← Ансаб

Ансаб · id 147374

معجم أسر بريدة

محمد بن ناصر العبودي

Полный текст (11 097 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.

стр. 5041

وقيل: إن الملا عبد المحسن بن سيف كان في مجلس الأمير ابن رشيد في حائل، فقال الأمير: نادوا المحَسِّن، وهو الحلاق فلمس (الملا) رأسه وقال: يا طويل العمر، أبي أحسن رأسي عقب ما تقضي متحسِّن، فقال الأمير: لا، ما ناديناه لأجل يحسنا، ناديناه نبيه يخصي هالعبد، وأشار إلى عبد جريم قوي، لأن العبد أوذي العبدات يقمز عليهن. فأخذ ابن سيف رأسه بين يديه، وقال: يا طويل العمر والله إني مرة بالأسياح قبل عشرين سنة وشفتهم يخصون حمار وإن كبدي ما اركدت إلى هالحين، وش لون أبي أشوف رجال يخصي؟ فضحك ابن رشيد، وقال للعبد: سامحناك عن الخصي من أجل الملا، لكن لابد من ضربك، وأمر بضربه عدة عصيات. زوجة الملا: لقد تكرر ذكر امرأة الملا عبد المحسن بن سيف الملقبة بالدخيخلة: تصغير الدخلة، وهي طائر مهاجر صغير الحجم، لطيف، جميل المنظر أصغر من العصفور الدوري قليلًا. وهي من أسرة (اليحيى) أهل النبهانية وامرائها واسمها فاطمة بنت محمد اليحيى. وقد مات عنها الملا ابن سيف، وهي في عصمته فلما خرجت من العدة تزوجها بعده ناصر السليمان بن سيف رغم تقدمها في السن. لأنها متميزة عندهم بالنظافة، والاعتناء بما يسر زوجها. ذكروا أنها تتطيب في بيتها بطيب خاص يبقى أثره بعدها في المكان الذي تمر به. وحكوا أنها لم تغادر بيتها قط.

стр. 5042

لذلك تزوجها بعده ناصر السليمان بن سيف وهو الثري ذو المنزلة الرفيعة في النفوس، ولو شاء أن يتزوج بغيرها ممن لم يسبق لهن الزواج لكان ذلك متيسرا له. وهذه وصية الدخيلة زوجة الملا ابن سيف.

стр. 5043

وهي بخط العلامة القاضي الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، وعباراتها واضحة، إلَّا أن فيها مصطلحات قليلة قد تخفى على القراء من الجيل الجديد. مثل القربة: التي تروى أربعة أشهر القيظ، فمعني تروى بتشديد الواو: تملأ بالماء طيلة موسم القيظ وهو أربعة أشهر، وذلك لجعل مائها يشرب منه الناس باردا في ذلك الفصل الحار. وسراج في مسجد النبهانية وهي بلدة آبائها وأجدادها، وإذا ذكر السراج في مثل هذه المواطن كان المراد به شراء ودك له وهو الدهن الذي يخرج من الشحم بعد إذابته، يستعمل وقودا للسراج ولا يحتاج المصلون لسراج المسجد إلَّا في الشتاء، لأنهم يدخلون فيه إلى داخل المسجد المسقوف، وقد يصلون في الخلوة التي تكون أسفل من المسجد لذا يحتاجون إلى نور السراج، أما في الصيف فإنهم يصلون في سطح المسجد، أو في فنائه المكشوف، فلا يحتاجون للسراج. وقد ذكرت زوجها الملا عبد المحسن بن سيف فأوصت أن تخصص له أضحية وهي الخروف أو الواحدة من الغنم التي تذبح في عيد الأضحى. وذكرت (لبن المقبرة) وذلك أن اللبن وهو الطين المربع المجفف ضروري لدفن الميت لأنه يوضع على اللحد، فأوصت أن يوفر ذلك للمقبرة. والشاهدان على هذه الوصية من أسرة المشيقح وهما محمد الحمود المشيقح وأخوه عبد العزيز الحمود المشيقح الذي أصبح بعد ذلك أكثر أثرياء نجد في وقته مالا، بل اثراهم كلهم وهو زعيم من زعماء بريدة الكبار. وتاريخها في محرم عام ١٣٠١ هـ. ثروة المُلَّا: لقد خلف الملا عبد المحسن بن محمد بن سيف تركة ضخمة نال أبناءه وورثته منها نصيب جيد كما يتضح ذلك من ذكر ابنه محمد الذي كانت له

стр. 5044

زوجتان إحداهما بغدادية اسمها مريم بنت عبد الغالب كان نصيبها من ثمن التركة بعد أن تقاسمته مع زوجة ثانية، وربما زوجات مبلغًا جيدًا وكلت الثري الوجيه إبراهيم بن محمد الربدي على قبضه وإيصاله إليها في بغداد. ومعلوم أن الثمُن هو جزء واحد من ثمانية أجزاء، وهو نصيب زوجة الزوج الميت من تركته، إذا كان له أولاد.

стр. 5045

وقد خلف عبد المحسن بن محمد بن سيف الملقب الملا عددًا كبيرًا من الأبناء والبنات منهم من اشتهر بالكرم ومنهم من اشتهر بالزعامة. والزعامة تتطلب الكرم أيضًا، من هؤلاء أبنه عبد الله بن سيف الذي كان مسئول المالية لمحمد بن عبد الله بن رشيد في القصيم عندما حكمه محمد بن رشيد بعد وقعة المليدا عام ١٣٠٨ هـ. وهو من الأجواد المشهورين مدحه الشاعر عبد الكريم الأصقه في قصيدة نظمها على شكل العروس الشعرية، وجعلها تعاف من عرضوا عليها بأن يتزوجوها من حكام نجد وامرائها وعلى رأسهم محمد بن عبد الله بن رشيد أمير نجد في زمنه ومقره مدينة حائل. فقال عبد الكريم الأصقه على لسان العروس: شفي مع القصمان كان البخت جاب ... ليث ولد ليث ذري نلتجي به عبد الله اللي للمِرُوَّات كَسَّابْ ... من بد جيله يا ملا خاطري به سَبْع زَحِرْ، ما ناش في مخلبه عاب ... ودولة مصر استرهبت من قنيبه (١) وهذه الوثائق المتعلقة بعبد الله بن الملا عبد المحسن السيف.

стр. 5046

وهي بمبلغ كبير، ولكن صاحب الدين وهو راشد السليمان (أبو رقيبة) حصل على ماله كاملا، كما هو ظاهر من الورقة.

стр. 5047

خط المُلَّا ابن سيف: لقد كان (المُلَّا) عبد المحسن بن محمد بن سيف جميل الخط ولذلك سمي المُلَّا وهو الرجل الجميل الخط، الحاصل على قسط من الثقافة المكتوبة في اصطلاح عصره. وهو إلى ذلك رجل ثري، دقيق الملاحظة، ثقة عند المتعاملين، لذلك كثرت كتاباته من المبايعات والوثائق المتعلقة بالمداينات والوصايا والأوقاف.

стр. 5048

وهذه نماذج من كتاباته.

стр. 5049

وفاة المُلَّا ابن سيف: لم يذكر المؤرخون صراحة سنة وفاة المُلَّا عبد المحسن بن سيف، مع أنه جدير بذلك، ولكن لم يكن يوجد مؤرخون من أهل بلده يؤرخون الولادات والوفيات في وقتها. وقد استنتجت أن وفاته كانت في عام ١٢٩٥ هـ أو عام ١٢٩٥ هـ، وذلك أنه كان حيًّا في عام ١٢٩٢ هـ، بل كان لا يزال كاتبًا نشطًا كتب وثيقتين في تلك السنة من الوثائق المهمة وهما المتعلقتان بحل مشكلة حدثت بين جماعة من أهل الرس وبين جماعة من أهل بريدة. ثم وجدنا ما يفيد أنه كان قد توفي في وثيقة أو هي ورقة مؤرخة في عام ١٢٩٥ هـ. ولا نعرف مقدار عمره، لكن الذي نعرفه من أعمار أسرته وأعمار أبناء عمومتهم آل سالم أن فيهم أناسًا من المعمرين، وأنه يقل فيهم من يصاب بالخرف في آخر عمره. لذا نفترض أن المُلَّا ابن سيف قد ولد فيما بين عامي ١٢٠٥ هـ و ١٢١٠ هـ فيكون عمره على هذا ما بين تسعين سنة و ٨٨ سنة والله أعلم.

стр. 5050

المُلَّا الثاني ابن سيف: وسمي على اسم المُلَّا ابن حفيد له، وهو عبد الله بن ناصر بن عبد الله بن عبد العبد المحسن السيف سماه الناس المُلَّا وإن لم يكن قارئا كاتبا مثل جَده عبد المحسن ولكن كان يسمي ابن المُلَّا، ثم سمي المُلَّا. واشتهر كذلك بنكته العذبة وأخباره الطريفة، وتعبيراته الفكهة، وله مع حمد الصقعبي أخبار ذكرتها في كتاب: (أخبار حمد الصقعبي). ولد المُلَّا الثاني ابن الحفيد عبد الله بن ناصر بن عبد الله بن المُلَّا (الأول) عبد المحسن السيف في مدينة بريدة، عام ١٣٠٦ هـ وتوفي في عام ١٣٩٧ هـ على أثر حادث سيارة صدمته ومات بسبب ذلك وعمره (٩١) عامًا وكان قبل ذلك حاضر الذهن مكتمل الحواس. ومن أخباره أنه اشتهر في منتصف القرن الرابع بمداواة الجرب الذي يصيب الإبل بدواء عجيب جديد لا يعرف سِرَّه غيره، يتألف من سعوط للإبل مع أنوفها خلاف ما كان الناس قد اعتادوا عليه على تطاول القرون في الجزيرة العربية من مداواة الجرب بطلاء الإبل الجربي بالنورة حتى تزيل وبر البعير ثم يطلى بالزرنيخ أو السم ليقضي على الجرب. وهذه طريقة متعبة وطويلة، وتكلف مالًا كثيرًا أيضًا. وكان المُلَّا ابن سيف يسكن في قرية قبة التي تقع شرق الأسياح مثله مثل عدد من أهل بريدة الذين خرجوا إلى قبة من بريدة، وأقاموا فيها للمتاجرة مع الأعراب. فبلغ خبره الأمير عبد العزيز بن مساعد أمير حائل فعالج إبلًا له بطريقته الجديدة الفريدة فبرأت من الجرب. وأخبر الملك عبد العزيز آل سعود بأمره فأمر أمير قبة أن يرسل إليه ابن

стр. 5051

سيف في الرياض ليداوي إبلا وخيلا للحكومة أصابها الجرب وهي ترعي بالقرب من الرياض. حدثني المُلَّا ابن سيف قال: لما دخلت مجلس الملك عبد العزيز وكان غاصا بالناس سلمت عليه وقدمني إليه ابن جميعة فتركني قليلًا ثم قال لي: وشو الدوا اللي يقولون: انه عندك للجرب ولا هوب عند غيرك؟ حنا ما خبرنا دوا الجرب إلَّا النورة والزرنيخ؟ قال ابن سيف: فاسقط في يدي فأنا لا أستطيع أن أخبر بسر الدوا أمام الناس، ولا أستطيع أن أقول لابن سعود: ما اناب مخبرك عنه. قال فهداني تفكيري إلى أن قلت مسرعا: يا طويل العمر، ها الدواء سبب ضعيف، لكنه وافق نية صالحة! قال: فعرف الملك عبد العزيز سر جوابي هذا المجمل وضحك ضحكًا خفيفًا وهو يوجه يده إلي ويضم أصابعها إلى جهة الأرض وهو يقول بلهجة تنم عن الاستحقار: النية الصالحة ما لقت إلَّا أنت يا ابن سيف؟ قال: وكان هذا هو ما أردته. وقلت أنا للملا عبد الله بن سيف عندما حدثني بقصته مع الملك عبد العزيز: إنني أريد أن تخبرني بكيفية معرفتك بدواء الجرب هذا وليس بتركيبه لأنني أفهم سبب كتمانك لتركيبه الذي جلب لك ثروة طيبة. فقال: سببه النية الصالحة! فقلت له: أتريد أن ترجع إلى ما قاله لك الملك عبد العزيز آل سعود عن نيتك الصالحة؟ فضحك، وقال: سوف أخبرك.

стр. 5052

كنت في قرية قبة، وكان الوقت شتاء، في ليلة باردة فرأيت رجلًا أعجميًا ولكنه يعرف العربية يئن في المسجد وقد انفض الناس إلى بيوتهم وتركوه في المسجد وليس معه أغطية. ومن العادة أن يكون هذا وأمثاله من الحجاج الذي يحجون سيرًا على الأقدام، احتسابا للأجر من الله أو عجزا عن نفقة الركوب. قال: وبعد أن عدت إلى بيتي من صلاة المغرب قدمت زوجتي لي العشاء وكان حارًا فيه لحم وإبزار ومعه مرق طيب، وقد أشعلت نارًا بحطب جزل فذكرت هذا الرجل الغريب المريض الذي لا شك في أنه جائع أيضًا وعدت إلى المسجد وأنا أرجو أن أجده في مكانه. قال: فوجدته، وأخذته معي إلى البيت وأطعمته من هذا العشاء الجيد، وقدمت إليه عند وقت الصلاة ماء ساخنًا فتوضأ ثم غطيته بغطاء جيد. وبقي عندي بعد ذلك فترة أظنه قال بلغت أسبوعين ثم بدأت العافية تدب في جسمه، وفي مرة من المرات رآني أطلي بعيرا لي أجرب كنت قد أدخلته حوش البيت. فقال لي: إنني أعرف دواء لمرض الجرب غير هذا هو أسهل وأرخص وأضمن في الشفاء من النورة والزرنيخ، وأسلم عاقبة، وأكثر راحة للبعير من الدواء بالسم. ثم خرج معي إلى الخلاء وأراني شجرة من شجر البرية التي كنت أعرفها ولكنني لم ألق لها بالا، وقال: خذ من هذه أوراقها وجففها في الشمس ثم أحضر من العطار الدواء الفلاني فأخلطه بها ثم اسحق الجميع حتى يصبح المسحوق ناعمًا، ثم خذ لكل بعير مقدار ما يملأ فنجال القهوة تضع عليه مثله من سمن الغنم الجيد وسعطه البعير أي أجعله له سعوطا، وهو الذي يلقى في الأنف حتى تضمن أنه قد وصل إلى جوفه، فهذا دواء للجرب، لا تخبر به أحدًا إذا كان غير معروف عندكم وأنا لن أخبر به أحدًا وأرجو أن أكون قد كافيتك على ما صنعته بي من معروف.

стр. 5053

قال ابن سيف: وكان هذا من أسباب غناي. ثم ضعف ذلك الأمر بسبب هجران الإبل، وإنصراف الناس إلى ركوب السيارات ولكن لم يزل ابن سيف مشهورًا بهذا الدواء للجرب يقصده الناس من سائر أنحاء المملكة إلى أن توفي. وقد أصبح أولاده موظفين أغنياء عن دواء الجرب. قيل: كان المُلَّا عبد الله بن ناصر السيف في الكويت مع والده، وكان قد اشتهي أن يشبع من السمك فرأي بائع سمك يبيع السمك بروبتين و ٢٤ أنه وهي جزء صغير من النقد للكيلو، فقال لوالده: يقول: السمك بـ ٢٤ أنه فأمره أن يزن له كيلويين، بالعيار المستعمل عندهم في ذلك الوقت ولما وزنها أسرع المُلَّا عبد الله بها إلى البيت وعند دفع الحساب اكتشف الأب أن ثمن (الكيلو) - مثلًا - روبيتين و ١٤ أنه وكان يظنه ٢٤ أنه فقط واراد على الأقل أن يكتفي بكيلو واحد فلم يمكنه ذلك، لأن ولده ذهب بها إلى البيت! ! ! وكان المُلَّا عبد الله ابن سيف مزواجًا غير أنه لم يطلق زوجته الأولى، أم عياله، فكان يقول لها: يا حصة - وهذا هو اسمها، أنت مثل الجدي تدور حولك النجوم ويغيبن وأنت بمكانك عندي ما تحركين. ومن حكايات المُلَّا (الثاني) عبد الله بن ناصر السيف: قنافذ للبيع: يقول أبو ناصر ﵀: كنت في دكاني أبيع بعض المواد الغذائية في إحدى مدن المملكة الشمالية ومنهمكًا مع الزبائن وبين يدي دفتر القيد أكتب على هذا وأوصِّل من هذا ما عليه من حساب أو مبالغ. وكنت جالسًا داخل الدكان والزبائن على العتبة أحد واقف وأحد جالس وبيده نقوده.

стр. 5054

فجأة مر رجل راكب جمله وقال: يا ملَّا، إلحق (اتبعني) وكنت أعرف هذا الرجل صاحب بضائع ومعاملات معي ومع غيري من البائعين. فقلت للزبائن: هيَّا اخرجوا من دكاني، قالوا: خذ حسابك خلصنا منه، قلت لهم من عنده لي حساب فقد أعفيته منه وأنتم في حل مني، فرح الزبائن بهذه المكرمة من المُلَّا، وأعادوا نقودهم إلى جيوبهم. وأغلق المُلَّا دكانه ولحق بالرجل خارج المدينة، جلسا تحت شجرة في أحد الأودية القريبة من المدينة. وبعد السلام والاستراحة، قال الرجل للملَّا: أنا البارحة جالس في أحد الأودية وأنا في طريقي لمدينتكم، إذ وجدت هذا الشي الذي معي الآن فأخذته وقلت في نفسي هذا رزق من الله ساقه لي فأحببت أن تشاركني في هذا الرزق وتبيعه، وقيمته مناصفة بيني وبينك، فقلت له بلهف ولعابي يسيل، هاته أين هو؟ فقام الرجل وأحضر مزودته، وبدأ يخرج منها أواني المطبخ وفي أسفلها سحب كيسا وأخرجه ثم صار يفك عقدة بعد عقدة، وأنا أنظر إليه وآمره بسرعة فك الكيس لأرى الرزق، وعندما فتح فم الكيسه رأسًا على عقب خرجت منه قنافذ راحت بعد فكها من الكيس تتفرق يمنة ويسرة هاربة وتريد شم الهواء. يقول المُلَّا فقفزت قفزة لم أقفزها في شبابي من الخوف مما رأيت، خفت أن يكون معها ثعابين (١). قال سليمان بن إبراهيم أبو طامي: مشاجرة بين المُلَّا وقط: يقول أبو ناصر: كان لدينا قط مضايقنا في معيشتنا، كل ما نحضر لحم

стр. 5055

يأكله، ويأكل فراخ دجاجنا وكل شيء في بيتنا يؤكل يأكله هذا القط. فقلت لأم ناصر: إذا دخل غرفة الأرزاق (مستودع الأطعمة) أخبريني لكي أدخل عليه وأقبض عليه فنرميه خارج المدينة، فصارت أم ناصر تراقبه حتى دخل ذات عصرية من أحد الأيام، فأغلقت أم ناصر باب الغرفة وجاءت إليَّ مسرعة وهي تقول: أبشر القط داخل الغرفة، هيا اقبض عليه، جئت مسرعًا وأنا حليق الرأس وأصلع وفاكًا أزارير ثوبي لأننا في فصل الصيف والحرارة شديدة. فقلت لأم ناصر إذا دخلت عليه أقفلي الباب علينا، قالت سمعًا وطاعة، كما تريد. يقول أبو ناصر ﵀: دخلت على القط وأقفلت أم ناصر الباب علينا. القط عندما رآني جمع جسمه ونفش وبره وقفز على رأسي وصار يخمش (يخربش) وجهي ورقبتي وأغمضت عيني لئلا يفضخهما ومسكت الجدار لأتجه للباب لأخرج، وصلت الباب وحاولت فتحه وأم ناصر تحاول قفله والقط فوق راسي يخمش ويعض. فأقول لأم ناصر افتحي الباب وأنا أحاول فتحه، فتقول: أبدًا لن يخرج القط، أنا ماسكة الباب، وواضعة رجلي على الجدار وجاذبة الباب إليَّ بيدي، هيا اقبض عليه وأرحنا منه، وهكذا في معركة أنا والقط وأم ناصر. أخيرا فتحت أم ناصر الباب، وقفز القط من على رأسي إلى خارج الغرفة وهرب وأنا في حالة يرثى لها من التجريح وسيلان الدماء، فانزعجت أم ناصر من منظري كأني خارج من معركة حيث الدماء تسيل من كل جهة. فأخبرتها بما حصل لي معه بالداخل وما أريده منها فتح الباب والتخلص من ورطتي هذه، فتقول أم ناصر ظننتك تقول امسكي الباب، أمسكي الباب. ذهبت أم ناصر وأحضرت ماء وغسلت وجهي وخلعت ملابسي لغسلها

стр. 5056

من الدماء، فلم تبرأ جروحي إلَّا بعد عدة أسابيع، والقط يتجول في بيتنا متي شاء ويأكل ما شاء، وكأنه لم يفعل بي شيئًا. المُلَّا يحك رأسه جاره: يقول أبو ناصر ﵀: كنا مسافرين على إحدى السيارات والركاب كثير لدرجة أن من الركاب من هو واقف ومنهم من هو جالس نظرًا لقلة السيارات في ذلك الزمن، وفيما نحن نسير ليلًا إذا بجاري الراكب يحك راسي حكًا شديدًا. أول مرة سكت، ثم كرر الحك، فقلت له: يا أخي أشغلتني بحك رأسي. قال: يا خوك أكلني القمل. قلت: أنت تحك رأسي، قال: والله يا اخوك ما أدري وش أحك، أكلني القمل بالحك. فلم أتخلص من هذا الراكب إلَّا عندما غيرت مكاني مبادلة مع أحد الركاب. يأخذان البيض مجانًا: كان حمده الصقعبي والملا يسيران في السوق فوجدا امرأة تبيع بيضًا، قال المُلَّا: بكم البيض تبيعينه يا خاله؟ وفعلًا هي كبيرة بالعمر، قالت البائعة وبغضب ليس البيض للبيع. فواصلا سيرهما، قال حمده: غلطان تقول يا خاله، تعال معي وستري كيف أخذ البيض منها بدون ثمن وبنفس رضية. وقف حمده على البائعة، وقال لها: يا بنت غطي كفيك وعينيك ما شاء الله عليك وعلى جمالك، الله يكفيك شر العيون. وبلحظة صدقت البائعة فأدخلت كفيها بعباتها وجذبت نقابها على عينيها، قال حمدة بكم تبيعين البيض؟ قالت: هذه هدية لك مني حيث أنه مكسب فقد بعت اليوم الشيء الكثير

стр. 5057

من البيع وما بقي إلَّا هذا فخذه هدية مني ومن نفس رضية. ثم جمعته في كيس وناولته حمده، فانصرفا من عندها وهما في ضحك عليها وتصديقها لحمده (١). مدرسة السيف: كانت أسرة السيف هي الأولى في بريدة التي أوقفت مدرسة لتعليم الأولاد القراءة والكتابة فيما أعلم. وقد نفع الله بهذه المدرسة حتى أوقف عليها بعض أهل الخير من غير أسرة السيف أوقافًا. فمنهم من خصها بوقف خاص مثل قوت بنت الأمير حجيلان بن حمد أمير القصيم التي أوقفت عليها وقفا خاصًّا وبعض الناس أوصى لها بشيء مما أوقفه على أعمال الخير.

стр. 5058

ومنهم الشيخ صالح بن ناصر السليمان السيف، كان طالب علم ثم صار شيخًا مجيدًا اشتهر بغزارة العلم وعرف بين الناس بذلك، ولكنه كان من أنصار الشيخ ابن جاسر المنحرفين عن المشايخ آل سليم حتى إنه فيما بلغنا قرر عدم الدخول إلى بريدة من الصباخ ما دام أمرها كذلك.

стр. 5059

وقد بقي بالفعل في الصباخ، فكان المحبون له يذهبون إليه في الصباخ وقد انتفع بعلمه طائفة من أهل الصباخ، وبخاصة من (الرشود الصالح) الذين هم أبناء صالح بن عبد الله الرشودي. وهذا نموذج من خط الشيخ صالح بن ناصر بن سيف.

стр. 5060

وأخوه عبد الله بن ناصر السيف، كان في فترة من الفترات من جماعة أهل بريدة أي أعيانها الذين ينظرون في شئون البلدة. وحفر عينًا ارتوازية عذبة في نخلهم في الصباح وأوقف مشرعًا فيها على الطريق يشرب منه الناس ويستقون وتوفي عام ١٣٨٩ هـ.

стр. 5061

قال عبد العزيز بن محمد الهاشل وقد زرع في الوطاة والديَّان هو عبد الله بن ناصر السيف، ولا وافق الرزع يريد أن المحصول منه من القمح لم يكن على ما يرام. فقال: يا مسندي بان السِّبل ... والزرع بعروده قصَيل بلاه ما ذاق النَّهَلْ ... الا انه صبارٍ وأصيل اللي شرب ذاك انهبل ... وتلقاه من جوده يهيل زريعنا كنُّه بَعَلْ ... يا غِلنا غلٍّ طويل انَّا للي ماشا فعَلْ ... إلى جا باكر وش نكيل؟ (١) الملح ملعون أبواهَلْ ... يحصده لو أنه ثليل (٢) زرعت واحسب انه سهَل ... واشوف ماعندي ضويل من روعَتَهْ عودي نَحَلْ ... غديت وجعان وعليل أشوَى أنَّ مُعَزِّبنا فحَل ... ما يغثنا يبي التوصيل ابوناصر ما به دَحَلْ ... عَزَّ الله ان جنسه قليل يعطي رجاجيله مَهَلْ ... دين على دين يحيل ما هوب هيس وبْه جَهَلْ ... يحط رصاد ووكيل قال: وكان في ذمتي له قد بقي عشرون ريالًا وعشرون صاعًا من العيش فسامحني بها، وكانت في ذلك الوقت تعتبر مبلغًا مهمًا من المال. وكان عبد الله بن ناصر السيف هذا كاتبًا في وقت من الأوقات للقاضي ببريدة الشيخ عبد العزيز بن عبد الرحمن بن بشر. قال الشيخ إبراهيم العبيد في تاريخه - واتخذ - أي الشيخ ابن بشر - كاتبًا من

стр. 5062

أهالي بريدة هو عبد الله بن ناصر بن سليمان السيف نجل الشيخ ناصر بن سليمان (١). وقد اشتهر عبد الله الناصر السيف هذا بشيئين أولهما رقية من يكون بهم مرض أو اصابة بالعين أو بشيء قريب من هذا مما لا يعرفه الناس من الأمراض، فكان الناس يقصدونه لذلك، ويرون الأثر الكبير لرقيته في شفاء مثل تلك الأمراض. والثاني: محبته للفكاهة، وعدم مبالاته بالألفاظ التي تأتي عفوًا ابتغاء للفكاهة، ومن ذلك التلفظ بالشتم الذي يطلقه بعض الناس من دون أن يقصد معناه، لذلك لا يلقون له بالًا. حدثني الشاعر عبد الله بن علي الجديعي عن سليمان بن محمد السلماني، قال: كان عبد الله الناصر السيف يقرأ على المرضى ويظهر منه نتائج جيدة، وخصوص الطفل الصغير حيث إن ابن سيف هذا عنده إخلاص ولا نزكي على الله أحدًا يقول السلماني. أراد عبد الله بن ناصر السيف أن يتزوج زواجًا ثانيًا وخطب من ناس في بلدة النبهانية وأعطوه أي وافقوه، وكانت المسافة بعيدة ثلاث مراحل للإبل وكان ابن سيف ﵀ لا يبالي باللغو في الكلام ﵀، وعفا عنه، حتى إن امرأة جابت ابنا لها تريد عبد الله السيف أن يقرأ عليه وسمعته وهو يقول الله يشتمك والذي جبتي وارادت أن ترجع لما سمعته يشتم فقال جيبيه، ويش فيه؟ قالت: إنه ما يرضع وعليه حرارة فقرأ عليه ما يقارب خمس دقائق فرضع وخفت الحرارة عن الطفل فقال: طاب، الله يشتمك. وتعجبت أم الطفل وقالت لزوجها أخبر الشيخ عمر بن سليم عن ابن سيف، أنه يكثر الشتام وهو مشهور بالقراءة على الناس وفيه مصلحة عامة

стр. 5063

للمسلمين فقال: الله يعفو ويسامح. نرجع إلى زواج عبد الله الناصر السيف من أهل النبهانية يقول السلماني: ركب وصحبه ستة من أعمامه وجيرانه على ابل وكان عمه عبد الله هو كبير الركب فلما وصلوا النبهانية تلقوهم بالترحاب وعملوا لهم عشاء ليس له مثيل في زمانه لأن السيف رجال طيبون، وأهل كرم، ومعروفون في كل بلد. وبعد صلاة العشاء أرادوا أن يملكوا له على هذه البنت الطيبة من ناس طيبين، فقال أحد القرابة لوالد البنت ترا السيف أهل تمر، اشترط على الزوج عند عقد الملاك تمر، الشقا على تمر الصباخ أي تمر الصباخ عندهم كثير. ولما حضر العاقد يريد أن يعقد الزواج قال: عندكم شروط فقال: والد البنت .. نعم فقال ويش الشروط؟ قال: الفين وزنة تمر وفي الحال قال عبد الله اللي يشتمك وبنتك معك فقال: الخطيب أعوذ بالله من الشيطان، فقال: عم عبد الله السيف: خلها لي وأنا عمك وأنا أصبر لهم بالتمر فقال عبد الله: تراها لك يا عم. وتملك العم وتزوج تلك المرأة، وبعد سنة من الزواج أنجبت من العم بنتًا وبعد خمسة عشر عامًا تزوج عبد الله الناصر السيف هذه البنت، فسبحان الذي بيده أزمة الأمور وصارت الزوجة الذي يريد. أنموذج من خط عبد الله بن ناصر السيف:

стр. 5064

ومن متأخري السيف هؤلاء: عبد المحسن بن محمد بن موسى بن المُلَّا الأول عبد المحسن السيف المشهور تولى عدة وظائف منها إدارة مالية بريدة، وإدارة الزراعة في القصيم وإدارة الزراعة في سدير.

стр. 5065

وكان يعتبر من وجهاء مدينة بريدة وملاك العقار فيها، وتوفي عام ١٤٠٢ هـ. وكان كجد والده (المُلَّا) محبًا للعقار، وبخاصة الأراضي والبيوت. ذهبت إليه مرة أنا والشيخ إبراهيم الدباسي نريد أن نشتري منه قطعة أرض لأنه مشهور بأنه يملك آلاف القطع من الأراضي فأحضر إلينا أول الأمر اضبارة فيها نحو ستمائة سند وصك، بأراضٍ اشتراها ثم جاء إلينا بإضبارة أخرى فاشترينا منه اثنتين ولو اشترينا منه مائتين لما نقص ما عنده وهو الذي يملك آلافًا من قطع الأراضي لكثرتها. وكان عبد المحسن بن محمد السيف هذا رجلًا كريمًا لا يأتي إلى بريدة شخص ذو بال ويعرف به إلَّا حرص على أن يدعوه على مأدبة غداء أو عشاء في بيته. ومرة كان الملك عبد العزيز آل سعود قد استدعى شيخنا الشيخ عبد الله بن حميد إلى الرياض فخاف أهل بريدة أن ينقله عنهم إلى مكان آخر فأبرق منهم من أبرق إلى الملك بذلك. ثم عرف الجميع أن الشيخ عبد الله بن حميد سيعود إلى بريدة بطريق البر بطبيعة الحال، لأنه لم يكن يوجد طيران يمكن أن يأتي معه. وكان عبد المحسن السيف على صلة بالشيخ عبد الله بن حميد لاسيما أنه من كبار الموظفين وكان جماعة أهل بريدة وهم (الرشود والمشيقح ومحمد الربدي) قرروا أن يعدوا غداء للشيخ عبد الله بن حميد أو قالوا يعدوا له القهوة والفطور في البر، قبل أن يصل إلى بريدة. فذهب عبد المحسن السيف إلى محمد العبد العزيز الربدي، وقال له: الشيخ عبد الله بن حميد شيخ لديرتنا ويهم الجماعة كلهم أن يكرموه فاجعلوا له وليمة سواء كانت غداءًا أو فطورًا باسم جماعة أهل بريدة، حنا وغيرنا ونحن مستعدين بالنفقة والعمل فيها.

стр. 5066

فامتنع أحد الجماعة من ذلك قائلًا: إن الجماعة يعني الثلاثة الذين هم الرشود والمشيقح والربادي هم جماعة أهل بريدة وهم اللي يعزمون الشيخ باسمهم. وكان مكان القهوة والفطور أو الغداء الذي أعدوه للشيخ على بعد ٧ كيلات من بريدة على طريق القادم من الرياض. فسبق عبد المحسن السيف ذلك المكان بنحو سبعة كيلومترات أخرى مما يلي الرياض، وأعد القهوة وفطورا مثلما أعدوه أو أكثر. فلما وصل إليه الشيخ عبد الله بن حميد رحب به ابن سيف وقدم له القهوة والفطور وارتاح عنده. ثم انصرف من عنده قاصدًا الدخول إلى بريدة ولم يكن الشيخ أعطى موعدًا لأحد، لا للجماعة الثلاثة ولا لابن سيف لأن الطريق غير مزفتة، والوصول في وقت محدد فيه صعوبة. فلما وصل إلى المكان الذي فيه الجماعة اعترضوه ودعاه الجماعة إلي القهوة والفطور، فاعتذر بأنه تقهوي وافطر عند عبد المحسن السيف! ! ! قلنا: إن أسرة السيف يكثر فيها الكتبة ولو جمع ما كتبه آل سيف على مر السنين من وثائق ومبايعات ومكاتبات البلغ مجلدات، وفي كتابنا هذا نماذج عديدة منها وردت عرضًا في الكلام على الأسر الأخرى وذكرناها في الكلام على تلك الأسر. وقد استعرضت في كتابي: (أخبار المُلَّا ابن سيف) طائفة من كتابهم والمراد بهم الخطاطون، وليس من يكتبون كتابة أدبية في ذلك الوقت، فمصطلح (كاتب) في العصور القديمة في نجد تعني من يكتب الوثائق والمبايعات والرسائل وليس من يكتب كتابة أدبية فهم لا يعرفون الكتابة الأدبية الإصطلاحية كما نعرفها الآن.

стр. 5067

وقد اختار الشيخ القاضي عبد العزيز بن سويلم كاتبه من أسرة السيف هو (صالح بن محمد السيف) وذلك لحسن خطه، وجودة ضبطه، كما سبق ذكر ذلك. أما عبد المحسن بن محمد بن سيف القديم الذي استحق لقب (المُلَّا) لجمال خطه وإعطائه الحروف والحركات فيه حقها فإن ما خلفه من خطوط ووثائق هي كثيرة جدًّا وقدمنا بعضها. ومنهم محمد بن سليمان بن سيف وهو كاتب مكثر من الكتابة، وثري من الأثرياء المعدودين. وهذا أنموذج من كتابته التي كتبها في ١٨ جمادى الأولى سنة ١٢٧٥ هـ.

стр. 5068

ناصر بن سليمان السيف

стр. 5069

وأما ناصر بن سليمان السيف فعدا كونه طالب علم، بل شيخًا يرجع إليه حتى في التصديق على بعض كتابات المشايخ فإنه كان وجيهًا ثريًا، حتى إن أمير القصيم في وقت من الأوقات صالح بن حسن المهنا استدان منه. وقد اشترى من العقارات سواء من النخيل والبيوت شيئًا كثيرًا وكنت جمعت طائفة منها لإثباتها هنا، غير أنني تركت ذلك اختصارًا. وهو موضع ثقة القضاة والحكام كما في هذا التوكيل الذي أصدره القاضي الشرعي في بريدة آنذاك الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم وصادق عليه الملك عبد العزيز ﵀.

стр. 5070

قال الشيخ إبراهيم العبيد في تاريخه: تذكرة أولى النهى والعرفان: أما الشيخ ناصر بن سليمان فإليك شيئًا من ترجمته، هو الشيخ ناصر بن سليمان بن محمد بن سيف ولد في سنة ١٢٤٨ هـ. وتوفي سنة ١٣٣٩ هـ. أعني بعد هذه السنة بعشر سنين عن عمر بلغ الحادية والتسعين قضاها في طلب العلم وسافر إلى الرياض مع الشيخين محمد بن عبد الله بن سليم ومحمد بن عمر بن سليم، وأخذ العلم عن مفتي الديار النجدية الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البابطين، وأخذ عن الشيخ عبد الرحمن بن حسن وأخذ عن ابنه الشيخ عبد اللطيف. وأخذ عن الشيخ عبد العزيز بن بشر وجلس للطلاب يقرئهم القرآن ويعلمهم مبادي العقيدة السلفية في مدرسة والده سليمان بن محمد بن سيف ونفع الله به أولاد أهالي بريدة، وكان محبوبا لدى مواطنيه لا يقضون أمرًا دونه وكثيرًا ما يكتب العقود الشرعية من وقف وهبة ووثائق شرعية بخطه الجميل، مما يدل دلالة واضحة على مركزه الاجتماعي والثقافي. وكان ﵀ حافظًا للقرآن ومن القراء المعدودين يقرأ عن ظهر قلبه وبسرعة فائقة مع عدم الإخلال في القراءة وكان إماما لمسجده الذي يطلق عليه اسمه حتى الآن ويوجد قرب السوق الداخلي، وكان يصلي التراويح وقيام رمضان إماما بقراءة مجودة عن ظهر قلب، واستمر في إمامة المسجد حتى أقعده الكبر والمرض. وكان ﵀ يجيد فن تجليد الكتب ويحترف هذه المهنة مما ساعده على مواصلة طلب العلم ولازم الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم حال كونه قاضيًا في بريدة ويكتب بين يديه وخلف خمسة بنين سليمان، وعبد الله، وصالح، وعلي ومحمد، وثلاث بنات. وفيها عزل الشيخ عبد العزيز بن بشر عن قضاء بريدة وجعل في قضائها فضيلة الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم.

стр. 5071

وكان صاحب السمو الأمير عبد الله بن جلوي أمير بريدة آنذاك رجلًا حصيفًا حكيمًا سياسيًا يقدر أهل العلم، ويعرف لهم مواقفهم، فاستقرأها حتى أتي على آخرها، ثم إنه بعثها إلى صاحب الجلالة في الرياض، وما كاد الملك عبد العزيز يعلم بموضوعها حتى دعا بخادم له يدعى أبا ردن، وأمره أن يذهب من فوره غداة يوم السبت فيقدم إلى بريدة يوم الخميس فيعزل عبد العزيز بن بشر ويجعل ناصر بن سليمان بن سيف إمامًا في المسجد الجامع حتى يقدم من بلد البكيرية فضيلة الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم فيتولى القضاء، فنفذت هذه التدابير بسرعة خارقة. ولما أن قدم صباح يوم الخميس صلي فضيلة الشيخ عبد العزيز بن بشر بالمسلمين صلاة الظهر ثم ناوله أوامر السلطان وصلي في جامع بريدة صلاة العصر الشيخ ناصر بن سليمان، وبارح القاضي الإمامة والقضاء، ثم بعث الخادم إلى الشيخ عبد الله بن سليم في البكيرية ليباشر مهمة القضاء في بريدة. وذكر الشيخ إبراهيم بن عبيد في تاريخه أيضًا أن الملك عبد العزيز آل سعود عندما استعاد السيطرة على بريدة من محمد بن عبد الله أبا الخيل في تمام ٣٢٦ هـ عزل الشيخ إبراهيم بن جاسر عن قضاء بريدة على اعتبار أن الذي كان عينه في هذا المنصب هو محمد بن عبد الله أبا الخيل وجعل مكانه ناصر بن سليمان آل سيف مؤقتًا (١). نماذج من خط ناصر بن سليمان السيف: وقد اعتاد هو أن يكتب اسمه (ناصر السليمان بن سيف) وسليمان هو والده، وقد كتب كما قلنا آلاف الوثائق وأوراق العقود، ومع ذلك لم أرد أن يخلو هذا المكان من عرض نماذج لخطه وكتاباته، من دون تعليق لأن بعضها قد علقت عليه في أماكن أخرى من هذا الكتاب، وبعضها ليس هذا موضع التعليق عليه.

стр. 5072

لم تقتصر كتابات ناصر بن سليمان السيف على كتابة الصكوك والوثائق والمبايعات والوصايا التي قل أن يوجد من كتب من أهل بريدة مثلها في العدد مثله في ذلك مثل والده سليمان بن سيف، بل تعدت ذلك إلى كتابة الكتب والمخطوطات العلمية. وقد رأيت منها بخطه ديوان حسان بن ثابت ﵁ تأنق في كتابته وترتيبه فجاء تحفة بين الخطوط في تلك المنطقة التي كان أهلها في ذلك الحين يأخذون بالمثل القائل (الخط ما قري والباقي صنعة). وقد كتبه في عام ١٢٩٦ هـ فيما أظن وهو موجود في مكتبة آل سليم في بريدة.

стр. 5073

ولم يكن ناصر بن سليمان السيف مجرد كاتب للعقود ثقة معروفًا، وإنما كان أيضًا معتمدًا للقضاة في بريدة يكلفونه بمهمات متعددة نيابة عنهم. ومن ذلك أن الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم أنابه في شراء وقف للجامع بديل من أرض كان أوقفها عليه عبد الله بن الأمير مهنا الصالح أبا الخيل فاشترى ناصر بن سليمان السيف دكاكين جعلها وقفًا للجامع، وكأنما كان ينظر إلى المستقبل عندما اختار الدكاكين لتكون دون غيرها وقفًا للجامع. وكتب في إيضاح ذلك وثيقة هذا نصها بحروف الطباعة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يعلم من يراه (بأن) عبد الكريم الاحمد العليط باع دكاكينه الدارجات عليه من سليمان العمري، الدكان الذي في السوق القديم الكائن في شمالي بريدة، الدكان الذي يليه من قبلة بالسوق القبلي، والدكان الذي فيه الدرجة وما تبعهن من المصابيح على ناصر السليمان ابن سيف، وهو يومئذ في ولاية خادم الشرع الشريف محمد العبد الله ابن سليم. باع عبد الكريم هذه الدكاكين وما تبعهن بجميع حقوقهن على ناصر السليمان بثمن معلوم بيانه مئة ريال فرانسه، واشترى ناصر في حال ولايته من عبد الكريم هذه الدكاكين وما تبعهن بجميع حقوقهن بذلك الثمن المذكور، وهن معروفات من البائع والمشتري محدودات يحدهن من جنوب السوق، ومن شرق السوق القائم، ومن قبلة بيت حوشان الفحيل، ومن شمال دكاكين العمري، ومن قبلة دكان ابن هزاع وبيت حوشان، السطوح والمصابيح تبع للبيع، يحد المصابيح من شمال ومن قبلة سطح باقي البيت والثمن حال، حرر في يوم ستة وعشرين من شوال من سنة ١٣٠٠ شهد على ذلك محمد العقيل وعبد العزيز الحمد العليط وشهد به كاتبه عبد الله بن شومر، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 5074

ناصر السليمان السيف ومحبته للعقار: بقي أن نذكر أن ناصر السليمان بن سيف يتميز بمحبته للعقارات وتملكه النخيل والبيوت، لا يشاركه مثيل له منهم إلا عمه عبد المحسن بن محمد بن سيف الشهير بالملا فيما يتعلق بالعقارات والدكاكين، وأما النخيل والأراضي الزراعية فلا يشاركه مثيل له من (السيف). ونود أن نورد نماذج من ذلك لا يخلو إيرادها من فائدة لم تذكر في غيرها مما يخص غير أسرة السيف كما هو ظاهر.

стр. 5075

وكان ناصر بن سليمان بن سيف يداين الناس من فلاحين ونحوهم، ولكن لم يكن ذلك بالكثرة التي كان يشتري بها العقار ونحوه، وذلك أن معظم

стр. 5076

المداينات كانت مع قوم من الفلاحين الذين قد يحدث للثمرة التي يرتجونها من التمر أو الحبوب حوادث غير منتظرة أو كوارث تذهبها فلا يستطيع الفلاح أن يوفي دين التاجر عليه، بل إن التاجر يضطر أن يداينه ولو لم يكن يرجو أن يوفيه الدين القديم الذي عليه على أمل أن يحصل بذلك على بعض حقه عنده. ولكنني وجدت ورقة تدل على أن ناصر السليمان بن سيف كان يداين كبار القوم من غير الفلاحين من أولئك أمير بريدة وما يتبعها من القصيم صالح بن الأمير حسن بن مهنا. . ونص الورقة: ونلاحظ أن الورع في أخذ الأموال هو الطابع الغالب على تصرفات أمراء بريدة من أمراء آل أبي عليان إلى أول أمراء المهنا جد صالح الحسن هذا، إذْ صرح الأمير صالح الحسن بأن هذا المبلغ الذي في ذمته لناصر السليمان بن سيف هو على بيت مال القصيم، ومجموع الدين ٢٤٠ وزنة تمر واثنا عشر ريالًا (فرانسه).

стр. 5077

وترجم الأستاذ محمد بن عثمان القاضي للشيخ ناصر بن سليمان بن سيف، فقال: (ناصر بن سليمان بن سيف) من بريدة. هو العالم الجليل والحافظ الشهير الشيخ ناصر بن سليمان بن محمد بن سيف، ولد هذا العالم في بريدة سنة ١٢٤٨ هـ ونشأ في عبادة الله نشأة حسنة ورباه أبوه أحسن تربية، فقرأ القرآن وحفظه على مقرئ وجوده ثم حفظه عن ظهر قلب وتعلم على أبيه قواعد الخط والحساب حتى مهر فيهما وشرع في طلب العلم على علماء القصيم، ومن أبرز مشايخه مفتي نجد العلامة قاضي عنيزة عبد الله بن عبد الرحمن بابطين وعبد الرحمن بن عبد العزيز بن بشر، ومحمد بن عبد الله بن سليم ومحمد بن عمر بن سليم لازم هؤلاء الفحول في أصول الدين وفروعه، وفي الحديث والتفسير ثم سَمَتْ

стр. 5078

همته للتزود والاستفادة في التجرد فرحل إلى الرياض فقرا على علمائه، ومن أبرز مشائخه عبد الرحمن بن حسن وابنه عبد اللطيف آل الشيخ لازمهم مدة ثم عاد من رحلته إلى بريدة فلازم مشائخه فيها ونبغ في الفقه والفرائض وحسابها، وكان حسن الخط جدًّا وعمدة في التوثيقات تعتمد القضاة في القصيم على قلمه الفائق في الحسن. وكان يحب إصلاح ذات البين، فكان القضاة في بريدة يحيلون كثيرًا مما يشتبه عليهم ليصلح بين الخصمين فينهيها على خير ما يرام وله مكانة مرموقة ومحبة في قلوب الناس وفيه نخوة وكان والده قد فتح مدرسة في بريدة لتعليم القرآن ومبادئ العلوم فلما توفي حل محله في تعليم التلاميذ وخلفه على الإمامة في المسجد الذي توارثوا الإمامة فيه طيلة حياتهم ولا يعرف هذا المسجد حتى اليوم إلا بمسجد ابن سيف في بريدة وهو الذي كان عمر بن سليم يؤم فيه على حياة أخيه وجلس للطلبة. وكان واعظ زمانه ولمواعظه وقع في القلوب، وكان حسن الصوت جهوري التلاوة فصيحًا مع الإدراج يلتذ سامعه رشح للقضاء فامتنع تورعًا وخوفًا من غائلته، وكان آية في الزهد والورع والاستقامة في الدين عفيفًا متعففًا مع قلة ذات يده (١)، وكان يتعيش من كتابته للكتب والمصحف فقد خط كتبًا كثيرة بقلمه النير الفائق في الحسن والضبط، وتولى الإمامة في الجامع الكبير في فترة ما بين سفر العلامة عبد العزيز بن بشر، وتولى عبد الله بن سليم وكان الناس يقصدون الجامع في رمضان لصلاة التراويح خلفه لرخامة صوته فيمتلئ المسجد رجالًا ونساء، وظل إمامًا بمسجدهم سنين حتى أقعده المرض وأرهقته الشيخوخة، وكان عامرًا مسجده في الوعظ والإرشاد والتدريس ويتفقد المتخلفين ويناصحهم ويصدع بكلمة الحق لا يخاف في الله لومة لائم ولكلامه نفوذ وشوكة وهيبة وكان مع مهنة الكتابة يجلد الكتب والمصاحف يخيطها ويكثر من التلاوة

стр. 5079

ليله ونهاره وله حزب من الليل ولسانه رطب بذكر الله كثير الإحسان إلى الخلق ما أمكنه من أعمدة المسجد يحنو على الفقراء والمحاويج ولم تزل هذه الحالة الحسنة تتجدد حتى وافاه أجله المحتوم مأسوفًا على فقده سنة ١٣٣٩ هـ (١). وترجم له الشيخ إبراهيم بن محمد بن سيف، فقال: الشيخ ناصر بن سيف (١٢٤٨ - ١٣٣٩ ه ـ): نشأته ودراسته: العم المقرئ الشيخ ناصر بن سليمان بن محمد بن سيف. ولد في مدينة بريدة وتعلم القراءة والكتابة على والده، حيث كان والده له مدرسة لتعليم القرآن، ثم أخذ العلم عن الشيخين الجليلين محمد بن عبد الله بن سليم، ومحمد بن عمر بن سليم، ولازم الشيخ محمد بن سليم الذي كان قاضيًا لمدينة بريدة، وسافر مع شيخيه هذين إلى الرياض. سافر إلى الرياض وأخذ عن العلماء هناك فقد تلقى العلم عن العلامة الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ صاحب كتاب "فتح المجيد شرح كتاب التوحيد" العالم المشهور وكذلك عن ابنه الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، كما أخذ العلم عن مفتي الديار النجدية في وقته، العلامة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبي بطين وأخذ العلم عن الشيخ الفاضل عبد العزيز بن عبد الرحمن ابن بشر. نشاطه العلمي وأخلاقه: جلس الشيخ ناصر ﵀ للطلاب في بريدة يقرؤهم القرآن ويدرسهم العقيدة السلفية، وذلك في مدرسة والده سليمان بن سيف نفع الله به. ويقول الشيخ صالح العمري في كتابه عن "علماء آل سليم والقصيم" وآل

стр. 5080

سيف في زمنه وما قبله في زمن والده وبعض أسرته الذين قبله لهم عناية بتدريس القرآن وتعليم الكتابة وقد علم القرآن والكتابة لمئات من الطلاب. اهـ. وله ترجمة في الكتاب المذكور وكان محبوبًا لدى أهالي بريدة ومستشارًا لهم، وكان يكتب لهم العقود والوصايا وغيرها بخطه الجميل، وكان له مركز اجتماعي وثقافي مرموق وكان حافظًا للقرآن الكريم عن ظهر قلب، ومن القراء المعروفين بحسن القراءة وحسن الصوت وحسن الخط، وإمامًا لمسجده الذي كان يطلق عليه مسجد ناصر بن سيف ببريدة، والذي نزعت ملكيته وأدخل ضمن سوق الخضار المركزي في بريدة ولم يبن بدله حتى تاريخه، وكان يصلي بالجماعة التراويح والتهجد في رمضان بقراءة عن ظهر قلب مجودة، وأم الجماعة في مسجده هذا أكثر من ثلاثين عامًا. وكان يحضر مجالس القضاة ويعهدون إليه في بعض الأمور الخاصة بقضايا الخصوم، من قسمة البيوت والشركات وإصلاح الذات بين الخصوم حتى إنهم يخلفونه على القضاء في غيابهم بعض المرات، وله سمعة طيبة ومعرفة بأحوال الناس. وكان راجح العقل وكان يجيد فن تجليد الكتب ويحترف هذه المهنة، وما زال إمامًا لمسجده حتى اقعده الكبر والمرض. وفاته: توفي ﵀ عام ١٣٣٩ هـ ولكن يقول أحفاده ويؤكدون أن وفاته كانت عام ١٣٤١ هـ. والشيخ ناصر أسرته وأسرتنا يجتمعون في الجد الخامس (محمد) وآخر أولاده وفاة الشيخ محمد بن ناصر بين سيف الذي كان قاضيًا في إحدى البلدان التابعة لمنطقة المدينة المنورة المسماة وادي الفرع، ثم انتقل إلى قضاء عقلة الصقور من قرى منطقة القصيم ثم تقاعد عن وظيفة القضاء وتوفي في شهر
следующие страницы →