وورد ذكر شائعة المذكورة وأخيها عبد العزيز بن سعيد العبدان والد الشيخ الشهير القاضي عبد الله العبدان في وثيقة واضحة الخط أصدرها قاضي بريدة الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم أملاها على ابنه الذي صار بعد ذلك قاضي بريدة وما يتبعها من القصيم واشتهر بأنه من كبار علماء نجد وهو الشيخ عمر، وخطه واضح لا يحتاج إلى إعادة كتابة، والوثيقة مؤرخة في ١٨ شوال سنة ١٣١٨ هـ.
стр. 6512
العبدان:
أسرة أخرى صغيرة من أهل الصباخ في جنوب بريدة.
ورد اسم سليمان العبدان وابنه عبدان منهم في وثائق عديدة، وظهر لنا من استشهاد أهل الوثائق بسليمان بن عبدان هذا أنه شخصية قوية معروفة.
وليست لهذه الأسرة أية علاقة نسب بالأسرة التي قبلها، تلك معروفة العدد، وأشخاصها معروفون بأسمائهم، ويظهر أن هذه التي هي من أهل الصباخ أقدم عهدًا من التي قبلها.
والغريب أنه رغم حداثة عهد هذه الوثائق التي ورد فيها اسم سليمان بن عبدان وابنه عبدان لم أجد من يعرفهما، بل ولا يعرف أسرتهما من المعاصرين، مما قد يستدل به على أنهما هاجرا إلى مكان آخر، أو ماتا من دون أن يعقبا نسلًا من الذكور.
أول الوثائق التي نوردها عن أسرة (العبدان) أهل الصباخ وثيقة واضحة كاتبها والشاهد فيها عالمان من كبار علماء بريدة فالكاتب هو الشيخ محمد بن عمر بن سليم والشاهد هو الشيخ صعب بن عبد الله التويجري وتاريخ الوثيقة في ١٤ شعبان من عام ١٢٨٠ هـ وموضوعها: بيع سليمان ابن عبدان وابنه عبدان نخلات في الصباخ على الثري الشهير في وقته عبد الكريم بن جاسر.
стр. 6513
والوثيقة الثانية المتعلقة بسليمان بن عبدان وابنه عبدان هي وثيقة تبايع وهي بخط العلامة الشيخ محمد بن عمر بن سليم وقد سماها مبايعة وهذا صحيح، ولكننا اصطلحنا على أن المبايعة هي ما كان لها ثمن من النقود، أما هذه فإنها مبايعة نخل بنخل وإن كان أحد المتبايعين زاد الآخر على ذلك عشرة أريل وثوبًا.
стр. 6514
وقد سقط من آخر الوثيقة اسم الكاتب والشاهد، ولكننا نعرف خط الشيخ محمد بن عمر بن سليم كما يعرف معاصروه وجهه.
وهذه صورتها:
والوثيقة الثالثة المتعلقة بسليمان بن عبدان هذا هي محاسبة أي تحديد حساب بين سليمان بن عبدان (المدين) وعبد الكريم بن جاسر (الدائن) والكاتب هو الشيخ العلامة محمد بن عمر بن سليم وتاريخها ١٤ شعبان عام ١٢٨٠ هـ.
стр. 6515
ووثيقة أخرى وهي ورقة مبايعة كل المذكورين فيها مذكورون في الوثائق قبلها وهم البايع (سليمان بن عبدان وابنه عبدان) والمشتري عبد الكريم الجاسر والشاهد الشيخ صعب بن عبد الله التويجري والكاتب الشيخ محمد بن عمر بن سليم.
وهي واضحة لا تحتاج إلى نقل.
وأما تاريخها فهو في ١٤ شعبان سنة ١٢٨٠ هـ.
стр. 6516
ورأينا شهادة سليمان بن عبدان في وثيقة مكتوبة بخط ناصر السليمان بن سيف بتاريخ ٢٠ شوال سنة ١٢٨٦ هـ وتتضمن مبايعة في نخلة بين عبد العزيز بن عبد الكريم آل مبيريك (البائع) والشيخ محمد بن عمر بن سليم (المشتري).
والشاهد الوحيد فيها هو (سليمان بن عبدان).
وسوف ننقل صورتها عند الكلام على أسرة المبيريك في حرف الميم بإذن الله.
стр. 6517
ووثيقة أخرى بخط الكاتب الثقة المعروف في عصره علي بن عبد العزيز السالم وتتضمن إقرارًا بدين للثري المشهور سليمان بن صالح السالم على ابن عمه سالم بن محمد السالم وأمه شما.
والشاهدان فيها هما سليمان بن عبدان، وإبراهيم الزيد والأخير من (الزيد) الذين هم من آل سالم أيضًا فالدائن والمدين والكاتب وأحد الشاهدين كلهم من أسرة آل سالم.
وتاريخ الوثيقة مؤرخة في ١٤ من رمضان سنة ١٢٨٥ هـ. وهي منقولة في رسم (الزيد) من حرف الزاي.
стр. 6518
العُبرّة:
بضم العين وإسكان الباء ومعناها: الاعتبار.
أسرة صغيرة من أهل بريدة متفرعة من أسرة الهويشل التي جاءت إلى بريدة من الزلفي، وقبل الزلفي كانوا في روضة سدير.
منهم عبد الله الهويشل أول من لقب ب العبرة، وفيه المثل المشهور أو الذي كان مشهورًا: (سَوِّي به ما سوَّى ثابت بالعبره).
وقصته أن العبرة هذا كان صاحب دكان في بريدة، فسلط عليه مجنون اسمه ثابت فصار إذا فتح العبرة دكانه جلس ذلك المجنون عنده وصار يتحكك والمجانين لا يتنظفون لذلك رائحته كريهة وفي جسمه وملابسه قمل كثير، فيأمره العبرة بالقيام عنه فلا يقوم، ولا يستطيع أن يضربه لأنه مجنون يخشى أن يصيه منه ضر.
فإذا أغلق دكانه في الضحى وفتحه بعد العصر جلس ثابت في مقدمة دكانه لا يبرح فضر ذلك العبرة حتى في البيع والشراء، وقد حاول بعض الناس إنقاذ (العبرة) منه، فلم يستطيعوا، ولما طال الأمر على العبرة من دون أن يتخلص من ملازمة (ثابت) قرر الهجرة إلى عنيزة فذهب بالفعل إليها وعاش هناك وولد له أولاد في عنيزة.
وسار فيه هذا المثل: (سَوَّى به ما سَوَّى ثابت بالعبرة).
ولم ندرك (ثابت) هذا وربما الجيل الذي قبلنا لم يدركوه، ولكنهم ذكروا لنا أنه إذا قيل له: يا ثابت هجت القصيعة، بكى يحسب ذلك صحيحًا.
أكبر أسرة العبرة سنًّا الآن - ١٤٢٦ هـ - محمد بن هويشل بن عبد الله
стр. 6519
وعبد الله هذا هو صاحب ثابت بن هويشل، وعمر محمد ٩٦ سنة ولا يزال حيًّا.
منهم الآن يوسف بن محمد بن هويشل مؤذن في مسجد الشريدة الواقع في الموطأ إلى الغرب من مقبرة الموطأ، وليس مسجد عبد الرحمن الشريدة الشهير القديم الواقع في شمال بريدة القديمة، وقد بدأ الآذان فيه منذ ربع قرن بالتحديد عام ١٤٠١ هـ ولا يزال - ١٤٢٦ هـ.
العَبْلاني:
من أهل المريدسية.
وهم أصهار للصويلح والفيز والعليقي.
منهم محمد بن محيسن العبلاني.
توفي، وله عدة أبناء أخرهم وفاة ناصر، توفي عام ١٤٣٦ هـ، وهو مزارع في اللسيب.
وأخوه صالح صاحب ورشة لإصلاح السيارات في بريدة.
ومنهم عبد المحسن بن صالح العبلاني، يعمل في الشئون المالية في إدارة التعليم بالقصيم.
العبْوُد:
بإسكان العين بعدها ياء مضمومة مخففة أي غير مشددة فواو ساكنة.
هذه أسرة متفرعة من أسرة آل سالم الكبيرة القديمة السكني في بريدة، تفرعت منها أسرة (الحسن) التي سبق ذكرها في حرف الحاء.
ولقب بعضهم بأم الجن.
стр. 6520
وسبب تلقيبهم بذلك ما أخبرني به والدي والشيخ عبد العزيز المعارك أن حسن بن عبود العبود منهم كان جَمَّالًا يجلب الحطب على بعيره ويبيعه في بريدة، قال: في ليلة من الليالي باردة بحثت عن ذرى أتقي به هذه الريح أنا وجملي لأن البعير يبرد كما يبرد الإنسان فرأيت شجرة كبيرة من شجر العشر، وكنت سمعت أن العشر هو من منازل الجن فقلت في نفسي: أنام أنا وبعيري تحت هذه الشجرة التي ترد عنا الهواء البارد.
قال: وقد نمت بالفعل ولما كنت بين النائم واليقظان رأيت عجوزًا قصيرة هرمة عليها شوشة منتفشة ومعها شايب أي شيخ هرم خلقته كخلقتها فقالت العجوز: إهه وجلست عندي، وقال الشاي مثلها وجلس بجانبها، وكلمة: إهِهْ يقولها الكبير إذا كان متعبًا، ثم قالت العجوز بعد أن جلست:
من رواق ظهرنا
فقال الشايب: لين جينا النفود
فقالت العجوز:
بالشجيرة قعدنا
فقال الشايب: عند راع القعودِ
قال حسن العبود: فقلت لهما: إنْ كان أنتم جَنَّ فأنا (أبو الجن) والله ما هميتون.
قال: فقاطعني الشايب قائلًا: حنا نعرف أنك أبو الجن و (أم الجن) ولا لنا قدرة على عقلك لكن، والله أن إما إنك تخلي شجرتنا - يعني شجرة العشر - الذي كان تحتها، وإلَّا إننا نجفل بعيرك ولا تلقاه إلَّا بعد ثلاثة أيام.
فكان حسن العبود يحدث بذلك فلقبه بعض الناس (أم الجن) على اللفظ الذي ذكر أن الجني قال له.
стр. 6521
وعلى ذكر ذلك اللقب حدثني أشياخنا أن أحد وجهاء آل سالم ممن لهم نخل في واسط كان قد اعتاد على أن يدعو قاضي بريدة ومعه بعض الكبار من طلبة العلم إلى نخله في واسط في القيظ، جريًا على عادة الكثير من الأعيان والوجهاء، وأنه ذات مرة أراد مداعبة القاضي وإدخال السرور على من في المجلس فقال: يا شيخ أحسن الله إليك - وهذه جملة تقال في مخاطبة العالم الكبير خاصة - ما قولك في الذي يجمع الجنَّ ويفرقهم؟ فسكت الشيخ قليلًا، واشرأبت أعناق الحاضرين لمعرفة جوابه في هذه المسألة التي كان كثير من أهل نجد في زمن الجهل يعتقدون بأن بعض الناس يستطيع ذلك ويفعله.
فأجاب الشيخ: لا يستطيع أحد أن يفعل ذلك إلَّا نبي الله سليمان بن داود الذي سخرت له الجن والإنس، فقال ابن سالم: أنا أستطيع، أنا أستطيع أن أجمع الجن وأفرقهم؟
وبين دهشة الحاضرين لهذا الجواب الذي صدر من رجل عاقل رشيد متدين أخذ يقول: يا دحيم ويا سليمان، يا إبراهيم، يا .... فزاد عجبهم فلما حضروا واكتمل حضورهم عنده قال: روحوا أنت يا فلان للجهة الفلانية، وأنت يا فلان للجهة الفلانية، وكلهم من الشبان.
ثم التفت إلى القاضي وإلى الحاضرين وقال: في وسط دهشتهم: ها أنا ذا أحسن الله إليك - قد جمعت الجن وفرقتهم.
إن هؤلاء الذي رأيتهم هم الذن يسمون الجِنَّ، فتبسم القاضي الذي لم يكن يليق بمقامه في ذلك الوقت أن يقهقه وضحك الآخرون، وكان كل الذين دعاهم من (العبود) هؤلاء من الذين يسكنون في خب واسط ومن الذين جاءوا لحضور هذه الدعوة.
ومنهم فايز بن عبود الحسن العبود كان متزوجًا من فاطمة بنت إبراهيم بن عبد الله المعارك فغضبت من والدته بسبب نزاع بينهما فذهبت إلى بيت والدها وأبت الرجوع إلى زوجها.
стр. 6522
فأرسل فايز إلى والدها بهذه الأبيات:
يا طير يا اللي بالسما تبرم الحوم ... سَلِّمْ علي بنت بدار المعارك
قل لهْ: ترى أني عقبكم ما أطلق الصَّوْمْ ... وأشوف حَظِّي عقب فرقاك بارك
يا لايمٍ بالبنت عساك مضيوم ... وإلَّا فذهبان ببير المهالك
وكان ثريًا يتاجر بالإبل.
مات فايز العبود في حدود عام ١٣٣٢ هـ.
ومنهم عبد الرحمن بن عبود العبود يلقب (دحيموه) وهو لقب تدليل لدحيم التي هي في الأصل تصغير عبد الرحمن.
كان (دحيموه) كأكثر (العبود) هؤلاء جمالًا يتعيش من حمل البضائع والناس على الإبل ونقلهم من مدينة لأخرى.
كان مرة في الأحساء وقد ضاعت ذلول له هناك فذهب إلى أمير الأحساء عبد الله بن جلوي وهو أمير مهيب وقال له بدون هيبة منه:
يا الأمير ذلولي ضاعت بالحسا، وهي مريودةٍ منك.
مريودة: مرادة، أي يجب أن تردها عليَّ، فأمر ابن جلوي بالبحث عنها حتى وجدها وردها عليه.
ومرة حمل جارية تابعة لإحدى نساء الملك عبد العزيز آل سعود، ومعها امرأة أخرى من أهل الرياض، حملهما بالأجرة من بريدة إلى الرياض وكان مع النساء ريحان يتطيبن به، على عادة أهل الرياض في ذلك الوقت مما لم يكن أهل القصيم قد اعتادوا عليه، وكان في إبله دَبَر وهو القروح تكون في ظهر البعير من أثر الحمل، وأهل نجد يعتقدون أن الطيب وبخاصة الريحان يشمُّ الجروح أي يجعلها تنشم وتلتهب، فالتهبت قروح إبله، ويقال: إن واحدًا منها مات في الرياض بسبب ذلك، وكان لأهل نجد اعتقاد راسخ في هذا الأمر.
стр. 6523
قالوا: فذهب (دحيموه) إلى الملك عبد العزيز وخاطبه قائلًا بصراحة وفصاحة: يا طويل العمر، أنا شلت على بعاريني طارفةٍ لكم أدَّور الزود، وجاني نقص (استشمت) بعاريني من الريحان، واليوم أبي العوض عنها من الله ثم منك.
وقد ضحك الملك عبد العزيز وعوضه عن البعير الذي مات أو أصيب كما قيل.
مات عبد الرحمن العبود (دحيموه) هذا في عام ١٣٧٠ هـ ولم يعقب إلا ابنًا واحدًا هو عبد الله - ولكن عبد الله رزق بعدة أبناء.
ومنهم عبد الكريم بن عبود العبود تاجر من تجار الإبل في سوق بريدة ودلال للإبل معروف بذلك وثقة يركن إليه.
وهو والد سليمان العبود الملقب المولي.
العْبُود:
على لفظ سابقه: أسرة أخرى من أهل القويع القدماء كانوا من أرباب الأملاك أي النخيل يفلحونها لأنفسهم.
منهم (عبود العبود) صديق حميم لسلطان المواش كان سلطان يخرج إليه من بريدة إلى القويع.
ومعلوم أن سلطان المواش من الرجال المتميزين، وقد انقرضت أسرة (العبود) هذه أو كادت.
العَبُّود:
بفتح العين وتشديد الباء المضمومة.
من أهل السادة في بريدة.
وهم من (آل أبو عليان) أمراء بريدة السابقين، وقبل ذلك كانوا في العكيرشة
стр. 6524
منهم شخص قتله عبد العزيز بن رشيد مع الحواشيش سنه ١٣٢٣ هـ في القعرة.
ومنهم محمد بن عبد الله بن عَبُّود جَمَّال كان يذهب إلى البر يحضر الحطب على جمله ويبيعه في بريدة، وفي أول عهد الأمير عبد الله بن فيصل الفرحان بإمارة بريدة كان ابن عبُّود هذا وحطاب آخر هو سليمان النويصر ذاهبين إلى موضع الحطب في نفود الثويرات، وكانا نائمين فمر بهما لصان أحدهما اسمه ناشي والآخر اسمه نويشي فسرقا جمليهما وهربا بهما إلى جبل النير حيث منازل جماعتهما فجاء ابن عبود ورفيقه إلى بريدة مشيًا على الأقدام ورفعا الأمر إلى أمير بريدة الأمير عبد الله بن فيصل فأرسل مَرَّية لقص الأثر ورجالًا من رجاله مسلحين فمسكوا أثرهما ومعهما الجملان حتى وصلوا إلى النير ثم قبضوا عليهما واحضروهما إلى بريدة معادلين على بعير ودخلوا بهما مدينة بريدة عصرًا وكنت إذ ذاك صبيًّا في الثانية عشرة من عمري ولكني أذكر ذلك فسجنهما ابن فيصل واعترفا بعد ذلك بالسرقة فحكم عليهما الشرع بقطع اليد لأنهما قد أخذا الجملين وهما معقولان بالعقال وذلك هو حرز الدابة.
ولكن الملك عبد العزيز ﵀ أمر بأن يقطع من كل واحد رجله ويده نكالًا لهما لأن الناس كانوا قد بدأوا ينسون الجريمة ولا يقارفونها، فقطعت يد ورجل من كل منهما وعُلِّقت بحبل في السوق فأخذ الصبيان وكنت منهم يصافحون اليد المقطوعة فأنشأ ناشي قصيدة طويلة في هذه المسألة يدعو فيها على جمل ابن عَبُّود الذي كان السبب في ذلك كما يقول، منها قوله:
يا لا عادْ سَرْقة جمل عَبُّود ... خَذَتْ منَ العمر لدَّاته
يَد ورجل مع المَنْقُود ... والعبد يرضى بدِبَراته
أم الشحم عَلقَّت بالعود ... عليه من الخلق صولاته
وقال أيضًا:
стр. 6525
لي عادت على هرش ابن عبُّود ... والعبد يلعب بالايمان
أم الشحم علقت بالعود ... واللي من ربي ارضاني
وتأكد لي أن الشيخ القاضي عمر بن سليم الذي حكم بقطع يد كل واحد منهما حدًّا للسرقة عندما أبلغه الأمير ابن فيصل أنه سيقطع يد كل منهما وجزًا من رجله مما يلي الأصبع نكالًا لهما استنكر ذلك وأبرق للملك عبد العزيز بأنه لا يجوز تجاوز الحد الشرعي، فأجابه الملك عبد العزيز برقيًا بقوله: هذولا أحسن الله عملك - من الذين أفسدوا في الأرض قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ونحن نأخذ بالجزء الأخير من هذه الآية الكريمة.
أكبر العَبَّود سنًّا الآن - ١٤٠٨ هـ - سليمان بن علي بن عبد الله بن علي بن عبد الله العَبُّود وعمر سليمان الآن (٧٢) سنة.
وكان (العَبُّود) في وقت من الأوقات معروفين بأنهم من أشجع آل أبو عليان، وأكثرهم إقدامًا وجرأة.
حدثني سليمان بن علي المقبل الملقب (أبو حنيفة) قال: كان رجل من أسرة العنقري أمراء ثرمداء قد تخاصم مع ابن عمه أمير ثرمداء فتركها وهاجر إلى بريدة بنية الإقامة في بريدة، وصار يسأل آل أبو عليان عن أصلبهم عودًا وأكثرهم شجاعة، فقالوا له: إنهم (العَبُّود) فتزوج منهم امرأة ولدت له بنتًا ثم رجع إلى ثرمداء حيث اصطلح مع أميرها.
وأما البنت فقد تزوجها صالح الحسين أبا الخيل فولدت له مهنا الذي صار أمير القصيم بعد ذلك.
وسوف يأتي ذلك مفصلًا في رسم (المهنا) في حرف الميم بإذن الله.
стр. 6526
العبْوُدي:
بإسكان العين وضم الباء مع تخفيفها أي عدم تشديدها فواو ثم دال مكسورة فياء نسب.
من أهل بريدة القدماء.
وهم فرع من أسرة آل سالم الكبيرة القديمة السكني في بريدة.
وهم أسرة مؤلف هذا الكتاب، وكان اسمهم (العبود) بدون ياء فترة من الزمن، وذلك مقيد في أوقافهم ووصاياهم ومبايعاتهم، وكان يقال للواحد منهم (ابن عبود) ثم فلان العبود ثم أصبحت هذه في آخر القرن الثالث عشر (العبودي).
وهم منسوبون إلى جدهم عبود بن محمد بن سالم آل سالم، الذي نرجح أنه كان يعيش في منتصف القرن الحادي عشر الهجري، لأنه الجد السابع لي أنا مؤلف الكتاب، يدل على ذلك أن ابنه عبد الله بن عبود كان ثريًا ذا أموال وعقارات كثيرة، وكان من بين أملاكه ملك في النهير في أدنى الصباخ فتنازع ابنه علي مع جد الرجيعي وطال بينهما النزاع حتى وصل إلى الدرعية فكتب لهما الإمام عبد العزيز بن محمد آل سعود رسالة وجهها باسم ابنه علي العبود الذي كان يخاصم الرجيعي عندها، وذلك في آخر القرن الثاني عشر.
وكان صديقنا الأستاذ إبراهيم بن عبد العزيز الرجيعي قد قال لي قبل سنوات طويلة: إن لدي وثيقة تتعلق بنزاع بين جدنا وجدكم حول نخل (النهير) في شمال الصباخ، وإن والدي قال لي إنها تخص جد العبود - يعنيكم.
стр. 6527
ثم أحضر إلى تلك الوثيقة في بيتي في العكيرشة في بريدة، وإذا بها كتاب من الإمام عبد العزيز بن محمد موجه إلى جد (الرجيعي) وعم جد والدي (علي العبود) وهو ابن عبد الله العبود المذكور، ووعدني بأنه سوف يبعث إليَّ بصورتها ثم بلغني أنه توفي ﵀ قبل أن يرسلها، ولا شك أنها عند أسرته.
وقد طلبت من ابنه الأستاذ محمد بن إبراهيم الرجيعي أن يرسل إليَّ نسخة منها فأرسل نسخة من وثيقة أخرى مطولة فيها ذكر لعلي بن عبد الله العبود، وهو عم جدي - كما قدمت - وهي مؤرخة في عام ١٢٠٠، رأس القرن الثاني عشر، جاء فيها فيما يتعلق بالمذكور بأنه شهد سليمان بن ماجد بن عبد الله بن حسن - وهو من آل حسن آل أبو عليان أمراء بريدة، وكان هو أمير القصيم في وقت سابق على كتابة الوثيقة، و (علي آل عبود) حضرتهم، وقال عبد الله - (ابن حسن الأمير) بايعنا علي (العبود) بسهمه في النهير بسهمنا الذي في برزة، والنهير هو نخيل مشهورة معروفة في شمال الصباخ و (برزة) حائط نخل مشهور، أدركت تسميته بهذا الاسم، قال الأمير: وزدناه - أي زاد (علي العبود).
قال الشاهد: وأشوف أنا يا سليمان (بن ماجد) وزاد له من الزود أربع مراحل تمر.
ثم قال: والأرض التي ركز الرجيعي داخلة في المبايعة، والمراد بركز هنا غرس نخلًا.
قال الشاهد: هذا يحكي عبد الله (بن حسن) وعلي (العبود) حاضر ما أنكر والذي له من الزود وأصله.
ومعنى هذا أن سهما أي قسطًا من نخل في النهير كان يملكه علي العبود قد تبادل مع الأمير عبد الله بن حسن بسهم آخر من الحائط المسمى برزة في الصباخ.
стр. 6528
قال ذلك وكتبه محمد بن سلطان ونقله من خطه أحمد بن (عبد الرحمن) بن قاسم، وقال بعد ذلك: والأرض ما صار لأحد فيها شيء.
ونقلت الوثيقة بعد ذلك شهادة لناصر الصقعبي أن (علي آل عبد الله) وهو علي بن عبد الله العبود، فوالده هو عبد الله، وهو جد جدي أقر عنده أن حقي من الأرض الحيالة اللي في جنب أرض علي آل عبد الله أنها لعبد الله آل حسن مالي فيها شيء، ثم شهد شاهد آخر وهو محمد بن مهنا أن ها الأرض لعبد الله آل حسن داخلة لعبد الله مع سهم علي (آل عبود) من نخل النهير.
مما يدل على أنه كانت لا تزال لعلي العبود - (العبودي الآن) أرض في النهير غير الأرض التي كان بادل بها (الأمير) عبد الله بن حسن.
وتبين أن تلك الأرض التي كان علي العبود قد باعها على الأمير عبد الله الحسن في وقت سابق كان الأمير باعها على منصور الرجيعي وأوضح ابن الأمير عبد الله آل حسن وهو محمد أنه مجيز بيع ها الأرض المنصور الرجيعي.
وأوضح أمرها بأنها التي جئنا - أي جاءت (آل حسن) من علي (العبود) بالمساوق - التبادل - مع نخله أي نخل (علي العبود) في النهير.
كتبه في رمضان من سنة اثني عشر مائة أي ألف ومائتين.
وهذه الوثيقة مهمة جدًّا، ولكن فيها خلفيات عدة تحتاج إلى إيضاح منها أنها تتحدث عن شيء سابق لكتابتها، لأن الأمير عبد الله بن حسن كان قد قتل قبل ذلك وهذه الوثيقة كتبت بعد أن استولى الأمير حجيلان بن حمد على الإمارة بأربع سنين، وحجيلان بن حمد من رهط الأمير عبد الله بن حسن.
وقد نقل كاتبها أحمد بن عبد الرحمن بن قاسم ما جاء عن عالم القصيم (عبد الله بن محمد الصايغ) الذي ذكر بعض المؤرخين بأنه كان قاضيًا في
стр. 6529
القصيم من أهله قبل أن يلي الشيخ عبد العزيز بن سويلم القضاء مرسلًا من الإمام عبد العزيز بن محمد والشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى بريدة.
وأنه قد بلغ من أهمية الأرض المباعة التي أشارت إليها الوثيقة ونقلت نصها فيما سبق أن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب قد أذن ببيعها، وكذلك أذن الأمير حجيلان (بن حمد أمير القصيم) أذن لسليمان بن ماجد ببيعها وسوف ننقل نص وثيقة المبايعة هذه.
وهذه صورتها ننقلها بعد ذلك بحروف الطباعة.
стр. 6530
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يعلم من يراه أني رأيت خط عبد الله المحمد الصايغ فنقلته وصورة ما فيه أن سليمان ابن ماجد قد باع الصبخة المعروفة في بريدة قبليها سوق النهير وحيالته وشماليها أرض غدير آل ماضي وشرقيها سوق الصباخ وجنوبيها جدار الصباخ القديم والحويطة الذي بنا عليها علي ابن ماضي وغريسها وبيرها قد باعها ابن ماضي على منصور الرجيعي بثمن معلوم قدره خمس وعشرين زر عشرة منها في ذمة عبد الله بن حسن المنصور الرجيعي وخمسة عشر زر مبلغهن منصور سليمان فقبض البايع الثمن وبريت نمة المشتري وذلك بعدما أذن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لسليمان ابن ماجد وكذلك اذن الأمير حجيلان لسليمان شهد على ذلك محمد بن سيف وسليمان الحجيلان وكتبه وشهد به واثبته عبد الله بن محمد الصايغ وصلى الله على محمد وسلم ونقلته من خطه سواء بسوا كتبه ناقل له من خطه أحمد بن عبد الرحمن ابن قاسم ورايت ايضًا خط محمد ابن صلطان راعي ثادق وصورة ما فيه أنه قد شهد عندي سليمان ابن ماجد بأن عبد الله ابن حسن وعلي آل عبود حضرتهم وقال عبد الله بايعنا علي بسهمه الذي في النهير بسهمنا الذي في برزة وزدناه وأشوف أنا يا سليمان وزن له من الزود أربع مراحل تمر، والأرض الذي ركز الرجيعي داخلة في المبايعة هذا بحكي عبد الله وعلي حاضر ما أنكر، والذي له من الزود وصله قال ذلك وكتبه محمد ابن صلطان ونقله من خطه أحمد بن قاسم ورايت خط عبد العزيز بن سعود وصورة ما فيه إلى الأخ منصور وعبد الله سلام عليكم وبعد انتم خابرين حالكم عندنا فالواجب لما جرى شرهة عليكم وإلا أنتم الأنف إلى طق هملت العيون، والأرض ما صار لأحد فيها شي نقله من خطه أحمد بن عبد الرحمن ابن قاسم وشهد عندي يا كاتبه أحمد ناصر الصقعبي أن علي آل عبد الله (١) اقر عندي أن حقي من الأرض الحيالة الي في جنب ارضي علي
стр. 6531
آل ... إنها لعبد الله آل حسن ما لي فيها شي وكذلك شهد عندي محمد ابن مهنا أن ها الأرض لعبد الله آل حسن ودخلت لعبد الله مع سهم علي (١) من نخل الأرض النهير، وأقر محمد ولد عبد الله إني مجيز بيع ها الأرض لمنصور الرجعي إلى جتنا من علي بالمساوق مع نخله من النهير كتبه في رمضان من سنة اتنعشر مئة من ابن عبد الرحمن بن قاسم وشهد على اجازة محمد ولد عبد الله آل حسن في بيع الأرض على الرجيعي أحمد القاضي كتبه وشهد على إجازة .... انتهى.
أما عبد الكريم بن عبد الله بن عبود وهو جد والدي فإنه كان أيضًا ثريًا موسرًا، ولكنه أقل ثراء من والده.
وكانت له دكاكين يملكها في وسعة بريدة الشمالية التي كانت تقع إلى الشمال من جامع بريدة الكبير، وكانت الوسعة هي السوق الرئيسي في بريدة خلال أكثر القرن الثالث عشر وأول القرن الرابع عشر، وقد اشترى تلك الدكاكين مهنا الصالح آل أبا الخيل الذي كان أمير بريدة السابق ثم انتقلت إلى ملك الربدي، وتقع في شرق الوسعة المذكورة ثم دخلت في أول زيادة في عهدنا للجامع الكبير، وذلك في عام ١٣٥٩ هـ.
كان والدي يحدثني بذلك من دون أن يريني أوراقًا تتعلق به، لأنه لم تكن توجد لديه مثل تلك الأوراق، وإنما يحدثني ما عرفه من أهله لأن عبد الكريم العبود أو ابن عبود هو جده القريب أي والد والده.
ولكنني وقفت بعد ذلك على ما يؤيده من التاريخ المكتوب وذلك ماثل في قسمة تركة مهنا الصالح أبا الخيل بين أولاده عام ١٣٠٧ هـ. في وثيقة، ذكرت اثنين من تلك الدكاكين ذكرت أن كل واحد منها من دكاكين (ابن عبود) فهكذا كان يعرف، وذكرت أن ذلك الدكان صار من صيبة (حسن المهنا) الأمير.
стр. 6532
كما ذكرت دكانًا آخر بأنه صار من نصيب حصة المهنا، وذكر أنها باسم (دكان ابن عبود) وسوف أورد تلك المقاسمة التركة مهنا في ترجمة مهنا الصالح من (باب الميم) تحت رسم المهنا بإذن الله، وربما أعلق عليها هناك، أما هنا فإني أورد صورتها، فيما يلي.
стр. 6533
ولكن العجيب أن الرجل جد والدي صارت له الآن دكاكين أكبر منها على ميدان الجامع الكبير في بريدة في الشمال منه مباشرة غير أنها وقف له وليست ملكًا.
وكان اشترى أربعة بيوت تقع إلى الشمال من الجامع وجعلها بيتًا واحدًا سكنه في حياته وأوقفه على أبنائه الثلاثة عبد الله وإبراهيم وعبد الرحمن: جدي.
وقد تقاسمه أبناء الأبناء قسمة مصالح لأنه كبير فصار لكل واحد ثلثه بيتًا مستقلًا وصار نصيب والدي الذي كان وحيد أبويه ليس له إخوة وإنما له أخوات القسم الشرقي منه وفيه غرفة مستطيلة تفتح إلى ما يشبه (الصالة) الصغيرة يسمون هذه الغرفة وما قبلها (عكة).
ولم ينزل أحد من الأبناء ولا أبناء الأبناء في القسم الذي يخص والدي من البيت لأنه كان يملك بيتًا خاصًّا به، غيران لوالدي أختًا واحدة غير شقيقة ليس لها من الذرية إلَّا بنت مع زوجها وأولادها فسكنت فيه، وكانت تسميها وهي دار (عكة) تقول: جيت من عكة أبي أروح لعكة ولا تدري معناها ولا ندري ونحن صغار معناها أيضًا.
وذلك أن صاحب البيت - جد والدي - عبد الكريم العبود كان أصاب البلاد مرة مطر عظيم متصل خرج بسببه أهل البيوت في بريدة من بيوتهم حذرًا من أن تسقط عليهم، فقال: والله إن طول الله لي، إني ما أطلع من بيتي ولو كثر المطر.
وقام بالفعل ببناء تلك الغرفة الكبيرة بالحجارة حتى وصل إلى السقف وجعل خشبه فوق الحجارة، وأسماها (عكة) لا شك في أنه على اسم مدينة (عكا) في فلسطين التي كان حصنها قد اشتهر في التاريخ بمناعته وتحمله.
وعندما أمر خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز جزاه الله خيرًا بهدم جامع بريدة الكبير وتوسعته دخل أكثر ذلك البيت: بيت عبد الكريم
стр. 6534
العبود الموقوف على أبنائه في التوسعة فصار أكثره في ميدان الجامع الذي يقع إلى الشمال منه، ودفعت الحكومة مليون ريال إلَّا عشرين ألفًا تعويضًا عما أخذه ميدان الجامع منه، وبقيت فيه بقية من أرضه، فبنى عليها شقيقي الشيخ عبد الكريم سبعة دكاكين جيدة، لأنه هو ناظر هذا الوقف المعتمد من المحكمة، والدكاكين واقعة على ميدان الجامع، من جهة الشمال واشترى بالمليون ريال (عمارة) فيها عدة شقق ودكاكين في مكان بعيد نوعًا عن موقعه.
وبذلك عاد إلى عبد الكريم العبود (ي) جد والدي دكاكين أكثر من دكاكينه وأوسع على ميدان الجامع الكبير ولكن بعد موته بأكثر من ١٧٠ سنة.
وهذه صورة الوثيقة التي قسمت البيت إلى ثلاثة بيوت بين أحفاد عبد الكريم بن عبد الله بن عبود - جد والدي - وهي بخط محمد بن عبد العزيز الصقعبي.
وقد تصرف محمد بن عبد العزيز الصقعبي كما في هذه الوثيقة كما يتصرف القاضي لأن الجميع ارتضوه، وهي تتعلق بأسرة مؤلف هذا الكتاب (العبودي) وكان اسمها قبل ذلك (العبود) بدون ياء، وأصلها أن جد والدي عبد الكريم بن عبد الله بن عبود كان اشترى أربعة بيوت وجعلها بيتًا واحدًا سكنه ثم أوقفه على أبنائه الثلاثة هم عبد الرحمن جدي، وأخواه عبد الله وإبراهيم، وقد ذكر الصقعبي أن اثنين من أرباب النظر هما صالح بن سليمان وحمد الشميمري قسموا بينهم البيت قسمة مصالح خوفًا من خراب البيت وقد صار لناصر بن عبد الرحمن - والدي - وهو حفيد الواقف القسم الشمالي منه، ولم يحتج إلى النزول فيه قط لا هو ولا أولاده لأنهما في بيت كان مملوكا لجدي ثم لوالدي.
وكان كثير من أهل النظر القدماء يوقفون على أبنائهم عقارات حتى تبقى لهم إذا احتاجوا إليها بخلاف المال الموروث فإنه يذهب وهذه صورة المقاسمة:
стр. 6535
أقول: كان هذا بعد وفاة جميع أبناء جد والدي ولم يكن بقي إلا أبناؤهم فوالدي ناصر وحيد أبويه ليس لهما ولد ذكر غيره وعمه عبد الله له ابن وحيد هو عبد الكريم بن عبد الله ليس له ولد غيره وأما عمه إبراهيم فإن له ابنين هما عبد الكريم وناصر.
ولم يشهد على القسمة أحدًا لأنها قسمة مصالح تراضوا عليها لا تثبت حقًّا مملوكًا لأحد منهم لأن البيت كله وقف لا يملك.
ولهذا البيت الكبير الذي أصله أربعة بيوت ثم قسم إلى ثلاثة بموجب الوثيقة التي ذكرتها قصة تصلح لأن تروى فقد أغنى الله ذريته من أبنائه
стр. 6536
وأحفادهم فعاد البيت واحدًا وقفًا، وبطلت قسمة المصالح تلك، وعندما أمر خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود ﵀ وجزاه الله عنا خيرًا بإعادة عمارة جامع بريدة الكبير، دخل جزء من هذا البيت في ميدان الجامع من الجهة الشمالية، دفعت الحكومة تعويضًا له مليون ريال، وبقيت منه بقية من شماله واقعة على ميدان الجامع فعمرها الوصي عليه وهو شقيقي عبد الكريم بن ناصر العبودي سبعة دكاكين نفيسة تغل الأن ريعًا جيدًا.
ثم اشترى بمبلغ المليون مقابل الجزء من هذا البيت الذي دخل في ميدان الجامع مبنى جيدا في الصفراء فيه دكاكين على شارع تجاري عام تؤجر وفيه ست شقق جيدة.
كل هذه الأشياء من هذا البيت الذي لو أعطيت أمنية لي لتمنيت أن صاحبه الذي وقفه رآه الآن، بل ورأى كيف صارت بريدة الآن، لاشك في أنه لو حصل له ذلك بعد أن تنفخ فيه الروح ويعود إلى معاد خيالي في هذه الدنيا لأصابه الجنون، فلم ينتفع حتى بالمتعة في أن يرى بيته كيف صار، لاسيما أنه سوف يهجم عليه جماعة بل جماعات من ذريته كلهم يسلم عليه، ويقبل رأسه ويديه قائلًا: يا جد جدي، أو والد جد جدي، وذلك سوف يزيده جنونًا على جنون.
ولذلك صار من فضل الله عليه وأمثاله أن يبقوا في مراقدهم إلى يوم البعث والنشور والنفخ في الصور، ويومذاك تكون الأرض قد بدلت غير الأرض والسموات.
وسبحان من قال: (كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام).
وكان عبد الكريم العبود - جد والدي - يملك حائطًا واسعًا من النخل اسمه (الحوطة) في خب الشماس حدثني والدي عن أبيه أنهم كانوا يقضون فيه الصيف عندما يطيب الرطب، فكانوا يحصلون من الرطب ومن صيد الطيور المهاجرة على أطيب طعام عندهم في الصيف.
стр. 6537
وقد آلت (الحوطة) المذكورة إلى عدة أناس تداولوها ولكن جد والدي كان أوقف فيها أربع عشرة نخلة من نخلها الجيد.
بقيت تلك النخلات يأكل أولاده تمرها جيلًا بعد جيل حتى سقطت كلها من الطول ومضي الوقت ما عدا اثنتين وكل من باع الملك اشترط هذه على المشتري لأنها في البيع الأول حتى باعه مالكه الأخير أحمد بن علي العييري على ... الراجحي واشترطهما في عقد البيع.
وكان عبد الكريم بن عبد الله العبود أو ابن عبود وهو جد والدي إلى جانب غناه واشتغاله في ماله بنفسه يبضع الأشخاص المعروفين بحسن الاكتساب واستثمار المال كما يفعل أناس كثير، من أولئك سليمان بن صالح السالم الذي وجدت له قيودًا بالبضاعة التي عنده، والمراد بها هنا الأموال التي يدفعها أصحابها إليه على سبيل المضاربة حيث يكون الربح المتحقق من ذلك مشتركًا بينهما.
فقد جاء في دفتر سليمان بن صالح السالم ما يلي:
ثبات خير إن شاء الله، البضاعة سنة ستين ويريد بذلك سنة ١٢٦٠ هـ فهذا هو عصره، ثم ذكر الأشخاص الذي معه لهم بضاعة أي مال للاستثمار فبدأ بذكر محمد البسام وأن له عشرين ريالًا، ثم حمود بن مشيقح ومشيقح هو والده وليس والد أسرته وله خمسون ريالًا وعبد المحسن السيف - وهو الملا ابن سيف - له ستة وعشرون ريالًا، ثم قال:
و(عبد الكريم آل عبود) ثمان وخمسون شامي الخ، وقال في آخر الورقة: وأيضًا عبد الكريم العبود سبع غازيات، والغازيات جمع غازي وهو نقد ذهبي معروف عندهم.
стр. 6538
وجاءت شهادة جد والدي عبد الكريم العبود في وثيقة مؤرخة في عام ١٢٥٦ هـ وتتضمن شهادته بأن عند حميدان الربيش لعلي الناصر الرسيني عشرة أريل فرانسه يحل أجلهن طلوع شهر شعبان من سنة ١٢٥٦ هـ كتب شهادته هذه عن أمره عبد الله الناصر الرسيني، وصلى الله على محمد وآله.
стр. 6539
إن هذا الرجل الذي هو جد والدي (عبد الكريم بن عبد الله بن عبود) هو متعلم أو مثقف بالثقافة الشائعة في عصره بدليل أنه سمي جانبًا حصينًا من بيته باسم (عكَّه) وهو بلا شك من اسم حصن (عكا) في فلسطين الذي اشتهر بحصانته وقوته إبان الحروب الصليبية.
كما أن الرجل بصير لأنه أوقف بيته الذي كان أربعة بيوت جعلها بيتًا واحدًا، وسكنه، أوقفه على أبنائه الثلاثة، ولم يجعله وقفًا خيريًا ولا في أعمال البر، وإنما جعله وقفا عليهم لئلا يضطر أحدهم إلى استئجار بيت.
وقد تحقق ما أراد فاثنان من أبنائه لم ينزلا فيه قط لأنها استغنينا عنه وهما جدي عبد الرحمن وأخوه إبراهيم فكلاهما بني له بيتًا وإبراهيم صارت له نخيل وممتلكات أخرى.
أما عبد الله فهو الذي بقي في البيت حتى توفي.
стр. 6540
وبعد ذلك قسم ذلك البيت قسمة مصالح كما سبق وسكن في أحدها حفيده عبد الكريم بن عبد الله العبودي ابن عم والدي.
وفي الوقت الحاضر عند تبييض هذه السطور في عام ١٤٢٧ هـ وقد كثرت ذريته صار أخي عبد الكريم الناظر على أوقافه يعطي المحتاج من ذريته الزواج أو نحوه مساعدة من غلة أوقافه.
إلا أن المؤسف أن أوراقه الأخرى ضاعت مع أنه ثري يداين الناس ويشتري عقارات عديدة.
ووجدت شهادة لجد والدي عبد الكريم بن عبد الله بن عبود بلفظ عبد الكريم بن عبود، وذلك في ورقة مداينة بين شيخة بنت ناصر بن بطي والثري الشهير في زمنه محمد بن عبد الرحمن الربدي، والدين أربعمائة وخمسون وزنة تمر شقر جيد جديد، أي ليس من ثمرة العام الفائت.
يحل أجل الوفاء به في طلوع ذي الحجة لسنة ١٢٦٩ هـ.
والكاتب لبيدان بن محمد.
والتاريخ ٣ ربيع الأول سنة ١٢٦٩ هـ.
ومنهم علي بن عبود وهو أخو جد والدي كان مشهورا يتملك العقارات، ولذلك وجدنا شهادات له عديدة عليها.
ورد ذكر (علي العبود) هذا في وثيقة مبايعة مؤرخة في عام ١٢٤٦ هـ البايع فيها (علي العبود)، والعْبُّود بإسكان العين وضم الباء المخففة من أسرتنا لأن أوائلنا أثرياء تجار لهم أملاك وعقارات عديدة.
أما المشتري فإنه الثري الشهير عمر بن سليم أول من جاء من آل سليم إلى بريدة.
стр. 6541
والشاهد عبد الله آل جميعة من (الجميعة) الأسرة القديمة السكني في بريدة، وأما الكاتب فإنه المعروف سليمان بن سيف وتاريخها في شهر صفر من سنة ١٢٤٦ هـ.
وينبغي أن ننوه بأن المبيع اسمه الذي ذكروه (القليب) وهذا يراد به القليب التي لها أراض تتبعها تزرع حبوبًا في الشتاء كالقمح والشعير واللقيمي وتزرع في الصيف ذرة ودخنًا فليس المراد بالقليب المذكورة مجرد البئر، ولذلك حددتها الوثيقة يعني حدود الأرض التي تتبع القليب بأنها حد أرضها من شمال: القبور، وقد درست تلك القبور، ولا نعرف عنها شيئًا، ومن قبلة الصفراء، والصفراء هي الأرض الصخرية ذات الحصا الذي لونه يميل إلى الحمرة، ولا تزال الصفراء المذكورة معروفة، كنا نخرج إليها في عام ١٣٧٤ هـ ونصطاد منها القطا والحجل عندما كانت قفرًا، ليس بها ساكن، بل ليس فيها أنيس، إلا من قد يمر مع جادة الطرفية التي أشارت إليها المبايعة بأنها تحد الأرض المذكورة من جهة الجنوب.
وذكرت أنها تحد من شرق بالنفود، والنفود الآن صار منازل ودارات (فيلات) وفيه حوانيت حديثة ولا يكاد يصدق مثلي ممن عرفها في السابق خرابًا يبابًا ثم شهدها الآن تشبه الأحياء الحديثة في المدن الراقية.
وهذه صورة الوثيقة:
стр. 6542
كما وردت شهادة لعلي بن عبود في وثيقة مؤرخة في شهر رجب من عام ١٢٤٥ هـ بخط عبد الرحمن بن سويلم المعروف في ذلك الوقت بكتابة الوثائق والتعاقدات، والوثيقة مداينة بين دخيل الحوطي (مستدين) ومحمد (بن عبد الرحمن) الربدي دائن والشاهدان على ذلك هما عبد المحسن بن سيف وهو الملا ابن سيف المشهور وعلي آل عبود أي ابن عبود.
стр. 6543
وهذه الوثيقة لا شك في أنها تريده هو ولا تريد غيره، لأننا وجدنا له شهادة في معاملات الثري المعروف محمد بن عبد الرحمن الربدي، وكان جاره في بيته الذي أدخل في جامع بريدة في وقت سابق قبل التوسعة التي أمر بها الملك فهد بن عبد العزيز ﵀.
ومنهم جدي القريب أي والد والدي عبد الرحمن بن عبد الكريم العبودي ولد في عام ١٢٤٨ هـ على وجه التقريب وتوفي في آخر عام ١٣٢٣ هـ على وجه التحديد في الكويت.
وكان من النشطين ضد ابن رشيد ومن أنصار آل مهنا أمراء بريدة قبل ابن رشيد، فلما انتهت وقعة الطرفية في عام ١٣١٨ هـ بهزيمة أهل القصيم صار ابن رشيد يتتبع الناشطين فيها يقتل من يقتل ويصادر أموال بعضهم فاختفى جدي فترة في بريدة ثم ذهب متنكرًا إلى الكويت، فأقام فيها حتى مرض
стр. 6544
عند دخول آل أبا الخيل إلى بريدة مع الملك عبد العزيز فيما أسماه أهل القصيم بسنة السطوة، وهي الهجوم على بريدة وإخراج رجال ابن رشيد منها، عام ١٣٢٢ هـ مرض في الكويت وأرسل لوالدي كتابًا يذكر فيه أنه مريض لا يستطيع أن يخرج من الكويت ويقول له وهو ابنه الوحيد: أنا مريض يا ولدي وودي أشوفك قبل ما أموت، فعجل تعال عندي، وما أدري أنت تمكني أو لا. فذهب إليه والدي ووجده مريضًا فعلًا فجلس عنده أربعة أشهر، حتى توفاه الله في التاريخ المذكور ودفن في الكويت.
وكان شاعرًا اجتماعيًا يذهب مع تجار المواشي إلى العراق والشام وله صداقات مع كثير من الوجهاء لذلك أسموه (العبودي) بدلًا من ابن عبود أو عبد الرحمن العبود، لأن العبودي أخف في النطق وهي صحيحة لأنها نسبة إلى الجد الأول عبود بن محمد بن سالم.
وكان صيادًا ماهرًا مغرمًا بصيد الظباء وقنصها.
ومما قاله في الصيد والقنص ويذكر بندقًا له اسمها (جَمْلي):
قالو: تبيع؟ وقلت: يا ناس ما ابيع ... (جَمْلي) وعندي وجبةٍ من متاعي
.......................... ... ما ابيع لو الموت يقضب كراعي
باغي إلى شفت الجوازي مخاضيع ... في راس حزم كنهنَّ الوداع
اظهر لها اللي مثل بسر المرابيع ... واركز لها بين العواذر ذراعي
ما اناب من اللِّي ختختوا للجرابيع ... ولا اناب من اللي صَيِّدوا الضَّباع
وقال أيضًا في بندقية له (ماطلي):
قالوا: تبيع (الماطلي) قلت: انا شاح ... يا ناس ما قلبي عن الصيد عازي
لولا الظما والقيظ عانقت صيَّاح ... طرَّحتِ بالضاحي فروق الجوازي
стр. 6545
وامشي وأدوبح في ذرا كل مصفاح ... وأحبي على ايدي بروس النوازي
أخبي وأنا شفقٍ على بيض الافطاح ... اظهر لهن راسٍ به القبع لازي
من شعر جدي عبد الرحمن بن عبد الكريم العبودي:
والله لولا مداري خالي ... لاحطِّ الكسوة عرينية
شماغينٍ حدر عقالِ ... وش لوْ تشوف الطاقيَّة؟
وقال في والدي (ناصر) وهو صغير:
يا ناصرٍ خربت الموس والمقص ... وإما المباري ما لهن حْسَابْ
الحاجه ما يفكها منك القفص ... ما يفكها لو يصكْ دونَهْ باب
وقال مداعبًا طفلة اسمه هيلة وهي صغيرة عمرها ٥ سنوات:
(يا هيلة) زورينا ... لولا البعد زرناك
لولا أن ناقتنا طالع ... عنينا لك وجبناك
الا يا زينة الغرّه ... تري جتنا حكاياك
عسي لي هَدِّتِ الكلبه ... تاكل لي من شطاياك
عسى لي عضيتي التمره ... تْجَدِّعْ لي ثناياك
وقال لما أودع رجلا من أهل الشقة غنمًا له وكان في قرية (الشقة) يجعل غنمه في حوش كبير فيه قرد جمع قراد، وحلم جمع حلمه، ليحصل منه دمال فإذا سأله جدي عن غنمه وكانت ثمان شياه قال: مربعة ومقرعة أي قد ضربها الفحل فقال له يومًا هات الغنم إن كانت قد دفعت أي قد قرب نتاجها فأتي بها، ولما وصل إلى (الزرقاء) وقفت واحدة من الهزال فتركها عند خريف في
стр. 6546
(الزرقاء) ولما وصل إلى مرقب الشماس وقفت، أخرى ومات بعضها عنده، فلما دخل بهن على عبد الرحمن العبودي لمس السالم منها فلم ير فيها ضريع وإذا آذانهن كفرش الملح من القرد والحلم الصغار فقال عند ذلك عبد الرحمن العبودي:
احذرك يا اللي دائمًا تطلع الغنم ... لا تحط بياع الدمال وديع
مضحاه بالعاذر ومعشاها بالرضم ... ولا تلقى بها عقب القراع ضريع
تجيك باذانها القرد والحلم ... أمال ممحل والمال بربيع
وكان جدي عبد الرحمن العبودي صديقًا لعدد من الشعراء الرماة المولعين مثله بالصيد والقنص مما جعل اسمه أو ذكره باسم العبودي يذكر في عدة مقطوعات شعرية عامية.
من ذلك قول رشيد الأشقر من بني سالم من حرب، يذكر بندقه وأنه جني لها ملحًا من الشفا ومن المضيح ولكن ذلك كان دون ما حصل عليه من ملح البارود الذي أحضره من صديقه (العبودي) عبد الرحمن فقال:
جنيت لها ملح الشفا والمضيح ... من غير مجني جبت ملح (العبودي)
باغي إلى رحت العصير أتضَيَّحْ ... لقيتهن في خِبَّةٍ مِنْ نفود
كم تيس ريم من ندبها تَرِّيَحْ ... وترايعن الرِّيم بيض الخدود
تَسْمَعْ لها ورا المضارب تْصَيِّحْ ... جَبَّتْ معاليق السَّحَر والعضود
يا جعل (العبودي) بالجنان يتَميَّحْ ... في جنة الفردوس يرقد رُقود
وحدثني والدي ﵀، قال: لما أنشد رشيد الأشقر والدي هذه القصيدة، وهي أطول مما ذكرت، جاء على هذا البيت في آخرها، قال له أبي: الله بهديك - يا رشيد - تبي أني أنام بالجنة، وأنا ما أحب النوم بالدنيا؟ فأجاب رشيد: أبيك تشبع من النوم في الجنة، وبعدين تسوي اللي تبي.
стр. 6547
وقول رشيد: جنيت لها يريد بندقه، ملح الشفا وهو الملح الأبيض أهم جزء لازم لصنع البارود والشفا: موضع في أعلى عالية نجد، والمضيِّح جبل في عالية نجد أيضًا.
وقوله: جنيت لها: أي أخذت لها ذلك الملح من مجناه وهو معدنه، وذلك أن الصائدين والرماة كانوا في القديم يصنعون ملح البارود بأنفسهم وهو يوجد في أماكن عدة مثل الجريف قرب الرس، والركا غير بعيد من (نفي) في عالية القصيم ويكون مختلطًا بالتراب كأنه سبخة فيأخذونه ويطبخونه أي يضعون عليه ماء ويغلونه، حيث يذاب الملح في الماء فيضعونه في صحن، أو نحوه فإذا كان في الصباح وكان برد اشتبك الملح الخالي من التراب في أعلاه لأن التراب يكون قد رسب فيأخذونه ويضيفون إليه الفحم والكبريت الأصفر ويدقونه.
ونعود لإيضاح الفحم الذي يصلح لملح البارود فهو ليس كل فحم، وإنما يجب أن يكون فحم أعواد مجوفة كخشب العُشر وعيدانه وكعيدان العنب والشفلح وهو شجر بريَّ شائك.
يقول الشاعر: من غير مجني جبت ملح العبودي، أي حصل عليه من غير أن يجنيه من معدنه.
وفي البيت الثاني قال باغي إلى رحت العصر اتضيح، العصير: تصغير العصر، وأتضيح: التضيح أن ينظر الإنسان في وقت العصر إلى جهة الشرق منه حيث يذهب نظره بعيدًا فيبصر الظباء علي البعد، قبل أن تنفر منه، فيقنصها ويرميها.
وكان فرج بن خربوش وهو شاعر مشهور من أهل جبل سلمى قرب حائل صاحب صيد وقنص، له عادة سنوية من النقود كان أمر له بها الملك عبد العزيز آل سعود فكان إذا ذهب إلى الرياض من بريدة وجلس إلى والدي اشترى من ملحه الجيد والملح هو البارود الذي هو المادة المتفجرة التي توضع
стр. 6548
في البنادق غلب عليه اسم الملح لأن الملح الأبيض هو أكبر أجزائه ولذلك يسميه بعض الناس (ملح البارود) تمييزًا له عن ملح الطعام في الذكر.
سمعت فرج بن خربوش يحدث والدي أنه اشترى مرة (ملح بارود) من رجل، له دكان في حائل يبيع الملح فوجد ملحه رديئًا لاسيما بعد ملح البارود الذي كان يحضره من والدي في بريدة.
قال: فأنشأت هذه الأبيات أخاطب بها ذلك الرجل الذي اسمه علي: وذلك في عام ١٣٦١ هـ:
يا علي، وآملحك خراب البواريد ... ويا دبل كبد اللي بملحى تكال
ملحك عن النيشان يأخذ تصاديد ... يخطي السلوب ولا يصيد الجلال
ملحك على ملح (العبودي) تقاليد ... هو ملحه الصافي وملحك حْثالِ
ثم انتقل إلى مدح والدي بقوله بعد ذلك:
يا راكب من فوق زين المشاديد ... تلفي (العبودي) شوق زين الخيال
نَزْه الشوارب عن جميع العواقيد ... سَهْل النِّبا، يأتي على شف بالي
في هذه الأبيات من الغريب الذي يحتاج إلى توضيح قوله في البيت الأول:
يا دبل كبد اللي بملحك تكال
هذا مجاز معناه: إن البندق التي تكال من ملحك بمعنى توضع فيها كيلة من الملح، هي مقدار معين من البارود، إذا زاد ضر، وإذا نقص لم ينفع.
ودبل الكبد التي هي في الأصل كبد الإنسان: مرض يسمي (دبيلة) يمرض كبد الإنسان كما يقولون، ولكنه ذكر ذلك للبندق التي سماها بارودًا وجمعها على بواريد من باب المجاز.
стр. 6549
وقوله في البيت الثاني ملحك عن النيشان يريد به الهدف الذي يرمي كالطريدة من الصيد، وليس النيشان بمعنى الهدف الذي يرميه الناس ليتعلموا الرماية.
وقوله: يخطي السلوب: السلوب هي صغار الصيد كالأرانب والقطا والحجل، وهي السلوب من الصيد، والجلال من الصيد: الكبير منه كالحباري والظبي، والوعل.
وقوله: يا راكب من فوق زين المشاديد، يعني به بعيرًا تخيَّله عليه شداد فيه زينة الرحل، فالبعير وشداده بمعنى رحله وما يتبعه، عليه زينة الراكب.
وتلفي العبودي: تنزل عليه بمعنى أن تقصده.
وقوله شوق زين الخيال، فزين الخيال هي الفتاة الجميلة: لأن الخيال هو المنظر، وزينه: جميله، وشوق زين الخيال: مدح لأن الفتاة الجميلة لا تشتاق وتريد إلا رجلًا جميل المظهر وله مقام رفيع - وقوله: نزه الشوارب قد نزهه الله عن تعقيد الأمور، ونزه الشوارب مجاز، وعواقيد الأمور هي التي يترتب عليها، أذى الناس.
وقوله سهل النبا، النبا هو الحديث فقوله: سهل النبا، معناه: حسن الحديث، سلس الكلام، يحب من يسمعه يتحدث أن ينصت إليه.
هذا وقد مات فرج بن خربوش في عام ١٣٧٨ هـ أي بعد وفاة والدي في عام ١٣٧٠ هـ بثمان سنين.
أسرة العبودي وملح البارود:
ذكرنا المقطوعتين الشعريتين اللتين في إحداهما مدح جدي عبد الرحمن العبودي وهي لرشيد الأشقر من بني سالم والثانية في مدح والدي لفرج بن خربوش من أهل جبل سلمى قرب حائل وفيها ذكر (لملح العبودي) والمراد بذلك البارود المادة المتفجرة.
стр. 6550
وكانت أسرتنا تصنع البارود أي تقوم على ذلك وإلا فإن الذي يتعبون عليه هم عمال أقوياء لأنه يقوم على خلط الكبريت الأصفر بنسبة ١ إلى ٦ والفحم أيضًا بنسبة ١ إلى ٦ لملح البارود الأبيض، تخلط هذه الأجزاء الثلاثة وذلك بأن يدق الكبريت الأصفر وحده والفحم وحده وملح البارود وحده، وهو أهونها دقًا ثم تخلط هذه الأخلاط الثلاثة وفق طريقة معقدة وتجعل في نقابر جمع نقيرة - وهي الصخرة الضخمة من الصخر الصلد التي تنقر فيها حفرة يوضع فيها ذلك المزيج، ثم تدق بعمد - جمع عمود - ضخمة من الحجارة الثقيلة، ولابد من أن تكون تلك العمد من المرو وهو الحجارة الصلدة التي تشبه المادة القريبة من البلور أو تكون من حصاة واحدة ملساء، ويدقها العامل القوي لمدة طويلة، ولابد من أن تثري أي يضاف إليها الماء لئلا تتطاير عند الدق.
وبعد ذلك (يقطع) أي ينخل (بثلاثة) مناخل، كل واحد منها أضيق فتحات من الأخر وآخرها هو الأضيق دقة، وفي هذه المناخل يتدحرج البارود بعد أن يكونوا وضعوا عليه ماءًا بمقدار معين وينشر في الشمس بسهولة حتى يجف ويكون بذلك بارودًا محببًا - أي ذا حب يشبه الحبة السوداء.
كان أول ما بدأ (آل عبود) بعمل ملح البارود أن جماعة من بني زيد أهل شقراء جاءوا إلى بريدة ونزلوا بجوار عم والدي وصاروا يدقون ملح البارود ويبيعونه يتكسبون بذلك، فعرف طريقة صنعه منهم، وصار يعمله بصفة قليلة.
أما هم فإنهم اشتغلوا بالتجارة لأن بريدة كانت مركزًا تجاريًا لنجد فتركوا (دق الملح) وباعوا أدوات صنعه على عم والدي عبد الله العبودي، وبذلك صار جدي ثم والدي وكذلك أبناء عمنا يصنعونه في وقت القيظ يحضرون العمال لذلك.
وكان مربحًا جدًّا، إلا أن سوقه القوية تكاد تنحصر في وقت مهاجرة الطيور في الخريف والصيف الذي هو الربيع.