضيع البضاعة هي أن يدفع الشخص المقيم في بريدة - مثلًا - مبلغًا من المال الذي عنده لمن يشتري بضائع أغلبها الإبل والمواشي فيذهب بها إلى الشام، أو مصر، وما تحقق من ربح يكون بينه وبين صاحب الدراهم مناصفة في الغالب وقد يكون لصاحب رأس المال الثلث إذا كان التاجر لا يأكل من هذه الدراهم بالمعروف مدة بقائها معه، والأكل هنا معناه، المعيشة بالمعروف أي أن يتناول ما يحتاج إلى طعامه منها، ويتطلب ذلك أن يكون
стр. 3443
الذي يأخذ البضاعة ويتاجر بها ثقة - والثقات كثير.
وقد قدر ما خلفه فهد الرشودي عند وفاته في عام ١٣٦٧ هـ بثمانمائة ألف ريال أو نحوها، وهي مبلغ ضخم في ذلك الوقت.
والقسم الثالث: يستعمله في المداينات والإتجار في المواشي، وبخاصة الإبل.
وكن فهد الرشودي يطلق عليه أهل بريدة لقب العم فهد، فإذا قيل ذلك عرف بأنه فهد بن علي الرشودي ولا يحتاج الأمر إلى إيضاح آخر.
و(العم) هنا هي السيد بمعنى أنّه الذي ينبغي أن يطاع ويقدر من الجميع.
وقد اكتسب المنزلة الرفيعة في نفوس أهل بريدة لعقله وإتزانه وإنصافه، حتى كان كثير من النّاس إذا تخاصموا فيما بينهم خصومة لا تصل إلى القاضي، ذهبوا إليه وأصلح بينهم.
وقد رأيته يفعل ذلك أكثر من مرة، رغم سني آنذاك فقد عرفته معرفة حقيقية، وإن لم تكن بيني وبينه محادثة أو تعامل لأنه من طبقة والدي، بل كان أكبر منه سنًّا.
ولكنني عرفته في مواطن منها أنّه كان الوحيد من بين جماعة بريدة الذي يحضر حلقات الدرس الرئيسي في جامع بريدة التي تعقد في الضحى من الساعة الثامنة تقريبًا حتى العاشرة.
ويحضرها أناس ممن يحبون سماع الأحاديث النبوية ويطلبون التقرب إلى الله بأداء صلاة السنة التي هي ركعتان أو أربع في المسجد، ثم حضور حلقة طلبة العلم.
فكنا نقرأ الدروس على شيخنا الشيخ عبد الله بن حميد في عام ١٣٦٤ هـ على هيئة حلقة تكون كالهلال أمام الشيخ فيقرأ كل طالب في الحلقة شيئًا من كتاب معه كان اتفق مع الشيخ على القراءة فيه ويتكلم الشيخ على ما يقرأه الطالب سواء
стр. 3444
أكان ذلك أثناء القراءة حيث يتوقف الطالب عن القراءة إذا أراد الشيخ التعليق على ما يقرأه أو بعد أن ينتهي كليا من الحصة المقررة لذلك اليوم.
ثم يبدأ الطالب الذي يليه في الحلقة في القرائة.
وتتنوع الكتب وموضوعات البحث من موضوعات التوحيد والعقيدة، إلى الحديث والتفسير والفقه وأصوله.
فكان طلبة العلم يقرءون في الكتب على الشيخ، وبعض الكبار الذي لا يقرؤن في الكتب يجلسون قريبا من الحلقة ثم يشتركون في البحث حول بعض المسائل الواردة في الكتب التي قرئت ذلك اليوم، أما الذين لا يعتبرون من الطلبة فهم أناس من المحبين للخير، يحضرون هذه الحلقات ولا يشاركون في هذه البحوث.
ومنهم فهد بن علي الرشودي - كما قدمت ولم يكن يتحدث مع الطلبة ولم يكونوا يتحدثون إليه، لكونه أولًا ليس من الطلبة الذين يقرؤن على المشايخ، والثاني، لفارق السن، إضافة إلى كون أسرة الرشودي معروفة، بالتلمذة على الشيخ إبراهيم بن جاسر، ولذلك عدوا من أنصاره، أما الطلبة فكلهم من تلاميذ آل سليم الذين ينفرون من ابن جاسر، وقد تكرر ذلك أي تردده على حضور الدروس العلمية في الجامع لسنوات حتى توفي ﵀.
الحال الثاني الذي كنت أراه فيه، وربما كان ذلك يحدث يوميًا أنّه كان يجلس في دكان محمد بن عبد الله الأردح، وكان مقابلًا لدكان والدي في أعلى سوق بريدة الذي صار أي أعلى السوق يعرف بالقشلة.
فكانت دفاتره التي يكتب فيها معاملاته مع النّاس، في يد محمد الأردح وهو الذي يكتب له تلك المداينات، وهذا كان بطبيعة الحال في تلك المرحلة التي ربما صح تحديدها تقريبًا بأنها بدأت من عام ١٣٥٩ هـ.
стр. 3445
وبرنامجه الذي كنت أراه فيه أنّه يمر بالجردة، التي هي الميدان الرئيسي الذي تباع فيه المواشي من الإبل والغنم وهو مثل سائر عقيل ممن يتاجرون بالمواشي وبعضها تجارة غير مباشرة.
وسوق المواشي يبدأ مبكرًا وينتهي في نحو الحادية عشرة أو العاشرة والنصف ضحى، فينحدر إلى السوق فيجلس في دكان محمد الأردح ويجلس معه فيه بعض أولاده، أو الذين لهم به علاقة.
وكان يفعل ذلك أيضًا بعد العصر.
وذلك قبل أن يكون له دكان خاص به في أعلى سوق بريدة من جهة الجنوب ليس وراءه إلا الشارع الذي يذهب جنوبا ويدع (مسجد حسين) الذي كان بعض النّاس يعرفه بمسجد الجردة على يساره.
إنّ كثيرًا من رجال عقيل وأثريائهم ولو كانوا قادرين على استئجار الدكاكين لم يكونوا يفعلون ذلك، لأن تجارتهم هي في الإبل يشترونها من نجد ويذهبون بها إلى الشام ومصر ويكسبون من ذلك مكسبًا كبيرًا في بعض الأحيان، وقليلًا في أحيان أخرى.
أما الإفلاس فإنه نادر بينهم، ولا يكون إلا من جائحة عارضة كإغارة أناس من اللصوص لأعداد قليلة أو متفرقة من عقيل وأخذ ما معهم، وإلَّا فإن عقيلًا يحمون أنفسهم بأنفسهم من المعتدين عليهم من الأعراب وغيرهم كما قال النّاس في أمثالهم: (عقيل دون عِقلهَا) أي عقل إبلها وهي جمع عقال وهو الحبل القوي الذي يعقل به البعير لئلا يشرد.
وقالوا أيضًا: "عقيْل وليل، ومن جاهم ما جا أهلهِ.
стр. 3446
لقد كان النّاس يعظمون (العم فهد الرشودي) تعظيم تقدير واحترام، وليس تعظيم خوف، لأنه أولًا عرف بالإنصاف والتدين، ولا يتصور أن يظلم أحدًا عامدًا، والثاني أنّه لم يكن له حزب مقرب منه، ويكون النّاس غيره مبعدين عنه، بل كان لكل النّاس حتى عندما افترق المشايخ وطلبة العلم في بريدة، ثم في القصيم إلى فريقين أحدهما فريق آل سليم، والثاني اتباع الشيخ ابن جاسر وعرف النّاس أن أسرة (الرشودي) مع الفريق الثاني لم يكن العم فهد متعصبا، أو منحازا إلى فريق دون فريق.
وينبغي أن ننوه هنا أن فريق الشيخ ابن جاسر هم الذين من أفكارهم أن الدولة التركية دولة مسلمة وأن ديارها وديار الأمصار الإسلامية ليست ديار مشركين، ولذلك لا بأس بالسفر إليها وكان أكثر عقيل، إنّ لم يكونوا كلهم معهم لأنهم الذين كانوا يذهبون إلى تلك الديار يتاجرون فيها، وقد يقيمون فيها أحيانا إقامة طويلة.
أما الفريق الذين هم آل سليم وأتباعهم فإنهم يرون أنّه لا يجوز السفر إلى بلاد المشركين ويعتبرون أن وجود القبور التي تعبد من دون الله وظهور أنواع من الشرك والبدع فيها تجعل تلك البلاد لا يجوز السفر إليها.
لذلك يهجرون من يسافر إليها هجرا شرعيا وهو أن لا يصاحبوهم، ولا يدعوهم إلى وليمة أو نحوها، إلا أن يتوبوا ويعلنوا براءتهم من الشرك والمشركين.
ولكن الدولة استقرت للحكومة السعودية التي يواليها آل سليم وأتباعهم، لذلك صار القضاة منهم وصارت ولاية الجهات الدينية وهي قليلة نادرة تتلخص في غير القضاء بالإمامة في المساجد، والخطابة في الجوامع، والولاية على الأوقاف الخاصة التي ليس لها نظار معروفون.
وقد سبق ذكر شيء من ذلك في ترجمة الشيخ ابن جاسر ﵀.
стр. 3447
نماذج من معاملات فهد الرشودي:
معظم الوثائق المتعلقة بالعقود والمبايعات التي كانت لفهد الرشودي كانت شراء عقار أو نحوه.
ومن ذلك هذه المبايعة بين عقيل العلي البريدي (بائع) وفهد العلي الرشودي (مشتر).
والمبيع سهام معلومة في ملك أبيه علي البريدي الذي هو معروف في (حويلان) وقد درج على أبيه (يعني علي البريدي) من عبيلان بن جاسر، وعبيلان من أسرة الجاسر الكبيرة ومعروف بل مشهور في وقته، وتلك السهام أي الأجزاء من الملك قليلة متداخلة فصلتها الوثيقة تفصيلًا.
والثمن خمسة وأربعون ريالًا.
وقد شهد على ذلك محمد العثمان بن عثيم وكاتبه عبد الرحمن بن محمد الحميضي، والتاريخ تسعة ذي الحجة عام ١٣٣٣ هـ.
وكتبت في أسفل هذه المبايعة عبارة:
(خاص ثلث المرحوم حمد العلي الرشودي).
стр. 3448
ووثيقة مبايعة أخرى البائع فيها هو محمد بن عبد العزيز بن جمعة والمشتري فهد العلي الرشودي.
والمبيع صيبة أي حصة لمحمد بن عبد العزيز بن جمعة من ملك أبيه الكائن في خب حويلان.
والثمن مائة ريال فرانسه منهن ثمانون ريالًا قبضهن سليمان بن دحيم العليط
стр. 3449
ومحمد السويِّل عن دين ثابت في ذمة محمد لهما قدرهنا به صيبته المذكورة.
والشاهد عليها هو عبد العزيز بن صالح الحماد، وهو الحماد الرديني، وهو من كبار جماعة عقيل ومن الشخصيات المهمة كما عرفته بعد ذلك ﵀، والكاتب هو عبد الله بن عبد الرحمن الحميضي، ولكن ذلك بعد كتابة الأولى بأكثر من ٢٠ سنة.
والوثيقة التالية باع فيها عبد الله بن منصور بن فهد آل بطي حال كونه وكيلا على قضاء دين أبيه من جهة القاضي الشيخ صالح بن قرناس على فهد العلي الرشودي ملك أبيه وهو جزء واحد من سبعة أجزاء لوفاء دين أبيه، بثمانين ريالًا (فرانسا).
والشاهدان على ذلك عبد الله الراشد البطي وسليمان بن محمد بن عمرو، والكاتب هو العالم الشهير القاضي إبراهيم بن حمد بن جاسر، والتاريخ ٩ صفر من عام ١٣٢٥ هـ.
стр. 3450
ووثيقة أخرى تتعلق بشراء دكانين اشتراهما فهد العلي الرشودي من فهد العبد الرحمن الربدي من حصة الربدي المذكور من الدكاكين التي في بيت ابن شملان.
وهذه الوثيقة مهمة، لكونها بخط أخيه إبراهيم بن علي الرشودي أحد كبار جماعة أهل بريدة.
والشاهدان فيها هما محمد بن إبراهيم المطوع من أسرة المطوع الآتي ذكرها في حرف الميم والثاني محمد بن عبد الرحمن الربدي.
والتاريخ ١٥ شوال عام ١٣٤١ هـ.
стр. 3451
ومثلما كانت الوثيقة المذكورة بخط إبراهيم بن علي الرشودي آخي فهد فإن الوثيقة التالية أسريَّة أكثر فهي تتعلق ببيع أقرَّ به سليمان بن محمد الرشودي ابن عم فهد العلي الرشودي، والمبيع صيبته أي حصته وما يستحق من زوجته منيرة العلي الرشودي التي قد توفيت من دون شك، وإن لم تذكر الوثيقة ذلك.
والمبيع حصة مذكورة في بعض العقارات، وثمنه مائة ريال.
الشاهد فيها حمد بن إبراهيم النودلي، والكاتب عبد الله الحنيشل بتاريخ ٧ ربيع الأول عام ١٣٢٩ هـ.
стр. 3452
ولكن الصورة التي نعرضها بعد هذه هي بخط عبد الرحمن بن محمد الحميضي نقلها من خط ابن حنيشل في ٩ ربيع الثاني عام ١٣٤٨ هـ.
ومن هذا الفصل من الحديث عن أحوال فهد بن علي الرشودي إيراد وثيقة مقاسمة بين زعيمي بريدة في وقتهما وهما فهد بن علي الرشودي وعبد العزيز بن حمود المشيقح.
وموضوع القسمة ملك أي نخل كانا اشترياه من ورثة الأمير حسن بن مهنا أمير القصيم السابق.
стр. 3453
وقد اتفقا على شروط اقتسام هذا الملك بينهما وفق ما هو مذكور بخط كاتبها سليمان بن عبد الرحمن البطي الواضح.
والشاهدان فيها هما إبراهيم الصالح الرشودي وصالح العبد الله التويجري - من التواجر أهل الصباخ.
وتاريخها: ١٨ شعبان من عام ١٣٦١ هـ.
стр. 3454
أما مداينات فهد الرشودي فإنها قليلة منها هذه التي عقدت بينه وبين علي الخلف السيف، وهو شخص مهم أثرى بعد ذلك وصار يداين النّاس، بل صار من وجهاء بريدة.
والدين هو مائة وتسعون ريالًا ثمن فردة سواحلي، والفردة إحدى الربطتين الكبيرتين اللتين تحملان على الجمال التي تحمل الأثقال، والسواحلي: قماش ردئ كان يسمى (الخام) أيضًا، وقد باع فهد الرشودي على علي الخلف هذه الفردة لأنها سلعة يبيعها على الخلف السيف بسهولة.
وقد وصف علي بن خلف السيف بأنه راعي الصوير، والصوير أحد خبوب بريدة الشرقية كانت الفلاحة فيه مزدهرة، ثم قلت أهميته.
والكاتب محمد بن إبراهيم المطوع في ١٢ ذي الحجة من عام ١٣٣٣ هـ.
стр. 3455
وهذه المدينة التي على أخيه سليمان بن علي الرشودي، وكتبها سليمان بخطه.
والدين مائة وأحد عشر ريالًا ونصف عوض تمر، أي أنّه ثمن لتمر أخذه سليمان من فهد.
والشاهدان هما عثمان الصبيحي ودحيم الغضية، وتاريخه ١٤ صفر من عام ١٢٣٨ هـ.
стр. 3456
خط فهد الرشودي:
خط فهد الرشودي ردئ إلى درجة تصعب قراءته على من لم يعان قراءة الخطوط الرديئة، بل قد يقال: إنّ ذلك من حيث الرسم والإملاء، ولكنه جيد من حيث المعنى واستقامة العبارة.
وقد وقفنا على نماذج عدة منه أكثرها وصايا لنساء من محارمه ممن لا يصح أن يراهن الرجال الأجانب من الكتبة المجيدين للكتابة.
ومنها هذه الوصية التي أوصت بها حصة بنت دحيم العلي الرشودي، وموادها أنها أوصت بثلث ما خلفت أي ثلث مالها بعد موتها في أعمال البر والمقدم: ضحية واحدة لها ولوالديها والوكيل على ذلك عمه (عمها) ولم يذكر اسمه حتى يرشد ولدها اي ابنها (ولم يذكر اسمه) وأوصت بأن يجعل ثلثها في حقها من النخل ولم ينكر وصف لذلك النخل، ولم يذكر موقعه، ولكن الوكيل وهو عمها خابر أي عارف بثلث حقها من النخل، وهو سهمان من خمسة عشر سهمًا ( .... )
стр. 3457
الجنوبي شهد بذلك كاتبه فهد العلي الرشودي، حرر في رجب ١٢ سنة ١٣٤٧ هـ.
والوصية التالية لامرأتين وليست لامرأة واحدة، هما لولوه وهيلة بنات فوزان العثمان أوصتا بثلث ما خلفتا (من مال) في أعمال البر من كسوة عار، وإطعام جائع، مقدم في الوصية ثلاث أضاحي، كل واحدة لها أضحية ولوالديهما ووالدي والديهما ضحية.
الوكيل - يعني الوصي - يخشر عمتهن طرفه في أضاحيهن، وعمتهن طرفة متوفاة، ولذلك ذكرتا أنها تخشر أي تشترك معهما في ثواب الأضحية.
والوكيل ولدهن فوزان ومن بعده أخوه عبد الله الفوزان، وعبارة ولدهن (فوزان) فيها تجوز، إذ لا يمكن أن يكون ولدا بمعنى أن يكون ابنًا لهما معًا فهو ابن لإحداهما.
والشاهدان علي بن فهد الرشودي وهو أكبر أبناء فهد العلي الرشودي وخالهن عبد العزيز الفهد الرشودي، ومن هذا اتضحت قرابتهن لفهد العلي وأنهن بنات لأخيه.
стр. 3458
والتاريخ ٥ شوال عام ١٣٥٢ هـ.
وهذا نقل هذه الوصية إلى حروف الطباعة، مع إثبات الغلطات الإملائية.
"بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما أوصت به الحرتان العاقلتان لولوه وهيلة بنات فوزان العثمان من بعد ما شهدتا إلا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن عيسى عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنّة حقّ والنار حقّ، وأن النّاس إذا ماتوا يبعثون، وأوصن في ثلث ما خلفن في أعمال البر من كسوة عاري وإطعام حائع مقدم بالوصية ثلاث أضاحي كلّ وحدة لها ضحية ولوالديهن ووالديي والديهن ضحية والوكيل يخشر عمتهن طرفة في أضاحيهن، والوكيل ولدهن فوزان، ومن بعده أخوهن عبد الله الفوزان شهد بذلك على الفهد الرشودي وكتبه عن أمرهن
стр. 3459
عمهن فهد العلي الرشودي، والله خير شاهد ووكيل وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد صلي الله عليه وسلم في ٥ شوال ١٣٢٥ هـ.
كتب من الملك عبد العزيز إلى الرشودي والمشيقح:
هذه كتب من الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود إلى فهد الرشودي وأخيه إبراهيم وحمود بن عبد العزيز المشيقح.
وهؤلاء الثلاثة ظلوا ردحًا من الزمن زعماء بريدة الذين لا يزاحمهم على الزعامة فيها أحد، فيكتب الملك عبد العزيز كتبه إلى هؤلاء الثلاثة وقد يكتبها على قلة إلى اثنين فقط هما فهد بن علي الرشودي وحمود بن عبد العزيز بن مشيقح.
وسوف نورد نماذج لذلك.
فمنها هذه الرسالة المؤرخة في ٢٠ شوال عام ١٣٤٧ هـ.
بعدها ورقة عنوانها: لاحق خير:
стр. 3460
ومعنى لاحق خير: أن هذه الورقة تابعة لكتاب قبلها مؤرخة بتاريخه، ولذلك لم يذكر تاريخها فيها.
وهي تتعلق بالموضوع نفسه، وهو الخلاف الذي وصل إلى درجة الحرب بين الملك عبد العزيز آل سعود وبين زعماء كبار من زعماء القبائل البدوية.
وهذه الرسالة المختصرة الموجهة إلى فهد وإبراهيم العلي الرشودي، وعبد العزيز الحمود بن مشيقح وليس فيه إلا الإفادة بالخبر والسكون والطمأنينة.
стр. 3461
وكان الملك عبد العزيز قد أرسل هذه الرسالة إلى جماعة أهل بريدة المذكورين يتحدث فيها، عما حصل من زعماء بعض القبائل وكبارها ويذكر كيف حاول أن يصلح الأمر بينهم وبينه بإرساله بعض المشايخ العلماء.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل إلى جناب الإخوان الكرام فهد آل علي الرشودي وإبراهيم وعبد العزيز آل حمود بن مشيقح سلمهم الله تعالى آمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته على الدوام مع السؤال عن أحوالكم أحوالنا من كرم الله جميلة.
بعده نعرفكم أننا بعد اجتماع ابن بجاد وقومه والدويش أرسلنا لهم جماعة من كبار المسلمين ودعوناهم للشريعة وأبوا، ثم أرسلنا الشيخ العنقري إلى
стр. 3462
الأرطاوية هو والشيخ أبو حبيب ودعوهم لله وللشريعة وأبوا، ثم بعد ذلك جاء الشيخ العنقري هو وأبو حبيب، وجاءنا فيصل الدويش معهم وأعطيناه مطلوبه.
من طرف الدويش ومن تبعه راح منا على خيارين: إمّا أن ينزل سلطان بن حميد على حكم الشريعة وإذا أبى فليرحل الدويش ويتركه، وبعد ما راح منا اتفق هو وإياهم ولم يمتثلوا للشريعة، ثم بعد ذلك استعان المسلمون عليهم بالله ومشوا عليهم بعد أن أرسلنا لهم رسلا ومكاتيب ندعوهم ولا أجابوا إلَّا بكل علم ( ... )، واستعان عليهم المسلمون بالله وهزمهم الله وسلم المسلمون من شرهم وجازاهم الله، ولا نقول إلَّا حسبنا الله ونعم الوكيل، أحببنا إخباركم بذلك والنقائص كثيرة، نرجو أن الله تعالى ينصر دينه، ويعلي كلمته ويذل أعداءه.
هذا ما لزم تعريفه مع إبلاغ السلام العيال، ومن عندنا الإخوان والعيال يسلمون والسلام.
(٢٠ شوال ١٣٤٧ هـ = ١٩٢٨ هـ)
والرسالة التالية مهمة، لأنها تتناول ناحية أخرى وهي طلب الملك عبد العزيز من الجماعة الثلاثة المذكورين قرضا ليس على هيئة نقود، وإنما هو إبل طلب منهم أن يشتروها ويرسلوها إليه، على أن يدفع إليهم ثمنها فيما بعد، مع العلم أنهم يعرفون كما يعرف هو أنّه لابد من دفع ثمنها لهم.
ومع أن خطها واضح فإن فيها بعض مصطلحات، وعبارات لا يفهمها الجيل الجديد لذلك رأيت كتابتها بحروف الطباعة والتعليق على ما جاء فيها مما يحتاج إلى تعليق.
وهي مؤرخة في ٢٨ جمادى الثانية عام ١٣٤٤ هـ.
стр. 3463
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل إلى جناب الإخوان الكرام فهد العلي وإبراهيم العلي الرشودي وعبد العزيز الحمود المشيقح سلمهم الله.
стр. 3464
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مع السؤال عن حالكم، أحوالنا الحمد لله جميلة، بعد ذلك هالسنة إن شاء الله نبي عيالنا يحجون ولابد الرشيد كذلك ومعلومكم نحتاج لرحلة كثيرة ولابد من تحضيرها من اليوم، والحجاز ما فيه بعير صالح، وأيضًا حنا اليوم الحاضر ما عندنا دراهم، وإن كان الخير واجد من فضل الله لكن الشي بقبول ما بعد صار دخل له راس، الداخل اليوم يا الله يكافي أمور أهله، ولكن الخير في إقبال إن شاء الله، بقي بالحاضر حنا نبي لنا من أربع مائه مطيه إلى خمس مايه يكون لا تقصر عن الأربع وإن كملت الخمس فلا تذخرون ومطلوبنا إمّا رحول جبره سمين شيب أو ذلول ناطح، الجمل والناقة والحاشي ما لنا فيهن نظر، موجب تدرون هالدرب يبي شي ناطح أيضًا شيء يصير له أولة وتالية، وحنا كاين عندنا معلوم إنكم ما عندكم دراهم لكن تشوفون لكم سنع تاخذون بضايع من النّاس وتشترون المطلوب وجميع ما تشترون فهو على نصيبنا سالمه وغادره علينا، وحنا نجري لكم العشر أحد عشر.
والظن إن شاء الله إننا نرسل لكم الدراهم كلها أو ما يقاربه قبل تكملون المشترا موجب مثل ما ذكرنا لكم الخير بإقبال من كلِّ جهة فأنتم مثل ما عرفتكم توكلوا على الله واهتموا في مشترا المطلوب وهذي نفعة للطرفين لكن مثلما بينا لكم الذكر والناقة والدق مالنا فيهن نظر لأجل ما همب صالحات لها الدرب ولا فيهن لنا سدّ نوب، المطلوب إمّا رحول شبب ناطح وإلَّا ذلول جبره سمين وتكرير التعريف مما بالخاطر والا مثلكم الإشارة كافية.
عاد إن شاء الله حال ورود خطنا تراودون في هالأمر وتوكلون على الله وتهتمون في مشتراه ومثل ما عرفناكم لا يقصر عن أربع مايه وإن أمكن تكملون خمس ميه فهو المطلوب.
بقينا سبحان الله إن كان تشوفون إنكم ما تمكنون على قضبان اللازم
стр. 3465
فأنتم بينوا لنا ذلك وعرفونا بخط حالًا عطوه ابن مبيريك (١)، وهو يسعى ساعي (٢)، وهذا موجب حرصنا على عدم فوات الوقت والا نجزم انكم احرص منا على ها الأمر، مخصوص وهو لها الدرب وحنا ننتظر جوابكم ونرجو أن الله يوفق الجميع لما به الخير.
هذا ما لزم تعريفه ودمتم محروسين.
حرر في ٢٨ جمادي الثانية ١٣٤٤ هـ.
التعليق على الرسالة:
هذه الرسالة مهمة من الناحية التاريخية، ومن الناحية المالية، إذ تبين مدى قدرة الملك عبد العزيز المالية في تلك الفترة عام ١٣٤٤ هـ.
ثم إنّها توضح شيئًا مهما آخر، بل أكثر أهمية وهي أسلوب الملك عبد العزيز آل سعود في طلب القرض من أهل بريدة لتمويل شراء إيل ليحج عليها مع حاشيته، فهذا الأسلوب ليس أسلوب حاكم متسلط، بل حتى ولا أسلوب حاكم عادل، بل هو أفضل من ذلك، إذ هو كأسلوب التاجر الذي يريد أن يشتري سلعة بمكسب من رجلٌ آخر، فهو يحسن له السلعة ويعطيه فيها ١٠% ربحًا.
وهذا يدل على صلاح الملك عبد العزيز في نفسه، وعلى حسن سياسته ورفقه بالمواطنين الذين تحت حكمه.
وقد بين الغرض من الرسالة وهو أنّه يريد أن يحج عياله، وسيحج في تلك السنة ١٣٤٤ هـ، والمراد بالعيال هنا النساء ومن في حكمهم، ولكن من المعلوم أنّه يتبعهن جماعة من النساء من عبدات مملوكات وخادمات ومن حرس.
стр. 3466
وذكر ما نعرفه نحن من أن الحجاز يريد منطقة مكة المكرمة ما فيها بعير صالح لمثل هذه المهمة التي تتطلب سير شهر على وجه التقريب لقطع المسافة من الرياض إلى مكة ذهابا ومثلها إيابا، ولا يصبر على ذلك إلَّا بعير قوي على شيء من حسن الحال كالسمن والسلامة من العيوب.
لذا طلب أن يشتري الجماعة المذكورون وهم الرشود والمشيقح له أربعمائة مطية، والمطية هي البعير الذي يركبه المسافر، وليس كل بعير يصلح مطية، وذكر أن أربعمائة بعير هي الحد الأدنى والأعلى هو خمسمائة.
ولكنه ذكر شيئًا مهما جدًّا وهو أنّه لم يكن عنده دراهم حاضرة، إذ قال: (وأيضًا حنا اليوم الحاضر ما عندنا دراهم) والمراد دراهم يشتري بها هذه الإبل التي يريد أن يحج عليها هو وحاشيته ولكنه استدرك قائلًا:
وإن كان الخير واجد، أي الدراهم كثيرة من فضل الله، ومع ذلك فالشيء بقبول، يريد أنّه في انتظار خير كثير من الدراهم، وبقبول: أي س تقبل الدنيا عليه، وقد صح ما ذكره، إذ تفجرت ينابيع البترول في البلاد وجاء الخير الكثير بعد ذلك، وإن كان ذلك بعد سنوات طويلة، وطولها على المحتاجين للنفقات الضرورية أكثر.
وقد لخص حال الدولة السعودية المالية في ذلك التاريخ بقوله:
"والدخل اليوم با الله يكافي أمور أهله، ويريد بذلك أن دخل الحكومة لا يكاد يكفي لمصروفاتها".
ثم ذكر أوصاف الإبل المطايا التي يريدها بأنها رحول جبره، والجبرة: الغليظة الأعضاء أي الكبيرة الحجم، ووصفها بأنها تكون سمينة أو ذلول ناطح، والذلول الناقة الذي اعتادت على الركوب من قبل، وصفها بأنها تنطح أي تنطح السفر بمعني تقدر على قطعه وتتحمل ذلك.
стр. 3467
ثم بين الذي لا يريد من الإبل بقوله:
الجمل والناقة والحاشي ما لنا فيهن نظر".
وذلك أن الجمل ليس سهل الإنقياد للمسافرين والحاشي هو الصغير من الإبل لا يتحمل نقل الحمل، والناقة التي هي مجرد أنثى من الإبل لم تعود على حمل الأثقال.
وعلل ذلك بقوله: هالدرب يعني الطريق إلى مكة المكرمة من الرياض على الإبل يحتاج إلى شيء من المطايا يصير له أولة وتالية.
والتالية: إنّه تستمر قوته وصلاحيته إلى حين العودة إلى الرياض بعد انقضاء الحج.
خطة التمويل:
ذكر الملك عبد العزيز بعد ذلك شيئًا من العذر للجماعة وهو أنّه يعرف أنهم ليس عندهم دراهم، مع أنّه يعرف أنهم عندهم دراهم، وأنهم أغنى أهل نجد في تلك الحقبة من التاريخ، ولكن يريد ألا يحرجهم - كما يقال -.
ولذلك لم يكف عند طلب المطلوب منهم بأن يشوفون لهم سنع: يأخذون بضائع من النّاس ويشترون المطلوب، والبضائع - جمع بضاعة - وقد شرحتها في أكثر من مناسبة في هذا الكتاب وهي أن يجمع التاجر أو الذي يريد أن يستثمر المال مالا من عدد من النّاس يستثمره بجزء من الربح والباقي لصاحب المال يرده إليه مع رأس ماله.
فالملك عبد العزيز يقول: جميع ما تشترون - يعني من الإبل فهو على نصيبنا سالمه وغادره علينا، فالغادر هنا هو الهالك، وذلك مثل أن يموت بعير أو أكثر بعد شرائه فالملك عبد العزيز يتحمل ثمن ذلك.
стр. 3468
ثم ذكر النقطة المهمة وهي قوله:
وحنا نجري لكم العشر أحد عشر".
أي يعطيهم ١٠% ربحًا.
وذكر ترغيبًا لا يقوله الملوك الظلمة أو حتى الملوك العادلين المستفيدين وهو أن هذا الأمر فيه نفعة للطرفين، يعني لهم وللحكومة.
وحملهم على سرعة الإنجاز ولكن بصيغة كريمة وهو قوله:
"عاد إن شاء الله حال ورود خطنا تراودون في هذا الأمر" وتراودون: تتشاورون في الأمر وتبحثونه من جميع نواحيه.
ثم قال عبارة ألطف والين، بل هي أرحم بقوله:
"بقينا - سبحان الله - إن كان تشوفون انكم ما تمكنون على قضيان اللازم، فأنتم بينوا لنا ذلك، وعرفونا بخط - أي رسالة - حالًا عطوه ابن مبيريك وهو مبارك بن مبيريك أمير بريدة - وهو يسعي لنا ساعي.
فلم يجبرهم على تنفيذ أمره الذي فيه مصلحة للجميع، بل قال أخبروا أمير بريدة ابن مبيريك وهو يرسله مع ساعي، والساعي هو الذي يحمل رسالة مهمة ليس له مهمة إلَّا حملها ويوصلها بسرعة.
والرسالة التالية مختصرة من الملك عبد العزيز آل سعود إليهم يخبرهم فيها أنّه وصله منهم خمسمائة مطية والمطية هي البعير الذي يصلح للركوب وهذه الإبل هي التي سبق أن طلب منهم إرسالها إليه في الرسالة السابقة، ويذكر في هذه الرسالة أنّه ليس لديه دراهم في ذلك الوقت، ولكنه سيرسلها أو ما يقاربها إليهم، ويعني أن ذلك سيكون قريبًا.
стр. 3469
رسائل أخرى من الملك إلى أهل بريدة:
لقد اعتاد الملك عبد العزيز آل سعود ﵀ أن يرسل رسائل إلى أهل بريدة موجهة إلى أناس بارزين فيها، ومنذ منتصف العقد الرابع من القرن الرابع عشر أو قبله بقليل صار يقتصر في إرسال الرسائل على فهد بن علي الرشودي، وأخيه إبراهيم وعبد العزيز بن حمود المشيقح على اعتبار أنهم يمثلون أهل بريدة.
ووجدته في أحيان قليلة يقتصر في إرساله الرسالة على فهد الرشودي وعبد العزيز بن مشيقح أي على اثنين وسيأتي أنموذج لذلك في رسم (المشيقح) في حروف الميم.
ولكنني وجدت رسالة منه موجهة إلى كافة أهل بريدة، وذلك لكونها تتضمن توجيهات بنصائح موجهة للجميع، ويمثل ذلك هذه الرسالة المطولة:
стр. 3470
وهذا نقلها بحروف الطباعة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
من عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل إلى كافة أهل بريدة وفقنا الله وإياهم لما يحبه ويرضاه وجعلنا من حزبه ومن والاه.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد ذلك تفهمون ما مَنَّ الله علينا من النعم ودفع عنا من النقم الذي من أجلها وأعظمها نعمة الإسلام وغير ذلك من النعم التي لا تحصى وقد تعالى: "لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إنّ عذابي لشديد" ولكن العياذ بالله القلوب في صدد من ذلك وأغلب النّاس ما يرى هذه النعمة نعمة، إنما يرى النعمة نعمة الحيوان وهي العرض الخسيس من الدنيا، وقد قال تعالى: (إنّ من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فأحذروهم).
وأما النعمة الكبرى فلا طالعناها إلَّا بالعين لا بالقلب وقد قال تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) فصحَّ أن هذه هي النعمة الكبرى، فالعارف بها والعامل بها هو العاقل التاجر وهو من جملة الذين أنعم الله عليهم، والتارك لها والناقصة بعينه هو الضعيف المفلس الذي لا عقل له ولا حياة.
فالآن وفقنا الله وإياكم للخير تفهمون قول الله سبحانه: (وما خلقت الجنّ والإنس إلَّا ليعبدون) وقوله تعالى: (إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم) وأنتم تماديتم في هذه الغفلة وغرتكم الأماني حتى أوصلتكم إلَّا أحوال الأول: عدم الفرق في الدين وعدم معرفة الولاء والبراء، واحد يعرف ذلك ويترك العمل به لأجل