بل صار بعض النّاس يذهب للالتحاق بدار التوحيد من تلقاء نفسه.
حتى تخرج من الدار المذكورة عدد من أهل القصيم وغيرهم من سائر أنحاء البلاد، والتحقوا بعد ذلك بالدراسة في كلية الشريعة في مكة المكرمة وتسنموا مراتب عالية في الدولة.
وكان من أهل بريدة الذين أخذوا في المرة الأولى عبد العزيز بن عبد الرحمن المسند وهو الآن ١٤٠٣ هـ مستشار في وزارة التعليم العالي ومدير إدارة تطوير التعليم الجامعي والشيخ عبد الرحمن بن محمد الدخيل المدير العام للمعاهد العلمية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية والشيخ محمد بن صالح المرشد مدرس في كلية الشريعة في القصيم.
وقد وجدت في مذكرة لي كتبتها إبان ذلك التاريخ نبذة عن هذه الواقعة، وهي:
وكان الشيخ عبد الله بن محمد بن سعد بن عامر ﵀ وعفا عنه، كانت ولادته في مدينة بريدة عام (١٣٢٤ هـ) فنشأ في أحضان والديه، إذ كان أخواله آل هزاع، ودخل على مقرئ في كتابه فأخذ في الدراسة وتعلم القرآن،
стр. 6372
وكان من جملة تلامذة الشيخ عمر بن محمد بن سليم البارزين.
وقد ترجم الدكتور عبد الله الرميان للشيخ ابن عامر، فقال:
عبد الله بن محمد العامر: وهو أول إمام لهذا المسجد (١)، حيث أم فيه حال تأسيسه وبقي فيه حتى سنة ١٣٥٣ هـ. عندما بعثه الشيخ عمر مع بعض طلبة العلم إلى جنوب المملكة فتكون إمامته في هذا المسجد في الفترة (١٣٥٠ - ١٣٥٣ هـ).
قال العبيد في ترجمته: ولد في بريدة سنة ١٣٢٤ هـ فنشأ في أحضان والديه ودخل على مقرئ في كتَّابه، فأخذ في الدراسة وتعلم القرآن، وكان من جملة تلامذة الشيخ عمر بن محمد بن سليم، ولما قام بعض الأجواد في عمارة مسجد ربيشه جُعل إمامًا فيه واستمر يمارس هذه الوظيفة ثلاث سنوات، ثم إن الحكومة بعثته في جملة القضاة والأئمة والمرشدين إلى جهة عسير وما يليها عام (١٣٥٣ هـ) فذهب على مضض لأنه كان مولعًا ببلده ورفقته.
ولما أن ذهب في جملة الذاهبين إلى جهة اليمن كان إماما في أبي عريش وواعظًا ومرشدًا، واستمر يمارس هذه الوظيفة حتى عام (١٣٥٨ هـ) حيث رجع إلى بلده ثم انتقل إلى مكة للدراسة على الشيخ محمد بن مانع، وتعين في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثم تعين في قضاء الدمام، توفي ﵀ بمكة في ١٦/ ١١/ ١٣٩١ هـ (٢).
ومنهم عبد الله بن سعد العامر من التجار الأثرياء يتعامل بالتجارة مع الأعراب ويداين بعض الفلاحين.
قال عبد العزيز بن محمد الهاشل:
стр. 6373
يا راعي الفاطر الضامر ... عسي منازلك بالجنه
اشهد على شغل (ابن عامر) ... بالصيف يرسل لنا شنه
ولهذه الأبيات قصة وهي كما أخبرنا بها الشاعر عبد العزيز الهاشل أن الربيع قد أقبل والمراد بذلك العشب والخصب فاتفق مع عبد الله العامر على أن يعطيه ناقة ومعها شدادها وقربة من أجل أن يحش عليها العشب، ويبيعه في سوق بريدة على أن يكون ربح ذلك مناصفة بين الاثنين، والمراد به الربح الذي يحصل من هذه العملية وهو محتمل لأن الناقة لا تحتاج إلى من يشتري لها العلف.
قال: فأعطاني قرية قديمة ربما لم يكن عرف أنها كذلك لأنه وأمثاله يشترون القرب في العادة من الخرازين الذين ربما يبيعون قربًا مستعملة.
فقلت هذين البيتن مع بيت ثالث.
والقربة إن كنت لا تعرفها هي من الجلد ينقل بها الماء على البعير ونحوه.
ومنهم علي بن محمد العامر، كان يتاجر بالبقر وكان خبيرًا بها يرجع إليه فيها، وكان له دكان في أسفل سوق بريدة الرئيسي القديم كان أيضًا يعرف المشالح وأقيامها.
وهو محب لطلبة العلم مجالس لهم، وله أخبار ونكت ونوادر مع فهد العيسي، وعبد المحسن العبيد وصالح الرسيني المشهور بلقب نكَّاس وكلهم طالب علم مجيد.
وفي هذه الوثيقة التي سقط أولها وهي بخط الشيخ عبد الله (بن علي) بن عمرو الذي هو الرجل الثاني في جماعة الشيخ ابن جاسر وسوف يأتي الكلام عليه عند الكلام على أسرته في حرف العين هذا.
وفي آخرها شهادة محمد السعد بن عامر.
وهو والد سعد العامر وإخوانه المعروفين لدينا.
стр. 6374
وهذا بيان بحملة الشهادات والموظفين البارزين من العامر كما قدموها لي:
صالح السعد وعبد العزيز السعد العامر، من أوائل المدرسين، عملا بالتدريس من المرحلة الابتدائية فالمتوسطة والثانوية حتى تقاعدا.
محمد السعد العامر، تخرج من أمريكا عام ١٣٩٨ هـ وعمل في عدة قطاعات، كان آخرها في شركة أسمنت القصيم كمدير لإدارة التسويق والمبيعات، وله جهود مميزة في نمو الشركة وبناء اسمها والتي عمل فيها الأكثر من خمس وعشرين عامًا.
عبد السلام محمد العبد الله العامر، مدرس إمام مسجد - وداعية.
خالد محمد الفهد العبد الله السعد، جامعي أحياء دقيقة، يعمل في المستشفى التخصصي ببريدة.
صالح السليمان السعد، علم نفس، إدارة تعليم القصيم.
стр. 6375
عبد الله السليمان السعد، كيمياء، مدرس.
نايف عامر العبد الله المحمد، جامعة أم القرى، ملازم قاضي وتحقيق والإدعاء العام.
أحمد صالح العلي المحمد، حاسب آلي، مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية.
سلطان صالح العلي المحمد، هندسة كهربائية، شركة الكهرباء السعودية.
علي صالح العلي المحمد، شريعة، الهيئة الملكية بينبع وإمام مسجد.
عبد الحكيم صالح العلي المحمد، مدرس.
محمد الصالح العلي المحمد، مدرس.
إبراهيم الصالح العلي المحمد، مدرس.
علي العبد الله العلي المحمد، طبيب بشري يحضر للزمالة ماجستير.
الدكتور إبراهيم المحمد العبد الله السعد، ماجستير، جامعة هل بريطانيا.
صالح السليمان العبد الله السعد، من جامعة نيوزيلندا، إمام مسجد وداعية، ويحمل شهادتين جامعية شرعية وشهادة طب بيطري.
خالد صالح العلي المحمد، ماجستير طب أسنان، المستشفى التخصصي ببريدة.
محمد العبد الله المحمد العامر، ماجستير، جامعة أم القرى.
الدكتور محمد العبد الله المحمد السعد العامر، دكتوراه من جامعة الأزهر وسائل الإثبات المختلف فيها عند الفقهاء، رئيس كتابة عدل جدة الثانية.
حفظة كتاب الله العزيز:
صالح السليمان العبد الله العامر.
стр. 6376
عبد السلام محمد العبد الله السعد.
علي الصالح العلي المحمد.
ومن البنات الحافظات لكتاب الله العزيز:
ثمان بنات وواحدة منهن معها إجازة بقراءة حفص عن عاصم ويعملن بالتدريس وخدمة كتاب الله والدعوة إليه.
عامر العبد الله المحمد، رئيس لجان مختلفة في إمارة منطقة مكة المكرمة.
دعاة وأعمال خيرية:
منصور عامر العبد الله المحمد، مدير هدية الحاج والمعتمر.
عبد السلام محمد العبد الله السعد، مشرف على حملات الحج الخاصة بالشباب.
ومن العامر صالح بن سعد العامر، وهو إخباري يحفظ كثيرًا من الحكايات والأخبار الدائرة في المجالس، روى عنه سليمان بن إبراهيم الطامي حكايتين أسماهما سالفتين، قال:
هذه السالفة رواها الصديق صالح بن سعد العامر، قال فيها:
كانت فتاة تعمل في حقل التعليم (معلمة) سألتها زميلاتها لما لا تتزوجين؟ قالت: لن أتزوج لأنني العائل الوحيدة لوالدي بالرغم من وجود إخوة لي، ولي سالفة غريبة عجيبة، أخبركن بها فاسمعنها.
فقد رزق والدي أول مولود له ببنت، ثم رزق في ثاني مولود له ببنت، ثم بنت ثالثة، فرابعة، وخامسة، فصار لديه خمس بنات، فولدت أنا وكنت البنت السادسة لوالدي.
فأخذني أبي ورماني عند باب المسجد، فلم يلتقطني أحد، فأعادني والدي
стр. 6377
إلى المنزل، وفي اليوم التالي رماني بباب المسجد، وأيضًا لم يلتقطني أحد، وهكذا، ثلاثة أيام يرميني بباب المسجد لعل الله يبعث من يلتقطني، ولكن الله لم يرد ذلك فأخذني والدي على كره ومضض.
لأنه أصبح لديه ست بنات، ويتمنى أن يأتيه مولد ذكر عند كلّ ولادة، ثم حملت والدتي جنينها السابع، انتظر والدي بفارغ الصبر هذا المولود القادم عله يكون ذكرًا.
حانت الولادة وأتت والدتي بمولود ذكر، ففرح والدي أيما فرح به، فماتت أختي الكبيرة، وبعد مضي زمن ولدت أمي مولودًا ذكرًا ثانيًا، فاستبشر والدي به، فماتت أختي الثانية، وبعد مضي زمن ولدت أمي ولدها الذكر الثالث فماتت أختي الثالثة.
وهكذا كلما ولدت أمي مولودًا ذكرًا ماتت مقابله أخت لي، حتى ماتت جميع أخواتي الخمس، وبقيت أنا من الإناث فأصبح لوالدي خمسة أبناء وبنتًا واحدة هي أنا.
كبر إخوتي، وكبرت معهم، وتزوجوا وارتحلوا واستقلوا كلّ في بيت لوحده، وكبر والدي وأقعدته السنين كما يقولون في المثل (مسك الأرض) وكبرت والدتي أيضًا معه، وبقي دوري أنا وإخوتي في مكافاتهما.
انقطع إخوتي عنا وعن زيارتنا وحتى عن السؤال عنا، ولو من بعيد، خاصة عن والدي اللذين صحتهما في انحطاط لكبر السن، وما يعتريهم من أوجاع وأمراض وبحاجة إلى رعاية صحية لكن لم يحصل منهم لاذا ولا ذاك.
فصرت أنا العائل المنفق عليهما، والقائم بخدمتهما، وأحضرت لهما خدامة ترعاهما وتقوم بخدمتهما أثناء غيابي للعمل، فلذلك قررت عدم الزواج طالما أنهما حيان، فما كان من زميلاتها عندما سمعن بسالفتها إلَّا أن أكبرن فيها هذا الصنيع مع والديها، وإن كان واجبًا دينيًا يفرضه الدين والخلق لكل والدين من أولادهم، وصارت محل تقدير واحترام ولاحظن زميلاتها بشاشة وجهها وراحتها النفسية، فلم
стр. 6378
تر يومًا غضبانة أو زعلانة أو مكتئبة، فالابتسامة لا تفارق محياها، وإئمًا هاشة باشة، كثر الله أمثالها وأسعدها في دينها ودنياها (١).
والحكاية الثانية، قال سليمان الطامي:
روي هذه السالفة الصديق صالح بن سعد العامر، قال فيها:
كان شاب يعيش مع والدته عاطلا عن العمل، وأحواله المادية ضعيفة، وفي أحد الأيام قالت له والدته: لما لا تذهب إلى عمك في (عين ابن فهيد) لتعمل عنده، فهو رجل ميسور الحال، وغني كريم شهم، فلن يبخل عليك بشيء، فاجلس عنده عدة أشهر للعمل حتى تبني وتدبر أمورك.
استحسن الشاب فكرة والدته وذهب إلى عمه سيرًا على الأقدام لأن الشاب وأمه يعيشان في أحد مراكز الأسياح القريب من (عين ابن فهيد)، وعندما دخل الشاب أحد شوارع العين، صادفه بالطريق فتاتان في سن الزواج على قدر كبير من الحياء والجمال، فسلبتاه عقله.
جلس تحت جدار أحد المنازل، وأنشد الأبيات التالية يتمنى إحداهما ومما قاله بهما الأبيات التالية:
يا طفلتين بقصر العين ... لو أن حداهن تهيالي
ما غبط اللي ملك لكيّن ... ما بين نيرات وريال (٢)
واحد محله بحق العين ... والثاني مع القلب نَزَّال
وكان بالقرب منه وهو ينشد الأبيات السابقة رجلٌ متخف يستمع شعره، وبعدما سمع الأبيات، ذهب الرجل مسرعا إلى والد الفتاتين، وأخبره بما سمعه
стр. 6379
من شعر في ابنتيه، فسأله والدهما هل ضايقهما؟
قال: لا، هل تبعهما؟ قال: لا، بل جلس وأنشد الأبيات التي قلتها لك من هذا الشاب الغريب، وما هي إلَّا لحظات حتى دخل الشاب على عمه في منزله، فخرج الرجل وأشار بيده خفية بأن هذا هو الشاب الذي تغزل في ابنتيك.
سلم الشاب على عمه، وجلس يتناول القهوة، فقال له عمه، ما الشعر الذي قلته في ابنتي؟ قال: لم أقل شعرا يا عم، قال: بل قلت، كذا وكذا، فأعاد الشاب الشعر على عمه، فقال: ألم تعلم أنهما ابنتي عمك؟ قال: لا، وما يعرفني وهما متحجبتان.
فاعتذر من عمه عما بدر منه، علمًا بأن الشعر عفيف ولم يتعرض إلى شيء مخل أو غزل كما قرأتم الأبيات الشعرية آنفًا.
فقال له عمه بعد ما قبل عذره: لا عليك يا ابن أخي، الآن اختر إحداهما زوجة لك، فقال لعمه: يا عم ما جئتك لأتزوج، وشرح له وضعه المادي الضعيف هو ووالدته، إنما جئت للعمل وطلب الرزق والزواج يلحق إن شاء الله فيما بعد فقال له عمه: هذه الزيجة من الرزق، وألح عليه عمه بالزواج من إحدى ابنتيه فاختار البنت الكبرى، وتزوجها بعد ما جهزه عمه بكل ما يلزم الزواج.
وهذا ليس بغريب على أهل الأسياح المشهورين بالكرم، وقد كتب عنهم الكثير بهذا الشأن، وبعد انتهاء مراسم الزواج جهز عمه له ناقة محملة بالأرزاق، وقال له: أنت في فرح الزواج، فاذهب أنت وزوجتك إلى والدتك واقض باقي أيام الفرح عندها، وعندما تنتهي تلك الأيام، اترك زوجتك عند أمك، وتعال لتعمل عندنا كما تريد، وإذا اشتقت لأهلك أذهب إليهما، المسافة بين (عين ابن فهيد) وبلدة أو مركز الشاب لا يتجاوز العشرين كيلو مترًا تقريبًا.
فشد الزوج ناقته وأركب زوجته خلفه، وودع عمه وودعت العروس والدها وسارا إلى والدته.
стр. 6380
وصل العريس وعروسه إلى بلدته، وأناخ ناقته، ثم قرع الباب على والدته، فقالت والدته: من الطارق؟ قال: ابنك، ففتحت له الباب، وقبل أن يسلم. عليها وبخته ببعض الكلمات تعتب عليه سرعة العودة.
فتبسم لها ولدها، وقال لها، أطلي برأسك إلى الشارع، فأطلت وإذا ناقة معقلة عند الباب وعليها امرأة.
قالت: ما هذا؟ قال: هذه زوجتي فلانة، ابنة عمي، وكانت طبعًا تعرفها، فانبهرت الأم مما رأت، فأمر زوجته بالنزول، فنزلت وسلمت على خالتها (حماتها) وأنزل الأرزاق التي على الناقة، من تمر وأرز وسكر وشاهي، وقهوة وغيرها بعد أخذ الراحة، أخبر والدته بتفاصيل رحلته وسبب زواجه، فما تمالكت الأم نفسها حتى بكت فرحا بسعادة ولدها وزوجته، مشفوعًا بدعائها للعم حيث كان سبب خير لها ولولدها، ومع هذه الزيجة والزوجة انفتح للزوج باب الرزق، من بينها الأبناء والبنات (١).
العامر:
أسرة أخرى.
من أهل الشقة العليا، جاءوا إليها من الأسياح.
منهم الشيخ علي بن عامر بن صالح العامر رئيس مركز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الرياض وإمام جامع الناصرية في الرياض - ١٣٩٩ هـ.
ذكر الأستاذ ناصر بن حمين أن العامر هؤلاء هم ذرية عامر بن صالح بن راشد الأسعدي، وأنهم أبناء عم للهَّذَال أهل الأسياح.
ترجم له الشيخ عبد الله بن بسام جزاه الله خيرًا بترجمة مفصلة وافية، فقال:
стр. 6381
الشيخ علي بن عامر بن صالح آل عامر (١٣٣٩ - ١٤١١ ه ـ):
ولد المترجم في بلدة الشقة في منطقة القصيم ليلة السادس عشر من شهر شوال لعام تسعة وثلاثين وثلاثمائة وألف، وكانت أسرته قبل ذلك تقيم في الأسياح، ثم نزحت إلى بلدة الشقة، وهي بلدة صغيرة تقع شمال مدينة بريدة، وتبعد عنها بنحو ثلاثين كيلا، حيث وُلد هناك وتلقى تعليمه الأولي، ودرس فيما كان يعرف بالكُتَّاب، حيث تعلم القراءة والكتابة وأخذ القرآن الكريم على الشيخ عبد الله الضالع.
وكان من أقرانه آنذاك الشيخ حمود العقلا الشعيبي، ومحمد العلي الجبر، وعلي بن صالح الضالع، وضحيان بن عبد العزيز الضحيان.
وفي عام ١٣٥٧ هـ ارتحل إلى الرياض لطلب العلم وكان عمره آنذاك ثماني عشرة عامًا، ولما وصل انتظم مع طلاب العلم لدى الشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم، وكان ملازما لحلقة الشيخ عبد اللطيف، وأقام في السكن المعد للطلبة جوار مسجد الشيخ بحي دخنة لمدة سنتين، ثم انتقل إلى سكن (الإخوان) وأقام فيه خمس سنوات.
وقد درس في تلك الفترة كتاب التوحيد والأصول الثلاثة، ورسائل أئمة الدعوة وبلوغ المرام ومختصر المقنع والرحبية والأجرومية وغيرها من المتون العلمية.
أعماله:
- في عام ١٣٦١ هـ عُيِّن مرشدًا في القصور الملكية، وواعظًا في أحد بيوت الملك عبد العزيز ومربيا لأبنائه.
- في عام ١٣٦٩ هـ عين إمامًا خاصًّا للملك سعود في القصر الملكي في جامع الملك سعود بالناصرية، وتولى الخطابة في السنوات الأولى من تأسيس المسجد، ثم ترك الخطابة لظروف صحية ألمت به، واستمر في الإمامة حتى وفاته، حيث بلغت فترة إمامته ما يزيد على أربعين عامًا.
- وفي عام ١٣٧٠ هـ التحق بمعهد الرياض العلمي عند تأسيسه، وبعد تخرُّجه التحق بكلية الشريعة، حيث كان من مشايخه فيها الشيخ العلامة
стр. 6382
عبد العزيز بن باز وفضيلة الشيخ محمد أمين الشنقيطي.
- ثم عُيِّن من قِبَل الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد مرشدًا في المنطقة الشرقية في مدينة (عُيِّن دار) ولم يستمر فيها حيث عاد إلى الرياض بعد شهرين.
- ثم عُيِّن وكيلا في مركز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السوق، وذلك في بداية عام ١٣٩٤ هـ، ثم أصبح رئيسًا للمركز، ثم تنقل في عدة مراكز كان آخرها رئيسًا لمركز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالناصرية، واستمر فيه حتى منتصف عام ١٤٠٤ هـ.
صفاته وأخلاقه:
كان ﵀، عابدًا حريصًا على تلاوة كتاب الله، حريصًا على المتابعة بين الحج والعمرة، وكان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، كما كان زاهدًا لم يحرص على حطام الدنيا، وكان متواضعًا لين الجانب رحب الصدر.
كما اشتهر ﵀، بالغيرة على دين الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمناصحة العامة والخاصة، وهذه من أبرز صفاته، فقد كان يصدع بالحق ويجهر به لا تأخذه في الله لومة لائم، وله ﵀ مواقف مشهورة ومعروفة في سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يعرفها رجال الحسبة.
وقد اشتهر عنه ﵀ استغلال أوقاته في الدعوة إلى الله والتذكير بأيام الله، وبيان الحق والدعوة إليه، وكان النّاس يحبونه ويجلونه ويقصدونه بالأسئلة في أي وقت، قلا يتبرم من ذلك، كما كان المرضى والملدوغون يأتونه فيدعو لهم بالشفاء والعافية.
وفاته:
في اليوم السادس والعشرين من شهر شعبان لعام ١٤١١ هـ، توجَّه مع بعض أفراد أسرته إلى مكة المكرمة، وكان ينوي الإقامة فيها لصيام رمضان وستًا من شوال، وفي اليوم الرابع من شهر رمضان خرج من مقر إقامته في
стр. 6383
حي الشامية متوجهًا إلى المسجد الحرام لأداء صلاة الظهر، ولمَّا وصل إلى باب عثمان ﵁ جلس على عتبة الحرم، ووافته المنية في تلك اللحظات وفي تلك البقعة المباركة، ﵀ وغفر له وأسكنه جنته.
وأدِّيت عليه الصلاة في الحرم المكي الشريف، وقد أمَّ النّاس فضيلة الشيخ محمد بن عبد الله السبيل، ودفن في مقبرة العدل بمكة المكرمة، رحمه الله تعالى (١). انتهى.
وجدت شهادة لأحد هذه الأسرة هو صالح بن عامر، تتعلق بشهادته أن غنام جد الضحيان والسعود أهل الشقة أرث أي كان من نسله سعود وفهيد وضحيان.
قال: والكل من الثلاثة المذكورين أرث له ذرية يجمعهم الجد غنام وهي ما نري.
ومثله شهد أحمد الإبراهيم القصير كتب شهادتهما عن أمرهما سليمان العلي الضالع في عام ١٣٤٥ هـ.
وتحتها شهادة عنه أيضًا مع آخر وهو علي بن سليمان الضالع بأن عيال غنام السعود قد سنوا في قلبانهم التي في جو ابلق، والذي نعرف منهن يخص قليب غنام، وقليب الدبيان، والذي يظهر لنا أن الجد - أي ابلق - للصقرات.
كتب شهادتهما عن أمرهما سليمان العلي الضالع عام ١٣٤٥ هـ.
стр. 6384
وهذه وثيقة مداينة بين (صالح العامر) من أهل الشقة وبين مزيد السليمان بن مزيد.
والدين أحد عشر ( ... ) وثمانمائة وستون صاع شعير، عوض بعارين ودراهم، يريد أن ثمنها عدد من الأباعر والدراهم أي الريالات، يحلن في ذي الحجة عام ١٣٥١ هـ.
ثم ذكر دينًا آخر وذكر الرهن بالدين.
والشاهد: إبراهيم العضيبي.
والكاتب إبراهيم بن عبد الرحمن الربعي.
والتاريخ: جمادى الآخرة عام ١٣٥١ هـ.
стр. 6385
وهذه وثيقة شبيهة بالتي قبلها، وكأنما هي لعميل آخر:
стр. 6386
العامري:
بصيغة النسبة إلى العامر.
لا أعرف شيئًا عن هذه الأسرة إلَّا ما ورد في وثيقتين قديمتين من أن (مهنا العامري) كان قد استدان من عمر بن سليم أول من جاء من آل سليم إلى بريدة.
الأولى بخط محمد بن شارخ وهو رديء الخطُّ والإملاء ولكنه قوي الشخصية معروف عند أهل عصره لذلك كثيرًا ما يكتفي المتعاقدان بكتابته عن وجود شاهد آخر معه.
وتقول الوثيقة: إنّه ثبت في ذمة مهنا العامري لعمر بن سليم مبلغ خمسة وعشرين ريالًا بضاعة.
والبضاعة هي المضاربة وهي أن يعطي صاحب المال مالا لرجل آخر ليستثمره، والربح مشترك بينهما، ثم ذكرت أن في ذمته أي مهنا العامري لعمر بن سليم سبعة أريل سلف أي قرض.
والوثيقة الثانية تذكر بأن مهنا العامري قد أقر بأن في ذمته لعمر بن سليم ستة وثلاثين ريالًا، وأنه أرهنه في ذلك سيفه المعروف، يراد المعروف بينهما.
والعادة في الرهن أن يكون أكثر من قيمة الدين وهو هنا ستة وثلاثون ريالًا فدل على نفاسة ذلك السيف، الذي هو سيف مهنا العامري وغلاء ثمنه لاسيما إذا تذكرنا أن البعير قيمته في ذلك الوقت وهو النصف الأول من القرن الثالث عشر في حدود عشرة ريالات وهي الريالات الفضية الكبيرة المسماة بالفرانسه.
والوثيقة بخط عبد الرحمن بن سويلم وهو من الكتبة المشهورين في تلك الحقبة وسبق ذكر ذلك مفصلا في رسم (السويلم) من حرف السين.
стр. 6387
وهذه صورة الوثيقتين:
ثم وجدت وثيقة أحدث من ذلك فيها ذكر محمد العامري، وهي مداينة بينه وبين مزيد (السليمان المزيد من أهل الدعيسة)، وهي مؤرخة في عام ١٢٨٧ هـ.
ووثيقة أخرى بعدها مؤرخة في ذي القعدة من عام ١٢٨٩ هـ.
وهي أيضًا مداينة بين محمد العلي العامري، وبين مزيد.
الشاهد عليها حمد الإبراهيم التويجري.
стр. 6388
والكاتب عبد الرحمن الربعي.
وهاتان صورتا الوثيقتين:
стр. 6389
العايد:
أسرة من أهل اللسيب.
منهم عبد الرحمن العايد معمر إخباري ذكر لي عدد من كبارهم أن أوائلهم قدموا إلى اللسيب منذ مائة وخمسين سنة.
هكذا قالوا ومثل ذلك تاريخ غير محدد وإنما هو تقريبي.
وقد وقع بين العايد أهل اللسيب والعايد أهل الرس نزاع كلامي حول قرابة أسرة العايد أهل اللسيب بالعايد أهل الرس.
وقد وصل الأمر بينهم إلى الإعلانات في الجرائد ثم وصل الأمر بأحد (العايد) أهل الرس أن يؤلف رسالة مطبوعة في ذلك أعطاني إياها.
وكنت رأيت ذكر ذلك مفصلا لتبيان تفكير الفريقين في هذا الأمر، ولكنني رأيت أخيرًا حذفه لأنه خلاف على شيء لا يستحق كلّ ذلك الجهد.
ومن العايد أهل اللسيب، عايد بن عبد الرحمن العايد تاجر مقاولات في الرياض وله مزرعة في اللسيب.
وعبد الرحمن بن عايد بن محمد العايد مدرس في وزارة التربية والتعليم - ١٤٢٧ هـ.
وأخوه محمد موظف في مطار القصيم المركزي.
وثائق للعايد:
وجدنا وثائق عدة تتعلق بأسرة (العايد) هؤلاء، كما وجدنا شهادات لبعضهم على تعاقدات من مداينات أو نحوها.
وهذه وثيقة تتعلق بالعايد هؤلاء مكتوبة في عام ١٢٨٠ هـ بخط
стр. 6390
عبد العزيز بن ناصر بن مجحد وتتضمن أن ورثة عايد جد (العايد) اجتمعوا بعد موته واتفقوا على أن يكون له ثلث ماله الخ.
والوثيقة رديئة الخطِّ والإملاء لذلك رأيت نقلها إلى حروف الطباعة متفاديًا الأغلاط الإملائية وما على من يريد الإطلاع عليها في أصلها إلَّا قراءة صورتها المذكورة بعد هذا، وتقول الوثيقة:
بسم الله
"يعلم من يراه بأنهم حضروا عندي ورثة عايد: أولاده الذكور عبد الله ومحمد والبنات موزه وشما وفاطمة وسلمى وأمهم حمرا، واتفقوا على أنهم يجرون لأبوهم عايد رحمه الله تعالى ثلث ماله السبب أنهم (ما لطلبن) - كذا على أبوهم أنّه ذاكر له ثلث ماله في صحته قبل سقمه وأجروه على ما ذكر صرفه ... قادم به حجة الإسلام فرضه وضحية ( ... ) وزنة وعشر وزنات لإمام مسجد اللسيب وما بقي عن ذلك بأعمال البر على ما يرى الوكيل الصالح من أولاده، كذلك ثلاث الشقر اللي جنوب القليب الشرقية منهن اللي قبلة الساقي لأبو عايد محمد واللي تاليها من قبله لأمه موزة واللي تاليها من قبله لأخوه عبد الله العويد لهم في ضحايا الدوام ما هنب من ثلث عايد طلعن من حر مال عايد على صحته وشدته، ويضحن فيهن سنة بعد سنة في حياة عايد، وما بقي من الثلث عقب الحجة والضحية وعشر وزان المسجد بأعمال البر على ما يرى الوكيل وعلى المستحق من ذرية عايد الذكور والإناثي به سواء، فإن اغتنوا فعلى المستحق الأقرب فالأقرب، والوكيل على ذلك الله ثم ابنه محمد، شهد على ذلك ضبيب آل محمد، ومبارك بن سراح وصالح بن مسعود، وشهد به كاتبه عبد العزيز الناصر بن مجحد. رجب ١٢٨٠" انتهى.
إن خط هذه الوثيقة رديء واضح الرداءة وإملائها أي رسم إملائها ردي أيضًا، بخلاف معانيها فإنها جيدة إلَّا ما جاء في آخرها بأن الوكيل على ذلك
стр. 6391
هو الله ثم ابنه محمد، فالله سبحانه هو وكيل على كلّ شي ولا يجوز أن يطلق عليه أنّه وكيل عن أحد من البشر، وهذا واضح.
وواضح أيضًا أن مثل هذه الوثيقة تدل على تدني مستوى الثقافة عندهم لأنهم لو حاولوا قراءة هذه الوثيقة قراءة صحيحة لوجدوا أن ذلك صعب ولذهبوا إلى شخص آخر يكتبها كتابة جديدة، ولكنهم والأمية فاشية فيهم، بل غالبة عليهم لا يفرقون بين الكتابة الجيدة والرديئة أو هذه حال بعضهم.
أما الشهود فيها فإنهم معروفون لنا وهم ضبيب بن محمد تكملة اسمه (الضبيب) فيكون (ضبيب بن محمد الضبيب) وأسرة الضبيب من أهل اللسيب معروفة تقدم ذكرها في حرف الضاد، وإنها متفرعة من أسرة الحمود.
و(مبارك بن سراح) من أسرة (السَّرَّاح) المعروفة، بل التي كانت مشهورة في اللسيب، ومن ذلك سجع لطيف ذكره مطوع اللسيب في واحد من أسرة (السراح) ذكرته في كتاب (أخبار مطوع اللسيب).
أما ثالث الشهود وهو (صالح بن مسعود) فإنني لم أعرفه، وأما الكاتب فإنه من أسرة معروفة تسمى الآن (المجحدي) سيأتي ذكرها في حرف الميم إن شاء الله تعالى.
стр. 6392
وهذه صورة الوثيقة:
стр. 6393
وهذه وثيقة مؤرخة في عام ١٢٨٨ هـ كتبت في أول الأمر بخط عبد الله الرشيد المزيني في ١٠ ذي القعدة عام ١٢٨٨ هـ ثم نقلها إبراهيم آل محمد بن حمد الشاوي في ١٩ ربيع الأول عام ١٢٩٩ هـ.
وتتعلق بمبايعة بين محمد آل عثمان بن رميان وأخيه عبد الله آل عثمان.
وفي آخرها شهادة علي بن دبيان و (عبد الله العايد).
ووثيقة أخرى مؤرخة في ١١ رجب عام ١٣٣٣ هـ وتتضمن مداينة بين محمد بن عايد وبين سلمى الرشيد المحيميد، ويلاحظ الاسم بأنه (سلمى) اسم امرأة، وذلك أن (سلمى) هذه وهي بنت رشيد المحيميد كانت لها مداينات واسعة رأيت عدة منها، ولا شك في أن الذي لا يتمعن في قراءة اسمها يظنه سليمان سقطت منه النون.
стр. 6394
والدين ثمان وأربعون وزنة تمر، سلم أربعة أريل وقد قدمت معنى السَّلم.
وذكرت الوثيقة موعد حلول وفاء التمر بأنه ذو الحجة سنة ١٣٣٣ هـ ولا يكون إلَّا في موسم واحد من السنة هو موسم جداد التمر.
والشاهد على ذلك عمر بن ظاهر من الظاهر أهل اللسيب الذي تقدم ذكرهم قريبًا في حرف الظاء.
وشهد كاتبه الشيخ الثقة عبد الكريم بن عودة المحيميد المعروف بـ (مطوع اللسيب).
والوثيقة التالية مطولة وسوف يأتي شرحها أيضًا إن لم أكن شرحتها من قبل، وإنما يهمنا من أمرها السطر الأخير منها الذي يدل على أنه ليس نهايتها وفي الجملة التالية:
"بعدما أطلق محمد بن عايد رهنه على الملك المذكور ... والملك هو حائط النخل".
وهذه الجملة تدل على أن (محمد العايد) هذا كان ثريا بحيث كان يداين الفلاحين ويرهن أملاكهم من النخيل بديونه.
стр. 6395
وهي مكتوبة فيما يظهر من حلول أول آجال الدين المؤجل فيها في عام ١٣٣٧ هـ.
وخطها أشبه بخط عبد الكريم بن عودة المحيميد الملقب (مطوع اللسيب).
стр. 6396
العايدي:
على لفظ النسبة إلى العايد.
أسرة من أهل بريدة منسوبين إلى العوايدة من عتيبة.
جدهم علي بن شايع بن محمد بن حسن بن عبد الكريم بن عايد آل عايد (العايدي).
له ثلاثة أولاد هم شايع ومحمد وصالح.
صالح ومحمد انتقلا إلى الجوف، وقد اشتهر شايع بالعلاج الشعبي وحل النزاعات والخصومات بين القبائل ومن رجال الحسبة.
وصالح بقي في بريدة.
أبناء شايع هم سليمان علي - عيسى (والدته نورة) سليمان رشيد العيسى، إسماعيل (والدته حصة بنت سليمان بن رشيد الربيش).
أبناء محمد هم عبد الله - صالح - إبراهيم (والدتهم نورة بنت محمد بن راشد البهدل من الربيعية، والدتها لولوة علي الحماد التي تزوجت أيضًا بعد ابن بهدل من فهد بن سالم بن خالد الضبيب)، عبد العزيز (والدته ذهبه الونيس من الجوف).
منهم صالح بن محمد بن علي العايدي، عميد بحري ركن متقاعد.
وأخوه إبراهيم لواء قائد حرس الحدود بمنطقة جازان حاليًا.
وأخوهما عبد العزيز مدير مدرسة بالشرقية.
ومنهم عبد العزيز بن شايع العايدي، لواء متقاعد، آخر عمل له مدير المباحث الإدارية بالشرقية.
ومنهم إسماعيل بن شايع العايدي، قاض، يعمل الآن ١٤٢٩ هـ في القصيم.
وأخوه عيسى، عقيد مهندس بالجيش بالرياض.
стр. 6397
العايش:
من أهل بريدة.
أقرب الأسر نسبًا إليها هي (الجبعان) - والأجبع - بل إن الأجبع والجبعان متفرعون من هذه الأسرة حيث كانوا يسمون (العايش) من قبل.
ورد ذكر (حمد العايش) منهم في وثيقة مداينة بين يحيى الكردا وعمر بن سليم مؤرخة في عام ١٢٣٩ هـ بخط سليمان السيف المعروف لنا ولأمثالنا.
وهو واضح لا يحتاج إلى النقل إلى حروف الطباعة، ولذلك سنقتصر على نقل صورتها هنا.
стр. 6398
وقد ذكر في آخرها أن المائتين والثلاثين صاع حنطة المذكورة هي على (حمد آل عايش) فكان يحيى الكردا ضامن على ابن عايش في هذا الدين.
ويحيى الكردا هو جد اليحيى كلهم الآتي ذكرهم في حرف الياء.
وجاء ذكر (عيد العايش) في وثيقة مداينة بينه وبين محمد آل محسن وهو محمد بن محسن التويجري والد الشيخ إبراهيم بن محسن المعروف في وقته وسيأتي ذكرهم مفصلا في حرف الميم بإذن الله.
والدين خمسة عشر ريالًا عوض ناقة، أي هي ثمن ناقة، وهذا يدل على رخص الإبل في ذلك الوقت، أو إن شئت قلت: إنه يدل على قلة النقود بأيدي الناس.
وأيضًا ثلاثة عشر صاع حنطة.
والرهن بها هو الناقة الملحا بمعنى السوداء سوادا غير حالك، ثم قالت الوثيقة: وهي تبع الدين السابق بالرهن.
والشهود عبد الله آل محمد التويجري.
والكاتب هو عبد الله العويد، وهو من أسرة العويد العريقة التي عرفنا منها علماء في القديم والحديث وسيأتي ذكرهم في حرف العين هذا، إن شاء الله تعالى.
وذكرت الوثيقة أن المذكورات في الدين يحل أجل الوفاء بها مع ما قبلهن في جماد تالي أي جمادى الآخرة عام ١٢٨٢ هـ.
وتحتها مكاتبات بدين أكثر لا تخرج عن كونها دينًا في ذمة (عيد العايش) لمحمد بن محسن (التويجري).
стр. 6399
وهذه وثائق عدة أغلبها قصيرة كلها تتضمن مداينة بين (عيد بن حمد العايش) وهنا ذكر اسمه ثلاثيًّا ببيان أن والده اسمه (حمد) وبين محمد بن محسن التويجري.
واحدة بخط عبد الله بن عويد مكتوبة في سنة ست وثمانين (ومائتين وألف) لأن الدين المذكور فيها يحل سنة سبع وثمانين، والعادة الغالبة أن تأجيل الدين يكون إلى سنة.
ولم يشهد مع الكاتب عبد الله بن عويد على هذا الدين أحد.
стр. 6400
والثانية مطولة بخط الكاتب نفسه وهو عبد الله بن عويد في هذه المرة ذكر في آخرها التاريخ كاملًا وهو ربيع أول سنة ألف ومائتين وثمان وثمانين.
والدائن كما هو في التي قبلها هو محمد بن محسن (التويجري).
стр. 6401
والثالثة وثيقة محاسبة بين محمد آل محسن (التويجري) وبين عيد آل حمد بن عايش.
وقد بلغ جميع ما على عيد من تمر ودراهم وهو آخر حساب بينهم ستة وسبعين ريالًا فرانسه.
وذكرت أن محمد آل محسن علي رهنه السابق وهو رهن غريس حمد أصله وعمارته بجميع توابعه من بئر وأثل ودار وطريق.
وذكرت أن رهنه محمد آل محسن هذا هو بعد رهن عليها كان لناصر الشماسي.
والشاهد صالح الزايد بن صلال.
والكاتب شاهد به أيضًا وهو عبد الله الخضير التويجري، والتاريخ ٩ من رمضان سنة ١٢٩٠ هـ.
стр. 6402
ونعود إلى خط عبد الله بن عويد غير الجيد الذي كتب به عدة وثائق مداينة ما بين عيد آل حمد العايش، وبين محمد بن محسن (التويجري) فنجده كتب وثيقة بخط أحسن من كتاباته الأولى وأوضح.
وتتعلق بدين إلحاقي لمحمد آل محسن على عيد العايش وهو مائتان وأربعون وزنة تمر جيد عوض خمسة أريل وربع يحلن في شعبان سنة واحد وتسعين (ومائتين وألف) وقع ذلك في ذي الحجة من سنة تسعين (ومائتين وألف) والشاهد هو إبراهيم بن عيدان.
العَبَّاد:
بفتح العين وتشديد الباء.
أسرة صغيرة من (آل أبو عليان) أقرب أسرهم إليها (السْبَيْع) على لفظ تصغير السبع الذي تقدم ذكره.
عرفت رجلًا منهم كان يحضر الدروس العلمية للشيخ عبد الله بن محمد بن حميد عندما كنا ندرس عليه في الفنون المختلفة في المسجد الجامع.
ولم يكن يختلط بالطلبة، لأنه ذكر لنا أنه من جماعة الشيخ إبراهيم بن
стр. 6403
جاسر، كما يسمون، وكانوا مخالفين للمشايخ آل سليم وتلاميذهم أو على الأقل لم يكونوا يطلبون العلم معهم على المشايخ الذين هم آل سليم ومن معهم.
وبعد سنين ذكر لي أن الرجل لديه كتب وأنه محب للكتب فصرت أتحدث معه ووجدت ذلك صحيحًا، بل وجدت أنه طالب علم مطلع، ولكن كان يمنعه عن الاختلاط بطلبة العلم ومباحثتهم ما ذكرته.
العْبَادي:
بإسكان العين فباء مخففة أي غير مشددة فألف ثم دال مكسورة فياء كياء النسب.
أسرة صغيرة من أهل بريدة جاءت من (جلاجل) في سدير.
اشتهر منهم إبراهيم بن عبد المحسن العبادي إذ كان كاتبا حسن الخط بالنسبة إلى حالة الخطوط والخطاطين في تلك الفترة، وكان صاحب حانوت في بريدة واقع في السوق القديم الذي في شمال الجامع ودخل جزء منه الآن في الجامع الكبير، (جامع خادم الحرمين الشريفين) أو في الميدان الضيق الواقع إلى الشمال منه أي من الجامع.
ومنهم الشيخ العلامة النشط عبد العزيز بن إبراهيم العبادي، أدركته ولم أقرأ عليه لأن وفاته كانت في عام هـ وكان عمري آنذاك ثلاث عشرة سنة، ولكنني عرفته معرفة حقيقية لأمور منها أنه كان يجلس في بيت عبد العزيز بن عبد الله الغصن لإفادة خواص الطلبة، وذلك البيت فيه أختي لأبي وهي الكبيرة من أخواتي (هيلة) وكانت زوجة لعبد الله بن غصن والد الشيخ عبد العزيز الغصن، فكنت أراه جالسا في القهوة، ولكنني ما رأيته صامتا قط، وإنما كان كثير القراءة والحديث العلمي وشرح ما يقرأه الطلاب عليه.
وكان جم النشاط بحيث كان يبدو دائما وكأنه المستوفز الذي يريد أن يقوم وما ذاك إلَّا لفرط نشاطه، وبعده عن الكسل والخمول.
стр. 6404
وهو كفيف البصر حدثني والدي ﵀ قال: كان إبراهيم العبادي والد الشيخ عبد العزيز العبادي صاحب دكان قريب من ذكان والدي - جدي - فكان ابنه عبد العزيز يأتي لدكانه وهو صغير وقد أصابه مرض في عينيه اضطره إلى أن ينقطع عن الخروج للدكان فكان الناس يسألونه عنه.
قال والدي: ومرة سألناه عنه، فقال بحرارة: الله يخلف عليه، راحت عيونه، ثم قال بعد ذلك بحرقة، وبعد تأسف: عبد العزيز صار اليوم من حسبة خواته، يريد أنه مثل أخواته البنات في البيت لا يستطيع أن يكسب عيشه لأنه أعمى، لكن الله يخلي له سليمان وكان ولد للعبادي ابن حديث الولادة سماه سليمان.
وقد اعتقد الأب أن سليمان الصغير هو الذي إذا كبر سيقوم على شئون البيت ورعاية أخواته وأخيه الأعمى عبد العزيز.
ولكن الله أراد غير ذلك، فطلب عبد العزيز العلم وأدرك منه وهو صغير ما لم يدركه كثير من طلبة العلم الكبار في السن لذلك كانوا يجلسون عليه في درسه مثلما يجلس عليه الصغار من الطلبة.
وكان ذكيا ومحبوبا من الناس لذلك أجمع طلبة العلم في بريدة عليه وبخاصة من لا تمكنهم معرفتهم من القراءة على شيخه عمر بن سليم فكان يجلس للجميع في جميع فنون العلم المعروفة من علوم العقيدة إلى الفقه والفرائض والنحو.
وقد رزق البركة في تدريسه فقلما أفلس من العلم من قرأ عليه لذلك طار صيته خارج بريدة حتى وفد عليه الطلاب من أنحاء القصيم ومن غيرها فكثر تلاميذه واتسعت حلقة الدارسين عليه.
وعندما أدركت الأمور كان الناس ينظرون إليه نظرة تقدير وإجلال.
حتى توفي في عام ١٣٥٨ هـ ولا يزال في سن الشباب لم يصل إلى مرحلة الكهولة.
стр. 6405
ولم أقف للشيخ العبادي على رسائل أو مصنفات جريًا على عادة علماء القصيم الذين لم يكونوا يرون التصنيف مع قدرتهم عليه، وذلك منهم من باب التواضع، ونكران الذوات.
بل لم أر لطلابه الكثر من قيد ما كان يلقيه عليهم من فوائد علمية، ونكت فقهية أو نحوية في أثناء الدروس مع أنه كان يذكر لهم أشياء لا يجدونها في كتبهم مما استنبطه من النصوص، وذلك أيضًا ناشئ عن عادة عندهم قديمة، وإلَّا لو كان أحد منهم ندب نفسه لمثل ذلك لأفادنا اليوم في معرفة تفكيره وفهمه للنصوص.
إلَّا ما ذكره الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي أحد تلاميذ الشيخ العبادي الدارسين عليه وما عرفه عنه، فقال:
"أول من قرأت عليه الشيخ عبد العزيز العبادي، وكان كفيف البصر، قوي الذاكرة، آية في الحفظ، محبا لطلاب العلم، ومثابرا على جلسات العلم، وكان عمره عندما كنت أقرأ عليه يقارب الثلاثين، فقرأت عليه كتب الإمام محمد بن عبد الوهاب استفتحت بثلاثة الأصول، وثنيت بكشف الشبهات ثم التوحيد ثم جئت على أكثرها قراءة، والنحو، والفرائض، والمنتقى، ومتن الزاد، وورقة الجويني في أصول الفقه.
أما القرآن فقد راجعته عليه حفظا وضبطا إلى سورة النساء ولم تنقطع ملازمتي له حتى توفاه الله في شهر صفر عام ثمانية وخمسين وثلاثمائة وألف من الهجرة.
أما جلسات شيخنا العلامة العبادي فكانت على هذا النسق:
فترة أولى تبدأ عقب كل صلاة الفجر وتنتهي بعد طلوع الشمس.
فترة ثانية تبدأ في الضحى وتنتهي قبيل الظهر.
فترة ثالثة تبدأ من بعد صلاة الظهر وتنتهي قبيل العصر.
وهذه الفترات الثلاث كانت في مسجد المشيقح، وهناك فترة رابعة تبدأ من
стр. 6406
بعد صلاة العصر إلى قبيل المغرب، وهذه الأخيرة كانت في جامع بريدة الكبير (١).
انتهى كلام الشيخ صالح البليهي.
ومن طريف ما يروى عن الشيخ عبد العزيز العبادي ﵀ أنه عندما نصبت البرقية في بريدة، وكثر جدال المتدينين الذين لا يعرفون حقيقتها حولها فمنهم من زعم أنها سحر لا إشكال فيه، إذ كيف يمكن أن ينتقل الكلام في لحظة من بلد بعيدة إلى بلاد بعيدة أخرى؟ كما يقولون، وأنكر بعضهم وجودها في بريدة (بلاد المسلمين) بل اشتد في النكير.
طلب الشيخ العبادي من أحد تلامذته الذين يثق بهم أن يذهب به إلى مكان البرقية بعد المغرب في الظلام قائلًا له:
سوف نعرف غدًا جازمين ما إذا كانت البرقية سحرًا أو صناعة.
فأخذ يقرأ عليها القرآن ويجتهد في القراءة، وقال للذي معه: با أخي إذا كان صباح الغد ورأيت البرقية لا تزال تعمل فاعلم أنها صناعة، ولن نشك في ذلك، وإذا كانت قد توقفت فإنها تكون سحرًا من عمل الشيطان قد أبطلته آيات الله التي تلوناها عليها.
قالوا: فلما أصبح الصباح وعرف أنها لا تزال تعمل، أخذ يعلن اعتقاده الذي لم يرض بعض المتشددين وهو أن (البرقية) صناعة من الصناعات.
وقد فصل تلميذه الشيخ إبراهيم بن عبيد أحواله في ترجمة له مطولة من تاريخه لخصتها هنا قال:
ذكر وفاة الشيخ العبادي ١٣٥٨ هـ رحمة الله عليه، ففيها في عاشر صفر وقت طلوع الفجر منه، وذلك بكرة يوم الجمعة توفي الشيخ وهذه ترجمته:
стр. 6407
هو العالم العلامة اللوذعي الماهر في العلوم شيخنا الشيخ أبو إبراهيم عبد العزيز ابن إبراهيم بن عبد العزيز (١)، العبادي ﵀ وعفا عنه، ولد حوالي سنة ١٣١٤ هـ وكان والده كاتبًا فنشأ على العفة والعبادة والزهد والورع وكان قليل ذات اليد وأمه ابنة الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم فأخواله آل سليم، لازم الشيخ عمر بن محمد بن سليم فأخذ عنه وتتلمذ له وجعل يدأب في طلب العلم حتى بلغ رتبة تقصر عنها سورة كل مطاول وتتلاشي دونها وثبة كل مماثل، وكان صبورًا على حلو الزمان ومره وله محبة في القلوب وقبول لدى الخاص والعام وله مؤهلات بلغته إلى رتب عالية بلغ بها إلى أن كان في النيابة في قضاء بريدة إذا تغيب القاضي عنها.
أما مشايخه فإنه أخذ العلم عن الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم، وأخذ عن غيره من العلماء وأخذ أيضًا عن الشيخ عمر بن محمد بن سليم، وأكثر الأخذ عنه وتخرج عليه، وجد واجتهد حتى برع في علم التوحيد والأصول والفروع وكان لا يحقر أحدًا أن يأخذ منه الفائدة ولو شئت لقلت إنه كان إذا سألته عن مسألة وأنس مني إلماما بها يحرج مقامي في المصادر التي عثرت عليها فيها، وكثيرًا ما يبعث السؤال للعلماء كالشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري ويأخذ رأي العلماء في المشاكل ولا يتكبر ولا يتجبر.
ولما بلغ من العمر خمسا وعشرين سنة جلس للتدريس بإجازة من شيخه عمر بن محمد فجعل يعلم في تجويد القرآن ويدرس فيه على طريقة التجويد والضبط ويعلم في بقية العلوم فازدحم على مجلسه خلق كثير وجمع غفير وجثت التلامذة والأقران والشيوخ أمامه على الركب يقتبسون من فوائده ويستفرغون
стр. 6408
منطوقه وكان لا يسأم التدريس ولا يمل، مكرمًا للإخوان ويحب الكتب ويجمعها ويجعل لكل كتاب غلافًا من القماش ولا يزال يقلب كتبه ويكثر لمسها ويحتشمها ولا يثق على كتبه شريفًا ولا وضيعًا وقد هيء لها دواليب من الخشب، وكانت مجالسه عامرة بالتدريس ليلًا ونهارًا ينتابها الأهالي والأجانب وهذه كيفيتها.
جلس للتدريس في بداية الأمر في المسجد الجامع في بريدة بعد صلاة العصر في تجويد القرآن فكل تلميذ يقرأ ورقة وغالب التلاميذ يدرسون في القرآن حفظًا، فإذا ما فرغت حلقة أهل القرآن شرع أناس يدرسون في كتب الحنابلة وغيرهم، ثم جلس بعد ذلك في مسجد آل مشيقح للتدريس فكان إذا صلى الغداة تحلقت عليه حلقة لأخذ علم النحو ثم حلقة أخرى في علم قسمة المواريث فإذا ما طلعت الشمس قام يتوضأ ويتناول شراب القهوة في بيته.
فإذا كان بعد طلوع الشمس وانتشارها عاد إلى المسجد فوجد الطلاب والمتعلمين ينتظرونه حلقا حلقا فيصلي تحية المسجد ثم يجلس يدرس في سائر فنون العلم إلى قريب زوال الشمس ثم يعود إلى بيته فإذا ما صلى الظهر في المسجد المذكور جلس للتدريس إلى أذان العصر، وأشهد لرأيته مرة أذن مؤذن صلاة العصر وقد بقي ثلاثة من التلامذة لم يقرعوا فإذا صلى العصر جلس في المسجد الجامع يدرس إلى أن توارى في الحجاب (١)، وقد تغرب الشمس وقد بقي بقية لم يصل إليهم الدور.
أما الكتب التي يدرس بها عليه فإليك بعضها.
درسنا عليه كتاب إعلام الموقعين عن رب العالمين، وكتاب حادي الأرواح في صفة الجنة، وكشاف القناع عن متن الإقناع والروضة الندية الصديق بن حسن القنوجي، ويدرس عليه في المغني لابن قدامة، والشرح
стр. 6409
الكبير، وشرح المنتهى والمقنع، والفروع والصحاح، والمسانيد والشرح، والسنن، والمختصرات، ومدارج السالكين، وزاد المستقنع وشرحه، ودليل الطالب وشرحه وكتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وشرح الطحاوية وغيرها ويطيل ويفسر الكلام ويشبع ويسهب ويجرح ويعدل ويلهج بذكر الخلاف.
ولما علم الله صدق نيته رزقه كتبا كثيرة وحصل على شيء عجيب منها وأصبحت ترد عليه من مصر والحجاز، والشام وغيرها، ثم بعدما يصلي المغرب يذهب إلى بيته يتناول العشاء ولا يدرس بعد المغرب وإنما يختص لهذا الوقت شخصا معينا يأتيه يراجع ويناوله الكتب ويطلب منه مراجعة كذا والنظر في كذا، فإذا نودي لصلاة العشاء الآخرة قام للصلاة في المسجد الجامع ثم يتنفل ما شاء الله ويوتر وينام.
كان مربوع القامة ضرير البصر عيناه ناتئتان أبيض اللون أسود الشعر في لسانه لثغة، ومات ولم يولد له أولاد.
ذكر محفوظاته وسعة علمه:
كان قد حفظ القرآن عن ظهر قلب وحفظ مختصر المقنع، والعمدة وألفية ابن مالك في النحو والصرف، وملحة الأعراب، ومتن الأجرومية والبيقونية والجزرية، ومفردات المذهب، وإذا أخذ يلهج في قراءتها بقوة وشجاعة ونهمة في الحفظ وجد واجتهاد فإنه لا يوجد له مثيل، فكان آية من آيات الله في الجد والاجتهاد وحدث عن البحر ولا حرج، ذلك بأنه عشق طلب العلم فكان لا يشبع من العلم لفرط نهمته فيه وشدة رغبته في تلك البضاعة.
ولقد طلبته إعارة كتاب أسبوعا فأبى فتوسلت إليه بكل حق فأبى وأقسم بالله بعد ما طلبته يومين أن لا يعيره ولا ساعتين، وذلك لمحبته لكتبه وغلائها في نفسه.
وكان يحب البحث ومعرفة الخلاف العلمي، ولما سمع عبارة البهوتي في شرح
стр. 6410
مختصر المقنع وهي قوله (فلم أتعرض للخلاف طلبًا للاختصار) قال يا ليته تعرض، ولبث مرة يفسر الترجمة التي في كتاب التوحيد قول الله تعالى ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ فأطال حتى أتم ثلاثين دقيقة وقيل له إن من التلاميذ من لا يلم بالإطالة بالتفسير فلو اختصرت له فقال إني أفسر لأفيد نفسي والحاضرين.
وقرأ عليه طالب علم في القرآن الكريم وكان الطالب هذا موسومًا بالصلاح فلا يتمالك من البكاء في القراءة فتحرج لكثرة وقوفه ولما علم بما أوقفه وجعله لا يستمر كان يراعيه ويأخذ له اناءة حتى يخلص وهو يسأل الله الذي رزقه الخشوع أن يمن على من لا يخشع (١).
وقال تلميذه الشيخ صالح بن سليمان العمري رحمهما الله:
وكان الشيخ العبادي ﵀ دقيق الشرح للطلبة فلا يترك كلمة تحتاج إلى شرح إلَّا ووضحها، وربما يعيد قراءة القارئ في الحديث والفقه كاملة، ثم يتكلم عليها مسألة مسألة حتى مع صغار الطلبة، لكي يظل عالقًا في ذهن الطالب وهو يحفظ أكثر الكتب التي تقرأ عليه، وعندما كنت أقرأ عليه وأنا صغير أحفظ بعض كلماته في الشرح، وربما صعب على فهم بعض المعاني، فلا ألبث أن أعرف المعنى، ولاشك أن ذلك ببركة نيته الصالحة عند تلقين الطالب للمعاني.
وقد يستمر مجلسه أحيانا بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، خاصة في الأوقات التي يحضر فيها الطلبة من القرى والضواحي، وعلى وجه العموم فإن الله قد نفع بعلمه خلقًا كثيرًا.
وكان وقته مشغولًا بالقراءة والدرس، حتى وهو في الطريق من المنزل إلى المسجد أو إلى غيره، فإنه يقرأ شيئًا من محفوظاته، وربما يسمعه المارة