وهذه نسخة الصفحة المذكورة:
وكتب الشيخ محمد بن عمر بن سليم على الطرة الأخيرة من كتاب المنتقى كتابات أكثر كما ذكر وقفية هذا الكتاب على طلبة العلم في مدينة بريدة خاصة فلا يجوز إخراجه منها، إلى جانب فوائد ونبذ أخرى ذات طرافة علمية،
стр. 4692
منها ما يتعلق بالوقفية:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد الأمين وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين وبعد:
فيقول المفتقر إلى سيده ومولاه محمد بن عمر بن عبد العزيز آل سليم: لما نظرت إلى الدنيا فرأيتها سريعة الزوال ولا ينفع بن آدم إلَّا ما قدمه من صالح الأعمال وقفت هذا الكتاب الموسوم بمنتقى الأحكام من حديث خير الأنام وقفًا مؤبدًا مخلّدًا لا يباع ولا يوهب ولا يورث ولا يرهن ولا يأخذ مَنْ هو في يده عوضًا عن إعارته ولا يمنعه مستفيدًا مع غلبة الظن على صيانته، فإن فعل من هو في يده شيئًا من ذلك فهو خاين لأمانته وموعده يوم العرض الكبير، والله بالمرصاد وقد وقفته لأخي عبد العزيز بن عمر ﵀.
وأسأل الله أن يتقبله واشترطت لي النظر مدة حياتي ولذريتي من بعدي ما تناسلوا مع التزام ما ذكرت من الشروط وبعدهم القارئ من آل سليم وبعدهم طلبة العلم من المسلمين من أهل بلد بريدة من بلدان القصيم حماها ربِّ رحيم ولا يخرج منها، قال ذلك وقرره محمد بن عمر بن عبد العزيز بن سليم وذلك في ذي القعدة ١٢٧٦ هـ. وصلى الله على محمد وعلى صحبه وسلم.
وهاتان فائدتان لغويتان والأخيرة منهما مهمة، لأنها مستعملة في الكلام الدارج عندهم.
نسيج قال في النهاية في حديث عمر: مَنْ يدلني على نسيج وحده يريد رجلًا لا عيب فيه وأصله أن الثوب النفيس لا ينسج على منواله غيره وهو فعيل بمعنى مفعول ولا يقال إلَّا في المدح.
نفس، قال في النهاية: والنفس: العين ويقال: أصابت فلانا نفس أي عين
стр. 4693
ومنه الحديث أنه مسح على بطن رافع فالقي شحمة خضرا فقال: إنه كان فيها أنفس سبعة يريد عيونهم، ويقال للعاين نافس.
وهذه اللطيفة:
الرجل الكريم هو الجامع لأنواع الخير والشرف والفضائل وفي الحديث: إن الكريم ابن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم لأنه اجتمع له شرف النبوة والعلم، والجمال والعفة وكرم الأخلاق والعدل ورياسة الدنيا والدين فهو نبي وابن نبي وابن نبي رابع ... في النبوة - نهاية -.
ومراده بقوله: نهاية، أنه نقل هذا من كتاب النهاية في غريب الحديث لابن الأثير.
وهذه الطرفة الأدبية التي خلطها بمسألة طبية:
"مجالسة الظريف تفيد سرور القلب وشمُّ العنبر وطلبه يدفع ضعف القلب.
يتبخر بالزعفران للزكام.
السمك يضر الكبد وكذا لحوم البقر".
وهذه الفائدة الطبية بالنسبة لمن كانوا يعتمدون على الطب العربي القديم:
"الكيموس في عبارة الأطباء هو الطعام إذا انهضم في المعدة قبل أن يتصرف ويصير دمًا ويسمونه أيضًا الكيلوس.
أصل المري رأس المعدة المتصل بالحلقوم، وبه يكون استمرا الطعام".
وهذه صورة كتابات الشيخ محمد بن عمر بن سليم على كتاب المنتقي:
стр. 4694
وليست كتابة الشيخ محمد بن عمر بن سليم مقتصرة على المسائل العلمية، بل تشمل الأشياء الغريبة من ذلك أنه كتب بخطه أبياتًا من الشعر العامي لا من أجل محبته في الشعر العامي، أو اعتباره شعرًا ينبغي أن يدون، وإنما لكونها تتضمن إشارة إلى بدء ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، وإن كان الشعر العامي فيها من شعر الجن، وليس من شعر الإنس.
стр. 4695
وملخصه كما كتبه الشيخ محمد بن سليم:
أن شاعرًا يقال له خماس من جنوب نجد وأن هاتفًا بالليل قال له: أنا شاعر الجن، وأنت شاعر الإنس، عطني فقال خماس: أنت عطني من شعرك، فقال:
خماس، ما تنزل بديرة بني عاد ... رجال الحكم زيد وجالي
عنابرٍ ما بثوا الدين بافساد ... كم عللوا خطَّارهم بالعلالي
عمارهم فنيت وسلطانهم باد ... وأموالهم مالهْ عريب يْسالِ (١)
شرقٍ عن المسجد ولاهوب ببعاد ... علمي بهم يوم المباني طْوالِ
وديعهم قفا وهو ما له اولاد ... غدن بعمره مظلمات الليالي
من بعد خمسٍ هجرة ما بها أزواد ... وتشوف مامورٍ على الناس والي
قال: وبعد خمس سنوات ظهرت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀.
كتابات نادرة:
ومن كتابات الشيخ محمد بن عمر بن سليم النادرة بالنسبة إلى كتابات العلماء في وقته أنه كتب أشياء مهمة عن أسرته ونسب رجالها وهي كتابة مختصرة ولكنها مفيدة، وقد استفدت منها على اختصارها في معرفة أسماء بعض الأشخاص في الأسرة وتلك الكتابة ليست واسعة، ولا شاملة، بل لم يضع لها عنوانًا يميزها، وإنما هي من قيوداته العديدة التي هي نتف من الفوائد الموجزة وسبق نقل صورة ما كتبه عن نسب أسرته.
نماذج من خطه من كتاباته.
стр. 4696
الوثائق والمبايعات:
стр. 4697
والدة الشيخ محمد بن عمر بن سليم:
والدة الشيخ محمد بن عمر بن سليم هي رقية بنت محمد بن حسن المقبل من آل مقبل الذين منهم المشايخ وأشهرهم الشيخ سليمان بن علي المقبل الذي تولى قضاء بريدة مدة طويلة، وكان مرضيًا عنه من الجميع.
стр. 4698
وابن أخيه الشيخ محمد بن مقبل بن علي المقبل قاضي البكيرية.
وسوف يأتي الكلام عليهما في حرف الميم.
أما جده لأمه محمد بن حسن المقبل فإنه كان وجيهًا ثريًا عرفنا ذلك من وصيته، ومما اطلعنا عليه من وثائق عديدة وقد تزوج عمر بن سليم رقية المذكورة بعدما سكن بريدة في عام ١٢٣٣ هـ.
وهذا ظاهر من كونها من المقبل الأسرة المعروفة في بريدة والبصر.
وصية والدة الشيخ محمد بن عمر بن سليم:
стр. 4699
ثروة الشيخ محمد بن عمر بن سليم:
الشيخ محمد ثري بلا شك لاسيما بمقاييس الثراء في تلك العصور فهو يداين الناس من فلاحين وغيرهم ويشتري العقار مثله في ذلك مثل والده: عمر بن سليم، غير أن والده كان بالغ الثراء في ذلك الوقت.
وأما الشيخ محمد فإننا وقفنا على عشرات الوثائق التي تدون مدايناته أو تسجل مبيعاته أو مشترياته من العقار والنخيل، وذلك ما جعل أمير بريدة في عام ١٣٢٦ هـ أحمد بن محمد السديري يكتب لكل من كان عليه دين للشيخ محمد بن عمر أن يوفيه دينه عن طريق دفع ذلك لابنه سليمان بن محمد العمر إلا إن كانت له دعوى في الشرع تتعلق بذلك الدين فإنه يجب عليه أن يداعيه أي يذكر دعواه عند الشرع.
وهذا نص كتاب الأمير:
وسليمان المذكور هنا وهو ابن الشيخ محمد بن عمر أدركته بل عرفته معرفة حقيقية، فهو رجل طويل الجسم، لكن الأهم من ذلك ما هو عليه من اطلاع على مجريات الأمور، بل من ثقافة واسعة بالنسبة إلى أهل عصره، فكان يسئل عن كل شيء يحدث له ذكر، وكان يجيب عن أشياء كثيرة، وقد كنت في صغري قبل أن أعرف مكانة والده الشيخ محمد بن عمر بن سليم أعجب من وفرة معلوماته وسعة اطلاعه.
стр. 4700
مات سليمان بن الشيخ محمد بن عمر بن سليم في عام ١٣٦١ هـ.
وهذه نماذج من مداينات الشيخ محمد بن عمر بن سليم:
стр. 4701
والوثيقة التالية محاسبة بين الشيخ محمد بن عمر بن سليم وبين علي العبد الله المطوع نزيل العريمضي مكتوبة في خمس بقين من ربيع آخر، أي في اليوم الخامس والعشرين منه عام ١٣٠٤ هـ بخط عبد العزيز بن عبد الرحمن الحنيشل.
والشاهدان فيها عبد الله بن مطلق العقيل ومحمد بن سلامة الهمش.
стр. 4702
وفاته:
وجدت بخط ابنه الشيخ إبراهيم ما نصه:
توفي الوالد الشيخ محمد بن عمر بن سليم ضحوة السبت خامس من شهر جماد أول سنة ١٣٠٨ هـ.
وما ينبئك مثل خبير.
فالشيخ إبراهيم طالب علم وإمام مسجد، وكاتب ذو قلم سيال بمعنى أنه كثير الكتابة، حتى إنه نسخ بقلمه عدة كتب علمية بعضها يتألف من مجلدات عديدة.
ولذلك لا اعتبار لما ذكره الشيخ علي أبو وادي وهو من أهل بريدة الذين انتقلوا منها إلى عنيزة فقد وجدت بخطه على طرة أحد الكتب قوله:
توفي الشيخ محمد بن عمر بن سليم نهار اليوم السادس من شهر جمادي الثاني سنة ١٣٠٨ هـ.
من علماء نجد الكبار:
إذا عُدَّ علماء نجد الكبار في النصف الثاني من القرن الثالث عشر أو النصف الأول من القرن الرابع عشر عد الشيخ محمد بن عمر بن سليم منهم، سواء أكان من أهل القصيم أم غيره.
ولذلك كتب عنه كثير مع أنه لا يزال يحتاج إلى الكتابة عنه لأن عصره لم يكن عصر تدوين للرسائل ولا لتراجم العلماء إلّا فيمن ندر.
وقد كتب عنه الشيخ صالح بن سليمان العمري كتابة موسعة في كتابه (علماء آل سليم) وذكر تلاميذه والآخذين عنه من الذين أصبحوا مشايخ ومنهم علماء وقضاة حتى بلغ بهم إلى ١٠٦ من المشايخ والقضاة وأئمة المساجد وغيرهم.
стр. 4703
ونورد هنا ما كتبه الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام ﵀ في كتابه (علماء نجد خلال ثمانية قرون).
الشيخ محمد بن عمر بن عبد العزيز بن سليم (١٢٤٥ هـ - ١٣٠٨ ه ـ):
الشيخ محمد بن عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن صالح بن حمد بن محمد بن سليم، كان جده عبد العزيز يقيم في الدرعية أيام زهرتها بالدعوة السلفية، فلما خربت على يد إبراهيم باشا انتقل ابنه عمر بن عبد العزيز إلى بريدة، فاستقر فيها واتخذها له وطنًا.
وُلد المترجَم في عام ١٢٤٥ هـ في مدينة بريدة، في بيت علم ودين، وتربي أحسن تربية، وأخذ مبادئ القراءة والكتابة، ثم شرع في القراءة على علماء القصيم كالشيخ سليمان بن مقبل قاضي بريدة والشيخ فارس بن رميح أحد علماء الرس والشيخ قرناس بن عبد الرحمن قاضي الرس.
ولمَّا عيِّن العلَّامة الشيخ عبد الله أبا بطين قاضيًا في مدينة عنيزة المجاورة لبلاده، لازمه وقرأ عليه واستفاد منه.
ثم رحل إلى الرياض للتزود من علم مشايخها، وكان أشهر من فيها العلَّامة الشيخ عبد الرحمن بن حسن وابنه الشيخ عبد اللطيف، فشرع في القراءة عليهما والتزود من علمهما.
ثم رحل إلى شقراء وفيها - يومئذ - شيخه أبا بطين، فاستأنف عليه القراءة والانتفاع منه.
ولم يزل جادًا مجدًا في طلب العلم، حتى أدرك علمًا جمًا في التوحيد والتفسير والحديث والفقه وأصولها.
كما رحل إلى الحرمين الشريفين وقرأ على علمائهما، وأخذ الإجازة منهم.
стр. 4704
ثم عاد إلى نجد، فعاد إلى وطنه متزودًا بهذه العلوم، وقد صار محل الثقة من شيخيه العالمين الجليلين، الشيخ عبد الرحمن وابنه الشيخ عبد اللطيف، فأجازاه وأذنا له في القضاء والتدريس، وهذه إشارة إلى أجازتيهما:
(من عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى الأخ المكرم محمد بن عمر آل سليم، بعد الديباجة، وبعد:
فلا يخفاك حاجة الناس إلى التعلُّم والتدريس من مثلك، وقد يتعين الأمر عليكم - وعلى مثلكم - نشر العلم، والحكم بالقسط في موطن القضاء من أفضل الأعمال، ومن موجبات الإثابة والرضا، وقد أذنت لك بالإقراء والتدريس والإفتاء بما ترجَّح عندك من كلام أهل العلم، بشرط أن يكون لك فيه سلف صالح من مشايخ الإسلام).
وأما الإجازة الثانية:
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ المكرم محمد بن عمر آل سليم، بعد الديباجة:
(فقد طلبت مني الإجازة أن تروي عني ما رويته عن أشياخي من أهل نجد ومصر، وقد أجزتك بما رويته عنهم بالإجازة كالكتب الستة والفقه في مذهب الإمام أحمد، وغير ذلك ككتب التفسير، وعليك في ذلك بتقوى الله، والتَدبُّر والاجتهاد في معرفة المعنى، وصورة المسألة، والمطالعة على كل ما يرد عليك، واجتهد في العدل فيما وليت عليه من أمور المسلمين). اهـ.
وهكذا جلس المترجَم في بلده للتدريس والإفادة والإرشاد، فكان يعقد الجلسات العلمية الطوال بلا ضجر ولا ملل، فأقبل عليه الطلاب من مدن القصيم وقراه، وتحلقوا عليه واستفادوا منه، حتى تخرَّج على يده جمع من العلماء المجيدين للعلم.
стр. 4705
وكان محبوبًا لطيفًا مع طلابه، فقد حدثني بعض طلاب الشيخ صالح بن عثمان آل قاضي قال: كنا نستفيد من الشيخين محمد بن عمر بن سليم وابن عمه الشيخ محمد بن عبد الله، ولكن مهابتنا من الشيخ محمد العبد الله تمنعنا من كثرة سؤاله، والانبساط في البحث معه، بخلاف الشيخ محمد بن عمر فتلطفه مع الطالب يجرئه على إطالة البحث معه والاستفادة منه.
والقصد أن المترجم تصدى لنفع الطالبين وإفادتهم، حتى تخرَّج به أفواج كثيرة من العلماء، يحضرني منهم:
- الشيخ عبد الله بن محمد العبد الله آل سليم.
- الشيخ إبراهيم بن حمد بن جاسر.
- الشيخ عبد الله بن حسين أبا الخيل.
- الشيخ عبد الله بن مفدى.
- الشيخ عثمان بن حمد بن مضيان، كان على قضاء أبي عريش.
وهؤلاء من أهل العلم في بريدة.
- الشيخ عبد الله بن محمد المانع.
- الشيخ صالح بن عثمان القاضي.
- الشيخ علي بن ناصر أبو وادي.
وهؤلاء من أهل العلم في عنيزة.
- الشيخ عبد الله بن بليهد.
- الشيخ سليمان بن ناصر بن جربوع.
- الشيخ عبد الرحمن بن علي الرشودي.
- الشيخ حسن بن مهنا.
- الشيخ عودة بن حسن آل عودة من آل أبا الخيل.
стр. 4706
- الشيخ علي بن مرشد الصالح.
- وابنه محمد بن علي.
- الشيخ إبراهيم بن ضويان.
- الشيخ عثمان العريني.
- الشيخ عبد العزيز بن عبد الله المهنا، أخو محمد الأمير.
- الشيخ سليمان بن أحمد الرواف، أخو الشيخ عبد الله بن أحمد.
- الشيخ عبد الله بن عثيم.
- الشيخ عبد الله التويجري.
- الشيخ حمد بن سعيد.
وأبناء ناصر العجاجي:
- محمد بن ناصر العجاجي.
- عبد الله بن ناصر العجاجي.
- إبراهيم بن ناصر العجاجي.
- عبد الرحمن بن ناصر العجاجي.
- الشيخ عبد الرحمن العقلا.
وعرض عليه قضاء بريدة فرفضه، ولم يل القضاء إلَّا بالنيابة عن شيخه الشيخ سليمان بن مقبل حينما ذهب إلى مكة المكرمة، فقد جعله نائبًا عنه، فلما توفي الشيخ سليمان بن مقبل (١) عينه حسن المهنا كرهًا في القضاء، وكان حسن في ذلك الوقت مستقلًا بإمارة بريدة، فآل سعود قد كاد ينتهي حكمهم بعد خلاف أبناء الإمام فيصل، وعلاقته مع محمد بن رشيد علاقة حلف ومناصرة فقط.
والغرض أن الشيخ محمد بن عمر آل سليم التزم القضاء كرهًا، وبعد أشهر من مباشرته سافر إلى مكة مظهرًا قصد العمرة، فكتب من مكة إلى حسن
стр. 4707
المهنا معلنًا تركه القضاء، فعيِّن مكانه ابن عمه الشيخ محمد بن عبد الله آل سليم في قصة ذكرت في ترجمته، وما حمله على البعد عن القضاء إلَّا الخوف من الله وحب السلامة، وإلَّا فأداته لديه كاملة.
مؤلفاته:
أما التأليف، فله نشاط في تحرير الفتاوى، ولكنها مفرقة عند أصحابها.
وله تعليقات وتحقيقات على نسخة من شرح الزاد وشرح كتاب التوحيد.
كما ألَّف منسكًا لطيفًا مفيدًا لا يزال مخطوطًا عند حفيده الأستاذ عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن عمر بن سليم.
ثناء العلماء عليه:
أما ثناء العلماء عليه فكان كثيرًا، ومن ذلك ما قاله عنه ابن عيسى: العلَّامة الأوحد، الفهامة الورع الزاهد العابد، الإمام الفقيه الفرضي النحوي اللغوي الأديب الجليل، الفاضل النبيل.
مهر في الفقه مهارة ظاهرة، وحصل في جميع الفنون، وكان له ذكاء يفوق الحد، وعقل رزين، وأخلاق حسنة، وكان سخيًا كريمًا رحيمًا بالفقراء، ذا عبادة وورع وزهد، يفوق عمله وصفه، بل كان مثالًا لكل الفضائل، قدوة للأواخر، ومصداقًا لافاضل الأوائل.
وكان ﵀ أمارًا بالمعروف نهاءً عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم، صدّاعًا بالحق لا يحابي ولا يبالي ولا يهاب، بل كان إذا رأى وسمع منكرًا أخذته رعدة بحيث لا يستطيع البقاء في مجلسه.
وكان دائم البشر، ضاحك الوجه، يسبق من لقيه بالتحية والسؤال عن حاله، ويتفقد الفقراء في بيوتهم.
стр. 4708
وكان ﵀ على غاية من الورع، ويحكي عنه في ذلك حكايات لا يسع هذا المقام ذكرها.
وبالجملة فهو من علماء نجد المحققين البارزين، الذين جعل الله في علمهم البركة، فكثرت بذلك تلامذته، وكلهم علماء أجلاء.
وفاته:
أصيب بالمرض وجيوش محمد بن رشيد وجيوش أهل القصيم متقابلة للقتال بينهما في المليدا، فأهل القصيم متحصنون بكثبان قرية الشقة، وابن رشيد أسفل منهم، وذلك قبيل معركة المليدا بأيام، فتوفي قبل نشوب الحرب بستة أيام، فقد كانت وفاته في يوم السبت سابع جمادى الأولى من عام ١٣٠٨ هـ.
قال ابن عيسى: وله من العمر ثلاث وستون سنة، وخلَّف ثلاثة أبناء (١).
وترجم له الأستاذ محمد بن عثمان القاضي بترجمة حافلة، ولكنه ذكر فيها ما لم نعرفه مثل قوله:
ولد هذا العالم في إحدى الهجر الشمالية سنة ١٢٤١ هـ، وهي السنة التي مات فيها الأمير الإدريسي، نشأ في بيت علم ودين وتربي أحسن تربية وارتحل مع أبويه إلى الحناكية وسكنها، ثم ارتحل منها إلى العيينة، وكانت موطنًا للعلماء، وغرس فيها نخلًا وبني مسجد وقرأ القرآن وحفظه ثم حفظه عن ظهر قلب (٢)، وشرع في طلب العلم بهمة ونشاط ومثابرة وقدم إلى بريدة وعنيزة وتزوج في عنيزة (٣)، ولازم قاضيها العلامة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بابطين وقرناس بن
стр. 4709
عبد الرحمن قاضي الرس وسليمان بن مقبل قاضي بريدة وفارس بن رميح من علماء الرس، وارتحل إلى منفوحة فحصل فتن، ولم تطل مدة إقامته فيها، فارتحل منها إلى الدرعية (١)، وصار يتردد ما بينها وبين الرياض ملازمًا العلماء في ذلك، ومن أبرز مشائخه هناك الشيخ عبد الرحمن بن حسن وابنه عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ وأجازاه بالرواية انظر إلى أن قال: ورشح مرارًا للقضاء في قري (٢)، فامتنع تورعًا منه وجلس للتدريس في مدينة بريدة فالتف إلى حلقاته طلبة كثيرون منها وما حولها، وكان حسن التعليم لطيفًا متواضعًا يحب إيصال النفع لطلابه إلى أن قال: وكان مرشدًا في مسجده الذي يؤم الناس فيه في بريدة، وقد عمره بالتدريس والإفتاء ونفع الخلق وعمدة في التوثقات بخطه المتوسط، وفي عقود الأنكحة، وكان دمث الأخلاق لا يحب المظهر حلو المفاكهة مجالسة ممتعة ومحادثاته شيقة وآية في التواضع والزهد والورع والسخاء والحلم ذا أناة وتؤدة عطوفًا على الفقراء والمحاويج مع قلة ذات يده وحينما نفى ابن رشيد محمد العبد الله بسبب الأباخيل منها إلى عنيزة (٣) أول القرن حاولوا أن يرشحوه للقضاء ببريدة فامتنع، وقد وقع في زمنه فتن وملاحم، فكان يصدع بكلمة الحق لا يخاف من أحد وأوذي في سبيل الدعوة فصبر وصابر مع قلة المساعد والمناصر، وكان ذا كلمة مسموعة محمود السيرة له مكانة الولاة والناس ولم تزل هذه حاله حتى وافاه أجله المحتوم قبل وقعة المليدا بأيام والجيوش متقابلة بين أهالي القصيم وابن رشيد والناس في رعب شديد فمرض وتوفي يوم السبت ٧ من جمادى الأولى من عام ١٣٠٨ هـ. وحزن الناس لفقده حزنًا شديدًا وصلي عليه صلاة الغائب بعنيزة (٤).
стр. 4710
إبراهيم بن الشيخ محمد بن عمر بن سليم
стр. 4711
إبراهيم بن الشيخ محمد بن عمر بن سليم:
عرف عن إبراهيم بن الشيخ محمد بن سليم أنه كان ينسخ الكتب والمطولات التي تؤلف مجلدات بالأجرة، ولنفسه وقد رأيت من ذلك كتاب: "حادي الأرواح، إلى بلاد الأفراح"، لابن القيم، وكتاب: (عدة الصابرين) لابن القيم أيضًا بخطه.
وكان يؤم الناس في المسجد الذي كان يصلي فيه إمامًا للناس وهو (مسجد ربيشه) كما يعرف الآن ويقع في الجنوب الغربي من بريدة القديمة.
وكان اسمه في القديم مسجد الجديَّدة بتشديد الياء على لفظ تصغير الجديدة وهو رابع المساجد إنشاءً في بريدة إذْ لم يكن قبله إلا المسجد الجامع ومسجد ناصر الذي كان يسمى مسجد الجردة وأزيل حيث دخلت أرضه في ميدان السوق المركزي في بريدة والمسجد الثالث هو مسجد ابن خضير الذي بناه حمد بن خضير ويقع إلى الشمال من المسجد الجامع.
وقد ظل إبراهيم بن الشيخ محمد بن عمر إمامًا في مسجد الجديَّدة هذا إلى أن توفي فخلفه على الإمامة فيه ابنه، أستاذنا عبد الله بن إبراهيم بن سليم مثلما كان خلف والده محمد بن عمر في إمامته، وقد ظل عبد الله إمامًا في المسجد لسنوات قبل أن يتركه، وقد توفي في شهر ذي القعدة عام ١٣٥١ هـ.
وخطه جميل واضح وإملاؤه صحيح أيضًا لذلك كان الناس يقصدونه لكتابة العقود من مداينات ومبايعات وأمثالها حتى كثر ما كتبه من ذلك بخطه.
стр. 4712
الشيخ القاضي عبد الله بن محمد بن سليم
стр. 4713
الشيخ القاضي عبد الله بن محمد بن سليم
الشيخ القاضي عبد الله بن الشيخ القاضي محمد بن عبد الله السليم، هو أكبر ابنيه القاضيين عبد الله وعمر، ولد في عام ١٢٨٥ هـ، تولى القضاء في بريدة بعد وفاة أبيه بسنوات تخللتها فترات عين فيها قضاة من غير آل سليم، وهم عبد الله بن عمرو وإبراهيم بن جاسر وعبد العزيز بن بشر، ولكن فترات توليهم كانت قصيرة.
والشيخ ابن جاسر ورفيقه الشيخ عبد الله بن عمرو مشربهما معروف وهما مع أتباع لهما كثر في بريدة وبخاصة من تجار الإبل الذين كانوا يتاجرون بها من القصيم إلى الشام وفلسطين ومصر، وهم الذين يقال لهم (عقيل)، وذلك أن المشايخ من آل سليم ومن انضم إليهم يحرمون السفر إلى بلاد المشركين، ويهجرون من سافر إليها بعد عودته، بمعنى أنهم لا يكلمونه ولا يجالسونه ولا يتعاملون معه، لأنه عمل معصية في اعتقادهم، وهي السفر إلى بلاد المشركين، أما أولئك الذين هم الشيخ ابن جاسر وأتباعه فإنهم يرون الأمصار التي يسافر إليها التجار من عقيل وغيرهم بلاد مسلمين يجوز السفر إليها من دون كراهية.
ومن الذين هم ضد المشايخ هؤلاء أكبر جماعة أهل بريدة تجار المواشي، إلا المبارك والجربوع والمشيقح فإنهم مع آل سليم قلبًا وقالبًا، وكذلك يتولون مثلهم آل سعود.
مع العلم بأنه يوجد من أسرة المشيقح أناس يذهبون إلى الأمصار المذكورة وهي الشام وفلسطين ومصر في تجارة الإبل، وقد عين الملك عبد العزيز آل سعود أحدهم وهو سليمان بن علي المشيقح معتمدًا له في سوريا وما حولها من بلاد الشام.
ووجهة نظر المشايخ آل سليم ومن معهم أن البلاد التي لا تحكم بما أنزل الله والبلاد التي توجد فيها البدع والشركيات ظاهرة كالبناء على القبور والتعلق
стр. 4714
بالمقبورين هذه حكمها حكم بلاد الكفار التي لا يجوز السفر إليها.
ولما يعلمه الملك عبد العزيز من الاختلاف والتنافس بين الطرفين عين الشيخ عبد العزيز بن بشر وهو من أهل الأفلاج في قضاء بريدة لكونه يعتبر محايدًا بين الطرفين.
واستمر في القضاء حتى وصل إلى علم الملك عبد العزيز أن بعض أتباع الشيخ ابن جاسر تقربوا منه وأنه مال إليهم، وقيل: إن أتباع المشايخ آل سليم شكوا ذلك للملك عبد العزيز فأمر بنقله إلى قضاء الأحساء.
وسمعت من أشياخ من أشياخنا أن الشيخ ابن بشر تزوج من بريدة وناسبه المقام فيها، فلما أمر الملك عبد العزيز بنقله إلى الأحساء طلب منه أن يعفيه من ذلك، وأن يأذن له بالبقاء في بريدة من دون القضاء.
قالوا: فلم يقبل منه الملك عبد العزيز ذلك وانتقل بالفعل قاضيًا على الأحساء.
فعزم الملك على تعيين الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم هذا في القضاء وذلك في عام ١٣٣٣ هـ، وكان الشيخ عبد الله بن سليم يومذاك قاضيًا في البكيرية.
ولما علم بعض كبار عقيل وأنصار الشيخ ابن جاسر بذلك أرادوا أن يكلموا الملك بشأن عدم رغبتهم في تعيين الشيخ عبد الله قاضيًا على بريدة وما يتبعها من القصيم.
وتواعدوا بأن يقولوا ذلك للملك عبد العزيز في دعوة غداء عند شخص كان الملك عبد العزيز سيتغدى عنده.
وقد بلغ الملك عبد العزيز عزمهم على الكلام معه في شأن الشيخ عبد الله بن سليم فاستبقهم في ذلك، وكان الوقت صيفًا وقد قدم داعيه قنوانًا جيدة ريانة من تمرة الشقراء الشائعة آنذاك في القصيم وكانت تسمى (شقرا مبارك) فقال يخاطب أولئك القوم الذين كانوا عزموا على أن يتحدثوا معه بعدم تعيين الشيخ
стр. 4715
عبد الله بن سليم قاضيًا بقوله: أنتم يا أهل القصيم غابنين اللي غيركم بشجرتين: شقراء مبارك والسليم، ويقال إنه قال: شقراء مبارك وشجرة السليم.
فسكتوا ولم يتكلموا معه في شيء من هذا الخصوص أبدًا، وتولى الشيخ عبد الله بن سليم القضاء في بريدة، وكان عاقلًا رزينًا مجاملًا في غير قول الحق، فأحبه الناس، حتى الذين كانوا يتوجسون خيفة من تعيينه بأنه سيكون ضدهم.
وقد بلغ من المنزلة في النفوس مبلغًا عظيمًا حتى كان يوم موته الذي أدركته في شهر محرم عام ١٣٥١ هـ يوم حزن ومأتم لأهل بريدة حتى النساء، وذلك لما كن يعرفن عنه وما شعرن بأن أزواجهن أصيبوا بفقده!
فبمجرد أن صار الناس يتناقلون خبر موته من أجل الصلاة عليه وذلك في الضحى أخرجنا صاحب مدرستنا سليمان بن عبد الله العمري من المدرسة، وكذلك أغلق أهل الدكاكين دكاكينهم، ولف الناس حزن عظيم ورهبة أو خوف من المستقبل لا أدري مبعثه.
قال الأستاذ ناصر بن سليمان العمري يذكر شيئًا من أوائل مدة الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم في قضاء بريدة، وانتقاله من قضاء البكيرية إلى بريدة:
الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم عالم جليل معروف بالورع والبعد عن المطامع الدنيوية والترفع على الناس، فهو رجل متواضع يعيش كفافًا لا له ولا عليه، تولى القضاء في البكيرية من بلدان القصيم ثم تولى القضاء في بريدة بعد الشيخ عبد العزيز بن بشر بأمر من الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، وقد درَّس في البكيرية مدة وجوده فيها ودرس في مدينة بريدة مدة وجوده بعد تأهله للتدريس، ولما تولى القضاء في بريدة جمع أقاربه بدعوتهم لتناول الطعام وبعد أن فرغوا من طعامهم قال لهم إنني لا أحب أن يأتي إليَّ أحد منكم بخصم يخاصمه عندي في أمر من أمور الدنيا، فمن جاءني منكم بخصم يخاصمه فليعرف أنه لن يكسب القضية عندي، وهو بذلك يريد
стр. 4716
البعد عن الظن السيء في أحكامه فمع توفر العدل والعلم فيه فهو إن حكم لقريبه حتى وإن كان الحق بجانب قريبه فسوف تناله ظنون الناس الذين لا يخلو بلد منهم وهم الذين ينتقدون غيرهم بحق وبغير حق.
إن نصف الناس أعداء لمن ... ولى الأحكام هذا إن عدل!
وهو يريد من أقاربه أن يحلوا مشاكلهم مع الغير إن وجدت دون اللجؤ إلى التحاكم عنده مع أنه أهل للعدل والإنصاف. انتهى.
وقد خلف الشيخ عبد الله بن سليم كتابات عديدة من الوثائق ونحوها كتبها بخطه الواضح بل الجميل، لأنه واضح الحروف، مستقيم المعاني.
وهذه نماذج لكتاباته:
هذه الوثيقة فيها غرابة وذلك أن الشيخ عبد الله بن سليم كتبها في عام ١٣٠١ هـ مع أن أكثر الذين ترجموا له ذكروا أن ولادته في عام ١٢٨٥ هـ أي أنه تكون سنه حين كتبها ست عشرة سنة، وهي كما ترى من حسن الخط وضبط العبارة كما لو كان كتبها عالم متمرس، وهذا له تفسير بأن يقال: إن ما ذكره المؤرخون من أن تاريخ ولادته كانت في عام ١٢٨٥ هـ غير صحيح وأن ولادته قبل ذلك أو أن يكون نبوغه غير معتاد حتى استطاع أن يتأهل في نظر المتعاقدين وهما محمد بن عمر بن سليم وحسن الحسّون لأن يكتب مثل هذه الوثيقة المهمة الخالية من الأخطاء الإملائية الشائعة، وذات الخط الجميل المتقن الواضح.
وقد أرخها في ٨ من جمادي ثاني سنة ١٣٠١ هـ.
وصدق عليها اسفلها ناصر بن سليمان بن سيف في ١٣ من جمادي الثانية عام ١٣٠١ هـ.
стр. 4717
أما أحكامة التي اطلعنا عليها مكتوبة فهي قليلة إضافة إلى أنني لم أكن أحرص على تسجيل الوثائق الحديثة العهد نسبيًا مثل تلك، ولذلك اكتفيت بإثبات نماذج قليلة هنا وهي بخطه.
منها هذه التي كتبها في عام ١٣٣٣ هـ، وكان يومها تولى القضاء في بريدة منذ زمن يسير وهي قسمة تركة لشخص يسمى (مزيعل) على لفظ تصغير مزعل، وقد قسم الشيخ تركته بين ورثته وفوض حمود المشوح بإيصال كل ذي حق منهم حقه.
стр. 4718
أخلاقه وصفاته:
من أوسع من كتب في هذا الباب عن الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم تلميذه الشيخ إبراهيم بن عبيد العبد المحسن في تاريخه: (تذكرة أولي النهى والعرفان).
وقد لخصت بعض ذلك فيما يلي:
قال الشيخ إبراهيم العبيد في تاريخه:
كان مسددًا في قضائه وأجوبته مسددًا في سائر أعماله، وجاء إليه أهالي القصيم لما أن أراد الملك عبد العزيز أن يؤسس محطة اللاسلكي في بريدة مستنكرين لذلك، فلما أن كلموه في الأمر لأخذ رأيه فيه، قال لهم برفق وحكمة: يا أولادي إياكم والشقاق فلا خير فيه يا أولادي إن ابن سعود ملك نسأل الله أن لا يسلطه علينا فأدعوا له وأسألوا الله له الهداية، فقاموا من عنده وقد طابت أنفسهم يقولون: إن الشيخ أعلم منا وأتقي منا لربه، وما كان لهم بعد مقالته التفات.
стр. 4719
ذكر شيء من أجوبته وفوائده:
اتفق في أيامه أن امرأة عجوزا في إحدى قرى القصيم رأت في منامها آتيًا أتاها قال: (توبوا إلى ربكم أيها الناس وصوموا من الغد) فلما هبت المرأة من رقدتها آخر الليل صاحت بالجيران ومن حولها من العامة والنساء وأخبرتهم فصام بعض أهل القرية وامتنع أخرون، وتحيَّر أناس لم يتسحروا فقام مطوع القرية وبعث رسولًا إلى الشيخ عبد الله يستفتيه بذلك وكانت المسافة قدرًا من ميلين غير أن الرسول استطاع أن يجعلها في ١٥ دقيقة، فلما كان بعد طلوع الشمس إذا به يستأذن على الشيخ في بيته مرعوبًا مدهوشًا فأخبره بالقصة وشكا إليه هذه الواقعة فتبسم الشيخ ضاحكًا متعجبًا وقال له: يا بني أخبر قومك بأن العبادات قد شرعت على لسان النبي محمد ﵇ ليست عجوزكم هي المشرعة فأخبرهم أن لا يصوموا فرجع رسول أهل القرية يسكنهم وبيشرهم وقد وافاه الفلول في منتصف الطريق فأخبرهم هو ورجعوا مطمئنين.
وكان كلامه مقبولًا عند الناس جدا لما له من النية الحسنة، وقد قرر التوحيد في حلق التدريس وذكر المكفرات للمسلم إذا صدرت منه، فقال: من دعا الأموات كفر ومن لم يكفر الكافر فهو كافر، فتكلم جاهل من العامة مع من يليه من الحضور فقال إذًا صار التكفير هدم جدر والقاء حيطان فنقل للشيخ كلامه فعرض بذلك في التدريس من الغد، وقال: إن هنا أناسًا لا يقرون تكفير الكافر، وإذا لم يكفر الكافر لكفرهم فهل تكفر الجمادات، نسأل الله العافية.
وكان يعبر الرؤيا فكان إذا جاءه من يقص عليه رؤياه عبرها إن كانت حسنة وإن رأى صاحب الرؤيا مهمومًا لما رأى قال: يا سبحان الله إذا لعب الشيطان بأحدهم في منامه لم يعلم به أحد جاء يفضح نفسه.
وكان إذا أخذ يفسر العبارات في التدريس فربما لبث نصف ساعة يذكر الأدلة وكلام العلماء على ذلك، ويطيل ويسهب.
стр. 4720
وقرأ عليه بعض الطلاب كلام الإمام ابن القيم في إساءة الظن بالله وهو الذي ذكره شيخ الإسلام، وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم وفيما يفعله بغيرهم، فأخذ في شرح العبارة وتفسيرها وأطال وأفاد وأجاد وجعلت دموعه تجري على خديه حتى رحمه من حوله ولبث أربعين دقيقة.
وقرأ عليه بعض الإخوان من طلاب العلم بمسائل الشيخ (إسحق بن عبد الرحمن) فتكلم معربًا عن فضل المؤلف ومكانته في العلم وجعل يثني عليه ويمتدحه ويذكر ما لآل الشيخ من الفضائل والمناقب التي بنوا بها ما تهدم من قواعد الإسلام وإشادة ما تدثر منها وأطال وأسهب.
وقرأت عليه في حاشية التوحيد للشيخ عبد الرحمن فلما بلغت، رواه وكيع فقال وكيع هذا هو ابن الجراح بن وكيع عالم كبير شكى إليه الشافعي سوء حفظه، فقال له اترك المعاصي، وأنت يا ولدي إن أردت طلب العلم فاترك المعاصي، اترك المعاصي إن كنت تريد طلب العلم، فإن المعاصي تمنع من تحصيل العلم، وجعل يردده علي ويحثني على طاعة الله ورسوله فتأثرت لذلك ووجدت لكلامه وقعًا بحيث إني والله لأجد الكلامه موقعًا حتى إنه مثل العافية على الجسم السقيم.
ودخل عِجل (١) في المسجد الجامع حال التدريس فالتفت إليه بعض الطلاب فأخذ الشيخ عصاه ونعاله وقام موليًا فلحقه التلامذة والإخوان يعتذرون، وإن الوالد من شيمته الصفح عن عثرات أبنائه، فقال: فاتكم مجلسنا يومكم هذا فالتفتوا إلى هذه البهيمة العجماء ودعوا العلم والمعلم، يقوله توبيخًا وتقريعًا.
ذكر ورعه وزهده:
أما ورعه فحدث عنه ولا حرج، كان لا يمسك شيئًا في الدنيا غير كفايته ولم يستقطع من الملوك الأراضي ولم يجمع مالًا لنفسه غير بيته الذي يسكنه
стр. 4721
وإذا جاءه مرتبه وعنده شيء من بقية الأول فرق الأول.
وجاء إليه أهل هجرة من البدو يطلبون منه أن يجعل لديهم مطوعًا ديانته حقيقة صدقًا وجعلوا يسألونه ويلحون فقال يا هؤلاء إن وجدتم ذلك فاطلبوا لنا ولكم، الله المستعان.
وأتاه رجل يسب وكيلًا وينال من عرضه لأمر لا يعنيه فقال له كأنك تريد الوكالة لنفسك وتطلبها فاستحيا الرجل وسكت.
وقال مرة لأحد كبار التلامذة اقرأ علينا بالفروع لابن مفلح نقرر ما نعرف منها وما لا نعرفه نكله إلى من يعرفه، وهذا منه من باب الهضم لنفسه ورؤيتها بعين الاحتقار والا فهو العالم الكبير والبحر الغزير.
وكان من سجيته أنه لا يقبل هدية ولا يتستجيب لأحد بل كان يأكل في بيته ويقتصد في معيشته ويمازح اخوانه ويخفض لهم الجناح، وأوذي في ذات الله فصبر وارتفع شأنه وعلت رتبته فما بطر ولا تكبر بل يحب طالب العلم والمستفيد ويقرب الغريب.
ذكر أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر وحلمه وعفوه وسعة رأيه:
أما أمره ونهيه فقد كان على بصيرة يدعو إلى الله وما همه منصب ولا يراعي جانب أحد كائنًا من كان، وقد ساعدته الظروف من قبل صاحب الجلالة الملك عبد العزيز، فكان يرفع قدره وينفذ أوامره بسرعة.
فمن ذلك أنه مر عليه في الدرس أثر (خلق الله ألف أمة وتكفل برزق الجميع) فأخذ يتكلم على هذا الأثر ملوحًا على المسافرين إلى بلدان الكفار فقال خلق الله ألف أمة ستمائة في البحر وأربعمائة في البر وتكفل الله برزق الجميع إلا ابن آدم لا يرزق حتى يذهب إلى الكفار ويكون حمارًا لهم، عياذًا بالله.
стр. 4722
وكلامه هذا يشنع على الذين يذهبون إلى الكفار ويخدمونهم.
ونقل إليه بعض العامة يستعظم تكفير المسلمين وإن فعلوا ما فعلوا فلما جلس للتدريس والتف حواليه ما يزيد على أربعمائة ما بين متعلم ومستمع أخذ يبين وجوب عداوة أعداء الله ويوضح تكفير الكافرين ثم قال:
غير أن أناسًا أعمى الله قلوبهم لا يكفرون الكافرين وإذا لم يكفر من كفره الله ورسوله فمن يقع عليه التكفير أتكفر هذه الأسطوانة ويضرب بيده عليها أم تكفر البهائم وهؤلاء العمي ليسوا ببعيدين ارفع قدمك لا تطاهم فخجل المعترض وتاب.
وأتى إليه رجل من خاصة إخوانه، وكان في هم وغم، وجعل يشكو إليه فعال قريبه وإساءته إليه ومقاطعته، وإنه أبي إلا الفرقة والمنافرة، فقال له يا بني أشكر الله وأكثر من حمده أن جاءت القطيعة منه لا من قبلك، واعلم يا بني أن الله لا يضيع أحدًا فإن كان قد خرج من الاجتماع وفقدت مساعدته في النفقة فسيرزقك الله ويغنيك من سعته، فقام من عنده منشرح الصدر وكان عاقبته حميدة.
وجاء إليه بعض إخوانه وقد عزم على الزواج فطلب منه الوصية فقال:
يا بني إذا أتيت أهلك فقل لهم هذه زوجتي قد شق علي مهرها فيجب أن تتحملوا منها ما يصدر منها، وإذا خلوت بزوجتك فأوصها بحشمة أهلك وقل هؤلاء أهلي وأقربائي ويجب عليك إكرامهم، أما إذا كنت مع أهلك على زوجتك، أو كنت مع زوجتك على أهلك فإنك لا تسوسهم، ويا بني يومًا ثم يومًا والأجل قريب.
وكان يرضي المجانين والمرأة والطفل على قدر عقولهم، وكم كربة فرجها برأيه، ومشكلة أوضحها بالحجج والبراهين، فهو طبيب القلوب، ومن فوائده تنجلي الكروب.
ولما توفاه الله تعالى صلى عليه المسلمون ضحي في جامع بريدة وازدحم الرجال والنساء وأقبلوا كأنهم السيل المنهمر، وقد حضر جنازته خلق
стр. 4723
كثير ودفن في المقبرة الجنوبية، وكان الذي تولى إمامة الناس أخوه (فضيلة الشيخ عمر) وحزن لموته أهل الإسلام في المشارق والمغارب وصلي عليه بالنية في أنحاء المملكة العربية.
انتهى كلام الشيخ إبراهيم بن عبيد (١).
وروى الأستاذ ناصر بن سليمان العمري بعض الأخبار عن الشيخ عبد الله بن سليم فقال:
الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم رجل عالم متواضع لا يهتم بجمع الدنيا، تولى قضاء البكيرية من بلدان القصيم ودرس فيها ثم عينه الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود قاضيًا لمدينة بريدة، وقاضي بريدة هو مرجع قضاة بلدان القصيم، وهو الذي يقوم بتعيين أئمة المساجد في المدن والقرى وهجر البادية.
ولهذا فعمله كبير يقتضي استقبال الناس في غير أمور القضاء كما إنه يدرِّس طلبة العلم في جامع بريدة وفي بيته.
وقبل موقعة السبلة اختاره الإمام عبد العزيز آل سعود لمفاوضة رؤساء البدو الذين بدرت منهم بادرة الخروج على طاعة ولي أمرهم الإمام عبد العزيز آل سعود، فزار رؤساءهم ونصحهم وفاوضهم ونبههم إلى وجوب طاعة ولي أمر المسلمين وحذرهم من سفك دماء المسلمين والتعدي عليهم وحذرهم من سوء نتيجة عصيان ولي الأمر وكانوا يتأثرون بكلامه ويحترمونه إلا أن البعض من سفهائهم والذين يميلون إلى تفريق كلمة المسلمين ليصطادوا في الماء العكر، كانوا يقولون له: تكلمي يا جنيهات وهو أبعد ما يكون عن الطمع بالمال.
حدثني رجل ثقة قال: أعطى الملك عبالعزيز آل سعود للشيخ عبد الله بن محمد بن سليم كيس نقود فضة فأمر بوضعه في غرفة بمجلسه ولم يغلق عليه
стр. 4724
الباب ودعا بطلبة العلم وكانوا يأتون إليه أفرادًا فيأخذ بيده من النقود ويعطي الطلاب العلم واستمر يعطي طلبة العلم حتى جاء آخر واحد منهم فأعطاه بقية ما في الكيس وأعطاء الكيس الفارغ إيذانًا وإشعارًا بانتهاء النقود بحيث لم يترك لنفسه منها شيئًا، وكان منقطعًا للعلم والتعليم والقضاء وخدمة مصالح الناس، وقد توفي ﵀ في عام ١٣٥١ هـ فبكاه الناس رحمة الله عليه (١).
وقال أيضًا:
عالم زاهد بالمال:
بعد وقعة السبلة عاد الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود هو وجنده إلى بريدة وأقام فيها مدة، وكان من عادته إذا وصل إلى بريدة أن يزور علماءها وفي مقدمتهم الشيخان عبد الله وعمر بن محمد آل سليم ويزورهما عند سفره.
ولما أراد السفر من بريدة زار الشيخ عبد الله بن محمد آل سليم قاضي بريدة، وبعد انتهاء زيارته وخروجه من منزل الشيخ بعث إليه بالكاتب أبي عبيد يعرض على الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم أن يذكر حاجته للإمام ليقوم الإمام بقضائها وهو بهذا يعرض عليه المال، فعاد أبو عبيد وأخبر الإمام بأن الشيخ عبد الله يقول بأنه لا يحتاج إلى شيء فأمر الإمام الشيخ بألف روبية فضة وكسوة، وبعث بها مع أبي عبيد فجاء بها إلى الشيخ عبد الله فأخذ الكسوة وهي مشلح ودقلة صوف ورد النقود وقال أنا لا أحتاج إلى النقود، فأشار عليه أبو عبيد أن يأخذها ويوزعها على المحتاجين إذا كان لا يريدها وألا يردَّها فقال الشيخ قل للإمام إذا كان يوافق على توزيعها على طلبة العلم فأنا أقوم بتوزيعها فعاد أبوعبيد وأخبر الإمام فأمر الإمام بأن يزاد المبلغ ويصبح ثلاثة آلاف روبية وتعطى للشيخ عبد الله يقوم بتوزيعها على طلبة العلم وسلَّمت الشيخ
стр. 4725
عبد الله الثلاثة آلاف روبية فاستقبلها ووزعها وهو جالس في مكانه على طلبة العلم، قبل أن يقوم من مقامه فاعطى البعض خمسين روبية وأقلهم أعطاه عشرين روبية، ولم يترك منها لنفسه أي شيء، وكان هذا في عام ١٣٤٧ هـ.
وقد توفي الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم عام ١٣٥١ هـ وكنت طفلًا وقد شعرت بوفاته وجئت إلى المسجد الذي صلى عليه فيه وهو الجامع ووقفت بالباب أنظر إلى المصلين ولم أتوضأ ولم أصل عليه لصغر سني (١).
وقال أيضًا:
حسن المطالبة في الحق:
قام رجل اسمه غيث بن غيث من أهل الشماسية بقطع حطب من الشجر وتركه في مكانه وعاد إليه ليحمله ويبيعه في بريدة فوجد رجلًا يحمل الحطب على جمل له فتركه وشأنه واتجه أخذ الحطب إلى بريدة فتبعه، ولما باعه لحق به وساعده على إدخاله في دار المشتري، ومن عادة أهل بريدة تقديم القهوة والتمر لبائع الحطب، فاتجه مع ناقل الحطب وبائعه إلى مجلس المشتري، ودخل معه وشرب معه القهوة وأكل معه التمر وجاء المشتري بثمن الحطب ووضعه أمام البائع، فتحرك قاطع الحطب وأخذ النقود، وكان مشتري الحطب قد اشتراه لقاضي بريدة الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم، وجاء الشيخ وسلم فقال له صاحب الحطب الأول هذا سرق حطبي وباعه لك، فصاح الشيخ قائلًا أعوذ بالله تبيعنا حطبًا مسروقًا علينا، أحمل حطبك من داري فقال صاحب الحطب الأول نتخاصم عندك يا شيخ في الحطب أنا قطعته من الشجر وهذا نقله على بعيرين وباعه فاقصد بيننا.
стр. 4726
فقال الشيخ الثمن لكما مناصفة إن رضيتما، فرضيا وتقاسما ثمن حملي الحطب وانصرفا شاكرين للشيخ، وهكذا أدرك ابن غيث حقه بطرافته وحيلته وحسن خلقه دون قتال مع السارق أو خصام في الصحراء (١). انتهى.
وقد رويت عن الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم أخبار كثيرة غير ما ذكر فيها نكت وفوائد منها أن إنسانًا رأى رؤيا قصها على الشيخ عبد الله، وقال: رأيت رجالًا جاؤوا على خيل ودخلوا البيوت كلها إلَّا بيت فلان، فقال الشيخ: هذا مرض سوف يصيب الناس إلَّا بيت فلان فلا يصيبه.
قالوا ثم أرسل الشيخ إلى صاحب البيت المستثنى في الرؤيا، فقال له: ما هو عملكم هذا الذي سوف يدفع الله عنكم المرض بسببه؟
فقال الرجل: لا أعلم لنا عملا نعده، ولكن سوف أسال أهلي، فقالت المرأة إن آل فلان أهل بيت فقراء وليس لهم عشاء وإني أعطيتهم مرة قرعة دبَّاء فطبخوها وتعشّوها، وإذا صار عشاءونا كثيرًا أطعمناهم منه.
ثم حل ذلك الوباء في عام ١٣٣٧ هـ. وهو المسمى (سنة الرحمة) فأصاب كثيرًا من الناس ومات منه خلق كثير كما هو معروف.
ويقال إن الشيخ عبد الله بن سليم صلي على أكثر من خمسين جنازة في يوم واحد، حتى تعب، فتقدم خليفته يصلي على الجنائز، وكل أهل مسجد يصلون على جنائزهم في مسجدهم أو في المقبرة، خلاف ما كانوا اعتادوا وأدركناهم عليه، وهو أن يصلوا على جنائز الكبار من النساء والرجال في المسجد الجامع دون غيره من المساجد.
стр. 4727
وهناك نكتة أو قال: إنها طرفة فرضت نفسها على مجلس الشيخ في درسه في المسجد الجامع في بريدة، وطبيعي أن الشيخ عبد الله لم يستشر في إيرادها، وذلك أن الشيخ كان يقرر في درسه الذي تحلق فيه طلبة العلم عليه ويذكر أن الإستجمار، وهو مسح محل خروج الغائط من دبر الإنسان، يكفي فيه ثلاثة أحجار منقية.
والمراد أن يمسح المكان بقصد إزالة الأذى فيه بثلاثة أحجار، يكون كل حجر بعد الآخر ويرمي الأول والثاني.
فقال رجل يقال له ابن سلمان من أهل بريدة وكان يستمع إلى الدرس بصوت قوي:
يا شيخ أحسن الله عملك، الذي ذكرت إنهم يكفيهم ثلاثة أحجار في تنظيف المكان هم الصحابة الذين يبعر الواحد منهم مثلما يبعر البعير، أما أهل هالزمان الذين يأكل الواحد منهم (القصابة) ويشرب بلوله (١)، فلا يكفي فيهم ولا سبعة عشر حجر.
قالوا: فلم يعنفه الشيخ على ذلك، وإنما قال بتودة وسكينة موجهًا كلامه للجميع.
إذا تعدى الخارج مكان الخروج لم يجزئ فيه إلا الغسل، ولا يكفي فيه الأحجار.
وفاته:
قال الشيخ إبراهيم بن عبيد في حوادث عام ١٣٥١ هـ، فيها وفاة الشيخ (عبد الله بن محمد بن سليم) وكان خروج روحه في الساعة الثانية من اليوم ١١ من محرم ﵀.
هو العالم العابد، الزاهد الألمعي قاضي ناحية القصيم الشيخ (عبد الله بن محمد بن عبد الله بن سليم) أبو محمد، شيخنا الحبر الماهر في العلوم، كان
стр. 4728
رزينًا، سميدعًا، حليمًا عاقلا، له سعة إطلاع وفراسة، إذا أخذ يقرر التوحيد والفقه قلت لا نظير له في الناس، وإن أخذ في الوعظ والتذكير فإنه بغيره لا يقاس أخذ في التواضع والأدب فسبحان من خلع عليه أحسن اللباس، يصيح بالخلق إلى اتباع الرسول والتمسك بسنته ودموعه تسكب كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم، وكان له وجد وذوق في المعارف الإلهية حتى إنه ليكاد يحبو من مكانه حبوًا إذا جعل يتكلم على معاني العقيدة السلفية لما له من الحظ الأوفر من تلك البضاعة.
وكان فقيهًا متواضعًا قويًّا في أمر الله، له مقدرة على حسم مواد الشر وينزل الناس منازلهم ويعاملهم على قدر عقولهم.
قال مرة لبعض إخوانه: يا فلان، تغافل عن شر الناس، إذا سمعت من يغتابك، فقل لنفسك مكذبًا لها هذا ليس يريدني ويعنيني، وإذا رميت بحجر فقل لعل ذلك يريد الطيور فأخطأ به إليَّ فإنك تستريح.
مرثية في الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم:
وهذه مرثية لتلميذه الشيخ صالح بن عبد العزيز العثيمين الآتية ترجمته في حرف العين، كنت كتبتها في عام ١٣٦٤ هـ من خط الشيخ عبد المحسن بن عبيد، وظني أنه نقلها من خط الشيخ عبد الرحمن بن عويد، وقد رأيتها مذكورة، ولم أعد أحفل بمثل هذه المراثي، لأن معظمها من الشعر المتكلف العسير اللفظ والمعنى.
ولكن هذه بالذات رأيت إثباتها كاملة لأنها في مستوى أعلى من مستوى كثير من المراثي أمثالها، فناظمها شاعر معروف لنا، وكنت كتبتها بخطي من خط عالم فاضل.
стр. 4729
وهذه هي كاملة:
إلى الله في كشف الملمات أفزع ... فليس لما ارجو سواه واضرع
ففي كل يوم للعباد رزية ... وفي كل عام في خيارنا يسرع
واعظم بهذا الرزء أي مصيبة ... كهذا سوى أن قيل مات المشفع
لقد مات عبد الله نجل محمدٍ ... فتي نحوه الأعلام للرأس ترفع
به فقد الناس الدعاة إلى الهدى ... فمن بعده داع إذا قال يسمع
به فقدوا فوق المنابر واعظا ... إذا يبد وعظًا في الخطابة مصقع
به فقدوا شيخًا فقيهًا مفقها ... سيُهجر اقناع ومغن ومقنع (١)
به فقدوا من حين تقرا فروعهم ... تقول له تصنيفها إذ يفرِّع
به فقدوا نحوًا فماضيه قد مضى ... وفي قبره أضحى المضارع يضرع
به فقدوا شيخ الفرائض بعده ... فمن ذا سهام الأنصبآء يوزع
إذا أشكلت طرق الصواب فقوله ... لمسترشد الفتآء في الحق مقنع
به صار روض العلم والحق مزهرًا ... وأرواحنا عن جهلها فيه ترتع
ربي في تقى فينا وحسن عبادة ... وما صده مال وما ضم برقع
إذا جئته جنح الظلام وجدته ... بمحرابه باب المهيمن يقرع
تلاوة آيات الكتاب شعاره ... فما انفك عنها غير ما حين يركع
يلاقي بترحيب وبشر ورقة ... فلم تلقه إلا لذي الذل يخضع
وما نفسه يومًا أراد انتصارها ... ولا عن ذوي الفقر اعتراه الترقُّع
ويمنع أهل الظلم أخذ مظالم ... وعن ظلمهم لله قد كان يمنع
وعن ما أتى عن ربنا ورسوله ... مشاغب أهل الزيغ قد كان يدفع
فاسيافه في البحث فاطعة الظُّبا ... وجوهرها حد الصياقل يقطع
ابان عويصات المسائل كلها ... وأوضح منها ما يسن ويشرع
إذا قيل تفسير الكتاب فقوله ... على كل مقبول وما رد يطلع
стр. 4730
تنزه عن دنيا فلم تستفزه ... يزخرفها أو في خداعها يخدع
وما مَدَّ عينا نحوها إذ تبرجت ... بلى انه في الهجر للكل مولع
لقد نال أسباب السماء بعلمه ... ينادي لمن رام الصعود إلا ارجعوا
قفا أحمدًا قولًا وفعلا فلو رأى ... شوافعهم ذا الشيخَ لم يتشفعوا (١)
حوى العلم والعلياء والجود والتقى ... وسار بهاتيك الفضائل يسرع
وليدًا حوى تلك الخصال جميعها .... إلى يومنا من درها وهو يرضع
ختام نقول إن افاد نقولها ... وان يعزها في صدقه أيضًا اجمعوا
لقد حل في ذا العام مفقد عأ لم ... به الكرب للاسلام قد حل مُفظع
أتيناه قصد الدرس نجني فوائدًا ... محرره في الدرس حين يفرع
فقيل لنا نجم الهداية قد هوى ... من الأفق قوموا أيها القوم شيعوا
فبالحزن للاذقان خر جميعنا ... وسالت لهذا الخطب في الخد أدمع
تَنَهَّد ابكار وصاح عجائزٌ ... وحوقل اشياخ وأدهش رضع
حياري من الإدهاش جل مقالهم ... الهي بهذا الشيخ لا الخلق يفجع
الهي قضيت الموت فادفع منية ... ومن شوقنا في رد روحسه نطمع
فلما تيقنا الممات من الأسى ... عليه قلوب الناس كادت تقطع
وقمت أنادي في الطلول وأدمعي ... تروي الثرى إذ منه وأراه بلقع
سابكيه في نطقي ودمعي وانة ... إذا زفرت منها تكسرَّ أضلعُ
أجاوب ورقاء الحمامة في الدجا ... ويغلبها صوتي اسي حين تسجعُ
فلم أنس إذ حفت به جملة الوري ... كبدر به حف الكواكب طلَّع
ترنمت في امداحه في حياته ... فاطربت في انشادها إذْ أرَجِّع
فلهفي إذا حولت تلك مراثيًا ... اطوف بها هل ذاك في الرزو ينفع؟
ولهفي على فقدان شيخ ذوي الهدى ... فقد كنت حيرانًا فما ذاك أصنع
ولهفي فقد قال اصطباري وليتني ... بردت غليلًا إن جزعت فاجزع
اعزي محاريب العلا بامامها ... فناظرها من فقده اليوم يدمع