← Ансаб

Ансаб · id 147374

معجم أسر بريدة

محمد بن ناصر العبودي

Полный текст (11 097 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

والرحمة بالموعوظين في تذكيرهم بمهمات أمور دينهم ودنياهم. ومن أقوال شيخنا رحمه الله تعالى التي حفظت عنه ولا ينبغي إغفالها، أنه كان يقول: ما دام أن الجماعة اختاروا أن أكون متقدمًا عليهم بالإمامة فلماذا لا أتقدم عليهم في المجيء إلى المسجد في أول أوقات الصلوات الخمس قبل أن يحضروا إليه، انتهى. ولذلك فإنه يبادر الأوقات فلا يكاد يؤذن المؤذن إلا وهو في المسجد، وإذا قيل له: تواني قليلًا فالوقت لم يحن بعد وأنت مبكرًا عليه، فيقول: عوقي من قول أنت مبكر، انتهى. ويعني من كلمة عوقي أنها من وسائل تثبيط العزمات، ودواعي الكسل. وكان شيخنا سليمان رحمه الله تعالى كيسًا فطنًا حازمًا لا يتوانى ولا يدع قربة يقدر عليها تذهب دون أن يأخذ منها بنصيب. وكان رحمه الله تعالى يحث أئمة المساجد بالمبادرة في الحضور إلى المساجد في أول الوقت، والمحافظة على السنن الرواتب فيها ليحصل التأسي بهم، فهو يقول لهم: صلوا الرواتب في المسجد ليقتدي بكم المأموم فلا يدعوا الرواتب، وإذا لم تصلوها في المسجد فقد يقول بعضهم ما دام أن إمامنا لا يتنفل فنحن من باب أولى، حتى وإن كانت التهمة لا توجه إليكم أنكم تتركون التنقل في البيت، بل الظن فيكم حسنًا، وأنتم على سنة ولكن القدوة لها مكانتها، فكونوا قدوة صالحة لجماعتكم في الحضور إلى المساجد في أول أوقات الصلاة والطمأنينة فيها، وطول المكث فيها لتطمئن نفوس المصلين خلفكم، أنتهي. وكان رحمه الله تعالى ينهض أئمة المساجد ويؤكد عليهم أن يواصلوا وعظ جماعتهم ما بين وقت وآخر، وأن يستديموا الوعظ فيما بين أذان العشاء، إلى إقامة الصلاة، بما يناسب من كتب التفسير والأحكام والسير والوعظ،

стр. 4307

وبحسب ما تتحقق به استفادة الحاضرين لسماع الموعظة. كما كان يؤكد عليهم تذكير المصلين بعد صلاة العصر بثلاثة أحاديث مع شرح موجز لمعانيها، وأن لا يتركوا ذلك حتى ولو كان جماعة المسجد علي قلة، فليس من شرط التذكير كثرة الحضور والسماع، ولكن المراد التبليغ وإحياء مجالس الذكر وتفقيه الناس. وكان يقول: إن بعض الناس يحتاجون إلى إلزامهم بالمواعظ وشبههم بالإبل التي لا تشتهي الطعام ولكن تلزم إياه بفتح أفواهها ووضع الطعام ما بين أسنانها، وإغلاق الفم لكي تبتلع ما وضع فيه من طعام، وهكذا الحال في وعظ الناس منهم من يلزمون المواعظ حتى تنفتح نفوسهم ويرغبون في الموعظة ويستحلونها. وكان يقول: خوف الناس بالله فإذا رايتهم بدأوا يحترقون من الخوف بالله فأذكر لهم آيات الرجاء وأحاديث الرجاء، وذلك لئلا ينهمكوا مع الرجاء ويضعفون جانب الخوف، لأن الخوف والرجاء ركنان من أركان العبادة، وما ذاك إلا لأن أكثر النفوس تميل إلى الرجاء، وتقول: الله غفور رحيم، وعفو كريم، وتنسى أو تتناسى أن الله شديد العقاب، عزيز ذو انتقام. وكان رحمه الله تعالى يقول: (احملوا إخوانكم المسلمين على كل خير، وإذا حصل من بعضهم هفوة أو جفوة فاطلبوا لهم المعاذير وإن لم يجدوا لهم معاذير فقولوا: لعل لهم أعذارًا لا نعلمها. وكان رحمه الله تعالى: لا يهوى أن أحدًا من الناس يتعرض الولاة والعلماء بالسباب أو الجرح أو الخوض في الكلام والتدخل فيما لا يعني، ويشتد نهيه عن ذلك، ولا يفتح المجال فيه، ويعتبر أن للولاة والعلماء حقوقًا على من دونهم من الناس، وأنهم يحتاجون إلى من يعينهم في حمل مسئولية السلطة والعلم ولو بحماية أعراضهم والدفاع عنهم، والدعاء الصالح لهم، وإنزالهم منازلهم.

стр. 4308

وكان مما يوصي به إخوانه المسلمين أن لا يدعي أحد منهم تميزه عن أخيه المسلم ويعتبر نفسه أن له المنزلة التي لا يساميه فيها أحد غيره فيؤدي به إلى الكبر والإعجاب بالنفس، ويرى أن الناس محقوقون له فيتطلع إلى برهم به، وصلتهم له، وزيارتهم له ما بين وقت آخر، ويحرم نفسه من ثواب قيامه بالبر والصلة، وزيارة الأقارب والإخوان والمرضى بنفسه، بل يتأكد على المسلم في هذه الحياة أن يعتبر أنه هو المحقوق للمسلمين حتى يكون دائمًا فطنًا مراعيًا لما عليه من الحقوق، ومهتمًا بها، وقائمًا بها للقريب والبعيد من المسلمين. وهي التي كان يوصي بها شيخنا، وينهي عن ترك مثل هذه الاجتماعات، ومما كان يوصي به شيخنا رحمه الله تعالى إكبار المعروف والإحسان، والدعاء الصالح، لكي تواصل فعل الخير، وتعم المنافع منه، وتنفتح أبواب التأسي بمن يفعلون الخير ويتنافسون فيه. وكانت وصيته قائمة في إكرام العلماء وإنزالهم منزلتهم التي أنزلهم الله إياها. حتى ولو حصل من بعضهم خطأ في أمر اجتهدوا فيه وهم معذورون به، وبين أيديهم مسائل خلاف في فروع الدين، وأكثر طلاب العلم يقل فيهم إدراك علم مسائل الخلاف، فكيف يكون تخطأة للعلماء ممن قصر علمهم، ولم يكن عندهم إلمام في مسائل الخلاف. ومن وصاياه النافعة: حثه المتواصل لمعاصريه من الناس على اغتنام وجود العلماء وتواجدهم بن أظهر الناس في هذه البلاد المباركة بالقرب منهم ومجالستهم وحضور حلقات علمهم وتعليمهم، ووعظهم وتذكيرهم. ويقول: إياكم أن تؤثروا عليها عوارض الشهوات، ودواع النفس الأمارة بالسوء، وترغبوا في الاشتغال عنها بالزوائد من مكتسبات الدنيا عن الكفاف، أو الأنس بالبديل عنها من قيل وقال.

стр. 4309

وكان يقول: أشكروا نعمة الله عليكم بما أنتم فيه من نعمة الأمن والرعاة المصلين وتواجد علماء السنة بين أظهركم فلا تحتاجون في طلب العلم والفتيا إلى أسفار خارج البلاد، وتحمل نفقات وأوقات كافية تمكن من إدراك المطلب من العلم. وكان رحمه الله تعالى: يكثر من التذكير بما قام به شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى من تجديد أمر هذا الدين، والسعي المتواصل في بيان الحق والحث على الأخذ به، وتركه ما يخالفه حتى طهرت النفوس مما علق بها من شرك وبدع وعادات وتقاليد ما أنزل الله بها من سلطان. وكان يهتم بكتب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، تعلمًا وحفظًا ومدارسة وتعليمًا، وتوصية للناس بتعلمها وحفظ أصولها، والاستفادة منها والإفادة. وكان يهتم بكتب أئمة الدعوة رحمهم الله تعالى التي حوت الرسائل والمسائل من قبل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وأولاده وأحفاده وتلامذتهم ﵏ أجمعين. وكان يذكر في مجالسه واجتماعاته الأيادي الطيبة لأنصار دعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، ويذكر جهود الأمير محمد بن سعود رحمه الله تعالى، بما قام به من تلقي إمام الدعوة والصبر والمصابرة. ولم يثنه عن المضي في تبليغ الدعوة المباركة خصوم الدعوة الذين يحاولون إخمادها، والتأثير السيء على أنصارها، بما يحصل به التخلي عن القيام بشد أزر الداعية وتبليغ ما جاء به، لكن ذلك الأمير الجليل فتح صدره وبذل جهده، وسخر ما لديه من قوة في سبيل استقبال المصلح شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى وعقد معه العهد والميثاق للحماية والقيام بجميع ما يلزم من أمور وأحوال تتطلبها دعوة الناس للأخذ بما يدعو إليه من أصول وأحكام وأخلاق وآداب.

стр. 4310

وكان من خصال الشيخ سليمان الحميدة دعوة الناس إلى حمد الله والثناء عليه وإظهار شكره على إقامة عائر دين الله من غير ممانع أو معارض، أو تسلط وأذى. وكان من ضمن ما يقول في تذكير الناس بنعمة الله في إظهار شعائر دين الإسلام. احمدوا ربكم أنكم تغدون وتروحون لبيوت الله المساجد لإقامة فريضة الصلاة وإحياء مجالس العلم والتعليم، والوعظ والتذكير والمكث بها للعبادة والمرابطة لانتظار الصلاة بعد الصلاة من غير أن يقال إلى أين تتجهون وماذا تريدون ثم يقال لكم ارجعوا من حيث أتيتم. وهذا لما يخشاه من أنه قد يحدث فيما لو اختل الحكم وعدم الأمن، وتسلط أعداء الإسلام على المسلمين، ووقع في نفوس المسلمين ضعف الإيمان، وضعف المقاومة، وتحول المسلمون من إظهار الدين إلى إخفاء العبادات التي شرع أن تكون ظاهرة معلنة، وهذا من فقه شيخنا سليمان رحمه الله تعالى وسعة إطلاعه، وفهمه لما يطلع عليه ويقرأه من أخبار من سلف وما يتوقع حدوثه من فتن وابتلاء فيما يأتي من زمان. انتهى كلامه ورأيت ورقة مختصرة على هيئة رسالة من عبد الرحمن آل محمد الذي يدل كلامه على أنه له سلطة أوله علاقة بالسلطة وجهها إلى (سليمان السعوي) يقول فيها: خرِّج عبد الرحمن الحنيشل مائتين وزنة ومعنى خرِّج اعطها عبد الرحمن الحنيشل أو أجعلها تحت أمره، ثم فسر المراد منها بقوله: وهي النصف اللي للشيوخ، والشيوخ هو الحاكم، وقد كتبت في عام ١٢٩٠ هـ. وذلك زمن إمارة مهنا بن صالح أبا الخيل على القصيم.

стр. 4311

ومنهم الشيخ عبد الله بن عودة بن عبد الله السعوي، تولى عدة مناصب قضائية منها قضاء جيزان ورئاسة المحكمة الشرعية في الدمام. ذهب الشيخ عبد الله بن عودة السعوي مع الدفعة الثانية الكبيرة من المشايخ أهل نجد الذين أرسلوا قضاة ومرشدين إلى اليمن في عام ١٣٥٣ هـ. والمراد باليمن جنوب المملكة جهة جيزان وما عنها شمالًا وجنوبًا من الساحل. وكان الملك عبد العزيز آل سعود ﵀ قد طلب من الشيخ عمر بن محمد بن سليم قاضي القصيم أن يختار جماعة من الإخوان وطلبة العلم المذكورين وهم الذين حصلوا على قسط كبير من العلم يؤهلهم للقضاء والإرشاد هناك. فاختار الشيخ عمر أحد عشر شيخًا كلهم من أهل القصيم هم: - عثمان الحمد المضيان من أهل بريدة.

стр. 4312

- عبد الله بن عودة السعوي من أهل بريدة. - علي بن عبد الرحمن الغضية من أهل بريدة. - عبد الرحمن الطرباق من أهل بريدة. - عبد الله المحمد العامر من أهل بريدة. - عبد الرحمن بن عقيل العقيل من أهل عنيزة. - عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل من أهل عنيزة. - عبد الرحمن الغانم الجمعي من أهل عنييزة. - صالح البريه من أهل الرس. - صالح بن محمد السلطان العمرو من أهل البكيرية. - محمد ... الربع من الرس. والتحق بهم الشيخ عبد الرحمن المحيميد في مكة المكرمة. ومما يذكر في أمرهم أن الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العقيل وهو أحدهم حدثني بأمرهم وكيف ذهبوا من بريدة إلى مكة المكرمة للحج وأن الشيخ عمر بن سليم كان حَجَّ أيضًا وبحث أمرهم مع الملك عبد العزيز. وقال لي الشيخ ابن عقيل: إن جميعهم قد التحقوا بالدار الآخرة إلا أنا، فأنا الوحيد الذي بقي منهم حتى الآن على قيد الحياة! ! ! حدثني بذلك عام ١٤٢٣ هـ فقلت: لا عجب في ذلك لأن سفرتكم تلك كانت مضت عليها سبعون سنة. ولكن الشيخ ابن عقيل كان ولا يزال حاضر الذهن، بل صافي الفكر، لم يتغير من فكره شيء رغم بلوغ سنه التسعين في هذا العام، إذ ذكر لي أن ولادته كانت في عام ١٣٣٣ هـ. ووالد الشيخ عبد الله بن عودة السعوي ورد ذكره في وثيقة مؤرخة في عام

стр. 4313

١٢٩٩ هـ بخط العالم المشهور صالح بن دخيل وذلك في مدينة الدائن فيها عبد الرحمن بن عبد الله الصوينع والمدين دبيان العبد الله النعيم من أهل الشماسية. والشاهدان فيها هما عودة العبد الله السعوي ويوسف المزيني. وخط كاتبها واضح معروف فلا حاجة إلى نقلها بحروف الطباعة وإنما ننقل صورتها هنا: كان الشيخ عبد الله بن عودة السعوي جادًا بعيدًا عن المزح والهزل لا يطيقه إذا كان ذلك في الأمور الدينية، وقد ابتلي مرة بحمد بن محمد الصقعبي الملقب (حمدة). كان من عادة الشيخ السعوي وهو في الدمام أن يبقى بعد صلاة الفجر في المسجد على ذكر وتلاوة قرآن، وفي تأمل أو نعاس بحيث لا يخرج من

стр. 4314

المسجد إلى البيت إلا بعد طلوع الشمس فأراد حمد الصقعبي أن يمزح معه في وقت لا يحب فيه المزح أصلًا وهو بعد صلاة الفجر فجلس بجانبه، وقال: أحسن الله إليك أبي أسألك يا شيخ عبد الله، فقال له الشيخ: ماهوب هالحين إن شاء الله إذا طلعت الشمس تعال عندنا بالبيت أو مر علينا بالمحكمة. فقال: لماذا؟ فقال الشيخ: لأن هذا الوقت وقت ورد ودعاء، فقال الصقعبي: أنا أبي أسألك مسألة دينية، ولا تتحمل التأجيل لأن الذي أوصاني أسألك عنها امرأة ستسافر قبل طلوع الشمس، فقال الشيخ: إسأل. قال: المرأة إذا كان لها عبد مملوك، هل يجوز لها أن تسرره؟ يعني يكون لها (سِرِّي) يعاشرها كما يعاشرها زوجها، إذا لم يكن لها زوج، فامتعض الشيخ ابن عودة من هذا السؤال، وقال: ايش هذا؟ فقال الصقعبي قالت لي المرأة: الرجل إذا صار له عبدة مملوكة جاز له أن يتسررها ويعاشرها كما يعاشر الرجل زوجته؟ والمرأة إذا كان لها عبد تملكه ما تسرره، ويكون لها كالزوج؟ ثم استدرك الصقعبي قائلا: المرأة تقول: أنا مالي زوج وأعرف أن المرأة التي لها زوج لا يجوز لها أن (تسرر) عبدها لكن اللي مالها زوج القياس انها تسرر عبدها! ! وكان الشيخ يعلم مثلما أن الصقعبي يعلم أن ذلك لا يجوز ولكنه جاء بذلك على سبيل المزاح! ! ! توفي الشيخ عبد الله بن عودة السعوي في عام ١٣٧٩ هـ. ترجم له الشيخ إبراهيم العبيد بقوله:

стр. 4315

وفيها وفاة الشيخ عبد الله بن عودة رحمه الله تعالى، وهذه ترجمته: هو العالم الزاهد ذو العقيدة والمعرفة الشيخ عبد الله بن عودة بن عبد الله بن علي بن سليمان آل سعوي يرجع نسبه إلى قبيلة عنزة، وكان منشأه من قرية المريدسيّة من أعمال بريدة، ولد سنة ١٣٠٨ هـ. وفي السابعة من عمره أدخل مدرسة أهلية للدراسة وتعلم القرآن فأخذ يتعلم حتى ختم القرآن ثم تعلم مبادئ الكتابة والحساب على حسب سير الدراسة إذ ذاك. ولما حفظ القرآن وكان قد بلغ من العمر اثنتي عشرة سنة أخذ يطلب العلم من المشايخ فأخذ عن الشيخ عيسى الملاحي وأخذ عن الشيخ عبد الله بن حسين أبا الخيل وأخذ عن الشيخ عبد الله بن فدا العالم الزاهد، وجعل يتردد إلى مدينة بريدة يأخذ عن الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم وعن الشيخ عمر بن محمد بن سليم وكان ورعًا ناسكًا وعليه السكينة والوقار وله سمت حسن. وفي عام ١٣٤٦ هـ عين إمامًا وواعظًا ومرشدًا في قرى بني مالك، ولما كان في ١٣٥٣ هـ وطلبت الحكومة من الشيخ عمر بن محمد بن سليم قضاة وأئمة ووعاظًا إلى جهة عسير وجيزان كان من ضمن الذاهبين فكان قاضيًا في صبياء ثم نقل إلى قضاء جيزان، فكان رئيسًا لمحاكمها هناك ثم إنه نقل إلى الدمام في المنطقة الشرقية فكان رئيسًا للمحاكم هناك واستمر على سيرته، وكان مسددًا في أقضيته ويحرص على الصلح ليرضي الخصمين، وكان متأنيًا ومعه خوف من الله تعالى مديمًا على ذكره وصولًا لرحمه ويحب الإصلاح بين الناس متحريًا العدل والإنصاف إلى أن شعر بالشيخوخة فتقدم بطلب إحالته إلى المعاش فأجابت الحكومة طلبه وعاد إلى وطنه بريدة. كان له حظ في الوظائف التي نالها، ومع مزاولة هذه الأعمال فإنه لم يشاغب أحدا ولم يتقدم خصم بشكاية ضده متظلمًا، بل كان موضع الإعجاب

стр. 4316

من حكومته وأمته، وأسرة الشيخ عبد الله مشهورة في القصيم (١). وترجم الأستاذ محمد بن عثمان القاضي، فقال: عبد الله العودة السعوي، من بريدة . هو العالم الجليل الورع الزاهد الشيخ عبد الله بن عودة بن عبد الله السعوي من قبيلة عنزة، ولد هذا العالم في قرية المريدسية قرب بريدة، فيه ٥ من ذي القعدة من سنة ١٣٠٨ هـ ونشأ نشأة حسنة ورباه والده أحسن تربية وقرأ القرآن وحفظه على مقرئ ثم حفظه عن ظهر قلب وشرع في طلب العلم بهمة ونشاط ومثابرة على الطلب على مشائخ بلده، من أبرزهم عبد الله بن حسين أبا الخيل، وعيسى الملاحي، وكانا من ساكني المريدسية، لازمهما في أصول الدين وفروعه، وفي علوم العربية، ثم انتقل إلى بريدة للتزود والاستفادة من العلم فقرأ على علمائها ومن أبرز من أخذ عنه العالم الزاهد الشيخ عبد الله بن فدَّا وعبد الله وعمر بن محمد بن سليم لازم هؤلاء في أصول الدين، وفروعه، وفي الحديث وعلوم العربية وجد في الطلب وثابر عليه زمنًا، وكان نبيهًا فطنًا ومن أوعية الحفظ والفهم ومن بيت علم، وأشهرهم سليمان بن ناصر السعوي، وفي سنة ٤٥ تعين إمامًا لبني مالك من قرى الطائف ومرشدًا وموجهًا فصار داعية خير ورشد وخطيبًا في جامعها، وكان شجاعًا باسلًا غزا مع الملك عبد العزيز في فتوح الحجاز، وفي عام ١٣٥٣ هـ تعين قاضيًا في صبيا من أعمال جيزان وذلك أن الملك طلب من عمر بن سليم تعيين قضاة لتبعثهم الحكومة لليمن، فكان المترجم له أحدهم وباشر عمله في صبيا وأحبه أهلها وألفوه ولكن الجو لم يناسب صحته مع أهله ففي عام ١٣٥٦ هـ تعين قاضيًا في هجرة دخنة ثم طلب أهالي صبيا من الملك إعادته إليهم فأعاده إليهم وذلك في شوال من عام ١٣٥٩ هـ وفي سنة

стр. 4317

١٣٦٢ هـ تعين قاضيًا في جيزان ثم رئيسًا لمحكمتها خلفًا لمحمد التويجري وسدد في أقضيته زمنًا وصار له مكانة مرموقة بينهم ومحبة في قلوبهم، وكان يصدع بكلمة الحق لا يخاف في الله لومة لائم مثالًا في العدالة وفي النزاهة والاستقامة في الدين وآية في الورع والزهد ثم إن الشيخ محمد بن إبراهيم نقله إلى المنطقة الشرقية في محكمة الدمام وما يتبعها فرحل إليها وباشر عمله بحد وحزم، وكان كثير التأني في أحواله كلها، وكان كثير الخوف من الله كثير التلاوة يتهجد في الليل ولا يفتر لسانه من ذكر الله حتى صار له إلفة لا عن كلفة وكان قوي الصلة بوالدي عثمان بن صالح وبينهما مراسلات وهو في صبيا ويؤمن عنده فلوسه، وفي عام ١٣٧٢ هـ طلب الإحالة إلى المعاش التقاعدي فأحيل إليه حينما طعن في السن وأرهقته الشيخوخة ومن ورعه أنه كان لا يحكم بالقضية إلا بعد استشارة العلماء مراسلة أو مشافهة، وكان يحرص على الصلح وقيام الخصمين مقتنعين ويحب إصلاح ذات البين عطوفًا على الفقراء واليتامي وصولًا لرحمه ذا أخلاق عالية ومآثر حسنة مرض فسافر للمعالجة في مصر فتوفي بالقاهرة بعد مرض طال ودفن في ٥ من شهر ذي القعدة سنة ١٣٧٩ هـ وحزن الناس لفقده لما كان يتمتع به من أخلاق عالية وصفات حسنة وخلف ابنيه محمد تنقل في وظائف عديدة في سلك القضاء. انتهى. ومنهم سليمان بن عودة السعوي. قال الشيخ صالح السعوي: سليمان السعوي: من أهالي هذه البلدة، أي المريدسية الذين خدموا في الطب الرجل العارف، المحتسب في بذل نفسه، والمتفرغ في بعض وقته، الشيخ سليمان بن عودة السعوي رحمه الله تعالى.

стр. 4318

وهو يعد من أشهر الأطباء، وأعرفهم بالداء، وأبلغهم في العلاج، وكان أكثر ما خص بمعرفته داء ذات الجنب، وهو ما يحصل من أوجاع تصيب ما بين أعظم الأضلاع، ويحدث من الرئتين التصاق لها، وحدوث السعال وغشيان الجسم بالحرارة، وحصول الفتور في الأعضاء، والاسترخاء في المفاصل، والشعور بالمرض، وكل هذه الأعراض ينبئ عنها بنوع المرض، ويفيد بطرق العلاج. حتى إنه عرف عنه أنه بمجرد رؤيته للمرض، أو مسكه لعضد يده، يتبين له ما به من مرض ونوعه، ومن ثم يخبر المريض أو أحد أوليائه عما به من مرض، وما يحتاجه من كي، ويعدد ما يلزمه من كيات يضطر لها، وعلى أنه لابد له منها. ومن البراهين على ذلك أنه في يوم من الأيام دخل على أحد الأطباء في عيادته الخاصة، وحينما رآه لحظ أعراض المرض فيه، وأنه يحتاج إلى العلاج بالكي، وكان في مراجعته لهذا الطبيب يصحبه أحد أحفاده، جاء به إلى الطبيب لعلاج مرض جراحي مصاب به، فلما نظر إلى الطبيب قال له: أنت الطبيب الذي يعالج الناس؟ ! قال: نعم، قال له: تعالج الناس وأنت مريض بنفسك؟ فأجابه قائلًا: إنني لست بمريض، قال له: بل أنت مريض، المرض الذي فيه علاجه بالكي بالنار. ثم كواه وعوفي من مرضه. وكان يعمل ذلك محتسبًا. مات في عام ١٣٧٨ هـ (١). ومنهم الشيخ محمد بن عبد الله بن عودة السعوي، ولد في عام ١٣٤٣ هـ، وسافر مع والده إلى اليمن السعودي ثم تقلب في عدة وظائف راقية

стр. 4319

مهمة كان آخرها وظيفة برتبة وزير هي (الرئيس العام لتعليم البنات) في المملكة العربية السعودية. وقد نهض بأعباء هذه المهمة الشاقة، فقام بها خير قيام رغم صعوبتها وتشعب أعمالها وكونها في كثير من أمورها لا تتفق مع طبيعته في المجاملة بما لا يتنافى مع الحق والواجب، حتى استعفي منها بأن كتب بذلك اعتذارًا مكتوبًا للملك فهد بن عبد العزيز آل سعود، وقد استجاب الملك لطلبه، وكتب له بخط يده شكرًا على قيامه بالعمل، وتقديره له، كتب الملك ذلك بخط يده، وليس بآلة كاتبة، ولا أعتمد في ذلك على إعداد مكتبه أو غيره. وهذا في حد ذاته تقدير من الملك للشيخ محمد بن عودة قل أن يحظى به أحد غيره. وقد أطلعني الشيخ محمد العودة على ذلك بخط الملك فهد فقلت له: إنني أرجو أن تعطيني منه صورة للتاريخ، فأنا أقدر أنه لا ينبغي لي أن آخذه منك لأصوره لئلا يضيع، فقال: لا مانع، ولم يرسل صورتها إليَّ. وقد شغل الشيخ محمد بن عبد الله بن عودة السعوي وظائف عديدة رفيعة قبل ذلك، منها رئاسة المحكمة الشرعية في الرياض، وهو منصب كبير يكون حامله قريبًا من الملك وأركان دولته، ومنها عضوية رئاسة القضاة. ومنها وكالة وزارة العدل، ومنها وظيفة (الأمين العام لهيئة كبار العلماء) وأخيرًا عين رئيسًا لتعليم البنات برتبة وزير كما سبق. والشيخ محمد بن عبد الله العودة السعوي كريم الخلق، سمح النفس، محب المساعدة الآخرين في نطاق ما هو ممكن، وأحيانًا يتجاوز كرمه ما هو معروف أو محدود عند أمثاله، وقد قلت: إنه ممن يحسن أن يقال فيهم: إنهم من حسنات الدهر.

стр. 4320

ولديَّ شواهد شخصية على ذلك وعند غيري مثلها أو أكثر، ومن ذلك بالنسبة إليَّ أنه في عام ١٣٧٠ هـ. عندما كان والده الشيخ عبد الله بن عودة السعوي رئيس محكمة الخبر وهي المحكمة الوحيدة في الظهران والدمام والخبر، في ذلك الوقت وكان الشيخ محمد العودة يشغل وظيفة (نائب رئيس المحكمة) وفي الصيف ذهب والده الشيخ عبد الله السعوي من الخبر إلى بريدة ليقضي فيها إجازة محدودة أظنها شهران، بموافقة من الأمير سعود بن جلوي أمير منطقة الظهران في ذلك الوقت فصار الشيخ محمد هو رئيس المحكمة بالنيابة. فأرسل الشيخ محمد إليَّ وإلى صديقي الأستاذ علي بن عبد الله الحصين يدعونا لقضاء إجازة في الظهران، على ضيافته لأيام نحددها نحن. كنت في ذلك الوقت مديرًا للمدرسة المنصورية في بريدة وكان الأستاذ علي الحصين مدرسًا في المدرسة الفيصلية، وكان إرسال الرسالة بوساطة أخيه صديقنا الشيخ عودة الآتي ذكره. كان السفر إلى الظهران والإطلاع على العمل الذي بدأت به شركة أرامكو الأمريكية أمرًا مشوقًا بالنسبة لنا وها هو صديقنا الشيخ محمد بن عبد الله السعوي يوجه إلينا الدعوة، لذا لبيناها مسرورين. وسافرنا من بريدة إلى الرياض على ظهر سيارة نقل محملة خشبًا للمنصور الذين هم منصور بن إبراهيم المنصور وأخواه عبد العزيز وحسن، ولم تكن الطرق مزفتة وقد ذكرت تلك الرحلة في كتاب: (رحلات في البيت). ووصلنا الظهران من الرياض مع طائرة ذهبت إلى هناك لغرض من أغراض الحكومة وإلا فإنه لا يوجد طيران منتظم ولا خطوط حوية سعودية آنذاك، وإنما أركبنا فيها بالمجان ابن عمي بمعنى أنه من أسرة آل سالم التي يرجع إليها نسبنا وهو العقيد محمد بن علي الذيب رئيس الحرس الملكي ومن أقرب المقربين للملك عبد العزيز.

стр. 4321

نزلنا في الظهران على غير موعد وذهبنا بسيارة أجرة إلى الدمام فسألنا عن بيت الشيخ محمد العودة وهو مشهور في المدينة. وقد استقبلنا مثل غيرنا بالترحيب، وبقينا ضيوفًا عليه حيث أنزلنا في بيت واسع لمدة سبعة عشر يومًا تخللتها زيارة للبحرين لمدة يومين. وقد وكل ملازمتنا لابن عمه ناصر بن محمد بن ناصر السعوي، وكان وقتها كاتبًا في المحكمة، وهو شاب لبيب محب للمعرفة وكريم النفس. إن الرحلة هذه التي استضافنا فيها الشيخ محمد العودة لا تنسى لأنها أطلعتنا على أشياء في منطقة الظهران وفي البحرين من ذلك زيارة للقطيف في النهار، لأن من يبيت فيه يصاب بالحمى في ذلك الوقت، وقد أصبح هذا كله الآن من أخبار الماضي. ولكن الشيخ محمد العودة أبي إلا أن يلاحقنا بكرمه فقال لنا ونحن عنده في الظهران: ما تحبون تشرون أرضًا بالدمام تراها رخيصة لأن البلدية تبيعها برخص؟ فقلنا: نحب ذلك، ولكن ليست لدينا نقود، كنا نظن أنها تحتاج إلى أن ندفع ثمنها مبلغًا كبيرًا من المال نقدًا. وتركنا الظهران وتركنا أرضه وجَوَّه عائدين إلى بريدة، ولم نشعر إلا بأخيه عودة يعطينا صكًا وهو يقول: الأخ محمد العودة، وكان يسمى أخاه (أخًا) لا شيخا مع أنه بوظيفته القضائية ولمنزلته في النفوس يستحق ذلك، ولكنه التواضع وعدم ذكر الأقارب بالتمجيد أمام الناس، قال الشيخ عودة: يقول الأخ محمد: اشترينا لكم أرضًا وهذا صكها. وإذا بالصك يقول اشترى محمد بن ناصر العبودي وعلي بن عبد الله الحصين الأرض الفلانية من بلدية الدمام بمبلغ ثلاثة آلاف ريال وأربعمائة وخمسين ريالًا!

стр. 4322

فقلنا للأخ عودة: نرجو إبلاغ الشيخ محمد شكرنا على ذلك وأخذت أتكلم مع الأستاذ الحصين في الثمن وهل هو لدينا، فقال الشيخ عودة: يقول الأخ محمد في كتابه: إنه دفع الثمن، وقال: يمكن للإخوان يدفعون لك كل ما استطاعوا ولو على دفعات متباعدة حتى تنتهي. وهذا فرج فرحنا له وصرنا ندفع للأخ الشيخ عودة حتى خمسين ريالًا فيقيدها حتى استوفينا أداء الثمن كله. وقد وكل الشيخ محمد العودة الأخ عبد العزيز بن محمد القصير عضو هيئة الأمر بالمعروف في الدمام آنذاك وهو من أسرة القصير أهل الشقة، على استثمار هذه الأرض لنا فأجرها أول الأمر لغسَّال قريب منها لينشر فيها الملابس ويتوسع بها بثلثمائة وخمسين ريالا في السنة، وهذا ربح كثير لأنه يساوي ١٠% من قيمتها التي اشتريناها بها. وبعد وفاة الشيخ علي الحصين ﵀ بقيت وصكها عندي حتى بعناها في عام ١٤٠٤ هـ بثمانمائة ألف ريال بوساطة الأخ عبد العزيز القصير وكيلنا عليها فأخذت نصفها وأخذ ورثة الشيخ الحصين نصفها وهو أربعمائة ألف ريال. وقال لي الدكتور - بعد ذلك - عبد الله بن صديقي الشيخ علي الحصين، ما رأيت أنفع لنا من ثمن هذه الأرض زوجنا منها أخي محمد، وقد خلف الشيخ علي الحصين ابنين - واشترينا منها أرضًا بنينا عليها بيتًا لنا نسكنه، إذ أخذنا عليها قرضًا من بنك التنمية العقاري، قال: وبقيت منها بقية لكذا. أقول: أما أنا فقد جاءني نصيبي شيكًا من الأخ عبد العزيز القصير وكنت طلبت منه أن يرسل نصيب كل واحد منا إليه، وكنت شرعت في بناء بيتي في حي النزهة في الرياض الذي يسميه أولادي (القصر) لسعته لأن أرضه ألفان وخمسمائة متر، وكان يشرف عليه ابني المهندس المعماري ناصر، فدفعت له يضمه إلى بناء البيت، والمبلغ من هذه الأرض التي اشتراها لنا الشيخ محمد العودة السعوي بثلاثة آلاف وأربعمائة

стр. 4323

ريال وأقرضنا إياها جملة، ثم أوفيناه قرضه مفرقًا، حسبما تيسر لدينا في ذلك الوقت. وصاحب المعالي الشيخ محمد بن عبد الله السعوي المذكور رجل إخباري لا تمل مجلسه لأنه يحفظ نوادر القصص، وغرائب القضايا التي نظر فيها عندما كان قاضيًا في المنطقة الجنوبية من المملكة وعندما كان رئيس المحكمة الكبرى بالرياض إلى جانب ما كان سمعه من غيره، أو رواه عمن رواه له أورآه بنفسه. ولو جمع هو أو غيره من تلك الأخبار ونوادرها شيئًا مختارًا لكان كتابًا من نفائس الكتب. وقد اقترحت عليه أن يؤلف كتابًا بما شاهده أو عرفه، أو عرض عليه من القضايا والمخاصمات الغريبة في كتاب يمكن أن يسميه (غرائب القضايا) أو (ذكريات قاض) فذكر أن ذلك مهم وأنه يحفظ مادة الكتاب، ويسأل الله تعالى أن ييسر له كتابة ذلك. ثم نبهته إلى ذلك بعد أن أحيل إلى التقاعد بل بعد أن استعفي من عمله في رئاسة تعليم البنات وصار متقاعدًا فذكر أن الموضوع لا يزال في ذهنه، ولكنه لم ينجزه أو قال: يحتاج إلى المزيد من العناية. وكانت بيني وبينه مراسلات عديدة لقيته في عام ١٤٣٠ هـ بعد مضي ستين سنة على بعض تلك الرسائل فأعطاني صورة منها، وقد احتفظ بها طيلة هذه السنين. وهذا كتاب أرسله إليَّ صاحب المعالي الشيخ محمد بن عبد الله السعوي وتاريخه في ٧ رمضان من عام ١٣٤٧ هـ. حضرة الأخ المكرم محمد بن ناصر العبودي الأفخم حفظه الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: أسأل الله تعالى أن تكونوا بصحة وعافية متمنيًا لكم دوام الرفاهية والسرور، نهنئكم ببلوغ شهر رمضان المبارك وأسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومنكم ويجعل الجميع ممن يعتق فيه من النار ويعيده علينا وعليكم بالهناء والعافية وبعد:

стр. 4324

فقد مضى وقت غير قصير لم نحظى فيه بمراسلتكم ولعل التقصير وقع من أخيكم والعذر لنا في هذا هو أنني كنت في ذروة ستة أشهر منتدبًا في مهمة توزيع العوائد بطرفنا والحال أحرر لكم هذا الكتاب تجديدًا للعهد وأنه لم يطرأ من الأخبار ما تجب الإشارة عنه. لابد بلغكم نقل أخيكم لقضاء الخبر أرجو الله المعونة والتوفيق كما وأنه صدرت موافقة ملكية على تعيني عضوًا بمكتب مراقبة المطبوعات بالمنطقة الشرقية وللمكتب هذا هيئة مكونة من رئيس هو فضيلة الشيخ سليمان بن عبيد وخمسة أعضاء هم الشيخ محمد الذييب ورئيس ديوان الإمارة الشيباني ومحبكم وعضوين باللغة الإنجليزية وكاتب وفراش ومن شؤون هذا المكتب الإطلاع على جميع ما يرد للمنطقة من المطبوعات وما ينشر فيها من صحف وغيرها لحيث يصدر فيها الآن لا يقل عن خمس ما بين جرائد ومجلات، جريدة الفجر الجديد منع صدورها بأمر سامي، سيصدر في هذه اليومين جريدة من الخبر بعنوان الظهران مديرها عبد الله أبا الخيل قد أخذ الإمتياز للاسم قبل ابن ملحوق وابن ملحوق قد أخذ الإمتياز من بعده بعنوان (أخبار الظهران)، وقد صار بينهما خلف حيث صدرت جريدة ابن ملحوق بعنوان الظهران. وحسب الظاهر أنه إنتهى ذلك بأن يتمشى كل منهما على حسب إمتيازه وربما يصدر العدد الأول منها حوالي ١٥/ ٩/ ١٣٧٤ هـ وإنشاء الله نرسل لكم عددًا منه كما وأنه سيصدر مجلة من الخبر أيضًا (الإشعاع) مديرها سعد بن عبد الرحمن البواردي قد تحصل على الإمتياز والسماح له بذلك، ويمكن يصدر العدد الأول منها في آخر رمضان هذا ما لزم وبما يلزم نتشرف مع إبلاغ السلام إخوانكم والمشايخ خاصة الأخ علي الحصين ومن عندنا بخير والله يحفظكم. المخلص محمد العودة

стр. 4325

وهذه إحدى رسائلي إليه وهي مؤرخة في ٢٤/ ١/ ١٣٧٢ هـ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من الرياض حضرة الأخ العزيز فضيلة الشيخ محمد العبد الله السعوي حفظه الله سلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. بعده: أخي العزيز وصلنا كتابكم الكريم وأنا في الرياض كما وصلت برقيتكم وأنا كذلك فيها، وقد أبرق إليَّ الأخ علي الحصين بذلك ثم أرسل لي برقيتكم، والواقع يا عزيزي أنني لا أستطيع أن أعبر لك عن مبلغ شكري وتقديري لما أبديته فضيلتكم من جهد مشكور لأصحابك الثقلا الذين ما كفاهم أن يحلوا ضيوفًا ثقلاء على حضرتكم حتى كلفوكم بأن يقوم لم بما يقوم به الدلال زادك الله شرفًا وعزًا وزادك من الأخلاق الفاضلة والمكارم الجيلة التي لا يلقاها إلا ذو حظ عظيم. عزيزي: بكل ممنونية قبلنا الأرض التي اشترينها وقد سلمنا الأخ عودة حسب أمركم المبلغ ووصيت الأخ علي الحصين يكتب وكالة تصدق من الشيخ أي نائب الشيخ عبد الله بن حميد لأنني لم أمكث في بريدة غير يومين عدت بعدهما إلى الرياض بصحبة فضيلة الشيخ عبد الله بن حميد. أما عن الأخبار فنحن الآن في الرياض ومعنا الشيخ عبد الله السليمان الحميد وعلي العجاجي ننوي السفر إلى الحجاز مع فضيلة الشيخ عبد الله وأرجو أن يكون الاتصال بنا من هناك إذا كان ثم حاجة ولازم نتشرف بقضائه. أخي إذا كانت الأرض تحتاج إلى إكمال عمارة أو غيرها فمع الشكر أرجو تقاطعون عليها وتحولون علينا بالقيمة ولكم الشكر أولًا وأخيرًا سلامي لنفسك العزيزة وفضلة والدكم الشيخ عبد الله والأخ ناصر المحمد والقصير ومن

стр. 4326

لديكم عزيز ومنا فضيلة الشيخ عبد الله وعبد الله السليمان الحميد والعجاجي وكافة المشائخ في الرياض، والله يحفظكم. في ٢٤/ ١/ ٧٢ للمخلص محمد الناصر العبودي أغلب الظن أن الأخ علي الحصين قد كتب لكم من بريدة كتابًا جوابًا لكتابكم. ومن أسرة السعوي: صالح بن محمد بن الشيخ سليمان بن ناصر السعوي من تلاميذ الشيخ صالح الخريصي الحريصين على الدفاع عن المفاهيم القديمة التقليدية لبعض الأمور الدينية. صنف كتابًا مجموعًا سماه (مجموعة المناهل العذاب فيما على العبد لرب الأرباب) - طبعه في أول الأمر في مجلد واحد وطبعه طبعة ثانية في ٣ مجلدات في عام ١٤١٤ هـ. وقال في مقدمته: أقدم لإخواني المسلمين مجموعة المناهل العذاب فيما علي العبد لرب الأرباب في طبعتها الثانية نظرًا لنفاد الطبعة الأولى مع كثرتها، ذلك لما اشتملت عليه من المواضيع التي يحتاج إليها المسلم في أمر دينه. إلى أن قال: كل ذلك وغيره مما أثبت في هذه المجموعة صار لها قبول ورغبة عند من اطلع عليها، أو سمع بها .. الخ. وقد جمع فيها رسائل وقصائد وفصولًا من كتب مطبوعة ولا شيء فيها يستحق التنويه به، إلا ما كان منها لم يطبع من رسائل أو فتاوي، وقد نقلت ما يتعلق بذلك بأهل القصيم مما لم يطبع، فذكرته في ترجمة مؤلفيه. قدم له الشيخ صالح بن أحمد الخريصي بقوله:

стр. 4327

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: فقد إطلعت على هذه النبذة التي كتبها صالح بن محمد السعوي فوجدتها على اختصارها قد اشتملت على بيان كثير من مساوئ الأخلاق، والتحذير منها، والنهي عن مقارفتها، لاسيما ما ابتلي به كثير من الناس في هذه الأزمان، كما أنه نبه فيها على التمسك بمكارم الأخلاق، ومعالي الشيم، والتخلق بها، أثابه الله عن ذلك، ووفق الجميع لما يحبه ويرضاه. أملاه الفقير إلى ربه عز شأنه صالح بن أحمد الخريصي رئيس محاكم منطقة القصيم الشرعية. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. رئيس محاكم القصيم صالح بن أحمد الخريصي قال الشيخ صالح السعوي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الثانية الحمد لله الملك العظيم، البر الرحيم، الغني الكريم، العزيز الحكيم، المتفضل على من شاء من العباد بالهداية إلى الصراط المستقيم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وبيده النفع والضر وهو السميع العليم. وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله وخليله الداعي إلى هذا الدين القويم، الموحي إليه (فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك لعلى هدي مستقيم).

стр. 4328

صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ذوي المكارم والهدي القويم، وسلم تسليمًا كثيرا إلى يوم الجزاء في الموقف العظيم. وبعد: فأقدم لإخواني المسلمين (مجموعة المناهل العذاب فيما على العبد لرب الأرباب)، في طبعتها الثانية، نظرًا لنفاد الطبعة الأولى مع كثرتها، ذلك لما اشتملت عليه من المواضيع التي يحتاج إليها المسلم في أمر دينه، وسلوكه إلى الله تعالى، من مهمات العقائد الصافية، والأصول النافعة، والحكم البالغة، والآداب السامية، والتوجيهات القيمة، والإرشادات السديدة، والتنبيهات الواضحة، والمواعظ البليغة، والردود الشافية، والأجوبة الصائبة، والموارد العذبة، والثمار اليانعة، والرياض الناضرة. كل ذلك وغيره مما أثبت في هذه المجموعة، صار لها قبول ورغبة عند من اطلع عليها، أو سمع بها، حتى تكرر البحث عنها، وإبداء الرغبة فيها، والتشوق إليها، وإلى مطالعتها، والإستفادة منها، والإفادة بها، وكنت قد عزمت على أن أضيف إليها بعض المواضيع المهمة والمفيدة، والتي غلب على ظني تعذر الإهتداء إليها، كأن يكون البعض منها في ورقات متناثرة، أو محفوظات متلاشية، تكاد أن تكون في حكم المفقود، أو المتعذر إليه الوصول. فيسر الله تعالى بفضله وإعانته إستحصال وانتقال بعض عقائد وأصول نافعة، وفوائد جامعة، تعالج أشياء تلبس بها كثير من الخلق، في عقائدهم ومهمات دينهم، من الإنحراف والزيغ، والشك والشكوك والإرتياب، والشبه المضلة، والمكابرة عن الحق، والتمادي في الباطل، واختيار الذي هو أخس وأحقر وأرذل، على الذي هو أشرف وأتم وأعلى، والتقليد الأعمى في طاعة الهوى والنفس والشيطان، وفي السهو والغفلة والتيه والغرور، وكفران النعمة، وضياع أنفاس العمر في ذلك.

стр. 4329

كما أن تلك العقائد والأصول والفوائد تحت على اليقظة والإنتباه، واستدراك ما مضى من العمر بما بقي منه في الجد والاجتهاد، والمثابرة على طاعة الله ، وابتغاء ما يرضيه. وقد أدرجت تلك المواضيع فيما يناسبها من خلال المجموعة تحريًا وسعيًا وراء بلوغ الفائدة المنشودة، وحتى تنتظم مع سوابقها، ويسهل الإطلاع عليها والتروي مما صيغ فيها. وقد بذلت كلما في وسعي وطاقتي في جمع وإبراز هذه المجموعة، وقصدي في ذلك أن ينفع الله بها إخواني المسلمين، وأن أشارك إخواني الداعين إلى الله على بصيرة، وبالحكمة والموعظة الحسنة، والرفق واللين، وحسن المعاشرة بقدر المستطاع، والله ﵎ يعلم المقاصد، وما أكنته الضمائر. وأستغفر الله أن أبتغي بعملي هذا رياء أو سمعة، أو مفاخرة، أو مضاهاة، أو طلب محمدة، أو منزلة عند أي مخلوق كان، وإنما أردت بعملي وجه الله تعالى، وأن يثيبني عليه الثواب الجزيل في الدار الآخرة، والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾، ﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾. وإنه لجدير بكل مسلم أن يحب لإخوان المسلمين ما يحب لنفسه، وأن يكره لهم ما يكرهه لنفسه، وأن يهتم بأمورهم، ويسعى جادًا ومجتهدًا فيما به هدايتهم واستقامتهم، وإيصال النفع إليهم بما أمكنه قولًا وفعلًا، لا يألو جهدًا في ذلك. فما من مسلم إلا وهو على ثغر من ثغور الإسلام، ومناط به مسئولية كبرى، وأمانة عظمى، كل بحسب حاله، ومكانته بين أفراد أمته، وبني مجتمعه، فمقل من هذه المسئولية ومستكثر، فلو صدق اللهَ كلُّ مسلم، ووفى بما

стр. 4330

عليه من المسئولية، وقام بما حمل من الأمانة، لصلحت أحوال المسلمين، واستقام دينهم، وعمهم الصلاح، ونالوا الفلاح والنجاح، وحصل التعاون والتكاتف، والتآلف والتلاحم، والتناصر والتوادد بين المسلمين، (إنما المؤمنون إخوة) والمسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضًا. وما كان للمسلم أن يؤثر الكسل والفتور، ويدع المسارعة والمسابقة بالجد والتشمير في طاعة الله تعالى، والسعي فيما به صلاح الإسلام والمسلمين. ولن يتم للمسلم ذلك ويتحقق حتى يقدم مرادالله على مراد النفس الأمارة بالسوء، والهوى الميال إلى الغناء، والشيطان الذي يعد بالمني الكاذبة، والخداع والغرور. فما أعظم حاجة المسلمين إلى التعاون والإئتلاف، وإلى وفرة العلماء المحققين، والدعاة الصالحين، والوعاظ المصلحين، ذوي التقى والورع والصدق. انتهى كلامه. وقد صنف الشيخ صالح بن محمد بن سليمان السعوي كتاب (المريدسية ماض وحاضر) كتبت عنه تعريفا في جريدة الجزيرة التي تصدر في الرياض، هذا نصه: "الكتاب الذي نقدمه الآن للإخوة القراء الكرام كتاب جاد حافل عن بلدة لا تزال تسمي - على غير حق - قرية أو خبًّا من خبوب مدينة بريدة الغربية من منطقة القصيم. وتسميتها بالقرية غير صحيحة فهي أكبر من القرية وهي أشبه بكونها بلدة صغيرة لأن عدد المساجد فيها هو تسعة وعشرون مسجدًا ذكرها المؤلف بأسمائها في الكتاب. والبلدة التي يكون عدد المساجد فيها (٢٩) ليست قرية، بل لا يصح وصفها حتى ولا بالقرية الكبيرة، بل هي بلدة لا تصل إلى المدينة.

стр. 4331

وأما تسميتها بالخب فإنها صحيحة من حيث الناحية الجغرافية الاصطلاحية لأن الحبوب في اصطلاح أهل القصيم هي كثبان الرمال الممتدة شمالًا وجنوبًا تكون بينها أراضٍ طينية زراعية ممتدة مع امتداد الكثيبين من الرمال. وتسمى تلك الأراضي الزراعية بين الكثبان خبوبًا - جمع خبِّ - وهي تسمية عربية، وأحيانًا يسمى الخب باسم الذي أنشأه مثل (خب روضان) و (خب الجطيلي) وأحيانًا يكون له اسم منفرد مثل (المريدسية) هذه والقصيعة والبُصرُ والغاف، واللسيب. وقد وقفنا على وصف هذه الحبوب والقرى الزراعية بينها في الكتب القديمة ومن ذلك (صفة جزيرة العرب) للهمداني الذي كتب كتابه قبل ألف عام حيث ذكر أن القصيم رمال، وأن النخل في حواء الرمل. وهذه صفة الخبوب وليس اسمها. أما اسم (المريدسية) فإن المؤلف ذكر في صفحة ٣٦ ما كنا سمعناه من شيوخ القوم والطاعنين في السن مع اختلاف يسير. وهو أن موضع (المريسية) كانت فيه عين جارية تسمى (عين المرادي) وأن الناس كانوا يوردون عليها إبلهم ومواشيهم - بطبيعة الحال - كان ذلك قبل وجود بلدة المريدسية، بل قبل شمول العمارة المنطقة القصيم، وإنه بمضي الزمن كونت هذه العين مستنقعات تربي عليها البعوض الناقل للحمى، فأصبح الناس الذين يقيمون حولها يصابون بالحمى فصاروا يقولون: (عين المرادي سيه) أي سيئة الصحة الناس، وقد تطور هذا الاسم على لسانهم مع مضي الزمن حتى حذفوا كلمة (عين) منه فصار (المرادي سيه) ثم حولت (المرادي) إلى المريدي، فصارت علي ما هي عليه الآن (المريدسية) وهذا هو الذي ذكره المؤلف الكريم.

стр. 4332

والكتاب سفرٌ صخم ألف ٦٢٢ صفحة وقد حفل بكل ما يهتم به الباحث من أمور هذه البلدة (المريدسية). ومن لطيف ما صنعه المؤلف وفقه الله وأثابه أنه جعل عنوان مقدمته العبارة التالية (وعدُ أعان الله على تحقيقه). ويقصد من ذلك أنه كان وعد القراء بأن يؤلف هذا الكتاب فأعانه الله على تأليفه. ومما قاله في المقدمة وفي مقدمة أخرى بعنوان (مقدمة المعلومات البيانية عن المريدسية): فهذه معلومات مختصرة عن بلدة المريدسية التي هي إحدى القرى المعروفة والمشتهرة عند كثير من الناس بالخبوب، والتي تقع غرب مدينة بريدة بالقصيم، وبفضل من الله وعونه وتوفيقه استحصلت ما تيسّر من الأسباب، ومن أهمها: عدم وجود فرصة التفرغ للبحث والاستقصاء للمزيد عما تم اقتطافه من المعلومات التي سيجدها المطلع على صفحات تدوينها وتثبيتها واكتمال استيفاء الحصول والإدراك لكامل المعلومات التي تستحقها هذه البلدة. ومن دواعي هذا العمل تقديم الخدمة فيها ما دام أن الله قدر عليه، وأعان فيه، وأنعم بمعرفة علم الخط بالقلم، وأيسر بالأسباب والوسائل المبلغة لتحقيقه وإبرازه. إلى أن قال: "فما كان منِّي إلَّا أن استجيب لتلك الدواعي بعدما رأيت المصلحة في استجماع ما يتيسر من معلومات متناثرة ولا زالت غائبة عن الأنظار، والعلم بها يخفي على كثير من الأهالي فضلًا عن غيرهم من الناس، أو أن يكونوا ممن لا يهوون إشغال فراغهم في مثل هذه المعلومات، من مواضيع وفقرات استُخْلِصتْ وأُثبتت فيها. وما كانت استجابتي إلَّا بحسب ما يقدرني الله عليه، ويمكنني منه،

стр. 4333

ويمدني بالعون والتوفيق والتسديد، والتيسير والتسهيل، وأقدمت عليه مستعينًا بالله، فأخذت باستجماع ما سهل عليَّ إدراكه من المعلومات بما يقنع طالبيها، والراغبين فيها والباحثين عنها، والمنهظين الهمم لإيجادها وبروزها، والمتطلعين لتصفحها والاستفادة منها، وغيرهم". انتهى. ثم تأتي المقدمات التي قدم بها طائفة من أهل العلم والفضل والمقامات العالية في المجتمع للكتاب وعلى رأسهم وأولهم سجلت مقدمته صديقنا الجليل النبيل الشيخ محمد بن عبد الله بن عودة السعوي، الرئيس العام السابق لتعليم البنات في المملكة. ثم مقدمة للشيخ صالح بن عبد الله السلمان، رئيس لجنة الأهالي في منطقة القصيم وأحد الوجهاء والتجار العاملين المؤثرين في ميدان البر والإحسان. ثم مقدمة رئيس مركز المريدسية إبراهيم بن علي العمر. تلتها مقدمة الدكتور فهد بن عبد الله بن محمد العمري، عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وهو من أهل المريدسية. بعدها تقديم للدكتور محمد بن علي الصامل. تلاها تقديم للدكتور عمر بن عبد الله العمر، المدير العام للإدارة العامة التعليم البنات بمنطقة القصيم. وآخر المقدمات كانت للرائد عبد الله بن ناصر الغفيص. وهذه المقدمات فريدة في بابها من حيث تعددها وتعدد الأشخاص الذين أسهموا فيها.

стр. 4334

محتويات الكتاب: تبدأ محتويات الكتاب نفسه في صفحة (٣٥) حيث تتوالى العناوين، ومنها: "طبيعة الأرض". عدد السكان والتنويه عن توافر أسباب الزيادة فيهم والاستقرار. مكانة أهلها لدى ولاة الأمر ولدى عامة الناس. وفرة الماء ونوعيته. مشاهير العلماء في البلدة. تنويه بنهج طلب العلم في هذه البلدة في القديم. مشاهير من قاموا بالتعليم إضافة إلى مشاهير العلماء. وأمراء البلدة ص (١٤٩). أعضاء النظر والتقدير في البلدة ص (١٥٩). تنويه بالخدمة الدينية والدنيوية ص (١٨٠). تنويه عن المساجد في البلدة ص (١٩٣). في البلدة ص ٥٧٩. ولكن ذكر هذه العناوين مجردة لا يعطي فكرة عما تحتويه من معلومات؛ فمثلا الكلام على مساجد المريدسية يتضمن بيان من أسس المسجد ثم بيانًا بالأئمة الذين تعاقبوا على الإمامة فيه، ثم ذكر المؤذنين فيه من القدماء والموجودين. وفصل مشاهير العلماء في البلدة يتضمن تراجم العلماء وبيان ما قاموا به، وذكر تلامذتهم. وكذلك أمراء البلدة فيه بيان بأسمائهم مفصلة كل واحد منهم له ترجمة

стр. 4335

خاصة به، يذكر المؤلف في آخرها تاريخ وفاته. ومثل ذلك الكلام على المدارس في البلدة ذكر فيه أسماء مدارس الأبناء وأسماء مدارس البنات وما يتعلق بكل مدرسة من معلومات. وكذلك حلقات تحفيظ القرآن الكريم في المساجد للأولاد. وحتى شوارع البلدة وأسماءها وذكر تاريخها في بعض المواضع. وفصل طريف عن الطب (الشعبي) وذكر المشتهرين به من رجال ونساء. ومن الفصول اللافتة للنظر في الكتاب سرده قائمة بمن قام بعمل من الإحسان للبلدة وذكر لبعض المحسنين. فذكر المؤلف في هذا الفصل طائفة من المحسنين، وذكر إحسانهم، كالذين تبرعوا بممتلكاتهم لتوسعة مسجد من المساجد، والذين تبرعوا لتوسيع مرافق مسجد أو الباحات القريبة منه. ومثل الذين تبرعوا بأراضيهم وممتلكاتهم من أجل تيسير فتح شارع من الشوارع في البلدة. أو لصالح مرفق من المرافق فيها. وعلى وجه العموم يشمل ذلك كل من تبرع بشيء مهم لصالح بلدة المريدسية ومرافقها. منزلة الكتاب بالنسبة للكتب المشابهة: إن هذا الكتاب يمتاز على غيره من الكتب التي ألفت في البلدان والقرى في بلادنا بتوسعه وتبسطه وطول نفس مؤلفه، بحيث شمل موضوعات كثيرة. كما يمتاز ببعده عن المعلومات الجافة المتوفرة في مراجع أخرى مثل طبيعة الأرض ودرجات الحرارة، لاسيما أن المريدسية جزء من كل من

стр. 4336

الناحية الجغرافية فهي بلدة من مجموع قرى من التي يقال لها: الخُبُوب، لذلك ينبغي أن يركز على ما يتميز به عن غيره، وقد فعل المؤلف أثابه الله. والمؤلف من أسرة كريمة عرفت بالديانة والأمانة وهو حفيد الشيخ الورع العابد سليمان بن ناصر السعوي، رحم الله الميت وغفر له ووفق الحي لما يحبه ويرضاه. محمد بن ناصر العبودي الأمين العام المساعد لرابطة العالم الإسلامي ومن أسرة السعوي: صالح بن سليمان بن علي السعوي: ترجم له الدكتور عبد الله الرميان بقوله: تولى الإمامة في هذا المسجد أي مسجد الربعي غرب شارع الخبيب، سنة ١٣٨٤ هـ تقريبًا، وبقي في الإمامة حتى توفي ﵀ في أواخر عام ١٣٨٦ هـ فتكون إمامته في هذا المسجد في الفترة (١٣٨٤ هـ - ١٣٨٦ هـ). ولد في بلدة المريدسية في العشرينات الهجرية وتلقى العلم في بلده فدرس على الشيخ سليمان بن ناصر السعوي ثم أخذ في بريدة عن الشيخ عبد الله السليم وأخيه عمر وعن الشيخ عبد العزيز العبادي وغيرهم. افتتح مدرسة أهلية يدرس فيها القرآن ويعلم مبادئ القراءة والكتابة فتخرج على يديه عشرات الطلاب واستمر في التدريس حتى قضت المدارس الحكومية على التعليم الأهلي، توفي ﵀ وهو في إمامة هذا المسجد في نهاية عام ١٣٨٦ هـ (١). ومن رجالات السعوي: عبد الله بن علي السعوي رأيت اسمه شاهدًا في وثيقة كتبها الشيخ عبد الله آل حسين الصالح في عام ١٢٩٧ هـ.

стр. 4337

ووجدته - أي عبد الله بن علي السعوي - كاتبًا في وثيقة أخرى مؤرخة في ٥ جمادى الأولى سنة ١٢٩٨ هـ. وذلك في ورقة مداينة بين محمد المطلق البراك وعلي العبد العزيز بن سالم. والدين ستة عشر ريالًا، مؤجلات يحل أجل وفائها طلوع ذي القعدة والمراد إنسلاخه وانقضاؤه عام ١٢٩٨ هـ.

стр. 4338

والشاهد فيها علي بن حسين النقيدان. ونصها بحروف الطباعة: "الحمد لله وحده أقر محمد المطلق البراك بأن عنده في ذمته لعلي العبد العزيز بن سالم ستة عشر ريالا مؤجلات يحل أجلهن طلوع ذي القعدة سنة ١٢٩٨ هـ. وأرهنه في ذلك الدين البقرة الصفراء الذي اشترى محمد من علي، شهد على ذلك علي الحسين بن نقيدان وشهد به وكتبه عبد الله بن علي السعوي، حرر في خامس من جماد الأول سنة ١٢٩٨ هـ". فالدائن هنا هو علي بن عبد العزيز السالم الذي سبق الكلام عليه عند الكلام على أسرته (آل سالم) والشاهد هو علي بن حسين النقيدان وهو ثاني رجل وصل إلى بريدة في سلسلة نسب النقيدان، وليس قبله إلا والده حسين النقيدان. أما المستدين ابن براك فسبق ذكر (البراك) في حرف الباء. وابنه محمد بن عبد الله السعوي كاتب أيضًا، وصلت إلينا من كتاباته عدة منها هذه المداينة بين إبراهيم الحمد بن مضيان وبين موسى بن عبد الله، وهو موسى

стр. 4339

بن عبد الله العضيب الثري المعروف في وقته، وقد توفي في عام ١٣٣٨ هـ، والشاهد عليها محمد الباحوث، وتاريخها في ٢٤ جمادى الأول من عام ١٣٣٢ هـ. وقد وجدنا في وثيقة واحدة اسم رجلين من أسرة السعوي كلاهما يسمى محمد بن عبد الله السعوي، ولا ندري أيهما الذي جده علي. الأول محمد بن عبد الله السعوي (مستدين) والثاني محمد بن عبد الله السعوي شاهد على ذلك الدين ووصفته الوثيقة بأنه (ابن اخيه) أي ابن عمه أو قريبه في النسب، والورقة مداينة الدائن فيها عبد الله بن علي السالم من أسرة السالم الكبيرة القديمة السكني في بريدة. وهي مكتوبة في ٤ من صفر عام ١٣٢٩ هـ بخط محمد السليمان الغصن.

стр. 4340

كما وجدنا اسم محمد بن عبد الله السعوي شاهدًا على عقد مبايعة بين عبد الله بن حسين الصالح وهو من آل أبا الخيل ذكرته في حرف الألف عند ذكر أسرته (أبا الخيل) وبين صالح بن علي النغيمشي والمبيع أثل معروف بينهما، والكاتب هو عبد الله بن سليمان العريني، وذلك بتاريخ ذي القعدة من عام ١٣١٦ هـ. وقد صدق على هذه الوثيقة الشيخ القاضي محمد بن عبد الله بن سليم بتاريخ ٢٧ شعبان من عام ١٣١٧ هـ.

стр. 4341

والوثيقة التالية: واضحة لأنها بخط العالم الزاهد عبد الله بن محمد بن فدا مؤرخة في ٢٠ ذي الحجة من عام ١٢٨٣ هـ وتتضمن مبايعة بين عبد الله العلي السعوي - مُشْتَر - وبين عثمان الخضير - بائع - والمبيع هو إرث عثمان الخضير من زوجته نورة بنت علي السعوي أخت المشتري وهو نصيب زوجته المذكورة من أملاك أبيها بالمريدسية بجمع توابع المذكور من منازل وأرض وأثل وبئر وغيره، والثمن ستة وثلاثون ريالًا بلغن عثمان على عقد البيع، ومع ذلك يذكر المشتري وهو عبد الله السعوي أن المشتري المذكور بينه

стр. 4342

وبين أخيه سليمان أنصافًا. وقد كتب شهادة اثنين من الشهود المعروفين بل المشهورين في ذلك الوقت هما عبد الكريم الجاسر من كبار الأثرياء وملاكي العقارات، وعلي العبد العزيز بن سالم من كبار كتبة المبايعات وعبد العزيز الحماد النصار وهو من النصار من آل سالم، ويعتبر ابن عم للشاهد الذي قبله. ووثيقة أخرى تتضمن مبايعة بين سليمان العلي السعوي وأخيه عبد الله العلي السعوي وبين قوت بنت عثمان الصالح (ولم تذكر الوثيقة اسم أسرتها) والمبيع

стр. 4343

نصف ثمين نخل كان لأبيها، والثمن أربعون ريالًا، وهو ثمن له أهميته، ومع أن المبيع نصف الثمن فإنه طالع من النخل ثلث المكان أي غير داخل في البيع. والشهود على هذه المبايعة هم محمد العبد الله بن جربوع وعبد الكريم بن عبد الله بن جربوع وكاتبه علي العبد العزيز بن سالم، التاريخ هو العاشر من ذي القعدة سنة ١٢٨٤ هـ. ومن وثائق السعوي هذه التي كتبها الشيخ الشهير في وقته سليمان بن ناصر السعوي في عام ١٣٤٣ هـ. وهي ورقة مبايعة بين إبراهيم بن عبد الله السعوي وبين علي آل مزيد (من المزيد أهل المريدسية). والمبيع قطعة أرض في الشقة.

стр. 4344

والثمن خمسون ريالًا وصل إلى البائع منها ثلاثون ريالًا على عقد البيع وبقيت عشرون منها مؤجلة. والشاهد: محمد بن عبد الله السعوي. ومن متأخري أسرة (السعوي) الشيخ محمد بن الشيخ سليمان بن ناصر السعوي توفي ونشر نعيه مع نبذة في التعريف به في جريدة الجزيرة عددها ١١٤٣٨، الذي صدر بتاريخ ٢٠/ ١١/ ١٤٢٤ هـ. بقلم الشيخ صالح بن محمد السعوي إمام خطيب جامع المريدسية في بريدة:

стр. 4345

الشيخ محمد السعوي ﵀ .. جهود علمية وتعليمية: كان ﵀ من المقرئين لكتاب الله والمعلمين لأصول دين الله وأحكام العبادات، وكان رجلًا تقيًا ورعًا، تفرغ للاستفادة والإفادة، الوالد الشفوق والمربي العارف العلامة الشيخ محمد بن الشيخ سليمان بن ناصر السعوي ﵀ وغفر له ولوالديه - يعد هذا المعرف عنه بهذه الكلمات اليسيرة من ذوي النفوس الزكية والهمم العالية والجهود الطيبة المباركة والأفعال الحسنة والخصال الحميدة والآداب السامية، وهي صفات قل في المسلمين اكتمالها ومن وفقه الله للأخذ بها والالتزام بها، فإنه يحسن أن يذكر له وأن ينوه عن ملخص ما يقوم به من أعمال فهذا المعلم لا ينبغي أن تجهل مكانته في هذه البلدة وجهوده الكبيرة وفضله على من هو دونه في العلم والمعرفة والتعليم والوعظ والإرشاد. وكان من الأعمال الصالحة والجهود الطيبة والأفعال الخيرة لهذا العلم المعرَّف عنه بهذه الأسطر القليلة قيامه بإمامة المسجد المجاور لبيته الذي أطلق عليه مسجد (الزمعان) وقد تولى الإمامة فيه بعد وفاة سلفه الشيخ محمد بن حمد بن عودة السعوي ﵀ الذي توفي عام ١٣٦٧ هـ وخلفه في الإمامة ومضى عليه فيها أكثر من خمس وخمسين سنة. كان من أهم أعمال الفقيد الخيرية حرصه التام على التعليم والتفهيم والإتقان والتجويد والوعظ والتذكير والإرشاد والتوجيه والبيان والتبليغ والملاحظة والمتابعة. ومن ذلك عنايته البالغة بالتعليم الذي لم يقتصر فيه على حلقة علم في مكان معلوم أو مجمع خاص حيث رتب جلسات التعليم في المسجد الذي يؤم المصلين فيه، إضافة إلى جلسات تعليم مستديمة في جامع المريدسية. وكان يحرص على التعليم لأهم العلوم الدينية الشرعية ويتضاعف اهتمامه وبالغ حرصه على حسن التنشئة الصالحة للأولاد منذ الصغر وذلك بتعليمهم القرآن
следующие страницы →