← Ансаб

Ансаб · id 147374

معجم أسر بريدة

محمد بن ناصر العبودي

Полный текст (11 097 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

وهذه وثيقة مؤرخة في ٢٢ من شهر ربيع الأول سنة ١٢٣٨ هـ بخط الشيخ عبد الله بن صقيه وتتضمن إثبات دين لعمر بن سليم على محمد الرشيد بن حسون، وهو ستون ريالًا وهذا المبلغ يعتبر وحده بمثابة ثروة من ثروات الرجال المتوسطين في الثروة، ولذلك كانت قيمته ألف وزنة تمر، ويساوي ذلك

стр. 4587

ألفًا وخمسمائة كيلو قرام من التمر، وقد أوضح الكاتب الشيخ ابن صقيه أن كل مائة وزنة من التمر ثمنها ستة أريل. والشاهدان فيها هما فوزان بن دبيب وسيأتي ذكر الدبيبي في حرف الدال وعبد الله بن حمد، والمراد به عبد الله بن حمد بن سليم والد القاضي العلامة الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم. والوثيقة التالية تبين هذا الدين الذي يعتبر كثيرًا بل كبيرًا جدا في ذلك العصر وهو نيف وثمانون ريالًا استدانها علي آل منيع - وآل منيع هم من أهل الصباخ وسيأتي ذكرهم في حرف الميم يحل أجل وفاء هذا الدين طلوع جمادي الثاني من سنة ست وأربعين بعد المائتين والألف، والكاتب هو سليمان بن سيف.

стр. 4588

والوثيقة التالية فيها شهادة رجل رئيسي من أسرة السليم هو عبد الله (بن حمد) السليم والد الشيخ الكبير: والد المشايخ القضاة الشيخ محمد بن عبد الله هذا - بن سليم، وهي مكتوبة في سنة ست وأربعين ومائتين وألف حسبما حدد فيها أجل الدين المذكور فيها بأن موعد حلوله أي وجوب الوفاء به في جمادي الأولى سنة ١٢٤٧ هـ. والعادة أن تأجيل الدين عندهم إلى سنة واحدة، إلا إذا نص على غير ذلك وهو قليل. والدين هو خمسة عشر ريالًا وخمسة عشر ربع قرش، فالريالات معروفة، وأما ربع القرش كما كتبه كاتب الوثيقة فإنه ربع ثلث الريال، لأن ثلث الريال يسمونه (جرش) وينطقون بالحرف الأول من لفظه كما ينطقون بلفظ (قربه) التي هي وعاء الماء، ولفظة (قليل) التي تقابل لفظة كثير. والوثيقة بخط سليمان بن سيف.

стр. 4589

والوثيقة التالية مختصرة ولكنها مهمة وغريبة، إذ تنص على أن اثنين من المشهورين من جماعة أهل البصر وهما عبد الله الراشد (من أسرة المحيميد) وعبد الله الصالحي شهدا بأن جميع ما دخل به عمر بن سليم على أهل البصر فهو أوامر للدولة من قبل محمد الرشيد وغيره، ومحمد الرشيد هذا كان أمير البصر في وقت من الأوقات، وهو من أسرة المحيميد أيضًا. وقد وقفت على كتاب من عبد العزيز بن محمد آل أبو عليان أمير القصيم موجهًا إليه بأن يلزم من لعمر بن سليم دين عليه من أهل البصر أن يوفيه دينه. وقد كتب شهادتهما سليمان بن سيف الذي نعرف خطه كما يعرف معاصروه وجهه.

стр. 4590

ثروة أسرة عمر بن سليم: ذكرنا شيئًا عن ثروة (عمر بن سليم) أول من جاء من آل سليم إلي بريدة، وألمحنا إلى ذكر ثروة والده عبد العزيز بن عبد الله آل سليم، وبقي أن نذكر شيئًا عن ثراء نساء من آل سليم في الدرعية أو لنقل ما قد وصلهن من ثروة أهلهن. وقد عثرت على ورقتين يدلان على ذلك إحداهما بخط سليمان بن سيف نصًّا والثانية لم يذكر فيها اسم كاتبها ولكننا نعرف خطه معرفة يقين وإثبات. وهذه صورة الورقة الأولى: وقد كتبها ابن سيف بلهجة أهل القصيم فقال عن لولوه، (عقب وفاة أبوه) ولو كان الكاتب غير قصيمي لقال: (أبوها) كما هو ظاهر، وقال: (كروته) من ثادق، ولم يقل: كروتها، وقوله: (من ثادق) يدل على أنها كانت انتقلت من الدرعية إلى ثادق بعد وقعة الدرعية ثم من ثادق إلى بريدة، وربما كان ذلك مع زوجها إن كانت متزوجة.

стр. 4591

وقوله: الذي وصل لولوه يدل على أن لها مالًا عند أخيها عمر بن سليم ومنه ما ذكر، وكل ذلك يدل على كثرة المال. وقد أوضحت وثيقة أخرى وضع لولوه وأنها أخت عمر، وأن زوجها هو عبد الله بن سليم، وواضح أن زواجها كان قبل أن يسكن عمر في القصيم وذكرت الوثيقة أن لعمر عمًّا له نخل في بلدة (عرقة) القريبة من الدرعية وتاريخها في عام ١٢٤٠ هـ بخط محمد بن عبد العزيز بن سويلم. وهذا نصها:

стр. 4592

وهذه التي تبين أن زوج لولوه هو عبد الله بن سليم - والظاهر أن لولوه أخت عمر بن سليم تزوجت من عبد الرحمن بن سليم وبعد أن مات عنها، تزوجت عبد الله بن حمد بن سليم الذي ورد اسمه شاهدًا في هذه الورقة وهو والد العلامة القاضي الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم.

стр. 4593

وقد أوضحت هذه الوثيقة أن زوجها - الأول - وهو عبد الرحمن بن سليم توفي وورثته بنحو خمسة وسبعين ريالًا، وقد اصطلح معها على تعويضها عن ذلك بنصيبه الذي حصل عليه من تركة عمه عبد الرحمن وقد حصل عليه عمر عصبًا والنخل المذكور في عرقة، قرب الرياض. والورقة الثانية تدل على ما وصل إلى أخت عمر التي تسمى (شويعه) وشويعة: تصغير (شايعه) وهو - أي (شايعه) اسم كثير في نجد أذكر منها اسم خالة لوالدتي (شايعة بنت محمد بن ضويان من أهل خب البريدي قرب بريدة. وقد ذكرت الذي وصل (شويعه) من المال بالدرعية أي أثناء وجودها بالدرعية قبل الواقعة التي نتج عنها خراب مدينة الدرعية عام ١٢٣٤ هـ. وجاء في الورقة تصحيح ما كانت تسلمته بأنه ما هو مذكور في الورقة

стр. 4594

مائة واثنان وسبعون ريالًا أضيف إليها بعد ذلك أربعة عشر ريالًا ثمن الناقة مما يدل على القوة الشرائية لذلك المال مع ريالات أخرى. وهذا نص الورقة: وهذه الوثيقة التي ذكرت نصًّا بأن (شريعة) المذكورة هي أخت عمر بن سليم:

стр. 4595

وهذه الوثيقة المؤرخة في عام ١٢٤٨ هـ لأن الدين الذي بها يحل أجله بالموسم، وهو موسم نضج التمر وجداده من عام ١٢٤٩ هـ والعادة أن مثل هذا الدين يؤجل السنة واحدة. وهي مداينة بين عمر بن سليم وبين محمد بن حمود. والدين أحد عشر ريالًا عوض أي ثمنها أحد عشر ريالًا. والشاهد: محمد الرشيد ولم توضح الوثيقة حال الشين في اسمه، فإن كانت مفتوحة فإنه يجوز أن يكون من أهل البصر، ويقوي ذلك أن الشاهد في أسفلها هو من أهل البصر وهو إبراهيم بن خضر - بكسر الخاء والضاد - وإن كانت الشين مكسورة فإنه يحتمل أن يكون من الرشيد أهل بريدة الذين هم من آل أبو عليان، والله أعلم.

стр. 4596

هيا بنت عمر بن عبد العزيز بن سليم

стр. 4597

هيا بنت عمر بن عبد العزيز: هَيَا بنت عمر بن عبد العزيز بن سليم: ابنة رجل ثري، بل واسع الثراء بالنسبة إلى ما كانت عليه ثروات النّاس في زمنه، تزوجها رجل ثري وجيه هو عبد الكريم الحماد، من الحماد الذين هم فرع من أسرة (السالم) الكبيرة القديمة السكنى في بريدة. ولكن زوجها عبد الكريم الحماد لم يرزق أولادًا، بل كان عقيمًا لا يولد له، ولذلك ورثت ثروة طائلة من أملاكه التي أهمها حائط نخل مزدهر اسمه (العروس) عند أهل ذلك الزمن، وكان لعبد الكريم الحماد فيه قصر مشهور تحدد به الأماكن. ولكن الذي ينبغي أن ننوه به هنا أن (هيا بنت عمر بن سليم) ورثت من زوجها عبد الكريم الحماد نصيبًا من (العروس) التي تقع إلى الجنوب الشرقي من السوق المركزي في بريدة المعروف الآن بهذا الاسم، وقد انتقل ذلك النصيب إلى أسرتها آل سليم، لأنها لم ترزق أولادًا من زوجها واشتروا أيضًا أسهمًا في العروس المذكورة وعندما أنشيء السوق المركزي في بريدة في عام ١٣ هـ ثمنت الأملاك تلك لآل سليم فنالهم من ذلك مال جيد. وقد وصلتنا أوراق ووثائق متعلقة بهيا بنت عمر بن سليم، وهي:

стр. 4598

فروع آل سليم في بريدة: قلت - فيما تقدم - إنّ عمر بن عبد العزيز هو أول من جاء من (السليم) إلى بريدة وأحب أن أوضح أنّه ليس معنى ذلك أن كلّ آل سليم الذين جاءوا إلى بريدة هم من ذريته، فالواقع أنّه جاء منهم ثلاثة فروع كلّ فرع منها مستقل عن الآخر، مع التأكيد على أن السليم أسرة واحدة يرجعون إلى جد واحد، ولكن كان ذلك في وقت سابق على وصولهم إلى بريدة. الفرع الأول هم العبد العزيز وهم الذين رأسهم عمر المذكور ونسبه - كما نقلته عن ابنه العلامة الشيخ محمد بن عمر بن سليم: عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن صالح بن حمد بن محمد.

стр. 4599

قال الشيخ محمد بن عمر: ومحمد هذا له سهم في الفقرة، فقرة الأحامدة، ارتحل إلى الجناح، بسبب دم، واستقر فيها مدة وتوافق هو والطويل محمد الذي غرس أم صور وأمهات ورينب بالعيينة. وأول من جاء من هذا الفرع إلى بريدة هو عمر نفسه. ومعنى له سهم أي نصيب يملكه في نخل أو عقار في فقرة الأحامدة - جمع أحمدي - من حرب بمعنى أنّه من أهل الفقرة. والثاني آل صالح وجاءوا بعدهم إلى بريدة وهذا الفرع هو معروف بل مشهور، لكثرة القضاة فيه فأولهم هو الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم الذي تولى القضاء في بريدة عدة فترات وتولى ابناه عبد الله وعمر القضاء أيضًا كما سيأتي. الثالث: فرع العثمان وهم أقل عددًا من الفرعين اللذين قبلهم وعندما أدركت الأشياء حولي عرفت (عثمان السليم) منهم صاحب دكان لبيع العيش وهو القمح والبر، والشعير ونحوها. وقد توفي عثمان هذا في عام ١٣ هـ. وكان أول من جاء إلى بريدة من هذا الفرع هو: عثمان بن عبد الله السليم الذي ورد ذكره شاهدًا على مداينة مؤرخة في عام ١٢٤٦ هـ. وقال لي أحد ذريته إنّه من فرع العبد العزيز الذي منهم عمر نفسه. أول وثيقة رأيت فيها ذكرًا لعثمان بن عبد الله بن سليم هذا مؤرخة في صفر من عام ١٢٤٦ هـ بخط سليمان بن سيف، وهي من ورقة فيها وثيقتان موجزتان تتعلقان بعمر بن سليم الأولى بخط الشيخ القاضي عبد الله بن صقيه مؤرخة في عام ١٢٤١ هـ تتضمن إقرار عبد الله بن علي بن عثمان ولا أعرفه، بتسلم قدر ثمانين ريالًا من نقود لهم عند عمر بن سليم.

стр. 4600

وتحتها وثيقة بخط سليمان بن سيف تتضمن أيضًا إقرارًا من المذكور بأنه وصله من يد عمر (بن سليم) أحد عشر ريالًا ونصف، والشاهد هو عثمان بن عبد الله بن سليم. ووثيقة أخرى مؤرخة في جمادى الثانية سنة ١٢٤٦ هـ بخط سليمان بن سيف وتتضمن شهادة محمد بن عبد الله ولا أعرفه، ولا يمكن أن يكون محمد بن عبد الله بن سليم لأن ولادته عام ١٢٤٠ هـ فيكون عمره عند كتابة هذه الوثيقة ست سنين. والشاهد الثاني هو عثمان بن سليم.

стр. 4601

وثيقة مهمة: هذه وثيقة مهمة لأنها واضحة وهي متأخرة التاريخ عما سبقها بنحو ٤٠ سنة وتوضح الوثيقة أن عثمان بن عبد الله بن سليم هو صهر لأبناء عمه آل سليم لأنه كان قد تزوج (هَيا) بنت عبد الله بن حمد بن سليم أخت الشيخ الجليل والد المشايخ القضاة محمد بن عبد الله بن سليم. والوثيقة واضحة الخط والتاريخ وهي بخط عبد الله بن شومر الذي كتب عشرات الوثائق التي أوردناها في أماكنها من هذا الكتاب، وهو طالب علم، بل شيخ من مشايخ العلم، وإن لم ينوه بذلك المؤرخون. والشاهدان فيها هما إبراهيم بن عبد المحسن العبادي، والد الشيخ الشهير العالم اليقظ عبد العزيز بن إبراهيم العبادي، وإبراهيم بن حمد بن سليم، وتاريخها: في الختمة من شهر شوال عام ١٢٨٤ هـ والختمة في اصطلاحهم

стр. 4602

هي اليوم العشرون من الشهر، وليست نهاية الشهر. وتتضمن مبايعة بيت النساء من آل سليم بوكالة عثمان عنهن علي صالح بن شومر بتسعين ريالًا فرانسة. وقد اشتراه صالح بن شومر لموكله سليمان بن رشيد الحصان الذي تقدم ذكره في حرف الحاء. وقد سجل الشيخ القاضي محمد بن عبد الله بن سليم على حجة عقد البيع وذلك في ٢٨ ربيع الأول سنة ١٢٨٥، ربما كان ذلك في فترة قصيرة من قضائه التي تخللت مدة سليمان بن علي المقبل.

стр. 4603

ونعود إلى ذكر (عمر السليم) أول من جاء منهم إلى بريدة فنقول كما قلنا من قبل: إنّه عُمِّر دهرًا بدليل أن تاريخ وصيته كان في عام ١٣٩٣ هـ وهذا تاريخ مؤكد لأنه مكتوب ولكننا لم نعرف تاريخ وفاته، وقد جهدت في أن أعرف ذلك فلم أستطع، وسألت عنه أستاذنا عبد الله بن إبراهيم آل سليم وهو ابن حفيده فلم يعرف ذلك، بل قال لي إنّه بحث عن ذلك فلم يستطع الوصول إليه. ولكن وصيته تدل على أنّه بقي في بريدة ولم يرحل منها بعد أن كان وصلها من الدرعية مدة تزيد على ستين سنة، وتوفي فيها.

стр. 4604

وصية عمر بن عبد العزيز بن سليم:

стр. 4605

إنّ وصية عمر بن سليم هذه واضحة الخطِّ والمعنى لأنها بقلم ناصر السليمان بن سيف ولكن فيها مصطلح لا يعرفه بعض المعاصرين وهو المخزن، ويراد به الدكان الذي هو محل البيع والشراء وهذا كان هو المعروف عندهم إلى عهد قريب وطالما سمعت والدي ﵀ يقول لأهله: أبي أروح للمخزن أو هاتوا مفتاح المخزن يريد دكانه. والمبلغ المخصص لشراء مخزن أو نحوه قد يبدو قليلًا ولكن سيأتي في ذكر (العبودي) في حرف العين أن الوصي على تركة عمة والدي منيرة بنت عبد الكريم العبودي وهو عبد المحسن السيف اشترى لها مخزنًا - أي دكانًا - باثني عشر ريالًا فرانسه، وقد أجرناه آخر الأمر بخمسة عشر ألف ريال في السنة ثم دخل في توسعة الجامع الرئيسي في بريدة (جامع خادم الحرمين الشريفين) لأنه الذي وسَّعه جزاه الله خيرًا وأخذنا ثمنه من الحكومة خمسمائة ألف ريال إلَّا ثلاثة آلاف ريال. ولكن الشيء المهم الذي تكاد تنفرد به هذه الوصية، ويستحق التعليق هو أن الموصي عمر بن سليم أوقف عددًا من الكتب ذكرها وهي. - مشكاة المصابيح. - متن الزاد الذي يراد به زاد المستقنع وهو مختصر معروف في فقه الحنابلة. - مختصر السيرة والمفهوم أنّه الذي ألفه شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب. - مختصر الهدي والمراد به (زاد المعاد في هدي خير العباد) من تأليف الإمام ابن قيم الجوزية. وقال أوقفتها على القارئ من ذريتي يريد به القاري الذي يطلب العلم فيقرأ الكتب العلمية. - وقوله: وكذلك المصحف، وهذا مصحف مكتوب بخط صحيح فائق

стр. 4606

الجمال كان أوقفه ولا يزال موجودًا وقد التقطنا صورة صفحتين من صفحاته بعد هذا. وقال بشأن هذه الكتب ومعها المصحف بطبيعة الحال: إن احتاجن لتصليح مثل الحبك أو التجليد فيصلحن من ريع الوقف: تصليحهن قادم على غيره. - وهذا يدل على عظيم عنايته بالكتب وتقديره لأهميتها، والشاهد على الوصية عبد الرحمن بن جار الله الصانع الذي سبق ذكره عند ذكر (الجار الله) في حرف الجيم، وأما الكاتب فإنه الثقة المشهور ناصر السليمان بن سيف. - وتاريخها في ٧ محرم افتتاح سنة ١٢٩٣ هـ. هذه صفحتان من المصحف المخطوط الذي أوقف عمر بن سليم مع الكتب المذكورة في وصيته.

стр. 4607

الشيخ محمد بن عبد الله بن حمد بن سليم

стр. 4608

الشيخ محمد بن عبد الله بن حمد بن سليم: ومنهم القاضي العالم السياسي الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، وهو محمد بن عبد الله بن حمد بن صالح بن حمد بن محمد، ومحمد هذا هو أول من خرج إلى نجد من فقرة الأحامدة، قرب المدينة المنورة كما تقدم. تولى القضاء في بريدة لمدة طويلة وعلى فترات وربي أناسًا من الطلبة كثيرًا ذكرهم أو بعضهم الشيخ صالح العمري في كتابه (علماء آل سليم وتلامذتهم). ويصح أن يلقب بوالد القضاة الذين من أشهرهم أبناه عبد الله وعمر وحفيده محمد بن صالح، وهو من فرع آل صالح. أول من جاء منهم إلى بريدة عبد الله بن حمد بن سليم والد الشيخ محمد هذا. وله قصة عجيبة، وذلك أن آل سليم كانوا من أشهر مؤيدي الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومن ذلك ما ذكره الشيخ محمد بن عمر من أن صالح بن سليم وابنه عبد الله قاما مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكان عدد منهم من تلامذة الشيخ وعرفوا بذلك، ولذلك عندما استولى إبراهيم باشا على الدرعية وصار يقتل البارزين من أهلها قبض على عدد من آل سليم لأنهم من الأنصار الأقوياء لآل سعود وللشيخ محمد بن عبد الوهاب. ثم لما خرج حسين بيك عام ١٢٣٦ هـ إلى نجد وجد أناسًا من أهل الدرعية عادوا إليها ومنهم عشرة من آل سليم، فقتل منه عشرة بالسيف صبرًا، والصبر أن يقبض على الشخص، وهو بمثابة الأسير، فيقتل وهو في يدي قاتله. وكان من بين أولئك الذين عرضوا للقتل عبد الله والد الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم. وكانوا قتلوهم ضربًا بالسيوف، وقد ضربوه في غير مقتل أي لم يقطعوا

стр. 4609

له شريانًا أو نحوه فكان وقد بدأ كالقتيل في وعيه فزحف بعد ذلك إلى من بقربه من القتلى آل سليم أو غيرهم ولطخ جسمه بدمهم. ثم عاد جنود حسين بيك الذين وكلّ إليهم قتلهم، فقال بعضهم لبعض: انظروا هل بقي أحد منهم حيا، فقال أحدهم: انخسرهم برؤس السيوف فالحي منهم يتحرك ولو حركة قليلة فاقتلوه. وكان عبد الله بن سليم يسمع ويعي ذلك فلما نخسوه بالسيف صبر على ذلك ولم يتحرك فظنوا أنّه مات وتركوه وفي الليل تسلل من بينهم وذهب إلى مكان آمن خارج الدرعية وبقي فيه حتى شفي من جرحه، ثم توجه بعد ذلك إلى بريدة. وقد رزق بهذا الشيخ الجليل ذي الشخصية القوية الذي جعل الله في ذريته البركة، فكان منهم ابنه عبد الله الذي تولى القضاء في بريدة سنوات، وكان قبل ذلك قاضيًا في البكيرية ومات في عام ١٣٥١ هـ فعين الملك عبد العزيز آل سعود بعده في القضاء أخاه عمر بن الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، فكان كما سيأتي في ترجمته. ومنهم رئيس هيئة التمييز القضائية في المنطقة الغربية الشيخ محمد بن صالح السليم وستأتي ترجمته بإذن الله. وقد ذكر ابن بشر وصول حسين بيك إلى نجد وقتله لكثير من أهلها ومنهم تسعة من آل سليم، قال: حوادث سنة ١٢٣٦ ه ـ: ثم دخلت السنة السادسة والثلاثون بعد المائتين والألف وفيها قدم حسين بيك ومعه عساكر من الترك، فنزلوا القصيم، ثم رحل منه واجتمع بأبوش وعساكره وقصدوا الوشم، ونزلوا بلد ثرمدا، فلبث فيها حسين وأمر على البلدان أن يغزوا، وأتاه من كلِّ بلد عدة رجال، من سدير والوشم والمحمل وغير ذلك، وسيرهم إلى

стр. 4610

الرياض وسار بهم أبوش ومعه جملة من عساكر الترك، ومعهم أيضًا رؤساء البلدان الذين أجلاهم ابن معمر وناصر بن حمد رئيس الرياض وحمد بن مبارك بن عبد الرحمن رئيس حريملاء وغيرهم، بغزاة بلدان، فقدم الجميع الرياض (١). إلى أن قال ابن بشر: فجالت عليهم خيول الروم ورجالها وأشعلوا فيهم النّار بالبنادق والطبنجات والسيوف حتى قتلوهم عن آخرهم رحمهم الله تعالى، وهم نحو مائتين وثلاثين رجلا، وأخذ الترك أموالهم وشيئًا من أطفالهم وتركوا نساءهم وأطفالهم، ومن مشاهير القتلى صالح بن إبراهيم بن دغيثر، وعلي بن محمد بن قضيب و (أولاد موسى بن سليم محمد وابنه تمام تسعة من آل سليم) ومحمد بن عبد العزيز أبو نهيه وإمام مسجد حوطة الدرعية عبد العزيز بن محمد بن عيسى وغيرهم. ثم إنّ حسينًا فرق العساكر في النواحي والبلدان، فجعل في القصيم عسكرًا وفي بلدان الوشم عساكر، وفي بلدان سدير، وفي بلدان المحمل، فنزلت العساكر البلدان واستقروا في قصورها وثغورها وضربوا على أهلها ألوفًا من الريالات، كلّ بلد أربعة آلاف وعشرة آلاف وعشرين ألف ريال، فأخذوا أولًا من النّاس ما عندهم من الدراهم، ثم أخذوا ما عندهم من الذهب والفضة، وما فوق النساء من الحلى، ثم أخذوا الطعام والسلاح والمواشي والأواني، وحبسوا النساء والرجال والأطفال، وعذبوهم بأنواع العذاب، وأخذوا جميع ما بأيديهم، فمنهم من مات بالضرب، ومنهم من صار منه عائبا (٢). ووجدت شهاد والد الشيخ محمد بن عبد الله وهو عبد الله بن حمد بن سليم في وثيقة مؤرخة في أول ربيع الآخر (كذا من دون ذكر السنة ولا العقد ولا القرن) وكاتبها هو محمد بن سويلم الذي هو محمد بن الشيخ القاضي

стр. 4611

عبد العزيز بن سويلم قاضي القصيم: وثائق تجمع الشيخين العالمين الشهيرين، وهما محمد بن عبد الله بن سليم ومحمد بن عمر بن سليم، وذلك لتقاربهما في السن، فالشيخ محمد بن عبد الله ولد في عام ١٢٤٠ هـ على أشهر الأقوال، والشيخ محمد بن عمر ولد في عام ١٢٤٥ هـ أي بعده بخمس سنين، وقد ذكرت أن والد الشيخ محمد بن عمر قد وصل إلى بريدة من الدرعية قبل والد الشيخ محمد بن عبد الله. وقد اقترنا بالذكر وبالعلم وبإفادة الطلاب، وبوفادة طلاب آخرين من خارج بريدة إليهما في بريدة، حتى صارت بريدة بسببهما مقصدا لطلبة العلم.

стр. 4612

ولكن من النوادر أن يجتمع ذكرهما شاهدين في وثائق. منها هذه المكتوبة في عام ١٢٦٨ هـ. وتتضمن مداينة بين ثنيان السالم وهو من الثنيان أهل الشماس وليست له علاقة نسب بأسرة السالم الكبيرة التي منها الدائن وهو سليمان الصالح (ابن سالم). والشاهدان هما: محمد آل عبد الله بن سليم ومحمد آل عمر. والكاتب هو سليمان بن سيف.

стр. 4613

وهذه الوثيقة التي سبق الكلام عليها في أسرة (الرديني) في حرف الراء:

стр. 4614

وهذه وثيقة قصيرة بخط الشيخ محمد بن عبد الله السليم كتبها في ٢٩ ربيع الثاني سنة ١٢٦٦ هـ، وهي مدينة بين امرأة من أسرة البطي اسمها: (شيخة بنت ناصر بن بطي) وبين الثري الوجيه محمد بن عبد الرحمن الربدي. والدين خمسمائة وخمسون وزنة تمر، واتبع الشيخ في كتابتها ما كان بعض الكتبة يفعله إيضاحًا وهو أن المبلغ هو خمسمائة وزنة تمر تزيد خمسون وزنة تمر سكر، والدين مؤجل إلى ذي الحجة سنة ١٢٦٦ هـ. والشاهد على ذلك عبد الله آل محمد القرعاوي الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم وطلبة العلم: عرف آل سليم في الدرعية وقبل سكناهم فيها بأنهم من المحبين للعلم والمعرفة، وعندما أعلن الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀ الدعوة السلفية كان آل سليم من أوائل من تبعه وأيده في دعوته من بين طلبة العلم والمحبين للعلماء. وقد اتسع ذلك وعرفوا به إلى درجة أن الطاغية الظالم حسين بيك الذي جاء إلى الدرعية في عام ١٢٣٦ هـ بعد تخريبها على يد إبراهيم باشا بسنتين، يتجسس عمن يكونون من أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وبالتالي من المؤيدين لآل سعود، ذكر له آل سليم فقتل منهم تسعة، والعاشر وهو عبد الله بن

стр. 4615

حمد بن سليم والد الشيخ محمد بن سليم نجا من الموت بأعجوبة. قال الشيخ صالح بن سليمان العمري: ولادته: ولد الشيخ محمد ﵀ في عام ١٢٤٠ هـ على أصح الأقوال بمدينة بريدة، ونشأ نشأة صالحة في أحضان والده الذي كان من خيار أهل زمانه صلاحًا وتقوى. وقد حفظ القرآن عن ظهر قلب في وقت مبكر، ثم أكب على الدرس والتحصيل من علماء القصيم، فقرأ على العالم الشهير الشيخ قرناس بن عبد الرحمن قاضي القصيم في زمنه، ثم على الشيخ سليمان بن علي المقبل، ثم على الشيخ عبد الله أبي بطين. رحيله إلى الرياض لطلب العلم: وعندما أخذ عن علماء القصيم وأدرك رأى أن يلتحق بعلامة زمانه الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في الرياض، فرحل إليه ولازمه مدة اثني عشر عاما كاملة لم يعد خلالها لزيارة أهله وذويه حتى صار آية في الحفظ والعلم، وحتى انتهت إليه الفتيا والرئاسة العلمية في القصيم وما جاورها من البلدان، فكان مضرب المثل في ذلك، كما ضربت آباط الإبل إليه من جميع أطراف الجزيرة العربية للاستفادة من علمه، ومن علم ابن عمه الشيخ محمد بن عمر بن سليم. وصارت له منزلة عظيمة في نفوس النّاس، فصارت بريدة مقصدًا لطلبة العلم من جميع البلدان، كما كانت من بعده في زمن ابنيه الشيخ عبد الله والشيخ عمر رحمهما الله تعالى (١).

стр. 4616

رغبته في العلم: ولما عاد من الرياض مر بالشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبابطين بشقراء، فأقام عنده سنتين أو أكثر، وهذه هي القراءة الثانية على الشيخ عبد الله، فكان الشيخ عبد الله يكرمه ويبره. قال الشيخ صالح العمري: حدّثني الجد الشيخ عمر بن محمد بن سليم ﵀ قال: لما كان الوالد الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم والشيخ محمد بن عمر بن سليم عند الشيخ عبد الله أبي بطين في شقراء، ودخل شهر رمضان صار الشيخ عبد الله أبوبطين يأتيهما بالسحور بنفسه، فقالا له: أيها الشيخ، إذا أردت أن تعطينا شيئًا فأخبرنا نأتي لأخذه ولا تكلف نفسك، إحترامًا منهما له، وتوقيرًا لعلمه، فرد عليهما بقوله: يا أبنائي لا تحرماني الأجر؟ ! . وهكذا نرى الرابطة القوية والتعاطف وحب الخير في علمائنا السابقين ﵏ جميعًا. وحدثني الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن عبد اللطيف ﵀ قال: لما سافر الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم والشيخ محمد بن عمر بن سليم من الرياض إلى بريدة بعد انتهاء دراستهما على العلامة الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن لجلسائه: أخذ العلم اثنان: الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم بصدره والشيخ محمد بن عمر بن سليم بقلمه وصدره. وكان الشيخ محمد بن عبد الله سريع الحفظ قوي الذاكرة، ويقال بأن الشيخ عبد الرحمن بن حسن قال: إنّ الله قد جعل العلم بين عيني الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، كما كان الشيخ محمد بن عمر جيد الخط سريع الكتابة حتى إنّه لم يترك كتابًا كان يمكن نسخه إلَّا ونسخه خلال إقامته بالرياض. وقد أحضر معه من الرياض مجموعة من كتب الفقه بخطه ﵀،

стр. 4617

ولقد كان الشيخ محمد بن عبد الله يقرأ درسه عشر مرات قبل أن يقرأه على الشيخ عبد الرحمن بن حسن. ومما يروى عن الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم ورغبته بالعلم أنّه حال كونه يقرأ في الرياض على الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ هو والشيخ محمد بن عمر أحضر لهما طعام العشاء عصرا، فقالا نأكله بعد المغرب، فصليا المغرب ولم يفرغا لأكله، لأنهما في مذاكرة وبحث في بعض المسائل وصايا العشاء واستمرا في المذاكرة ولم يأكلاه حتى طلع الفجر. وقد بلغني أنّه ﵀ كان مكبا على المطالعة وكان المصباح من الودك ذي الفتيلة المكشوفة وأن لهب السراج أحرق غترته التي على رأسه ولم يشعر إلَّا بحر النّار! ! ! (١). رواية خزانة التواريخ النجدية: " كان هو وابن عمه محمد بن عمر متقاربين في السن مشتركين غالبًا في طلب العلم وكان هو أجود بتحصيله، تولى قضاء في بريدة مرتين في خلال ولاية الشيخ سليمان بن مقبل، وتولاه ثالثا مفتتح سنة ١٢٩٩ هـ واستمر قاضيًا مدرسًا إلى أن عزل في آخر سنة ١٣١٨ هـ عزله ابن رشيد ونفاه إلى النبهانية، وأقام فيها سنتين، ثم انتقل إلى البكيرية، وأقام فيها سنة، ثم أعيد إلى قضاء بريدة سنة ١٣٢٢ هـ لما تولى الملك عبد العزيز بن سعود على القصيم، ثم عزل عنه سنة ١٣٢٤ هـ، ومات في ذي القعدة من تلك السنة، وكان جيد الحفظ قويا في تنفيذ أحكامه. ومن أشهر الآخذين عنه الشيخ صالح بن قرناس، والشيخ عبد العزيز بن مانع، والشيخ صالح بن عثمان القاضي، والشيخ إبراهيم الضويان، وابن

стр. 4618

جاسر، والشيخ عبد الله بن مانع، وابناه عبد الله وعمر (١). هذا وقد تولى الشيخ ابن محمد بن عبد الله بن سليم القضاء في بريدة لفترات قصيرة جدًّا أثناء ولاية الشيخ سليمان بن علي المقبل على القضاء، إمّا نيابة عنه أثناء حجه أو نحو ذلك. ولكن عندما امتنع الشيخ بن مقبل كلية عن الاستمرار في القضاء كما سيأتي في ترجمته في حرف الميم جمع حسن بن مهنا أمير بريدة كبار الجماعة وفيهم أخوه من كبار أسرة المهنا وبحث معهم فيمن يكون قاضيا في بريدة. وكان ممن حضر محمد بن عبد الله الرشودي عم الزعيم فهد بن علي الرشودي وأخيه إبراهيم، وكان يقيم في العراق في أكثر وقته، وتزوج هناك، ثم أقام في العراق حتى مات - كما سبق ذلك في ترجمته في حرف الراء. فقال: أنا خابر لكم شيخ كبير في العراق من تلاميذ الشيخ داود بن جرجيس إذا تبونه؟ فلما سمع حسن المهنا هذا الكلام تأثر واستنكره قائلًا: يعني العراقي هذا يعلم عيالنا حتى يصيرون مثل مشايخ في العراق يحلفون بعبد القادر الجيلاني، أو قال: يستغيثون بعبد القادر الجيلاني، على شأن إنني في نفسي شيء على الشيخ ابن سليم. يا أهل بريدة ما لكم إلَّا الشيخ محمد بن سليم، نبي نركب له وفد يروح العنيزة ونزيل ما في خاطره، وهو الشيخ والقاضي الذي يصلح للقضاء ويقوم به، ثم ألف وفدًا فيه بعض كبار أسرته قيل: إنّ عدده خمسة عشر رجلًا، ومعهم كتاب منه للشيخ محمد بن سليم.

стр. 4619

فلما قرأ الشيخ الكتاب وتكلم معه الوفد بمضمونه، قال لهم: لابد من استرخاص أهل عنيزة الذين استقبلوني وأكرموني فاذهبوا إلى أميرهم واستأذنوا منه، فإذا أذنوا لي ذهبت معكم. وقد فعلوا فأذن له الأمير زامل السليم. وعاد قاضيًا في بريدة. وقد علق الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام على طلبه الإذن من أهل عنيزة بان ذلك لرغبة منه في أن يتولى قضاء عنيزة. وهذا عجيب، لأنه أولًا لم يتكلم الشيخ به، بل لم يكن حاضرا في مجلس الأمير زامل السليم مع أهل بريدة. وثانيا: أنّه بعقله ومعرفته يعرف أنّه بقي في عنيزة خمس سنين لم يولوه القضاء، فكيف يطمع بعد ذلك أن يولوه القضاء بهذه المناسبة. وثالثًا: أنّه لا يجوز في العقل أن رجلًا يعرض عليه قضاء بلده وهو أكبر من القضاء في عنيزة لأن بريدة لها توابع من القرى والبوادي أكثر من عنيزة، وبريدة بلده أيضًا فيرفض ذلك مؤملا أن يعين في قضاء عنيزة. ونعود إلى تولي الشيخ محمد بن سليم القضاء، فنقول: إنّه بعد أن استولي محمد بن عبد الله الرشيد على القصيم بعد هزيمة أهل بريدة في المليدا عام ١٣٠٨ هـ جعله يستمر على القضاء فيها. فبقي فيه بالفعل إلى أن انتهت معركة الطرفية التي يسميها بعض النّاس (معركة الصريف) وقد وقعت عام ١٤١٨ هـ، فعزله عبد العزيز بن معتب بن رشيد ونفاه عن بريدة إلى النبهانية، ولكنه بعد أن استتب الأمر الملك عبد العزيز في القصيم أعاده إلى قضاء بريدة في عام ١٣٢٢ هـ، وبقي فيه حتى توفي. قال الشيخ إبراهيم العبيد:

стр. 4620

ذكر قضائه وسعة علمه وحلمه وكيفيته وصفته: كان ربعة من الرجال يميل إلى الطول في قامته جسيما بعيد ما بين المنكبين عريض الصدر وله هيبة عظيمة وشجاعة، وكان عاقلًا رصينًا بليغًا فصيحًا وله سمت عظيم يخاطب الملوك ويصدع بالحق ولا تأخذه في الله لومة لائم. وكان في صفة قضائه أنّه يجلس للخصمين على الأرض وما تحته وسائد ولا مياثر ولا فرش، فإذا سمع كلام الخصمين واستورد ما لديهما من البينات قضى قضاء جالس بين الجنّة والنار لا يراعي ولا يداهن، ولا يطمع الغني في ميله ولا يخاف الفقير من حيفه وجوره. وكان يتحلم على الجاهل ويتغافل عن سقطات اللئام، كما كان يمشي ذات مرة فأسمعه بعض الجهال كلامًا سيئًا فقال له ابنه الشيخ عبد الله: لو ردعت هذا الجاهل فإنك قادر على حبسه وتعزيره، فالتفت إليه قائلًا: يابني إذا نتعب، لو نعامل كلّ جاهل بما يستحق، ولكن نعامل النّاس على قدر ما نستحق يا عبد الله، سد أذنيك وغمض عينيك، فهذا زمن السكوت ولزوم البيوت، ومن يتكلم بالحق فإنه ممقوت. ودعاه صديق مرة وكان لا يحب الإجابة فلما جلس لديه في بيته سأله عن ابيه فقال: إنّه في أقاصي البيت وسيأتي بعدنا، ويلقي خيرًا فقال: له يابني أخطأت في هذه المعاملة لوالدك إذ الحق أن يكون مقدمًا في المجلس ومتصدرًا فيه، والآن فلا يحلو لنا طعامك، فأخذ بيد مرافقه رشيد الفرج، وكان مصاحبًا له في هذه الدعوة فقال له: يا شيخ، بل يذهب إلى أبيه فيدعوه، فقال: لا، بل المرة الثانية نجده حاضرا فطلب منه الريس أي المؤذن أن يرجع لأن صاحب الدعوة قد أحضر الغداء، والإكرام، فخرج وذهب به إلى بيته وأمر أهله أن يأتوا بغدائه، وكان خبيصًا طيبًا فقدمه، وقال له: تفضل يا ريس من ترك شيئًا لله عوضه خيرًا منه. وقضى مرة على شخص، فقال: إلى الله أشكو فلو كنت مثل فلان يقدم

стр. 4621

لك رقاب الضان لم تقض علي فضحك منه، ولم يعاتبه غير أنّه قال: جرب بنفسك حتى نقضي لك إذا أصلحك الله (١). قيل: إنّ الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم لما حصلت وقعة المليدا بين محمد بن عبد الله بن رشيد وأهل القصيم، وتغلب ابن رشيد على أهل القصيم امتنع الشيخ ابن سليم عن القضاء بين النّاس قائلًا: إنّ ولايته القضاء قد زالت بزوال دولة من ولاه إياه وهو حسن المهنا. فجمع ابن رشيد مستشاريه وبخاصة من كبار قومه وسألهم قائلًا: من نحط بقضاء بريدة، فبعضهم قال: فلان، وبعضهم قال: ابن جاسر، وسموا أشخاصًا! فقال ابن رشيد: "باب الخرقة ما يسد باب الثليم" ما لقضاء القصيم إلَّا ابن سليم، ثم استدعاه، وجدد له الولاية على القضاء. وقول ابن رشيد باب الخرقة، هي الباب الصغير الذي يكون في الباب الكبير، والكليم، الثلمة الكبيرة وهي الفتحة في جدار السور والقصر ونحو ذلك. يريد ابن رشيد أن هذا الموقع لا يصلح له إلَّا ابن سليم. علاقته بعبد العزيز بن متعب بن رشيد: من المعروف للجميع أن الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم هواه مع آل سعود عقيدة وتوجهًا، لأنه مع المشايخ من آل الشيخ فهم مشايخه وهو مقتنع بمنهجهم، ويأخذ به مستقلًا، ولذلك عندما قام أهل بريدة مع ابن صباح على عبد العزيز بن متعب بن رشيد في سنة الطرفية وهي سنة الصريف عام ١٣١٨ هـ، وحاربهم ابن رشيد وهزمهم صار يتشفى منهم بالقتل والمصادرة كما هو معروف. واستدعى الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم وقال: وراك - يا شيخ - تفتي إننا يجوز قتلنا، حنا كفرة؟

стр. 4622

يشير إلى أن الشيخ ابن سليم قد أفتى بجواز قتال ابن رشيد، ونحن لا ندري عن صحة ذلك، ولكن نعرف أنّه ليس معه. ثم قال ابن رشيد بغضب: والله لولا ها العلم اللي بصدرك إن تمشي ثلاث خطى ورأسك ما هوب عليك، يريد أنّه سوف يقتله ويقطع رأسه بسرعة، لكن والله لأجليك عن بريدة! ! ! ومن أعمال الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم تجديده بناء جامع بريدة. قال ابن عبيد في حوادث سنة ١٣١٣: وفيما تمت عمارة المسجد الجامع في بريدة على يدي الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم قدس الله روحه ونور ضريحه، وكان لما أن أراد أن يشرع في عمارته قال للملا من أهالي بريدة إني قد عزمت على عمارة جامعكم على نفقتي ليس إلَّا، ومن أراد المساعدة منكم فلا مانع من ذلك، وقد قدم الأهالي مساعداتهم وساهموا في هذا المشروع جزى الله المحسنين خيرًا، ولا شك أن الساعي بهذا له أجره مدخورا عند الله تعالى (١).

стр. 4623

هربة إلى عنيزة: قال ابن عبيد في حوادث ١٢٩٨: وفي هذه السنة حصلت منافرة بين أمير بريدة حسن بن مهنا وبين القاضي محمد بن عبد الله بن سليم فعزم الشيخ على السفر من بريدة إلى عنيزة، ولما سار الشيخ إلى عنيزة واستقر فيها دعا الأمير حسن المهنا بالشيخ محمد بن عمر بن سليم، وهو ابن عم القاضي فأحضره لديه وعرض عليه قضاء بريدة فأبى، وقال للأمير: ما كان لمثلي أن يسد ثلمة الشيخ، ولكني أشير عليك يا ابن مهنا أن ترد الشيخ إلى عمله فلان طال مقامه في عنيزة واستوطنها يوشك أن لا تدركه، فقام الأمير وسعى في استجلاب الشيخ إلى بريدة فأرسل إليه يسترضيه وبعث إليه وجعل يعتذر ويستعطف حتى رجع إلى وطنه بريدة وقد تزوج في عنيزة وولد له فيها (١). قال الشيخ صالح العمري: لما اشتد الخلاف بينه وبين الأمير حسن المهنا أمير القصيم في زمنه جاءه من أنذره أن الأمير وأعوانه سيفتكون به أو يقتلونه، وكان ذلك في شدة الحر في يوم قائظ، فهرب ﵀ واختفى بالنخيل وشجر الاثل المتصل من طرف بريدة الغربي المعروف بالبوطه، متجهًا مع بطانة الصباخ (٢)، ومشى معها إلى أن وصل منتهاها من جهة عنيزة متجها إلى عنيزة. ولما أقبل على الوادي قابله جمَّال يدعى عبد العزيز بن حسون، فلما رأى الشيخ وحده يمشي راجلًا في الرمضاء وشدة الحر انزعج، وأناخ راحلته، وقال للشيخ: تفضل إركب وسأعود معك، فقال له الشيخ: هل معك ماء؟ قال: نعم، وكان العطش قد بلغ منه مبلغًا شديدًا فسقاه من الماء الذي معه، ثم قال له الشيخ: يابني

стр. 4624

ما رأيتك ولا رأيتني، (أي لا تخبر عني أحدًا ولن أخبر عنك أحدًا بأنك سقيتني أو رأيتني، لأن الأمير لو علم أن الجمَّال قد رآه فتك به). ولما سار الشيخ متجهًا إلى الوادي، وذهب الجمال متجهًا إلى بريدة، قابل الجمال فارس يدعى الغلث من خدم حسن المهنا، كان لاحقا بالشيخ يريد الفتك به، فسأل الفارس الجمال: هل رأيت الشيخ محمد بن سليم؟ فقال الجمال، نعم رأيته، قال: أين رايته؟ قال: رأيته يدخل عنيزة، والآن يمكن أنّه قد شرب عشر قهاوي عند أهل عنيزة، قصده بذلك صده عن اللحاق بالشيخ ولفت نظره إلى تطلع أهل عنيزة لمجيئه وفرحهم به، فما كان من الفارس إلَّا أن صدق كلام الجمال وعاد من حيث أتي وأعمى الله بصيرته، وإلَّا فليس بينه وبين الشيخ شيء. ولما انحدر الشيخ إلى الوادي اتجه نحو مزارع الروغاني التابعة لعنيزة فوجد أن جماعة المسجد قد صلوا الظهر، فقصد بركة الماء في بستان عبد الله بن يحيى وتوضأ وصلى الظهر فرآه عبد الله بن يحيى من بعد وهو جالس في مصلاه فلم يعرفه لبعده عنه، ولأنه لا يخطر بباله أن الشيخ يأتي في مثل هذا الوقت راجلًا وحده، فقال ابن يحيى لأحد عماله: إذهب إلى ذلك الرجل، وادعه إلى منزلنا لتناول القهوة إكرامًا منه الرجل عابر سبيل، ولم يكن قد عرفه، وابن يحيى رجل كريم مضياف يكرم كلّ من يمر به، كعادة كرماء أهل الجزيرة العربية. فلما قرب العامل من الشيخ عرفه، فعاد مسرعًا إلى عبد الله بن يحيى ولم يخاطب الشيخ فقال: هذا الشيخ محمد بن سليم، فاذهب إليه أنت فأنكر عليه ابن يحيى قوله وقال: هل يعقل بأن الشيخ محمد يأتي راجلًا وحده في هذه القائلة وشدة الحر؟ فما كان من العامل إلَّا أن حلف بأنه الشيخ محمد وأنه يعرفه معرفة تامة، وقد سبق أن خاصم عنده في بريدة. فصدقه ابن يحيى وذهب إلى الشيخ بنفسه، وظن ابن يحيى أن مجيء الشيخ بهذه الصفة وراءه أمر فلما وصل إلى الشيخ عانقه معانقة حارة وبادره بقوله:

стр. 4625

سلمت وخاب طلابك، ثم دعاه إلى منزله وأكرمه غاية الإكرام، ثم إنّه أمر أهله بالاستعداد لعمل وليمة كبيرة للشيخ، وكان عنده عدد من العمال والخدم فأمر بعضهم بذبح الغنم التي أمر بها وأمر أحدهم أن يركب حصانًا كان عنده في البستان، ويذهب إلى أمير عنيزة في وقته زامل السليم وأعيان عنيزة، وعلى رأسهم الوجيه محمد العبد الرحمن البسام الذي يلقب عم العمومة، كما أمره بأن يذهب إلى قاضي عنيزة الشيخ علي بن محمد آل راشد وكبار طلبة العلم فيها. ويدعو الجميع للحضور إلى بستانه للسلام على الشيخ وتناول طعام العشاء معه على المائدة الكبيرة التي أعدها في الحال، فما كان منهم جميعًا إلا أن لبوا الطلب وحضروا بمن فيهم الأمير زامل ومحمد بن بسام والقاضي الشيخ علي المحمد آل راشد وكانت لابن بسام كلمته النافذة بين جميع أهالي عنيزة، فطلب من عبد الله بن يحيى أن يسمح له بأن يكون الشيخ في ضيافته، ولما كان الشيخ في حاجة إلى الحماية ولما يعرفه من مكانة ابن بسام وأنه لن ينال بسوء ما دام في ضيافته فقد اتفق مع عبد الله بن يحيى بعد إقناع ابن يحيى بأن يكون في ضيافة ابن بسام. ولما انتهى الجميع من تناول طعام العشاء على مائدة ابن يحيى توجهوا جميعًا إلى عنيزة فجمع ابن بسام وجهاء أهالي عنيزة وطلبة العلم فيها، وقال: هذا الشيخ محمد بن سليم قد جاء إليكم هاربا من بلده ولاجئا عندكم فاحرصوا على إكرامه. وقد بقي ﵀ مدة تقارب الخمس سنوات، وهو مكرم معزز في عنيزة من الجميع، وقد توافد عليه طلبة العلم من جميع أطراف القصيم، وعمرت مجالسه بالعلم في عنيزة ليلا ونهارا، ونفع الله به خلقًا كثيرًا، وقد بلغني أنّه تمضي السنة وهو في دعوات مستمرة للعشاء والغداء عند أهالي عنيزة فجزاهم الله خير الجزاء على ما صنعوه معه (١).
следующие страницы →