محمد بن شريدة:
أكثرهم شهرة وأعلاهم مقامًا، وكان يقال فيه وأمثاله في زمنه: إنه غني عن التعريف، ولكن مع مرور الوقت، وتلاشي الأخبار الشفهية عنه وعن غيره كان لابد من ذكر بعضها.
محمد بن عبد الرحمن الشريدة، اشتهر بأفعاله الخيرية وحبه للفقراء والمساكين ومساعدة المحتاجين.
كان ﵀ إذا سافر إلى الشام ومصر حرص رجال العقيلات على أنهم يخاوونه ويرافقونه، فمثله الذي يحتاجون لمساعدته من النقود أو طلب الإبل أو غيرها.
كان هو وأخوه منصور مشهورين في إعانة الفقراء وكانت أبوابهم مفتوحة للمحتاجين.
سنة الجوع:
حل بالناس سنة ١٣٢٧ هـ سنة الجوع فقام الرجلان بتوزيع القوت والحبوب والتمر، وكان (الشريدة) بزعامة المذكورين يلحقون الناس في الشوارع وينقذون من لحقوا به من الموت.
قال أبوهم عبد الرحمن وش سويتوا بالتمر؟ قالوا بعناه.
قال: من هو عليه بعتوه؟ قالوا سلمك الله على ربنا الله سبحانه.
قال: نعم البيعة، الله يقبل.
وهكذا فعل محمد بن شريدة - حين رأي الشوارع يتساقط فيها الناسُ حاضرة وبادية كبارًا وصغارًا رجالًا ونساء يتساقطون من الضعف والجوع،
стр. 5252
عندها نادي في الرجال والشباب الأقوياء ليساعدوه - وانطلق بهم إلى منزله وجمع مئات الأواني صغيرة وكبيرة - وملأها بالتمر وأحيانًا بالماء والتمر، وبدأ مع مساعديه في إنقاذ المئات من الناس وأمر مناديًا في جميع شوارع بريدة - من أراد الطعام فليأت إلى بيت ابن شريدة.
ويقول الأديب فهد المارك ﵀ في كتابه من شيم العرب (لا يطيب للتجار المحتكرين إلا العيش على حساب الجائعين من مواطنيهم اللهم إلا من كان بين جنبيه قلبٌ ألمعيٌ وعاطفة دافئة ووجدان عامر ومروءة جمة مثل (محمد بن شريدة ﵀ ذلك الرجل الذي كان زعيمًا لبريدة في عصره ومن ذوي الحل والعقد - عندما خرج ذات يوم فوجد الكثير من الحاضرة والبادية يتضورون جوعًا ويملأون الطرقات - فلم يسعه إلا أن يلبيّ نداء ضميره الحي - فيرحب بالجياع والضعاف - يتزاحمون عند بابه وانخنس عشرات التجار عن دروب المكارم - حتى حاول أحد المشهورين من التجار أن يثني محمدًا عن هذه المكرمة - ليبيع ما عنده بأسعار خيالية - ولكن محمدًا رفض، وختامًا قال أحدهم من قصيدة له:
من مثل إمحمّدْ بالازمان العسيره ... خمسين ليلة واقفٍ يبذل الزادْ
من مثل إمحمّدْ والليالي خطيره ... يشُبّ نارٍ يدهلة كلّ ورّادْ
محمّدْ نظيف القلب صافي السريره ... راع الكرَم والجود هو فَخر الأجواد
وقد نظم الشاعر ناصر أبو علوان فيما عمله محمد الشريدة وأخوه وشريكه في المال منصور الشريدة قصيدة عصماء مؤثرة رأيت ذكرها هنا لأنه شاهد الحال فيها:
стр. 5253
قال الذي ما قال زود ولا زور ... وقول بلا فعل هله يقمحون
أنا شهيد محمد هو ومنصور ... بدفع البلا كل الملا يشهدون
وأنا قصير محمد هو ومنصور ... جيرانهم بصحونهم يرثعون
صغار وكبار وزود هل الدور ... اللي بهن لحقوقهم يرسلون
لي نوخوا ما قالوا الباب مسكور ... الضيف ضيف الله ولا يزعلون
حران ذبح الضان وجنوب وظهور ... وزاد يكوم في كبار الصحون
إلَّا وسهلين وجزلين وظفور ... ودرب المراجل يضربونه بهون
من طلعة النجمة إلى شقة النور ... من مالهم لأعمالهم يجمعون
يا ما تلاقي من صحيح ومصفور ... وعجز وشيبان سواة الشنون
لي قلت: خَفوْا جا مع السوق طابور ... ناس تلاقي من بعيد يجون
أجواد لو عَليه خلاخيل وخصور ... عطية خفا ما نظرت بالعيون
الله ذكر من صغَّر النفس ماجور ... وأسعدهم بإيمانهم ينثرون
باعوا على الله ما هي بالهرج والشور ... يا الله عسى في بيعهم يربحون
اللي يبي الجنة وينزل مع الحور ... يفطن لعيلات هَلّهْ يستحون
أنا اطلب الله كل ما اقعد وابي أثور ... محمد ومنصور عسى يسلمون
وفهد وأبوه بنية الخير مذكور ... المال دون وجيههم يرخصون
و(يحيى) بغيباته للأمصار مشهور ... طيبه مع اللي للنضا يتبعون
بالبر والبلدان وبديرة الغور ... اللي هل العيرات له ياردون
وحمود وسليمان لي ركبوا الكور ... مروسين للفرَجْ يقطعون
إبراهيم وصالح ما بهم حكي وقصور ... وعلي وتال الغوش ماهمب دون
هذا الجهد مني إلى صرت مقهور ... العذر يا جيراننا فاعذروني
سلام مني عدد موج ببحور ... على النبي وأصحاب له يتبعون
стр. 5254
ومع معرفتي الشخصية عن طريق الرواية من عشرات الشيوخ الثقات عما فعله محمد ومنصور الشريدة، وهما شقيقان شريكان في المال في سنة الجوع التي هي عام ١٣٢٧ هـ فإنني رأيت أن أنقل كلام الأستاذ إبراهيم أبو طامي في الموضوع، قال:
إحسان محمد ومنصور العبد الرحمن الشريدة:
ومن ضروب المعروف ما جرى من المحسنين المشهورين محمد ومنصور الشريدة من أهالي بريدة حين أصبح صباح وعلى الناس جوع شديد ولهما ضيعة ومخازن مليئة بالتمر وهما شركاء فيه، قال محمد لأخيه منصور: أنني بعت المال (التمر) جميعه، قال منصور: هل اشترطت مشورتي؟ قال: نعم أنت أخي وشريكي وقد بعته إلى أجل قريب، وبعيد في وقت واحد، فاستغرب هذا التناقض وقال: إنني طوع الأمر ورهن الإشارة، فقال: عزمت على بيعه على الله ابتغاء مرضاته وتطهيرًا لأنفسنا من الذنوب بإذن الله.
فقال منصور وأنا كذلك، فحاط مجلسهما البكاء لما عليه الناس من الحاجة ترجم عنها دموع رقيقة فصارا يوزعان التمور على الناس، وهم في مسيس الحاجة إليه واستمر مدة أيام حتى نفد التمر مع ما يصحبه من ملابس ومبرات أخرى، وسيربح بيعهما باذن الله.
وللمحسنين ثواب عظيم عند الله (١).
أقول: المشهور أن محمد الشريدة قال لوالده: بعنا التمر على الله، وذلك أن الناس أصيبوا بالجوع فكان بعضهم يقعون في الشوارع والمساجد موتى بعد أن كانوا يتضورون جوعًا.
стр. 5255
وكان للشريدة تمر كثير ووالدهم عبد الرحمن قد أصبح شيخًا كبيرًا فعلم من الناس أن التمر ارتفع سعره.
فقال لابنيه محمد ومنصور: يقولون التمر علي عساكم بعتوا التمر؟ قالا: نعم.
فقال: من هو الذي بعتوه عليه؟
قالا: رب العالمين.
قال: نعم البيع.
ومن أفضل أعمالهم أنهم كانوا يعطون النساء المتعففات ومن لا عائل لهن ليلًا ممن يستحين أن يعرفهن الناس، فكانوا لا يسألونهن عن الأسماء، ولا عن المكان.
وهذا أمر عرف واشتهر في الجزيرة العربية في ذلك الوقت.
أما عن موت الناس في الشوارع جوعًا في عام ١٣٢٧ هـ فذلك سيرد ذكره في ترجمة (موسى بن عبد الله العضيب) في حرف العين بإذن الله.
أحفاد عبد الرحمن بن شريدة:
ومع هذه الكثرة من الأبناء النجباء ذوي المظهر القوي الرائع فإن أبناءه وأحفاده لم يكن أحد منهم مثله في كثرة الأبناء، بل كانت ذرياتهم متوسطة العدد ما عدا عبد الله بن الزعيم محمد بن شريدة فقد رزق بعدد لا بأس به من الأولاد.
منهم وهو من أحفاد الزعيم محمد بن شريدة الشاعر سليمان بن عبد الله الشريدة، له قصيدة رثاء في والده عبد الله بن محمد الشريدة.
قال في عنوانها:
مرثية بالوالد عبد الله بن محمد الشريدة الذي وافاه الأجل يوم الاثنين ١٧/ ١٢/ ١٣٩٧ هـ نسأل الله الكريم له المغفرة والرحمة والرضوان:
стр. 5256
يا ساهرًا ونجومُ الليل شاهدةٌ ... وباكيًا حيث لا نجمٌ ولا قمرٌ
وشاربًا من يد الأحزان مترعة ... قد خط باللوح ما يجري به القدرُ
ارفق بنفسك فالأيام ذاهبةٌ ... وما مضى قد مضى والموت مُنتَظرُ
لقد بكينا دمًا من هول فاجعةٍ ... وقد غشينا فلا سمعُ ولا بصرُ
طلت عيون على الأبواب شاخصةٌ ... كأنها قد رجت أن يكذبَ الخبرُ
لو جئت للدار عصرًا كيف تشهدها ... الهالك الأمرُ والإرجاف والبَشرُ
كنّا صفوفًا علينا الطيرُ جاثمة ... في موقف لا لنا ورد ولا صدرُ
هذي اليتامى علاها صفرةٌ وأسى ... كأنها في حياض الموت تحتضرُ
أما البنات فقد زاغت نواظرها ... لم يبق منها سوى الأكباد تنفطر
* * * *
يا واسع الفضل نرجو منك مغفرةٌ ... لوالدٍ طاب منه الخُبْرُ والخَبَرُ
في موكب الخير قد ضاعت شواهده ... وموكب الدين محمود ومشتهرُ
يكفيه موقفه والناس خائفة ... حين الشباب على الأبواب تنتظرُ
حيث الخبيبُ ألوفٌ سار جمعهم ... نحو المدارس فيها النار والخطرُ
فكان أن ردهم بالحسن منطقهٌ ... وحلٌ مشكلة لولاه ما صبروا (١)
* * * *
يا سائرين بعبد الله معذرةٌ ... قفوا قليلًا فما في الناس مصطبرُ
لعل عينًا تسحُ الدمع موفية ... حقًّا لشهم عليه القلب منكسرُ
هو الكريم وآباءٌ له سلفوا ... لا يعقد الناسُ أمرًا فيه ما حضروا
محمد وأخوه الفهدُ ألويةٌ ... والشهم منصور ذاك الصارم الذكرُ
стр. 5257
ثلاثةٌ في سماء المجد ساطعةٌ ... ما مثلهم وقتهم بدو ولا حضرٌ
محمدٌ طَبْق الدنيا بشهرته ... فيه الرجولة والإحسان والظفرُ
* * * *
كيف الرجوعُ لدارٍ غاب عامرها ... وخيم الحزن والإظلام والكدرُ؟
كيف السلو وللأطفال مصطرخ ... لو كان يمنعهم نهيُ ومعتبرُ
وديعةٌ لإله الكون أرجعَها ... الموت فيه لأهل الخير مُعتبرُ
عليه من ربه الطاف هاطلةٍ ... ورحمة ظلها الريحان والشجرُ
وللرسول صلاة دائمًا أبدًا ... من ربه ما توالى الشمس والقمرُ
وقال فيه بعد أن مضت على وفاته عشرون سنة:
قصيدة من الشعر العامي بسيدي الوالد عبد الله بن محمد الشريدة الذي رحل عن هذه الدنيا بتاريخ ١٧/ ١٢/ ١٣٩٧ هـ:
عشرين جردا سيّدي ما نسيناه ... وما يصير أنا أنساه طول الزمان
في عام تسعين وسبعة فقدناه ... فقد الشجّرْ ميَّ المطر والليان
يا ما على أبوابه ولهنا وبكيناه ... أبو محمّدْ زارع للاحسان
يا روح روحي بين الأحجار زرناه ... الفضل لله من حَنانهْ غذاني
لجْت أطيورْ بالسما ما دعيناه ... وعافت عشاها والقنص والمكان
وخلْت اقصوره في قصيبا إمبنّاه ... في راس حزم رافعين المباني
يا ما شبعنا من طواريف يمناه ... وياما لبسنا من جديدٍ وفاني
وياما قنصنا الصيدُ وياما طردناه ... وياما رتعنا بالمطر والمحاني
البرُّ يذكرنيه والبيتُ ومغناه ... ويذكرْن فعله جميل المعاني
стр. 5258
وكلّ الرياض الزاهره يوم جيناه ... وزين الفيافي من قصيّ وداني
وذيك الخيام الليّ بنواظر تركناه ... يَمّ النعايمْ ياهوى كلّ عاني
نسعدْ معه بالقنص بجوٍ عشقناه ... وشوف الظبا ترشع بذيك المغاني
لو شفتِ دمثا بالجميلهْ تمنّاه ... كم راس ظبي من يمينه يبان
وأجوال من برق الحباري لقيناه ... بسّ تدارّج عشرها والثماني
كم سهلةٍ دمثًا بصيده نزلناه ... وروضٍ خضرْ هلّت عليه المغاني
وكم ليلةٍ هطلًا وجميلة سهرناه ... معْ ليلة قمرًا ربيعُ وتهانَي
يا الله يا ذا الجودُ وفضلك شكرناه ... تجمعنا بالغالي بعالي الجنان
وسليمان بن عبد الله الشريدة هذا شاعر له شعر كثير منه قوله:
كمْ منظرٍ هيّج ضميري بالأشعار ... وذكرْ إسنينٍ ماضياتٍ صفايا
بديار نجد للعرب فيها الأسرار ... دار الكرم والخير وزين السجايا
يا ما تذكرني إربوعهْ والآثار ... التي مضوا عبر السنين الخلايا
هي دارنا ما مثلها بكل الأمصار ... في حضرها وفي بدوها والقرايا
إن شفتِ روضٍ عطّ ريحه بالأزهار ... تسعد إعيوني بالفجوج الملايا
ولى شفت ذيك السحب سودٍ بها أخطار ... يا فرحتي بأمطار نجدِ وهوايا
يا ما حلا رفة بروقه والأمطار ... وقت الربيع التي فنونُ وحلايا
ونار الشتا بالليلِ في ذيك الأقفار ... روعة جماله بالسمرْ والحكايا
والى اشعلوا نار الغضا تالي الأسحار ... مع خمسة القهوهْ ترى له مزايا
ونجرٍ يلعلعْ مثل نغمات الأوتار ... وربع على كيفكْ نشاميَّ نقايا
стр. 5259
هذه القصيدة قالها سلطان بن عبد الله الوسيدي في الأستاذ سليمان بن عبد الله الشريدة:
سار القلم يكتب كلام إمصفيه ... ردّ الثنا يمّ الرجال المجيدهْ
أبو فهد يشكرْ عسيى الربّ يحميه ... راع المكارم والسجايا الحميدهْ
قلته وغيري من يقوله ويطريه ... الناس ما يخفى عليها الوليدهْ
خذها حقايقْ ما بها هرج وتمويهْ ... بالمدح ما تكفيه حتى القصيدهْ
سليمان وسط الناس لي حلّ طاريه ... ما يلحقه علم الردَّي لو تريدهْ
شيخ ولد شيخ شريفهْ مباديه ... يكفيه بالأنساب نسل الشريدهْ
أهل المكارم والكرم والمشاريه ... وهل العلوم الطيّبات المفيدهْ
واطلب من اللي بالمساجد أناجيه ... يحفظ لنا الإسلام وهل العقيدهْ
* * * *
يا ابن الشريدة طيبكم من يخفيّه ... ولو تختفي تشهد منازل إبريدهْ
مجدك عريق بيّناتٍ مواريه ... عساك تبقى لليّالي السعيدهْ
والمجد ما كلّ يمسّكْ عراويه ... إلا الرجال أهل المزايا الفريدهْ
يستاهل البيضا سعادة معاليه ... الليْ جمع كلّ العلوم الرشيدهْ
قريت بكتابهْ وما كان يحويه ... صيد الفرا فيه الجواهر عديدهْ (١)
كتاب يشرح صدر من كان قاريه ... وخليّ العوج يمشي مع الدرب سيدهْ
وأخباره الحلوة تجي في مثانيه ... نقراه في يوم ويوم نعيدهْ
وسط المجالس كلنا نفتخر فيه ... والليّ زرع زرع يلاقي حصيدهْ
فيه الرجال الطيّبه والمداليه ... وفيه القصص بين النشامى وكيدهْ
أولْ كتابه يطر بكْ ثمّ تاليه ... وكلّ الغرايب قِدْمها والجديدهْ
стр. 5260
خوذوا دُرَرْ يالليّ قريتوا معانيه ... واسأل ولي العرش بخيرٍ يزيدهْ
ولا ظنتي في كثر الأمداح نوفيه ... لو نطبع الأمثال وسط الجريدهْ
الشاعر سلطان بن عبد الله الوسيدي
٣/ ٧/ ١٤٢٥ هـ القاعدة العسكرية
وقال فهد بن عقيل الطويان:
في يوم السبت ٧/ ٧/ ١٤٢٣ هـ تشرفت بزيارة أستاذي الكريم سليمان بن عبد الله الشريدة وأهداني الجزء الأول من كتابه المنوع والشامل (كل الصيد في جوف الفرا) ويوم الاثنين ٩/ ٧/ ١٤٢٣ هـ سعدت برد الزيارة الأستاذي في إستراحته الخضراء العامرة شمال بريدة، وقد كتبت له على عجل هذه الأبيات التي لا تعبر عن كل ما في داخلي من تقدير لأستاذي الذي عرفته من سنين عديدة مشرفًا مخلصًا للغة العربية ومواطنًا مخلصًا محبًا للمعروف وللخير وللطيب ولا غرابة في ذلك فهو سليل أسرة عزيزة لها مكانتها قديمًا وحديثًا:
يا أبو فهد يا وارث الطيب زرناك ... زرتك لوْ حالت مواعِيدْ وظروفْ
أستاذنا بك نفتخر ما نسيناك ... وجدّك محمّدْ بالعقيلاتِ معروفْ
لنا الشرف في عِرف مثلِك وشرواك ... بالدين والمعروف والطيب موصوف
الجود من راسِك إلى عرش ماطاك ... يا مسندي طيبك مع الناس مشيْوف
في مهنة التعليم حنّا فقدناك ... لا شكْ دورك فيه محفوظ بحروف
تبكيك أمّ الضّاد من جرْ فرقاك ... وافعالها الخمسهْ وعطفٍ ومعطوفِ
ومن هو عدّوك ياسيما الجود يفداكْ ... مع البخيل التي عن البذل موقوف
ما ضاق صدر التي يزورك وخاواك ... يا فزعة التي جاك خايفْ وملهُوفْ
стр. 5261
أخفيت عن يسراك مدّات يمناك ... تبْي العوض من مالِك المُلك مخلوف
ما همّتِك دنيا الفنا وزود الأمْلاك ... ما تملكِه من مال بالطِيَّب مصروف
لي لاح برّاق الحيا غاية إمناك ... أصبحت ببريده ومَمْساك بالجوف
التي تبي منِّي على الرأس يفداك ... لوْ كان كفي من عنا الوقت مكتوف
المعذرهْ يا أبو فهد لا عدمناك ... كتبتها عجلٍ وأنا لي بها شوف
أحرجتني بالطيب يا محرج إعداك ... بالدين مع علمك وطيبك ومعروف
محبك وتلميذ: فهد بن عقيل بن زايد الطويان، بريدة ٩/ ٧/ ١٤٢٣ هـ.
وقال الشاعر بخيت مطني العرماني:
أهدي هذه القصيدة إلى الأخ الشهم سليمان بن عبد الله الشريدة وأرى لو قلنا الكثير ما نلحق جزاه:
يا ابن شريده قرّبت ليلة العبد ... والناس كلّ مهتني بالاعيادِ
وأنا كما التي قاعدٍ له على حيد ... بأرضٍ خلا دوٍّ وسيع حمادِ
ناصيكِ با طير السّعد ماكر الجيد ... يا اللي إفعولك ماضياتٍ وكادِ
جيتكْ ولدْ حرٍّ من إفعالك إنصيد ... ولك بالكرم قصرٍ رفيع العِمادي
أبوك عبد الله بصير المواريد ... له في إدروب المجد حاضرْ وبادي
إيدهْ سخيّهْ ما تعرف القثاريد ... ويا صل إليا قصرنْ إحبال الجوادِ
تبكيهِ بسنين الوزا الخرّد الغيدْ ... وتبكيه لامجاده كثير البلادِ
يشهدْ لها التاريخ بعلم وتوكيد ... ما هو من التي فعلهمْ دوم غادي
يا أبو فهد قل لي عسى عيدنا عيد ... عساه يجمعني بمظنّة فؤادي
ويا أبو فهدْ لو ردّد الشّعر ترديدْ ... ما الحق جزاك ولو يطول البعادِ
стр. 5262
وقال الشاعر دخيِّل بن محمد بن علي الدخيِّل في مدح سليمان بن عبد الله الشريدة:
مِني سلام عِدْ وبلَ المخايلْ ... وعِدَّ النباتُ وعدُ ما يجري السيل
لبوفهدْ نجلّ الرّجال الأصايل ... سليمان إليا عدّوا إجزال المحاصيل
يا مُبهِّر الدّله عَريبَ الخصايل ... يزهاك يا الممدوح صف المعاميل
مِنْ طلعتكْ ما قالوا الناس مايل ... وراع السخا والدين ما يقبل الميل
تعيش يا شهم للأمجاد كايل ... أبوكُ وجدّكْ مشبَعَين المهازيل
هذي إسواة القرم ولد الحمايل ... نعمّ الفصيلة والرّجال الحلاحيل
ستر العذارى ناقضات الجدايل ... يومَ الزمانَ اللي به الخوفِ والعيل
وكلّ الشريدهْ كاسبين الجمايل ... يشهْد لهم بالطيب جيلٍ باثر جيلْ
يوم الصعايبْ يطلعون الأوائِل ... شهرة كرمهم آخذينه على الخيلْ
ما هيب هرجاتٍ لبعض الفصايلْ ... وتمجيدهم للنفس وقت التعاليل
وكثر الحكايا ما تفيد الهثايل ... ومِنْ دون فعلٍ ما تفوز الرجاجيل
وصلاة ربي عِدِ ما قال قايلْ ... على الرسول الصادق الفعل والقيل
تاريخ ١٥/ ٨/ ١٤١٦ هـ
ومدح الشاعر دخيِّل بن محمد العلي الدخيل أيضًا ابنه سلطان بن سليمان بن عبد الله الشريدة، فقال:
يا مرحبًا فيك يا سلطان ... يا مبهْر الهيل بالدْلة
الله يعيذك من الشيطان ... والله يعصمك من الزلّه
تستاهل المدح يا ذيبان ... حيثك على الدين والمِلّه
أبوك الوافي من الشجعان ... والمدح والطيب كَقوٍ له
أبو فهد مكرم الضيّفان ... وحاشي الكرم والسخا كله
стр. 5263
أهلًا هلا به كحيلان ... كل المكارم إتسّجل له
وكلّ الشريدة على هالشان ... إعلومهم ما بها قِلّه
والله ما قلتها غلطان ... وعندي براهين وادلّه
إعيال الحمايل لها ميزان ... مرفوع في عالي القلّة
يا الله يا راعي الإحسان ... تكفيهم الشّر والخلّه
وصلاة ربي عدد ما كان ... على رسول الله وصحبٍ له
عَوْدٌ إلى شعر سليمان بن عبد الله الشريدة:
قال:
ابتهالٌ وحمدٌ وشكرٌ وتمجيدٌ لله رّبِ العالمين:
لجّتْ عصافير النَّخل والمفالي ... بقصر فسيح تالي اللّيل جاته
وسهرت طول الليل وضاق المجالِ ... وغنَّي القلم الحبر والشعّر هاته
وسجلت سبعين إعذاب إجزالِ ... لما شعاع الصبّح مدّوا رُعاته
يا الله إتسامحني عن اللّي مضى لي ... وتعصم إعبيدك في بقيّة حياته
أنت العظيم اللي على العرش عالي ... وأنت الغفور اللّي كمالٍ صفاته
وأنت الكريم اللي بفضلك نلالي (١) ... يا سْعدِ من هو تسعده في صَلاته
وأنت الإله الفرد مالك مثالِ ... أرسلت رسلكْ للخلايقْ هُداته
وبرّيتنا بطه كمل بالمعالي ... عبدك مُحمّد يا هلا وسهلاته
وأبدعتِ يالواحد عزيزَ الجلالِ ... بالكون ما تذهلْ إعلومه رواته
بدر السّما ونجومها والليّالي ... وطيب اللقا والنّوم ولدّة هناته
والشّمس نورهْ ساطع بالتِّلالِ ... وعمّت جميع الكون من معجزاته
стр. 5264
ومنحتنا بيتٍ رفيعَ المنالِ ... وأهل التُّقى والخير صاروا ولاته
فيه الحجيج أصواتهم بالعلالي ... بالتلبية حقق لها الله مُناته
وربّيتنا إصغار عُراة هُزالِ ... واسقيتنا دَرٍّ إنظافٍ سُقاته
والبستنا إثيابٍ زهت بالجمالِ ... ودفيتنا وقت المطر والاشاته
ونار نشبّه بين ذيك المدالي ... في قحف طعس شاق قلبي مباته
مع ربع قروم كرام رجال ... في كِلّ روض نازلين إتلعاته
ودّعْ بعضهم مع أبويهْ وخالي ... ياما من إعلوم بقتْ ذكرياته
يا ما دفنًا في ثرى القبر غالي ... وياما طوت سود اللّيالي سراته
وقفتِ في ليل على جُرفٍ جال ... يمّ الأشماط اللي رقينا حصاته
وجريّت صوتٍ فوق ذيك الطوال ... في ليلةٍ عيّا يجيني سباته
ليل طويل سامريته لحالي ... وسط الفيافي اللّي يهابه مشاته
الدّمع منّ عينّي تسحّه سجالي ... والقلبِ من خوفه على الله ثباته
ودمعي تنثر والشّجر كالخيال ... وهبايب الجوزا تثير إجمراته
لو أهني من هو إمريح وسالي ... ما كسّرتْ بعض الليالي إعبراته
كم من قريبٍ لي طوته اللّيالي ... وكم من رفيق ما نسينا إسهراته
لي شفت لكْ سفح رهيب الإظلالي ... فانزل وخلّ النّفس تدرك مناته
ولي جيت لك صيهد رفيع يلالي ... فاطرب بشبّ النار هي وقهواته
ولا جاز لك طعسِ بذيك المفالي ... فاشمر برأسه واكتبن من هُواته
فليا حصل هذا وزين الدّلالِ ... فهذي هي الدّنيا وهذي اثمراته
رفعتِ لله في يديّة سُؤالي ... وربيّ وليّ العرش يسمع دُعاته
وبيبان ربّي ما عليها أقفال ... نلقاهُ دايمْ ما يخيّبْ رجُاته
يا سيّدي فضلك قديم وتالي ... وعطفك علينا إنتطعّمْ حلاته
وإن كان بالدنيا جحودٍ وقالي ... فالله لا ياقي جحود إسواته
стр. 5265
الشّكر لله بالغدّو والآصال ... والشكر لله ما نسينا هباته
ومن شعر سليمان بن عبد الله الشريدة: مخيمّ نواظر عام ١٣٨٢ هـ:
الليل يا سلطان نسهر تواليه ... في روضةٍ كنّ الذهب من ثراها
بتالي نجوم الوسم يا حلو تاليه ... بذيك الفياض اللّي وسيع مداها
جيت المخيّمْ وأهلنا كلّهم فيه ... عشرين ليلهْ ما نسينا حلاها
بروض خضرْ سود المهاطيل ترويه ... وريح الخزامي والنفل في هواها
وغدران تسفحْ بالمطرْ من روابيه ... يا زين منظرها ويا طعم ماها
والصيد واجدْ غافلٍ في مفاليه ... نلقى الحباري راتعهْ مع ظباها
يمّهْ نواظرْ والنعايمْ مداليه ... في كلّ يوم قنصْنا في شفاها
وطعسِ هو المشراق نرتعْ بعاليه ... وليا ارتوى تطرب بلابل فضاها
مرحوم يا شيخ تمشى بنواحيه ... عساهُ بالجنات يقطفْ جناها
مرحوم شيخ يسعد القلب طاريه ... يرغدْ علينا والمواترْ شراها
أبو محمّدْ طاهر القلب راضيه ... بطفولته كل المراجل حواها
وهو من رجال التربية والتعليم ترجم له الأستاذ عبد الله بن سليمان المرزوق، فقال:
سليمان بن عبد الله بن محمد الشريدة:
ولد الأستاذ سليمان الشريدة في مدينة بريدة عام تسعة وخمسين وثلاثمائة وألف من الهجرة النبوية، ثم فتح المعهد العلمي ببريدة فالتحق به، وبعد ذلك التحق بقسم اللغة العربية في كلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية في الرياض، وحصل على الشهادة الجامعية عام ١٣٨٢/ ١٣٨٣ هـ.
стр. 5266
ابتدا الأستاذ سليمان حياته العملية في ١/ ٦/ ١٣٨٣ هـ معلمًا للغة العربية في معهد المعلمين الابتدائي ببريدة، واستمر في هذا المعهد حتى عام ١٣٨٦ هـ، وهو العام الذي كلف فيه بالتدريس في معهد إعداد المعلمين الثانوي ببريدة، وقد استمر كذلك حتى ٢٩/ ٥/ ١٣٩٠ هـ حين كلف بالعمل في التوجيه (الإشراف) التربوي.
وقد باشر عمله موجها (مشرفًا) تربويًا في شعبة (وحدة) اللغة العربية في إدارة تعليم القصيم (الإدارة العامة حاليًا) في ١/ ٦/ ١٣٩٠ هـ، وكان أول موجه سعودي يعين في القصيم لمادة اللغة العربية للمرحلتين المتوسطة والثانوية، وكانت المدارس في المنطقة قبل ترشيحه - مثل كثير من المناطق - تزار من قبل موجهين ينتدبون من الوزارة مباشرة، وقد كان منذ عام ١٣٩٠ هـ حتى عام ١٣٩٨ هـ يكلف بزيارة المدارس المتوسطة والثانوية في عدد من مناطق المملكة إضافة إلى زيارته لمدارس منطقة القصيم.
من مساهماته أنه كان يكتب للوزارة عن المكتبات المدرسية وعن عدد من الكتب عليها ملحوظات كبيرة، ويطلب سحبها، وعن مادة الرياضيات وعدد من المقترحات حولها، وله رسالة صغيرة مطبوعة بعنوان (أهمية التاريخ الهجري)، وقد أحيل على التقاعد في ١/ ٧/ ١٤١٩ هـ بعد حياة عملية جادة ومعطاة (١).
ومن رجالات الشريدة:
الديدب محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن الشريدة:
رجلٌ عرف عنه السخاء والكرم - وتحدثت عنه أناس من الحاضرة والبادية في مجالسها، وهو شابٌّ لم يبلغ العشرين من عمره وقُتل ﵀ ولم يبلغ التاسعة والعشرين.
стр. 5267
توفي والده وهو لم يبلغ العاشرة من عمره - واحتضنه ورباه عمه شقيق والده محمد بن عبد الرحمن الشريدة قتيل معركة جراب عام ١٣٣٣ هـ، وقد سمي الديدب لكثرة تنقلاته بالأمصار، ولد عام ١٣١٢ هـ، في بيت عمه محمد ونشأ تحت كنفه وتربيته وزوجه عمه بنته عام ١٣٣٠ هـ تقريبًا.
وأعمامه الأشقاء هم فهد ومحمد ومنصور، وبعد مقتل عمه محمد عام ١٣٣٣ هـ انخرط مع قوافل عقيل واتجه إلى الشام وفلسطين ومصر والعراق والأردن وأصبح مع ابن عمه سليمان بن محمد علمين بارزين يحرص الكثير من الناس على صحبتهما والسفر معهما، حيث اشتهرا بحسن المعاملة، والجود والإيثار وبذل الزّاد للمحتاج مع الشجاعة النادرة.
وأصبح الاثنان محمد بن عبد الله - وسليمان بن محمد نسخة مطابقة من عمهما وأبيهما - محمد بن عبد الرحمن ﵏ جميعًا.
والغريب العجيب أن هؤلاء الثلاثة كلهم قتلوا.
стр. 5268
الزعيم محمد بن عبد الرحمن بن شريدة:
اشتهر محمد بن عبد الرحمن الشريدة بما قام به في عام ١٣٢٦ هـ وذلك لمعالجة الأزمة الخطيرة التي سببها إعلان أمير القصيم محمد بن عبد الله المهنا انفصال القصيم عن حكم الملك عبد العزيز آل سعود.
وذلك أن الرجل حسبما أخبرنا به العارفون بأمره ليس من قوة الشخصية بما عليه والده عبد الله المهنا ولا بما كان عليه ابن عمه صالح بن حسن المهنا الذي كان الملك عبد العزيز آل سعود قد قبض عليه في عام ١٣٢٤ هـ لسبب أشياء بلغته عنه، مع اثنين من إخوانه وسجنهم في الرياض فأوحى إليه بعض المقربين منه أنه يمكن أن يقبض عليه الملك عبد العزيز مثلما قبض على ابن عمه صالح الحسن.
فاتصل بابن رشيد أمير حايل مع العلم بأن ابن رشيد هو أعدى عدو لأهل القصيم، ولكنه أراد حسب رأيه أن يقاوم به نفوذ الملك عبد العزيز بن سعود فأعلن استقلال القصيم، وانتهاء حكم الملك عبد العزيز عليه.
فكان أن أقبل الملك عبد العزيز بجيش كثيف فالتقى مع أهل بريدة الذين يقودهم محمد بن عبد الله المهنا في الصباخ جنوب بريدة وانتصروا فيه على جيش الملك عبد العزيز في تلك المعركة ولكن الملك عبد العزيز معه جيش كبير من أهل نجد من الحاضرة والبادية فاكتفي بحصار بريدة.
ولكن بريدة لا تصبر على الحصار، لأن نواحيها ومنها الخبوب والأماكن القريبة منها صارت مكشوفة لأولئك الجنود ولأناس غيرهم مفسدين فصاروا يعتدون على أهل الخبوب، ويأخذون منهم إبلهم السانية ويسلبون منهم ممتلكاتهم من غير أن يكون لهم من يدافع عنهم.
لذا اندفع أهل الخبوب متوجهين إلى بريدة طلبا للسلامة كثير منهم يسيرون على أقدامهم ودخلوا بريدة وصاروا عبئًا على أهلها.
стр. 5269
ولكن الأشد هو تركهم نخيلهم وفلاحاتهم وهي تموت إذا تركت وبعضها الأهل بريدة، وأهل الخبوب جزء من أهل بريدة.
فكانت كارثة انتدب لحلها الزعيم الكبير محمد بن عبد الرحمن بن شريدة وكان كفًّا لحل مثل هذه المعضلة.
فاتصل بالملك عبد العزيز آل سعود واتفق معه سرًّا على أن يدخل بريدة بوجاهته وضمانه، وأن ينهي أهل بريدة حكم الأمير محمد بن عبد الله المهنا على بريدة والقصيم شرط أن يمنح الملك عبد العزيز العفو لأمير بريدة ابن مهنا وكل الذين معه أو ساعدوه، وأن يكون لهم الأمان على رقابهم وأموالهم والحرية في أن يذهبوا إلى أي مكان يريدون.
وفي ليلة معينة ذهب محمد بن شريدة ومن معه سرًّا من الأمير ابن مهنا الذي لو كان عرف بذهابهم إلى الملك عبد العزيز بن سعود لقتلهم.
ووثق محمد بن شريدة الباب الشمالي، حيث وكل من يثق به وأسند ذلك إلى أخيه منصور وعدد من شجعان بريدة.
ودخل مع الملك عبد العزيز من هذا الباب الشمالي قاصدين بيت سليمان بن عبد الكريم الجربوع بقرب جامع بريدة، وكان بعض الجماعة المعارضين العمل الأمير محمد بن عبد الله بن مهنا سرًّا كانوا مجتمعين عند ابن جربوع منهم مع الجربوع المبارك والربادي وبعض المشيقح منهم الملقب حيدان.
واجتمعوا بالملك عبد العزيز الذي رتب جيشًا أحاط بالأمير ابن مهنا في قصره وأعلن الأمان فسلم ابن مهنا القصر وسافر إلى العراق ومن معه من رجاله وأهله، وأخذ معه ما شاء من أمواله.
وكذلك الذين ساعدوه وعلى رأسهم (العوني) الشاعر الذي ذهب بعد ذلك إلى حائل.
стр. 5270
وأما الشاعر الصغيِّر فإنه كان أصيب إصابة بالغة لأنه كان من المقربين لمحمد بن عبد الله المهنا ولم يعرف بالاتفاق مع الملك عبد العزيز فصادفه ومن معه فجرى تبادل إطلاق النار معه حيث أصيب ثم مات بعد أيام من إصابته.
خطوة حكيمة لابن شريدة:
وكان انتهاء أمر ابن مهنا في الصباح فأرسل ابن شريدة إلى مؤذني المساجد في بريدة كلهم أن ينادوا من رؤوس المآذن في الضحى أن يعود أهل الخبوب والقرى إلى فلاحتهم لأن الأمر أمان وضمان، كما أمر بالأغذية والطعام أن تبذل لهم.
وقد كان محمد بن شريدة هو الرئيس المقدم في تلك الأحداث لأن فهد بن علي الرشودي وأخاه إبراهيم كانا في العراق، ولم يحضرا هذه الأحداث، وعبد العزيز بن حمود المشيقح انتقل إلى عنيزة ذكر أحد أبنائه عنه أنه قال: أنا لا يمكن أن أقاتل الملك عبد العزيز بن سعود ولا يمكن أن أقاتل معه جماعتي. حدثني من كان مع الملك عبد العزيز آل سعود من أهل بريدة عندما أراد الدخول إلى بريدة بترتيب وضمان محمد بن شريدة فتقدم الملك عبد العزيز بخطى واسعة.
قال: وكان عددنا لا يتجاوز الثلاثين، وكنا جميعًا خائفين قلقين لأننا نعلم أن الذين في قصر بريدة من أنصار ابن مهنا لم يعلموا بالاتفاق وهم مجتمعون رماة فلو أحسوا بمقدمنا رمونا.
قال: وكان الإمام يسير بخطى واسعة، ثم يلتفت عليهم فيقفون فيقول: وين المستحين؟ يكررها فيتقدم ثلاثة ثم يسير برهة فيكررها فيتقدم اثنان بعد تردد ويسير المستحون أمام الثلاثين.
والمستحون هم الفدائيون الذين يكونون أول الصفوف، فإذا حدث قتال أصيبوا أولًا.
стр. 5271
قال: وكان الملك عبد العزيز يتلفت إلى أحد الذين معه من أهل بريدة ويهز يده، ويقول: أنت متأكد أن الجماعة على علمهم! !
وعندما دخل الملك عبد العزيز ومعه محمد بن شريدة إلى بيت ابن جربوع رحب الجماعة به، فأومأ بيده أي الماء - فأسرعوا بإحضار القرب وشرب هو ومن معه ثم طلبوا مزيدًا من القرب المليئة بالماء البارد من البيوت المجاورة وأحضر التمر وما تيسر فأكلوا - ولم يؤذن لأحد ممن دخل هذا البيت بالانصراف خشية أن يتسرب الخبر.
قال: فصلينا الفجر في البيت.
وكانت العلامة قبل ذلك أنه إذا وصلنا مع الملك عبد العزيز (مرقب الشماس) نجد (حوشان الحمود) من الجماعة ينتظرنا ومعه صرة (قت) ليوهم أنه خرج إلى الشماس يحضر قتًا لغنمه، فلما لقيناه أطمأن الإمام فسأله عن اسمه؟ فسرنا متجهين نحو باب (العقده الشمالي ولما وصلناه فتح لنا ووجدنا (محمد الشريدة) وعددًا قليلًا معه - وكان قتل الحارس الذي استنكر وجودهم وكاد أن يطلق النار.
دخلنا والخوف يعصر قلوبنا خوفًا من أن يعرف بنا ابن مهنا وأعوانه، وما أن سرنا خمسين مترًا حتى أطلقت علينا النار من الأسواق الشرقية، وكان عن يمين الملك محمد الشريدة فقال: هذا (الصغيّر) وجماعته معه لم يعلموا بما اتفقنا عليه وحصل تراشق بالبنادق سقط على إثره ثلاثة حتى جزنا سوق الصناع شمالًا من الجامع، فأطلق علينا عيار آخر ولم يصب أحد، ونحن مستمرون ثم توجهنا شرقًا ودخلنا قهوة (الجربوع) حيث يجتمع الجماعة وهو في الشارع المتجه شمالًا وجنوبًا شرقي الجامع القديم بين بيوت السليم والبيت الذي سكنه أخيرًا الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد.
وهكذا استتب الأمن والطمأنينة.
стр. 5272
من أخبار محمد بن شريدة أنه كان جماعة من أهل بريدة من عقيل وغيرهم ومعهم ثلاثون رعية من الإبل، ومعهم ذهب كثير للتجارة، في أحزمة في بطونهم فخرجوا ونزلوا الأسياح يتهيئون للانحدار للكويت والعراق فبلغ محمد بن شريدة أن عبد العزيز بن رشيد خرج ونزل القوارة فخاف أن يصادر عقيل أهل بريدة هؤلاء التجار ويأخذهم فأعطى على المبارك والد فهد بن مبارك أبو صدام ريالين على أن يوصل خطأ أي رسالة مكتوبة لعلي العبد المنعم وكان ابن شريدة وجد مبارك يخلط طين عند مسجد والده عبد الرحمن بن شريدة في شمال بريدة.
فأخذ مبارك الخط وهو الرسالة، فما غربت الشمس وهو يركض على رجليه حتى سلمه لعلي بن عبد المنعم.
قالوا: فجمع ابن عبد المنعم كبار التجار الذين معه وقال: هذا خط من أبوكم محمد بن شريدة يقول ابن رشيد طلع من حائل ولا ندري وين وجهته يمكن إنه يشرق ويصادفكم ويأخذكم، ويمكن يبعد لكن حالًا أرجعوا وصبروا، بين بريدة وعنيزة حتى يتبين لنا نية ابن رشيد فرجعوا بالفعل حتى تبين أن ابن رشيد غزا على عتيبة فذهبوا إلى الكويت.
قال الأستاذ ناصر بن سليمان العمري:
محمد العبد الرحمن بن شريدة عرف بالكرم والشجاعة، وكان من رؤساء بريدة توصل إلى الزعامة برجولته وولائه للإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل.
كانت بريدة في العقد الثالث من القرن الثالث عشر الهجري في حالة حرب، فلحق الناس أزمة اقتصادية وغذائية بسبب استمرار الحروب، وفي ليلة من ليالي الأيام القاسية شعر محمد بن عبد الرحمن بن شريدة أن في بيته لصًا فاتجه إليه وأمسك به فعرفه وسأله عن سبب وجوده في داره في هذا الوقت؟ فقال: الجوع والحاجة فأعطاه شيئًا من الطعام وصرفه وأخبره أنه لن يخبر أحدًا.
стр. 5273
وفي الغد أرسل إليه ولما حضر أعطاه ثلاثمائة ريال فرنسي وقال له هذه النقود خذها بع بها واشتر مع الناس في أي بلد شئت، وإذا ربحت وحصلت على مبلغ من المال يغنيك عن هذه النقود فأعدها لي.
فأخذها الرجل وسافر إلى العراق وإلى الشام وغيرهما يبيع ويشتري حتى ربح مالًا وجاء إلى ابن شريدة فأخبره عن أرباحه فقال له محمد بن شريدة الأرباح لك كلها والثلاثمائة ريال قد اقترضتها من سليمان العيسى أعدها إليه، وبارك الله لك في الأرباح.
وابن شريدة لم يخبر أحدًا عن دخول الرجل لبيته لكن الرجل هو الذي أخبر الناس لأن الناس كانوا في ضيق من العيش ولا يستغربون تصرف ابن شريدة معه لرجولته ولا يلومونه هو لضيق سبل العيش في وجوه الناس في ذلك الوقت.
توفي محمد بن عبد الرحمن بن شريدة في موقعة جراب عام ١٣٣٣ هـ وقد أخبرني عبد الله السليمان بن عيسى أنه طلب من أهل شقراء نقل ابن شريدة من أرض المعركة وهو جريح فنقله أهل شقراء على حصان فلحق بهم أتباع ابن رشيد وأجهزوا عليه ولم يتعرضوا لغيره، وقيل لهم هذا محمد بن شريدة في محاولة لإنقاذ حياته وهو جريح فقالوا: ما جئنا إلَّا من أجل محمد بن شريدة، وأجهزوا عليه ورجعوا، قال العمري: وقد ذكر لي هذا عبد الله بن سليمان بن عيسى أكثر من مرة (١).
أقول: قتل محمد بن شريدة في وقعة جراب عام ١٣٣٢ هـ إيان المعركة وهو على حصانه، يقال: إنه لم يكن بعيدًا من الملك عبد العزيز بن سعود الذي كان راكبًا على حصانه أيضًا.
стр. 5274
وقال أحدهم:
يا جراب ما جتنا لياليك بالخير ... وأيامك القشرا علينا بلاوي
ذبحة محمّد من إكبار المخاسير ... ذبحة محمّد مالها من يداوي
أبو اليتامى والعيال المصاغير ... وأبو الذي ماله طعام وكساوي
ومن الشريدة: نورة بنت الزعيم محمد بن عبد الرحمن الشريدة من المعمرات حتى إنها عاشت بعد وفاة والدها محمد الشريدة أربعا وتسعين سنة، وذلك أن والدها مات قتيلا في وقعة جراب عام ١٣٣٣ هـ. وهي صغيرة.
وعندما توفيت في أول شهر ربيع الثاني من عام ١٤٢٧ هـ عزى أهلها بالحضور إلى بيتهم كبار الأمراء الذين يعرفون والدها ومكانته ومنهم الأمير سلطان ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء والأمير نايف وزير الداخلية وغيرهم حيث حضروا إلى بيت أولادها وعزوهم كما عزاهم بالمراسلة الملك عبد الله وغيره من كبار الأسرة السعودية، وقد نشرت أسرة الشريدة والسعيد ردًّا على ذلك بالشكر والتقدير في عدد جريدة الرياض الصادر في يوم السبت ٨ ربيع الآخر عام ١٣٢٧ هـ في صفحة كاملة.
стр. 5275
فهد بن عبد الرحمن الشريدة
стр. 5276
اشتهر فهد الشريدة بالقوة الجسدية، وبالشجاعة والإقدام إضافة إلى الكرم مما أهله إلى أن يكون أميرًا على عدد من القوافل والمسافرين، ومن ذلك ما حدثني به والدي ﵀ قال: حجيت بوالدتي حجة الإسلام قبل سنة جراب بسنة، وكانت سنة جراب عام ١٣٣٣ هـ.
قال: وكان معنا خلق عظيم من حجاج أهل القصيم من جميع أنحائه حتى إن أهل الزلفي أرسلوا إلينا يطلبون منا أن يحجوا معنا فرحبنا بهم - مع أنهم ليسوا من أهل القصيم - وذلك أن الأمن بالنسبة لأهل نجد غير متوفر وبخاصة في عالية نجد وفي الحجاز لأن الشريف حسين بن علي كان هو الذي يحكم مكة المكرمة والبلاد الحجازية في ذلك الوقت وهو معاد لابن سعود ولأهل نجد.
قال: ولم يكن الحجاج الذين عددهم قليل يستطيعون أن يحجوا.
قال: وكان أميرنا ومن معنا من حاج القصيم (فهد الشريدة) وكان قاضي الحاج الشيخ عمر بن سليم قبل أن يتولى القضاء في بريدة بعشرين سنة، ولكنه كان شيخا معروفًا بفقهه وورعه.
وقد ذكرت حجة والدي تلك تفصيلًا في كتاب (يوميات نجدي)، وذكرتْ إمارة الحاج لفهد الشريدة في قصيدة لعلي بن عبد الله بن محمد الشريدة، حيث قال فيه:
والَّا فهد راع النضا، وافي الأشبار ... زبن الدخيل اللي عظامه رعيد
قاد الحجيج وراح للبيت زوَّار ... بجاه رب البيت راحوا عبيد
تتليه عرب به صغار وكبار ... قياد للحمله صبور يجيد
وفهد الشريدة هو أكبر أبناء عبد الرحمن بن شريدة الأربعة عشر، وكان من رؤوس العقيلات وكان أبوه عبد الرحمن غنيًّا يبضع العقيلات أي يعطيهم مالا يستثمرونه.
стр. 5277
ولفهد لشريدة أربعة أبناء، عبد الله أكبرهم أول سفر له مع العقيلات لعمان والشام على الإبل، فلما رجعوا حاد رفقته عن الطريق، فقال عبد الله: تراكم ضايعين الدرب يمين.
رفضوا ذلك وأخذ هو طريقه ووصل قبلهم بيومين، قال أبوه فهد: وين خوياك؟ قال: يجون بعد يومين، لأنه عارف المسافة.
وكان ﵀ من كبار عقيل وهو دليلة وقطاع الفيافي.
حكي علي بن عبد الرحمن الشريدة في يوم من الأيام كانوا محولين من الشام وهو ومنصور الشريدة لاقوهم قوم قال علي: خلهم لي فترَّس لهم وصدهم وتخلصوا من شرهم.
ومما يحكى عن فهد الشريدة، وهو كإخوته قوي الجسم طويلًا، باع مرة إبلًا له وحمل ثمنها ريالات فضية إلى بلده، وكان أحد الذين يعرفونه يلاحظ ذلك فعزم على أخذ النقود من بيت فهد الشريدة لأنه يعرف المخزن في البيت، وهو الغرفة التي يضع فيها النقود.
وقد دخل الباب بسرعة ولم يفطن له أحد وذلك أن فهد الشريدة عنده أناس في مكان الرجال إلا أن رجل اللص زلت في الدرجة فسقط فسمعه فهد الشريدة فأدركه وأمسك به وعرفه ورأى النقود معه.
فأمره بعدم الكلام وأعطاه شيئًا من النقود لأنه (ابن حمولة) معروف عند الناس ولا يريد أن يشهر به.
وقال له: استر على نفسك فأنا أسترك ثم عاد إلى قهوة الذين عنده فسألوه عن صوت الوقعة؟ فقال: هذه أم فلان يعني زوجته زلت رجلها في الدرجة، وطاحت، الله يكفي شرها!
стр. 5278
أقول: لم أدرك فهد الشريدة إذْ كنت عندما توفي في السابعة من عمري ولكنني رأيت من أصغر أبنائه الكبار، وهو محمد الفهد عجبًا من قوة جسمه.
كان يتاجر في الإبل يشتريها من الأعراب ومن الجلابين على بريدة ثم يبيعها بعد ذلك على هيئة رعايا أي مجموعات في ذلك الوقت.
وقد رأيته مرة في جردة بريدة وقد أراد بعير من الإبل أن يخرج عن الإبل ويشرد، فأمسك محمد بن فهد الشريدة برجله أي برجل البعير القوي الشرس وجذبه إليه كما يجذب الرجل الخروف برجله، فسمعت أكثر من واحد يقول: لا، لا، يا محمد، لا ينحتونك الناس، يريدون لا يصيبونك بأعينهم إذا رأوا قوة جسمك.
ولم أره من ذلك اليوم ولا بعده أصابه شيء، ولكنني شهدت في ذلك اليوم أن قوته الجسدية خارقة.
شعر فهد الشريدة:
عبد الرحمن بن إبراهيم الربيعي الشاعر المشهور والراوية القليل النظير للشعر العامي وهو أكثر من نعرفه كتب هذا الشعر العامي في القصيم، وقد ذكرت شيئًا من ذلك في كتاب (معجم أسر جنوب القصيم).
سجل عبد الرحمن الربيعي في مجموعته الشعرية قصيدتين لفهد بن شريدة ووصفه في دفتر كبير، بل في أكثر من دفتر من الدفاتر التي كتبها - أي الربيعي - بأنه راعي بريدة.
وقد سألت أبناء فهد الشريدة عما إذا كانوا يحتفظون بشعر له فلم يذكروا شيئًا مما يدل على أنه كان ينظم الشعر في شبابه، وربما يكون أقلع عن ذلك عند نضج تفكيره واشتغاله بالتجارة، وبالأمور السياسية.
وهذا نص إحدى القصيدتين كما نقلتها من خط الربيعي:
стр. 5279
ثم رأيت إحداهما مكتوبة بخط محمد بن حمد العمري ونقلتها هنا من خطه أي خط العمري:
قال فهد بن شريدة:
يا حي الجواب وحي نظم الكلام ... يا مرحبا تسعين وألف تحية
عدد ما هل وبل الغمام ... أو ما لعى ورق براس البنيه
حي الجواب اللى يزيل الهضام ... مثل الحيا تصبح به الأرض حيه
من جاش شغموم عزيز المقام ... عينا خويه بالعزوم القويه
رديت له رد بحكم النظام ... ما ساعف الدلال في منتويه
جيتك على الطيبه شفيق لحالي ... نبذل له الجهده ونتبع نويه
والمجتهد عند العرب ما يلام ... ورجا السموحه منك نوع الحمية
يا أبو سعد مني عليك السلام ... من لب قلب مدة المنصحيه
يشبه لماءٍ على كبد ظامي ... والذمن سلسال عذب الثنيه
يهما ويهنا له سريع الشمامي ... لك والذي لك يا حمد في دنيه
* * * *
دع ذا، ويا نسل الكرام الحشامي ... يا شوق من كن العسل في شفيه
مني وانا في نية واهتمامي ... ما عاد عندي كود قطع الثنيه
ناوي من البحرين ابي اركب شمامي ... في تم شغل الدوله العيسويه
مستغربن عزوتي والعمام ... مكابد بالسيف كيد الشكيه
ظنيت إنك تايه بالمظامي ... ومتبعك ضد وله فيك نيه
واليوم يوم القصد راع الوشامي ... هذاك له يمني علينا جريه
طفل وقيدنا بقيد الغرام ... ونفوسنا ما هي لغيرك وطيه
هذاك شبهته بحور طوامي ... فيه الغناة وفيه كاس المنيه
يا حمد دوك الحب خلص عظامي ... بين السواعد شب نار حميه
فإن كنت تشكي فقد بدر التمام ... الجادل إلى ما لقينا حليه
فاعلم ورد من قبل سام وحام ... هذا الولع دوبه تشاعل ضويه
стр. 5280
فخذ النصيحة كل جدي بظلام ... تكفيك عن كشف السدود الخفيه
حيث أنها تبرى الجروح الكوامي ... فإن كان تبقى النفس فهو البقيه
اترك هوى من صد عنك وشام ... إلى دعاك لعلة باطنيه
لو هو محب كان دوم الدوامي ... يشفق على لاماك صبح وعشيه
إلى يغرونه عيال الحرامي ... ويطاوع العدوان ما به شفيه
إلى رماك بنازحات المظامي ... وأنت الغشيم اللى ذلوله رديه
وش ولعك به وانت حر قطامي ... لك شيمة عليا ويمنىً سخيه
فإن طعت شوري لا تجي بالولام ... خله يولي لي تقضب بغيه
إلى أن صدق علمك بهذا الكلام ... ما عاد عندك كود كتب الوصيه
ابشر بربع مثل وصف النظام ... ذروة تميم ولابة صيرميه
يردون حوض الموت ورد الظوامي ... قدام وجهه يا حجا ملتجيه
بايمانهم صمع تبت العظام ... تفرح بهم يا القرم وقت الحميه
أيضا ونرخص لك جميع الحطام ... لا خير با اللي ما يساعد خويه
حقك علينا لو يثور الكتام ... لابد ما تمسي جروحك بريه
هذا وطبع البيض بين الكرام ... أفعالهم ما هي علينا غبيه
أنهاك عنهم لو عطوك التزام ... خوانة الصاحب بليا جنيه
يا شيب عيني من خشوف الأدامي ... دايم يجازون الحساني بسيه
طرادهن ما يهتني بالمنام ... يصبح ويمسي في حياة شقيه
بقيد يقودون الولع بالخزام ... لما يعسفونه عساف المطيه
من نال منهم بالمواصل تمامي ... خانوه بالفرقا وعاقوا نويه
فإن كان منهم شفت بعض الولامي ... اقطف زهر مجناك وامن وليه
فالوصل مثل أزهار عشب الوسام ... لزمًا يهيف ويلتوي كاالدويه
وإن شفت جفوًا لا تعض البهام ... قو العزا بالعزم بين البريه
وحذرا تشمت غارضين المرامي ... مثل الرصود يعظمون البليه
هذي سواة أهل النهود الزوامي ... عزي لمن له في سنعهن نحيه
يا ما عليهم نحت نوح الحمام ... وأصبحت مثل الميت والنفس حيه
стр. 5281
لو يصفى الصاحب ثلاثين عام ... لابد ماله يا حمد من دهيه
يدهون طراد الهوى بالهيام ... فا إلى ابتلا حطوه بأرض خليه
شرواك يوم انك مسكت الصيام ... سلمت من قوم وطحت بسريه
فإن جاد ظني يا حمد، واهتمامي ... سريتكم من لابة شمريه
هم الذي ما يرفضون الحسام ... ومتعلمين الصبر في كل هيه
هذا ويا مروى شفا كل ظامي ... كيف السلام نقول فيه الحذيه
هذا معنى ما يجي فيه السلام ... إلا لكساب يجي من غزيه
مير أنت مسموح في اتلى الكلام ... لرعا مفجوع طروحك طريه
والى بسواتك عبرته بانحطام ... معلوم ما يقوى على الحاضريه
كم مغرم حارب لذيذ المنام ... ومن الولع والحب ركب ادعيه
إلَّا ولو تسكن بمصر وشام ... معذور لو تطلق عليك الرعية
قبلك غدا مجنون ليلى وهام ... هومة وحوش في ديار خليه
واللي يلومك جعله الله يلام ... ويبلا بحزن مايوني نعيه
والختم ما غنى حمام وحام ... على النبي مني مع أزكى تحيه
روى الأستاذ ناصر بن سليمان العمري هذه القصة عن (فهد بن عبد الرحمن الشريدة)، فقال:
فهد بن عبد الرحمن بن شريدة من أهل بريدة، وهو من الشجعان وهو تاجر إيل وقد مارس الأسفار وخالط رجال البادية في الحضر والسفر، سافر أولاده إلى مصر بتجارة إيل له، وبعد ذلك رأى الإبل في سوق الإبل في بريدة رخيصة السعر فاشترى رعية من الإبل وعزم على السفر بها إلى مصر بنفسه رغبة بالعمل والربح الحلال، ثم استأجر راعي إبل من قبيلة شمر وسافر معه بالإبل، ولما وصل إلى البطين شمالي مدينة بريدة طلب من الراعي أن ينيخ الإبل ويعقلها، فقام الراعي بما أمره به وساعده عليه ثم أنزل فهد بن شريدة الطعام وعدة صنع القهوة، وقال للراعي اصنع الطعام، فكل شيء عندك وأنا
стр. 5282
أصنع القهوة، فغضب الراعي وقال: أنا امرأة لك أصنع لك الطعام؟ فضحك ابن شريدة وبدأ يصنع القهوة ثم نادي الراعي وطلب منه أن يحضر حجارة مناصب للقدر فأحضرها الراعي ثم طلب منه أن يغسل القدر فغسله الراعي ثم طلب منه أن يحضر حطبًا فأحضر الحطب وأمره أن يضع ماء في القدر حدد له مقداره ففعل ثم أمره بوضع القدر على النار بعد أن أشعلها فهد بن شريدة وطلب منه إحضار البصل وقطع الفص قطعتين ووضعه في القدر.
ثم قام فهد بن شريدة بإحضار اللحمة وطلب من الراعي أن يساعده على تقطيعها وجهزت اللحمة ووضعت في القدر فطلب منه فهد بن شريدة إحضار عيش من الأرز بماعون وحدد له مقداره وطلب منه غسله ووضعه في القدر، وبعد ذلك دعاه فهد لشرب القهوة والشاي في انتظار نضج الطعام، ولما فرغا من شرب القهوة والشاي كان الطعام قد نضج فطلب فهد بن شريدة من الراعي إحضار صحن من الأواني الموجودة، وأمره بغسل الصحن ووضع طعام الغداء فيه وتقديمه وهنا أدرك الراعي أنه هو الذي صنع طعام الغداء تحت إشراف وتوجيه رفيقه في السفر وقدم الطعام فأكل منه الرجلان فأعجب البدوي طعمه إنه لحم وأرز مكبوس فضحك فهد بن شريدة وقال أينا صنع الطعام؟
فقال الراعي الحقيقة أنا صنعته بأمرك وإن شاء الله غدا وفي المساء سوف أصنع طعامنا دون كبر أو أنفة أو شعور بالمهانة، فالرفيق يخدم رفيقه في السفر ولا عيب في ذلك (١).
وقال العمري أيضًا:
فهد بن عبد الرحمن الشريدة يشتغل بتجارة الإبل وهو رجل شجاع باع يومًا بعيرًا وقبض ثمنه ووضعه في داره، وفي الليل دخل سارق إلى بيته يبحث عن النقود وشعر به فهد بن عبد الرحمن الشريدة فأسرع إليه ومسكه
стр. 5283
وأخذ يعاتبه: ما لقيت غير بيتي تأتي لتسرقه، هل تظن أنك تفلت من قبضتي؟ ونادى فعلًا زوجته بقوله احضري السكين أقطع رقبة السارق فتوسل إليه الهام بالسرقة أن يعفو عنه، وقال له: يا أبا عبد الله، ما دخلت دارك إلا من الحاجة فأولادي جياع وهنا غلبت العاطفة على نفس صاحب الدار، وقال له: إذن أنا أعطيك ما يسد حاجتك فأحضر له بعض النقود وسلمها له وتركه يخرج من الدار بعد أن عاهده ألا يعود لمثلها.
وكان أمير بريدة الأمير عبد العزيز بن مساعد بن جلوي عام ١٣٤١ هـ وعلم بالقصة من الجيران الذين سمعوا صوت ابن شريدة وهو ينادي زوجته لتحضر السكين لقتل السارق، وسأله عن اسم السارق فأنكر ابن شريدة وقوع الحادثة ولم يبح باسم الهام بالسرقة (١).
وذكر الأستاذ ناصر العمري أيضًا: أن فهد بن عبد الرحمن بن شريدة من أهل بريدة وهو من الشجعان ويشتغل في تجارة الإبل، وله عادة يفد إلى الملك عبد العزيز آل سعود في الرياض، كان يومًا جالسًا بحضرة الملك عبد العزيز آل سعود في مدينة بريدة في مخيم الملك عبد العزيز فأخذ رجل اسمه شويش يمتدح شجاعة البادية ويمدح الملك عبد العزيز ويقول جاب الله لكم، يا الحضر الملك عبد العزيز فقويت شوكتكم، وكأنه ينتقص الحاضرة ويمدح البادية، فقال فهد بن شريدة أنت من شجعان البادية وأنا رجل عادي من الحضر ومستعد أباريك في مجالات الشجاعة، فسابقه على الإبل فسبقه فهد بن شريدة، ثم تباري معه في الرمي بالرصاص بالبندق على هدف وضع لهم فأصاب فهد بن شريدة الهدف، ثم تصارع الرجلان بحضرة الملك فصرعه فهد بن شريدة، وأعلن الملك أن فهد بن شريدة هو الغالب الشجاع، وعلى العموم شويش شجاع لكنه الغرور داخله فغلب (٢).
стр. 5284
منصور بن عبد الرحمن الشريدة
стр. 5285
منصور بن عبد الرحمن الشريدة:
اشتهر منصور الشريدة بالشجاعة وقوة الجسم ومتانته وضخامته، وله قصص عديدة في هذا المجال.
كما اشتهر بالديانة والمحافظة على الصلوات وأمر الذين يكونون معه بالمحافظة عليها.
قال لي حفيده أحمد بن سليمان بن منصور الشريدة:
في ذات يوم الوالد منصور هو ومن ومعه من العقيلات حصل عليهم ظمأ في يوم شديد الحر قالوا يا أبو سليمان هلكنا ظمأ، قال وقفوا ونوخوا بعارينكم عطون الذي معكم من الماء.
قالوا: معنا ثلاث بيالات ما يكفي ولا واحد أخذه ﵀ وقام يتوضأ في الماء الموجود، قالوا يا أبو سليمان كيف تعمل كذا تبي نموت؟ قال: لنا ربنا ، فقام وسجد لربه، وقال بضع كلمات حتى أقبلت عليهم سحابة ترعد وتبرق، استغرب أصحابه! سحابة في الصيف؟ فأمطرت عليهم حتى امتلأت الفياض فقام ورفع رأسه من شد المطر فقام وبكى هو وأصحابه وشكروا الله وقاموا في تعبئة القرب وسقي الإبل.
ومن الحكايات عن منصور الشريدة أن الملك عبد العزيز آل سعود في إحدى السنين التي كان فيها الخلاف مع الأشراف نهى الناس عن الحج خوفًا عليهم من الشريف، لأنه كان توعد من يمسكه من أهل نجد، وذلك قبل أن يستولى الملك عبد العزيز على الحجاز.
ولكن شخصًا من أهل بريدة خالف الأمر، ولم يستطع أن يترك الحج فحج على مسئوليته، ولما عاد قبض عليه أمير بريدة بحجة مخالفته لأوامر الحكومة، وقال الأمير: اضربوه يريد أن يؤدبه أمام الناس حتى لا يخالفوا أمر الحكومة.
стр. 5286
فعلم بذلك منصور الشريدة فجاء ووجده على الأرض ممددًا استعدادًا لضربه فألقى بنفسه عليه، وقال: خلوا الضرب بي.
ولم يكن من الممكن أن يضربوا منصورًا فأوقفوا محاولة ضربه، فقال منصور اسمع يا الأمير: اسمعوا يا أهل بريدة، هذا ما له ذنب إلَّا أنه ملبِّي أي حاج، ورفع صوته بالتلبية فأطلقه الأمير إكرامًا لمنصور الشريدة.
وقال إبراهيم أبو طامي:
ومنصور الشريدة مع زهده وورعه يعتبر من أشجع أهل زمانه ولست بصدد البطولة، بل هو لا يمكن أن يصلي بتيمم، وهو من رجال الأسفار الذين أمضوا حياتهم على ظهور الجمال يطلبون المعيشة بمواشي يتاجرون بها بين الشام ونجد، ومما حكي عنه أنه يرغم رفقاءه على الصلاة جماعة ولا يمكن أن يتخلف عنها متخلف مع ما يعانون من سهر وتعب ومشقات بالغة، وله غرائب أعمال مرت به فهو يحمل في سفره قربة ماء للوضوء مفضلا وضوءه على الطعام والشراب.
وذات يوم ضلوا الماء وخشوا على أنفسهم شر الموت، ومنعه صحبه من الوضوء من قربته خوفًا عليهم من الهلاك، فكف عن الوضوء لأنه لا يحب أن يجرح خواطرهم، ولكن لما اشتد عليهم العطش أمرهم أن يتجمعوا لصلاة الاستسقاء، فاستسقى هو وإياهم وأمهم للصلاة، والزمن ليس من مواسم الأمطار، ومن ثم نشأت غمامة هطلت عليهم مطرا حتى رووا وملأوا قربهم وأوعيتهم في غير وقت نزول المطر، ولا شك أنها دعوة استجيبت. انتهى.
وأقول: نزل منصور الشريدة في فندق داود في القدس وأذن لصلاة الفجر في وسط الفندق فاستيقظ بعض الحراس وهو يريد أن يستيقظ الذين معه من أصحابه فيصلون الفجر، فقال رئيس الحرس له عندما سمعه: إيش هذا يا عم؟ ما هذا؟ فقال: هذا ذكر الله للمسلمين ماهوب لعُبَّاد الوثن.
стр. 5287
سليمان بن منصور الشريدة
стр. 5288
ومن أبنائه سليمان بن منصور الشريدة:
يذكر أحمد بن سليمان الشريدة من أعمال العقيلات الذي يقومون بها من قطع الفيافي والمخاطرات بحثًا عن الثروة وهم على ظهور الإبل، حدثني قال: يذكر لي الوالد سليمان المنصور ﵀ أنه طلع من العراق ومعه إيل محملة من الأرزاق من تمن وعيش وألبسة ولحقته دورية للحكومة العراقية قبل ما يأصل إلى الحدود السعودية بليلة، وقالوا له: أنت مهرب إرجع للعراق للتفتيش.
حاول معهم ولكنهم رفضوا، قال واحد منهم: لو ينزل ربك ما أتركك، فقال الوالد ﵀: له كفرت بك وآمنت بالله.
ورجع وتكبد العناء والمشقة.
ثانيًا: كان ومعه عبد الله الفهد الشريدة وعبد الله المحمد الشريدة ﵏ ومعهم إيل كثيرة ومعه من العقيلات جماعة من أهل بريدة وعدد معهم إبل أيضًا.
والماء في ذلك الوقت شحيح كما هو معروف، وإذا بزحام على الماء حتى يشرب الأول ويأتي الذي بعده، قال العقيلات: نبي من كل فرقة ذلول تروح يحمون الماء قال سليمان الشريدة: الماء بعيد، قالوا: راعي الذلول الطيب يلحق.
تسابقوا حتى الأول يأخذ الماء الطيب.
سليمان الشريدة كان ذلك اليوم ما يقدر على ركض الذلول ولكن تحته قعود حر طيب يذكر ذلك، ويقول: راحوا العقيلات يتسابقون على الماء وأنا وراهم والقعود حر يبي أهله يلحق بهم وأنا ماسكه ومشيه كله درهام - أي جري - أي على بعد المسافة كلت بعارينهم وإذا القعود يلحق بهم ويسبقهم.
قالوا لي: إحم لنا الماء، قلت: راعي الطيبة يلحق مثل ما قلثوا، ووصل سليمان المنصور الشريدة الماء قبلهم يقول: حميت الماء لعيال عمي عبد الله الفهد وعبد الله المحمد الشريدة، وكان على الماء ناس من تجار الإبل وطلبوا مني بيع القعود لأنه سبق الإبل كلها، حاولوا وطلبت ثمنًا كثيرًا له، وبعته عليهم ولكنني ندمت على بيعه.
стр. 5289
يحيى بن عبد الرحمن الشريدة
стр. 5290
يحيى بن عبد الرحمن الشريدة مشهور بالكرم وبالإحسان إلى الأيتام ومن لا عائل له، ولذلك سمي (أبو الأيتام).
ورأيت أنا مؤلف الكتاب الناس يعظمونه ولا يخاطبونه إلا بقولهم: يا عم يحيى.
حدثني سليمان العيد قال: كان ليحيى الشريدة وأخيه إبراهيم فلاحة في الصوير وكان له عاملان من أهل خضيرا أحدهما اسمه عكله والثاني عبد الكريم كل واحد يحمل حماره قت يوميًا، ويدخل به عقب العصر إلى حوش الشريدة نصفه لخيل الشريدة ونصفه للبقر.
وكان ليحيى الشريدة صحفة كبيرة تشبع عشرين شخصًا فكان في الأحوال العادية يقدم فيها الطعام للضيوف.
وقال سليمان العيد: إننا كنا جيرانا لهم في بريدة وكنت عند خالي إبراهيم العبد العزيز اليحيى فكان الشريدة كل ثلاثة أيام أو أربعة يطقون علينا الباب ويقولون: ترى العشاء عندنا عقب العصر.
وثروتهم من المواشي التي تَغرِّب لهم أي يذهبون بها وغيرهم إلى الغربية وهي الشام وفلسطين ومصر.
قال الشيخ إبراهيم العبيد في حوادث سنة ١٣٨٢ هـ فممن توفي فيها من الأعيان أبو الأيتام يحيى بن عبد الرحمن بن شريدة ﵀ وعفا عنه وهو يحيى بن عبد الرحمن بن يحيى بن شريدة، كان من أسرة كبيرة في مدينة بريدة، وله إخوة مشهورون في القصيم ومن كبراء عقيل الذين يتاجرون ببيع الإبل والخيل ويسافرون بها إلى العراق والشام ومصر، ويطلق عليهم لقب العقيلات، وقد تقدم ذكر آل شريدة منذ إحدى وأربعين سنة، كان المترجم يعطف على الفقراء ويحنو عليهم ويواسي المحتاجين، فقد كان يختلف إلى بيته ذووا الحاجة والفاقة فيجدون ما يصلحهم، وكان ذا عبادة وصلاح وكرم وإحسان، وقد كان