وعلى الشيخ عبد العزيز العبادي، وقد حفظ القرآن في وقت مُبّكِّر وكان من أحسن من سمعت قراءة وحفظًا للقرآن، وكان شيخه وعمه الشيخ عمر يخلفه للصلاة إذا غاب، وكان ﵀ من علماء النحو والفرائض، إضافة إلى علمه في سائر العلوم الأخرى، عين سنة ١٣٦٧ هـ مدرسًا لمدرسة الفيصلية حتى توفي ﵀ وهو على رأس العمل سنة ١٣٦٨ هـ (١).
ومن متأخري أسرة آل سليم:
محمد بن سليمان السليم ويعرف بلقب (أبو سليمان) تميزًا له عن ابن عمه محمد بن سليمان بن الشيخ محمد بن عمر السليم، عينه الشيخ صالح العمري معتمد المعارف بالقصيم مساعدًا لمدير المدرسة المنصورية التي أنا مديرها، وبقي فيها حتى تركتها إلى إدارة المعهد العلمي.
فعين (أبو سليمان) مديرًا لها أي للمدرسة المنصورية بعد ذلك ترجم له الأستاذ محمد بن عثمان القاضي في الجزء الثالث من كتابه (روضة الناظرين).
ومن صغار آل سليم في السن الشيخ عبد الله بن الشيخ القاضي عمر بن محمد بن سليم، نشأ في كنف والده نشأة دينية وهو أحد ابنين خلفهما الشيخ عمر ولم يخلف من الذكور غيرهما وهما عبد الله هذا وأخواله من حرب أهل الفوارة، وإبراهيم أخواله آل مشيقح.
تولى عبد الله هذا عدة مناصب مهمة منها: (مندوب رئاسة مدارس البنات في القصيم).
وهو جرئ يكاتب الملوك والوزراء والأمراء، ويتلقى منهم أجوبة لرسائله.
ورأيت بخطه ترجمة له وأتبع ذلك باقتراحات لإصلاح مدينة بريدة وما حولها أكثرها صار منفذًا الآن، وهذا ما كتبه عن نفسه بخطه:
стр. 4867
فقال:
أنا عبد الله بن الشيخ عمر بن محمد بن سليم:
أول وظيفة حكومية التحقت بها مرشد دين لهيئات نجد تابعة لهيئات القصيم أي الوظيفة يوم ١/ ٨/ ٨١ هـ واستقلت منها في ١٥/ ٧/ ٨٣ هـ للالتحاق برئاسة تعليم البنات لا أحمل أي مؤهل دراسي سوى شهادة المعهد العلمي التمهيدية التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام ١٣٧٥ هـ ويشرفني أنها بتوقيع صاحب السماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀، ومن معهد بريدة العلمي التابع لجامعة الإمام، وكل وظائفي بترشيح شخصي من ولاة الأمور ومن العلماء أساسًا.
الحياة الدراسية: خرجت من المعهد العلمي وتفرغت لطلب العلم على أصحاب السماحة والفضيلة كبار العلماء في الشريعة وعلى رأسهم سماحة شيخي العلامة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد رئيس مجلس القضاء الأعلى ورئيس المجمع الفقهي ورئيس الإشراف على المسجد الحرام سابقًا وفضيلة الشيخ صالح بن أحمد الخريصي رئيس محاكم القصيم سابقًا وأخذت عن الشيخ صاحب الفضيلة صالح بن إبراهيم البليهي والشيخ محمد بن عبد الله بن سبيل والشيخ عبد الله بن عبد العزيز الخضيري وهؤلاء شيوخي في المعهد العلمي وفي المساجد ما يسمى رئيس فمن غيره زملاء الدراسة كثير، فعلى المشائخ والعلماء فضيلة الشيخ علي الإبراهيم المشيقح والشيخ عبد الله السليمان الحميد القاضي السابق، فضيلة الشيخ علي بن سالم المحمد مساعد رئيس محاكم القصيم السابق ﵀، وفضيلة الشيخ ناصر المحمد الهويمل قاض سابق وهؤلاء أشهرهم وإلا فالزملاء كثير، وقد أدركت هؤلاء وغيرهم في حلقات سماحة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد رئيس مجلس القضاء الأعلى ﵀ وأنا شاب وهم من كبار الطلبة سنًّا وعلمًا.
стр. 4868
الوظائف: عدة وظائف أول وظيفة: مرشد في وقتها وإلى الآن لهيئات القصيم في هيئات نجد مرشد ديني.
الثانية مندوب تعليم البنات ببريدة من ١٨/ ٧/ ١٣٨٣ هـ إلى ١/ ٤/ ٨٩ هـ حيث استقلت وافتتحت مؤسسات تجارية خاصة ومكتب للاستشارات الشرعية والإدارية وناجح ولله الحمد وكل أعمالي صلح لا خصومة فيها إلا في النادر من القضايا الشائكة التي لا يقنع المدعي فيها وهي قليلة ولله الحمد، لأن غالب الخصومات بين أقارب فنحاول إنهاءها بالتي هي أحسن.
وهذه طريقة مشايخ وعلماء آل سليم ﵏ وإن لم أكن مثلهم فهم يحرصون على الصلح وقد تولوا القضاء في القصيم أواخر القرن الثاني عشر وإلى عام ١٣٦٢ هـ آخر كبارهم سماحة والدي الشيخ عمر بن سليم ﵀ والذي يعد بحق من كبار علماء المملكة في زمنه، وكان مرجعًا للحكومة والمواطن في كبار المسائل ومفصلًا لها.
والمدارس القديمة يجب منعها بتاتًا من مزاولة الأعمال وإغلاق المدرسة الأهلية التي تجتمع بها لعدم نفعها وعدم توفر الوسائل الصحية والاجتماعية والثقافية فيها لأنها عبارة عن كُتَّاب صغير - مظلم - يعلم فيه أناس من أنصاف المتعلمين الذين هم بحاجة إلى العلم - وفاقد الشيء لا يعطيه - كما يجب الاستعاضة عن هؤلاء بلجنة يمكن تكوينها من رئيس الهيئات الدينية - ومدير الشرطة - ومندوب عن الإدارة وسدًا لاحتجاج المشايخ يضاف إليها أحد من طلبة العلم المستنيرين الذين جمعوا بين الثقافة الدينية والاجتماعية الحديثة، لكي يعالجوا المشاكل على ضوء الدين الإسلامي الصحيح ويستفيدوا من علم الاجتماع كعلاج نفسي.
ولقد ذكرت ذلك لسماحة الرئيس العالم للهيئات الدينية فذكر بان هذه تحتاج إلى سيارات ومراكز - ورأيي العكس فبإمكان اللجنة الاجتماع بمقر
стр. 4869
الإمارة أو الهيئات الدينية واستعمال أحد سيارات الإمارة والهيئات الدينية وعمل خارج الدوام كل مصلحة تحسبه علي بنود ميزانيتها.
تعيين حاكم إداري من الأسرة المالكة وتسمية المنطقة بمنطقة القصيم وضم بريدة وعنيزة والرس والبدائع والخبراء ورياض الخبراء والبكيرية - وجميع قرى ومدن القصيم إلى هذا الحاكم خصوصًا بعد أن تم ربط هذه القرى والمدن بالتلفونات وطرق الإسفلت والخطوط الزراعية: حيث إن كل دائرة الآن لها مرجعها الرئيسي بالرياض مما حمَّل ميزانية الدولة بنودًا باهظة لاستئجار كل دائرة فرعًا في كل بلد وقرية فمثلًا رئاسة مدارس البنات لها من الفروع مندوبين ببريدة ومثلها في الرس ومثلها في عنيزة، ومثلها في البدائع ومثلها - في رياض الخبراء ومثلها في الخبراء والكل يراجع الرياض والاختصاصات تتداخل والأوامر تتضارب مع أني أعلم أن الإصلاح الإداري قد درس هذا ولكن القصيم يحتاج إلى التنفيذ السريع العاجل جدا لظروفه الاجتماعية والقضاء على التفرقة بين بلاد تدين بدين واحد وتحكم بالقرآن والسنة وتشملها منطقة واحدة - فلو لم يكن في ذلك إلا توحيد القلوب وربطها ببعض لكفى ذلك.
تشكيل مجلس بلدي إداري يضم جميع مناطق القصيم (بريدة - عنيزة الرس - الخ) ويكون عقده دوريًا يسمى بالمجلس البلدي للقصيم فيعقد في عنيزة جلسة وفي بريدة أخرى وفي الرس ثالثة الخ - ليتعاون مع البلديات وليخدم المنطقة وليقضي على المرافعات واتصالات كل شخص وفرد بالمصالح القادمة فكل يبرق باسم الأعيان وباسم البلاد، وقد لا يكون في مستوى الإبراق أو معرفة ما يجب الإبراق به من عدمه - أو المناسبات من عدمها - ولا يتم ذلك إلا بعد تعيين رئيس عام البلديات القصيم - على جانب من الثقافة والإخلاص والعلم والعمل - ليقوم بهذه الأعباء طبق النظم المالية والإدارية والفنية.
تعميد رؤساء المحاكم وخصوصًا فضيلة شيخي الشيخ صالح الخريصي بعدم التدخل في شئون البلاد التي لا صلة للأحكام الشرعية بها كفرضه مثلًا
стр. 4870
منع الميكرفون في جامعه - وفي مسجد العيد حيث يخرج المصلون دون أن يعرفوا أي شيء من الخطبة مع أنه يكلم في التلفون والتفريق بين متماثلين غير سائغ شرعًا - وكمنعه لمن سأله عن إدخال كريماته بمدارس البنات بأن المدارس غير صالحة - الخ.
من أهم الأمور وأضمنها لتقدم المنطقة والتي لا تتحمل التأخير وجوب افتتاح فرع لوزارة الإعلام بالقصيم خصوصًا بعد انتهاء مبنى التلفزيون مع أني على أتم استعداد لإدارة هذا الفرع وخدمته بأي مقابل.
مدارس البنات سارت وأصبحت أربعة عشر مدرسة وثلاثة معاهد للمعلمات وأقبل المعارضون عليها فأحب أن أقوم بخدمة الإعلام بنفس الدور الذي قمت به لمدارس البنات وليس معنى ذلك ترك مساعدة المدارس، بالعكس، بل سوف أبذل ما أستطيعه لجميع ما يخدم الصالح العام الذي تسعى إليه الحكومة، أيدها الله - تحت توجيهات الفيصل الباني المحبوب.
السيول ومشاكلها وحلولها - وأسبابها:
من أهم أسباب مشاكل الهدم في القصيم تهاون المسئولين في وزارة الزراعة بالقصيم والبلدية في بريدة في موضوع ترك الحبل على الغارب لمن يريد أن يحفر متى شاء وكيف شاء ولو كان لي من الأمر شيء لحاكمت كل من أعطى أو سعي في إعطاء فسوح للحفر بعد الأمر بمنعه - وترك الآبار التي لم تزرع أو لم يزرع إلا جزء من أرضها تذهب فيها المياه بدون مبرر ولا رادع ولا زاجر - وكذلك قيام بعض المواطنين بسد أوجه السيل ومسائله بمبان أو أتربة حفاظًا على بيوتهم الخاصة مع عدم النظر إلى العامة والفقراء والمعوزين - وأرى أن حل هذه المشاكل يتكون في التالي:
- الاستعانة بآراء الشيوخ القدماء بمعرفة مسايل البلد وفتحها فورًا للأمطار - على طبيعتها السابقة.
стр. 4871
- وضع عدادات على البيوت لمنع المبالغة في استعمال المياه ... وللوضوء بشكل غير معقول - ووضع رسم ولو رمزي .. انتهى.
وكتب أمير منطقة القصيم سعود بن هذلول إلى الرئيس العام لمدارس البنات الشيخ ناصر بن حمد الراشد رسالة يزكي الشيخ عبد الله بن الشيخ عمر بن سليم ويثني على عمله، ويقترح ترقيته إلى وظيفة مناسبة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صاحب السماحة الشيخ ناصر بن حمد الراشد الرئيس العام لمدارس البنات - المحترم
بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته -.
وبعد: نظرًا لما قام الأستاذ عبد الله بن الشيخ عمر بن سليم مندوبكم في المنطقة من جهود لا تخفى على أحد من صيانة المدرسة وخدمتها ولرفع شأنها والدعاية الحسنة لها مع ما أوتي من حكمة بإرضاء الجميع المعارض والموافق مع عدم وجود أي معارض الآن ولله الحمد، ولما بلغنا من أنه سينقل إلى جهة ما فإنا نعارض هذا النقل ونرجو سماحتكم معارضته وإن كان قصد الجهة الناقلة له الترفيع، الترفيع له مأديًا فإنا نعرف أنه لا تهمه المادة بجانب خدمة الوطن، علمًا أن سماحتكم لديكم الوظائف الكثيرة وبإمكانكم تشجيعًا له إعطائه المرتبة العالية وهو في منطقته وهي وإن كانت الآن لا يوجد فيها إلا مدرسة واحدة فهي لها مستقبل زاهر قريب بالمدارس ونأمل منكم الاستجابة إلى ... ونكتب لكم باسمي وباسم أهالي المنطقة والله يحفظكم ويرعاكم.
أمير مقاطعة القصيم
سعود بن هذلول
١٣/ ٨/ ٨٤ هـ
стр. 4872
وهذه نماذج لما تلقاه الشيخ عبد الله بن الشيخ عمر بن محمد بن سليم من الملوك والوزراء على بعض الأمور التي بحثها، أو إجابة على رسائله إليهم.
ومنها واحدة من الملك فيصل وأخرى من الأمير سلطان بن عبد العزيز وزير الدفاع والطيران، ورسائل من: وزير الإعلام السابق محمد عبده يماني، ومن وزير الإعلام الذي بعده جميل الحجيلان، ومن الرئيس العام للهيئات الدينية الشيخ عمر بن حسن ومن وزير المالية والاقتصاد الوطني محمد أبا الخيل، ومن وزير الصحة حسن بن عبد الله آل الشيخ، ومن وزير الحج والأوقاف حسن بن محمد كتبي.
стр. 4873
أما الرسائل التي كتبها للملوك وكبار رجال الدولة فإن منها هذه التي أرسلها للملك فهد بن عبد العزيز آل سعود عندما كان وزيرًا في ذلك الوقت يدعوه فيها لزيارة القصيم، وأخرى للأمير سلطان بن عبد العزيز وزير الدفاع والطيران.
стр. 4874
ومن متاخري آل سليم (صالح بن محمد بن صالح السليم) وهو من رجال الأعمال التجارية الناجحة يملك عقارات من الأراضي والبيوت ويتاجر بها.
стр. 4875
كما أن له مشروعات زراعية وإنتاجية عديدة.
ومن أهم ذلك كونه عضوًا مؤسسًا في (شركة أسمنت القصيم).
توفي صالح بن الشيخ محمد بن صالح السليم يوم الثلاثاء ١١/ ١/ ١٤٢٨ هـ عن ثلاثة وثلاثين ولدًا هم اثنا عشر ابنًا، وواحدة وعشرون بنتًا.
وقد رثته الجرائد بصفحات كاملة وعزت فيها أسرته ﵀.
السِّلِيم:
على لفظ سابقه.
أسرة أخرى صغيرة لا تمت بصلة النسب إلى الأسرة السابقة.
هؤلاء من أهل بريدة جاءوا إليها من الحمر في الخُبُوب الغربية.
أكبرهم الآن عبد الكريم بن صالح بن سليم العبد الله السليم عمره في حدود ٩٧ سنة وذلك ١٣٩٧ هـ.
وجدت وثيقة قديمة متعلقة بهذه الأسرة الذين هم (السليم) أهل الحمر.
وهي وثيقة مبايعة بين عبد الكريم بن سليم راع الحُمُر (بائع) وبين الثري الشهير في وقته مسعود بن محمد من أهل المريدسية (مشتر).
والمبيع: صيبته أي نصيبه من قليب، دولان المعروفة في بلد الجرية والجرية خب من خبوب بريدة الغربية الشمالية، وليس بلدًا، وقد سمي الجرية من الجريان لأنه كان فيه عين تجري بالماء.
والثمن: أربعة أريل وأربعة أرباع قرش، وأربعة أرباع القرش تساوي ثلث الريال الفرانسه.
والمبيع المذكور على نصف القليب يعني أن نصيب البائع وهو ابن سليم
стр. 4876
هو نصف القليب المذكورة، وكذلك نصف ما يتبع القليب المذكورة وقد عبرت الوثيقة بأنه نصف ما تستحق القليب من أرض وأثل وحي وميت.
والشاهد على ذلك علي السعوي.
والكاتب سليمان السعوي.
والتاريخ ذو القعدة عام ١٢٩١ هـ.
هكذا كتابتها واضحة، والذي أعرفه أن المشتري والشاهدين كلهم عاشوا في النصف من القرن الثالث عشر وخلفوا وثائق في ذلك التاريخ وما قبله، ولذا أرى تاريخ الوثيقة الصحيح هو ١٢٦١ هـ. فإما أن يكون الكاتب غفل في كتابته له، أو أن يكون أحد غير ذلك لسبب من الأسباب، والله أعلم.
стр. 4877
السْلَيِّم:
على لفظ تصغير سليمان في لغتهم العامية وهي بإسكان السين وفتح اللام ثم ياء مشددة مكسورة فميم.
أسرة صغيرة من أهل بريدة يرجع نسبها إلى بني عليان حكام بريدة السابقين.
منهم محمد بن سلَيِّم له قصيدة طنانة:
قل هيه يا أهل ناسفات المواطي ... من نسل ريمه ما خلطهن خَلَّاط (١)
فج النحور مقولمات نْشاطِ ... شيب الغوارب ضمّرٍ فجَّ الأباط
ترَيِّضوا لي لين أجمِّع قشاطي ... بس الدواة وكاغدٍ بيد خطاطِ
من سوق ثامر ثامن ملفيات ... سيح اللوي أو صافهن مثل الأسواط
ملفاهن من يملا وسبع البواطي ... لي كثَّروا حَزَّارة الزاد الأصباطِ (٢)
قل يا أبو محمد غربتي واختباطي ... عن عازةٍ توزي إلى بيت قرباطِ (٣)
إلى ذكرتك كنّ قلبي يماط ... والَّا فيضرب بسرة القلب مخباطِ
على عيوني مِنْ فراقه غطاطِ ... ودواي منها ريح جيبة إلى عاطِ
دموع عيني من نظيري بطاط ... والبيض قبلي عَدَّبَنْ بن راعي الغاطِ
يا سايلٍ عني فانا بانبساط ... في شط بغداد علي زلِّ وبْساط
لي خل يوم فيه مثل الشواطِ ... ملبوسنا الماهود هو والزقلَّاط
مقابلٍ غيدٍ علي جال شاطي ... متذريات عن هوا القيظ وشباط
لي عاد ما لي من تمرهن بطاط ... عسي يهب لهن من الهيف سمَّاط
ولهذه القصيدة قصة ذكرها لي حمد بن فهد الصقعبي وملخصها أن ابن سليِّم هذا كان يداينه شخص من أسرة معروفة وكان يلقب (قرباط).
стр. 4878
فكان يضايق ابن سلِّيم، ويزيد في دينه عن السعر المعتاد عند سائر الناس، ومرة أتى الدائن إليه في بيته وأخذ معاميله وهي أباريق القهوة (الدلال) وتركه من دون معاميل، ولما تأفف ابن سليم من ذلك قال له الدائن: أنت نسيت إنك عندك لي دراهم، ولا عطيتني إياها، والله إني في المرة الثانية لأخذ مواعين بيتك اللي تطبخ بهن عشاك.
لذا لم يجد ابن سليِّم إلا الهروب إلى العراق، طلبًا للتخلص من دائنه الذي يسميه (قرباط) ونظم هذه القصيدة السائرة.
ثم قرأت هذه القصيدة بلفظ آخر من خط محمد الحمد العمري وقدم لها بما يلي:
مما قال ابن سلِّيم راعي بريدة يشكي على عبد العزيز المحمد آل أبو عليان ويتوجد على بلده بريدة وعلى زوجته بنت صالح الحسين أبا الخيل أخت مهنا الصالح توفي بعد عبد العزيز المحمد أبو عليان:
قل هيه يا هل ناحلات المواطي ... من نسل ريمه ما خلطهن خلاط
بتر الفخوذ مقولمات المواطي ... حراير وان شفتهن فج الآباط
لهن إلى طاب الربيع اختباطِ ... امربعات بين ابانات والغاط
تريضوا لي لين أولم (قشاطي) ... حبر الدواة، وكاغد بيد خطاط
ملفاك من ياهل وسيع البواطي ... وان كثروا حرازة الزاد الاصباط
قل يا أبو محمد غربتي وانغطاطي ... من حاجه حدّت إلى بيت قرباط
عفت الوطن من فشلتي واختباطي ... بالعون شفيت الجفا والتخرباط
وإن سلت عن حالي فأنا في انبساطي ... في وسط بغداد على زل وبساط
ومقابل غين على جال شاطي ... متذريات عن هوا الهيف واشباط
وان جا نهار فيه مثل الشواطي ... ملبوسنا الماهود هو والزقلاط
لا شك جرح بالحشا ما يخاطِ ... على عشير يجدل الرأس بمشاط
إلى ذكرته كن قلبي ايماطي ... او يضربن من بين الأضلاع مخباط
стр. 4879
على عيوني من فراقه غطاطِ ... ودوا عيوني ريح جيبه إلى عاط
نقي عرض ماضرى للضباط ... والبيض قلبي عذبن راعي الغاط
ترعى بضف أهل المهار العلاطِ ... اولاد صقر معطرة كل خرباط
ولا عليهن كود ربع صواطِ ... شروى النعام أمناهن السير واعلاط
عقب أربع من سوق ثامر ضباط ... هفت على واد اللوا كنّه اسواط
من عقب ذا تبدي فروع الحياطِ ... هلن وانحدرن على الهيم ضباط
مربي عشيري دايمٍ ما يهاطِ ... دونه حراريس كثير وضبَّاط
وفي ظني أنها أكثر من هذا، ولكن أفسدها الرواة.
سليمة:
هذا اسم امرأة من أهل بريدة منسوبة إلى (سليم) بكسر السين واللام، أو إلى السِّليم، ولم أتحقق من نسبتها ولكنها كانت معروفة مشهورة ورد ذكرها في أشعار عامية، وقد عاشت في أول القرن الرابع عشر الهجري، ولها قصة وذلك أن استاد البناء بمعنى المعلِّم فيه (عويدات المرداسي) كانت معه عاملة أي جماعة من العمال يلازمونه يعملون كما هي عادة (الستودية) أن يكون معهم عمال قد اختاروهم لمساعدتهم.
وكانوا يبنون عند رجل ثري من أهل شمال بريدة اسمه على وزن (الفعلي) بفتح الفاء وإسكان العين، فكان لا يتأنق لهم في صنع الطعام ولا يقدم لهم الجيد منه، فالتمر الذي يقدمه لهم في الغدا هو (حويل) أي من تمر العام الماضي والعشاء يصنع لهم جريشًا بدون إدام لأنه ثري كثير العمل في بنيان البيوت.
ومرة كانت (سليمة) هذه المرأة المشهورة بهذا الاسم احتاجت إلى أن تبني لها (روشنا) وهو الغرفة في الطابق الثاني من البيت الطيني، فاشتغل عندها (الستاد) عويدات وعماله، فأعدت لهم الغداء تمرًا جيدًا ومراصيع
стр. 4880
(مرقولة) أي مخلوطة بزبد ودبس، فلما رأوا ذلك منها قال الستاد (عويدات) وهو شاعر مشهور بالشعر لأصحابه من العمال: شيلوا بعدي تغنوا بما أنا ناظمه من الشعر:
عساك يا (الفعلي) فدايا (سليمه) ... اللي تحطِّ من المراصيع يسواك
ليته الرَّجل وأنت المره - يا الصتيمة ... حيث المراجل ما هي لمك ولا إيَّاك
فأخذوا يتغنون بذلك، وكان من عادة العمال أن يستعينوا بذلك على العمل، حتى كثر طلبة العلم الورعون الذي صاروا ينهونهم عن الغناء، ويأمرونهم بذكر الله بدلًا منه.
وفيما يتعلق بسليمة هذه أيضًا سمعت والدي يقول لإحدى نسائه: لا تعودين على شرب القهوة تصيرين مثل (سليمة).
كان الناس في ذلك الوقت لا يسيغون للمرأة الشابة أن تشرب القهوة.
وقد ذكر والدي قصة (سليمة) وهي من أهل بريدة كانت اعتادت على شرب القهوة تصنعها في بيتها وتشربها مع صديقاتها، ومرة كان نفد ما عندها من القهوة، ولم تجد حيلة في الحصول على شيء منها، إما لشح النقود أو لغير ذلك.
فشمت رائحة قهوة تحمس، وكانت رائحتها نفاذة فأسرعت إلى بيتها، واستبدلت ملابسها النسائية بثوب رجل وشماغه وتلثمت بالشماغ، فصار لا يشك أحد في أنها رجل.
وكانت العادة عندهم أن الرجل إذا عمل القهوة وفتح بابه دخل من يريد شرب القهوة فشرب منها ثم خرج.
دخلت سليمة إلى ذلك الباب المفتوح الذي تفوح من داخله رائحة القهوة العطرة، وسلمت بصوت منخفض فيه شيء من الخشونة التي تعمدتها.
стр. 4881
وأسرعت تشرب فنجان القهوة بعده شربت فنجانًا آخر بسرعة فائقة وثالثًا مثله، فمال رأسها كالذي أصابه النوم، كما هي عادة من يكون اعتاد شرب القهوة والدخان فانقطع عنه ثم وجده فأسرع يكثر منه.
قال: ولما مال رأسها انكشفت ذوائبها وشعرت بذلك فانكفأت إلى بيتها خجلي.
كما جاء ذكر (سليمة) هذه في وثيقة طرفها الشيخ القاضي الورع عمر بن محمد بن سليم قاضي بريدة وما يتبعها من القصيم، وذلك في سياق شراء بيت لأبو شليل الذي يرجع نسبه إلى (السالم) الأسرة الكبيرة القديمة السكني في بريدة، فذكرت الوثيقة أنه يحده من جنوب (بيت سليمة) هكذا من دون ذكر اسم والدها وأسرتها لأنها اشتهرت باسمها فقط.
والوثيقة مؤرخة في ٢٨ محرم من عام ١٣٥٣ هـ بخط عبد العزيز الصالح بن سليم.
وقد نقلتها في رسم (أبو شليل) من حرف الألف.
السِّلِيمي:
بكسر السين واللام والميم بعدها ثم ياء نسبة، على لفظ النسبة إلى سليم - بكسر السين أو السِّليم.
أسرة صغيرة من أهل بريدة كان لهم بيت في جنوب بريدة غربًا من مسجد عودة الرديني الذي صار يعرف الآن بمسجد الحميدي نسبة إلى إمامه (محمد بن صالح المطوع) ولا تعرف منهم أحدًا الآن.
وهذا لا يمنع من كون أحد منهم يوجد الآن في بريدة أو خارجها، لم نعرفه كما هو ظاهر، لاسيما أنني وقفت على وثيقة مهمة بالنسبة إلى هذه الأسرة كتبت في عام ١٣٤٤ هـ بخط الشيخ عثمان بن الشيخ الشهير صالح
стр. 4882
بن عثمان القاضي، وتنص على أن منيرة بنت محمد السليمي قد أوقفت بيتها الكائن في حارة الجنوب من بريدة، وعبرت الوثيقة عن ذلك بأنه في حارة الجنوب من خطة بريدة، وهذا تعبير بالمعنى، وإلا فإنه لا يوجد له مسمي فلا يوجد في بريدة اسم بلفظ حارة الجنوب، ولا مسمى بلفظ (خطة بريدة).
ثم ذكرت حدود البيت الموقوف، وذكرت أن ثواب ذلك لجدها من قبل أمها سليمان الجمهور، إلى أن قالت:
والوكيل - أي الوصي على ذلك ابن أختها حوشان آل حمود الفحيل، وقد عرفت حوشان المذكور، بل كان صديقًا رغم كونه من الجيل الذي قبل الذي قبلنا، ثم ذكرت الوثيقة أن الواقفة، وهي منيرة بنت محمد السليمي قد أوقفت بيتها الثاني الكائن في جنوب البيت المذكور أي في جنوب بريدة.
والشاهد على ذلك سليمان الحماد الشبيلي، والكاتب الشيخ عثمان بن صالح آل عثمان القاضي، وهما من أهل عنيزة حيث تقيم الواقفة التي ربما كانت قد تزوجت في عنيزة.
وطالما حدثني الشيخ حوشان الحمود عن ذهابه إلى خالته في عنيزة وهي منيرة هذه.
والتاريخ ٢٩ جمادي الثاني من عام ١٣٤٤ هـ.
وهذه صورة الوثيقة:
стр. 4883
السْمَاعيل:
من أهل الصباخ، ينتهي نسبهم إلى الدعوم.
أبناء عم للنصار (الدعمي) والأفندي، منسوبون إلى إسماعيل بن علي الغانم، إذ كان يقال لهم قبل ذلك الغانم.
وكان لجدهم علي الغانم ثلاثة أبناء: إسماعيل ونصار ومحمد، فصار إسماعيل جد السماعيل، وصار نصار جد النصار - أهل واسط - ومحمد جد الأفندي.
والنصار والأفندي مع السماعيل يجتمعون في علي آل غانم الذي عاش في أخر القرن الثاني عشر.
منهم محمد بن عبد الله السماعيل تولى القضاء في (أبها) وتوفي فيها.
قرأ على المشايخ آل سليم في بريدة ثم سافر إلى الرياض لطلب العلم.
ومنهم ابنه عبد العزيز بن محمد بن عبد الله ابن جد الأسرة، وهو الذي عرفناه قادمًا من الهند في عام ١٣٦٤ هـ وقد عاد إلى الهند وتوفي فيها عام ١٣٩٣ هـ.
ومنهم سليمان بن محمد بن عبد الله السماعيل رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الغاط انتقل إلى بريدة مدرسًا في مدرسة تحفيظ القرآن الكريم في بريدة وتوفي فيها ﵀.
أما الشيخ سليمان بن محمد السماعيل فقد كان سافر إلى الخليج والهند وكتب رسالة صغيرة مطبوعة في العقيدة السلفية، وصلت إلينا ونحن صغار نطلب العلم ففرحنا بها لأنها ذات اتجاه سلفي سليم، وكانت في وقت قل فيه تأليف الرسائل وطبعها.
ثم حضر الرجل إلينا في بريدة فدارسناه وجالسناه فوجدناه يعمل بالتجارة إلا أنه لم ينس الدفاع عن العقيدة السلفية، وذلك في حدود ١٣٦٥ هـ، ثم سافر من عندنا إلى الهند وانقطعت أخباره.
стр. 4884
وقد صاهرهم شيخنا عبد الله بن محمد بن حميد إذ تزوج أكبر أبنائه وهو محمد بنتًا لأحدهم.
ومنهم الأستاذ إبراهيم بن عبد العزيز بن إسماعيل السماعيل (أبو صالح):
ترجم له الأستاذ عبد الله المرزوق، فقال:
ولد الأستاذ إبراهيم السماعيل في مدينة بريدة عام ثمانية وخمسين وثلاثمائة وألف للهجرة، ودرس المرحلة الابتدائية في مدرسة المنصورية ببريدة، وتخرج منها عام ١٣٧٣ هـ، ثم التحق بمعهد بريدة العلمي، فأنهى فيه المرحلة المتوسطة عام ١٣٧٦ هـ، ثم أنهى فيه المرحلة الثانوية عام ١٣٧٩ هـ، وبعد ذلك التحق بكلية الشريعة في الرياض، وحصل منها على الشهادة الجامعية عام ١٣٨٤/ ١٣٨٥ هـ.
ابتدأ الأستاذ إبراهيم حياته العملية في ٢/ ٦/ ١٣٨٥ هـ مدرسًا في متوسطة وثانوية الرس، واستمر فيها حتى عام ١٣٨٨ هـ، وبعد ذلك انتقل إلى متوسطة أبي عبيدة ببريدة فدرّس فيها عام ١٣٨٨ هـ، ١٣٨٩ هـ، ثم رشح ليعمل وكيلًا لمتوسطة أبي عبيدة ببريدة، فقام بهذا العمل عامي ١٣٨٩ هـ، ١٣٩٠ هـ، وفي عام ١٣٩١ هـ كلف بإدارة المدرسة.
وقد باشر عمله موجهًا (مشرفًا) تربويًا في قسم تعليم الكبار في إدارة تعليم القصيم (الإدارة العامة حاليًا) في ٢/ ٧/ ١٤١٣ هـ وقد استمر في هذا العمل حتى أحيل على التقاعد في (١/ ٥/ ١٤١٩ هـ) (١).
ومنهم محمد بن عبد الله بن عبد العزيز السماعيل:
ترجم له الأستاذ عبد الله المرزوق بقوله:
стр. 4885
ولد الأستاذ محمد السماعيل في مدينة بريدة عام خمسة وثمانين وثلاثمائة وألف للهجرة، ودرس المرحلة الابتدائية في مدرسة فيحان ببريدة (مدرسة كعب بن زهير حاليًا) وتخرج منها عام ١٣٩٧ هـ.
انتقل إلى معهد بريدة العلمي فدرس فيه المرحلة الثانوية، وحصل منه على الشهادة الثانوية عام ١٤٠٤ هـ، وبعد ذلك درس في كلية الشرعية بفرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في القصيم، وحصل على الشهادة الجامعية عام ١٤٠٨ هـ.
ابتدأ الأستاذ محمد حياته العملية عام ١٤٠٩ هـ معلمًا في مدرسة الحيسونية الابتدائية، وقد بقي فيها مدة شهرين، نقل بعدهما إلى مدرسة المليدا الابتدائية، حيث درس فيها من عام ١٤٠٩ هـ حتى عام ١٤١١ هـ.
وبعد ذلك انتقل إلى مدرسة مصعب بن عمير الابتدائية ببريدة، فدرس فيها من عام ١٤١٣ هـ حتى عام ١٤١٦ هـ.
ومن عام ١٤١٦ هـ كان يدرِّس في مدرسة أحد الابتدائية، وقد بقي في هذه المدرسة حتى عام ١٤٢٠ هـ وهو العام الذي رشح فيه للإشراف التربوي.
حضر الأستاذ محمد السماعيل دورة النشاط الثقافي في معهد النور في بريدة عام ١٤١٧ هـ، ودورة المشرفين الجدد في مركز التدريب التربوي ببريدة عام ١٤٢٠ هـ (١).
стр. 4886
السَّمْحَان:
من السماحة، من أهل بريدة وكانوا قبل ذلك في بلدة الشماس القديمة.
وأصل مجيئهم إلى بريدة من الزلفي و (ثرمداء) في الوشم.
منهم سليمان بن عبد الرحمن السمحان كان من تجار عقيل الذي يتأجرون بالمواشي بين القصيم وبين الشام ومصر.
مات قتيلًا دون ماله قتله أعراب من الحويطات عام ١٣٤٤ هـ.
له شعر عامي أنشدني منه ابنه حمد قوله في مدينة بلبيس في مصر:
يا ونتي ونة الفاطر ... اللي ببلبيس مجلوبه
ما لمتها دمعها قاطر ... يوم الجزازير ضكوا بَهْ
العْكَرته موسهم شاطر ... العكرته كيف قالوا به
وهذه تحتاج إلى شرح فقوله في البيت الأول: يا ونتي: أصلها يا أنتي بمعنى أن أنيني كأنين الفاطر الخ والمراد بالأنين أو الونين هنا الحسرة والعذاب، وأنين الفاطر على المجاز.
والفاطر: الناقة المسنة، إذ الناقة إذا كبر سنها ذبحوها وأكلوها، وهنا ذكر أن (الجزازير) - جمع جزار ضكوا بَهْ: أي أحاطوا بها ليذبحوها.
و(العكرته): جمع عكروت وهي كلمة دخيلة أصلها وصف الشخص الردئ الفعل والسيرة، جمع عكروت وقد ذكرت هذه اللفظة في كتاب: (معجم الكلمات الدخيلة في لغتنا الدارجة) وهو كتاب مطبوع.
وقالوا بَه: قالوا بها، ومعنى ذلك أنهم نحروها بسرعة، وجملة (قالوا به) عربية أصيلة ذكرتها مع ذكر أصولها في معجم: (الأصول الفصيحة للألفاظ الدارجة).
стр. 4887
وبلبيس المذكورة في الشعر هي بلدة (بلبيس) الواقعة في مصر على حدود الريف من الصحراء ويرتادها تجار المواشي من أهل نجد لهذا السبب.
وقال سليمان بن عبد الرحمن السمحان أيضًا في إيل اشتراها من منصور بن سليمان الجربوع فخسر بها فقال وهو في الشام:
يا أبو سليمان ساعِدنا ... كثرت علينا الخسارات
نبي ندوِّر حبايبنا ... بديار نجد العذيات
ابن مساعدٍ (١) مْعَرِّبنا ... راع الصخا والمروَّات
يا حلو صفة ركايبنا ... مع كل ريع مويقات
العام هذي منازلنا ... واليوم يم الحويطات
قال هذه الأبيات ولم يعرف بطبيعة الحال أن منيته ستكون على أيدي أناس من (الحويطات) في ديارهم تلك البعيدة عن نجد.
وقد أعطاني حفيده الشاعر إبراهيم بن حمد السمحان ترجمة له مفيدة، قال:
سليمان بن عبد الرحمن بن سليمان السمحان، ولد في عام ١٣٠٦ هـ، وتوفي قتيلًا في جهة الشام عام ١٣٣٣ هـ (٢).
نبذة عن حياته وشيء من شعره:
هو سليمان بن عبد الرحمن السمحان، ولد في بريدة في مطلع القرن الرابع عشر الهجري، وهو أحد رجال العقيلات المعروفين، وأحد تجار الإبل، عاش معظم حياته القصيرة متنقلًا بين بلاد الشام ومصر، وما بقي منها فقضاه إما تاجرًا للإبل في سوق الإبل في بريدة أو فلاحًا في ملك أبيه في (خب البريدي).
стр. 4888
وهو شاعر دائم الترحال، لا يكاد يقر له قرار، دائم الحنين إلى موطنه، لا يكاد يغادره حتى يؤرقه البعاد مهيجًا ذكراه، باعثًا في نفسه ألوانًا شتى من الوجد والوله، وقد كون مجموعة صغيرة من الرجال تضم إخوته الثلاثة، وعددًا قليلًا من أصدقائه ساروا برحلات منفصلة في بعض الأحيان عن العقيلات، وفي إحدى هذه الرحلات وعند مشارف بلاد الشام اعترضتهم قبل استتباب الأمن في المملكة - مجموعة من قطاع الطرق - ويكون هو الوحيد الذي يرفض تسليم سلاحه، بل ويستله معتزيًا بابنه عبد الرحمن بعد أن امتطى راحلته، قائلًا (وانا أبو دحيم)! .
ولكن هؤلاء اللصوص لم يمهلوه لحظة واحدة فقتلوه واقفًا، مقبلًا غير مدبر، ﵀ رحمة واسعة.
وهكذا يسدل الستار على حياته لم يتجاوز عقده الثالث.
قال في بلدته: مدينة بريدة يخاطب سليمان الجربوع:
الديرة اللي وصفها وصف جنة ... إلى ذكرت زروعها والرمال
يحن قلبي يابن جربوع حنه ... وبالي يزين ويصبح المر حالي
ويقول في موضع آخر:
مال عن الدار يبعدنا ... عيت تساويه عبراتي
ومن شعره هذه القطعة الأدبية الفريدة التي تصور الغزل العفيف، يقول من الوزن الخفيف:
جيت بنيه عند المَيّه ... سرحانيه من السرحان
تعطي جوده من ماجوده ... حمر خدده كالرمان
стр. 4889
قلنا قوِّك قالت توك ... هذي ضوك يا بوفلان
بهْ شهامه بَهْ كرامه ... بَهْ علامه للضيفان
إبوه حر يسكن بر ... به مقر للعربان
مع دلالهْ سيحة بالهْ ... وهروجَهْ قلب الميزان
شيخ صيته لو ما جيته ... تشهد له كل البران
هذاك اللي بي يهلي ... ويطفي غلي بالخلان
وقال أيضًا في الحنين إلى الوطن، (بريدة):
قم يا القبيسي ودن اللوح ... واكتب جوابي بطلحية
من روضة الشام لام سروح ... على ذلول عمانيه
انا طعامي سماتة روح ... ياللي تمدون طرقيه
والقلب عند الغضي مشبوح ... معلق فوق عليّه
وخيلي بوسط الحشا مكبوح ... والشوق كيه علي كيّه
ومنهم محمد بن سليمان بن عبد الرحمن، وقد خلف عبد الرحمن السليمان، ويعمل مدير عام استثمارات العقارات بالتأمينات الاجتماعية بالرياض.
وأخوه (علي) ويعمل مدير مكتب وكالة الأنباء السعودية بالمملكة المتحدة لندن، ومنهم من عبد الرحمن السمحان (عبد الله) ويعمل محاضر في كلية الملك فيصل الجوية.
و(مساعد) ويعمل بالحرس الوطني برتبة ملازم، و (سليمان) ويعمل مهندسًا في مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية.
ومنهم (سليمان الحمد بن سليمان السمحان) كان يعمل مديرًا لمركز صحي حي الأمن ببريدة.
стр. 4890
ومنهم (عبد المحسن الحمد) ويعمل بإمارة منطقة القصيم رئيسًا للجنة تعديات الطرق الزراعية بالمنطقة.
قال الأستاذ إبراهيم بن حمد بن سليمان السمحان: السمحان هم أبناء عبد الله بن سليمان بن محسن بن محمد السمحان.
وقد كان جدهم محمد يسكن في وادي بطن سمحان بجوار جبل الزلفي ومعه ولديه: محسن وطلال قبل ما يزيد على مائتي عام، ولم يكن أحد ممن يسمي بهذا الاسم يسكن الزلفي آنذاك، وكانت منازلهم وأملاكهم معروفة في تلك المنطقة.
خلف محسن أربعة أولاد وهم (سمحان، صالح، متعب، سليمان).
وخلف طلال ثلاثة أولاد وهم (راشد، علي، عبيد).
نزح محسن وأخوه طلال من ثرمداء وتوجه إلى القصيم واستقر في مدينة بريدة وتزوج هناك وخلف ابنًا واحدًا هو عبد الله الذي تفرعت من نسله أسرة السمحان المقيمة في القصيم حيث خلف عبد الله ابنين اثنين هما (سليمان، محمد). انتهى.
سليمان بن عبد الله: خلف أربعة أولاد هم (عبد الرحمن، إبراهيم، صالح، عبد الله).
خلف عبد الرحمن بن سليمان أربعة أولاد هم (سليمان، علي، عبد الله، محمد).
ومنهم عبد الله بن عبد العزيز السمحان جارنا وبيته ملاصق لبيتنا في شمال بريدة القديمة، كان يغيب غيبة طويلة، مثل غيره من سائر عقيل تجار المواشي الذين يذهبون إلى الشام ومصر وكثير منهم يذهبون إلى العراق أيضا حيث يشترون المواشي من هناك، ويذهبون بها إلى الشام يتكسبون بذلك رغم خطر الأعراب واللصوص المنتهبين، ولكنهم كما قالوا في أمثالهم: (عقيل وليل، ومن جاهم ما جا أهله) لأنهم يكونون مسلحين وفي جماعات كافية للدفاع عن نفسها، وأحيانًا تكون لهم علاقة بشيوخ الأعراب الموجودين في المنطقة.
стр. 4891
من أخباره أنه كان مع جماعة قادمين من العراق إلى القصيم، فأخطأوا الماء أي أضاعوا مورد الماء وهو الآبار في الصحراء فنفد ما معهم من الماء وكان معه ابنه الوحيد (إبراهيم) وهو صغير.
فذهب رفيق لهم يبحث عن الماء وترك جماعته بدون ماء.
ولكنهم لم يجدوا الماء حدث ابن سمحان قال: أخطأنا المورد وكان الوقت في آخر الربيع، وقد يبست أرياقنا وأيقنا بالهلكة، وليس ذلك هو وحده الذي أقلقني، وإنما وجود ابني الوحيد ومن معه الذين سيموتون ظمأ أيضًا.
قال: فلم يكن أمامي إلا الدعاء والتضرع إلى الله تعالى، وقد يئست من الدنيا وأخلصت الدعاء إلى الله تعالى: ولم يكن في السماء إلا قطع صغيرة من الغيم لم تكف لتخفيف حرارة الشمس فنشأت سحابة ونحن ننظر، أنا ورفيقي الذي معي حتى صارت في نظرنا أكبر قليلًا من الشراع، ثم صارت تمطر فأسرعت أبسط ملابسنا من أجل أن تتشرب من هذه النقط من المطر حتى نعصرها ونشرب ما فيها إذا لم يواصل المطر هطوله، وإذا بالمطر يزيد حتى صار مستنقعًا في الأرض فملأنا قربنا وحملناها على البعيرين معنا وعدنا بالماء إلى أصحابنا، وأنقذهم الله بذلك من الهلاك عطشًا، وهذه القصة مشهورة متداولة بين الناس.
وقد سجل هذه الحادثة إبراهيم أبو طامي في كتابه: (نزهة النفس الأديبة (الجزء الثاني) فقال:
حياة بعد موت محقق:
قصة حصلت لجماعة من الذين يؤجرون جمالهم لحمل البضائع من وإلى الكويت والقصيم يوم كانت الجمال وسائط النقل وبعض هؤلاء الرجال ما يزال حيا يرزق، وكان هؤلاء الجماعة مسافرين من الكويت متجهين نحو القصيم في شهر آب المشهور بصيفه الشديد ومن الأسباب التي زادت في تعقيد الرحلة أن
стр. 4892
قربهم كانت جديدة لا تمسك الماء فيما أن شارفوا على إنهاء نصف الطريق إذا قربهم شبه خالية من الماء، وكان من بينهم عبد الله السمحان، وكان معه ابنه إبراهيم الموظف الآن بميناء (رأس تنورة) وكان آنذاك صغيرًا لا يتجاوز عمره الخامسة عشرة، وكان أبوه ﵀ حازمًا من رجالات الصحراء الذين هذبتهم الأسفار وعلمتهم الصحراء من طبيعتها الصبر والثبات ولكن أحيانًا (يبلغ السيل الزبى) فينفد الصبر.
وذلك حينما تحدق بالإنسان المخاطر ويخطر ببالي ذلك المثل العامي (الصيف غوال رفيقه) ومعناه الصيف يقتل صاحبه ويغدر به، وهذا ما حدث للشيخ عبد الله السمحان فلقد عرف خطورة الموقف، وكان الوحيد الذي يصحبه ابنه فطلبهم النزول فنزلوا وذهب هو ومفلح السبيعي يريدان الماء وكان السبيعي هو الآخر أحد أبطال الصحراء، فسافر الاثنان يريدان الماء في مكان يدعى (اللصافة) ولسوء الحظ ضلا الطريق وقال عبد الله السمحان اشتد بنا الظمأ وكنت أنظر إلى رفيقي الذي كان طبعًا أجلد مني فرأيته قد تغير لونه وبرزت عيناه فعرفت أنني مثله إن لم أكن أشد منه.
ومع كلامي صار لحلقي صوت من شدة الظمأ فالتجأنا إلى ظل شجرة وأخيرًا صرنا لا نستطيع الكلام اللهم إلا إشارات تدل على البؤس وخطورة الموقف، ولكن يا ليت هذا استمر لنا، فما مضت إلا لحظات حتى أصبحنا لا نقدر ولا على إطلاق إشارة واحدة ما أصعبها من لحظة ولكني لم أنس ابني الوحيد فاسفت وحزنت كل الحزن على مجيئي به في مثل هذه السن، فلن يبقى بعد وفاتي ووفاته من يذكرني وخرجت من عيني دمعتان حارتان أشد الحرارة، ولا شك أنهما تركتا في خدي أثرًا أشبه بالكي وبينا كنا جميعًا نفكر وخصوصًا أنا إذ كانت أفكاري تدور حول مصيري عندما يوارى التراب على جسمي فمن سيذكرني يا ترى؟ إذا أرحم الراحمين ينظر إلينا جميعًا بالرحمة والعطف فهبت
стр. 4893
ريح على شكل عمودي حدث هذا ونحن في منتصف النهار فتكون منها غمامة أظلتنا بظلها البارد وأخيرًا هطلت علينا أمطار على شكل المطر المألوف بل كانت تنزل على شكل خرير الأنهار فشربنا ودبت الحياة في أجسامنا وسري نسيم الأمل في قلوبنا أجل فلقد حيينا بعد موت وقمنا بتعبية القرب الثمان واسقينا راحلتينا واغتسلنا وعدنا بسرعة لنقدم الإسعافات لصحبنا ولا نكون مبالغين أن قلنا لنقدم الحياة إلى إخواننا المسافرين.
وشيء يدعو للاستغراب ذلك أن الغمامة لم تتعد بضعة أمتار فقط وحينما وصلنا إلى أصحابنا كلنا فرح وبشر حيث كنا نحمل لهم الحياة نحمل لهم الماء إذا هم قد عاشوا نفس المشكلة جملة وتفصيلًا وقد ساق الله لهم غمامة مثل الغمامة التي قد أظلتنا وروتنا فأعادت إليهم أرواحهم وأرجعت إلى بعض منهم رشدهم (١).
وقد حدثني سليمان العيد بهذه القصة بتفصيل أكثر فقال:
أخذ عبد الله السمحان إبلًا من بريدة وسافر بها إلى الكويت وحملها بضائع، ولما تعدى الرقعي قادمًا إلى بريدة فقد ناقة عليها حمل قهوة فقال للراعي إرجع ودوِّرها ربما تكون واردة على الجهراء
قال: فرجع الراعي إلى جهة الكويت وتركهم وتأخر الراعي فنفد ماؤهم وصار ابنه إبراهيم وهو صغير يبكي من العطش وهو مثله فتوجه عبد الله السمحان إلى الله بالدعاء، فأنشأ الله سحابة أمطرتهم فشرب هو وابنه وملأ القرب، ثم سقي اباعره، وكانت عطشي أيضًا.
ثم عاد الراعي بالناقة المفقودة وجدها واردة على الجهراء تبي الماء.
أقول: بالنسبة إلى (إبراهيم بن عبد الله السمحان) الذي ذكره أبو طامي كان يلعب معنا في الشارع ونحن أطفال، وكان أسن منا غير أن والده صار يأخذه
стр. 4894
معه في الأسفار على الإبل إلى العراق والكويت وغيرها طلبًا لتعليمه التعود على الأسفار والصبر على المشاق التي هي مهنة والده ومهنة خاله أخي أمه (محمد بن عبد الرحمن السمحان) الذي كان من كبار عقيل في وقته.
ومرة بينما كان إبراهيم في السفر راكبًا على بعيره برك البعير فجأة ومن دون أن يعرف أنه سيفعل ذلك وإبراهيم كان مطأطأ رأسه إما لنعاس، أو غفلة عند غزالة الشداد وهي يده الأمامية هي من الخشب واقفة وقوفًا حادًا، والعادة أن الراكب إذا أراد أن ينيخ البعير أبعد ظهره إلى الخلف قليلا لئلا يؤذيه الشداد الذي هو الرحل فكان أن ضربته الغزالة وهي القسم الأمامي من الشداد كما قدمت على صدره ضربة قوية ما لبثت أن صارت جرحًا مؤذيًا ذهب به أحد أقاربه إلى الرياض إذ لم يكن في بريدة آنذاك مستشفى وكان مستشفى الرياض في أول أمره فعالجه طبيب جراح لم ينجح في علاجه فأخذه أقاربه إلى الظهران وأدخلوه إلى مستشفى شركة أرامكو التي كانت أمريكية آنذاك بوساطة بعض الجماعة المقيمين في الدمام فعالجوه حتى عوفي، ثم عاد إلى بريدة.
وبيتهم ملاصق لبيتنا في بريدة كما قدمت، فلما عاد إلينا في بريدة لم نكد نعرفه لأن جميع مظاهر المرض قد زايلته وصار في صحة جيدة، فكان الدم يجري في وجهه ويديه فلما سألناه عن حاله، قال: كان الدكتور في مستشفى الرياض يدخن سيجارته وهو يعالجني، ويفتح الجرح للوصول إلى المادة الخبيثة في داخله، قال: وأما الدكاترة في مستشفى أرامكو في الظهران فإن الطبيب منهم إذا جاء إليَّ وبخاصة إذا اراد فتح الجرح إو إجراء العملية فيه تلثم حتى لا يصل نفسه إليَّ.
وقد تعجبنا من ذلك لأننا كنا نسمع به أول مرة.
وعلى ذكر ما قلته من أن بيت عبد الله السمحان ملاصق لبيتنا سمعت الستاد علي الحامد صديق والدي يقول له: أنت تخبر - يا أبو محمد - يوم أنا ابني لعبد الله
стр. 4895
السمحان قهوته، وقال لي ابن جدار من أرضي حتى تحط فوقه خشب سقف القهوة قال ابن حامد: فضحكت، وقلت: لا، خشبك نحطه فوق جدار جارك ناصر العبودي لأنني أعرف أنك لا تمانع وكان جدار بيتنا قائمًا قبل ذلك.
فسألني ابن سمحان بدهشة عما إذا كنت متأكدًا من أنك ستسمح له في أن يضع خشب سقف قهوته على جدارك؟
فأكدت له ذلك، ولكنه لم يقتنع حتى استأذن منك شخصيًا، فقال والدي: أذكر ذلك، وأعرف أن الرسول ﷺ قال: لا يمنعن أحدكم جاره أن يغرز خشبه في جداره.
قال: وحتى لو لم يرد أمر رسول الله ﷺ في هذا الخصوص فإنه ليس من المعقول عندي أن أمنع جاري من هذا الأمر.
أقول أنا مؤلف هذا الكتاب: إن بعض الناس يمنعون جيرانهم من أن يضعوا خشب السقوف في بيوتهم على جدرانهم لزعمهم أن الجدار إذا ثقل عليه خشب السقف صار معرضًا للإنهيار أو التشقق، لاسيما أن جميع جدرانهم ومنها جدار بيتنا في ذلك الوقت هي من الطين.
ونعود إلى ذكر إبراهيم فنقول: إنه سافر إلى الظهران بعد ذلك وحصل على وظيفة جيدة هناك، ولكنه انصرف إلى الاتجار بالأراضي والعقارات، فصار ذا ثروة عظيمة، ورزق عدة أبناء نجباء ساعدوه في تجارته في حياته ثم صاروا من رجال الأعمال التجارية بعد وفاته وصارت لهم شركة قوية ناجحة تحمل اسمهم.
هذا مع العلم بأن إبراهيم كان وحيد أبويه، وليس له أي أخ.
ولوالده عبد الله السمحان نظرية تدل على بعد تفكيره وعدم جموده على ما عليه الناس، وذلك أنه أحضر معه من الكويت مضخة يدوية وأحضر معها أنابيب من الحديد، وربما كانت من أول ما دخل من الأنابيب تلك إلى بريدة.
стр. 4896
وذكر لنا أنه أحضرها من أجل أن يركب الأنابيب أي ينصبها على بئر قريبة الماء، ثم يرفع الماء بالمضخة اليدوية ويزرع عليها، وأختار لذلك (المندسة) إلى الشرق من بريدة.
ولم يكن الناس آنذاك يعرفون مكائن الماء، بل لم يكونوا يتصورونها.
وقد أجرى تجربة لذلك أمام والدي وأنا طفل في نحو السابعة من عمري وذلك يكون في عام ١٣٥٣ هـ على وجه التقريب فوضع قدرًا كبيرًا ملأه بالماء على الأرض وأدخل الأنبوبة من السماوة وهي فتحة في السقف، وربط بها المضخة من جهة الأعلى وهي التي في السطح وأحضر قدرًا كبيرًا خالية
في السطح وصار يمتح الماء يرفعه من الأسفل إلى الأعلى بالمضخة اليدوية حتى انتقل ما في القدر الأسفل الذي على وجه الأرض إلى القدر الأعلى الذي فوق السطح وقال: أريد أن أزرع عليها هكذا.
فكان بعض الناس يضحكون منه، وبعضهم يقول: سوف نرى.
ولكنه لم يستمر في الزراعة والري بهذه الطريقة.
وإبراهيم بن عبد الله السمحان المذكور محب للأدب، بل هو أديب، وإن لم يتفرغ للأدب أرسل إليَّ من مكان إقامته في المنطقة الشرقية رسائل تدل على ذلك، ومنها هاتان الرسالتان اللتان كتبت أولهما بتاريخ ٧/ ١١/ ١٣٧٣ هـ.
والثانية بتاريخ ١/ ٨/ ١٣٧٥ هـ.
وهما هنا بخطه:
стр. 4897
وهذه حكاية تروى عن ابن سمحان وتوكله على الله، ولم أعرف اسمه ولكنه من هذه الأسرة، ، ومؤدَّاها أن جماعة من رجال عُقيل كانوا متوجهين من العراق إلى بريدة معهم بضائع على الإبل، وكان أحدهم يقال لهم (ابن سمحان)، وكان كثير
стр. 4898
التوكّل على الله سبحانه، فإذا قيل: ضاع جمل فلان، قال: ما يُدري وين الخيرة، وإذا قيل: مرض فلان قال: ما يدري وين الصالح، وإذا قيل: ضاعت المزودة وفيها فلوس، أو قيل خسر فلان في بضاعته، أو كذا وكذا، فيقول: ما نعلم وين الخيرة، أو ما يُدري وش الصالح فيه، لعله يكون خيرًا، وهكذا.
وقد غبطه الذين معه على ذلك، وأرادوا اختباره هل هذا توكّلٌ على الله صحيح، أو هو عجز وضعف باسم التوكّل؟
وكان له في تلك القافلة عشرة أباعر وعليها له أحمال بضائع، فاتفقوا على تغييبها عنه وقتًا (ما) بدعوى أنها ضاعت بأحمالها، لينظروا ماذا يصنع إذًا؟
وكان في العادة أن المعازيب وهم أهل البضائع يركبون على ركائبهم يسيرون أمام الإبل ذات الأحمال، ليس مع أحدهم إلَّا أواني القهوة، فأمروا الرّعاة والمسؤولين عن إبل ابن سمحان أن يَعْقِلوا إبل ابن سمحان آخر النهار في مكان خفي، قبل وصولهم مكان المعشّى، ويُنْزلوا عنها أحمالها ويتركوها مكانها، ثم يزعمون له أنها ضاعت: لينظروا ماذا يصنع؟ ففعلوا ذلك وعقلوها ثم لحقوا بالتجار ومنهم ابن سمحان.
فالمعازيب لما وصلوا المكان الصالح للمعشَّى وضِمْنُهُم (ابن سمحان) نزلوا وأوقدوا النار للقهوة، وعلى إثرهم الرعاة والحملات، الذين جاءوا فأخبروا أن إبل ابن سمحان ضاعت بأحمالها، فاضطرب المعازيب على الرعاة وأظهروا الغضب عليهم، إيهامًا لابن سمحان ليثيروا كامنة في ماله؟
ولكن ابن سمحان لم يفزعه ذلك، ولم يبد عليه الاضطراب، بل ثبت مطمئنًا يقول: إنَّا لله وإنا ليه راجعون، إيه ما ندري وين الصالح فيه.
وجعل يدعو والجماعة استمروا يتلاومون وماذا يصنعون في تطلبها؟ ليؤسفوه، لكنه استمر يسترجع مطمئنًا يقول: الله يريد بنا خير، ما نعلم وين الصالح.
стр. 4899
ثم صادف أن مر عليهم قوم كثير محاربون، قد سروا ليلهم فدهموهم واستولوا عليهم، إذ ليس لهم يدان بقتالهم فأخذوا جميع ما معهم، ولم يسلم مما للتجار إلَّا ابل ابن سمحان وبضائعه سَلِمَتْ لأنها معقولة في مكان خفي لم يعلم بها القوم المغيرون عليهم!
هذا وقد رأيت تراجم لعدد من السمحان أحضرها لي الشاعر إبراهيم بن حمد السمحان فله الشكر وأولها ترجمة جارنا وصديقنا إبراهيم بن عبد الله بن عبد العزيز السمحان الذي تقدم ذكره.
ولد إبراهيم العبد الله في مدينة بريدة (سنة الغرقة) حوالي عام ١٣٤١ هـ، وكان والده عبد الله في الغربية، حيث كان أحد رجال عقيل المتاجرين معها، وحينما حدثت الغرقة ذهبت به والدته إلى أثل العبودي في رأس النفود غرب بريدة، وقد وجدت مئات من النسوة هاربات بأولادهن خوفًا عليهم من الهدم، وعندما تجاوز سن الطفولة رافق والده في أسفاره إلى الغربية، وفي عام ١٣٦٩ هـ سافر إلى المنطقة الشرقية، وكان بضيافة (عبد الله السفيِّر) في مدينة رأس تنورة، وعمل في جمرك رأس تنورة، وفي عام تزوج من الخرج بعد وفاة زوجته الأولى، وأقام هو وأهله في رأس تنورة، وكانت المساكن من الخشب، وقد عمر منزله في كل ليلة، فقد كان شهمًا كريمًا مضيافًا، ثم انتقل إلى مدينة الدمام وعمل بتجارة العقار، وافتتح المكتب الوطني العقاري ليمارس عمله من خلاله.
وقد عرف عنه الصدق في التعامل وسرعة إنجاز ما يوكل إليه من عمل حتى أصبح محل الثقة من الجميع، ويعتبر علما من أعلام العقارات في المنطقة، وهو من أهل الخير والبذل والعطاء، فطالما ساعد الفقراء والمحتاجين وقام ببناء المساجد بالدمام وبريدة وغيرهما، بالإضافة إلى دعمه المتواصل للجمعيات الخيرية، وقد توفي في يوم الاثنين ٢٢/ ١٠/ ١٤١١ هـ بمدينة الدمام وصلى عليه جمع كبير من
стр. 4900
أهالي المنطقة وغيرها، ودفن في مقبرة الحمام، ﵀ وأسكنه فسيح جناته، وقد خلف ستة أبناء أكبرهم (خالد) ساروا جميعًا على منهج والدهم.
علي بن عبد الرحمن بن سليمان: رافق إخوانه الثلاثة في أسفارهم مع العقيلات للتجارة، وتزوج في الشام وخلف ابنًا واحدًا هو كبير عائلة السمحان اليوم محمد بن علي السمحان، وتوفي ﵀ في إحدى قرى الشام على أثر إصابته بمرض الحمى فعاش ابنه محمد في طفولته في كنف والدته عند أخواله في الشام، إلى أن ترعرع وبلغ مبلغ الرجال، فعاد إلى الوطن للتعرف على أقاربه والإقامة بينهم، وقد خلف سبعة أولاد منهم (علي) ويعمل دكتورا بجامعة الملك سعود بالرياض (وعماد) ويعمل مدير إدارة الدعم بشركة الاتصالات السعودية بالرياض.
محمد بن عبد الرحمن بن سليمان: ولد في بريدة في حوالي ١٣١٥ هـ وعاش في كنف والده عبد الرحمن هو وإخوانه فترة من الزمن حتى توفي والدهم ﵀ في خب البريدي، ودفن فيها، ثم انطلق الأبناء إلى العمل وطلب الرزق، وقد امتهن الجميع التجارة بالإبل، ويعتبر محمد من رجال العقيلات المعروفين، إذ رافق أخاه سليمان في معظم أسفاره كما كان له أسفار مع العقيلات بعد وفاة أخيه.
وقد افتتح مصرفًا صغيرًا في الأردن مارس فيه مهنة الصرافة فترة من الزمن، وبعد ذلك استقر في مدينة بريدة وافتتح متجرًا صغيرًا يتعامل فيه ببيع الهدم والأرزاق والسجاد وتغيير العملات، وكان يقع هذا المتجر في الجهة الشرقية الجنوبية من (جردة بريدة)، حيث كانت البادية القادمة لبيع المواشي والجمال تأتي من البلدان المجاورة مثل العراق وبلاد الشام، وتفد إلى هذا السوق.
توفي ﵀ في يوم الاثنين العاشر من شهر رمضان ١٣٩٥ هـ على أثر نوبة قلبية مفاجئة ودفن في مقبرة الموطأ.
стр. 4901
وقد خلف ثمانية أبناء منهم (عبد الرحمن بن محمد) الذي كان يعمل ﵀ مدير الشئون المالية بالمديرية العامة للدفاع المدني بالرياض.
و(عبد العزيز بن محمد) الذي يعمل مديرًا لمدرسة الأندلس الابتدائية ببريدة سابقًا، وقد ابتعث عبد العزيز وهو على رأس العمل للمملكة المتحدة لمدة سنتين حصل بعدها على دبلوم في تعليم اللغة الإنجليزية.
ومنهم (أحمد بن محمد) الذي يعمل مديرا لمدرسة موسى الحجاوي الابتدائية ببريدة، و (سليمان بن محمد) ويعمل طبيبا للعلاج الطبيعي بمستشفى رعاية الرياض.
إبراهيم بن سليمان بن عبد الله، خلف ولدين هما (محمد، حمد).
وخلف محمد ثمانية أولاد أكبرهم إبراهيم، الذي خلف أربعة أولاد منهم (أحمد بن إبراهيم) عمل مديرا للشؤون المالية بأمانة منطقة القصيم سابقًا، ورئيس لنادي التعاون الرياضي سابقًا.
ومنهم الشاعر إبراهيم السمحان:
وهو إبراهيم بن حمد بن سليمان السمحان: بدأ نشر نتاجه الشعري في عام ١٤٠٣ هـ وشارك بشعره في العديد من اللقاءات الاجتماعية التي أقيمت في المنطقة، ودعي للمشاركة بمهرجان التراث والثقافة بالجنادرية عام ١٤١٥ هـ، له ديوان شعري على الشبكة العنكبوتية عنوانه (شهقة الدفتر) وديوان أخر مخطوط باسم (دريشة فجر).
كما كتب العديد من الأعمال الوطنية كان آخرها نص (أوبريت وطن ومسيرة) الذي تم عرضه في مهرجان بريدة الترويحي عام ١٤٣٦ هـ، أحيا العديد من الأمسيات الشعرية وتم تكريمه من قبل أمير المنطقة في عام ١٤٢٧ هـ كأحد الأسماء التي خدمت الأدب الشعبي في المنطقة.
стр. 4902
ومن شعره: (ابتهال):
يا ربي الليل وحشه والذنوب أوقفن ... قدام عين المسافر مع دروب السنين
جلد الضمير إشتمل بي والجروح إنزفن ... نظرت خلفي وزاد الركض والركض وين!
فريّت لك منك وأيامي تلوح بكفن ... الموت أشوفه يخاتلني شمال ويمين
جيت اعترف وانكسر .. جيت ارتمي واندفن ... في رمل شاطئك .. جيت يشدني لك حنين
تعاظمت بي ذنوبي هاجسي .. وعصفن ... باللي بقى من ثباتي .. عونك يا معين
إن سيطر الخوف فجبال الضلوع رجفن ... وإن لاح طيف الرجاوي: تونا ريَضين!
أمشي تجاذبني الدنيا: ورود وعفن ... لا الزين دايم بعيني زين .. لا الشين شين
وحبك بحر جود وآمال لنجاة السفن ... حبك وحب الحبيب المصطفى شافعين
ما غير هذا وظن لي ذكرته طفن ... كل الحرائق بقلبي .. والرجابك مكين
وقال: هذه القصيدة في اجتماع لأسرتهم في (بريدة) عام ١٤٢٥ هـ:
يا الله لك الحمد ببريدة تلاقينا ... وأقفت سنين الشتات وجا تواصلنا
وعن بعضنا مع ظروف الوقت سجينا ... كنا بصحرا ولا درب يوصلنا
واليوم مهما عن اللي صار خطينا ... ما ينبي الحرف عن حب يظللنا
ننعم بوصل ذعاذيعه تنسينا ... لفحة سنين تنامت في دواخلنا
بجهود من حققوا بالقرب أمانينا ... اللجنة اللي وفاهم فوق ما قلنا (١)
أمس إشجرتنا جفاف يجرح إيدينا ... واليوم الاوراق بالخضرة تجللنا
بالروح نادي القصيم وله تنادينا ... وأشواقنا في رجا اللقيا تمثلنا
يوم إنفتح للتواصل باب صكينا ... باب القطاعة .. وبالمولى توكلنا
مبدأ مشينا عليه وبه تواصينا ... نسير مع ربعنا وإن ميلوا ملنا
стр. 4903
إن رفرفت كلمة السمحان فزينا ... عشق تحدر لتالينا من أولنا
ومن شعره مقطوعة بعنوان:
يا نجم بالليل إهدني
يا نجم باسيار خذني للفضا ... يا ساري والناس في نوم هني
ما دمت أنا وياك يجمعنا القضا ... ثم القدر، يا نجم بالليل إهدني
خذني وطف بي حول ربات الوضا ... ومن نورك الساطع قليل مدني
ابا اعتلي كالبرق لي منه نضا ... من فوق ديرة صاحبي سيد البني
وأرسل شعاعي بالغرام اللي مضى ... ثم انتظر .. هو يعكسه من شاقني
والا فهو يا نجم عني ما رضا ... ولارض سرينا من وطاه تردني
للصبر والحرمان مع جمر الغضا ... حتى يشده لـ اللقاء ما شدني
حلم الليل
يا منادي جاب لي صوته صداه ... حامل حب هقيت انه نساه
انتشلني من عناصمت طويل ... واحتضني بين دفاته وتاه
وسط جو الشوق ورياض الهوى ... لين جينا قصر مردوع الشفاه
قصر عسلي النظر بين الزهر ... يجتنب لي هبت النسمه شذاه
قال يوم أقبلت يمه ياهلا ... ثم صافحته وبادلته هلاه
قال: تذكر حبنا العذري وذاك ... الوفاء اللي بيننا عشنا هناه
والتفاهم والغلا واحلامنا ... قبل تفرقنا عواصيف الشناه
قلت من ينسى سروره يا رجا ... قلب من يهواك يا غاية مناه
واختفى زول الحبيبة بعدما ... فقت من حلمي وجدت بي خطاه
стр. 4904
كيف حلم الليل جدد هاجسي ... كيف جاب اللي ملك نفسي غلاه
ليت هالرؤيا تحقق والتقي ... مع عديل الروح واسعد في لقاه
مير كيف وحاجز الفرقا نصب ... بيننا واللي بناه احكم بناه
يمكن تشاهد بالنظر
ادخل على قلبي وشف وش يبي بك ... اما اقنعك والا رضي واقتنع هو
أنا تعبت من الزعل والحكي بك ... ثلاثة اشهر وآخر محاولة تو
قلت انك المخطي ولا طاعني بك ... قلت انك المظلوم .. قال: أي بس لو
و(اللو) هذي خيطها ينتهي بك ... وانت الذي تملك لتحليلها الضو
أنت الذي تقدر تعالج نصيبك ... وتبذر بذور الشوق مع موسم النو
قم قبلما يسر الجفاف بحبيبك ... ادع المطر وإلا على عاتقك رو
اخلق فرص عجل ترى ما يعيبك ... هذا .. ولا تسأل عن الدرب وش هو
يمكن تشاهد بالنظر ما يريبك ... أو تسمع أصوات تعكر صفا الجو
لكن تصور وش كبر فرحتي بك ... واعمل وجنب قيد لا تسوي وسو
стр. 4905
وكتب الشاعر إبراهيم بن حمد السمحان ما يسمى بالأوبريت وهو العرض الشعري ينشد في الاجتماعات العامة وذلك بعنوان (أوبريت وطن ومسيرة)، وألقي في مهرجان بريدة الترويحي عام ١٤٢٦ هـ، تم عرضه في حفل الافتتاح برعاية صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن بندر بن عبد العزيز أمير منطقة القصيم وبحضور نائبه صاحب السمو الملكي الأمير عبد العزيز بن ماجد بن عبد العزيز وجماعة أهل بريدة:
موال:
تاج القصيم بريدة ... عشق سكن وجداني
لحن السنين تعيده ... صبابتي وأشجاني
شجون:
الصبح في قبة رشيد إنفتح باب ... ومن حافة الدكان فاضت محادر
مد الحصير إخوهيا واطلع كتاب ... فتش ودمعه فوق الأوراق حادر
دار المهة .. دار: باقل الأسباب ... ويا كثر حاجات بهمك تبادر
نركض نصارع لكن الفقر غلاب ... نزرع ونرعى ونتغرب نسافر
نتعب تعب لا شك ما تثمر اتعاب ... وآمالنا في خيل والخيل عاثر
مير إبشروا لا بد ما الليل ينجاب ... ما دام إخو نوره كما اليث كاسر
معاناة العقيلات:
وش لون كانت حياة عقيل ... تاريخهم لو تحدث قال:
إن القدم منهك بالحيل ... والدرب خوف وظما ورمال
حلم الفوايد يدك الخيل ... حتى غدي حلهم ترحال
الغربة اللي تهد الحيل ... والطيف صورة وطن وعيال
وكل مع الوقت حاطب ليل ... والوقت يطرد سراب اللال