فقال الشيخ الثمن لكما مناصفة إن رضيتما، فرضيا وتقاسما ثمن حملي الحطب وانصرفا شاكرين للشيخ، وهكذا أدرك ابن غيث حقه بطرافته وحيلته وحسن خلقه دون قتال مع السارق أو خصام في الصحراء (١). انتهى.
وقد رويت عن الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم أخبار كثيرة غير ما ذكر فيها نكت وفوائد منها أن إنسانًا رأى رؤيا قصها على الشيخ عبد الله، وقال: رأيت رجالًا جاؤوا على خيل ودخلوا البيوت كلها إلَّا بيت فلان، فقال الشيخ: هذا مرض سوف يصيب الناس إلَّا بيت فلان فلا يصيبه.
قالوا ثم أرسل الشيخ إلى صاحب البيت المستثنى في الرؤيا، فقال له: ما هو عملكم هذا الذي سوف يدفع الله عنكم المرض بسببه؟
فقال الرجل: لا أعلم لنا عملا نعده، ولكن سوف أسال أهلي، فقالت المرأة إن آل فلان أهل بيت فقراء وليس لهم عشاء وإني أعطيتهم مرة قرعة دبَّاء فطبخوها وتعشّوها، وإذا صار عشاءونا كثيرًا أطعمناهم منه.
ثم حل ذلك الوباء في عام ١٣٣٧ هـ. وهو المسمى (سنة الرحمة) فأصاب كثيرًا من الناس ومات منه خلق كثير كما هو معروف.
ويقال إن الشيخ عبد الله بن سليم صلي على أكثر من خمسين جنازة في يوم واحد، حتى تعب، فتقدم خليفته يصلي على الجنائز، وكل أهل مسجد يصلون على جنائزهم في مسجدهم أو في المقبرة، خلاف ما كانوا اعتادوا وأدركناهم عليه، وهو أن يصلوا على جنائز الكبار من النساء والرجال في المسجد الجامع دون غيره من المساجد.
стр. 4727
وهناك نكتة أو قال: إنها طرفة فرضت نفسها على مجلس الشيخ في درسه في المسجد الجامع في بريدة، وطبيعي أن الشيخ عبد الله لم يستشر في إيرادها، وذلك أن الشيخ كان يقرر في درسه الذي تحلق فيه طلبة العلم عليه ويذكر أن الإستجمار، وهو مسح محل خروج الغائط من دبر الإنسان، يكفي فيه ثلاثة أحجار منقية.
والمراد أن يمسح المكان بقصد إزالة الأذى فيه بثلاثة أحجار، يكون كل حجر بعد الآخر ويرمي الأول والثاني.
فقال رجل يقال له ابن سلمان من أهل بريدة وكان يستمع إلى الدرس بصوت قوي:
يا شيخ أحسن الله عملك، الذي ذكرت إنهم يكفيهم ثلاثة أحجار في تنظيف المكان هم الصحابة الذين يبعر الواحد منهم مثلما يبعر البعير، أما أهل هالزمان الذين يأكل الواحد منهم (القصابة) ويشرب بلوله (١)، فلا يكفي فيهم ولا سبعة عشر حجر.
قالوا: فلم يعنفه الشيخ على ذلك، وإنما قال بتودة وسكينة موجهًا كلامه للجميع.
إذا تعدى الخارج مكان الخروج لم يجزئ فيه إلا الغسل، ولا يكفي فيه الأحجار.
وفاته:
قال الشيخ إبراهيم بن عبيد في حوادث عام ١٣٥١ هـ، فيها وفاة الشيخ (عبد الله بن محمد بن سليم) وكان خروج روحه في الساعة الثانية من اليوم ١١ من محرم ﵀.
هو العالم العابد، الزاهد الألمعي قاضي ناحية القصيم الشيخ (عبد الله بن محمد بن عبد الله بن سليم) أبو محمد، شيخنا الحبر الماهر في العلوم، كان
стр. 4728
رزينًا، سميدعًا، حليمًا عاقلا، له سعة إطلاع وفراسة، إذا أخذ يقرر التوحيد والفقه قلت لا نظير له في الناس، وإن أخذ في الوعظ والتذكير فإنه بغيره لا يقاس أخذ في التواضع والأدب فسبحان من خلع عليه أحسن اللباس، يصيح بالخلق إلى اتباع الرسول والتمسك بسنته ودموعه تسكب كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم، وكان له وجد وذوق في المعارف الإلهية حتى إنه ليكاد يحبو من مكانه حبوًا إذا جعل يتكلم على معاني العقيدة السلفية لما له من الحظ الأوفر من تلك البضاعة.
وكان فقيهًا متواضعًا قويًّا في أمر الله، له مقدرة على حسم مواد الشر وينزل الناس منازلهم ويعاملهم على قدر عقولهم.
قال مرة لبعض إخوانه: يا فلان، تغافل عن شر الناس، إذا سمعت من يغتابك، فقل لنفسك مكذبًا لها هذا ليس يريدني ويعنيني، وإذا رميت بحجر فقل لعل ذلك يريد الطيور فأخطأ به إليَّ فإنك تستريح.
مرثية في الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم:
وهذه مرثية لتلميذه الشيخ صالح بن عبد العزيز العثيمين الآتية ترجمته في حرف العين، كنت كتبتها في عام ١٣٦٤ هـ من خط الشيخ عبد المحسن بن عبيد، وظني أنه نقلها من خط الشيخ عبد الرحمن بن عويد، وقد رأيتها مذكورة، ولم أعد أحفل بمثل هذه المراثي، لأن معظمها من الشعر المتكلف العسير اللفظ والمعنى.
ولكن هذه بالذات رأيت إثباتها كاملة لأنها في مستوى أعلى من مستوى كثير من المراثي أمثالها، فناظمها شاعر معروف لنا، وكنت كتبتها بخطي من خط عالم فاضل.
стр. 4729
وهذه هي كاملة:
إلى الله في كشف الملمات أفزع ... فليس لما ارجو سواه واضرع
ففي كل يوم للعباد رزية ... وفي كل عام في خيارنا يسرع
واعظم بهذا الرزء أي مصيبة ... كهذا سوى أن قيل مات المشفع
لقد مات عبد الله نجل محمدٍ ... فتي نحوه الأعلام للرأس ترفع
به فقد الناس الدعاة إلى الهدى ... فمن بعده داع إذا قال يسمع
به فقدوا فوق المنابر واعظا ... إذا يبد وعظًا في الخطابة مصقع
به فقدوا شيخًا فقيهًا مفقها ... سيُهجر اقناع ومغن ومقنع (١)
به فقدوا من حين تقرا فروعهم ... تقول له تصنيفها إذ يفرِّع
به فقدوا نحوًا فماضيه قد مضى ... وفي قبره أضحى المضارع يضرع
به فقدوا شيخ الفرائض بعده ... فمن ذا سهام الأنصبآء يوزع
إذا أشكلت طرق الصواب فقوله ... لمسترشد الفتآء في الحق مقنع
به صار روض العلم والحق مزهرًا ... وأرواحنا عن جهلها فيه ترتع
ربي في تقى فينا وحسن عبادة ... وما صده مال وما ضم برقع
إذا جئته جنح الظلام وجدته ... بمحرابه باب المهيمن يقرع
تلاوة آيات الكتاب شعاره ... فما انفك عنها غير ما حين يركع
يلاقي بترحيب وبشر ورقة ... فلم تلقه إلا لذي الذل يخضع
وما نفسه يومًا أراد انتصارها ... ولا عن ذوي الفقر اعتراه الترقُّع
ويمنع أهل الظلم أخذ مظالم ... وعن ظلمهم لله قد كان يمنع
وعن ما أتى عن ربنا ورسوله ... مشاغب أهل الزيغ قد كان يدفع
فاسيافه في البحث فاطعة الظُّبا ... وجوهرها حد الصياقل يقطع
ابان عويصات المسائل كلها ... وأوضح منها ما يسن ويشرع
إذا قيل تفسير الكتاب فقوله ... على كل مقبول وما رد يطلع
стр. 4730
تنزه عن دنيا فلم تستفزه ... يزخرفها أو في خداعها يخدع
وما مَدَّ عينا نحوها إذ تبرجت ... بلى انه في الهجر للكل مولع
لقد نال أسباب السماء بعلمه ... ينادي لمن رام الصعود إلا ارجعوا
قفا أحمدًا قولًا وفعلا فلو رأى ... شوافعهم ذا الشيخَ لم يتشفعوا (١)
حوى العلم والعلياء والجود والتقى ... وسار بهاتيك الفضائل يسرع
وليدًا حوى تلك الخصال جميعها .... إلى يومنا من درها وهو يرضع
ختام نقول إن افاد نقولها ... وان يعزها في صدقه أيضًا اجمعوا
لقد حل في ذا العام مفقد عأ لم ... به الكرب للاسلام قد حل مُفظع
أتيناه قصد الدرس نجني فوائدًا ... محرره في الدرس حين يفرع
فقيل لنا نجم الهداية قد هوى ... من الأفق قوموا أيها القوم شيعوا
فبالحزن للاذقان خر جميعنا ... وسالت لهذا الخطب في الخد أدمع
تَنَهَّد ابكار وصاح عجائزٌ ... وحوقل اشياخ وأدهش رضع
حياري من الإدهاش جل مقالهم ... الهي بهذا الشيخ لا الخلق يفجع
الهي قضيت الموت فادفع منية ... ومن شوقنا في رد روحسه نطمع
فلما تيقنا الممات من الأسى ... عليه قلوب الناس كادت تقطع
وقمت أنادي في الطلول وأدمعي ... تروي الثرى إذ منه وأراه بلقع
سابكيه في نطقي ودمعي وانة ... إذا زفرت منها تكسرَّ أضلعُ
أجاوب ورقاء الحمامة في الدجا ... ويغلبها صوتي اسي حين تسجعُ
فلم أنس إذ حفت به جملة الوري ... كبدر به حف الكواكب طلَّع
ترنمت في امداحه في حياته ... فاطربت في انشادها إذْ أرَجِّع
فلهفي إذا حولت تلك مراثيًا ... اطوف بها هل ذاك في الرزو ينفع؟
ولهفي على فقدان شيخ ذوي الهدى ... فقد كنت حيرانًا فما ذاك أصنع
ولهفي فقد قال اصطباري وليتني ... بردت غليلًا إن جزعت فاجزع
اعزي محاريب العلا بامامها ... فناظرها من فقده اليوم يدمع
стр. 4731
أعزي دروس الفقه بعد دروسها ... فمقلتها من فقده اليوم تدمع
تنكرت الدنيا ولكن تعرفت ... بطيب ثنا أبقاه في الخلق يسطع
كما لبست ثوب الحداد محابرٌ ... الحبر غدا في سندس يتنجعُ
واقلامنا كشفت عليه تأسفأ ... على فقد خد الطرس كم فيه ترصع
بريدة فابكي إن فخرك قد ثوى ... بلحد، ولن يرجى البدرك مطلع
بريدة للحزن السواد ألا البسي ... فعنك بذا أمر الملامة يرفع
به صرت في الأمصار تاجًا بمفرق ... فعادت تعزيك إذ الثاج ينزع
جعلتي له الأحداق موضع رجله ... فكيف سمحتي اليوم في الترب يوضع؟
قفوا أخبرونا هل بنا اليوم مثله ... وهل صار في المآضي بمثله يُسْمَع
قفوا اخبرونا أي شيخ مهذبٍ ... يقوم مقام الشيخ إن ذاك يدعوا
قفوا خبرونا من يشابه شيخنا ... ومن كان من علم الهدي يتضلع
قفوا خبرونا من يَردُّ هدية ... ويابي حلالا من هو المتورع
قفوا خبرونا من يمازح طفلنا ... سواه وجلباب الحياء متدرع
أهلنا عليه التراب آهي ولوعتي ... فهل فيكموا مثلي فتى يتوجع؟
اهالت عليه الترب في القبر راحتيّ ... فما راحتي يدري لها اليوم موضع
تركنا علومًا في الثرى إذ ثوي به ... وعدنا ببرق خلب حين يلمع
لأن نهبت ايدي المنون لجسمه ... فذي سنة ما الموت في ذاك مبدع
فهذا طريق كلنا له صائر ... فذاك مضى وذا ذاك يتبع
تسير قفول العالمين جميعهم ... لذاك وللارواح في الخلد مجمع
واني لأرجو أن يكون مقامه ... بعدن، إذا يبدو به يتشعشع
فيارب حقق ظن عبدك واقبلن ... دعائي لذاك الشيخ فيها يمتع
والحق مُحبًّا قال ذاك بحبه ... فعفوك من ذنبي وان جل أوسع
اتيتك في حب الخيار وسيلة ... ليوم به كل الخلائق تفزع
لفقدان شيخي ليتني لم أكن به، ... والا ففي لحد ثوى فيه أوضع
فيا نوم عين لا تُلِمَّ بمقلتي ... فعينٌ كعيني بالكرى ليس تهجع
стр. 4732
ويا صبر فارحل ليس قلبي فارغًا ... أصيب بأحزان وحاشاه يقلع تلسع
ويا نار شوقي بالفراق تاججي ... وعقربه قولي لها القلب تلسع
ويا نفس صبرًا فالتاسي لائقٌ ... بموت الذي في كفه الماء ينبع
هو المصطفي زين النبيين أحمد ... شفيع الورى يوم الصحائف ترفع
عليه صلاة الله ما هبت الصبا ... وما هل ودق فيه رعد مقعقع
وقد ترجم له الأستاذ محمد بن عثمان القاضي بهذه الترجمة:
عبد الله بن محمد بن سليم: من بريدة، هو العالم الجليل الورع الزاهد النبيل الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الله بن حمد بن صالح بن سليم يلتقي مع عمه محمد بن عمر بن سليم بالجد الرابع صالح.
ولد هذا العالم في بريدة سنة ١٢٨٧ هـ وتربي تربية أبوية كريمة، وذلك في بيت علم وتقى ودين وقرأ القرأن وحفظه عن ظهر قلب وشرع في طلب العلم بهمة ونشاط ومثابرة فقرأ على علماء بريدة، ومن أبرز مشائخه أبوه محمد العبد الله السليم العالم الجليل لازمه ملازمة تامة في الأصول والفروع والحديث والتفسير وعلوم العربية، كما قرأ على عمه محمد بن عمر بن سليم ولازمه حتى مات ثم رحل إلى الرياض فقرأ على علمائه، ومن أبرز مشائخه فيه الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ وسعد بن حمد بن عتيق، وحمد بن فارس قرأ عليهم الأصول والفروع والحديث والتفسير، وعلى حمد ابن فارس في علوم العربية كلها وأجازه سعد بن عتيق بسند الرواية المتصلة ثم رجع إلى بريدة فلازم أباه في كل حلقاته، ولما انتهت الإمارة لآل رشيد ناله مع أبيه مضايقات وأذية وأخذ ابن رشيد وأعوانه يصارحونهما بكل سوء وبلغت بهم الحال بإجلائهما إلى النبهانية، ثم نزحوا منها إلى عنيزة، وكانوا يرتادونها من قبل مرارًا (١).
стр. 4733
وكان محمد قد تزوج بها أم عبد الرحمن وبقوا في عنيزة مكرمين ومبجلين ولما استعادت حكومتنا الرشيدة مجدها السليب باستيلائها على القصيم استدعتهما إلى بريدة (١)، وعينت محمدًا على قضائها وابنه المترجم له قارئًا عليه ونائبًا عنه في غيابه.
وفي عام ١٣٢٣ هـ توفي أبوه وخلفه على القضاء صالح القرناس (٢)، وفي عام ١٣٢٨ هـ ولاه الملك عبد العزيز قضاء البكيرية، وظل فيها قاضيًا محبوبًا بينهم مسددًا في أقضيته، أما بريدة فإنه تولى قضاءها بعد صالح القرناس إبراهيم بن حمد بن جاسر، ثم تولى بعده ابن بشر ثم استعفي وغادرها إلى الرياض وذلك عام ١٣٣١ هـ فنقل الملك عبد العزيز عبد الله بن سليم من البكيرية إلى قضاء بريدة واستمر قاضيًا فيها محبوبًا بين أهلها مسددًا في أقضيته وإمامًا وخطيبًا في جامعها، وكان يميل في أقضيته إلى الشدة وكثيرًا ما يثور غضبه ﵀ فيخرج عنهم برهة ثم يعود ولحدادة طبعه كثيرًا ما يناله من الخصومة بعض الأذية، فربما ضرب الخصم وانتهره، إذا كان لدودًا وكثيرًا ما يجنح في قضاياه إلى الصلح ويحرص جاهدًا أن يقوم الخصمان راضيين مهما أمكنه.
وجلس للطلبة والتف إلى حلقته طلبة كثيرون، وكان تدريسه على عادة القدامى من أسلافه ومن أبرز تلامذته عبد العزيز العبادي ومحمد الصالح المطوع، وكان من رجال الدين والصلاح وسليمان المشعلي وعثمان بن حمد بن مضيَّان ومحمد العبد الله التويجري وسليمان العمري قاضي المدينة والأحساء، وكان صهرًا له، ومحمد بن رشيد قاضي الرس ثم رنية وعبد الله بن عبدان قاضي عنيزة وعبد الرحمن بن دخيل قاضي لينه وصالح بن عثيمين المقيم في مكة في آخرين.
стр. 4734
وكان آية في الورع والزهد والاستقامة في الدين والخوف من الله، متواضعًا لا يحب المظهر ولا الشهرة، وكان يزورنا بعنيزة ويحضر جلسات الجد صالح، أما أوصافه فكان مربوع القامة كث اللحية أسمر اللون يخضب لحيته بالحناء ممتلئ الجسم ويصدع بكلمة الحق لا يخاف في الله لومة لائم، وصولًا للرحم يحنو على الفقراء ويواسيهم بما يقدر عليه وبينه وبين الجد صالح مراسلات في مناسبات كثيرة، ولم يزل على حالته المثلى حتى وافاه أجله المحتوم في بريدة بعد مرض طال معه، وكانت وفاته في ١١ من شهر محرم سنة ١٣٥١ هـ وحزن الناس لفقده وصلينا عليه صلاة الغائب.
وله ابن مات في غضارة شبابه طالب علم جيّد وتوفي سنة ١٣٦٧ هـ, ﵀ واسمه محمد كان أمثل طلبته وبينما العيون إليه شارعة وفي إقبال على الطلب منقطع النظير اخترمته المنية (١).
стр. 4735
الشيخ القاضي عمر بن محمد بن سليم
стр. 4736
الشيخ القاضي عمر بن محمد بن سليم
هو شيخ المشايخ، وقدوة العلماء: عمر بن محمد بن عبد الله بن سليم، ووالده الشيخ محمد بن عبد الله الذي تقدم ذكره.
كان الشيخ متأهلًا للقضاء منذ سنوات قبل أن يتولاه فكان شيخًا لعدد كبير من طلبة العلم وبعضهم كان يكبره في السن، وقد برز بعلمه وعمله وعبادته وسلوكه.
لاسيما أنه نجل الشيخ العلامة القاضي محمد بن عبد الله بن سليم وأخو الشيخ القاضي عبد الله بن سليم.
ومعلوم أن ذلك أي القرابة من العلماء لا تؤهله وحدها للقضاء ولا تعطيه المكانة الرفيعة في العلم والتدريس، ولكن إذا انضاف إليها علم غزير، وأخلاق كأخلاق العلماء الأوائل من الإلتزام بالنوافل ومداومة تلاوة القرآن وإفادة طلبة العلم والصبر على ذلك آناء الليل وأطراف النهار كملت أهليته للقضاء.
تولى الشيخ عمر بن سليم القضاء بعد وفاة أخيه الشيخ عبد الله في شهر محرم من عام ١٣٥١ هـ فسار فيه السيرة الحسنة المعهودة، واستمر في شيء أهم من ذلك أو مثله في الأهمية عند كثير من الناس وهو الجلوس عدة مرات في اليوم والليلة لطلبة العلم، بل ولبعض المشايخ لإفادتهم وتزودهم من العلم النافع.
وكان يدرس في اليوم الواحد في فنون من العلم عديدة كالحديث والتفسير والفقه والنحو.
وقد أقبل الطلاب عليه من كبار ومتوسطين يدرسون عليه ويتلقون العلم من بريدة ومن سائر بلدان القصيم، وأناس منهم جاءوا من خارج منطقة القصيم وقد جعل الله في تدريسه بركة حتى تخرج على يده عشرات القضاة ومئات التلاميذ الذين صاروا بعده مدرسين للخير نافعين للناس، في وقت لم يكن فيه لطلبة
стр. 4737
العلم مغريات ولا تسهيلات، ولا مخصصات، بل ولا أوقاف موقوفة عليهم كما في الأمصار، وإنما هي الرغبة الشخصية واحتساب الأجر من الله تعالى.
وقد أحصى الأستاذ صالح العمري من المشايخ وطلبة العلم وكلهم من الذين أخذوا العلم عن الشيخ عمر بن سليم، فبلغ عددهم خمسمائة وثلاثة من بين عالم وطالب علم وفيهم أئمة مساجد ووعاظ، ذكرهم الشيخ صالح العمري، وذكر شيئًا مختصرًا لأحوال بعضهم (١).
وقد أصبح الشيخ عمر بن سليم من علماء نجد الذين لا يكون ذكرهم كاملًا إلَّا إذا ذكر فيهم، فكان يحضر معهم إذا حضروا عند الملك عبد العزيز أو كتبوا إليه في شأن من الشئون، والكتابات الموجهة إلى العلماء من الملك عبد العزيز شاهد على ذلك، كذلك الكتب الموجهة من العلماء إلى الملك عبد العزيز التي تتضمن النصح في بعض الأحيان وتتضمن في أكثر الأحيان ذكر مسألة معينة يرون أن الملك بحاجة إلى أن يخبر بها أو أن يطلب منه أن يجري نحوها إجراء.
وهذه أيضًا يوجد بعضها محفوظًا في الرياض.
وقد بلغ الشيخ عمر بن سليم منزلة عظيمة في نفوس العامة جعلتهم في عهدي وأنا صغير يتسابقون لرؤيته إذا قيل إنه سيمر بسوق البيع والشراء كما يتسابقون إلى رؤية ملك.
وكان إلى ذلك مهيبًا محترمًا من الجميع يرضى الجميع بأحكامه إلا من كان ذا هوى منهم، وقليل ما هم.
فما سمعت طول حكم القضاة من آل سليم الذي أدركته، وما لم أدركه حدثني عنه من أدركوه أن أحدًا اتهم قاضيًا منهم بالجور في القضاء، أو أنه حصل لنفسه
стр. 4738
على شيء من عرض الحياة الدينا، بل الجميع ساكتون أو مثنون عليهم، فهم ممن لا يتطرق الشك إلى أذهان الناس في نزاهتهم وعدالتهم في قضاياهم.
هذا مع العلم بأنه توجد طوائف ممن لا يودونهم، من أتباع الشيخ إبراهيم بن جاسر وأمثالهم، ولا يستطيعون أن يجدوا مغمزًا في سيرتهم في القضاء.
بل إن الذين يخالفونهم أو قد يبغضونهم كانوا يعترفون لهم بالعلم والكفاءة.
ومن أولئك الذين لا يحبون الشيخ عمر بن سليم بسبب ما قلناه من كونه من أتباع الشيخ إبراهيم بن جاسر ومن تلاميذه إبراهيم بن علي الرشودي وهو أحد جماعة بريدة الثلاثة الكبار عند الملك عبد العزيز آل سعود الذين هم فهد الرشودي وعبد العزيز بن حمود المشيقح وإبراهيم هذا.
حدثني يوسف بن إبراهيم الرشودي قال: كان والدي إبراهيم بن علي الرشودي كثيرًا ما يتكلم عندنا في الشيخ عمر بن سليم ويدعو عليه مع أننا نراه يذهب إليه، ويزوره ويتشاور معه في بعض الأحيان.
قال: وعندما مرض الشيخ عمر بن سليم مرضه الأخير كان والدي يزوره في كل يوم على وجه التقريب، فيراه ويسأله عن حاله.
ومرة لما اشتد المرض على الشيخ زاره والدي وأنا معه فرأى أن الشيخ ميئوس من حياته لشدة مرضه فلما خرجنا من بيت الشيخ وصرنا في الزقاق بكي والدي بكاء شديدًا تبين لي أنه كان يكتمه فسألته: لماذا تبكي؟
فقال: الشيخ عمر - يا وليدي - راح ما به أمل.
فقلت له: كيف تبكي عليه وأنت تدعو عليه وتكلم في حقه، وبينك وبينه شيء؟
فقال: الذي بيني وبينه هو قادم على ربه ويحاسبه عليه، ولكن أبكي - يا وليدي - على ديرتنا من أين نبي نلقي لَهْ شيخ مثله! ! !
стр. 4739
لقد كان إبراهيم الرشودي بينه اختلاف عميق مع الشيخ عمر بن سليم مبعثه أن إبراهيم الرشودي كان من تلاميذ الشيخ ابن جاسر المعجبين به كما قدمت، ولذلك كان منحرفًا عن آل سليم وتلامذتهم والمشايخ الذين معهم، حتى إنه ظل سنوات لا يصلي مأمومًا في المسجد القريب من بيته في جنوب بريدة القديمة، وهو مسجد الصقعبي الذي صار يسمى (مسجد الحميدي) إضافة إلى محمد بن صالح المطوع الذي ظل يؤم الناس فيه نحوًا من خمسين سنة أو تزيد، وذلك أن (محمد بن صالح المطوع) هو من تلامذة آل سليم الذين لا يحبهم أتباع الشيخ ابن جاسر وتلاميذه، وإنما يذهب إبراهيم الرشودي إلى الصلاة في مسجد أبعد من ذلك عن بيته فيصلي فيه.
ولكنه يعرف قدر الشيخ عمر ونزاهته في القضاء وقوة شخصيته وإلى ذلك يعرف عقله واتزانه، ومقامه عند الدولة وعند العامة، كما يعرف منزلته العلمية لذلك بكي عندما عرف أنه على وشك الاحتضار والموت.
وقد حدث ذلك بالفعل إذ توفي الشيخ بعد أربعة أيام من ذلك كما قال لي الأخ يوسف بن إبراهيم الرشودي.
قال الشيخ صالح بن سليمان العمري:
العلامة الشيخ عمر بن محمد بن سليم:
رحمه الله تعالى، هو أبو محمد الشيخ الكبير والبحر الغزير عمر بن محمد بن عبد الله بن حمد بن محمد بن صالح بن حمد بن محمد بن سليم.
وشيخنا عمر بن سليم المترجم له يحتاج تاريخه إلى مجلدات ضخمة.
فهو شيخ المشايخ وقطب القصيم كما قال مفتي المملكة العربية السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ في رثائه:
стр. 4740
إن المصيبة حقأ فقدنا عمرًا ... أعظم بميتته رزءً بنا كبرا
قطب القصيم وما دون القصيم وما ... خلف القصيم وما مجري القصيم جري
عليه دارَ الهدى والحق بينه ... كان الحياة وكان السمع والبصرا
أرزقه يا ربنا عفوًا ومغفرة ... واجبر مصيبتنا يا خير من جبرا
ولد ﵀ عام ١٢٩٩ هـ رايت ذلك بخط والده الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم ﵀ على غلاف نسخة خطية من (المنتقى) ونصه:
(ولدنا المولود المبارك عمر بن محمد بن سليم عام ١٢٩٩ هـ. انتهى) وقد ولد ﵀ في بيت علم وتقوى وصلاح، ونشأ بين أحضان والديه، وتربى تربية دينية خالصة منذ صغره وتفرس فيه والده النجابة وقت طفولته، فكان يوليه عناية خاصة ويهتم به اهتمامًا بالغًا (١).
قال: ولما نفي والده إلى النبهانية لحق به وكان عمره في التاسعة عشرة، وجلس معه ثلاثة سنوات وتفرغ والده خلالها لتعليمه، فكان ملازمًا له ليلًا ونهارًا، وكان كل وقته معه في العلم والبحث والمذاكرة، مما كان له أكبر الأثر في تحصيله.
إلى أن قال: كان والده وإخوته يلقبونه بالشيخ، وهو في هذه السن، كما كان الناس يلقبونه بالشيخ وهو دون العشرين، وكان الطلبة يسألونه عما يشكل عليهم، ويقرؤن عليه في المجالس الخاصة بعد انتهاء درس والده، وهو دون العشرين.
إلى أن قال: وقد سافر بعد وفاة والده للرياض فترة قصيرة، قرأ خلالها على الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف ولكن عندما اجتمع به وبحث معه قال له الشيخ عبد الله: يا بني: أنت يؤخذ عنك العلم، إذهب إلى بلدك، واجلس في مكان والدك، وأنشر علمك هناك (٢).
стр. 4741
ولما جلس الشيخ عمر للتدريس في بريدة بعد وفاة والده أقبل عليه الطلبة الكبار والصغار من جميع النواحي والأقطار النجدية وغيرها، حتى اجتمع عليه خلق كثير لم يسبق لأحد قبله مثلهم حتى والده وشيخه الشيخ محمد بن عبد الله وخاله الشيخ محمد بن عمر بن سليم لم يجتمع عندهما مثل ما اجتمع عنده من الطلبة ذكر لي ذلك الراوية الشيخ سليمان العلي المقبل، ويؤيد ذلك أننا وجدنا أسماء أكثر من خمسمائة طالب علم قد قرؤا عليه بينما لم نجد من تلامذة والده إلا أقل من النصف من هذا العدد، كما لم نجد من تلامذة الشيخ محمد بن عمر بن سليم إلا ثلث هذا العدد أو أقل من ذلك، كما لم نجد من تلامذة الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم إلا أكثر من نصف هذا العدد.
ويليه في كثرة الطلبة من علماء بريدة ابن أخته الشيخ عبد العزيز العبادي، وذكر لي الشيخ سليمان العلي المقبل كما ذكر لي ذلك الوالد ﵀ أنه قرأ عليه أكثر من خمسين من طلبة العلم كلهم في سن الشيخوخة وهو شاب.
وقد جعل الله في تعليمه البركة وجعل في نفوس الناس له القبول والإقبال، كما جعل الله له هيبة عظيمة لم أرها لأحد غيره ممن عرفت من العلماء وغيرهم.
حدثني قاضي الغطغط الشيخ وايل اليحيى الطريقي أحد تلامذة الشيخ عمر قال: كنت أمشي أنا ونفر معي من كبار طلبة العلم بالقرب من الجامع الكبير ببريدة، فقال أحدنا كلمة أعجبت الجميع فضحكنا، ولكننا فوجئنا بشيخنا الشيخ عمر يخرج من رأس الشارع دون علمنا، فرأنا نضحك فوقف، ووقفنا مبهوتين لا نستطيع التحرك أو الكلام وقال معاتبًا لنا: أهكذا سَمْتُ طلبة العلم؟ فتمنينا أن الأرض ابتلعتنا تلك الساعة وأخذنا أيامًا لا نستطيع النظر إليه أو مقابلته (١).
стр. 4742
تعليمه للطلبة:
قال الشيخ صالح بن سليمان العمري:
درس ﵀ القرآن وتجويده وعلومه وتفسيره، فقد درس جميع التفاسير المشهورة كابن كثير والبغوي وغيرهما، والحديث شروحه ومصطلحاته، ومن ذلك البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والمنتقى والترمذي وبلوغ المرام والمحرر وغيرها من كتب الحديث، ودرَّس الفقه ومصطلحاته، ومن ذلك الزاد وشرحه والمقنع والاقناع والمغني والشرح الكبير وغيرها، ويدرس الفرائض بعد المغرب ويتوسع في حسابها في المناسخات وقسمة التركات حتى تبلغ الملايين ويعبر عن المليون بألف ألف ولا يذكر المليون.
وكان ﵀ سريعًا في الحساب سرعة فائقة تعجب الطلبة والسامعين، ويدرِّس النحو وشروحه ومن ذلك الفية ابن مالك والقطر والملحة والآجرومية وشروحها.
كما كان يدرس التاريخ الإسلامي ومن ذلك سيرة ابن هشام والبداية والنهاية لابن كثير وغيرها، ولم يدرس شيئًا من تواريخ المتأخرين.
ومن الكتب التي ينصح الطلبة بحفظها ويقرأونها عليه: المنتقى في الحديث وبلوغ المرام، وكان أحد دروسنا عليه حفظًا عند وفاته نحن ومجموعة من الطلبة وعمدة الأحكام والمحرر، وفي الفقه زاد المستقنع وعمدة الفقه وغير ذلك.
ولما ابتدأ الملك عبد العزيز بتهجير البادية إلى أمهات الهجر كالارطاوية ودخنة كان يبعثه إليهم، فيقيم في الهجرة الشهرين والثلاثة يذكرهم ويعلمهم وتعمر مجالس التدريس، وقد مر بكل من دخنة من بلاد حرب والفوارة من بلاد حرب والأرطاوية من بلاد مطر، وأكثر الإقامة في الأرطاوية بلدة فيصل الدويش من قبائل مطير، وكان يصحب معه من كبار الطلبة ما يقرب من ثلاثين طالبًا، يتحمل
стр. 4743
نفقاتهم يواصلون قراعتهم عليه، وينتفع به وبهم أهل تلك النواحي، وقد صار لذلك أثر كبير على أهل تلك النواحي، كما أنه إذا كان في الأرطاوية يجتمع عليه عدد من أهل سدير والوشم وغيرهم، وقد أوردنا أسماء بعض من قرأوا عليه من أهل سدير والوشم وأبناء البادية الذين هاجروا ضمن تلامذته.
وكان إذا سافر يخلف الشيخ محمد بن عبد العزيز العجاجي لتدريس طلبته في بريدة حتى يعود مدة حياة الشيخ محمد، واستمر سفره للأرطاوية إلى عام ١٣٤٥ هـ وإن من يشاهد عدد من يقرأ عليه وما يقوم به من أعمال قضائية وفتيا ليعجب كيف كان يعيش ذلك الإنسان فوقته مملوء بالعمل للآخرة والنفع للمسلمين.
مجالسه وأوقاته:
قال الشيخ صالح العمري:
كان ﵀ يؤم في أحد المساجد في بريدة، فقد أم أول ما أم في مسجد عودة الرديني في بريدة، ثم أم بمسجد ناصر السيف، وقد عمر المسجدان في وقته وعمرت فيهما الحجرات الطلبة والمذاكرة، واتخذت فيها عدة مكتبات خاصة في وقته، واستمرا بعده مدة من الزمن فيهما الكتب والطلبة، فقد خلفه على مسجد عودة تلميذه الشيخ محمد بن صالح المطوع، وعمر المسجد في زمنه وإلى وفاته، واستمر بعد الشيخ عمر في هذا المسجد المشايخ آل عبيد الشيخ عبد المحسن ﵀ والشيخ فهد آل عبيد والشيخ إبراهيم آل عبيد إضافة إلى الشيخ محمد المطوع وغيرهم من طلبة العلم والعلماء.
وكان إذا صلى الصبح جلس في مصلاه يورد ويذكر الله سرًّا ربما سمع من يكون قريبًا منه بعض كلماته، فإذا أتم ورده وحضر الطلبة وجلسوا حلقة حوله أذن لهم بالقراءة (١).
стр. 4744
القاضي المسئول عن كل شئون البلد:
الشيخ عمر بن محمد بن سليم قاض، بل من أكابر القضاة، وقد ورث القضاء عن أخيه ووالده، وقضاياه معروفة بل مهارته في القضاء مشهورة، ولكن الشيء الذي لا يعرفه كثير من الناس، وبخاصة من المثقفين المعاصرين أنه لم تكن توجد في عصره في بريدة بلدية، ولا إدارة حماية المستهلك ولا إدارة التخطيط المدن، وملاحظة الصالح العام فيها، فكان يقوم بذلك أو ما تمس الحاجة إليه.
فهو المحتسب الذي هو المسئول عن شئون العامة في تعاملهم وعدم تعدي أحد منهم على أحد، بل هو يقوم مقام (حماية المستهلك) وذلك بمكافحة الغش في البيع والشراء، أو التحايل على المشترين والباعة.
وقد عين في كل جهة من جهات بريدة نظراء جمع نظير والنظير هو الذي ينظر في مصالح البلد، ويراقب ما يحدث الناس من التعدي على الحقوق العامة كالأسواق والميادين أو على حقوق الغير كإغلاق الطرق أو إيجاد معوقات فيها.
حدثني خالي عبد الله بن موسى العضيب وهو أحد نظراء شمال بريدة, وكان معه فهد بن محمد النصار أن الشيخ عمر بن سليم قد أمرهم بمراقبة أشياء كثيرة ومن ذلك ألا ينشيء أحد بناء يضيق على الآخرين، وأن لا يخط شارع إلَّا بعد أن يطلعوا على سعته.
قال: وقد أمرنا الشيخ عمر الا يقل عرض الشارع عن سبعة أذرع، قال الأفضل أن يكون ثمانية أذرع، وذلك من أجل أن يكون بالإمكان أن يمر منه بعيران على كل واحد منهما حمل من الحطب أو الحشيش.
ولا يعرف مقدار أهمية ذلك إلا من عرف مساحات الأسواق بمعنى الأزقة والشوارع في المدن النجدية في القديم.
стр. 4745
قال: وإذا بدأ أحد بحفر أساس بيته راقبناه فإن ضيق الشارع أو خرج عن مسامتة، جيرانه في الشوارع القائمة منعناه، فإن أمتثل وإلا رفعنا الأمر للشيخ عمر، ومن ثم يمنعه أمير بريدة بالقوة.
وسمعت الستاد علي بن محمد الحامد وهو استاد أي معلم بناء مشهور في شمالي بريدة قال قال لي الشيخ عمر بن سليم: أنت استاد في الشمال فيجب ألا يقل الشارع بين البيوت التي تبنيها عن ثمانية أذرع بمعنى أربعة أمتار ونصف.
ومن نظر الشيخ عمر بن سليم في مصالح البلد أن جماعة من سكان حارة جديدة في شمال بريدة بني أحد الدباغين فيها بيتًا فرآه جيرانه يعد في حوشه مكانًا للمدبغة فشكوه إلى الشيخ عمر بن سليم طالبين منعه من إحداث مدبغة في بيته لأنها تؤذي الجيران برائحتها، فمنعه الشيخ من ذلك.
فقال له الدباغ: يا شيخ، أحسن الله عملك، أنا وأهلي كنا ندبغ في الحارة الفلانية التي تقع في الشمال الغربي من بريدة ولا أحد اعترض علينا ومنعنا.
فقال له الشيخ: تلك حارة قديمة أنتم موجودون فيها تمارسون مهنة الدباغة قبل مجيء جيرانكم إليكم، أما الحارة الجديدة، فإنه لا يجوز إحداث مدابغ فيها لأذيتها بالرائحة وماينتج عن بقايا الدباغ من تلويث وأوساخ.
أقول أنا مؤلف الكتاب: إنه كان دباغ له بيت يقع إلى الشرق من مسجدنا الذي نصلي فيه وهو مسجد عبد الرحمن بن شريدة الواقع في شمالي بريدة القديمة.
فكان جماعة المسجد يتأذون من رائحة الدباغ، وبخاصة إذا فتح المدبغة بعد إغلاقها لفترة فذهب جماعة منهم إلى الشيخ عمر بن سليم يطلبون منه أن يمنع ذلك الدَّباغ من الدباغة في بيته الملاصق للمسجد، لأنه يؤذي المصلين، فسألهم الشيخ عما إذا كان الرجل قد أنشأ بيته وصار يدبغ فيه قبل إنشاء المسجد أم إن ذلك كان بعد إنشاء المسجد واكتمال بنائه؟
стр. 4746
فأجابوا بعد أن تحققوا من الأمر بأن ذلك كان قبل إنشاء المسجد، فقال الشيخ: لا حق لكم في منعه، لأنكم في الحقيقة، أنتم الذين جئتم إليه، فكأنهم راضون بذلك، أما لو كان أحدث المدبغة بعد بناء المسجد فإننا سنمنعه.
وفيما يتعلق بالبيع والشراء، وملاحظة الشيخ عمر بن سليم لذلك بل ومراقبته نذكر أن مدينة بريدة كانت في العشر السادسة من القرن الرابع عشر فيها أكبر سوق للإبل في العالم، ويقصدها الأعراب وأهل البادية من نواحي المملكة لبيع مواشيهم فيها وفيهم أغرار وأناس لا بصر لهم بحيل المشترين وطرقهم، لأخذ ما معهم بأقل مما يستحق من الثمن مع إثبات بعضهم لمخالفات شرعية.
لذا جمع الشيخ عمر بن سليم المتعاملين في سوق البيع والشراء من الجالبين وهم الذين يحضرون مواشيهم للبيع في بريدة وتكلم فيما لا يجوز لهم أن يعملوه من الأعمال المخالفة للشرع في التعامل مع الناس وذكرهم بالله وخوَّفهم من عقابه، وأخبرهم أنه عين أشخاصًا لمراقبة ذلك وإبلاغه بأية تجاوزات تحدث من بعض الناس من أجل إنزال العقوبة بمن لا يلتزم بالأوامر الشرعية في البيع والشراء.
ثم كتب كتابة في هذا الأمر اطلع عليها الذين جمعهم، وأرسل نسخة منها إلى أمير بريدة، وسوف نورد نصها كما كتبها الشيخ عمر، ثم نعقب ذلك بإيضاح ما يحتاج منها إلى إيضاح.
وهذا نصها:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 4747
أما بعد فقد حضر عندنا أهل البيع والشراء في الإبل والغنم وغيرها من المجلوبات، وقد كان يصدر منهم معاملات مخالفة للشرع، وقد نهيناهم عن ذلك وخوفناهم عقوبة الخالق، وأدب ولي الأمر فمن ذلك تلقى الركبان.
ومن ذلك النجش.
ومن ذلك مخادعة الجالب وإذا سام منه إنسان بقريب القيمة سام الثاني بنصف القيمة، قال: إن الأول كاذب من أجل المخادعة والمكر.
ومن ذلك إذا اجتمعوا عند الجالب تشاركوا فجعل بعضهم يأمر بالبيع وهو شريك ثم المشتري إذا باع عليه الجالب قال لشركائه الحاضرين فلان شريك وفلان شريك وهو غائب، وهذا أمر لا يصلح إلا باتفاق الشركاء حاضرين ورضاهم، وكذلك يدعي زيادة على سهمه ولا يثبت إلا برضاهم.
ومن ذلك مخادعة البائع بقولهم (حامل زامل) إيماءً له بالرضا بالعيب وهذا قول فاسد فلا يخدع به البائع، ومن ذلك السوم على سوم أخيه بعد الرضا من البائع فليس لأحد أن يسوم بعد ذلك.
ومن ذلك البيع على بيع أخيه إذا باع صاحب السلعة زاد عليه.
ومن ذلك بيع الحاضر للباد فلا يقصده الحاضر لبيع سلعته.
ومن ذلك مماطلة البائع بحقه، وظلمه حتى يضع من حقه، وهذا من المنكرات فإن رفعه لولي الأمر فما لحقه من الحق فهو على المماطل.
ومن ذلك الأيمان الكاذبة وكثرة الحلف.
ومن ذلك الكذب بقوله سيمت بكذا وكذا، وهو كاذب أو اشتريتها بكذا وكذا وهو كاذب.
стр. 4748
ومن ذلك كتمان العيب والغش والتدليس.
ومن ذلك أذية الجالب وتشقيق ثيابه وجذب شعره فهذا لا يجوز.
ومن ذلك السب والشتم وفحش الكلام والهمز والتعيبة وشهادة الزور وقول الزور، فمن امتثل الأمر الشرعي واتبعه ولم يخالفه، فالحمدلله ومن خالف ذلك فعلي ولي الأمر منعه من البيع والشراء حتى يمتثل الأمر الشرعي في البيع والشراء، وقد ألزمنا محمد العثمان العبيد وعبد الله الحماد مع خويلد وعبد الرحمن القسومي والتويجري ومحمد الشريان يتفقدون أحوالهم وينصحونهم ويلزمونهم بذلك، ومن لم يمتثل رفعوا أمره لولي الأمر نسأل الله أن يوفق الجميع لذلك إنه ولي وذلك وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
حرر ١٥ محرم ١٣٥٨ هـ
التعليق:
في السطر الأول ذكر المجلوبات وهي جمع مجلوبة أو المجلوب وهو البضاعة من الماشية وما يخرج منها من سمن أو اقط، التي يحضرها صاحبها من بلاد بادية أو بلاد بعيدة وهو لا خبرة لديه بأقيامها في البلد الذي أحضرها إليه ليبيعها فيه.
ومثل ذلك الجَلَب حيث تسمى بهذا الاسم.
وبعدها ذكر تلقيِّ الركبان من دون تفسير لأن المخاطبين كلهم يعرفونه والركبان هم الجالبون الذين يحضرون بضائعهم المذكورة وأمثالها لبيعها في المدينة.
وتلقيهم أن يخرج أناس من أهل البلد إلى خارجه ليتلقوهم فيشتروا منهم ماشيتهم أو بضاعتهم وهم أي الركبان التي هي جمع راكب ومعناها ما ذكرته لا يعرفون قيمة السلع التي قدموا بها في المدينة، حيث تكون أحيانًا تساوي مبلغًا أكثر مما يبيعون به على المتلقي لهم.
стр. 4749
وإنما الأمر الشرعي الا يشتري منهم أحد حتى يصلوا إلى السوق وبذلك يتمكنون من معرفة قيمة السلعة المذكورة، لا سيما إذا تنافس عليها المشترون.
الثالث: النجش:
والنجش أن يسوم رجل سلعة من البائع بثمن لا يريد أن يأخذها به، لأنه أكثر مما تستحق في نظره، وإنما يريد أن يزيد في ثمنها على شخص محتاج أو مضطر إلى شرائها فيشتريها بأكثر مما تستحق، والمطلوب الشرعي أنه إذا لم تكن به حاجة إلى السلعة بالثمن الذي يحدده أن يتركها لكي يتفاوض الراغب فيها مع بائعها على الثمن الذي يريدانه، وهو الثمن الحقيقي للسلعة.
الرابع: مخادعة الجالب وقد فسر ذلك أو ضرب المثل له بأن يسوم إنسان بقريب القيمة أي بما يقرب من قيمة الشيء المعروض للبيع ثم يسوم الثاني بنصف القيمة مدعيًا أن الأول غير صادق في سومه.
وقد رأيت ذلك عندما يكون الجالب أعرابيًّا غريرًا حتى إذا كان البعير يساوي مائة ريال مثلًا وسامه واحد آخر من المشتري أي طلب أن يشتريه بتسعين ريالًا فإن أخر يأتي ويسومه بخمسين من أجل أن يبيع الجالب علي صاحب السوم الأول وهما شركاء في الشراء من دون أن يعلم الجالب الذي هو صاحب البعير بذلك.
الخامس: أن يشترك المشترون في شراء بعير أو أباعر مثلًا من دون أن يعرف البائع ذلك، ثم يجعل بعضهم يشير على البائع بالبيع من أجل حمله على ذلك، ثم إذا غاب الجالب عن المشتري الحاضر التفت المشتري قائلًا للحاضرين: ترى فلان شريك وفلان شريك.
وهما لم يحضرا البيع، ومن دون أن يعلم المشتركون في الشراء مسبقًا بذلك، وهذا فيه إضرار بهم، لأنه ينقص الفائدة التي يحصلون عليها.
стр. 4750
السادس: مخادعة البائع بقول المشتري: حامل زامل، إيهامًا للبائع بأنه سوف يشتريه بما فيه من العيوب، ثم إذا ظهر فيه عيب طلب تخفيض ثمنه من أجل ذلك العيب.
السابع: السوم على سوم أخيه بعد أن يرضى البائع بأن يبيع عليه، فإذا باع على الرجل بعيره مثلا بمائة ريال جاء آخر بعد البيع، وقال: أنا آخذه منك بمائة وخمسة ريالات على سبيل المثال، لأنه إذا تم البيع فليس لأحد أن يطلب الشراء من صاحب البعير - مثلًا - بعد ذلك.
الثامن: البيع على بيع أخيه، وذلك فيما إذا باع السلعة بثمن معين قال آخر: أبيعك إياها بأنقص مما اشتريته به من فلان.
التاسع: بيع الحاضر للبادي فلا يقصده الحاضر لبيع سلعته، ومثال ذلك أن يحضر بدوي إبلا أو غنمًا لبيعها فيقول له بعض أهل الحضر العارفين بالسوق: دعني أبيعها عنك فذلك لا يجوز، لأنه يمنع المشترين شراء صحيحًا من أن يكسبوا من السلعة، إنما الصحيح كما في الأثر: دعو الناس يرزق الله بعضهم من بعض.
العاشر: مماطلة البائع بحقه، وظلمه حتى يضع من حقه، وذلك بأن يمنع صاحب الحق من أخذ دراهمه، أي لا يعطيه إياها حتى إذا ألح عليه قال له: نَزِّل لي منها وأنا أعطيك إياها، مع أنهاحق للبائع كلها لا يجوز أن يأخذ المشتري منه شيئًا.
ثم ذكر الشيخ بعد ذلك أشياء واضحة.
وقال الشيخ عمر: الزمنا محمد العثمان العبيد وهو من العبيد السلمي الآتي ذكرهم في حرف العين، وعبد الله الحمادي بفتح الدال وهو من العاملين في السوق العارفين بأحوالها، مع خويلد الخويلد، وعبد الرحمن القسومي،
стр. 4751
والتويجري الذي هو محمد ... التويجري الملقب دليم على لفظ تصغير (أدلم) نسبة إلى جد لهم اسمه دليم.
وقد عرفته وأدركته بعدما شاب وابنه عبد العزيز كان صديقًا لي وكان أكبر مني سنا بنحو ثمان سنين، وحفيده الشيخ سليمان بن عبد العزيز التويجري من تلاميذي.
وأخيرًا: ذكر الشيخ محمد الشريان وهو رجل ثقة عدل معروف سيأتي ذكره في حرف الشين بإذن الله.
وتاريخ إصدار هذه التعليمات الشرعية المفيدة في ١٥ محرم سنة ١٣٥٨ هـ.
تلاوته القرآن:
لا حاجة إلى القول بأن الشيخ عمر بن سليم يحفظ القرآن الكريم كله كما يحفظ غيره سورة الفاتحة، فلا نعرف شيخًا وقاضيًا ذا أهمية لا يحفظ القرآن الكريم حتى أئمة المساجد قل منهم من لا يحفظ القرآن الكريم ويصلي بالناس صلاة التراويح والقيام ويتلو القرآن في الصلاة من حفظه.
ولما بلغنا أن إمامًا معروفًا بقلة الحفظ كان يحمل معه في الصلاة مصحفًا يراجع فيه ما قد يكون غاب عن حفظه من الآيات التي يريد أن يتلوها استفظع الناس ذلك وتعجبوا منه تعجبهم من شيء غير مألوف.
وأكثر العلماء الذين عرفناهم أو بلغتنا أخبارهم من أهل القصيم يتلون القرآن على حالاتهم كلها مثل أن يكون الشيخ ماشيًا فيتلو القرآن سرًّا أو على ما يقرب من السر وهو يمشي، ويتلو القرآن وهو يتهيأ للنوم، ويتلوه وهو على وسادته قبل أن يغلبه النوم.
ومرافقوهم في السفر إذا كانوا مسافرين والحضر إذا كان حاضرين يسمعونهم يتلون القرآن ويعرفون كم قرأوا في اليوم والليلة مما يسمعونه من آية أو آيات.
стр. 4752
وقد أجمع الذين حدثوني عن تلاوة الشيخ عمر للقرآن الكريم أو كادوا على أنه كان يختم القرآن كل أسبوع في الأيام المعتادة، أما في رمضان فإنه كان يختمه في كل يومين مرة.
وهذا شيء معروف لي أنا وأمثالي من الذين أدركوه وأدركوا أمثاله من العلماء العاملين.
ذلك بأن تلاوتهم للقرآن ليست جهرية ولا بطريقة التلاوة المجودة، وإنما كانوا أحيانًا يتلونه سرًّا، ولكنها قراءة تأمل.
صلاة العيد:
لا أزال أذكر صلاة العيد خلف الشيخ عمر بن سليم، في مصلى العيد في جنوب بريدة، إذْ يخطب الخطبة وما يتخللها من التكبيرات والتحميدات وأحكام زكاة الفطر في خطبة عيد رمضان، وأحكام الأضاحي في خطبة عيد الأضحى، وكل ذلك غير مستغرب منه.
ولكن المستغرب تأثير خطبته على الناس أذكر أنه إذا قال في خطبة العيد: (الله أكبر) وكررها يرفع أصبع يده السبابة المسماة عند العوام بالشاهد، ويخرجه إخراجًا عجيبا بخشوع واستذكار لجلال الله وعظمته، حتى إنني بكيت مرة وأنا أتابع ذلك منه.
وقد صادف أن صليت العيد بعد وفاة الشيخ عمر بخمسين سنة في المكان نفسه وهو مصلى العيد الجنوبي، وكان في أول الأمر هو الوحيد الذي تصلي فيه صلاة العيد، وليست فيه أبنية، ولم يحط عليه بحائط، فكان خطيب لا أعرفه يخطب من ورقة حتى إنني رأيته إذا أراد أن يقول: الله أكبر نظر إلى الورفة كأنما يخشى أن ينساها.
ومع ذلك لحن في آية قرآنية، وليس لكلامه أي وقع أو تأثير على نفوس سامعيه، لأنه يلقي خطبته المكتوبة كما يلقي التلميذ الغبي كلمة في مدرسته.
стр. 4753
فعجبت والله أشد العجب من اختلاف الزمان، بل من اختلاف أقدار الرجال وتفاوت تأثيرهم على الناس.
التأليف:
لا شك في أن المرء يتوقع أن يجد مؤلفات كثيرة لمثل هذا العالم الجليل الذي صار شيخ المشايخ، إذ تخرج به عدد كبير من المشايخ القضاة والمدرسين في المساجد، وكثير منهم تولى وظائف قضاء أو ارشاد أو تدريس ولكن الواقع ليس كذلك، فالشيخ عمر بن سليم ﵀ لم يشذ عن القاعدة التي وجدنا عليها علماء نجد عندما عقلنا الأمور وهو زهدهم في التأليف واعتمادهم على أصول الكتاب والسنة القديمة إضافة إلى كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وتلامذتهم وهي قليلة وأكثرها رسائل مختصرة.
ولذلك لا يجد الباحث في آثارهم قوائم المؤلفات عديدة كما عليه الحال بالنسبة إلى أمثالهم من علماء الأمصار.
وليس ذلك لقصور في علمهم، فهم وبعضهم بحور في العلم وبخاصة في الحديث والعقيدة والتفسير، ولكن تلك عادة ساروا عليها، ربما كان التواضع وغمط النفس نصيب في وجودها، وربما كان لعدم رغبتهم في الاشتغال بالتأليف عن الدروس التي تفيد طلابهم وتلاميذهم، فيرون أن صرف الوقت فيها أفضل من صرفه في التأليف وإنما خلفوا من الموروثات رسائل علمية في مسائل مختصرة أو نصائح علمية ومنها هذه الرسالة للشيخ عمر بن سليم ﵀.
قال الشيخ عمر بن محمد بن سليم: "من عمر بن محمد بن سليم، إلى كافة الإخوان من أهل الأرطاوية، سلك الله بنا وبهم صراطه المستقيم، وثبتنا على دينه القويم، وأعاذنا من الأهواء المضلة والسبل المفضية بسالكها إلى طريق الجحيم.
стр. 4754
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد: فالباعث لهذه النصيحة: إقامة الحجة على المعاند، والبيان الجاهل الذي قصده الحق، فإن الله سبحانه لما من على بادية المسلمين من أهل نجد، في آخر هذه الأزمان، بالإقبال على تعلم دين الإسلام، ورأى الشيطان منهم قوة في ذلك، وحرصًا على الخير، وايس أن يردهم على حالهم الأولى، التي انتقلوا منها، أخذ في فتح أبواب الشر، وحسَّنها لهم، وزيّنها في قالب القوة والصلابة في الدين، وأن من أخذ بها فهو المتمسك بملة إبراهيم، ومَن تركها فقد ترك ملة إبراهيم.
وهذا من كيد اللعين، كما ذكر ابن القيم ﵀: أن الشيطان يشم قلب العبد، فإن رأى فيه كسلًا، سعى في رده عن دينه بالكلية، وإن رأى فيه قوة، سعي في حمله على مجاوزة الحد، والزيادة على ما شرعه الله ورسوله، فإذا أخبر بالمشروع، قال له الشيطان: ما يكفيك هذا، إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.
ومن الأمور التي زينها الشيطان: التفرق والاختلاف في الدين، وسبب ذلك: كلام أهل الجهل بأحكام الشرع، فلو سكت الجاهل سقط الاختلاف والكلام في دين الله بغير علم، وخوض الجاهل في مسائل العلم، قد حرمه الله تعالى في كتابه ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ. (الأعراف - ٣٣).
ومن كيد الشيطان أيضًا، الذي صدهم عن تعلم العلم وطلبه: اتهام علماء المسلمين بالمداهنة، وسوء الظن بهم، وعدم الأخذ عنهم، وهذا سبب لحرمان العلم النافع، فإن العلماء هم ورثة الأنبياء، ومن زهد في الأخذ عنهم، فقد زهد في ميراث
стр. 4755
سيد المرسلين، والعلماء هم الأمناء على دين الله، فواجب على كل مكلف أخذ الدين عن أهله، فإن الفرض الواجب، واللازم لعوام المسلمين، سؤال العلماء وأتباعهم، قال تعالى: (فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون). (النحل: ٤٣).
وقال النبي ﷺ (فإنما شفاء العيّ السؤال)، أي: سؤال العلماء، وقال: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين).
وأما من رغب عن سؤال العلماء، أو قال: حجتنا الكتاب الفلاني، أو مجموعة التوحيد، أو كلام العالم الفلاني، وهو لا يعرف مقصوده بذلك، فإن هذا جهل وضلال، فإن أعظم الكلام كتاب الله، فلو قال إنسان: ما نقبل إلا القرآن، وتعلق بظاهر لفظ لم يفهم معناه، وأوله على غير تأويله، فقد ضاهي أهل البدع المخالفين للسُّنَّة، فإذا كان هذا حال من اكتفى بظاهر القرآن، عمَّا بينته السُّنَّة، فكيف بمن تعلق بالفاظ الكتب، وهو لا يعرف معناها.
والكتب أيضًا: فيها الصحيح والضعيف، والمطلق والمقيد، والعام والخاص، والناسخ والمنسوخ، فإذا لم يؤخذ العلم عن العلماء النقاد، الذين مَنَّ الله عليهم يفهم الكتاب والسُّنَّة ومعرفة ما عليه السلف الصالح والأئمة، وقع في الجهل والضلال، وفي الصحيح عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بموت العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا".
إذا عرف هذا، تبين: أن الذي يستغني بمجموعة التوحيد، أو يقلد من يقرأها عليه، وهو لا يعرف معناها، قد وقع في جهل وضلال، بل يجب عليه الأخذ عن علماء المسلمين.
ومن كيد الشيطان أيضًا: إساءة الظن بولي الأمر، وعدم الطاعة له، وهو من
стр. 4756
دين أهل الجاهلية، الذين لا يرون السمع والطاعة دينا، بل كل منهم يستبد برايه وهواه، وقد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسنة، على وجوب السمع والطاعة لولي الأمر، في العسر واليسر، والمنشط والمكره، حتى قال: "اسمع وأطع، وإن أخذ مالك، وضرب ظهرك"، فتحرم معصية ولي الأمر، والاعتراض عليه في ولايته، وفي معاملته، وفي معاقدته ومعاهدته، ومصالحته الكفار.
فإن النبي ﷺ حارب وسالم، وصالح قريشًا صلح الحديبية، وهادن اليهود وعاملهم على خيبر، وصالح نصاري نجران، وكذلك الخلفاء الراشدون من بعده، ولا يجوز الاعتراض على ولي الأمر في شيء من ذلك، لأنه نائب المسلمين، والناظر في مصالحهم، ولا يجوز الافتيات عليه بالغزو، وغيره، وعقد الذمة، والمعاهدة، إلا بإذنه.
فإنه لا دين إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمامة ولا إمامة إلا بسمع وطاعة، فإن الخروج عن طاعة ولي الأمر، من أعظم أسباب الفساد، في البلاد والعباد.
ومن كيد الشيطان: أنه غلظ أمر الأعراب عند بعض الناس، حتى صار منهم من يتجاوز الحد الشرعي، وحكم عليهم بأحكام مخالفة للكتاب والسنة، فمن الناس من يري جهادهم حتى يلتزموا سكنى القرى، أو أنهم لا يستقيم لهم دين حتى يهاجروا، فالواجب على كل مسلم رد ما تنازع فيه المتنازعون إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، ولا يرد ذلك إلى محض الجهل والهوى.
ومن علم سيرة النبي ﷺ في الأعراب الذين في زمانه، وسيرة الخلفاء الراشدين، تبين له الحق، فإن النبي ﷺ كان يدعوهم إلى توحيد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾، (التوبة: ٥) ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (التوبة: ١١).
стр. 4757
وقال النبي ﷺ في حديث بريدة الطويل، الذي في صحيح مسلم، أنه كان إذا أمرَّ أميرا على جيش أو سرية، إلى قوله: (ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك لذلك فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، فإن أبوا فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين).
فدلّ الحديث: على أنه كان في زمن النبي ﷺ أعراب، ولم يلزمهم بالهجرة إلى القرى، ومن ألزمهم بذلك، ورآه دينا، فقد شرع في الدين ما لم يأذن به الله.
وقال ابن القيم ﵀ في الهدي النبوي في آخر الوفود - وقدم عليه وفد بني عبس، فقالوا: يا رسول الله: قدم علينا قراؤنا، فأخبرونا أنه لا إسلام لمن لا هجرة له، ولنا أموال ومواش، فإن كان لا إسلام لمن لا هجرة له، فلا خير في أموالنا ومواشينا، بعناها وهاجرنا عن آخرنا، فقال رسول الله ﷺ : (اتقوا الله حيث كنتم، فلن يلتكم من أعمالكم شيئًا).
نعم: يجب على ولي الأمر، إلزام الأعراب بشرائع الإسلام، وكفهم عن المحرمات من الشرك وغيره، كغيرهم من المسلمين، وبعث دعاة يعلمونهم شرائع الإسلام.
إذا علمت أنه لا يجوز إلزامهم بغير ذلك، تبين لك: أنه لا يجوز هجر من قدم على الحاضرة منهم، إلا من كان مجاهرًا بالمعاصي، وهذا ليس خاصًّا بالأعراب.
نعم: حديث بريدة يدل على استحباب الهجرة لأعراب المسلمين والحالة هذه، وترغيبهم فيها، ولما يترتب على الهجرة من تعلم شرائع الإسلام، وشهود الجمع والأعياد.
стр. 4758
ومن الأمور التي أوقعها الشيطان: أن الإنسان إذا هاجر وسكن قرية من قرى المسلمين، واتخذ ماشية من إبل أو غنم، وخرج ليرعاها في وقت من الأوقات، ومن نيته الرجوع إلى ذلك المحل، هجر عن السلام، وفي زعم الذي هجره: أن خروجه مع ماشيته معصية، وهذا جهل وضلال، فإن فعله ذلك قد أباحه الرسول ﷺ ، فلا يجوز هجره والإنكار عليه والحالة هذه.
وقد كان للنبي ﷺ ، تم من إبل وغنم يجعل فيها رعاة يرعونها، وقال الفضل بن عباس: زارنا رسول الله ﷺ في بادية لنا، فمن كان مقصوده اتباع الحق، وطلب الهدى، وسعه ما وسع رسول الله ﷺ وأصحابه.
ومن الأمور التي أدخلها الشيطان على بعض الناس لينال بها مقصوده من إغوائهم، وتفريق كلمتهم، وإلقاء البغضاء بينهم، التي هي الحالقة - أي حالقة الدين - ما حملهم عليه من التهاجر على غير سبب يوجب ذلك، بل بمجرد الرأي المخالف للكتاب والسنة، وهذا ينافي ما عقده الله بين المسلمين، من الإخوة الإسلامية، التي توجب التواصل والتراحم، والتواد والتعاطف، كما قال النبي ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر).
وقال النبي ﷺ : (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا) وشبك بين أصابعه، وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (آل عمران: ١٠٣) , وقال النبي ﷺ (لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه) الحديث.
ومن كيد الشيطان: ما زينه لبعض الناس، من الاستطالة على الناس
стр. 4759
بالضرب والتعنيف، والكلام السيء، والتوعد للناس، وتعيير الناس وعيبهم، والطعن عليهم، فحسَّن لهم الشيطان ذلك، وأدخل عليهم: أن ذلك من باب الأمر بالمعروف، وإنكار المنكر، وهذه الأفعال من أعظم المنكرات، واستحلالها واعتقاد أنها من الدين أكبر من فعلها.
وهؤلاء لم يفهموا إنكار المنكر، الذي جاءت به الشريعة، فإن إنكار المنكر، إزالة المنكر، لا ضرب فاعله، وأما إقامة الحدود، والتعزير بالضرب والتهديد، والتوعد، فهذا لولي الأمر، دون آحاد الناس، والذي علينا بيان الحق، ونصيحتكم وإرشادكم إلى ما جاءت به الشريعة.
ونسأل الله أن يمن علينا وعليكم بقبول الحق واتباعه، والثبات عليه، وأن يمنَّ علينا وعليكم بالتوبة إليه، مما يخالف شرعه ودينه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، صلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين" (١).
رسائل للشيخ عمر بن سليم:
المراد بالرسائل هنا ليس الرسائل العلمية كالمذكورة قبل هذا الكلام، إنما المقصود بها الرسائل التي يرسلها الشيخ في ورقة أو ورقتين وكان يرسل وسائل إلى الملك عبد العزيز وغيره، حاولت أن أحصل عليها، ولكن ورثته أخبروني أن أحد كبار الأشخاص من رجال الدولة زار بريدة فأهدوا إليه كل تلك الرسائل المتبادلة من دون أن يأخذوا لها صورة.
ولا أزال أتحرى اقتفاء تلك الرسائل عسى أن أعثر عليها لأتحف القراء الكرام بها.
وهذه رسالة من الشيخ عمر بن سليم إلى الملك عبد العزيز آل سعود:
стр. 4760
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عمر بن محمد بن سليم، إلى جناب الأشيم الأحشم حميد المكارم والشيم الإمام المكرم المحترم عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل حفظه الله وتولاه وأسعده بنصره وهداه ومن كل شر حرسه وحماه، آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد: موجب الكتاب هو إبلاغ جنابكم الشريف جزيل السلام ثم السؤال عن صحة أحوالكم لا زالت أحوالًا مرضية وإن سألت عنّا فنحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو على سوابغ نعمه، أدام الله علينا وعليكم نعمة الإسلام، والخطوط المكرمة وصلت سرنا طيبكم وصحة حالكم الحمد لله على ذلك، وما عرف جنابكم كان معلومًا خصوصًا من جهة الدويش وأهل الأرطاوية ما يخفي جنابكم أننا ما لنا في الدخول في أمور الناس (١)، عامة ولا في الدخول في أمور أهل الأرطاوية خاصة قدم علينا ولد الدويش معه مكاتيبكم وأنا معي بعض الأثر والشيخ عبد الله معه أصخينه (٢)، وهو مهوب يظهر (٣)، ودفعنا ولد الدويش بوعد بعد صفر الموجب أني لا أستطيع السفر وقت قدومه. انتهى
وهذه رسالة من الشيخ عمر بن سليم إلى القاضي الشيخ محمد بن عبد العزيز بن رشيد من أهل الرس:
стр. 4761
وهذه رسالة أخرى إلى المذكور تتعلق بمسألة فقهية كالأولى:
стр. 4762
وحدثني أكثر من واحد منهم سليمان بن عبد الله العيد أن الشيخ عمر بن سليم جمع أهل بريدة في جامع بريدة في وقت الضحى في سنة مجدبة أصاب الناس فيها شدة، وقال لهم: تبرعوا الفقراء المسلمين، وكان هو أول المتبرعين فاكتتبوا بمبالغ طيبة في ذلك العصر.
وسبب ذلك أنه أصاب الناس جدب وتأخر في المطر فلحق الأعراب، وأهل القرى من ذلك ضرر.
وقيل: جاءت امرأة تخاصم زوجها لدى الشيخ عمر بن سليم ﵀، وادعت أنه عنين، وأنها تريد أن يطلقها، لأنها تريد أولادًا، فلم يحكم الشيخ عمر لها ولا عليها أول وهلة، وإنما وعظها وأمرها بالاحتساب والصبر، وأنها لا تدري أين الخيرة، غير أنها لم تقتنع بذلك، وصممت على دعواها، فأقامهما من عنده من عير حكم، وكان زوجها يعمل بمزرعة قرب البلد يروس الماء، أي يرسله إلى حياض الزرع، والشيخ يعرف محل عمله وأوقاته.
فأمر الشيخ اثنين من أصحابه، قال لهما: إذا كان بعد صلاة الصبح بقليل: أخرجا إلى فلان تجدانه بروس (يسقي) في نخل الشقيري خارج سور البلد، فسلما عليه، وانظرا في حاله إلا إذا أقر لكما بأنه عنين، فذهب الرجلان إليه ولمسا مقلتيه، من وراء ثوبه يعني (خصيتيه) لينظرا هل هي مرتفعة، أم منكمشة، أم سائلة بمعنى رخوة متدلية.
فلما كان بعد صلاة الفجر خرجا ووجدا الرجل يسقي زرعه فسلما عليه ودعيا له بالمعونة، وتحدثا معه، ثم قالا له: (لا حياء في الدين يا فلان، إن الشيخ أمرنا بسوالك ونحن نريد أن نلمس خصيتك من وراء ثوبك، فقال الرجل: لا مانع سمعًا وطاعة، فقربا منه ولمسا خصيته وهو لابس ثوبه أي اللمس غير مباشر، فوجداها رخوة سائلة رغم أن الوقت بارد: فسيلانها في هذا الوقت يدل على عدم فحولة الرجل، فيدل على صدق ما تدعيه المرأة، إضافة إلى قرائن
стр. 4763
أخرى، فكتب الشيخ بيده ما معناه: (بسم الله الرحمن الرحيم، موجب تحريره هو أني أنا عمر بن سليم قاضي بريدة، قد طلقت فلانة من زوجها فلان بسبب ثبوت عنينته)، وختم عليه وأرسله لها، وهي في بيتها، ﵀.
كما يحكي عن الشيخ عمر أنه وهو إمام المسجد الجامع وكان الوقت شديد البرد والصف الأول فيه شيبان نظرهم ضعيف فتأخر الشيخ عن إقامة الصلاة، وكان من عادته أن يذهب مباشرة إلى المحراب، ولكنه صلى السنة خلف عمود من عمد المسجد، فقال أحد الشيبان: أين الشيخ؟ وراه صَيَّف؟ فقال: آخر: الشيخ تلقاه هالحين على (وريث) وحنا نتصكصك، فسمعها الشيخ، قال: هذاي بذا، بس ما بعد جا وقت الصلاة! ! !
والوريث هو الجمر الذي يبقى في الكانون أو الوجار الذي هو محل إيقاد النار يضع الناس عليه الرماد حتى لا يخبو، ولا يقوى الفقراء على ذلك، لأنه يحتاج إلى أن يكون من حطب جزل غالي الثمن نسبيًا ونتصكصك: أصابنا البرد.
قيل: إن أهل قرية طلبوا من إمامهم (المطوع) أن يقرأ عليهم كل يوم درسًا من العلم في المسجد قبل صلاة العشاء الآخرة، ودرسًا قصيرًا من الحديث بعد صلاة العصر مباشرة وكانت تلك عادة معروفة، ولكن المطوع يعرف أن الشيخ عمر بن سليم لا يسمح لكل أحد أن يتكلم بالعلم إلَّا من عَرِفَ أنه أهل لذلك، لذا قال المطوع: أنا لا أقرأ عليكم إلَّا أن تأتوا لي باذن من الشيخ عمر، فأتي جماعته إلى الشيخ وطلبوا منه إذنًا للمطوع بذلك، فكتب الشيخ معهم.
بسم الله الرحمن الرحيم، من عمر ابن سليم إلى الأخ .... فلان ....
أما بعد: فأنت إن شاء الله تحتسب وتقرا تفيد الجماعة من الكتب ولا تكلم على الحديث: بارك الله فيك والسلام عليكم.
ومن الطرائف التي حدثت في درس الشيخ عمر بن سليم ﵀ مع
стр. 4764
ترفعه عن إيراد الكلام الذي لا يتعلق بالأمور الشرعية، هذه التي مبعثها تصحيح قراءة نص شرعي.
وملخصها أن أحدهم قرأ عليه في كتاب أن المرأة يجب أن تستر وجهها إلا إذا كانت عجوزًا (لا تشتهى) قرأ تشتهي بفتح التاء واسكان الشين وكسر الهاء فرد عليه الشيخ بقوله: (لا تشْتَهَى) بضم التاء وإسكان الشين وفتح الهاء.
وقال الشيخ بصوت منخفض: هي تشتهي، لكن الأزواج لا يشتهونها!
ومن النكت المروية عن الشيخ عمر بن سليم ﵀ أن الناس كانوا في آخر شهر رمضان، وقد صاروا يتشوفون بعد غروب الشمس مباشرة وقبيل صلاة المغرب هلال شوال.
فجاء إلى الشيخ عمر رجل يعرفه الشيخ بأنه ليس من يعتد بقوله، ولا يؤخذ بشهادته، وقال يخاطب الشيخ:
يا شيخ: أحسن الله إليك أنا شفت الهلال، فقال الشيخ عمر مداعبًا له: أخاف إن اللي شفته ذنب إبليس؟
فقال الرجل: لا، يا شيخ ذنب إبليس أعرفه.
فتبسم الشيخ وقال: ما دام إنك تعرف ذنب إبليس فحنا ما نأخذ بشوفك.
يشير إلى أنه ادعى شيئًا غير ممكن.
وأصل ذلك أن العوام يقولون: إن إبليس إذا رأى المسلمين يبحثون عن هلال شوال جعل من ذنبه ما يشبه الهلال، وتعرض لهم قالوا: يريد أن يجعلهم يظنون أنه الهلال فيفطروا يومًا من آخر رمضان بسبب ذلك.
قال الأستاذ ناصر العمري:
стр. 4765
العدل مع القريب والبعيد:
الشيخ عمر بن محمد بن عبد الله بن سليم قاضي بريدة ورئيس قضاة القصيم عالم جليل، وهو كريم النفس يبذل ماله لطلبة العلم خاصة، وهو يدرس العلم في المسجد وفي داره علاوة على القيام بأعباء القضاء، ولما توفي أخوه الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم قاضي بريدة عين مكانه ومضت شهور جيء للشيخ عمر بن محمد بن سليم بغلة وقف على مسجد جامع بريدة، فرأى الشيخ عمر قسمة غلة الوقف بينه وبين ورثة الشيخ عبد الله بن سليم لكون الشيخ عبد الله قام بالتدريس والإمامة في جامع بريدة شطرًا من السنة ولهذا فهو مستحق نصيبه من الوقف بقدر المدة التي أمضاها فأمضى له الشيخ عمر نصف الغلة وهي تمر نخل قرب بريدة وأخذ الشيخ عمر النصف الباقي، وهكذا أنصف الشيخ عمر قريبه من نفسه وعدل بينه وبين القريب.
وأراد الشيخ عمر بن محمد بن سليم تجديد بناء مسجد جامع بريدة وأمر بهدم المسجد توطئة للبناء الجديد وكان والده هو الذي قام بالبناء القديم ويعلم الشيخ عمر أن أسرة من أهل بريدة يقال لهم السلامة كانت قد قدمت مواد البناء متبرعة بها لقسم من المسجد وعندما أمر بنقض البناء أمر بإعادة أنقاض القسم التي قدمها آل سلامة إليهم دون أن يطلبوها ومن المتحمل أنهم لا يعرفون عنها شيئًا لأن آباءهم هم الذين قدموا تلك المواد قبل مدة طويلة، وقد نفذ الشيخ عمر حكمه برد المواد إلى آل سلامة (١).
القاضي والخصماء:
كان وقت القاضي في بريدة مزحومًا بالأعمال القضائية والتدريس في الجامع وخرج الشيخ عمر بن محمد بن سليم قاضي بريدة بعد العشاء الأخير