ومن هنا كانت بداية (مكتبة جامع بريدة)، وهذا شيء عرفته وعايشته.
وبذلك يتضح أن ما ذكره الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام عن الشيخ عمر بن سليم من أنه طلب من فوزان السابق أن يضع مكتبته التي هي من أكبر المكتبات في بريدة في جامع بريدة غير صحيح وهو محض خيال ممن رواه للشيخ عبد الله بن بسام، إلا إذا كان الشيخ عمر قد طلب من الشيخ فوزان ذلك مجرد طلب لم ينفذ، ولم نعلم به.
وأما مكتبة الشيخ فوزان السابق التي قد يتوهم بعضهم أنها في مقر خاص بها، فإنها لم توجد قط كما يعرف في المكتبة، وإنما كان الشيخ فوزان السابق له مال وكتب وغيرها، وقد وكل آل مشيقح على جميع ماله في بريدة فكانوا يحفظونه ويتصرفون فيه لمصلحته حسبما اتفقوا معه عليه.
وعندما عينني الشيخ عبد الله بن حميد في مكتبة الجامع عام ١٣٦٤ هـ.
وعرفنا أن للشيخ فوزان السابق كتبا موجودة عند آل مشيقح لأنهم كانوا وكلاءه، فذهبت للشيخ عبد الله بن عبد العزيز المشيقح وهو من كبار الجماعة آنذاك، وطالب علم حافظ للقرآن، وقلت له بحماسة الشباب: يا أبوسليمان يذكرون أنكم عندكم كتب لفوزان السابق، والآن فتحت مكتبة في الجامع فلعلكم تحتسبون وتحطونها في المكتبة.
فقال وهو طالب علم: تعرف - يا أخ محمد - أن هذه الكتب ليست لنا وإنما هي للشيخ فوزان السابق، ولا يجوز لنا أن نتصرف فيها مثل هذا التصرف إلَّا بأمره، فإذا كان الشيخ عبد الله بن حميد يرى هالراي - فقاطعته قائلا:
نعم، الشيخ عبد الله يرى ذلك - قال: يكتب الشيخ عبد الله بن حميد كتابًا للشيخ فوزان ويطلب فيه أن يخبرنا أننا نعطي كتبه لمكتبة الجامع.
فأخبرت شيخنا الشيخ عبد الله بن حميد بذلك فوافق عليه وطلب مني أن
стр. 3992
أعد كتابًا للشيخ فوزان السابق، وأرسله إليه في مصر، فجاءت الموافقة من الشيخ فوزان السابق على ذلك، وضمت كتبه إلى مكتبة الجامع.
وقد ذكرت في كتاب (يوميات نجدي) تاريخ هذه الوقعة.
أنموذج من ختم الشيخ فوزان السابق على بعض كتبه
أما ما يتعلق بالكتاب الذي ألفه الشيخ فوزان السابق وعنوانه: (البيان والإشهار لكشف زيف الملحد الحاج مختار).
فقد أوضح أمره الدكتور محمد الشويعر جزاه الله خيرًا فقال فيما نشرته له مجلة الدرعية تحت عنوان: (رجل العلم والسياسة والدعوة: فوزان السابق الفوزان) - ١٢٧٥ - ١٣٧٣ هـ:
عندما كنت بالقاهرة طالبًا في الدراسات العليا ما بين عام ١٩٧٢ - ١٩٧٨ م، وقعت في يدي نسخة من كتابه: (البيان والإشهار لكشف زيغ الملحد الحاج مختار)، الذي كان بينه وبين الشيخ فوزان مناظرة حول حقيقة التوحيد، ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومناصرة الإمام محمد بن سعود لها، وقد قال في مقدمة كتابه ذلك الذي
стр. 3993
كانت طبعته الأولى في مطبعة أنصار السنة المحمدية بمصر القاهرة، في الخامس والعشرين من شهر ذي القعدة الحرام عام ١٣٧٢ هـ (١)
"أما بعد: فإني لما كنت في دمشق الشام، وذلك في سنة تسع وعشرين وثلاثمائة وألف من هجرة المصطفي (ص)، جمعتني فيها مجالس مع أناس، ممن يدَّعون العلم، وآخرين ممن ينتسبون إليه، فكانوا لا يتورّعون عن الاعتراض على أهل نجد، والطعن عليهم في عقيدتهم، وتسميتهم بالوهابية وأنهم أهل مذهب خامس، والغلاة من هؤلاء يكفرونهم".
ثم قال: وقد جرت بيني وبين من ذكرتهم مباحثات عديدة، في المسائل التي هي أصل أصول الدين، وهي التي أرسل الله بها رسله، وأنزل بها كتبه، ليكون الدين كله له وحده لا شريك له؛ إذ حصل في هذه المسائل تلبيس على الجهّال، من أناس يدّعون العلم، مع أنهم ليس لهم حظ من العلم، ولا نصيب من الفهم (٢).
ثم إني توجهت إلى مصر وأقمت فيها، وفي سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة وألف من الهجرة تلقيت كتابًا من الشام ومعه رسالة، ولما فتحت الكتاب وجدته من بعض الذين اجتمعت معهم في الشام، وحصل البحث بيني وبينهم في هذه المسائل التي أشرت إليها، يقولون لي: قد أرسلنا إليك بهذه الرسالة كي ترد عليها إن كان عندك جواب.
فعرفت من كتابهم هذا، وتحدّيهم لي فيه، بطلب الجواب عن تلك الرسالة أنهم قد استعظموها في نفوسهم، معتقدين أنها الغاية القصوى في فصل الخصام بيني وبينهم في هذه المسائل التي دار فيها البحث، فلما اطلعت على هذه الرسالة المذكورة، إذا هي لرجل من المعاصرين من أهل الشام يسمى: الحاج مختار بن الحاج أحمد باشا المؤيّد
стр. 3994
العظمى، سمّاها: "جلاء الأفهام عن مذهب الأئمة العظام (١) ".
ثم بدأ بعد المقدمة في رده الذي بلغ ٣٧٤ صفحة في المتن، دون الفهرس.
قال الدكتور الشويعر: أعجبني كتاب الشيخ فوزان هذا عندما اطلعت عليه في مصر، كما أعجب غيري ممن ذكرت له بعضًا من محتوياته العلمية والعقدية، حتى كانت فرصة عندما أهداني الأخ الكريم الأستاذ: محمد بن علي الخضير نسخة منه؛ مبديًا رغبة من ابنه محمد بن فوزان بأن يطبع هذا الكتاب، حيث طبعه هو بالتصوير، وبنسخ محدودة ولم يحقق الانتشار الذي كان يؤمله، وقد سميت هذه الطبعة الخامسة، ولكن في حقيقة الأمر أنها الثانية، حيث لم نجد بعد البحث والاستقصاء لطبعات غيرها ذكرا، وطالبا عرضه على سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀ للاطلاع عليه، ووضع مقدمة له، وطبعه على حساب الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء، لعله ينتشر لعدم قدرة ابنه على ذلك.
أخبرت سماحته بهذه الرغبة في الطائف - صيف عام ١٤١٨ هـ - وكنت أتحين فرصة اقتنصها لكي أقرأ فيها ما تيسر على سماحته ﵀، فكان ذلك في يوم جمعة، كان سماحته ذاهبا فيها إلى (عشيرة) بلدة تبعد عن الطائف بحوالي ٧٠ كم، لإلقاء محاضرة في الجامع بعد صلاة الجمعة.
فقرأت على سماحته في السيارة ما بين الطائف إلى عشيرة، من هذا الكتاب ما يزيد على ٨٠ صفحة فأعجب ﵀ بهذا الكتاب، وبسعة علم المؤلف، وقال: ما كنت أظنه بهذا العلم والاستيعاب العلمي: فقهًا وعقيدة، وترحم عليه، وأثنى على مكانته وسمعته، وما ظهر له من علمه.
وقال: كانت معرفتي به قبل هذا: رجل سياسة - باعتباره سفيرًا للملك
стр. 3995
عبد العزيز في مصر - تاجرًا -؛ لأنه من رجال عقيل القدامى -، والآن ازددت معرفة بعلمه وسعة اطلاعه، واستيعابه لأقوال العلماء، وأنه طالب علم جيد.
ولما كررت على سماحته الرغبة في استكمال الكتاب قراءة، أو وضع مقدمة له، أمرني بإحالته إلى فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان، لقراءته ووضع مقدمة له، لأن مشاغل سماحته الكثيرة تحول دون استكماله، فاستجاب الشيخ جزاه الله خيرًا، وأكمل ذلك، قراءة ومقدمة.
جاءني هذا الكتاب بإحالة من الأمانة العامة لهئية كبار العلماء، وختم سماحته بأن أعيد الكتاب لابن المؤلف، لطباعته وبمقدمة ومرئيات الشيخ صالح، وما ذلك إلَّا أن سماحته ﵀ قد أحسّ بالمرض، وبدأ عليه التَّعب.
وذهب الابن محمد بن فوزان إلى مصر، ليستكمل تصفية وبيع بيت والده، بعد أن توفيت والدته، وشراء الحكومة المصرية لهذا البيت.
لكن جرى تفريط في شيء مهم - لم ينتبه إليه - حيث حدثني أحد الإخوة، أن
كثيرًا من أوراق الشيخ فوزان ومراسلات متعددة منه وإليه قد تخلص منها المستلمون لهذا البيت، برميها في صناديق النفايات، فكانت ثروة لا تقدّر ضاعت، والمثل عندنا يقول: (الذي ما يعرف الصقر يشويه)، وقد اقتضت إرادة الله سبحانه أن يتوفى الأستاذ محمد بن فوزان في إجازة عيد الفطر من عام ١٤٢٠ هـ في مصر، بسبب انفلونزا حادّة ﵀ وهو ابن الشيخ فوزان الوحيد.
بعد ذلك حصل اجتماع بيني وبين الأستاذ محمد الخضير ووكيل الورثة الأستاذ ماجد الرشيد لتدارس إحياء فكرة حركها ابن الشيخ فوزان، وقطعت مرحلة كبيرة، ويجب استكمالها، وعهدوا إلي بذلك تفويضا ومتابعة، فتمّ إعداد صيغة لهذا الاتفاق باتِّفاق ثلاثي.
عرضت الفكرة على أحد المحسنين، فتبرع مشكورًا بطبعه على نفقته، ولم
стр. 3996
يرغب ذكر اسمه، لأنه يريد الأجر من الله سبحانه، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
حرصت على تصحيحه، وفهرسته وإعادة صفه وطبعه من جديد، مع تعليقات قليلة، وإضافة ما سقط في الطبعة الأولى من بعض النصوص، التي استدلَّ بها الشيخ فوزان، بعد المطابقة من المصادر التي رجع إليها ونقل منها.
وقد وزّع الكتاب مجانًا على المشايخ وبعض طلبة العلم، والجامعات والمكتبات، وخصصت نسبة للبيع كما هي رغبة الورثة، حتى يجعل الريع في مشروع خيريّ يعود على المؤلف بالنفع والأجر جعله الله من العلم النافع والعمل الصالح، وقد سميته بعد التشاور مع طلاب علم: الطبعة الثالثة.
ثم قال الدكتور الشويعر: أما قول ابن بسام: أما رد الشيخ فوزان فسماه: البيان والإشهار لكشف زيغ الملحد مختار، وقد طبع بعد وفاته في مجلد، وقد أعيدت طباعته عام ١٤١٣ هـ، فإن الصحيح أنه طبع قبل وفاته في عام ١٣٧٢ هـ، وقد كانت وفاته في عام ١٣٧٣ هـ، كما نوّهت عن ذلك نقلا عن مطبعة أنصار السنة المحمدية، التي فيها طبع، وبينوا هذا في آخر الكتاب، بالعبارة التي نقلتها في هذا البحث، والشيخ ابن بسام أثبت وفاته في عام ١٣٧٣ هـ، ولو عاد إلى نسخة من ذلك الكتاب بأي طبعة لوجد عام ١٣٧٢ هـ، هو تاريخ الطبع وقوله: إنه أعيدت طباعته عام ١٤١٣ هـ فالصحيح كما أخبرني ابنه محمد ﵀ قبل وفاته أن ذلك في عام ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م، وأنه بالتصوير وليس بإعادة الطبع، وهذا ما أهمّه بأن يعاد الطبع، ويصف من جديد، ويتابع ويصحّح، وزودني بنسخة من ذلك، هي التي بنينا عليها الطبعة الجديدة، التي تولتها دار الغرب الإسلامي في بيروت عام ١٤٢٢ هـ، وعلى نفقة أحد المحسنين أعظم الله أجره.
وإن من يقرأ هذا الكتاب، ويتابع استدلالات الشيخ فوزان فيه، والمصادر
стр. 3997
التي رجع لها ونقل عنها يدرك سعة علمه، وإدراكه وإطّلاعه، فهو من العلماء ذوي المكانة والحفظ.
أعماله:
يذكر الزركلي أعماله إجمالًا فيقول:
- له مشاركات في السياسة العربية.
- اشتغل بتجارة الخيل والإبل، فكان يتنقل بين نجد والشام ومصر والعراق.
- ناصر حركة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن "مؤسس الدولة السعودية الثانية" لعلها الثالثة - أيام حروبه مع الترك العثمانيين في القصيم وتلك الأطراف.
- اتصل برجالات الشام، قبل الدستور العثماني كالشيخ: طاهر الجزائري، وعبد الرزاق البيطار، وجمال الدين القاسمي، ثم محمد كرد علي، وهو الذي ساعد الأخير على فراره الأول من دمشق، وقد أراد أحد الولاة القبض عليه، فأخفاه فوزان ونجا به إلى مصر.
يقول الزّركلي عن الشيخ فوزان هو: فوزان بن سابق بن فوزان آل عثمان البريدي - نسبة إلى بريدة - القصيمي النجديّ، معمر من فضلاء الحنابلة، له مشاركات في السياسة العربية، ولد ونشأ في بريدة من القصيم بنجد، وتفقه (١).
والده من أهل بريدة والزركلي العامل معه في السفارة يقول: ولد ونشأ وترعرع في بريدة من القصيم وتفقه فيها فكيف نشأ فوزان بالشماسية؟ .
والشيخ عبد الله بن بسام، في كتابه: (علماء نجد خلال ثمانية قرون): يرى أنه من الدواسر الوداعية، كانت أسرته تقيم في الشماس، ثم انتقلت إلى الشماسية إحدى قرى مدينة بريدة، فانتقلت منها إلى بريدة، وفيها ولد الشيخ فوزان، ونشأ وتعلم في كتابها مبادئ القراءة والكتابة، ثم رغب في العلم، فشرع
стр. 3998
في القراءة على علماء بلده، وأشهر مشايخه الشيخ: سليمان بن مقبل، والشيخ محمد بن عمر آل سليم، والشيخ محمد بن عبد الله بن سليم.
ثم سافر إلى الرياض فقرأ على العلامة: عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ حتى أدرك، ثم سافر هو والشيخ علي بن وادي - أحد علماء عنيزة - إلى الهند، للقراءة على العلامة الشيخ: صديق حسن خان، فألقياه قد انشغل عن الإقراء بحكم بلاده (بهوبال)، فأخذا في القراءة على محدث الهند الشيخ: نزير حسين، واستفادة منه، ثم عادا إلى القصيم.
ثم قال: كان الشيخ فوزان السابق من العلماء الأفاضل، ولقد كان ﵀ مع طلبة العلم يشتغل بتجارة الخيل والمواشي، وهو الذي قام بعمل فهرس منظّم ومصاغ صياغة فقهية مفيدة، لقواعد ابن رجب، ثم طبعه على حسابه (١).
قال الزركلي: ولما كانت الدولة السعودية في بدء استقرارها، عين فوزان (معتمدًا) لها في دمشق، ثم في القاهرة، وصحبته اثني عشر عامًا، وهو قائم بأعمال المفوضية العربية السعودية بمصر، وأنا مستشار لها.
وكان الملك عبد العزيز يرى وجوده في العمل، وقد طعن في السنّ، إنمّا هو للبركة.
واستقال لينقطع للعبادة، وإكمال كتاب شرع فيه أيام كان بدمشق (٢).
قال بعد قبول الاستقالة لي: كنت بالأمس وزيرًا، وأنا اليوم بعد التحرر من قيود الوظيفة سلطان.
أخبرني أن أول رحلة له إلى مصر كانت في السنة الثانية بعد ثورة
стр. 3999
عرابي، ومعنى هذا أنه كان تاجرًا سنة ١٣٠٠ هـ (١)، هذا مجمل ما جاء في الزركلي عن أعماله.
أما الشيخ عبد الله بن بسام:
فإنه بعد أن ذكر رحلته في طلب العلم للرياض ثم الهند قال: اشتغل في تجارة الإبل والخيل، يشتريها من نجد ثم يذهب بها إلى الشام، وكذلك يسافر بتجارته إلى العراق ومصر.
ثم اتصل بالملك عبد العزيز آل سعود - رحمه الله تعالى -، وشارك في بعض حروبه.
ثم صار له مشاركات في السياسة، فعيّنه الملك عبد العزيز معتمدًا له في دمشق.
فاتصل برجال العلم هناك وقرأ عليهم، فكان ممن أخذ عنه من مشاهير العلماء الشيخ طاهر الجزائري، وذكر الباقين الذين ذكرهم الزركلي، ولم يذكرهم من الناحية العلمية، وقال أيضًا:
ثم نقل إلى المفوضية السعودية بالقاهرة، فلم يزل بها حتى طلب الإعفاء من العمل فأعفي لكبر سنه.
والصحيح حسبما وقع عليه نظري، وما اطّلعت عليه: أنه كان في دمشق وكيلا للملك عبد العزيز، لأنه في مدة وجوده في دمشق لم يتم الاعتراف دوليًا بالمملكة، ولا بحكومة الملك عبد العزيز بعد، ولم يكن للملك عبد العزيز مفوّضية في مصر في ذلك الوقت، بل إن الشيخ عبد الله ابن بسام قد رد على نفسه فيما بعد في الترجمة نفسها عندما قال: وقد هرب من الشام إلى مصر وقت ولاية الترك على الشام، وهروبه مع إيل للبسّام بهيئة بدوي، كما أفاد ﵀ بذلك
стр. 4000
البعض أقاربنا، وهروبه من الحكومة التركية حينما كانت تقبض على رجال العرب الذين لهم نشاط سياسي.
كان منزله بمصر أكثر من أربعين عامًا مؤئلا وملجا لأهل نجد ورجال العرب الذين لهم نشاط سياسي، ولم يكن يجهل أحوال المقيمين هناك.
أما قوله: إنه نقل للمفوضية بمصر، فإن مصر لم يكن بها مفوضية سعودية قبل قدومه إليها، وإنما تم ذلك بعدما فتح الملك عبد العزيز جدة، ودخل الحجاز تحت الحكم السعودي في عام ١٣٤٤ هـ، باسم وكيل الملك عبد العزيز، كما جاء في العدد ٥٦ من جريدة أم القرى تاريخ ٧/ ٨ /١٣٤٤ هـ (١).
وكان الملك عبد العزيز يرى وجوده في العمل، وقد طعن في السن إنما هو للبركة.
الشيخ فوزان يطلب من الملك عبد العزيز الاستقالة ويرفض لذلك السبب، وبعد أن قبلت استقالته، رأى أن ينقطع للعبادة، وإكمال كتاب شرع في تأليفه أيام كان في دمشق (٢).
وفاته:
ختم الدكتور محمد الشويعر بحثه النفيس المبسوط عن الشيخ فوزان السابق بقوله:
كان خير الدين الزركلي في السنوات الأخيرة من حياة الشيخ فوزان السابق من ألصق الناس به، لأنه عمل معه في السفارة السعودية بالقاهرة، حيث قال: وصحبته إثني عشر عامًا، وهو قائم باعمال المفوضية العربية السعودية بمصر،
стр. 4001
وأنا مستشار لها، علمًا بأنه لم يعمر طويلا بعد الاستقالة، ولكنه حقق في هذا التفرغ ما كان يصبو إليه، في تأليف رده على الحاج مختار وطباعة ذلك الرد، لأنه كان هاجسه منذ وصله في عام ١٣٣١ هـ افتراؤه عليه. .
ولذا نرى الزركلي من منطلق هذا الارتباط في ترجمته لحياة الشيخ فوزان ﵀، في كتابه الأعلام: يرى أن الشيخ فوزان السابق، توفي عام ١٣٧٣ هـ، وشكك في مقدار عمره، وقال: إنه قارب المائة (١)، وهذا العام هو العام الذي توفي فيه الملك عبد العزيز ﵀.
ومع أنه لم يحدد اليوم أو الشهر الذي مات فيه الشيخ فوزان السابق، وهو يعمل معه في السفارة قبل تقاعده، ويزوره بعدما تقاعد، إلا أنه قال عنه: بأنه توفي بالقاهرة وهو في نحو المائة، ويقال تجاوزها، ومع هذا فإنه قد جعل ولادته في عام ١٢٧٥ هـ، ووضع أمامها علامة استفهام، مما يدل على عدم إطمئنانه إلى تاريخ ولادته، ولا إلى مقدار عمره.
أما الشيخ عبد الله البسام فلم يتطرق إلى عمره، وإنما قال: بأنه توفي بالقاهرة عام ثلاثة وسبعين وثلاثمائة وألف ﵀، وفي عنوان المقدمة بين عن تاريخ ولادته ووفاته هكذا [١٢٧٥ هـ - ١٣٧٣ هـ]، ويظهر لي أنه نقل عن الزركلي في الأعلام، المعلومات عنه، بما في ذلك تاريخ الميلاد والوفاة (٢).
ثم قال الشيخ عبد الله البسام ﵀ (٣):
وهذه أخبار أخرى عن المترجم لخّصناها من عدة مصادر نذكرها لمزيد الفائدة والتوثيق:
стр. 4002
كان الشيخ فوزان السابق من العلماء الأفاضل، ولقد كان ﵀ مع طلبة العلم يشتغل بتجارة الخيل والمواشي، حتى اختاره الملك عبد العزيز ليكون سفيرًا له بدمشق، ثم نقله إلى القاهرة، وبقي سفيرًا في القاهرة إلى آخر أيام حياته.
وقد طلب من الملك عبد العزيز عدة مرات أن يعفيه من العمل، ولكن الملك عبد العزيز ﵀ لا يوافق على ذلك حتى بلغ أكثر من تسعين عامًا، عندما أعفاه من العمل، وأبقى له شخصيته الاعتبارية هناك.
وكان عميدًا للسلك السياسي بمصر مدة تزيد عن ثلاثين سنة، وله مكانة خاصة عند الملك عبد العزيز، فهو لا يعامله كموظف، وإنما يعامله كشخصية لها مكانتها في المجتمع.
والشيخ فوزان ﵀، هو الذي عرَّف المصريين بمعتقد أهل نجد، وأنهم على مذهب أهل السنة والجماعة في الأصول، وفي الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وقد شرح هذا الشيخ محمد حامد الفقي ﵀ في ترجمة الشيخ فوزان بعد وفاته، ذكر فيها فضائله وشيئًا من أعماله وصفاته، والشيخ حامد الفقي هو الذي غسّل وكفّن الشيخ فوزان بوصية من فوزان، وهذا دليل على تقدير العلماء للشيخ فوزان.
وكان إذا علم بين أحد من أهل نجد نزاع أو خلاف حل مشكلتهم برأيه وماله، وله هيبة عظيمة وتقدير في نفوس الرعايا السعوديين، إذ كان تجار الخيل والإبل يرتادون مصر بالألوف سنويًا، ويقيم بعضهم هناك عدة شهور للتجارة بالخيل والإبل والأغنام.
وكان ﵀ من رجال الدين والدنيا، ومن أهل الفضل، فقد كان منزله بمصر أكثر من أربعين عامًا موئلا وملجأ لأهل نجد، ورجال العرب الذين لهم نشاط سياسي، ولم يكن يجهل أحوال المقيمين هناك، بل كان يتفقد
стр. 4003
أحوالهم ويساعد المحتاجين منهم، وكان يخصص للفقراء والمحتاجين منهم مخصصات شهرية من ماله الخاص، وكان إذا علم عند أحد من الرعايا السعوديين ما يوجب نصحه استدعاه ونصحه، وربما أمره بمغادرة القاهرة (١).
قال الشيخ صالح العمري:
الشيخ فوزان السابق الفوزان سفير المملكة في مصر: كان من العلماء الأفاضل والأدباء الأجلاء، ولقد كان ﵀ مع علمه يشتغل بتجارة الخيل والمواشي حتى اختاره الملك عبد العزيز ليكون سفيرًا له بدمشق، ثم نقله إلى القاهرة، وبقي سفيرا في القاهرة إلى آخر أيام حياته.
فقد طلب من الملك عبد العزيز عدة مرات أن يعفيه من العمل، ولكن الملك عبد العزيز ﵀ لا يوافق على ذلك حتى بلغ أكثر من تسعين عامًا عندها أعفاه من العمل وأبقى له شخصيته الاعتبارية هناك.
وكان عميدا للسلك السياسي بمصر مدة تزيد عن ثلاثين سنة، وله مكانة خاصة عند الملك عبد العزيز فهو لا يعامله كموظف وإنما يعامله كشخصية لها مكانتها في المجتمع.
والشيخ فوزان ﵀ هو الذي عرف المصريين بمعتقد آل سعود والشيخ محمد بن عبد الوهاب وأحفاده وأهل نجد، فقد عين بالقاهرة قبل ولاية الملك عبد العزيز على الحرمين، وكان لمكانته العلمية والأدبية أثر في تعريف علماء مصر بمعتقد السعوديين وأنهم على مذهب أهل السنة والجماعة في الأصول، وفي الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وقد شرح هذا الشيخ محمد حامد الفقي ﵀ في ترجمة للشيخ فوزان بعد وفاته ذكر فيها
стр. 4004
فضائله وشيئًا من أعماله وصفاته، والشيخ حامد الفقي هو الذي غسل وكفن الشيخ فوزان بوصية من فوزان، وهذا دليل على تقدير العلماء للشيخ فوزان.
وقد سعى الشيخ فوزان ﵀ لدى الملك عبد العزيز بطبع عدة كتب مهمة مثل المغني والشرح الكبير وتفسير ابن كثير وتفسير البغوي ومجموعة التوحيد ومجموعة الحديث ومجموع المتون والرسائل والمسائل النجدية والبداية والنهاية في التاريخ لابن كثير وغيرها من الكتب، ولقد تولى طبع هذه الكتب والإشراف عليها.
وسبق أن ذكرنا أن له خطا جميلا كتب به بعض كتب العلم على رأس القرن الثالث عشر، وله مكتبة من أكبر المكتبات في بريدة، فقد طلب منه العلامة الشيخ عمر بن سليم أن يضعها في جامع بريدة فوافق على ذلك، وقد وضعت هي ومكتبة الشيخ عيسى بن رميح في مبنى أعده الشيخ عمر بن سليم في شرق جامع بريدة، وكلف الشيخ عمر ﵀ الشيخ علي العبد العزيز العجاجي بالإشراف على المكتبة وهي أول مكتبة أسست في بريدة، وهي الأساس للمكتبة السعودية القائمة الآن، والتي طورها فيما بعد الشيخ عبد الله بن حميد، ثم ضمت للمعارف بعد سفر الشيخ عبد الله بن حميد من بريدة، وكان الشيخ عمر ﵀ قد قرر تطويرها، وأن يضع فيها كتب طلبة العلم الذين يتوفون فيما بعد، وأن يزودها بما يطبع من كتب العلم وما يحصل عليه من المخطوطات النادرة.
وعندما قدم الشيخ فوزان البريدة اشتري بيتًا كبيرًا مجاورًا لمسجد الملك عبد العزيز بالجردة الشهير بمسجد حسين العرفج إمامه السابق، فاشار الشيخ عمر بن سليم على الشيخ فوزان بإدخال البيت في المسجد، وإعادة بنائه فوافق ﵀، وقد تولى الشيخ عمر ﵀ الإشراف علي بنائه وبني أحسن بناء وأقواه، ولكن وزارة الأوقاف أعادت تجديد المسجد في عام ١٤٠٠ هـ بالمسلح على الطراز الحديث.
стр. 4005
هذا وقد عمر الشيخ فوزان حتى قارب المائة ولم يفقد شيئًا من حواسه، بل إن تجاربه وعقليته زادت على مر السنين، فقد ولد ﵀ عام ١٢٧٥ هـ. وتوفي في القاهرة عام ١٣٧٣ هـ عن ثمان وتسعين سنة قضاها في العلم والعبادة وخدمة الدولة والمجتمع فرحمه الله وعفى عنه (١).
أقول: سبق أن أوضحنا موضوع مكتبة الشيخ فوزان السابق وأنها ضمت بأمره في زمن الشيخ عبد الله بن حميد، وبكتاب منه للشيخ فوزان أعددته بنفسي، وأما مكتبة الشيخ عيسى الرميح فلا أعرف عنها شيئًا ولم يوضع منها شيء في مكتبة جامع بريدة حتى فارقت المكتبة في عام ١٣٦٨ هـ.
وأما الأستاذ إبراهيم بن عبد العزيز المعارك فقد ترجم له في (أعلام القصيم) بترجمة موجزة ولكنها واقعية، والغالب أنه ينقل مثل هذه الأشياء عن والده الشيخ عبد العزيز المعارك الذي هو ثقة حافظ، قال:
الشيخ فوزان السابق الفوزان": أول سفير المملكة العربية السعودية في مصر (١٢٧٥ - ١٣٧٣ هـ).
ولد بمدينة بريدة عام ١٢٧٥ هـ، وتعلم القراءة والكتابة وأخذ العلم عن علماء بريدة، ومنهم المشايخ محمد بن عبد الله بن سليم ومحمد بن عمر بن سليم وسليمان العلي المقبل، ثم انتقل إلى الرياض وأخذ عن علمائها ومنهم الشيخ عبد الرحمن بن حسن، ثم سافر إلى الهند وأخذ عن الشيخ نذير حسين واتصل بعلماء الشام ومصر وجالسهم وأخذ عنهم، كان ﵀ عالمًا جليلًا وأديبًا فاضلًا جمع (بفضل الله تعالى) خيري الدنيا والآخرة، فكان من أكبر تجار العقيلات وزعيمهم، فإشتغل بتجارة الخيل والإبل وله إصطبلات مشهورة في بلبيس والمطوية بمصر، إلى أن قال: وهو أول سفير للمملكة بسوريا ومصر،
стр. 4006
وكان عميدًا للسلك الدبلوماسي في مصر أكثر من ثلاثين عامًا.
ومن أعماله ﵀:
- نسخ كتبًا كثيرة بخط يده وطبع قواعد ابن رجب على حسابه، كما سعي لدى الملك عبد العزيز بطبع المغني والشرح الكبير وتفسير ابن كثير والبغوي ومجموعة التوحيد وكتب أخرى كثيرة.
- أوضح في مصر المعتقد الصحيح للشيخ محمد بن عبد الوهاب وأهالي نجد.
- عمل ﵀ سفيرًا للمملكة في مصر إلى آخر حياته.
- كان منزله مفتوحًا للجميع، وكان يتفقد أحوال القادمين من المملكة ويؤويهم ويساعد المحتاجين منهم ويقدم لهم النصح والرعاية.
- أهدى مكتبة بريدة محتويات مكتبته الخاصة، وقد إطلعت على بعض محتويات مكتبته وهي ضمن محتويات المكتبة العامة ببريدة.
- بنى مسجد حسين بالجردة ببريدة بعد أن قام بتوسعته.
يرحم الله الشيخ فوزان السابق فقد توفي بالقاهرة عن عمر يقارب المائة سنة، وذلك في عام ١٢٧٣ هـ.
وعلى كتابة الأستاذ المعارك ملاحظات، وهي قوله: إنه اختاره الملك عبد العزيز سفيرًا في دمشق ودمشق في ذلك العهد تحت الانتداب، ولم يكن للمملكة سفراء في أي بلد، وإنما كان فوزان السابق يوقع في أول أمره (معتمد المملكة النجدية في مصر) ثم (معتمد مملكة نجد والحجاز) ثم لما استقرت المملكة بشكلها الحالي عينه الملك عبد العزيز أول سفير المملكة العربية السعودية في مصر.
أما في دمشق فإن معتمد الملك عبد العزيز آل سعود فيها إبان تأسيس المملكة هو سليمان بن علي المشيقح كما جاء ذلك في مصادر عديدة، ومنها مصادر الحكومة الفرنسية التي كانت تحكم سوريا بالإنتداب من عصبة الأمم قبل إنشاء هيئة الأمم المتحدة.
стр. 4007
وسيأتي إيضاح ذلك في الكلام على أسرة المشيقح - إن شاء الله، ومثل ذلك وقع فيه الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام ﵀.
وقوله: إنه انتقل إلى الرياض وأخذ عن علمائها ومنهم الشيخ عبد الرحمن بن حسن، وكان ذكر ولادته في عام ١٢٧٥ هـ ووفاة الشيخ عبد الرحمن بن حسن كانت عام ١٢٨٥ هـ أي بعد ولادة الشيخ فوزان السابق بعشر سنين فلا يمكن أن يكون رحل إلى الرياض وأخذ عن علمائها ومنهم الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحم الله الجميع.
ولعله أراد بذلك أنه أخذ العلم عن الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن الذي توفي في عام ١٢٩٣ هـ. فيكون عمر الشيخ فوزان السابق عند وفاته ١٨ سنة، وقد طلب العلم ثم ارتحل إلى الرياض وقرأ على الشيخ عبد اللطيف وعمره أي الشيخ فوزان ١٨ سنة، والله أعلم.
وقال الأستاذ محمد بن عثمان القاضي:
فوزان السابق الفوزان: من بريدة من أهالي الشماسيّة.
هو العالم الجليل والأديب البارع النبيل الشيخ فوزان السابق الفوزان، من الدواسر الوداعين نزح أباؤه من الشماسية إلى بريدة، فولد الشيخ فوزان ببريدة سنة ١٢٧٧ هـ، ونشأ بتربية أبوية كريمة وقرأ القرآن في الكتاتيب وحفظه وتعلم مبادئ العلوم وقواعد الخط والحساب حتى مهر فيهما ثم شرع في طلب العلم بهمةٍ عالية، فلازم العلامة الشيخ محمد بن عمر بن سليم والشيخ محمد العبد الله بن سليم وعبد الله بن مفدى، وكان قوي الحفظ سريع البديهة حاضر الجواب، اشتغل بتجارة الخيول والإبل، وكان يميل إلى السياسة في الحرب العالمية الأولى العظمى، وكان مواليا للملك عبد العزيز، ومن خواصه فعيّنه معتمدًا للمملكة بدمشق وهو ما يُسمى حاليًا بالسفير ومكث سنين ثم نقله معتمدًا
стр. 4008
للمملكة في مصر، وكان مُسددًا محنكًا وله مكانته ووزنه عند الولاة وعند العقيلات والجاليات، وكان الجد صالح بن عثمان القاضي حينما كان يدرس في الأزهر الشريف يثني عليه ثناءا حسنا ويقول لابد كنا نتعطش لأخبار نجد وحرُوُبها وما يجري من حوادث فيها، ولا نعرف إلا عن طريق المجتمع للعقيلات في المطرية وكنا كل ليلة جمعة نذهب للمطرية في إصطبلات خيول الشيخ فوزان السابق فنجد عندهم أخبار نجد وكذا الرسائل وحتى الآن لهم في كل أسبوع مجتمع في الإصطبلات تضُم النجديين وغيرهم ويسمرون طول الليل فيه ويتناولون القهوة العربية والشاي، وذلك في صالة واسعة، وقد زرتهم مرارًا في المطرية في الإصطبل وكان يدور بينهم الذكريات النجدية والأشعار الشعبية والأمثال السايرة القديمة، ففي السماع لهذه الذكريات يظن السامع أنهم حدثاء العهد عن نجد مع قدمهم، وظل معتمدا لحكومتنا الرشيدة ما يقرب من أربعين سنة ثم طلب الإعفاء من الملك عبد العزيز فلم يعفه ثم ألح مرارًا فأعفاه وسكن في مصر بالمطرية.
وتوالت عليه الأمراض وزار القصيم والرياض والحجاز للعمرة والحج مرارًا واشترى منزلا في الجردة بجوار مسجد الجردة فأدخله للمسجد تبرعًا بواسطة فهد الرشودي، وكان منزله في المطرية مأوى للعقيلات والجاليات، وكان له صيتٌ بينهم ذائع وشهرة، وكان عطوفًا على الفقراء والمحاويج يزجي الضعيف ويواسيهم بماله، وكان كريمًا يفتح أبوابه لكل وافد سخيًا بماله ويحب إصلاح ذات البين، وكان يجلس في الإصطبل وفيه الأواني والدلال والأباريق والمباخر التي لا تزال موجودة فهو ناد من نوادي الأدب ومتحدث للسابقين ومن بعدهم ولاسيما في الأعياد والعطل، وكان صديقًا للسيد محمد رشيد رضا ومحمد عبده، وقد صار همزة وصل بين الملك عبد العزيز ورشيد حول الإشراف على طباعة المغني والشرح الكبير وتفسير ابن كثير والبغوي والمجاميع على نفقة الملك ﵀، وكان له هيبة ومكانة مرموقة، مجالسه
стр. 4009
ممتعة ومحادثاته شيقة، وسافر إلى الهند وقرأ على علماء الحديث ومنهم نذير الحسين الذي أجازه بمروياته، وله أعمال ومبرات خيرية فمنها طباعة كتب كثيرة كقواعد ابن رجب وغيرها ويوزعها على الطلبة مجانًا، وله مخطوطات مطبوعة وفيها مخطوطات وله مؤلفات معظمها بالردود منها البيان والإشارة.
ومرض ووافاه أجله المحتوم مأسوفًا على فقده وذلك سنة ١٣٧٣ هـ وخلف أولادًا بررة ورثي بمرات عديدة .. ﵀ برحمته الواسعة.
أقول: في كلام الأستاذ محمد بن عثمان القاضي ملاحظة تدرك مما سبق.
خط الشيخ فوزان السابق:
كان الشيخ فوزان السابق قد سافر إلى الشام ومصر مثلما كان تجار أهل القصيم يسافرون إلى هناك في تجارة الإبل، ثم أقام في دمشق فترة انتقل بعدها إلى مصر وواصل عمله بالتجارة فيها، وقد وجدنا وثائق في أثناء إقامته في مصر تدل على ذلك ومنها كتاب مرسل منه إلى عبد الله العبد المحسن وهو ابن أمير بريدة غير الأصيل عبد المحسن بن محمد آل أبو عليان الذي كان يتولى إمارة بريدة نيابة عن أخيه الأمير الشهير عبد العزيز بن محمد آل أبو عليان.
وهذا الكتاب الذي هو رسالة مؤرخ في ٢٢ محرم من عام ١٢١٩ هـ هو بخط الشيخ فوزان السابق، إذ ليس من المعقول أن يكتب له رسائله غيره وهو العالم المشهور.
стр. 4010
وهذه صورته:
стр. 4011
ولم يرزق الشيخ فوزان السابق من الأبناء إلَّا ابنه محمدًا ولد له على كبر، وعندما ولد كان السرور بمولده قد بلغ من الشيخ فوزان مبلغه، وهو يعرف أن الملك عبد العزيز يسر بأخباره بذلك، فأبرق للملك عبد العزيز وهو في القاهرة يبشره بأنه رزق بولد فأجابه الملك عبد العزيز طبقًا لما نقله الزركلي بقوله أي الملك عبد العزيز: (يحيي العظام وهي رميم).
ولم يعمر ابنه محمد مثلما عمر أبوه فوزان الذي عمَّر مائة سنة إلا سنتين، بل توفي في ٣ رمضان عام ١٤١٩ هـ.
وقد نشرت جريدة عكاظ النعي التالي الذي نعاه به وزير الإعلام، لأنه كان يعمل في تلك الوزارة، وذلك في عددها الصادر يوم الأربعاء ٥ رمضان من عام ١٤١٩ هـ الموافق ١٢/ ٢٣ / ١٩٩٨ م وهذا نصه:
ينعي معالي وزير الإعلام الدكتور فؤاد عبد السلام الفارسي وزملاؤه في وزارة الإعلام زميلهم سعادة المستشار الأستاذ محمد الفوزان السابق الذي وافته المنية في القاهرة فجر يوم الاثنين الموافق ٣ رمضان ١٤١٩ هـ ويتقدمون بخالص العزاء والمواساة لابنه فوزان محمد الفوزان السابق، وكافة أفراد أسرته الكريمة، سائلين المولى أن يتغمد الفقيد برحمته ويسكنه فسيح جناته ويلهم ذويه الصبر والسلوان، (إنا لله وإنا إليه راجعون) (١).
ومن أخبار الشيخ فوزان السابق ما ذكره الأستاذ ناصر العمري، قال:
تقديم المال دون العرض:
كان فوزان السابق الفوزان وجماعة من عقيل مسافرين في بادية الشام فنزلوا ضيوفا لدى رجل من البادية وأقاموا ليلة في ضيافة البدو، وفي الصباح الباكر تحرك ركب عقيل وفي مقدمتهم فوزان السابق الفوزان وأخذوا طريقهم
стр. 4012
مغربين، وبعد ساعة من تحركهم لحق بهم رجل يركب فرسًا وشعر به هؤلاء الرجال فقال فوزان السابق لرفاقه: تقدموا وأنا أنتظر صاحب الفرس، وصل صاحب الفرس إلى فوزان السابق وسلم وقال لفوزان بئم عندنا ففقدنا كيس ذهب، فسأله فوزان عن مقداره فقال كذا جنيه، وكان فوزان السابق يضع جنيهات في محزم يخفيه تحت ثيابه فعد جنيهات تقابل جنيهات البدوي وسلمها له وقال: هذا بعدد جنيهاتكم ولا حاجة لسؤال جماعتي عن الذهب، فأخذها البدوي ورجع، ومضى فوزان وجماعته في رحلتهم التجارية، وبعد أيام جاء شاب بدوي من أهل الذهب إلى أهله ومعه عدد من الإبل فسأله أبوه من أين هذه الإبل؟ قال اشتريتها من العراق وقال ومن أين لك قيمتها؟ قال الذهب الذي عندنا.
فعرف الأب أن ولده هو آخذ الذهب، ولكن ما العذر من الشيخ فوزان السابق وجماعته، فركب الرجل في أثر فوزان السابق فسلم وبادر إلى تقبيل أنف الشيخ فوزان السابق يعتذر ويطلب العفو والمسامحة، وقص القصة على الشيخ فوزان وجماعته فقبل فوزان عذره واستعاد ذهبه (١).
ومن الفوزان السابق: لطيفة السابق أخت الشيخ فوزان السابق تزوجها عبد الرحمن بن عبد الله المهنا فأنجبت له ولدًا اسمه عبد الله وأمها من المهنا زوجة للسبيعي من أهل بريدة.
فطلق عبد الرحمن المهنا لطيفة السابق وكان رجل من أسرة السبيعي يريد أن يتزوج لطيفة السابق وهي تريده، بعدما طلقت، فلم تجد من يعقد لها على ولد السبيعي فامتنع أقاربها عن عقد الزواج بسبب غياب أخيها الشيخ فوزان السابق في مصر، فذهب إبراهيم العبد العزيز اليحيا إلى الشيخ عمر بن سليم يخبره بأمرها فأمره بإحضارها وسألها عن رغبتها في الزواج من الرجل فقالت: نعم أريده فقال: تعالوا عندي الليلة مع اثنين من أقاربك الرجال
стр. 4013
يعرِّفونك عندي، ثم عقد زواجها، لأن القاضي هو ولي من لا ولي له.
وكذلك إذا عضل ولي المرأة المرأة بمعنى امتنع عن تزويجها بزوج كفء، فإن القاضي يتولى عقد الزواج عليها.
الشيخ فوزان السابق في الوثائق:
لم أجد وثائق كثيرة فيها ذكر للشيخ فوزان السابق، وربما كان ذلك لأنه سافر إلى الشام ومصر، وبقي هناك دهرًا.
وإنما وجدت نتفًا أردت إيرادها هنا.
منها هذه المداينة بين الشيخ فوزان السابق وبين إبراهيم بن محمد الربدي، وقد كتبها الشيخ فوزان السابق بخطه.
والدين مائة وتسعة وأربعون ريالًا فرانسة، يحل أجل الوفاء بها طلوع جمادى الأولى سنة ١٣٠٨ هـ، والمراد بطلوع الشهر انقضاؤه وانتهاؤه.
والشاهد محمد أبو واصل.
أما الكاتب فهو المستدين الشيخ فوزان السابق وخطه واضح لا يحتاج إلى نقل.
стр. 4014
وهذه الوثيقة التالية التي هي مداينة أيضا بين الشيخ فوزان السابق وبين إبراهيم بن محمد الربدي.
والدين مائتا ريال فرانسة، مؤجلات ثلاثة أجال الأول يحل مائة ريال بانسلاخ شهر رجب سنة ١٣١٣ هـ.
ثم ذكر حلول الأجلين الباقيين، ذكر أن المذكورات من البيت الدارج على محمد الربدي من عثمان وسابق أبناء فوزان، والبيت المذكور رهن لإبراهيم الربدي بجميع ثمنه حتى يخلص.
والشاهد: عبد العزيز الحمود المشيقح.
والكاتب الشيخ صالح الدخيل الجار الله.
والتاريخ: ١٣١٢ هـ.
ومنهم سابق بن فوزان آل سابق من أهل بريدة وهو طالب علم ومحب للعلما كان يتهم بأنه يميل مع الشيخ ابن جاسر وأتباعه، ولكنه قال إن السبب أن أولئك أي أتباع ابن جاسر يسلمون عليه ويحتفون به.
قال لي الشيخ سليمان بن علي المقبل: إنه شكا إليه ذلك وقال: إن الإخوان هجروني لهذا السبب قال: فأشرت عليه أن يعزم المشايخ والإخوان ويخبرهم بمعتقده فيهم وأنه لا يرى عليهم شيئًا.
стр. 4015
قال: فعزمتهم وفعلت ذلك، فتكلم الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم وقال: الحمد لله على ذلك، ونحن نحب لك الخير وإلا فنحن لا نطلب الكثرة من أحد ثم دعوا لي.
ومنهم الشيخ سابق بن فوزان العثمان السابق، من أهل بريدة ومن المقيمين فيها طيلة حياته، وهو والد الشيخ فوزان السابق.
وسابق الفوزان هذا رجل ثقة له قيمة كبيرة عند الناس فيما يتعلق بالشهادة والوثائق، إذ وجدنا وثائق عديدة تذكر شهادته وتعتبرها صحيحة.
ومن الوثائق التي ذكر فيها (سابق بن فوزان) هذا غير الشهادة وثيقة وكالة لقضاء دين خاله سليمان بن رشيد الحجيلاني وهو من آل أبو عليان حكام بريدة السابقين، وهذه الوثيقة مؤرخة في ١٠ جمادي الثانية سنة ١٣٠٩ هـ بخط ناصر السليمان بن سيف وهي بخط واضح وعبارات واضحة، لذلك لم أر حاجة لكتابتها بحروف الطباعة.
ولكن فيها شيء تنبغي الإشارة إليه وهي أن أولها قضاء دين كان لحمد بن إبراهيم آل جاسر وهو والد الشيخ الشهير إبراهيم بن حمد الجاسر، وقد ذكر أنه صح أنه بقي في ذمة سليمان ﵀ من الدين لحمد الإبراهيم بعد جميع الوصولات عشرة آلاف وزنة (تمر) وخمس وسبعون وزنة تمر إلى جانب سبعة وخمسين ريالا.
وهذا مبلغ كبير لذلك باع سابق الفوزان على حمد مقطر النخل وهو الصف أو السطر من النخل الذي بقليب الضبيعي كما باع عليه ملك سليمان بن رشيد الحجيلاني من الحيالة الشرقية، وذلك كله مقابل الدين الكبير الذي بقي في ذمة سليمان الحجيلاني لحمد الجاسر.
والشاهد على ذلك إسماعيل بن علي الغانم، وهو من (آل غانم) الذين هم من (آل عليان) مثل الحجيلاني.
стр. 4016
ووثيقة أخرى تتعلق بمداينة بين سابق الفوزان والشيخ العلامة محمد بن عمر بن سليم وهي مكتوبة في عام ١٢٨٩ هـ بخط يوسف بن عبد الله المزيني وقد سقط التاريخ من أسفل الوثيقة، ولكن حلول الدين فيها هو في عام ١٢٩٠ هـ كتب مرتين بدون وضع الصفر يمين التسعة، وذلك من باب التساهل.
стр. 4017
ونظر لرداءة الخط فقد رأيت نقلها لحروف الطباعة.
"بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وبعد؛
أقر سابق الفوزان بأن عنده في ذمته لمحمد العمر بن سليم أربع مئة صاع شعير عوض عشرين اريال وألف حب يزيد ثلاث وثلاثين صاع حب الجميع مؤجلات يحلن في صفر سنة ١٢٩٠ وأيضًا عشرين اريال فرانسه
стр. 4018
يحلن في شعبان سنة ١٢٩٠ وأرهن محمد في ذلك السهم الذي درج عليه من أمه لولوة المحمد من ضبيب الصالح في ملك الضبيب باللسيب ( ... ) بالهبة ومن سديس الولد محمد وسديس أمه من هالملك المذكور والذي يخص سابق من سديس الولد محمد ومن أمه رقية ونصف أربع نخل الذي بين سابق وعبد الله ومن الملك الذي في حويلان وزرعه بالحملية وجريرته والحمار الخضر والناقة الصفراء، والذي جته من راعي عنيزة الملحا والثور الأسود وذلك رهن لمحمد سابق وصلى الله على محمد وسلم.
شهد على ذلك محمد السليمان العمري، وشهد به كاتبه يوسف العبد الله".
أما ذكر سابق بن فوزان في الإشهاد على المبايعات والمداينات فإن ذلك كثير جدًّا يدل على أنه ثقة عدل، معتبر الشهادة.
ومنها هذه النماذج:
стр. 4019
ومن المداينات هذه التي بينه وبين محمد الرشيد الحميضي وسعود بن عبد العزيز الفوزانن والرهن على سابق هو جريرته وعمارته في أملاك نصار، وأملاكه في الصباخ، والمداينة مكتوبة في ٩ ربيع أول من عام ١٣٠٠ فيما يظهر من توقيت حلول الدين الذي هو في عام ١٣٠١ هـ وهي بخط عبد العزيز بن عبد الرحمن بن حنيشل وشهادة بَرَّاك آل منصور وتحتها مثلها، ولكن بخط محمد العبد العزيز بن سويلم.
стр. 4020
ومنهم فوزان بن عبد العزيز السابق من طلبة العلم الأدباء له قصيدة رثاء في الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن آل الشيخ منها:
على الحبر بحر العلم بدر المدارس ... وشمس الهدى فليك أهل التدارس
فلا نعمت عين تشح بمائها ... وقلب من الأشجان ليس ببائس
قال ابن بسام: وهي مقطوعة جيدة (١).
ترجم له الشيخ صالح بن سليمان العمري، فقال:
الشيخ فوزان بن الأمير عبد العزيز بن فوزان آل سابق:
من أمراء الشماسية، أكثر الأخذ عن الشيخين محمد بن عبد الله بن سليم ومحمد بن عمر بن سليم حتى صار من العلماء الكبار، وكان له شخصية قوية، وهو من المناصرين لآل سليم والذابين عنهم ومن المؤيدين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب والداعين لقيام الدولة السعودية في مطلع القرن الرابع عشر، وقد حضر دخول الملك عبد العزيز لعنيزة، وشارك في ذلك.
وعندما دخل الملك عبد العزيز عنيزة صعد الشيخ فوزان لإحدى منائر عنيزة، ونادى بأعلى صوته الحكم لله ثم لعبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل.
وقد لازم الملك عبد العزيز قدر ثلاث سنوات، يغزو معه ويحضر مجالسه وهو الذي كتب الورد للملك عبد العزيز، وبآخره أبيات من نظمه يمدح فيها الملك عبد العزيز ويذكر كتابه للورد مؤرخة في عام ١٣٢١ هـ كما يظهر من الكتابة وهو شاعر بليغ وهذا نموذج لشعره:
قال الشيخ فوزان بن عبد العزيز في مدح الشيخ سليمان بن سحمان لما
стр. 4021
ألف الصواعق المرسلة على الرجل المسمى (الكسم) واصحابه:
وانظر صواعق علم احرقت شبها ... ملفقات لهم نالوا بها الشللا
الجهبذ الفاضل الموهوب تكرمة ... مردى العداة الذي لحق قد عقلا
ومن حمى ملة الاسلام وانتشرت ... منه الردود على الأعدا وما غفلا
بالنظم حقا وبالمنثور فاتضحت ... معالم الحق اذ أحياله سبلا
اعني (سليمان) من سارت فضائله ... مسيرة الشمس في الأقطار اذ فضلا
فانظر لحزب الردى حقًّا فقد غرقوا ... في بحره وانجلى بالحق ما انسللا
وكان قبل ولاية الملك عبد العزيز لنجد قد ترك البلاد، ونزل في قطر خوفًا على نفسه من آل رشيد واتباعهم، ولما علم بفتح الملك عبد العزيز للرياض قدم إليه، ورافقه إلى أن دخل القصيم بلدًا بلدًا وله مراسلات مع الشيخ صالح السالم البنيان قاضي حائل، ومع الشيخ سليمان بن سحمان، كما أن له قصائد قد توجد عند أبناء الشيخين وأحفادهما، وله ردود على المخالفين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأبنائه.
ولما أعلن محمد بن عبد الله المهنا استقلاله بإمارة القصيم ذهب الشيخ فوزان إلى قطر وبقى هناك إلى أن توفي ﵀.
وكان الشيخ فوزان رجلًا فصيحًا قويًّا لا تأخذه في الله لومة لائم في الجهر بالحق ولذلك لم يستقر به المقام لكثرة المخالفين له قبل استقرار البلاد على يد المغفور له الملك عبد العزيز.
وللرجل نشاط في الدعوة وله تلامذة في قطر لكن لم نعرف أسماءهم، أما في القصيم فإنه لعدم استقراره إبان الفتن لم يتفرغ للتدريس وإلا فإنه من المؤهلين لذلك، وقد توفي ﵀ قرابة عام ١٣٢٦ هـ في قطر عن عمر يناهز الخمسين عاما ﵀ (١).
стр. 4022
السابل:
بكسر الباء: أسرة صغيرة من أهل الحمر ليس لدي معلومات عنها إلا ما جاء في وثيقة ذكر فيها (خالد بن سابل).
والصبخة التي كان يملكها في شمالي الحمر الهملان، والمراد: هملان الحمر، وهي نخيل عرفت بهذا الاسم.
والوثيقة مبايعة بين سليمان بن ضيف الله الوكيل لوفاء دين خالد بن سابل وبين ناصر بن سليمان العجاجي (مشتر).
والثمن مائة وستون وزنة تمر وستون صاع عيش، أي قمح، وستة ريالات، والجميع دين ثابت حال في ذمة خالد.
والشاهد علي الفهيد، وهو وريث لخالد.
والكاتب علي بن عبد العزيز السالم، من أسرة السالم القديمة السكنى في بريدة.
والتاريخ سنة عشر من ربيع الآخر سنة ١٢٨٤ هـ، وقد صادق عليه الشيخ القاضي محمد بن عبد الله بن سليم في ١٣ شوال سنة ١٢٨٤ هـ.
стр. 4023
السَّالم:
أسرة كبيرة من أهل بريدة، بل كانوا موجودين في منطقتها قبل أن تتخذ بريدة هذا المسمى الذي أصبح بلدة ذات كيان واحد، إذ كانت منطقة بريدة تتألف من مزارع متفرقة صغيرة حتى في عرف القدماء الذين كانت القرى والمدن في عهودهم صغيرة محدودة المساحة والسكان.
فكانت للسالم محلة خاصة بهم تسمي (جورة السالم) والجورة في لغتهم هي المحلة التي تتألف من مساكن مع ما يتبعها من أرض للزراعة أو لتكون مرافق لها.
وقد بقيت (جورة آل سالم) معروفة حتى بعد أن اتسعت بريدة وصارت مدينة وكانت تتألف من شارع واحد عليه بيوت لآل سالم لا يشاركهم فيها السكنى غيرهم يمتد شمالًا وجنوبًا يغلقه بابان أحدهما شمالي، والآخر جنوبي فكانوا في القديم يغلقون البابين حتى تكون هذه (الجورة) أو المحلة بمثابة البلدة الصغيرة المحصنة.
وعندما كبرت المدينة وكثرت بيوتها وشوارعها وأزقتها وكثر آل سالم خرج أكثرهم من هذه الجورة لأنها ضاقت بهم، ولأنه صار لبريدة سور عام، وقوة تمنع بها من أراد أن يعتدي عليها ولكن بقيت هذه المحلة (الجورة) تعرف بذلك.
وقد أراني والدي حدودها وأنا صغير فكانت تتألف من زقاق وهو الذي يسمونه السوق يبدأ من الجهة الجنوبية من سوق (قبة رشيد) القديم من الشمال ويمتد حتى يتعدى ما يحاذي مسجد ناصر السيف الذي كان يسمى قديمًا (مسجد الجردة) وقد هدم المسجد الآن وهدمت (جورة السالم) وما حولها وأدخل ذلك كله في السوق المركزي لبريدة الذي أصبح سوق الخضرات والتمور ونحوها.
وكانت بقيت بقية منه قبل هدمه بنحو مائة سنة تعرف بدور السالم (دور آل سالم) لدينا من ذلك وثائق عديدة منها هذه:
стр. 4024
وكانت لآل سالم الإمارة على هذه المحلة وما حولها، بل كانت إمارتهم أكبر إمارة في المنطقة في ذلك الزمان وذلك لضعف تلك الأماكن وقلة سكانها، قبل أن تتخذ بريدة شكلها الموحد، وقبل أن يقدم إليها (آل أبو عليان).
وحدثني أكثر من واحد من المسنين من هذه الأسرة أنه عندما جاء آل أبو عليان إلى منطقة بريدة، وصارت الإمارة لهم فيها، ثم انقسموا على أنفسهم إلى طائفتين الأولى هي جماعة الدريبي والثانية جماعة آل حسن صار بعض آل سالم يقاتلون إلى جانب الدريبي وبعضهم إلى جانب آل حسن فجمعهم أحد عقلائهم وأثريائهم على ذبيحتين أو ثلاث، وقال لهم: اسمعوا يا السالم - في القديم كانت الإمارة لنا ونحن نقاتل عليها من أجلنا، وأما الآن فالإمارة لآل أبو عليان، فلا ينبغي أن يقاتل بعضنا بعضا من أجلهم، والأفضل أن نقف على الحياد، فنكون مع من نرى أنه الأفضل.
стр. 4025
قالوا: وكانوا يجلون هذا الرجل ويحترمون رأيه.
وكانت منطقة بريدة وسكانها تدفع الزكاة لبلدة الشماس المجاورة لأن (الشماس) كانت قوية وهي أقدم عمارة من بريدة.
وعندما توطدت البلدة وصارت ذات كيان امتنعت عن دفع الزكاة للشماس، بل صارت تقاتلها حتى صار أهلها لا يقدرون على محاربة أهل بريدة.
وأذكر أنني زرت الإخباري النابه (إبراهيم بن محمد البليهي) والد صديقنا وزميلنا الشيخ صالح البليهي الذي ألف الدكتور محمد الثويني رسالته في ترجمته، وحصل بها على درجة الدكتوراه.
وكان إبراهيم البليهي مريضًا، بل كان في آخر أيامه قبل وفاته بأسبوع فذهبت مع زميلي وهو ابنه الشيخ صالح البليهي لزيارته في مكانه في التغيرة وكان لا يستطيع الجلوس إلا لمدة محدودة ويضطر إلى الاضطجاع، فتطرق الحديث إلى (الشماس) وبريدة وامتد الحديث إلى أسرة السالم، فقال البليهي: هذه الأسرة كان لها شأن في بريدة القديمة، ولو كنت مرتاحًا لأخبرتك بالكثير مما أعرفه عنها، قال: ومن ذلك ما يتناقله كبار السن الذين أدركناهم عمن كانوا قبلهم، قالوا: إن أبنًا لأمير الشماس تطاول على شاب من آل سالم، فانتهره ابن سالم، وقال له: قف عند حدك، أنا عليَّ ثوب جديد مثل ثوبك ومعي سيف طيِّب مثل سيفك، ولي جماعة يفزعون لي مثل جماعتك، فإذا تجاهلت هذا فمدّ يدك عليَّ، قال البليهي: ولما كان ابن أمير الشماس يعرف ذلك حق المعرفة وقف عند حده بالفعل.
وكان إبراهيم البليهي مريضًا بقلبه فلم أحب أن أجهده بالحديث زيادة على ذلك، وقد مات ﵀ بعد ذلك بأيام يسيرة.
стр. 4026
فروع السالم:
تفرعت من أسرة (السالم) فروع هي:
النصار.
الغصن.
العبودي.
الذيب.
المبارك.
العبود.
الحسن.
الهلالي.
الدودل.
الشعلان.
الصليهم.
الحماد.
العضيب.
الزيد.
وبقيت على اسم (السالم) طائفة كبيرة، يصعب إيضاح اتصالها بأصل الأسرة لتشابه الأسماء، فصارت لا تعرف إلا بالألقاب التي تميز فروعها عن بعض، ولكن الألقاب لا تشملهم كلهم وبعضها لا تذكر في الوثائق والصكوك
стр. 4027
ونحوها، وذلك بالنسبة لمن بقوا منها على اسم السالم.
أما من تفرعوا منها وصارت لهم ألقاب أخرى فإن التمييز بينهم ممكن، وقد فعلنا ذلك، إذ ذكرناهم فيمن ذكرنا من الأسر ذوات الاسم المتميز الذي تعرف به.
وقد لحق ببعض الذين لا يزالون على اسم السالم ألقاب مميزة لهم، فجماعة منهم يسمون (الكِدْس) بكسر الكاف وإسكان الدال، والكدس: هو الكومة من القمح الذي يحصد ويجمع في قصبه وسنبله قبل أن يداس ويذري، واللفظ عربي فصيح ذكرته في معجم: (الأصول الفصيحة للألفاظ الدارجة).
وطائفة يسمون (الرقيطا) والرقيطا في الأصل: تصغير الرقطا وهي السحابة في السماء، إذا كانت على هيئة نقط متواصلة كجلد النمر، لأن النمر أيضًا أرقط.
وطائفة ثالثة اسمها: (الكشر) والكشر والكشرة مقدمة فم الإنسان وقد ذكرت هذه اللفظة أيضا بتوسع في معجم (الأصول الفصيحة للألفاظ الدارجة).
وكلهم لا يحبون هذه الألقاب، ولذلك لا يواجههم الناس بها ولا تذكر إلا على سبيل التمييز في المجالس الخاصة، وبين الأفراد، بخلاف ما إذا كان المجلس عامًا أو فيه علية من القوم، فإن الحاضرين لا يذكرون الإنسان إلا باسمه ترفعًا عن الألقاب.
مع أن هذه الألقاب لا تشعر بذم ولا بنقص، أما الذين من السالم ليس لهم ألقاب ممن بقوا على اسم (السالم) فإنهم يعرفون بأماكن سكناهم، كأن يقال: ابن سالم راعي واصط أو راعي المريدسية، أو راعي الوجيعان، وهكذا.
الذين ذهبوا إلى العراق:
ذهبت طائفة من آل سالم إلى العراق مثل غيرهم من الأسر واستقرت فيه ولا نعلم عددهم ولا الفرع الذين هم منه ولكن يظهر أن ذلك كان قبل أن يتفرع آل سالم إلى فروع.
стр. 4028
وقد سكنوا في العراق وهجروا نجدًا، حدثني الشيخ عبد العزيز بن غصن آل سالم وهو شيخ عالم قال: قال لي ابن عمنا عبد الله بن علي السالم، وهو طالب علم وإخباري مجيد: أبشرك إننا سألنا عن عيال عمنا السالم اللي راحوا للعراق عساهم ما تشيعوا أي لم يصبحوا من الشيعة، قأخبرنا الناس أنهم لا يزالون على مذهب أهل السنة!
أقول: وجدت في دفتر مديهش بن محمد من أهل الشقة الذين نزلوا العراق، وقد اشتغل بالتجارة في بغداد حتى أثرى واستفدنا من قيوداته فوائد جمة ذكرًا لبعض آل سالم الذين ذهبوا للعراق في مداينات وقيود تجارية.
منها هذه الورقة التي كتبت في بغداد تقول عند سليمان الحمد السالم المديهش بن محمد أربعة وثمانين رس حمر، ومعلوم أن الرس نوع من القماش كان يسمى في نجد (رشَّا) بالشين المعجمة.
ثم قالت الوثيقة والوعده أي الأجل المضروب للوفاء بالدين هو طلوع جماد التالي أي انقضاء شهر جمادى الأولى: هلال رجب.
وأشهد على ذلك أناسًا من عقيل الذين كانوا موجودين في العراق، وهم إبراهيم الزايدي، وشخص أخر اسمه شيخ عقيل، قالت: وشهد على ذلك شيخ عقيل في سنة ١٢١٦ هـ.
فهذه الوثيقة تاريخها قديم نسبيًا وهو سنة ١٢١٦ هـ.
стр. 4029
ووثيقة تتعلق بمديهش بن محمد (المديهش) وشهد فيها سليمان بن حمد بن سالم عام ١٢١٧ هـ.
ونصها بحروف الطباعة:
أقول أنا - يا عبد الرحمن بن إبراهيم بن علي بن محمد بأن عليَّ وفي ذمتي لناقل التمسُك مدهش بن محمد ستمائة قرش وخمسة وعشرين قرش روم الذي نصيفتها عن
стр. 4030
غلط أو نسيان ثلثمائة واثني عشر قرش ونصف، عَيْن.
والوعده بجماد التالي عبد الله العلي بن إبراهيم شهد على ذلك سليمان بن حمد بن سالم، حرر في ١٢١٧ هـ.
وواضح من أسلوبها ومن طريقة كتابتها أنها مكتوبة في العراق، إذ ورد فيها لفظ (ناقل التمسُّك) وهو السند أو الوثيقة، كما وردت فيها عبارة رأيتها في أكثر من وثيقة من مداينات مدهش وهي ذكر نصف الدين من باب تأكيده كله لئلا يفهم من الكتابة في حالة عدم ذكره أن الملغ انقص من ذلك، ولذلك قالت الوثيقة: (نصيفتها عن غلط أو نسيان) وذكر الوعدة بمعنى حلول أجل الوفاء بالدين.
هذا ومن العدد الكبير منهم الذين لا يزالون يحتفظون باسم السالم كان (السالم) أهل خب واصط فكان معظم ذلك الخب لهم لأنهم الذين أسسوه كما سيأتي، وكانت لهم أملاك أخرى في الشماس وشمالي الصباخ مثل النهير.