لك رقاب الضان لم تقض علي فضحك منه، ولم يعاتبه غير أنّه قال: جرب بنفسك حتى نقضي لك إذا أصلحك الله (١).
قيل: إنّ الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم لما حصلت وقعة المليدا بين محمد بن عبد الله بن رشيد وأهل القصيم، وتغلب ابن رشيد على أهل القصيم امتنع الشيخ ابن سليم عن القضاء بين النّاس قائلًا: إنّ ولايته القضاء قد زالت بزوال دولة من ولاه إياه وهو حسن المهنا.
فجمع ابن رشيد مستشاريه وبخاصة من كبار قومه وسألهم قائلًا: من نحط بقضاء بريدة، فبعضهم قال: فلان، وبعضهم قال: ابن جاسر، وسموا أشخاصًا!
فقال ابن رشيد: "باب الخرقة ما يسد باب الثليم" ما لقضاء القصيم إلَّا ابن سليم، ثم استدعاه، وجدد له الولاية على القضاء.
وقول ابن رشيد باب الخرقة، هي الباب الصغير الذي يكون في الباب الكبير، والكليم، الثلمة الكبيرة وهي الفتحة في جدار السور والقصر ونحو ذلك.
يريد ابن رشيد أن هذا الموقع لا يصلح له إلَّا ابن سليم.
علاقته بعبد العزيز بن متعب بن رشيد:
من المعروف للجميع أن الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم هواه مع آل سعود عقيدة وتوجهًا، لأنه مع المشايخ من آل الشيخ فهم مشايخه وهو مقتنع بمنهجهم، ويأخذ به مستقلًا، ولذلك عندما قام أهل بريدة مع ابن صباح على عبد العزيز بن متعب بن رشيد في سنة الطرفية وهي سنة الصريف عام ١٣١٨ هـ، وحاربهم ابن رشيد وهزمهم صار يتشفى منهم بالقتل والمصادرة كما هو معروف.
واستدعى الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم وقال: وراك - يا شيخ - تفتي إننا يجوز قتلنا، حنا كفرة؟
стр. 4622
يشير إلى أن الشيخ ابن سليم قد أفتى بجواز قتال ابن رشيد، ونحن لا ندري عن صحة ذلك، ولكن نعرف أنّه ليس معه.
ثم قال ابن رشيد بغضب: والله لولا ها العلم اللي بصدرك إن تمشي ثلاث خطى ورأسك ما هوب عليك، يريد أنّه سوف يقتله ويقطع رأسه بسرعة، لكن والله لأجليك عن بريدة! ! !
ومن أعمال الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم تجديده بناء جامع بريدة.
قال ابن عبيد في حوادث سنة ١٣١٣:
وفيما تمت عمارة المسجد الجامع في بريدة على يدي الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم قدس الله روحه ونور ضريحه، وكان لما أن أراد أن يشرع في عمارته قال للملا من أهالي بريدة إني قد عزمت على عمارة جامعكم على نفقتي ليس إلَّا، ومن أراد المساعدة منكم فلا مانع من ذلك، وقد قدم الأهالي مساعداتهم وساهموا في هذا المشروع جزى الله المحسنين خيرًا، ولا شك أن الساعي بهذا له أجره مدخورا عند الله تعالى (١).
стр. 4623
هربة إلى عنيزة:
قال ابن عبيد في حوادث ١٢٩٨:
وفي هذه السنة حصلت منافرة بين أمير بريدة حسن بن مهنا وبين القاضي محمد بن عبد الله بن سليم فعزم الشيخ على السفر من بريدة إلى عنيزة، ولما سار الشيخ إلى عنيزة واستقر فيها دعا الأمير حسن المهنا بالشيخ محمد بن عمر بن سليم، وهو ابن عم القاضي فأحضره لديه وعرض عليه قضاء بريدة فأبى، وقال للأمير: ما كان لمثلي أن يسد ثلمة الشيخ، ولكني أشير عليك يا ابن مهنا أن ترد الشيخ إلى عمله فلان طال مقامه في عنيزة واستوطنها يوشك أن لا تدركه، فقام الأمير وسعى في استجلاب الشيخ إلى بريدة فأرسل إليه يسترضيه وبعث إليه وجعل يعتذر ويستعطف حتى رجع إلى وطنه بريدة وقد تزوج في عنيزة وولد له فيها (١).
قال الشيخ صالح العمري:
لما اشتد الخلاف بينه وبين الأمير حسن المهنا أمير القصيم في زمنه جاءه من أنذره أن الأمير وأعوانه سيفتكون به أو يقتلونه، وكان ذلك في شدة الحر في يوم قائظ، فهرب ﵀ واختفى بالنخيل وشجر الاثل المتصل من طرف بريدة الغربي المعروف بالبوطه، متجهًا مع بطانة الصباخ (٢)، ومشى معها إلى أن وصل منتهاها من جهة عنيزة متجها إلى عنيزة.
ولما أقبل على الوادي قابله جمَّال يدعى عبد العزيز بن حسون، فلما رأى الشيخ وحده يمشي راجلًا في الرمضاء وشدة الحر انزعج، وأناخ راحلته، وقال للشيخ: تفضل إركب وسأعود معك، فقال له الشيخ: هل معك ماء؟ قال: نعم، وكان العطش قد بلغ منه مبلغًا شديدًا فسقاه من الماء الذي معه، ثم قال له الشيخ: يابني
стр. 4624
ما رأيتك ولا رأيتني، (أي لا تخبر عني أحدًا ولن أخبر عنك أحدًا بأنك سقيتني أو رأيتني، لأن الأمير لو علم أن الجمَّال قد رآه فتك به).
ولما سار الشيخ متجهًا إلى الوادي، وذهب الجمال متجهًا إلى بريدة، قابل الجمال فارس يدعى الغلث من خدم حسن المهنا، كان لاحقا بالشيخ يريد الفتك به، فسأل الفارس الجمال: هل رأيت الشيخ محمد بن سليم؟ فقال الجمال، نعم رأيته، قال: أين رايته؟ قال: رأيته يدخل عنيزة، والآن يمكن أنّه قد شرب عشر قهاوي عند أهل عنيزة، قصده بذلك صده عن اللحاق بالشيخ ولفت نظره إلى تطلع أهل عنيزة لمجيئه وفرحهم به، فما كان من الفارس إلَّا أن صدق كلام الجمال وعاد من حيث أتي وأعمى الله بصيرته، وإلَّا فليس بينه وبين الشيخ شيء.
ولما انحدر الشيخ إلى الوادي اتجه نحو مزارع الروغاني التابعة لعنيزة فوجد أن جماعة المسجد قد صلوا الظهر، فقصد بركة الماء في بستان عبد الله بن يحيى وتوضأ وصلى الظهر فرآه عبد الله بن يحيى من بعد وهو جالس في مصلاه فلم يعرفه لبعده عنه، ولأنه لا يخطر بباله أن الشيخ يأتي في مثل هذا الوقت راجلًا وحده، فقال ابن يحيى لأحد عماله: إذهب إلى ذلك الرجل، وادعه إلى منزلنا لتناول القهوة إكرامًا
منه الرجل عابر سبيل، ولم يكن قد عرفه، وابن يحيى رجل كريم مضياف يكرم كلّ من يمر به، كعادة كرماء أهل الجزيرة العربية.
فلما قرب العامل من الشيخ عرفه، فعاد مسرعًا إلى عبد الله بن يحيى ولم يخاطب الشيخ فقال: هذا الشيخ محمد بن سليم، فاذهب إليه أنت فأنكر عليه ابن يحيى قوله وقال: هل يعقل بأن الشيخ محمد يأتي راجلًا وحده في هذه القائلة وشدة الحر؟ فما كان من العامل إلَّا أن حلف بأنه الشيخ محمد وأنه يعرفه معرفة تامة، وقد سبق أن خاصم عنده في بريدة.
فصدقه ابن يحيى وذهب إلى الشيخ بنفسه، وظن ابن يحيى أن مجيء الشيخ بهذه الصفة وراءه أمر فلما وصل إلى الشيخ عانقه معانقة حارة وبادره بقوله:
стр. 4625
سلمت وخاب طلابك، ثم دعاه إلى منزله وأكرمه غاية الإكرام، ثم إنّه أمر أهله بالاستعداد لعمل وليمة كبيرة للشيخ، وكان عنده عدد من العمال والخدم فأمر بعضهم بذبح الغنم التي أمر بها وأمر أحدهم أن يركب حصانًا كان عنده في البستان، ويذهب إلى أمير عنيزة في وقته زامل السليم وأعيان عنيزة، وعلى رأسهم الوجيه محمد العبد الرحمن البسام الذي يلقب عم العمومة، كما أمره بأن يذهب إلى قاضي عنيزة الشيخ علي بن محمد آل راشد وكبار طلبة العلم فيها.
ويدعو الجميع للحضور إلى بستانه للسلام على الشيخ وتناول طعام العشاء معه على المائدة الكبيرة التي أعدها في الحال، فما كان منهم جميعًا إلا أن لبوا الطلب وحضروا بمن فيهم الأمير زامل ومحمد بن بسام والقاضي الشيخ علي المحمد آل راشد وكانت لابن بسام كلمته النافذة بين جميع أهالي عنيزة، فطلب من عبد الله بن يحيى أن يسمح له بأن يكون الشيخ في ضيافته، ولما كان الشيخ في حاجة إلى الحماية ولما يعرفه من مكانة ابن بسام وأنه لن ينال بسوء ما دام في ضيافته فقد اتفق مع عبد الله بن يحيى بعد إقناع ابن يحيى بأن يكون في ضيافة ابن بسام.
ولما انتهى الجميع من تناول طعام العشاء على مائدة ابن يحيى توجهوا جميعًا إلى عنيزة فجمع ابن بسام وجهاء أهالي عنيزة وطلبة العلم فيها، وقال: هذا الشيخ محمد بن سليم قد جاء إليكم هاربا من بلده ولاجئا عندكم فاحرصوا على إكرامه.
وقد بقي ﵀ مدة تقارب الخمس سنوات، وهو مكرم معزز في عنيزة من الجميع، وقد توافد عليه طلبة العلم من جميع أطراف القصيم، وعمرت مجالسه بالعلم في عنيزة ليلا ونهارا، ونفع الله به خلقًا كثيرًا، وقد بلغني أنّه تمضي السنة وهو في دعوات مستمرة للعشاء والغداء عند أهالي عنيزة فجزاهم الله خير الجزاء على ما صنعوه معه (١).
стр. 4626
أسباب فراره إلى عنيزة:
قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن بسام:
وكان الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم مقيمًا في عنيزة بسبب ما حدث بينه وبين محمد بن صالح أبا الخيل من نزاع، فغضب عليه محمد الصالح المذكور، وأكد على حسن المهنا أن ينفيه، فأمره حسن المهنا بمغادرة بريدة فرحل عنها إلى مدينة عنيزة.
وسبب ذلك أن الشيخ محمد العبد الله بن سليم كان قاضيًا في بريدة عام ١٢٩٣ هـ، فحكم بقطع يد رجل من طوارف عم الأمير حسن المهنا، ودافع ابن مهنا عن تنفيذ الحكم، إلَّا أن الشيخ أصر على ذلك، فقطعت اليد، وسَرَتْ حتى مات المقطوع.
ثم إنّ حسن المهنا وعمه أرادا الشر بالشيخ، فهرب إلى عنيزة ماشيًا؛ فأرسلا في أثره عبدًا لهم عتيقًا يقال له - الغلث - فسار لطلب الشيخ على فرسه.
أقول: هذا فيه ما فيه.
أولًا: أن الذي يتولى تنفيذ أحكام القاضي هو الأمير وليس القاضي، فلو كان حسن المهنا يعارض في قطع يد الرجل المذكور لما قطع يده، ولالتمس عذرا له أمام الشيخ أو غيره.
وكذلك القول بأنه عندما قطعت يد الرجل سرت أي سرى ألمها أو جرحها حتى مات المقطوع.
ولو كان الأمر كذلك لما كان اللوم يتوجه إلى الشيخ ابن سليم بل يتوجه إلى الأمير الذي نفذ الحكم، لأنه الذي حصل هذا بسبب فعل من عهد إليه بقطع يد المذكور، على أن مثل هذه المسألة لا توجب في العادة من الشر على حد
стр. 4627
تعبير الشيخ ابن بسام ما يوجب أن يفر الشيخ القاضي ابن سليم على جلالة قدره إلى عنيزة ماشيًا في شدة الحر.
ثم إنّه يقال: لو كان الأمر أمر اختلاف على البت في قضية أو إصدار حكم في قضايا لما أعاده الأمير حسن المهنا إلى القضاء مرة ثانية.
ورأيي أن الصحيح أشار إليه الشيخ صالح العمري ﵀ من أنّه سياسي، وليس قضائيًا قال:
ولما حصل الخلاف بينه وبين أمير القصيم حسن بن مهنا لرأي الشيخ بالتمسك ببيعة أهل القصيم للإمام عبد الله بن فيصل وهذا معناه: إبطال إمارة حسن المهنا ارتحل إلى عنيزة (١)
وأقول: إنّ هذا واضح من السياسة غير المتبصرة التي سار عليها الإمام عبد الله الفيصل سواء تجاه أعدائه أو حتى أصدقائه ومنهم أسرته، إذ نشب النزاع العظيم بينه وبين أخيه الأمير سعود بن فيصل، واستمر مدة طويلة.
فكان من نتيجة سياسة عبد الله بن فيصل أن ضعفت الدولة السعودية الثانية التي أنشأها جده الإمام تركي بن عبد الله إلى أن زالت.
وقد بلغ من سياسة عبد الله الفيصل أنّه أيد آل أبو عليان الذين كان قد آذاهم وقتل منهم الأمير عبد العزيز بن محمد، وعددا من أبنائه وأتباعه في الشقيقة فأيدهم أخيرًا ضد آل مهنا، وتجهز بجيش سار على رأسه يريد قتال آل مهنا تأييدًا لآل أبو عليان.
قال الشيخ إبراهيم بن عيسى ﵀ في حوادث سنة ١٢٩٣ هـ وهو يذكر حال عبد الله الفيصل وتدبيره.
стр. 4628
وقد قدم عليه عبد الله بن عبد المحسن آل محمد ومحمد بن عبد الله بن عرفج وحمد آل غانم وإبراهيم بن عبد المحسن بن مدلج من آل أبي عليان رؤساء بلد بريدة في الماضي ممن أجلاهم مهنا أبا الخيل ومعهم كتاب من زامل آل عبد الله بن سليم أمير بلد عنيزة يطلب منه القدوم عليه في عنيزة، ويعده القيام معه والمساعدة له على أهل بريدة، وطلب عبد الله بن عبد المحسن آل محمد المذكور ومن معه من عشيرته القيام معهم والمساعدة في أخذ بريدة من أيدي آل أبا الخيل وذكروا للإمام أن لهم عشيرة في البلد وأنهم إذا وصلوا إلى البلد ثاروا فيها وقاموا معهم وفتحوا لهم الباب، فسار معهم الإمام عبد الله الفيصل بجنوده من المسلمين من البادية والحاضرة، وقدم بلد عنيزة، وكان حسن آل مهنا أبا الخيل لما بلغه خبر مسيرهم كتب إلى محمد بن عبد الله بن رشيد أمير بلد الجبل يستحثه، وكان قد اتفق معه قبل ذلك على التعاون والتناصر، فخرج ابن رشيد من حائل بجنوده واستنفر من حوله من بادية حرب وشمر وهتيم وبني عبد الله، وتوجه بهم إلى بلد بريدة، ونزل عليها بمن معه من الجنود، ولما علم بذلك الإمام عبد الله الفيصل ارتحل من عنيزة بمن معه من الجنود، ورجع إلى بلد الرياض، وأقام ابن رشيد على بريدة مدة أيام ثم رجع إلى بلده (١).
وقد عد الملك عبد العزيز آل سعود ﵀ هذه المسألة من بين مسائل ثلاث هي خاطئة في سياسة عبد الله الفيصل أو قل: إنّها ليست صوابًا، والمراد بها انحياز عبد الله الفيصل إلى آل أبي عليان، ضد آل مهنا.
ولا شك في أن حسن بن مهنا لن يرى والحالة هذه فيمن يناصر عبد الله الفيصل، بل أن يرى أنّه إمام المسلمين إلَّا أنّه لا يقدر هذا الموضوع السياسي حقّ قدره.
لأن والده مهنا الصالح قد نأى بنفسه وبالقصيم عن تأييد عبد الله الفيصل أو تأييد خصومه فنعمت البلاد بالأمن ووفرة الطعام، وازدهار العمل في الوقت
стр. 4629
الذي كانت فيه البلدان التي ناصرت الإمام عبد الله الفيصل عكس ذلك.
ولذلك لما زال المانع السياسي من الاتفاق مع الشيخ محمد بن سليم في ضعف الإمام عبد الله بن فيصل وعجزه عن مقارعة خصومه أعاد حسن المهنا الشيخ ابن سليم للقضاء.
عودته إلى بريدة:
قال الشيخ صالح العمري: بعد أن قضى الشيخ قرابة خمس سنوات في عنيزة لم يستقر القضاء خلالها في بريدة على رجل معين.
ثم إنّ الأمير حسن المهنا جمع أعيان بريدة واستشارهم فيمن يصلح للقضاء فكل أبدي رأيًا ولكنه لم يقبل أحدًا ممن رشحوا حتى تم ذكر ما سبق أن أوردناه، إلى أن قال:
واستئذان الشيخ محمد الأمير عنيزة وجماعته بالعودة لبريدة هو من باب المجاملة، لا كما ظن من توهم بأنه يرغب تولي قضاء عنيزة.
فقال زامل للشيخ محمد بن سليم: هذا الخطاب طيب ولا أظن أن عند (حسن) نية سيئة، وأنت بالخيار إن كنت تحب أن تذهب، أو أن تقيم عندنا معززًا مكرمًا، وتغافل عن مقصد الشيخ، لأنه يفضل أن يكون القاضي لديهم من علماء عنيزة، فعاد الشيخ محمد العبد الله السليم إلى بريدة عام ١٣٠٣ هـ وقام بعمل القضاء (١).
علاقته بالأمير محمد بن عبد الله الرشيد:
كان الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم عالمًا قويًّا ذا شخصية متميزة لذلك اختصم مع أمير بريدة حسن بن مهنا، حتى توعده حسن المهنا ففر من بريدة
стр. 4630
إلى عنيزة ماشيًا على قدميه في الحر، وفضل ذلك على أن يخضع لما يطلبه منه أمير بريدة ما لم يقتنع به، كما سبق.
ثم كانت خصومته الكبيرة مع آل رشيد الذين استولوا على الملك من آل سعود وأولهم محمد بن عبد الله بن رشيد الذي استولى على القصيم بعد أن هزم أهل القصيم في وقعة المليدا عام ١٣٠٨ هـ ولكنه كان عاقلًا سياسيًا يعلم ما للشيخ ابن سليم من منزلة فاستدعاه إلى مخيمة في الرفيعة في شرقي بريدة، وتقع إلى الشرق من العكيرشة، فظن النّاس أنّه سوف يؤذيه أو يحبسه.
ولكنه قال له: أنا ناديتك يا شيخ أبي أستفتيك في مسألة أهمتني وهي أنني قد طلقت أي حلفت بالطلاق إن كان أنا استوليت على بريدة أني لأفضاه ثلاثة أيام.
والمراد بالفضي هنا استباحتها لمدة ثلاثة أيام، بأن يقول الحاكم المنتصر الجنوده ولمن أراد من غيرهم: إن لهم الحق في أن يفعلوا فيها ما يشاؤون من القتل والنهب والتخريب والاعتداء على النساء.
قال محمد بن رشيد للشيخ محمد بن عبد الله بن سليم: ولكنني يا شيخ ندمت على ذلك وقلت: المسلمين بذمتي وأخاف من الله أن أحدًا من أهل بريدة يجيه عقاب ما استحقه، وأنا الآن عدلت عن ذلك ولو طلقت نسائي وأنا معي ثلاث زوجات، ولا أدري هو لازم علي أن أطلقهن كلهن أو يكفي إني أطلق واحدة؟
فسأله الشيخ محمد بن سليم عن نيته عندما قال: سيطلق أيريد بذاك زوجاته كلهن أو واحدة منهن؟ فقال: أنا لم أنو شيئًا من هذا وإنما نويت الطلاق كما يقول النّاس.
فقال الشيخ محمد بن سليم: يكفي تطليق واحدة إن شاء الله.
فسأل ابن رشيد الشيخ ابن سليم عن الواحدة التي يطلقها منه، وأيهن
стр. 4631
أغلى عليه أي أكثر قيمة في نفسه من غيرها؟ فقال هي لولوة بنت مهنا الصالح، أخوها حسن المهنا هو عدوه الذي فرغ للتو من قتاله في المليدا فطلقها.
ثم أبقاه حتى على قضاء بريدة، ولم يغير من وظائفه شيئًا، وذلك بخلاف ابن أخيه الذي تولى الإمارة من بعده على ملك آل رشيد وهو عبد العزيز بن متعب بن رشيد فلم يكن في الحلم كعمه، وذلك عندما تغلب على أهل القصيم في وقعة الطرفية وهي وقعة الصريف التي حدثت في عام ١٣١٨ هـ أي قبل ظهور الملك عبد العزيز وفتحه الرياض عام ١٣١٩ هـ بعام واحد.
اجتماع الشيخ ابن سليم وأتباعه في حائل:
استدعى حاكم نجد في وقته الأمير محمد بن رشيد الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم إلى حائل ليسأله عن بعض الأمور على أثر ما كتبه له الشيخ عبد الله بن عمرو مما سيأتي في ترجمته في حرف العين (العمرو).
فتوجه معه إلى حائل عدد كبير من المشايخ وطلبة العلم إعرابًا لابن رشيد عن تأييدهم لابن سليم، وخوفًا عليه من ابن رشيد إذا كان وحده.
وقصة ذهابهم إلى حائل معروفة.
والتقوا بمحمد بن رشيد الذي أكرم الشيخ ابن سليم ومن معه من طلبة العلم.
قيل: إن محمد بن عبد الله بن رشيد عندما استدعى الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم كان ممن معه علي المقبل وعبد العزيز القصير راع الشقة، وهو مشهور بمحبته للمشايخ آل سليم وكرمه.
ذهبوا إلى حائل واستقبلهم ابن رشيد استقبالًا طيبًا فقال بعض مستشاريه وأقاربه ممن لا سياسة عندهم ولا معرفة بالأمور: هذولا ما هم معك هذولا عليك، ووش عندهم؟
стр. 4632
فقال له محمد بن رشيد: والله يا مهفة ابن سليم، ها اللي ماهيب عندكم شيء إنّها أعظم عليَّ من المدفع، هذولا المشايخ حملة العلم وأتباعهم بالقصيم وغيره كثير.
ثم طلب من الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم أن يواعده على العشاء غدًا.
فقال الشيخ: إن كان هذا أمر منك فأنت ولي الأمر، وإن كان أنت تقصد أي يوم فحنا واعدنا على العشاء لمدة سبع طعش يوم، ولا يصلك الدور إلَّا بعد ١٨ يوم - وكان أنزلهم في بيت.
ثم عزمهم وأكرمهم.
وعند العودة قال عبد العزيز القصير راع الشقة العليا للشيخ ابن سليم ومرافقيه: ترى العشا عندي لأنها في طريق حائل قبل بريدة، ولابد من أن يجلس المشايخ عنده يومًا كاملًا على الأقل، فعلم المشايخ وطلبة العلم في بريدة بوجود الشيخ وإخوانه في الشقة فخرجوا من بريدة لاستقبالهم عند القصير الذي كان يحبهم ويحبونه.
وكان القصير ذبح أربع ذبائح والناس كثير فاستشار أحد العقلاء ممن عنده، وقال: هذي ما تكفي الذين عندنا كلهم.
فأشار عليه صاحبه أن يصب سمنًا على الذبائح الأربع وما حولها من الطعام حتى لا يكثر النّاس منه ويكلفيهم كلهم.
وذكر الشيخ صالح العمري ﵀ ذهاب الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم إلى حائل ومقابلته للأمير محمد بن رشيد وملخص كلامه قال:
وفي ولاية محمد العبد الله بن رشيد حصل للشيخ أذى بعض الأعداء، ووشوا به إلى الأمير محمد بن رشيد، وقد استدعاه إلى حائل بقصد تأنيبه وإهانته،
стр. 4633
ولكن الله الذي ينصر أولياءه جعل تلك الدعوة بعكس ما أراد أعداء الشيخ، فإنه لما دعا بالشيخ ركب معه ما يقرب من ثلاثين رجلًا من كبار طلبة العلم والعلماء في بريدة ووجهائها، ولما صار على بعد ساعة للراكب عن حائل نزل للراحة والمبيت حيث يتمكن في الصباح الباكر من النزول في ضيافة الأمير محمد بن رشيد على أول جلسته كعادة حكام ذلك الوقت الذين يستقبلون الوفود في أول الصباح، وقد جلس الشيخ في وسط الطلبة وأخذوا يقرؤون وهو يشرح لهم مما وهبه الله من العلم، فكان أحد المقدمين عند الأمير محمد بن رشيد من ندمائه ويدعى فجحان الفراوي، من رؤساء مطير كانت له ناقة مع الرعية التي تسرح، ولما جاءت الرعية التي تغدو صباحًا وتعود مساء، حضر لتسلم ناقته فلم يجدها مع الإبل، فسأل الراعي عنها فقال: هي مع الإبل، فبحثوا عنها فلم يجدوها مع الإبل، فقال فجحان للراعي: ما آخر عهدك بها؟ قال: في مكان كذا ووصف له نفس المكان الذي نزل فيه الشيخ محمد ورفقته، فما كان من فجحان إلا أن ركب مطية وأسرع للبحث عن ناقته، فلما قرب من الشيخ ورفقته أناخ راحلته وعقلها، وأتى إليهم ليسألهم عن ناقته، ولم يعرفهم، ولما سلم جلس وسمع الدرس وكلام الشيخ نسي ناقته وأمرها، ولان قلبه لما سمع من القرآن والحديث والتفسير وشرح الشيخ، وغربت الشمس وأراد الإنصراف، فطلب منه الشيخ أن يتناول معهم طعام العشاء فوافق.
ولما انتهى فجحان الفراوي من ذلك عاد إلى حائل، وكأن الله قد ساقه المصلحة الشيخ ورفقته نصرة لهم، ولما وصل إلى حائل قصد قصر الأمير محمد بن رشيد، وكان مقدمًا عنده، فطلب مقابلته فقيل له إنّه قد دخل عند النساء فقال لابد من مقابلته لأمر هشام فأخبر الخدم الأمير بإلحاحه فظن في الأمر شيئًا مهمًا، فدعا به ولما رآه قال فجحان: بصوت عال: الله وأمانه ما تضر الشيخ ابن سليم والخطباء الذين معه يقوم لك سعد.
стр. 4634
فقال الأمير ماذا تقول؟ فأعاد عليه ما قال أولًا، فقال الأمير: من أين جئت؟ قال: جئت من عندهم وهم في مكان كذا، ووالله إن هؤلاء لا يريدون الدنيا، وإنما يريدون الآخرة، فإياك وأذاهم، فما كان من الأمير إلَّا أن تغير موقفه نحو الشيخ ورفقته.
فلما أصبح دعا برئيس الحاشية وأمره أن يخبره إذا وصل الشيخ كما أمره أن يهيئ له سكنًا فسيحًا وفرشًا طيبة وأن يكرمه غاية الإكرام.
فلما وصل الشيخ قابله الأمير في منتصف الطريق بين المجلس والباب، واستقبله استقبالًا طيبًا خلاف ما كان يظن النّاس، فعجب من ذلك الأمراء والحاشية، لأنهم كانوا ينتظرون من الأمير الفتك بالشيخ، فما الذي غير موقفه؟
وفي الحقيقة أنّه تأثر بكلام فجحان الفراوي - جزاه الله خيرًا -.
ولما جلس الشيخ في مجلس الأمير عن يمينه حضر أحد كبار طلبة العلم في حائل ويدعى الشيخ عبد الله الجباره وهو من المحبين لآل سليم، فسلم على الأمير واستأذنه بالسلام على الشيخ، فأذن له ثم قال بصوت عال: أرجوك تسمح لي بدعوة الشيخ محمد بن سليم لتناول طعام العشاء، فقال ابن رشيد: أنت تبي تعزم الشيخ محمد؟ - كالمحتقر له - قال عبد الله الجباره: نعم أبي أعزم ضيفك الشيخ محمد بن سليم، وقالها بصوت عال يسمعه كلّ من في المجلس، فردها الأمير مرة ثانية، وكررها عبد الله الجباره، فقال الأمير: الشيخ اليوم عندي وباكر عند عبد العزيز المتعب - ولي عهده - وبعده عند حمود العبيد، وهو من كبارهم، وبعده عند فلان وبعده عند فلان حتى عد ستة أو سبعة من كبار الرشيد ثم قال: اليوم الفلاني عندك يا عبد الله، فشكر له عبد الله الجباره استجابته لدعوته الشيخ وخرج.
وقد عاد الشيخ مكرمًا معززًا إلى بريدة.
стр. 4635
الشيخ ابن سليم وعبد العزيز بن رشيد:
لم يجرؤ الأمير عبد العزيز بن متعب بن رشيد على الإساءة إلى الشيخ محمد بن عبالله بن سليم إلَّا أن ينفيه بعيدًا عن بريدة.
فنفاه إلى النبهانية.
وكان سأل من حوله من أهل القصيم عن قرية تكون أكثر قرى القصيم جهلًا بأمور الدين، وبعدًا عن العلماء، فذكروا له النبهانية، لبعدها عن المدن.
فنفى الشيخ محمد بن عبد الله إليها.
وقال لنا شيوخنا المسنون ومنهم والدي ﵀ إن نفي الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم إلى النبهانية كان خيرًا وبركة على أهل النبهانية، فقد صاروا يتعلمون عليه أمور دينهم وواصل بعضهم ذلك بعد مغادرة الشيخ لهم حتى صاروا من طلبة العلم المشهورين.
والعامة ومنهم والدي لا يستعملون لفظ نفي أو نفاه وإنما يستعملون بدلًا من ذلك الجلاء وجَلَّاه بمعنى نفاه عن البلد إلى بلد آخرى.
وكان سمع رأيًا من بعض من عنده بأن ينفيه إلى (قصيبا) في شمال القصيم، لكونها بلادًا وبيئه، فيها حمى وهي حمى الملاريا، قالوا: وقد يموت الشيخ ابن سليم من هذه الحمى فتستريح منه.
فقال: لا، سيقول النّاس: إن ابن رشيد قتله بإرساله إلى قصيبا، ثم قرر نفيه إلى النبهانية.
لقد كان ما بين آل رشيد، وبين آل سليم الذين كبيرهم وزعيمهم الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم اختلافا أيضًا في أمور شرعية دينية نتج عنها خلاف سياسي.
стр. 4636
فآل سليم هم تلاميذ آل الشيخ محمد بن عبد الوهاب وهم على مشربهم وهناك علماء وطلبة علم من القصيم يرون أنهم متشددون في مسائل معينة، وهم الشيخ إبراهيم بن حمد بن جاسر وأتباعه الذين كانوا أشد تطرفا في هذا الموضوع منه كالشيخ عبد الله بن عمرو.
ونتج عن ذلك أن أصبح آل سليم واتباعهم يتولون آل سعود في وقت كان نجم آل سعود في آخر القرن الثالث عشر وأول القرن الرابع قد أفَلَ حتى ظهور الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود على مسرح الأحداث في عام ١٣١٩ هـ.
وكان الآخرون يتولون آل رشيد الذين هم مقربون من الدولة التركية وبعثت معهم جنودًا للقتال إلى جانبهم في وقعة البكيرية عام ١٣٢٢ هـ لذلك صار للخلاف جانب عملي كبير أبرزه الخلاف السياسي أو نتج عنه عمل سياسي.
قال الشيخ صالح العمري:
استمر الشيخ ابن سليم في القضاء حتى جاءت ولاية عبد العزيز المتعب بن رشيد على عموم نجد، وكان النّاس ولا سيما من ينتمون إلى العلم حزبين متعاديين عداءً شديدًا، وبينهما فتن على أمور بسيطة خفيفة لا تقتضي هذا العداء وتلك البغضاء، إلَّا أن الشيطان وهوى النفوس والأشرار الذين يبذرون العداوة بين المسلمين، كما أنّه لم يوجد من يحاول إخماد هذه المنازعات التي سببت الشر بين النّاس في بلدة واحدة، وكان الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم من أكبر أحد الحزبين، فأمره عبد العزيز المتعب بمغادرة بريدة إلى قرية في غربي القصيم يقال لها النبهانية، وذلك بعد معركة الطرفية التي بينه وبين مبارك آل صباح في آخر ذي القعدة عام ١٣١٨ هـ، وأراد بنفيه اتقاء شرور تحدث أعظم مما وقع.
فأقام الشيخ في تلك القرية ونفع الله بعلمه ووعظه أهلها، حتى تم استيلاء الملك عبد العزيز آل سعود ﵀، على القصيم كله، وقضى على هذه
стр. 4637
المنازعات والعداء الذي لا يستند إلى شيء من دين ولا عقل، فأعاد الشيخ إلى بلده بريدة، وإلى عمله في القضاء في بريدة (١).
وقد عاد الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم إلى بريدة في آخر عام ١٣٢١ هـ كما قيل لنا، وكان نفوذ عبد العزيز بن رشيد قد ضعف وبعض سراياه هزمت.
قال الشيخ إبراهيم بن عبيد:
وفي آخر هذه السنة عاد الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن سليم من النبهانية إلى بريدة، وكان ﵀ قد نقل وشق عليه المشي لألم في وركيه سببه أن رجلًا سقط من سطح المسجد على وركيه، فأثر ذلك عليه خللًا في الوركين، فكان إذا مشى يجر إحدى رجليه (٢).
أقول: قوله من النبهانية إذا كان المراد به أنّه جاء منها إلى بريدة رأسًا فهذا غير صحيح لأنه كان ذهب من النبهانية إلى البكيرية، وإن كان المراد أنّه عاد من منفاه الذي كان في النبهانية إلى بريدة فهو صحيح.
وأما ثقل المشي فربما كان مألوفًا لمن بلغ ثمانين سنة، أو كاد مثل حالة الشيخ ابن سليم في هذه السنة.
وظني أن الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم لم يعد إلى بريدة إلَّا في سنة ١٣٢٢ هـ قبل وقعة البكيرية، لأن عبد العزيز بن رشيد كان قد أبعد عن نجد، حيث كان يسعى في الحصول على مساعدات عسكرية من جنود ومدافع من الحكومة التركية التي أعطته ما أراد، فارتخت قبضته الشخصية على الأمور في القصيم، وإنما وكل ذلك إلى امرائه وأعوانه.
стр. 4638
وفيما يتعلق بالشيخ محمد بن سليم فإن ابن رشيد كان قد علم بعد ذلك أنّه انتقل من النبهانية إلى البكيرية بعد أن أقام في النبهانية سنتين، ولم ير في وجوده فيها تهديدًا له، لذلك تركه وشأنه.
وبعد وقعة البكيرية الفاصلة وهزيمة عبد العزيز بن رشيد ومن معه من عسكر الترك ومن جنود أهل الشمال بادية وحاضرة، وبعد أن استقر الملك عبد العزيز في بريدة أعاد الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم إلى القضاء في بريدة في عام ١٣٢٢ هـ.
قال الشيخ إبراهيم العبيد:
ثم دخلت سنة ١٣٢٣ هـ:
استهلت هذه السنة والقاضي في بريدة فضيلة الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم قد جعله على القضاء جلالة الملك عبد العزيز رفع الله قدره وشهر ذكره لأنه لما كان له الولاية على القصيم ما كان ليبغي عنه بدلًا، إلى أن قال:
وكان خطيب جامع بريدة إذ ذاك فضيلة الشيخ عمر بن محمد بن سليم بعدما قدم إلى بريدة من النبهانية وكان يخطب على سيف في يده هذا وقد توالت الفتوحات الإسلامية ونصر أهل السنة وذل أهل البدع على يدي صاحب الجلالة نسأل الله تعالى أن ينصر دينه ويعلي كلمته (١).
تعليقات وكتابات الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم:
خلف الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم عددًا كبيرًا من الوثائق والأحكام الشرعية التي كتبها وهو في القضاء، إضافة إلى وثائق البيع والشراء والمداينات والوصايا والأوقاف.
وخطه أقل جودة من خط ابن عمه محمد بن عمر بن سليم وأملاؤه كذلك يتفوق عليه إملاء الشيخ محمد بن عمر.
стр. 4639
وذلك أن الشيخ محمد بن عبد الله كان قد انهمك في الأمور العملية الصعبة مثل القضاء، ومعاملة الحكام، ومقارعة الخصوم حتى في فهم بعض المسائل العلمية.
بخلاف الشيخ محمد بن عمر بن سليم الذي غلبت عليه الناحية العلمية النظرية، وكان متفرغًا لإفادة الطلاب والإطلاع على الكتب.
стр. 4640
انظر إلى هذه العبارة (فأذنا له يدين راشد آل حمد الطلاسي في ثلث جده وثلث عمه الخ).
يتبين لك قوة شخصية القاضي محمد بن عبد الله بن سليم ويتبين لك أيضًا مبلغ ديانة وأمانة الأمير حسن بن مهنا ﵀ الذي لم يجرؤ على مد يده إلى وقف قريب منه حتى بالاستدانة عليه إلَّا بعد إذن الحاكم الشرعي.
وهذه نماذج من خط الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم بعضها مما كان كتبه وهو قاض، وبعضها مما كان خلاف ذلك.
بعض النّاس يطلبون منه أن يكتب لهم وثائقهم من وصايا وأوقاف أو من إثبات حقوق فضلًا عن التصديق على التعاقدات.
من ذلك وصية عودة بن حمد المحيميد والد عبد الكريم بن عودة الشهير بمطوع اللسيب.
وقد كتبها في أول ربيع الأول سنة ١٢٨٢ هـ.
стр. 4641
ومن ذلك وصية محمد بن ناصر الصانع جد أسرة الصانع التي فيها عدد من الأثرياء في القديم والحديث، آخر من عرفنا من أثريائها الكبار محمد بن علي الصانع الآتية ترجمته في حرف الصاد، وقد كتبها الشيخ في ١٢ جمادي الثانية سنة ١٢٧٦ هـ.
وصدق عليها الشيخ صالح بن قرناس قاضي بريدة لعبد العزيز بن متعب بن رشيد في ١٩ جمادى الأولى ١٣١٩ هـ.
стр. 4642
وكتب الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم هذه الوثيقة في محرم عام ١٢٨٦ هـ وصدق عليها الشيخ القاضي سليمان بن علي آل مقبل بعد ذلك بسنتين، أي في ١٠ من ربيع الآخر من سنة ١٢٨٦ هـ.
стр. 4643
والوثيقة التالية كتبها الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم في عام ١٢٧٣ هـ وذلك قبل أن يتولى القضاء فيما يظهر، ويظهر عليها تأنقه في الكتابة أو قل: إنه تمهله فيها.
وفيها كتب اسمه واسم أبيه وجده حمد بن سليم.
والكلام على هذه الوثيقة ينبغي أن يكون في رسم (الدهيم) في حرف الدال.
стр. 4644
وهذه الوثيقة المختصرة التي أقرت بموجبها شيخة بنت ناصر آل بطي بأن في ذمتها دينًا لمحمد آل عبد الرحمن الربدي خمسمائة وخمسون وزنة تمر
стр. 4645
شقر مؤجلات يحل أجلها شهر ذي الحجة سنة ١٢٦٦ هـ.
والشاهد: عبد الله آل محمد القرعاوي.
والكاتب الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم.
والتاريخ: ٢٦ ربيع الثاني عام ١٢٦٦ هـ.
وهذه الوثيقة هي من أقدم الوثائق التي كتبها الشيخ، وقد عاش بعدها ستين سنة إلا سنتين.
الوساطة لابن بسام عند ابن سعود، أو لابن سليم عند ابن رشيد:
قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام ﵀، في ترجمة الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم:
أما الشيخ محمد بن سليم فإنه وصل إلى قرية الروغاني من ضواحي عنيزة وجاء إلى بستان لعبد الله المحمد آل يحيى آل أبا الشحم، فأكرمه الرجل وأشار عليه أن يكون قدومه على آل البسام، فأنزله آل البسام في بيت في حي يقال له (سوق المصعد)، ولم يعد إلى بريدة إلَّا عام ١٣٠٣ هـ.
ومع هذا فإنه لما استولى الملك عبد العزيز على القصيم وحصل على البسام ما حصل من الترحيل عن بلادهم إلى الرياض، وما حصل من النهب
стр. 4646
لبيوتهم، وكان للشيخ محمد العبد الله بن سليم مكانة عند ابن سعود، ومع هذا لم يبد أي مجهود للشفاعة فيهم، ولذا ينقل عن الشيخ إبراهيم بن ضويان صاحب (منار السبيل) أنه يقول: (إن محمد بن سليم لم يفٍ مع آل بسام ولم يرد جميلهم مع قدرته على ذلك)، والله المستعان.
ولما حلَّ المترجم في عنيزة تزوج من عنيزة من آل حريول وهي أخت سليمان بن حريول، وولد له فيها ابنه عبد الرحمن الذي لا يزال أحفاده فيها.
وننقل عن مؤرخين من أهل عنيزة أن البسام لم يكونوا بحاجة إلى وساطة عند ابن سعود، لأنه كف عنهم الغوغاء، وأرسلهم مكرمين إلى الرياض الفترة حتى هدأت الأمور.
قال إبراهيم القاضي في تاريخه:
ابن سعود لما تحقق إقبالة ابن رشيد جا من بريدة إلى عنيزة ودعي الجماعة وحدهم، والبسام وحدهم، لما حظر البسام في مكان وحدهم قال لهم ابن سعود: ابن رشيد أقبل ولو وثقت فيكم أنا فالجماعة ما هم واثقين فيكم، إنما أحب أن تروحون عند الوالد بالرياض ما دامت هالمسألة ما نجزت، وأنتم في وجهي، وأمان الله ما تشوفون ما تكرهون، وهم الذي عليهم النص بهذا عبد الله العبد الرحمن البسام وابنه علي، وحمد المحمد العبد الرحمن السام وحمد المحمد العبد العزيز البسام، ومحمد العبد الله البراهيم البسام، فركبوا إلى الرياض في ٦ سات من شهر صفر (١).
هذا مع العلم بأن البسام كانوا في تلك الظروف الحرجة مؤيدين لابن رشيد كما قال إبراهيم القاضي في تاريخه أيضًا:
стр. 4647
وفي شعبان دعا ابن رشيد عبد الله العبد الرحمن وكبار أهل عنيزة، ركب عبد الله قبل الجماعة، ولما وصل عند ابن رشيد قال له: وش تري؟ قال عبد الله: يا عبد العزيز البلدان ما يحزمها إلا السرايا، وعنيزة ما حنا آمنين من أهلها، ابن رشيد يعرف أن عبد الله مصيب، ولكن ما يحب تشديد الأمور، لأنه شاف اختلاف الأحوال ورأى مجاراة الناس أوفق، طبوا عليه جماعة عنيزة وأبدى لهم الإكرام والمودة، وقال: أظن أني أشمل وأخاف عليكم من ابن سعود، وأنتم معي علم أنكم تحبون العافية، وأنكم أجاويد كراهة للشر، وأنا أحب أن تكونوا خاصة لي.
إلى أن قال: عبد الله (البسام) وأولاده استحسنوا جلب السرية وأرسلوا إلى ابن رشيد خفية عن الجماعة، وطلبوا منه سرية، وأرسل لهم فهيد بن سبهان ومعه خمسين نفر، وصلوا عنيزة في ١٥ رمضان.
ابن سعود يوم اجتمعوا عنده غزوانه ووصلوا إليه أهل القصيم الذين خرجوا من الكويت، استلحق ابن سليم وقال له: ماذا ترى؟ قال ابن سليم: جماعتنا معنا ومشتهيننا ما عدا البسام.
أرسل ابن سعود كتابًا منه وكتابًا من ابن سليم إلى عبد الله العبد الرحمن (البسام) وأهل عنيزة معناه أننا وصلنا الزلفي والنية نتوجه إلى طرفكم أخبرونا عن رغبتكم، وصل الخط بيد عبد الله (البسام) وأرسل إلى الجماعة، ولما حضروا قال: هذا خط من ابن سعود وابن سليم ماذا ترون؟
قالوا: ماذا ترى أنت؟ وإذا عبد الله كاتب جواب الخط، عرضه عليهم وقال: هذا الذي عندي إن كان توافقوني على هذا الجواب وإلَّا هذا ابن رشيد قريب، قالوا: الدرب واحد ما فيها تفرق، مضمون الخط الذي هو كاتب، أنه بأرقابنا بيعة لابن رشيد، ما نحلها ما دام هو موجود، فإن كان فيكم قوة، هذا ابن رشيد عندكم، إن ظفركم الله عليه فنحن وغيرنا لكم، أما ما دام هو موجود
стр. 4648
فلا تقدمون إلينا، أرسلوا الخط، ولما وصل إلى ابن سعود دعا ابن سليم وعرضه عليه، وقال: هذا خط جماعتك الذي تقول مشتهيننا.
ومعنى هذا عدم الاعتراف بالملك عبد العزيز ما دام ابن رشيد موجودًا.
ثم دخلت سنة ١٣٢٢ هـ "وفي خامس محرم": أقبل عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل بن سعود إلى عنيزة ومعه السليم عبد العزيز بن عبد الله اليحيى وصالح بن زامل العبد الله وأتباعهم وآل أبا الخيل وأتباعهم، ونوخوا عند الجهيمية ودخلوا السليم بمن معهم ومعهم آل أبا الخيل للبويطن الساعة ليلا، وتراموا هم والذين من أهل عنيزة هناك، قتل محمد بن عبد الله بن حمد آل محمد البسام ورجل غيره بمناوشة الرمي من بعيد، ووصلوا إلى داخل البلد دون معارض لكون عامة أهل البلد هواهم معهم، وقتل صالح العبد الله اليحيى صبرا، وفهيد السبهان واثنين من أتباعه، ونهبوا بيت عبد الله آل عبد الرحمن البسام وبيت فهد آل محمد البسام، وبيت محمد العبد الله آل إبراهيم البسام، وبعض بيوت قليلة الناس من أهل البلد.
وكل هذا قبل أن يستتب الأمر للملك عبد العزيز في عنيزة حيث حمى البسام بعد ذلك كما سبق.
إلى أن قال إبراهيم القاضي:
وقد ورد إلينا الأخبار من طريق الإحساء والبصرة أنه حصل لهم غاية الإكرام من عبد الرحمن الفيصل، وآل الشيخ وأهل العارض عمومًا، وقال لهم عبد الرحمن كما قال لهم ابنه عبد العزيز، إن القصد من مجيئكم إلى انتهاء هذه الفتنة.
وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام نفسه:
البسام اختفوا أيام السطوة ثم جرت المصالحة وصاروا في بلادهم
стр. 4649
عاديين لعدة أيام، ثم إن الإمام عبد العزيز بن سعود من منزله في عنيزة استدعى خمسة من أعيانهم، هم:
- العم عبد الله العبد الرحمن البسام.
- ابنه: علي العبد الله البسام.
- حمد المحمد العبد الرحمن البسام.
- حمد المحمد العبد العزيز البسام.
- محمد الإبراهيم العبد الرحمن البسام.
واختفى بهم ولاطفهم ثم قال لهم: إن ابن رشيد - الأن - قد أقبل ليشب حربًا لا تقل عن حرب الطرفية وأنتم أعزاء علينا، وأخشى أن الوشاة ينقلون إليَّ كلامًا ما يرضيني عليكم وأسلم لكم من هذه الفتن أن تكون إقامتكم عند والدي في الرياض، وإلَّا فثقتي بكم متينة.
فقالوا: أمرك مطاع، فكتب بينهم عقد اتفاق وأمان حضره قاضي عنيزة الشيخ إبراهيم بن جاسر، وحمد المحمد العبد العزيز البسام، وفي ذلك اليوم ٩/ ٢/ ١٣٢٢ هـ أرسل الإمام مرافقين محترمين في أخلاقهم وآدابهم ليكونوا في خدمتهم برئاسة عبد العزيز الرباعي، وحملهم على خمسة عشر ذلولًا، وصرح لهم الرباعي أن الإمام يكرر الوصية بإكرامهم وحسن صحبتهم وخدمتهم، فساروا بحفاوة وإكرام حتى وصلوا إلى الرياض، فلما وصلوا الرياض استقبلوا فيه من الإمام عبد الرحمن الفيصل ومن الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، ومن عموم أعيان الرياض بكل حفاوةٍ وصاروا مطلقي الحرية في الرياض، وفي الزيارات والتجولات (١).
فأين الحاجة إلى وساطة الشيخ ابن سليم عند ابن سعود؟
стр. 4650
ويدل على ذلك أيضا هذا الكتاب:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الرحمن بن فيصل إلى جناب الأمير محمد بن جاسر البجادي سلمه الله تعالى آمين السلام عليكم ورحمته وبركاته.
وموجب الخط إبلاغ جنابكم المحترم جزيل السلام والسؤال عن حالك جعلها الله أحوال خير وعافية، وبعد ذلك من طرف عبد الله بن عبد الرحمن آل بسام وحمولته إذا بدا لهم لازم على يدكم من أي شيء صادرة أو واردة أو تحويل دراهم لا توقف في لازمهم، ولا تحاذر من شيء لأن لازمهم لازم لنا، والذي يلزم عليهم لازم علينا، يكون لدى جنابكم معلوم ودم سالمًا.
وقد أطلت النقل في هذه القضية ليتضح الأمر بالنسبة إلى مسألة مقابلة في الشفاعة والتوسط وهي أنه عندما انتهت معركة الطرفية في عام ١٣١٨ هـ بانتصار ابن رشيد على أهل القصيم ومن معهم صار الشيخ محمد بن سليم مهددًا بالقتل من عبد العزيز بن متعب بن رشيد، ولكنه لم يقتله لما ذكره أو تذكره وهو العلم الذي في صدره على حد تعبير ابن رشيد فاكتفى بأنه نفاه من بلده بريدة إلى قرية النبهانية في أقصى غرب القصيم، فصار طريدا بدون دخل أو أسباب معيشة بعد أن كان قاضيًا معززًا مكرمًا في بلده بريدة.
فقد يقال: إنه كان بالإمكان أن ابن بسام يتوسط لدى عبد العزيز بن متعب بن رشيد وعلاقته به ممتازة، بل علاقة عميقة لدينا ما يؤكدها من عشرات الرسائل التي أرسلها آل بسام للرشيد ابتداء من محمد بن عبد الله الرشيد وانتهاء بعبد العزيز المتعب وأن يطلبوا من ابن رشيد أن يدع ابن سليم وشأنه في بريدة وأن يأمره بما يريد وينهاه عما يريد أن لا يفعله، وهو سيمتثل بحكم الظروف المحيطة به؟
стр. 4651
أما ما نقله الشيخ عبد الله البسام عن الشيخ إبراهيم بن ضويان من أن الشيخ ابن سليم لم يف مع آل بسام ولم يرد جميلهم - على حد رأيه.
فالجواب على ذلك ما ذكرناه من أن ابن سعود منع عن (البسام) أي أذى يلحق بهم بعد أن استتب له الأمر في عنيزة كما قدمنا، ولذا لا داعي للوساطة وأما عبارة الشيخ إبراهيم بن ضويان فإنها ليست مستغربة عليه، وله عبارات ﵀ أخرى في الغمز واللمز في آل سليم لأنه من الطائفة الأخرى من علماء القصيم وطلبة العلم فيه التي تقف مع الشيخ ابن جاسر وأتباعه ضد آل سليم، ومنهم زميله ورفيقه الشيخ صالح بن قرناس من أهل الرس الذي عينه الأمير عبد العزيز بن رشيد قاضيًا في بريدة بدلًا من الشيخ محمد بن سليم، وهو ذو هوي (رشيدي) بإثبات الياء.
وأما رد الجميل لآل بسام الذين أكرموا الشيخ محمد بن سليم فإن إكرامهم له معروف ومعترف به، وقد نقلناه، ولكن الشيخ ابن سليم عالم، وقد جلس لطلبة العلم والدارسين مجالس عليه ودروسًا في حلق الذكر في المساجد وانتفع به خلق من أهل عنيزة من البسام وغيرهم.
والعالم كما نعرف حتى في الوقت الحاضر يرسل إليه الناس يحضر عندهم ويكرمونه غاية الإكارم لقاء علمه الذي يعلمهم إياه.
مع عدم شكي بأن (البسام) الذي أكرموا الشيخ محمد بن سليم لم يكرموه يريدون لإكرامه ذلك ثمنًا إلا التدريس والإفادة لطلبة العلم لأن فيهم طلبة علم وأدباء، وأن الشيخ ابن سليم لم يجلس للطلبة ويفيدهم إلَّا قيامًا بواجب التعليم.
ومما يتعلق بالوساطة والتوسط من آل بسام ما ذكره الأستاذ سليمان بن عبد الله الرواف من أن حسن المهنا أمير القصيم بعد أن حصلت الهزيمة على أهل القصيم في معركة المليدا وكسرت رجل حسن المهنا ذهب إلى عنيزة أملا
стр. 4652
في أن يتوسط له الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن بسام ﵀ لأنه كان له مقام لدى محمد بن رشيد:
يقضي على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسنًا ما ليس بالحسن
فقبض عليه محمد بن رشيد وسجنه هو وأولاده وأقاربه والمسجونون هم حسن المهنا وولداه صالح وسليمان ومحمد العبد الله المهنا، ومحمد العلي الصالح أبا الخيل وعبد العزيز العلي آل محمد أبا الخيل، ستة رجال (١).
ولم يذكر الشيخ عبد الله بن بسام هذه الوساطة إن كانت حصلت بالفعل، ولم يلق لوما على جده عبد الله بن عبد الرحمن البسام في عدم التوسط لأمير القصيم المهزوم الكسير الرجل، وهو الكبير في السن الذي ليست لديه مقاومة ولا غناء في الحرب، وقد قصد آل بسام بالفعل لكي يتوسطوا له عند ابن رشيد.
ولم نلق اللوم على ابن بسام في ذلك، لأن الذي كان حصل بين محمد بن رشيد وبين أهل القصيم بقيادة حسن المهنا فوق ذلك.
الرسائل العلمية:
العلماء الكبار لابد أن يكونوا تبادلوا رسائل مع علماء آخرين فيما يتعلق ببعض المسائل العلمية، سواء أكان ذلك في وقت الطلب، أو بعد أن صاروا علماء، وذلك أمر طبيعي، ولكن قدمنا أن أهل نجد لم يكونوا يهتمون بتوثيق المعلومات العلمية الدينية، إلا من ناحية حكمها في الشرع وبيان ما إذا كانت داخلة في الحلال أو الحرام على سبيل المثال.
لكن أن يسجل العالم منهم ما سمعه من غيره من العلماء في المسائل فإنهم لا يفعلون ذلك إلا نادرًا، وذلك النادر يكون خاصا ببيان ناحية الحكم
стр. 4653
الفقهي أو العقدي في المسألة.
حتى الرسائل التي يتبادلونها فيما بينهم لا يحتفظون بها إلا نادرًا ولذلك عدمت الآثار العلمية المكتوبة لهم، إلا ما استدركه الشيخ عبد الرحمن بن قاسم ﵀ في (الدرر السنية في الرسائل والمسائل العلمية) وأكثرها متعلق بالمشايخ من أئمة الدعوة وعلمائها كما هو ظاهر.
أما ما يتعلق بالشيخ محمد بن عبد الله بن سليم وابنيه القاضيين فإنني سألت وأحفيت السؤال عن ذلك حتى عرفت أن أحد أحفادهم من غير طلبة العلم قد جمعها وأعطاها شخصًا كبيرًا في الدولة، ولم يحتفظ لنفسه ولا بصورة منها.
وأنا الآن في محاولة الحصول على الإطلاع على شيء منها لأنني عرفت اسم ذلك الرجل الذي هي عنده وهو مسئول كبير في الدولة.
وهذه من الرسائل النادرة التي حصلنا عليها موجهة من الشيخ عبد الرحمن بن حسن حفيد الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرًا، إلى الشيخ محمد بن عبد الله ومحمد بن عمر آل سليم.
وهي مؤرخة في عام ١٢٨١ هـ.
وينبغي أن ننوه إلى ذكر الرسائل التي وردت للشيخ محمد بن عمر بن سليم ﵀ قد وصلت إلينا سنذكرها في ترجمته إن شاء الله.
стр. 4654
وفاة الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم:
قال الشيخ إبراهيم بن عبيد: وفيها وفاة الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم وهذه ترجمته نذكر ما تيسر منها وإن كنت في حال وضعها في غاية عظيمة من كثرة الأشغال فنقول:
هو الشيخ الإمام العالم العلامة الحبر الكبير، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن حمد بن محمد بن صالح بن حمد بن محمد ابن سليم بن محمد بن ميمون يلتقي هو وابن أخيه (١) محمد بن عمر بالنسب في صالح بن حمد لأن محمدًا
стр. 4655
وعبد الله أخوان، وكان عبد الله تزوج من آل عبد ربه مطاوعة الدرعية، وصالح وابنه عبد الله هما اللذان غرسا الراس بالدرعية والخليِّج وقاموا مع الشيخ محمد هم وآل سويلم وآل موسى بن سليم يسمون آل شقير أسرة أخرى جمعهم الاسم كل هذه الأخبار في زمن عبد الله بن معمر، هذا معرفة نسبة ﵀.
ولد في سنة ١٢٤٠ هـ في بريدة، أما مشائخه فإنه أخذ العلم عن الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن (١)، وناهيك به وأخذ عن الشيخ حمد بن عتيق، ويكفيك شرفًا له أخذه عن هؤلاء الفطاحل السادة الربانيين الذين تحلو المجالس بذكرهم ويسمو من انتسب بمشيختهم.
ولما نبغ وبرع في العلوم عنَّ لقاضي القصيم سليمان بن علي بن مقبل السفر إلى مكة المشرفة يريد أن يجاور بها ولأنه انحلت قواه وكل من أعمال القضاء فأشار على أمير بريدة بجعل المترجم على قضائها فراوده الأمير واستقر الشيخ قاضيًا ومفتيًا، وإنما أشار بجعله قاضيًا لما كان يعرفه فيه من المؤهلات والكفاءة فاستمر في القضاء اثنتين وعشرين سنة سوى فترة قليلة في أول القرن لسؤ تفاهم جرى:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداء له وخصوم
وترى اللبيب محسدًا لم يجترم ... شتم الرجال وعرضه مشتوم
وحاشا وكلا ولما أنه لا يضل الناس ولم يضل الناس بل كان هاديًا مهديا، ولكن قد قال من يقول للشيء كن فيكون ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وليس ذلك ببدع فقد قالت قريش في حق سيد الأولين والآخرين محمد: "صنبور قطع أرحامنا وعاب ديننا وشتم آلهتنا
стр. 4656
واتبعه سراق الحجيج"، فلشيخنا بالرسول أسوة (١).
شهرته وعناية المؤرخين بسيرته:
حظي الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم بسيرة عطرة متحركة لا يعتروها ركود ولا خنوع، وحتى إذا سلمت من العوارض السياسية أو من الآفات التي لابد فيها فإنها كانت متحركة بل نشطة عن طريق تعليم الطلبة، وأخذ المشايخ عنه.
ومع ذلك كان يقوم بالقضاء مقام القوي الأمين الذي لا يتوانى ولا يتساهل في إعطاء كل ذي حق حقه، كما يتضح ذلك من أحكامه، ومما ذيل به علي الأوراق والوثائق، وقد قدمنا طرفًا من ذلك، وما هو إلا جزأ قليلًا ذكرناه.
ومن عناية العلماء به كتابة سيرته، وربما كان من أقل من كتبوا عنه أهل بلدته بريدة، ما عدا ما كتبه الشيخ صالح بن سليمان العمري ﵀، في عزمة من عزماته الكثيرة النافعة، فقد كتب عنه وكتب عن تلامذته وزملائهم كتابة وافية جزاه الله خيرًا.
كما كتب الشيخ المؤرخ إبراهيم بن عبيد العبد المحسن ترجمة وافية للشيخ.
ومن أهل عنيزة الشيخ الجليل عبد الله بن عبد الرحمن بن بسام ﵀ الذي سنورد بعد هذا ما كتبه عن الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، مع مناقشة ما يحتاج إلى مناقشة منه.
قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام ﵀:
الشيخ محمد بن عبد الله بن حمد بن سليم (١٢٤٠ هـ - ١٣٢٥ ه ـ):
الشيخ العلَّامة محمد بن عبد الله بن حمد بن محمد بن صالح بن حمد بن محمد بن سليم، كان أجدادهم يتنقلون في عدة بلدان من بلاد نجد إلى أن استقروا في
стр. 4657
مدينة الدرعية، وذلك وقت قيام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بتجديد الدعوة السلفية فيها، فلما خربت الدرعية من جراء الجيوش العثمانية التي يقودها إبراهيم باشا، رحل منها والد المترجم (عبد الله بن حمد) وابن عمه (عمر بن عبد العزيز بن آل سليم)، وسكنا في مدينة بريدة، واستقرا فيها واستوطناها.
فوُلد المترجَم الشيخ محمد فيها عام ١٢٤٠ هـ ونشأ وتعلَّم في كتاتيبها مبادئ الكتابة والقراءة، ثم حبب إليه العلم فشرع في القراءة على علماء القصيم، وكان من أشهرهم قاضي بريدة الشيخ سليمان بن مقبل وقاضي الرس الشيخ قرناس بن عبد الرحمن.
فلما عيَّن العلَّامة الشيخ عبد الله ابابطين قاضيًا في مدينة عنيزة لازمه المترجم واستفاد منه، ثم رحل إلى الرياض للأخذ عن العلَّامتين الشيخ عبد الرحمن بن حسن وابنه الشيخ عبد اللطيف، فشرع في القراءة عليهما، كما ذهب إلى شقراء بعد أن عاد إليها شيخه الشيخ عبد الله أبابطين من عنيزة، فاستأنف عليه الدراسة والاستفادة.
ولم يزل في الجد والاجتهاد حتى أدرك إدراكًا تامًا في العلوم الشرعية والعلوم العربية، وعاد إلى بلده بريدة، وقد صار من كبار العلماء لا في القصيم بل في بلاد نجد كلها.
وتصدى للتدريس والإفادة، فرحل إليه طلاب العلم والمعرفة من أرجاء بلدان القصيم، وتفرغوا للانتفاع من علمه والاستفادة منه حتى تخرَّج عليه جمع كبير وجم غفير من العلماء المشهورين.
وكان القاضي في مدينة بريدة شيخه الشيخ سليمان بن مقبل، فمكث في القضاء سنين طويلة حتى كبر وسئم، إلَّا أنه يعلم أن أمير بريدة حسن آل مهنا
стр. 4658
لا يعفيه من القضاء أبدًا، فلما جاء عام ١٢٩٦ هـ سافر إلى مكة المكرمة، وأظهر أن سفره لأداء العمرة، وأناب عنه في القضاء الشيخ محمد بن عمر بن سليم، فلما وصل إلى مكة كتب إلى حسن المهنا بأنه كبر سنه، وضعف جسمه، ويريد المجاورة في مكة، ويطلب إعفاءه من القضاء.
وكتب إلى نائبه الشيخ محمد بن عمر بأن يترك القضاء، فقد انتهت نيابته عنه، فلا يقضي، وأشار على حسن المهنا بنائبه الشيخ محمد بن عمر، فعرضه عليه فرفض، فألزمه القضاء كرهًا، فباشره عدة أشهر، ثم عمل الحيلة التي عملها الشيخ بالنجاة من القضاء، حيث سافر إلى مكة للحج، ومنها كتب لحسن المهنا برفضه القضاء (١).
إلى أن قال الشيخ عبد الله بن بسام:
جلس في النبهانية قرابة خمس سنوات، فكانت مدة قضائه في بريدة تزيد على عشرين سنة.
وللتمرجَم أجوبة على مسائل كثيرة، وكان يكره كتابة أجوبته على المسائل تورعًا لئلا يؤخذ بها بعده.
والمترجَم من كبار العلماء المطلعين، ومن أصحاب الوقار والسمت والعدل والعفاف في أحكامهم وقضائهم، كما أن له زعامة شعبية ومحبة لدى عارفي فضله ومقدري علمه، فكانت الرسائل الودية والمسائل العلمية تتبادل بينه وبين شيخه الشيخ العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ والشيخ العلَّامة عبد الله بن عبد الرحمن أبابطين، وقد اطلعت على إجازة للمترجَم له من شيخه عبد الله أبابطين أجازه بمروياته، وأثنى عليه الثناء العاطر.
стр. 4659
ولم يزل قائمًا في عمله محبوبًا في وطنه، عامرًا مجالسه بالتدريس والوعظ والتوجيه حتى توفاه الله تعالى في مدينة بريدة عام ١٣٢٥ هـ. وقيل ١٣٢٦ هـ (١).
وهم:
من التخليط في أمر الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم ما ذكره الأديب الراوية محمد بن علي العبيد في كتابه المخطوط (النجم اللامع، للنوادر جامع) حين قال:
أخذ الشيخ محمد بن سليم يحرض الناس على قتال ابن رشيد ويرى أنه جهاد، فلما استولى ابن رشيد على القصيم عاتبه وتهدده ونفاه من بريدة إلى النبهانية يسكن فيها، ولكن عبد الله العبد الرحمن البسام بعدما مضى عليه شهور وهو في منفاه في النبهانية فشفع فيه عند ابن رشيد أن ينزل البكيرية فشفعه في ذلك ونزل البكيرية.
ورتب له من الزكاة ما يكفيه من عيش وتمر وكان في تهدده له أن قال له أنت يا شيخ محمد تحرض الناس على قتالنا وتطبق الآية الذي نزلت في حق المشركين علينا بأن تخطب في الناس وتقول ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ والله لولا ما وضع الله بصدرك من العلم وأني محترمه لأجل علمك أن تخطي ثلاث خطوات وأنت بلا رأس ولكن يشهد الله أني أحترمك ومات ﵀ وهو في منفاه في البكيرية (٢).
والوهم في كلامه في أكثر من موضع ومن ذلك قوله: ولكن عبد الله بن عبد الرحمن البسام بعدما مضى عليه ستة شهور وهو في منفاه في النبهانية شفع فيه عند ابن رشيد أن ينزل البكيرية، فشفعه في ذلك ونزل البكيرية.
وهذا غير صحيح أصلًا فقد حدثني المرافقون للشيخ أنه بقي في النهاية ثلاث سنين، وعندما ارتخت قبضة ابن رشيد على الحكم في عام ١٣٢١ هـ
стр. 4660
انتقل من النبهانية إلى البكيرية بنفسه، دون شفاعة أحد.
ومن الوهم قوله: إنه رتب له من الزكاة ما يكفيه من عيش وتمر، وهذا أيضا غير صحيح أصلًا، إذ أجمع المؤرخون والمتحدثون في أمره أن منتهي ما فعله ابن رشيد أنه لم يقتل الشيخ ابن سليم، وقد نفاه عن بريدة، فكيف يرتب له ما يكفيه من عيش وتمر.
والوهم الثالث الذي يدل على أن الكاتب الأستاذ محمد بن علي العبَيِّد لم يتأكد من شيء مما ذكره قوله:
ومات - الشيخ ابن سليم ﵀ وهو في منفاه في البكيرية وهذا وهم كله، لأن الشيخ محمد بن سليم عاد من البكيرية إلى بريدة فولاه الملك عبد العزيز آل سعود القضاء فيها، وبقي في القضاء حتى مات في بريدة في عام ١٣٢٥ هـ أو ١٣٢٦ هـ. كما قال الشيخ عبد الله بن بسام ﵀.
واستمالًا للكلام على الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم ننقل هنا ترجمة موسعة كتبها له الأستاذ محمد بن عثمان القاضي، قال:
محمد العبد الله بن سليم: هو العالم الجليل المحقق المدقق الشيخ محمد بن عبد الله بن حمد بن محمد بن صالح بن حمد بن محمد بن سليم يلتقي مع ابن عمه محمد بن عمر المتقدم في صالح بن حمد الجد الثالث، ولد هذا العالم في مدينة بريدة سنة ١٢٤٠ هـ، ونشأ في بيئة صالحة نشأة حسنة وتربى أحسن تربية، وقرأ القرآن على مقرئ حتى حفظه تجويدًا، ثم حفظه عن ظهر قلب وشرع في طلب العلم بهمة ونشاط ومثابرة، فقرأ على أعيان علماء بلده وما حولها، ومن أبرز مشائخه قرناس بن عبد الرحمن بن قرناس قاضي القصيم في زمنه، وسليمان بن علي بن مقبل قاضي بريدة كما قرأ بعنيزة على قاضيها مفتي نجد عبد الله بن عبد الرحمن بابطين، وعلي بن محمد الراشد قاضي عنيزة